مما علمك الله..» البداية ١١١:٨، ولماذا؟ وتقدم ص ٤٦ قول عمر بن الخطاب: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله ﷺ، ألهاني عنه الصفق والأسواق» وقال طلحة بن عبيد الله لما سئل عن حديث أبي هريرة «والله ما تشك انه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا أقوياء أغنياء لنا بيوت وأهلون، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينًا لا مال له ولا أهل وإنما كانت يده مع يد رسول الله ﷺ، وكان يدور معه حيث ما دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع» البداية ١٠٩:٨ وحدث أبو أيوب - وهو من كبار الصحابة - عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، فقيل له في ذلك فقال «إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع» البداية ١٠٩:٨ (١) وحدث أبو هريرة بحديث، فاستثبته ابن عمر فاستشهد أبو هريرة عائشة فشهدت، فقال أبو هريرة إنه لم يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودى ولا صفق الأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها. فقال ابن عمر: أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه» البداية ١٠٩:٨ (٢) وقالت عائشة لأبي هريرة: أكثرت الحديث، قال: إني والله ما كنت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكني أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي، قالت: لعله. البداية ١٠٩:٨.
فأنت ترى اعترافهم له، وترى أن أدبه البالغ المتقدم لم يكن تقية، فإنه لما اقتضى الحال صدع صدع الواثق المطمئن
ثم ذكر أبو رية ص١٥٥ قول أبي هريرة «كنت استقرت الرجل الآية
_________________
(١) والمستدرك ٥١٢:٣ وقال: صحيح على شرط الشيخين، واقتصر الذهبي على أنه على شرط مسلم
(٢) والمستدرك ٥١٠:٣وقال صحيح، وأقره الذهبي
(٣) وانظر المستدرك ٥٠٩:٣ وقال صحيح، وأقره الذهبي
[ ١٤٨ ]
وهي معي كي ينقلب فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا»، ثم قال أبو رية: «من أجل ذلك كان جعفر هذا في رأي أبا هريرة أفضل الصحابة جميعًا.. أخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب»
أقول إسناده صحيح إلا أنه غريب، ومن تدبر ترجمة جعفر ﵁ لم يستكثر عليه هذا، وفي / فتح الباري ٦٢:٧ في شرح قوله: وكان أخير الناس للمساكين، ما لفظه «وهذا التقييد يحمل عليه المطلق الذي جاء عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال..»
ثم ذكر ص١٥٦-١٥٧ حكايات عن الثعالبي والبديع الهمداني وعبد الحسين بن شرف الدين الرافضي وكلها من خرافات الرافضة وأشباههم، لا تمت إلى العلم بصلة
ثم قال آخر ص١٥٧ «وأخرج أبو نعيم في الحلية الخ»
أقول هو من طريق فرقد السبخي قال: وكان أبو هريرة الخ، وفرق ليس بثقة، ولم يدرك أبا هريرة
وقال: ص١٥٨ «وفي الحلية كذلك أن أبا هريرة كان في سفر فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا إليه وهو يصلي فقال: إني صائم، فلما كادوا يفرغون، جاء فجعل يأكل الطعام، فنظر القوم إلى رسولهم فقال أب هريرة: صدق إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: صوم رمضان وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر، وقد صممت ثلاثة أيام من أول الشهر، فأنا مفطر في تخفيف الله، صائم في تضعيف الله»
أقول: هذه فضيلة له، وقد وقع مثلها لأبي ذر ﵁ «مسند أحمد
[ ١٤٩ ]
١٥٠:٥ وغيره، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ «ما أظلت الخضراء ولا أقلت النيران من ذي لهجة أصدق من أبي ذر»
قال «وفي خاص الخاص للثعالبي الخ»
أقول: «وقد جعل أبو هريرة الأكل من المروءة، فقد سئل: ما المروءة؟ قال: تقوى الله وإصلاح الصنعية والغداء والعشاء بالأقنية»
أقول: ليس في هذا جعل الأكل نفسه من المروءة، وإنما فيه أن من المروءة أن يكون الأكل بالأقنية» يريد بموضع بارز ليدعو صاحب الطعام من مر ويشاركه من حضر، لا يغلق بابه ويأكل وحده
قال «وقد أضربنا عن أخبار كثيرة لأن في بعضها ما يزيد في إيلام الحشوية الذين يعيشون بغير عقول»
أقول: أما عقول الملحدين الذي يعيشون بلا دين، ومقلديهم المغرورين، فنعوذ بالله منها
ثم قال «حديث: زر غبًا تزدد حبًا. قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة الخ»
/ أقول هذا حديث مذكور في الموضوعات، روى عن علي وعائشة وابن عباس بطرق كلها تالفة
ثم قال ص١٦١ «مزاحه وهذره، أجمع مؤرخو أبي هريرة على أنه كان رجلًا مزاحًا مهذارا»
أقول: أما المزاح فنعم، ولم يكن في مزاحه ما ينكر، وأما الهذر فأسنده بقوله «قالت عنه عائشة في حديث المهراس إنه كان رجلًا مهذارا» وهذا باطل، لم تتكلم عائشة في حديث المهراس بحرف، انظر التقرير والتحيير لابن أمير
[ ١٥٠ ]
الحاج ٣٠٠:٢ ثم رأيت الدكتور مصطفى السباعي قد بسط الكلام في هذا في الجزء ٩ في المجلد ١٠ من مجلة المسلمون ص٢٠
قال أبو رية «عن أبي رافع قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب حمارًا قد شد عليه برذعة وفي رأسه خلية من ليف، فيسير فيلقي الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير، وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب (١) فلا يشعرون بشيء حتى يلقي نفسه بينهم ويضرب برجليه فينفر الصبيان فيفرون، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ثعلبة بن [أبي] مالك القرظي قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان على المدينة فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن [أبي] مالك. فقلت له: يكفي هذا. فقال: أوسع الطريق للأمير، والحزمة عليه»
أقول: إنما كان يعتمد هذا التبذيل والمزاح حين يكون أميرًا تهاونًا بالإمارة ومناقضة لما كان يتسم به بعض الأمراء من الكبر والتعالي على الناس، وكانت إمارة أبي هريرة رحمة بأهل المدينة يستريحون إليها من عبية أمراء بني أمية وعنجهيتهم، وكانت إحياء السنة، فإن الأمير كان هو الذي يؤم الناس، فكان الأمراء يغفلون أشياء من السنة كالتكبير في الصلاة وسجود التلاوة وقراءة السور التي كان يقرؤها النبي ﷺ وغير ذلك، فكان أبو هريرة إذا ولى كان هو الذي يؤم بالناس، فيحيي ما أهمله الأمراء من السنن»
قال «ولقد كانوا يتهكمون برواياته ويتندرون عليها لما تفتن فيها وأكثر منها، فعن أبي رافع أن رجلًا من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول الله ﷺ فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئًا؟ فقال: [والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب
_________________
(١) في البداية الأعراب وهو أمير
[ ١٥١ ]
(ليبيننه للناس ولا يكتمونه) ما حدثكم بشيء [هذه الزيادة من مصدر أبي رية نفسه البداية ١٠٨:٨] سمعت أبا القاسم ﷺ / يقول: إن رجلًا ممن كان قبلكم بينما كان بتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة، فوالله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك»
أقول متن الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر، وهو عند أحمد وغيره من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي سعيد، وجاء من حديث وغيرهم. وقال الدارمي في «باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي ﷺ حديث فلم يعظمه ولم يوقره عن العجلان عن أبي هريرة» فذكر المتن قال عقبة: فقال له فتى - قد سماه - وهو في حلة له: أهكذا كان يمشي ذلك الفتى الذي خسف به؟ ثم ضرب بيده فعثر عثرة كان يتكسر منها، فقال أبو هريرة: للمنخرين وللفم (إنا كفيناك المستهزئين)»
أقول فقد أخزى الله ذاك المستهزئ كما أخزى غيره من المستهزئين بدين الله ورسله وخيار عباده (وما هي من الظالمين ببعيد)
وقال ص١٦٢ «كثرة أحاديثه» ثم قال ص١٦٣ «وقد أفزعت كثرة رواية أبي هريرة عمر بن الخطاب فضربه بالدرة وقال له «أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وأحر بك أن تكون كاذبًا»
أقول: لم يعز هذه الحكاية هنا، وعزاها ص١٧١ إلى شرح النهج لابن أبي الحديد حكاية عن أبي جعفر الأسكافي، وابن أبي الحديد من دعاة الاعتزال والرفض والكيد للإسلام، وحاله مع ابن العلقمي الخبيث المعروفة والاسكافي من دعاة المعتزلة والرفض أيضًا في القرن الثالث ولا يعرف له سند، ومثل هذه الحكايات الطائشة توجد بكثرة عند الرافضة والناصبية وغيرهم بما فيه
[ ١٥٢ ]