ثم قال أبو رية «ضعف ذاكرته: كان أبو هريرة يذكر عن نفسه أنه كان كثير النسيان لا تكاد ذاكرته تمسك شيئًا مما سمعه، ثم زعم أن النبي ﷺ دعا له فأصبح لا ينسي شيئًا يصل إليه إلى أذنه، وقد ذكر ذلك كي يسوغ كثرة أحاديثه ويثبت في أذهان السامعين صحة ما يرويه»
أقول: في باب ما جاء في الغرس في صحيح البخاري من طريق الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة « وقال النبي ﷺ: لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أفضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينس من مقالتي شيئًا أبدًا. فسطت نمرة ثمم جمعتها إلى صدري، فوالله الذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلا يومي هذا» هذه الرواية صريحة في اختصاص عم النسيان بما حدث به النبي ﷺ في ذاك المجلس
وفي باب الحجة على من قال الخ من كتاب الاعتصام من صحيح البخاري أيضًا من طريق الزهري عن الأعرج أيضًا عن أبي هريرة « وقال: من يبسط رداءه حتى أفضي مقالتي ثم قبضه فإنه لن ينسى شيئًا سمعه مني. فبسطت بردة كانت علي فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه»
في هذه الرواية إطلاق، ولكن السياق ونص الرواية الأولى يقضي بالتقييد
وفي أوائل البيوع من صحيح البخاري أيضًا من طريق الزهري عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة «.. وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أفضي مقالتي هذه ثم يجمع ثوبه إلا وعى ما أقول: فسطت نمرة علي حتى إذا قضى رسول الله مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله تلك من شيء»
وهذه الرواية صريحة في الاختصاص أيضًا
وفي باب حفظ العلم من صحيح البخاري أيضًا من طريق ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه. قال: ابسط
[ ١٩٦ ]
رداءك، قال فبسطته، قال فغرف بيديه/ ثم قال: ضم. فضممت، فما نسيت شيئًا بعد»
هذه الرواية تصف فيما يظهر واقعة أخرى، فكأن أبا هريرة استفاد من الواقعة الأولى حفظ المقالة التي حدث بها النبي ﷺ في ذاك المجلس على وجهها رغب في الزيد فقال للنبي ﷺ «إ ني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه» وهذا القول لا يقتضى كما لا يخفى نسيان كل ما يسمع ولا نسيان المقالة التي تقدم خبرها. على أن المفهوم قد يحمله حرصه على المبالغة في الشكوى. وتقد ص ١٠٠ ذكر شهادة النبي ﷺ لأبي هريرة بأنه أحرص الصحابة على العلم، وقد تقدم ص١٠٥ ما يتعلق بذلك، وليس هذه الرواية ذكر نص عن النبي ﷺ بعدم النسيان لشيء بعد ذلك، وإنما فيها قول أبي هريرة فما نسيت شيئًا بعد» يعني شيئًا من الحديث لأن الشكوى إنما كانت من نسيانه، وهذه الكلمة بناها على اعتقاده حين قالها فلا يمتنع أن نسي بع ذلك شيئًا من الحديث أو أن يتبين أنه قد كان نسى ولم يستحضر ذلك
ثم قال أبو رية ص ١٧٨ «روى مسلم عن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله، والله الموعد، كنت رجلًا مسكينًا أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فقال رسول الله: من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئًا سمعه مني. فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه ثم ضممته إلى فما نسيت شيئًا سمعته منه
قال مسلم: إن مالكًا انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة. ولم يذكر في حديثه الرواية عن النبي: من يبسط ثوبه الخ. ولا ريب في أن رواية مالك هي الصحيحة لأن الكلام بعد ذلك مفكك الأوصال، ولا صلة بينه وبين الذي قبله»
[ ١٩٧ ]
أقول: كلمة أبي رية الأخيرة «لا ريب أن رواية مالك هي الصحيحة» تعطي أن الصحيح عن أبي هريرة هو ما اقتصر عليه مالك فقط، ولا يخفى أن هذا يناقض قول أبي رية سابقًا «ثم زعم أن النبي ﷺ دعا له» ويناقض كلامه الآتي «على أن هذه الذاكرة » فكلام أبي رية متناقض حتمًا، لا مفكك الأوصال فحسب، أما من زعمه أن الخبر بتلك الزيادة مفكك الأوصال لا صلة بينه وبين الذي قبله» فإنما جاء ذلك من اختبار أبي رية بلفظ مسلم، والخبر في موضع من صحيح البخاري مرت الإشارة إليها، وسياقه هناك سليم
/ ثم قال أبو رية «على أن هذه الذاكرة قد خانته في مواضع كثيرة، وإن ثوبه الذي بسطه قد تمزق تتناثر ما كان بين أطرافه، وإليكم أمثلة من ذلك. روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي قال: لا عدوى ولا طيرةولا هامة. وقد روى هذا الحديث بألفاظ مختلفة، ولكن الحصابة عملوا بما يخالفه، فقد روى البخاري عن أسامة بن زيد أن رسول الله قال: إذا سمعتم بالطاعون أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها. وقد جاء الحديث كذلك عن عبد الرحمن بن عوف. ولما سمع عمر هذين الحديثين وحديث لا يوردن ممرض على مصح-وهو مما رواه أبو هريرة- وكان قد خرج إلى الشام ووجد الوباء عاد بمن معه، وق اضطر أبو هريرة إزاء هذه الأخبار القوية إلى أن يعترف بنسيانه، ثم أنكر روايته الأولى، وفي رواية أنس: قال الحارث ابن [أبي] ذباب ابن عمر أبي هريرة، قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع حديث لا يوردن ممرض على مصح الخ حديث لا عدوى، فأنكر معرفته لذلك، ووقع عند الإسماعيلي من رواية شعيب: فقال الحارث ابن عم أبي هريرة: إنك حدثتنا، فأنكر أبو هريرة وغضب، وقال: لم أحدثك ما تقول»
أقول: ها هنا أمور تبين لنا تهور أبي رية ومجازفته:
[ ١٩٨ ]
الأول: حديث «لا عدوى» لم ينفرد به أبو هريرة، بل هو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر وأنس، وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر
الثاني: أن عمل الصحابة ليس مخالفًا له، وقد جمع بينهما أهل العلم بما هو معروف، ولبعض العصريين قول سأحكيه لينظر فيه. زعم أن العرب كانوا يعتقدون أن العدوى تحصل بالمجاورة وحدها بدون سبب آخر، حتى لو كان في شعر امرأة وثيابها قمل كثير فقامت إلى جانبها امرأة أخرى ثم بعد أيام قمل شعر الأخرى وثيابها لما سمعوا هذا عدوى، لأنهم يعرفون أنه لم يكن للمجاورة نفسها وإنما دب الفعل من تلك إلى هذه ثم تكاثر، قال وحديثًا «لا يورد ممرض على مصح» و«فر من المجذوم فراراك من الأسد» يفيدان انتقال الحرب والجذام، وقد ثبت أنه لا يكون بالمجاورة نفسها وإنما يكون بانتقال ديدان صغيرة جدًا من هذا إلى ذاك فهو من قبيل انتقال القمل وليس من العدوى بالمعنى الذي كانوا يعتقدون
الثالث: أن المنقول أن عمر رجع لخبر عبد الرحمن بن عوف وحده، ولم ينقل أن عمر يخبر أسامة ولا خبر «لا يورد ممرض على مصح» كما زعم أبو رية
الرابع: أن الخبر في الطاعون استفاض في عهد عمر، وبقي أبو هريرة يحدث بحديث «لا عدوى» زمانا بعد ذلك، حتى سمعه منه أبوسلمة وغيره ممن لم يدرك عمر
الخامس: قول أبي رية «وقد اضطر » يعطي أن أبا هريرة لم ينس الحديث، فما معنى قوله بعد ذلك «وأن يعترف بنسيانه» مع إيراده القصة شاهدًا على النسيان كما زعم؟
السادس: لم يأت أبو رية بدليل ولا شبه دليل على دعواه أن أبا هريرة
[ ١٩٩ ]
اعترف بأنه نسى
السابع: اختلف الرواة عن الزهري في حكاية القصة، وأحسنهم سياقًا يونس ابن يزيد الأيلي، وقد شهد له ابن المبارك بأن كتابه صحيح وأنه كتب حديث الزهري على الوجه، أي كما تلفظ به الزهري، وفي روايته في صحيح مسلم بعد كلام الحارث «فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال: لا يورد ممرض على مصح. فما رواه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة: قلت: أبيت. قال ابن سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله ﷺ قال: لا عدوى. فلا أدري نسي أبو هريرة أم نسخ أحد القولين الآخر»؟
ولو صرح أبو هريرة بنفي أن يكون حدثهم من قبل لجزم أبو مسلمة بالنسيان (١)، لكن لما سكت أبا هريرة عن الحديث وامتنع أن يجيبهم سألوه وغضب وقال: أبيت، فهم بعض الرواة من ذلك إبكاره، فعبر بعضهم عن قول أبي سلمة «فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك» بقوله «أنكر أبو هريرة الحديث الأول» ولا يخفى الفرق، فقوله «أبى أن يعرف» إنما معناه: امتنع أن يقول: نعم قد عرفت. وهذا الامتناع لا يفهم منه الإخبار بنفي المعرفة. ثم جاء بعض م بعدهم فعبر عن الإنكار بنسبته أبو هريرة أنه قال «لم أحدثكم» كما وقع عند الإسماعيلي من طريق شعيب ولا أدري ما سنده؟ وأصل حديث شعبة عند مسلم لكن لم يسق لفظه، وعند الطحاوي في مشكل الآثار ٢٦٢:٢ وليس فيه هذه الكلمة، وكأن أبا هريرة حدث بالحدثين مرة فتشكب بعض الناس في الجمع بينهما فرأى أبو هريرة أن التحديث بهما مظنة أن يقع الناس ارتياب أو
_________________
(١) فأما ما في صحيح البخاري عن أبي سلمة فما رأيته نسي حديثًا غيره فليس هذا جزمًا بالنسيان لهذا الحديث، وإنما استثناه لأجل احتماله النسيان كما بينه الرواية الأخرى، وهذه شهادة عظيمة لأبي هريرة لجلاله أبي سلمة وطول ملازمته لأبي هريرة
[ ٢٠٠ ]
تكذيب فاختار الاقتصار على أحدهما وهو الذي يتعلق به حكم عملي: «لا يورد ممرض على مصح» وسكت على الآخر وود أن لا أكون حدث به قبل ذلك، فلما/ سئل عنه أبي أن يعترف به راجيًا أن يكون في ذلك الإباء ما يمنع الذين كانوا سمعوا منه أن يحدثوا به عنه
وذكر أبو رية ص١٧٩ قصة ذي اليدين وقال «في رواية البخاري أنها صلاة العصر، وفي رواية النسائي ما يشهد أن الشك كان من أبي هريرة وهذا لفظه: أن النبي أحدى صلاتي العشي ولكني نسيت»
أقول الحديث عن النسائي من طريق «ابن عون عن محمد بن سيرين قال: قال أبو هريرة. صلى بنا النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي. قال قال أبو هريرة: ولكني نسيت » وهو في صحيح البخاري في تكاب المساجد، باب تشبيك الأصابع الخ من طريق «ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي. قال ابن سيرين قد سماها أبو هريرة ولكني نسيت أنا وكلتا الروايتين من طريق ابن عون عن ابن سيرين. فإن رجعنا رواية الصحيح فذاك وإلا فلا يتم الاستشهاد مع التعارض. على أن النسيان هنا لا أثر له، فإن ذلك الحكم إذ ثبت لأحدى الصلاتين ثبت للأخرى إجماعًا
قال أبو رية «ولما روى أن رسول الله قال: لأن يمتلئ جوف أحدكم قبيحًا ودما خير من أن يمتلئ شعرًا، قالت عائشة: لم يحفظ، إنما قال من أن يمتلئ شعرًا هجيت به»
أقول: قال الله ﵎ (والشعراء يتبهم الغاون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون مالا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا) الآية
وقال البخاري في صحيحه «باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء الخ»
[ ٢٠١ ]