كانت معتمدة عندهم» وحكى عن (والتن) ما يوافق ذلك. ويعلم منه أن اليهود / تتبعوا نسخ كتبهم التي كتبت قبل الإسلام أو في صدر الإسلام إلى نحو مائتي سنة فأتلفوها لمخالفتها الكثيرة لما يهوونه. وانظر إ ظهار الحق ٢٤٢:١-٢٤٥ وفيه ٢٢٧:١-٢٢٩ إن لأهل الكتاب نحو عشرين كتابًا مفقودة، وبعضها منسوب إلى موسى فيكون من التوارة الحقيقة عندهم. وقد تكون ثم كتب أخرى مفقودة لم يعثر المتأخرون على أسمائها. وذكر من شيوع التحريف القصدي في اليهود والنصارى قديمًا وحديثًا ما يجاوز الوصف. وحق على من يبتلى بسماع شبهات دعاة النصرانية والإلحاد أن يقرأ ذاك الكتاب (إظهار الحق) ليتضح له غاية الوضوح أن الفساد لم يزل يعترى كتب أهل الكتاب جملة وتفصيلا، ومحققوهم حيارى ليس بيدهم إلا التظنى والتمني والتحسر والتأسف، ومن ثم يتبين السر الحقيقي لمحاولتهم الطعن في الأحايث النبوية، لأن دهاتهم حاولوا الطعن في القرآن فتبين لهم أنه ما إلى ذلكم من سبيل، فأقبلوا على النظر في الأحاديث فوجدوا أنه قد روي في جملة ما روي كثير من الموضوعات، وحيرهم المجهود العظيم الذي قام به علماء الأمة لاستخلاص الصحيح ونفي الواهي والساقط والموضوع حتى قال بعضهم «لتفتخر المسلمين بعلم حديثهم ما شاءوا» . ولكنهم اغتنموا انصراف المسلمين عن علم الحديث وجهل السواد الأعظم منهم بحقيقته فراحوا يشككون ويتهجمون، ولا غرابة أن يوقعهم الحسد في هذا وأكثر منه، وإنما الغرابة في تقليد بعض المسلمين لهم
نعم اتضح ما تقدم عن إظهار الحق أنه لا مانع من أنه كان في كتب أهل الكتاب عند ظهور الإسلام ما تواطئوا بعد ذلك على تحريفه أو إسقاطه أو فقد ذاك الكتاب باتلافهم عمدًا أو غيره. وقد كان اليهود في بلاد العرب منذ زمن طويل قبل الإسلام فلا يستبعد أنه كان بقي عندهم مالم يكن عند
[ ١٠٣ ]
النصارى (١)، وإذا لا مانع وقد صحت الرواية فالواجب تصديقها، ومن تدبر القرآن ومحاورات النبي ﷺ وأصحابه لليهود وما حكي عنهم قبل البعثة وما حكاه من أسلم منهم بان له صحة ما قلناه. وقد صحت الرواية عن عبد الله بن عمرو وهو صحابي فاضل، وقد كان عارفًا بكتب أهل الكتاب، ووقعت له عدة منها. فالظاهر أنه أخذ العبارة منها. وإن صحت عن عبد الله بن سلام فالأمر أوضح، فإنه كان من أحبار اليهود وأسلم مقدم النبي ﷺ المدينة وكان من خيار الصحابة وشهد له النبي ﷺ بالجنة كما رواه كبار الصحابة وإن صحت عن كعب فالظاهر صدقه لأنه إذا كان صادق الإسلام / نقيًا كما هو الظاهر ولم يتيبن خلافه فالأمر واضح، وإن كان كما زعمه بعضهم منافقا مصرًا على الباطن على اليهودية متعصبًا لها فليس من المعقول أن يكذب للمسلمين بما يزيدهم ثباتًا على الإسلام وحنقا على اليهود، وما يقال إن كعبًا كان يستدرج المسلمين ليثقوا به ليس بشيء، لأنه يعلم أن غاية ما يفيده وثوقهم هو تصديقهم له في أن ما يحكيه عن كتب أهل الكتاب موجود فيها، وماذا يفيده هذا وإن كان منافقًا وقد علم أنهم يعتقدون
أن كتب أهل الكتاب محرفة مبدلة، وقد تقدم إيضاح ذلك. وما يزعمه أبو رية من مكايد كعب لم يتحقق منها شيء. والله والمستعان
ثم ذكر (ص١١٥) حكايات معضلة لا تعرف أسانيدها، ومثل ذلك لا يصح أن يبنى عليه شيء
مكيدة مهولة
ثم قال «لما قدم كعب إلى المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه أخذ يعمل في
_________________
(١) ومن الهين جدًا على اليهود حين قرووا إتلاف النسخ أن يتلقوا جميع ما كان تبقى منها بأيدي المسلمين من أعقاب كعب ووهب وغيرهما لأنها تصير إلى مسلم لا يحسن قراءتها وقد يكره بقاءها عنده فقد يتلفها وقد يعطيها يهوديًا بغير ثمن أو بثمن بخس، ويتأكد ذلك عند سعي اليهود في جمعها، وحسبك برهانًا على ذلك وما في معناها فقد النسخ من العالم سوى ما بأيدي اليهود من النسخ الحديثة
[ ١٠٤ ]
دهاء ومكر لما أسلم من أجله من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبي ﷺ » (١)
أقول: هذه مكيدة مهولة يكاد بها الإسلام والنسة، اخترعها بعض المستشرقين فيما أرى ومشت على بعض الأكابر وتبناها أبو رية وارتكب لترويجها ما ارتكب كما ستعلمه، وهذا الذي قاله هنا رجم بالغيب وتظن للباطل وحط لقوم فتحوا العالم ودبروا الدنيا أحكم تدبير إلى أسفل درجات التغفيل، كأنهم ﵃ لم يعرفوا النبي ﷺ ودينه وسنته وهديه فقبلوا ما يفتريه عليه وعلى دينه إنسان لم يعرفه، وقد ذكر أبو رية في مواضع حال الصحابة في توقف بعضهم عما يخبره أخوه الذي يتيقن صدقه وإيمانه وطول صحبته للنبي ﷺ، فهل تراهم مع هذا يتهالكون على رجل كان يهوديًا فأسلم بعد النبي ﷺ بسنين فيقبلون منه ما يخبرهم عن النبي ﷺ مما يفسد دينه؟ كان الصحابة ﵃ في غنى تام بالنسبة إلى سنة نبيهم، إن احتاج أحد منهم إلى شيء رجع إلى إخوانه الذين صحبوا النبي ﷺ وجالسوه، وكان كعب أعقل من أن يأتيهم فيحدثهم عن نبيهم فيقولوا: من أخبرك؟ فإن ذكر صحابيًا سألوه فيبين الواقع، وإن لم يذكر أحدا كذبوه ورفضوه، إنما كان كعب يعرف الكتب القديمة فكان يحدث عنها بآداب وأشياء في الزهد والورع أو بقصص وحكايات تناسب أشياء في القرآن أو السنة، فما وافق الحق قبلوه، وما رأوا باطلًا قالوا: من أكاذيب أهل الكتاب، وما رأوه محتملًا أخذوه على الاحتمال كما أمرهم نبيهم ﷺ ذلك كان فن كعب وحديثه. ولم يرو عنه أحد من الصحابة إلا ما كان من هذا القبيل. نعم ذكر أصحاب التراجم أنه سئل عن النبي ﷺ وروى عن عمر وصهيب وعائشة. وعادتهم أن يذكروا مثل ذلك وإن كان خبرًا واحدًا في صحته عن كعب نظر / فهذه كتب الحديث والآثار موجودة لا تكاد تجد فيها خبرًا يروى عن كعب عن النبي ﷺ فإن وجد فلن تجده إلا من رواية بعض التابعين عن كعب، ولعله مع ذلك
_________________
(١) قوله على النبي ﷺ هذا أساس المكيدة المهولة الآتية
[ ١٠٥ ]
لا يصح عنه.
وكذا روايته عن عمر. وكذا روايته عن صهيب وعائشة مع أنه مات قبلها بزمان. وعامة ما روي عنه حكايات عن أهل الكتاب ومن قوله.
قال «ومما أغراه بالرواية أن عمر بن الخطاب كان في أول أمره يستمع إليه، فتوسع في الرواية الكاذبة ما شاء أن يتوسع، قال ابن كثير: لما أسلم كعب في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ﵁، فربما استمع له عمر، فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده من غث وسمين» (١) .
أقول: الذي عنده هو الحكايات عن صحف أهل الكتاب وأشياء من قوله في الحكمة والموعظة، وقوله «الرواية الكاذبة» لا ريب أن في صحف أهل الكتاب التي كان كعب يحكي عنها ما هو كذب، فمن صحفهم ما أصله من كتب الأنبياء ولكن حرف وزيد فيه ونقص، ومنها ما هو منسوب إلى بعض الأنبياء كذبًا، وعندهم عدة كتب كذلك، ومنها ما هو من كتب أحبارهم، فأما أن يكون كعب كذب فهذا لم يثبت، وسيأتي الكلام فيه
قال «ثم لم يلبث عمر أن تفطن لكيده وتبين له سوء دخلته، فنهاه عن الرواية عن النبي (٢) وتوعده إن لم يترك الحديث عن رسول الله أو ليحقنه بأرض القردة»
أقول: هذا من دجل أبي رية، لم يتبين لعمر من كعب كيد ولا سوء دخلة، ولا كان كعب يروي عن النبي ﷺ،،إنما كان يحكي عن صحف أهل الكتاب، فإن كان عمر نهاه فعن ذلك. والحكاية التي تشبث بها أبو رية عزاها إلى البداية والنهاية ١٠٦:٨ وهي هناك «وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة» قال «عن الأول» فأبدلها الشاطر أبو رية بقوله «عن
_________________
(١) عزاه أبو رية إلى تفسير ابن كثير ١٧:٤ ولم أجده هناك فلينظر
(٢) قوله عن النبي عن رسول الله هو أساس المكيدة كما مرت الإشارة إلى مثله ص٧٣ يحاول أبو رية أن يمكنه
[ ١٠٦ ]
النبي - عن رسول الله» (١) . ومعها في البداية والنهاية كلمة تتعلق بأبي هريرة ذكرها أبو رية ص١٦٣ وسيأتي هناك بيان سقوط هذه الرواية مع الكشف عن بعض أفاعيل أبي رية
على أن كلام أبي رية متناقض، فسيحكي قريبًا أن عمر لم يزل إلى آخر حياته معتدًا بكعب، والصحيح أن كعبًا كان رجلًا عريبًا ذا رأي، قد قرأ الكتب واستفاد منها أشياء في الحكمة والزهد والورع، وهذه كانت وسيلته إلى عمر. ويحكي الناس عنه أشياء من الأخبار عن الأمور المستقبلة مسندًا له إلى صحف / أهل الكتاب، ولا أدري ما يصح عنه من ذلك
قال «على أن عمر ظل يترقب هذا الداهية بحزمه وحكمته وينفذ إلى أغراضه الخبيثة بنور بصيرته كما نرى في قصة الصخرة»
أقول: قد سرح عمر من المدينة إلى العراق نصر بن حجاج لغير ذنب إلا أنه كان بارع الجمال وكان بالمدينة كثير من النساء، يغيب أزواجهن في الجهاد وقد ذكرت إحداهن نصرا في شعر لها، وجلد عمر صبيغ بن عسل ونفاه إلى العراق وكتب أن لا يجالسه أحد لأمر واحد وهو أنه يكثر من السؤال عن كلمات من القرآن لا تتعلق بالأحكام، ونصر سلمى وصبيغ تميمي لم يكن لهما عرق في يهودية ولا نصرانية. وكعب حميري حديث العهد باليهودية لا منعة له ولاحاجة بالمسلمين إليه، فهل يعقل أن يشعر الفاروق منه بأن إسلامه مدخول وأنه داهية ذو أغراض خبيثة ثم يدعه معه بالمدينة يدخل إليه مع أصحابه ويتكلم في مجلسه وربما يستشيره لا يحذره ولا يحذر الناس منه؟ أما قصة الصخرة فرواها الإمام أحمد من طرق حماد بن سلمة عن أبي سنان [عيسى بن سنان القسملي] عن عبيد بن آدم قال «سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت
_________________
(١) وهكذا بزور أبو رية لتمكين أساس تلك المكيدة
[ ١٠٧ ]
خلف الصخرة، وكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلى حيث صلى رسول الله ﷺ.
عبيد هذا لم يذكر له راو إلا أبو سنان، وأبو سنان ضعفه الإمام أحمد نفسه وابن معين وغيرهما، وقال أبو زرعة «مخلط ضعيف الحديث»، ولا ينفعه ذكر ابن حبان في الثقات لما عرف من تساهل ابن حبان، ولا قول العجلي «لا بأس به» فإن العجلي قريب من ابن حبان أو أشد، عرفت ذلك بالاستقرار. ومع هذا فليس في القصة ما يشعر بسوء دخيله، عرف كعب فضيلة بيت المقدس في الإسلام بنص القرآن، وعلم أنه كان قبلة المسلمين أولًا فظن أنه الأفضل للمصلى هناك أن يجعله كله بينه وبين الكعبة، ورأى عمر أن في هذا مضارعة أي مشابهة لليهودية، فيما علم من الإسلام خلافه، وهو صلاة النبي ﷺ. هذا على فرض صحة الرواية. وذكر أبو رية (ص١٢٦-١٢٧) رواية أخرى عن تاريخ الطبري. وهي في التاريخ منقطعة الأول والآخر، إنما قال «وعن رجاء بن حيوة عمن شهد» والسند إلى رجاء مجهول، وشيخ رجاء مجهول، ومثل هذا لا يثبت به شيء
قال أبو رية «فإن شدة دهاء هذا اليهودي غلبت على فظنه عمر وسلامة نيته» كذا رجع أبو رية فسلب عمر ما ذكره أولا بقوله «بحزمه وحكمته وينفذ بنور بصيرته»، وهذا شأن من يتظنى الباطل (١)
/ قال «فظل يعمل بكيده في السر والعلن»
أقول كلمة «العلن» هذه تأتي على بقية ما جعله لعمر سابقًا وتبين أن مقصوده بقوله «سلامة نيته» الغفلة. قال «حتى انتهى الأمر بقتل عمر بمؤامرة اشترك فيها هذا الدهي»
ذكر بعد هذا ما حكى عن المسور بن مخرمة، وعزاها إلى تاريخي ابن جرير
_________________
(١) والملجئ لأبي رية إلى هذا هو محاولته بالتمكين لتلك المكيدة
[ ١٠٨ ]