أقول: انتقد أبو رية في ترجمة أبي هريرة نيفًا وثلاثين حديثًا، وهي على خمسة أضرب: ضرب نسبه إلى أبي هريرة اعتباطًا وإنما روى عن غيره. وضرب نحو عشرة أحاديث في سند كل منها كذاب أو متهم أو ضعف أو انقطاع، فهذا لا شأن أبي هريرة به لأنه لم يثبت عنه، وراجع ص١٥١. وضرب اختلف فيه أيصح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أم لا فهذا قريب من سابقه، فإنه على فرض تبين بطلان متنه يترجح عدم صحته عن أبي هريرة لأن تبعة الحديث إنم تتجه إلى الأدنى. وضرب صحيح عن أبي هريرة وقد وافقه عليه غيره من الصحابة اثنان أو ثلاثة أو أكثر. ويبقى بعد الأضرب السابقة ثلاثة أو أربعة أحاديث قد مر الجواب الواضح عنهما بحمد الله تعالى
واعلم أن الناس تختلف مداركهم وأفهاميهم وآراؤهم ولا سيما في ما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس وقد ألفت في ذلك كتب وكذلك استشكل كثير من الناس كثيرًا من الأحاديث الثابتةعن النبي ﷺ، منها ما هو رواية كبار الصحابة أو عدد منهم كما مر، وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يغني بطلانه. ووجود النصوص التي يستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفوًا وإنما هو أمر مقصود شرعًا ليبلو الله تعالى ما في النفوس ويمتحن ما في الصدور. وييسر للعلماء أبو أبا من الجهاد يرفعهم الله به درجات
هذا وأنت تعلم أن أبا هريرة رجل أمي لا تكتب ولا يقرأ الكتب، وعاش حتى ناهز الثمانين، منها نحو أو أربعين سنة يحدث، وكثر حديثه، ولم يكن معصومًا عن الخطأ، وكذلك الموثقون من الرواة عنه ومن بعدهم. أما غير المؤثقين فلا اعتدد بهم وقد عاداه المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والرافضة وغلاه أصحاب الرأي كما مرت شواهده في الترجمة، وحرصوا كل الحرص على أن يجدوا في أحاديثه
[ ٢٢٣ ]
/ ما يطعنون به عليه وتتابعت جهودهم، ثم جاء أبو رية فأطال التفتيش والتنبيش وقضى في ذلك سنين من عمره، ومع ذلك كله كانت النتيجة ما تقدم، فعلى ماذا يدل هذا؟
أبو هريرة والبحرين
ذكر جماعة أن النبي ﷺ بعث أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وفي طبقات ابن سعد ٤/٢/٧٦ عن الواقدي بسنده إلى العلاء بن الحضرمي أن النبي ﷺ بعثه منصرفه من الجعرانة إلى المنذر بن ساوى العبدين بالبحرين وبعث رسول الله ﷺ معه نفرًا فيهم أبو هريرة وقال له: استوص به خيرًا» ثم قال الواقدي «حدثني عبد الله بن يزيد عن سالم مولى نبي نضر قال سمعت أبا هريرة يقول: بعثني رسول الله ﷺ مع العلاء بن الحضرمي وأوصاني به خيرًا، فلما فصلنا قال لي: إن رسول الله ﷺ قد أوصاني بك خيرًا فانظر ماذا تحب؟ قال: قلت تجعلني أؤذن لك ولا تسبقني بآمين، فأعطاه ذلك» والواقدي ليس بحجة لكن للقصة شواهد، ففي فتح الباري ٢١٧:٢ «فروى سعيد بن منصور من طريق محمد بن سيرين أن أبا هريرة كان مؤذنًا بالبحرين، وأنه اشترط على الإمام أن لا يسبقه بآمين. والإمام بالبحرين كان العلاء بن الحضرمي بينه عبد الرزاق من طريق أبي سلمة عنه» وعند ابن سعد ٤/٢/٥٤ بسند صحيح عن أبي هريرة قال «صحبت النبي ﷺ ثلاث سنين، ما كنت سنوات قط أعقل مني ولا أحب إلي أن أعي ما يقول رسول الله ﷺ مني فيهن» هذا مع أن قدومه على النبي ﷺ كان في صفر سنة ٨، فمنه إلى وفاة النبي ﷺ أربع سنين وشيء فاقتصاره على «ثلاث سنين» يدل أنه غالب في أثناء المدة سنة أو نحوها، وقد كان البعث بعد الانصراف من الجعران كما مر، وكان الانصراف منها في أواخر ذي القعدة أو ذي الحجة سنة٨، وفي الطبقات ٤/٢/٧٧ أن العلاء قدم على النبي ﷺ فولى النبي ﷺ مكانه أبان بن سعيد بن العاص، فعلى هذا
[ ٢٢٤ ]
لما رجع العلاء رجع معه أبو هريرة، وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه ممن رجع مع أبي بكر سنة ٩، وكان ينادي مع
على أن لا يحج بعد الطعام مشرك. انظر صحيح البخاري - تفسر سورة براءة - فصح أن غيبته كانت سنة أو دونها
وثم ما يدل أن أبا هريرة عاد إلى البحرين في خلافة أبي بكر، ففي الطبقات ٤/٢/٧٧- عن الواقدي بسند أن أبا بكر أعاد في خلافته العلاء بن الحضرمي على البحرين، وذكر القصة وفيها فتح العلاء / درين سنة أربع عشرة، ثم ذكر ابن سعد بسند آخر أن عمر كتب إلى العلاء أن يذهب ليخلف عتبة بن غزوان على عمله، فخرج العلاء ومعه أبو هريرة فمات العلاء في الطريق ورجع أبو هريرة إلى البحرين، وذكر عن أبي هريرة قوله «رأيت من العلاء بن الحضرمي ثلاثة أشياء ولا أزال أحبه أبدًا، رأيته قطع البحر فلما كنا بلياس (؟) فمات..» ومن أهل الأخبار أن أبا هريرة رجع إلى البحرين مع العلاء حين ولاه أبو بكر وكان بها ستة أربع عشرة
ثم كان أبو هريرة بالبحرين أيضًا في إمارة مقدمة بن مظعون عليها كما يعلم من ترجمة قدامة في الإصابة وغيرها، وفي فتوح البلدان ص٩٢ عن أبي مخنف في ذكر العلاء بن الحضرمي « حتى مات وذلك في سنة أربع عشرة أو في أول ستة خمس عشرة، ثم إن عمر ولى قدامة بن مظعون الجمحي جباية البحرين وولى أبا هريرة الأحداث والصلاة » وفيه ص ٩٣ عن الهيثم «كان قدامة بن مظعون على الجباية والأحداث، وأبو هريرة على الصلاة والقضاء ثم ولاه عمر البحرين بعد قدامة، ثم عزله وقاسمه، وأمره بالرجوع فأبى فولاها عثمان بن أبي العاص»
[ ٢٢٥ ]
والقضية تحتاج إلى مزيد تتبع وتأمل، غير أن في ما تقدم ما يكفي الدلالة على أن إقامة أبي هريرة بالبحرين كانت كافية لأن يتمول، وبذلك يتأكد صدقة في قوله «خيل نتجت » كما مر ١٤٨
من فضل أبي هريرة
أما ما يسمعه وغيره من الصحابة ﵃ فيأتي في موضعه، وأما ما يخصه فمنه في الصحيحين عنه أن النبي ﷺ لقيه في طريق من طرق المدينة وهو جنب فانسل فذهب فاغتسل، فتفقده النبي ﷺ، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى اغتسل. فقال رسول الله ﷺ: سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس، لفظ مسلم
ومر ص١٠٠ ما في صحيح البخاري من قول النبي ﷺ «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني أحد عن هذا الحديث أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث »
/ وفي صحيح مسلم وغيره في قصة إسلام أمه قول النبي ﷺ «اللهم حبب عبيدك هذا- يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين » قال ابن كثير في البداية ١٠٥:٨ «وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس »
وفي الإصابة «وأخرج النسائي بسند جيد في العلم من كتاب السنن أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت فسأله فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإن بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله ونذكره إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي فجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا ودعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سأل صاحبي وأسألك
[ ٢٢٦ ]
علمًا لا ينسى، فقال رسول الله ﷺ: آمين. فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله علمًا ولا ينسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي» ونحوه في تهذيب التهذيب وفيهما بعض ألفاظ محرفة
وفي مسند أحمد ٥٤١:٢ وسنن أبي داود وغيرهما عنه قال «بينما أنا أوعك في مسجد المدينة إذ دخل رسول الله ﷺ المسجد فقال: من أحسن الفتى الدوسي؟ من أحسن الفتى الدوسي؟ فقال له قائل: هو ذاك يوعك في جانب المسجد حيث ترى يا رسول الله. فجاء فوضع يده علي وقال لي معروفًا، فقمت فانطلق حتى قام في مقامه الذي يصلي فيه »
ومر ما روى من تولية عمر لقدامة بن مظعون وأبي هريرة البحرين، قدامة عل الجباية، وأبا هريرة على الصلاة والقضاء، ثم جمع الكل لأبي هريرة. هذا مع أن قدامة من السابقين البدريين، ثم قاسم عمر أبا هريرة كما كان يقاسم عماله وأراج أن بعيده على الإمارة فأبى أبو هريرة
وتقدم صفحة ١٠٦و ١٢٠و ١٢٣ شهادة طلحة والزبير وأبي أيوب وعائشة له، وتقدم ص١٠٦و ١١٨- ١١٩ ثناء ابن عمر عليه. وذكر الحاكم في المستدرك أنه روى عنه بضعة وعشرون من الصحابة عد منهم أبي بن كعب وأبا موسى الأشعري وعائشة بن يزيد وأبا أيوب وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله وجماعة
وفي الإصابة «قال البخاري روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث / في عصره. قال وكيع في نسخته: حدثنا الأعمش عن ابن صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ. وأخرجه البغوي عن رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ وقال الربيع قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وقال أبو الزعيرعة كاتب مروان:/ أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل
[ ٢٢٧ ]
يحدثه وكان أجلسني خلف السرير أكتب ما يحدث به، حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله وأمرني أن أنظر، فما غير حرفًا من حرف» . وأخرجه الحاكم في المستدرك ٥١٠:٣ وفيه «فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر» قال الحاكم «صحيح الإسناد» وأقرء الذهبي
وقال ابن كثير في البداية ١١٠:٨ «وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم »
وفي طبقات ابن سعد ٤/ ٢/ ٦٢ «أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا مالك ابن أنس عن المقبري عن أبي هريرة أن مروان دخل عليه في شكواه الذي مات فيه فقال: شفاك الله يا أبا هريرة. فقال أبو هريرة: اللهم إني أحب لقاءك، فأحب لقائي. قال فما بلغ مروان أصحاب القطا حتى مات أبو هريرة»
ثم ذكر أبو رية ص ٢٠٢-٢٠٦ جماعة من الصحابة قلت أحاديثم، وقد نظرت في ذلك ص٤٢
ثم قال ص ٢٠٧ «أحاديث مشكلة.. عن ابن عباس، إن الله خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء دفناه من ياقونة حمراء »
أقول: هذا من قول ابن عباس، أخرجه الحاكم في المستدرك ٤٧٤:٢ من طريق أبي حمزة الثمالي وقال الحاكم «صحيح الإسناد»، تعقبه الذهبي فقال «اسم أبي حمزة ثابت، وهو واه بمرة» وينظر وجه الاستشكال؟
قال «وروى الشيخان.. عن أبي ذر قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: أتدري أين تذهب؟ »
أقول: النظر في هذا الحديث يتوقف على بيان معنى قول الله ﷿ (والشمس تجري لمستقر لها) ثم جمع طرقه وتدبر ألفاظه، ولم يتسير لي ذاك الآن والله المستعان. (ثم نظرت فيه فيما يأتي ص٢١٣)
[ ٢٢٨ ]