أن يكذب لا يخفى على حاله على الأئمة، غاية الأمر أنهم قد يقتصرون على قولهم «متهم بالكذب» ونحو ذلك. وبهذا تعلم أنه لو فرض عدم اعتراف من اعترف لم يلزم من ذلك أن يحكموا لخبره الصحة
قال ص٢١٦ «إن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم وقد ثبت أ، الصحابة كان يروي بعضهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله»
أقول: راجع ما تقدم ٧٣-٧٥-و٨٢و ٨٩و ٩٤-٩٩و ١٠٩-١١٠و ١٥٧
قال «والقاعدة عند أهل السنة أن جميع الصحابة عدول وهي قاعدة أغلبية لا مطردة»
أقول: سيأتي النظر في هذا في فصل عدالة الصحابة
قال «فكل حديث مشكل المتن أو اضطراب الرواية أو مخالف لسنن الله تعالى في الخلق أو لأصول الدين أونصوصه القطعة أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية فهو مظنة لما ذكرنا. فمن صدق رواية مما ذكر ولم يجد فيها إشكالًا فالأصل فيها الصدق، ومن ارتاب في شيء منها أو أورد بعض المرتابين أو المشككين إشكالًا في متونها فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية »
أقول لا أدري ما عني بالمشكل، فإن كان راجعًا إلى ما أتي فذاك، أما المضطرب فحمه معروف عند أهل العلم، وأما المخالف لسنن الله فمن سنن الله تعالى أن يخرق العادة إذا اقتضت حكته، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة لا تحصى. وراجع الوحي المحمدي ص٦٣.وأما المخالف لأصول الدين فراجع ص٢، وأما المخالف لنصوصه القطعية فراجع ص١٤، وبالجملة لا نزاع أن النبي ﷺ لا يخبر عن ربه وغيبه باطل، فإن روى عنه خبر تقوم الحجة على بطلانه
[ ٢٣٦ ]
فالخلل من الرواية، لكن الشأن كل الشأن في الحكم بالبطلان، فقد كثر اختلاف الآراء والأهواء والنظريات وكثر غلطها، ومن تدبرها / وتدبر الرواية وأمعن فيها وهو ممن رزقه الله تعالى الإخلاص للحق والتثبت علم أن احتمال خطأ الرواية التي يثبتها المحققون من أئمة الحديث أقل جدًا من احتمال الخطأ الرأي والنظر، فعلى المؤمن إذا أشكل عليه حديث قد صححه الأئمة ولم تطاوعه نفسه على حمل الخطأ على رأيه ونظره أن يعلم أنه إن لم يكن الخل في رأيه ونظره وفهمه غير في الرواية، وليفزع إلى من يثق دينه وعلمه وتقواه مع الابتهال إلى الله ﷿ فإنه ولي التوفيق
ثم قال أبو رية ص٢١٧ «تدوين القرآن» ولو أن النبي ﷺ وصحابته كانوا قد عنوا بتدوين الحديث » ثم قال ص٢١٨ «كيف كان الصحابة » ثم قال «كتاب الوحي »
أقول: راجع ص٢٠-٤٧
ثم قال ص٢١٨-٢١٩ «وكان أول من كتب النبي ﷺ بمكة من قريش عبد الله بن سعيد بن أبي سرح»
أقول: أنى لأبي رية هذا؟ إنما قال لصاحب الاستيعاب وغيره عن عبد الله إنه أسلم قبل الفتح.
وقال ص٢١٩ «جمع القرآن وسببه: روى البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال: قضى رسول الله ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء ولما تولى أبا بكر ونشبت حرب الردة وقتل فيها كثير من الصحابة خشي عمر من ضياع القرآن بموت الصحابة فدخل على أبي بكر وقال له: إن أصحاب رسول الله باليمامة يتهافتون تهافت الفراش في النار، وإني لأخشى أن لا يشهدوا موطنًا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا، وهم حملة القرآن..»
أقول: حديث زيد في مواضع من صحيح البخاري، راجع الفتح ٨/٢٥٩و
[ ٢٣٧ ]
٩/٩و١٩و١٣/١٥٩و ٣٥٠ لم أجده في صحيح البخاري باللفظ الذي ساقه أبو رية. وراجعت فهارس البخاري للأستاذ رضوان محمد رضوان فذكر الحديث في المواضع الأربعة الأولى فحسب (١) . والذي في صحيح البخاري في الموضع الأول «إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن» وفي الثاني «إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني لأخشى إن استحر القتل بالقراء المواطن» وتركت هذه الجملة في الثالث والخامس، وفي الرابع «إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن» وليحذر القارئ من إساءة الظن بأبي رية، بل ينبغي أن يحمل صنيعه هذا على أنه رجع عن الميل إلى منع من رواية الحديث بالمعنى، أو رأى جوازها في / غير الحديث النبوي- ولو مع التمكن من الاتيان باللفظ الأصلي- إذا كان ذلك لمصلحته، ومصلحته هنا أنه كره أن يصرح بأن الخشية كانت من استحرار القتل بقراء القرآن خاصة، وأحب أن يحملها من استحرار القتل بالصحابة على الإطلاق ليبنى على ما علقه في الحاشية إذ قال: «مما يلفت النظر البعيد ويسترعى العقل الرشيد أن عمر لما راعه تهافت الصحابة في حرب اليمامة.. لم يقل عنهم إنهم جملة الحديث، بل قال إنهم حملة القرآن، ولم يطلب جمع الحديث وكتابته وفي ذلك أقوى الأدلة وأصدق البراهين على أنهم لم يكونوا يعنون بأمر الحديث ولا أن يكون لهم فيها كتاب محفوظ ويبقى على وجه الدهر كالقرآن الكريم»
أقول: الذي في الخبر كما رأيت خشية استحرار القتل بقراء القرآن، وبين القرآن والسنة فرق من وجوه: وبيان أن الله ﵎ تكفل بحفظ الشريعة مما فيه الكتاب والسنة كما مر ص ٢٠-٢١، ومع ذلك كلف الأمة
_________________
(١) وراجعت ذخائر المواريث فوجدته ذكر هذه المواضع ومواضع أخرى جاء فيها الحديث من وجه آخر، وليس فيه هذه الجملة
[ ٢٣٨ ]