قَالَ الْقَاضِي ﵁ الْإِجَازَةُ لِلْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْمُجَازِ لَهُ
[ ٩٧ ]
وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُعَلَّقَةً بِوَصْفٍ وَمَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ أَوْ مُطْلَقَةً فَأَمَّا الْمَخْصُوصَةُ وَالْمُعَلَّقَةُ بِقَوْلِكَ أَجَزْتُ لِمَنْ لَقِيَنِي أَوْ لِكُلِّ مَنْ قَرَأَ عَلَيَّ الْعِلْمَ أَوْ لِمَنْ كَانَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَوْ لِأَهْلِ بَلَدٍ كَذَا أَوْ لِبَنِي هَاشِمٍ أَو قُرَيْش والمطلقة أجزت لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِكُلِّ أَحَدٍ
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ تَفْتَرِقُ وَفِي بَعْضِهَا اخْتِلَافٌ
فَذَهَبَ الْقَاضِي بِبَغْدَادَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَصِحُّ فِيمَنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَصِحُّ لِمَنْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ مِمَّنْ هُوَ مَعْدُومٌ
[ ٩٨ ]
وَذَهَبَ الْقَاضِي بِالْبَصْرَةِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ إِلَى مَنْعِهَا فِي الْمَجْهُولِ كُلِّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُوجَدْ وَكَذَلِكَ يَأْتِي عَلَى قَوْلَيْهِمَا فِي طَلَبَةِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ فِيمَنْ وُجِدَ مِنْهِمْ وَمَنْ لَمْ يُوجَدْ
وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ
حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ عِيسَى بْنُ سَهْلٍ قَالَ سَأَلْتُ الْفَقِيهَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَتَّابٍ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ مُسْلِمٍ وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الشَّنْتَجَالِيِّ فَقَالَ لِي قَدْ أَجَازَ الْكتاب أَبُو مُحَمَّد ابْن سَعِيدٍ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ قُرْطُبَةَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَأَنْتَ وَأَنَا فِيهِ سَوَاءٌ
[ ٩٩ ]
قَالَ الْقَاضِي الْمُؤَلِفُ ﵁ وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا إِجَازَةَ الْقَاضِي أَبِي الْأَصْبَغِ الْمَذْكُورِ بِخَطِّهِ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ بِبَلَدِنَا
وَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ جِلَّةٌ فُقَهَاءُ رَأَوْا هَذَا مِنْ أَهْلِ قُطْرِنَا وَاخْتِلَافُهُمْ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَجْهُولِ وَمَنْ لَا يُحْصَى كَالْوَقْفِ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ وَقُرَيْشٍ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ ذَلِكَ يَصِحُّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ وَمُحَمّد ابْن الْحَسَنِ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالُوا وَمَنْ أَجَازَ الْوَقْفِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ وَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ
[ ١٠٠ ]
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَعَادَتْ إِلَى جَهَالَةٍ فَأَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا عَلَى الْعُمُومِ لِمَنْ يَأْخُذُهُ الْحَصْرُ وَالْوُجُودُ كَقَوْلِهِ أَجَزْتُ لِمَنْ هُوَ الْآنَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ بِبَلَدِ كَذَا أَوْ لِمَنْ قَرَأَ عَلَيَّ قَبْلَ هَذَا فَمَا أَحْسَبُهُمُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ مِمَّنْ تَصِحُّ عِنْدَهُ الْإِجَازَةُ وَلَا رَأَيْتُ مَنْعَهُ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ مَوْصُوفٌ كَقَوْلِهِ لِأَوْلَادِ فُلَانٍ أَوْ إِخْوَةِ فُلَانٍ