وَسَوَاءٌ كنت أَنْت القارىء أَوْ غَيْرُكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ أَوْ قَرَأْتَ فِي كِتَابٍ أَوْ مِنْ حِفْظٍ أَوْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ مَا يقْرَأ عَلَيْهِ أويمسك أَصْلَهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ
[ ٧٠ ]
وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ سَمَاعٌ يَجُوزُ فِيهَا النَّقْلُ بِ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا مَا يَجُوزُ فِي السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ أَمْ لَا وَهَلْ هِيَ مِثْلُ السَّمَاعِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فِي الرُّتْبَةِ
فَمَذْهَبُ مُعْظَمِ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَشْيَاخِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وعلمائها يحيى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَالزُّهْرِيِّ فِي جَمَاعَةٍ
وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْن عَبَّاسٍ قَالَا قِرَاءَتُكَ عَلَى الْعَالِمِ كَقِرَاءَتِهِ عَلَيْكَ
وَهُوَ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ
وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يُسَمُّونَهُ عَرْضًا لِأَنَّ القارىء يَعْرِضُ مَا يَقْرَؤُهُ عَلَى الشَّيْخِ كَمَا يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى إِمَامِهِ وَحَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ أَنَّهَا إِجَازَةٌ
وَذَكَرَ الْحُجَّةَ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ ضِمَامٍ وَقَوْلِهِ لِلنَّبِيِّ آللَّهُ
[ ٧١ ]
أَمَرَكَ بِكَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ
قَالَ الْبُخَارِيُّ فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِهَا ضِمَامٌ قَوْمَهُ فَأَجَازُوهُ
قَالَ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلَانٌ وَيقْرَأ على المقرىء فَيَقُول القارىء أَقْرَأَنِي فُلَانٌ
[ ٧٢ ]
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَخُرَاسَانَ إِلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ دَرَجَةٌ ثَانِيَةٌ وَأَبَوْا مِنْ تَسْمِيَتِهَا سَمَاعًا وَسَمَّوْهَا عَرْضًا وَأَبَوْا مِنْ إِطْلَاقِ حَدَّثَنَا فِيهَا
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِمَالِكٍ أَيْضًا وَغَيْرِهِ أَنَّهَا أَرْفَعُ مِنَ السَّمَاعِ وَأَصَحُّ
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ هَاشِمٍ الْهَاشِمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الصَّدَفِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ نَفِيسٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا فِهْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ وَسُئِلَ فَقِيلَ لَهُ الْعَرْضُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ السَّمَاعُ قَالَ بَلِ الْعَرْضُ قِيلَ فَتَقُولُ فِي الْعَرْضِ حَدَّثَنَا قَالَ نَعَمْ
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَوْلَانِيُّ الشَّيْخُ الصَّالِحُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ إِجَازَةً قَالَ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْبُخَارِيَّ
[ ٧٣ ]
الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ الْوَزَّانَ يَقُولُ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ الْمُتَوَكِّلِ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ السَّمَاعُ عِنْدَنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ
أَوَّلُهَا قِرَاءَتُكَ عَلَى الْعَالِمِ
الثَّانِي قِرَاءَتُهُ عَلَيْكَ
وَالثَّالِثُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْكَ كِتَابًا قَدْ عَرَفَهُ فَيَقُولُ ارْوِهِ عَنِّي
قَالَ وَكَانَ مَالِكٌ يَحْتَجُّ فِي هَذَا بِأَنَّ الرَّاوِي رُبَّمَا سَهَا أَوْ غَلِطَ فِيمَا يَقْرَؤُهُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ الطَّالِبُ السَّامِعُ ذَلِكَ الْغَلَطَ لِخِلَالٍ ثَلَاثٍ إِمَّا لِأَنَّ الطَّالِبَ جَاهِلٌ فَلَا يَهْتَدِي لِلرَّدِّ عَلَيْهِ وَإِمَّا لِهَيْبَةِ الرَّاوِي وَجَلَالَتِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَلَطُهُ فِي مَوْضِعٍ صَادَفَ اخْتِلَافًا فَيَجْعَلُ خلافًا توهما أَنه مذْهبه فَيحمل الْخَطَأَ صَوَابًا
قَالَ وَإِذَا أُقْرِأَ الطَّالِبُ عَلَى الرَّاوِي فَسَهَا الطَّالِبُ أَوْ أَخْطَأَ رَدَّ عَلَيْهِ الرَّاوِي لِعِلْمِهِ مَعَ فَرَاغِ ذِهْنِهِ أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ لِأَنَّهُ لاهيبة لِلطَّالِبِ
[ ٧٤ ]
وَلَا يُعَدُّ لَهُ أَيْضًا مَذْهَبٌ فِي الْخِلَافِ إِنْ صَادَفَ بِغَلَطِهِ مَوْضِعَ اخْتِلَافٍ فَالرَّدُ عَلَيْهِ مُتَوِّجُهُ
وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ قَالَ لنافع القارىء وَقَدْ شَاوَرَهُ لِيَتَقَدَّمَ إِمَامًا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمِحْرَابُ مَوْضِعُ مِحْنَةٍ فَإِنْ زَلَلْتَ فِي حَرْفٍ وَأَنْتَ إِمَامٌ حُسِبَتْ قِرَاءَةً حُمِلَتْ عَنْكَ
فَهَذَا حُكْمُ مَرْتَبَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَى ضُرُوبِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ قِرَاءَتِكَ أَوْ سَمَاعِكَ بِقِرَاءَةِ غَيْرِكَ أَوْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ حَدِيثَهُ أَوْ يُمْسِكُ أَصْلَهُ وَإِمْسَاكُ الْأَصْلِ هُنَا أَثْبَتُ لِئَلَّا يَغْفَلَ وَيَذْهَبَ الْوَهْمُ فَيُذَكِّرَ الْكِتَابُ
فَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ لَا يُمْسِكُ كِتَابَهُ هُوَ وَإِنَّمَا يُمْسِكُهُ عَلَيْهِ ثِقَةٌ عَارِفٌ سِوَاهُ وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ حَدِيثَهُ فَالْحَالُ وَاحِدَةٌ
وَإِنْ كَانَ لَا يَحْفَظُهُ فَاخْتُلِفَ هَهُنَا فَرَأْيُ بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا سَمَاعٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِلَيْهِ نَحَا الْجُوَيْنِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْأُصُولِيِّينَ وَتَرَدَّدَ فِيهِ الْقَاضِي
[ ٧٥ ]
ابْنُ الطَّيِّبِ وَأَكْثَرُ مَيْلِهِ إِلَى الْمَنْعِ
وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ وَصَحَّحَهُ إِذَا كَانَ مُمْسِكُ الْكِتَابِ مَوْثُوقًا بِهِ وَبِهَذَا عَمَلَ كَافَةُ الشُّيُوخِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ فِيهِ
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِي أصل الشَّيْخ فَهِيَ للقارىء صَحِيحَةٌ كَإِمْسَاكِ الشَّيْخِ نُسْخَتِهِ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى بَصَرِ الشَّيْخِ أَوْ سَمْعِهِ
وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى التَّسْهِيلَ فِي السَّمَاعِ عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ النَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ فِي التَّشْدِيدِ فِيهِ لَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَرَى التَّحَدُّثَ بِالْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ فَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ الْبَابَ جِدًّا
وَأَمَّا مَتَى كَانَ مُمْسِكُ الْأَصْلِ عَلَى الشَّيْخِ أَو القارىء غَيْرَ ثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ عَلَى ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ بَصِيرٍ بِمَا يَقْرَؤُهُ فَلَا يَحِلُّ السَّمَاعُ وَالرِّوَايَةُ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ إِذْ لَمْ يَبْقَ طَرِيقُ الثِّقَةِ بِمَا سَمِعَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مُسَامَحَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ حَدِيثَهُ
[ ٧٦ ]
وَقَدْ ضَعَّفَ أَئِمَّةُ الصَّنْعَةِ رِوَايَةَ مَنْ سَمِعَ الْمُوَطَّأَ عَلَى مَالِكٍ بِقِرَاءَةِ حَبِيبٍ كَاتِبِهِ لِضَعْفِهِ عِنْدَهُمْ وَأَنَّهُ كَانَ يُخَطْرِفُ الْأَوْرَاقَ حِينَ الْقِرَاءَةِ لِيَتَعَجَّلَ وَكَانَ يَقْرَأُ لِلْغُرَبَاءِ
وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى قَائِلِهِ لِحِفْظِ مَالِكٍ لِحَدِيثِهِ وَحِفْظِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْحَاضِرِينَ لَهُ وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا لَا يَجِوزُ عَلَى مَالِكٍ وَأَنَّ الْعَرْضَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ تُخَطْرَفُ عَلَيْهِ الْأَوْرَاقُ وَلَا يَفْطِنُ هُوَ وَلَا مَنْ حَضَرَ
لَكِنَّ عَدَمَ الثِّقَةِ بِقِرَاءَةِ مِثْلِهِ مَعَ جَوَازِ الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ عَنِ الْحَرْفِ وَشَبَهِهِ وَمَا لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى مُؤَثِرَةٌ فِي تَصْحِيحِ السَّمَاعِ كَمَا قَالُوهُ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا الْقَلِيلَ وَأَكْثَرَ عَنْهُ عَنِ اللَّيْثِ قَالُوا لِأَنَّ سَمَاعَهُ كَانَ بِقِرَاءَةِ حَبِيبٍ وَقَدْ
[ ٧٧ ]
أَنْكَرَ هُوَ ذَلِكَ
وَشَرَطَ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ بِالْقِرَاءَةِ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وَبِهِ عَمِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَئِمَّتُهُمْ إِقْرَارَ الشَّيْخِ عِنْدَ تَمَامِ السَّمَاعِ بِأَنَّهُ كَمَا قرىء عَلَيْهِ فَيَقُولُ نَعَمْ وَأَبَى الْحَدِيثَ مَنِ اشْتَرَطَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّقْرِيرُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ وَمِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ هَذَا التَّقْرِيرُ
وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ لِمَنْ قَرَّرَهُ أَيْضًا وَقَالَ أَلَمْ أُفْرِغْ لَكُمْ نَفْسِي وَسمعت عرضكم وأقمت سقطه وز لله
وَالصَّحِيحُ هَذَا وَأَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ ذِي دِينٍ إِقْرَارٌ عَلَى الْخَطَأِ فِي مِثْلِ هَذَا فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْرِيرِ بَعْدُ
[ ٧٨ ]
وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالنُّظَّارِ
وَلَعَلَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ مَالِكٍ وَأَمْثَالِهِ فِي فِعْلِ ذَلِكَ التَّأْكِيدُ لَا اللُّزُومُ