هو محمد بن اسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَهْ الجُعَفِيِّ (١) مولاهم البخاري. ولد في بخاري سَنَةَ أربع وتسعين ومائة، وتوفي والده وهو صغير، فنشأ يتيما حيث كانت العناية تَحُفُّهُ وتحيط به من السماء (٢).
طَلَبُهَ لِلْحَدِيثِ وَرِحْلَتِهِ:
وَحُبِّبَ إليه العلم، فبدأ بطلب الحديث وحفظه وهو صبي (٣) فحفظ حديث بلدته، ثم قرأ كتب ابن المبارك وقد طعن في السادسة عشرة، فرحل في هذه السن إلى الحجاز، ومكث ست سنوات يطلب الحديث في الحجاز؛ ثم تَنَقَّلَ في البلدان، فدخل الشام ومصر والجزيرة وبلاد العراق.
شُيُوخُ البُخَارِي:
وقد كتب عن شيوخ تلك البلاد حتى كثر عددهم (٤) وكان فيهم جملة وافرة ممن تقدم سماعه وعلا إسناده. ذكر منهم الحاكم ما يقارب التسعين (٥) وسمع أئمة عصره
_________________
(١) نسبة إلى جُعفي بن سعد العشيرة، وهو مولاهم ولاء إسلام، انظر " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي: جـ ٢ ص ٦ و" هدي الساري ": ص ١٩٣.
(٢) وقد روى الخطيب في " تاريخه ": جـ ٢ ص ١٠ وابن كثير في " البداية ": جـ ١١ ص ٢٥ أنه عمي في صغره. فرأت والدته إبراهيم الخيل - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فقال لها: «يَا هَذِهِ قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَى ابْنِكِ بَصَرَهُ لِكَثْرَةِ بُكَائِكِ أَوْ لِكَثْرَةِ دُعَائِكِ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ». انظر " طبقات الشافعية " للسبكي: جـ ٢ ص ٣.
(٣) دون عشرة سنين كما في " تذكرة الحفاظ ": ص ٥٥٥ وانظر " تاريخ بغداد ": جـ ٢ ص ٦، ٧.
(٤) " تاريخ بغداد ": جـ ٢ ص ٦، ٧ و" هدي الساري ": جـ ٢ ص ١٩٣.
(٥) وقد نقل النووي كلام الحاكم كاملًا في " تهذيب الأسماء ": جـ ١ ص ٧١، ٧٢.
[ ٦٣ ]
وأفاد منهم، فمن شيوخه: محمد بن يوسف الفِرْيَابِيُّ صاحب " المسند " (٢١٢ هـ)، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنِ مُوسَى العَبْسِيِّ (١٢٣ هـ)، وأبو بكر عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِيُّ صاحب " المسند " (٢١٩ هـ) (١)، ومنهم الإمام إسحاق بن إبراهيم المشهور بِابْنِ رَاهُوَيهْ، والإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني إمام عصره كافة، وقد أكثر عنه وَتَخَرَّجَ عليه، وغيرهم من الشيوخ لا يحصون كثرة.
تَفَقُّهُهُ:
وقد اتجه منذ حداثته إلى الفقه، فقرأ فقه أهل الرأي، ثم أخذ - بَعْدُ - فقه الشافعي، وفقه الإمام مالك أَيْضًا (٢). وكانت صلته بفقه الإمام أحمد بن حنبل متينة قوية، فجمع فقه المدارس الاجتهادية في عصره مِمَّا ساعده على الاستقلال برأيه. حيث انتفع كثيرًا من طريقة أهل الرأي في الاستنباط ودقة النظر، ثم باطلاعه على نقد أهل الحديث لهم على وفق الحديث، فكان ذلك تَمْهِيدًا للإمام البخاري أن يكون له نظر ممتاز وفقه اجتهادي، خصوصًا ولم يكن في ذلك العصر جمود المُقَلِّدِينَ لِلْمَذَاهِبِ، بل كانوا يتفقهون ويستدلون فيوافقون أو يخالفون.
وقد اشتهر البخاري بالفقه، واعترف له بالاجتهاد، حتى قال نعيم بن حماد: «مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمِاعِيلَ البُخَارِيُّ: فَقِيهُ هَذِهِ الأُمَّةِ»، وَسَمَّاهُ شيخه محمد بن بشار: «سَيِّدُ الفُقَهَاءِ» (٣).
نُبُوغُهُ:
وكان البخاري ذا مواهب عظيمة، فظهر علمه وفضله من وقت مبكر، فأخذ عنه
_________________
(١) وهو كتاب عظيم طُبع في الهند في مجلدين وفي الباكستان، ثم صُوِّرَ في بيروت.
(٢) انظر " تاريخ بغداد " المكان السابق، و" طبقات الشافعية ": جـ ٢ ص ٤.
(٣) " هدي الساري ": جـ ٢ ص ١٩٧.
[ ٦٤ ]
الناس ولا زال شَابًّا لم تبقل لحيته (١) ثم اكتمل أمره، فتزاحم عليه الطلبة وعلماء الحديث زِحَامًا شَدِيدًا (٢) وكثر تلاميذه والرواة عنه حتى لا يحصرون، ومنهم علماء أَجِلاَّءَ تَخَرَّجُوا عليه وكانوا أئمة كبارًا.
الرُوَّاةُ عَنْهُ:
فَمِمَّنْ روى عنه من شيوخه: إسحاق بن محمد الرمادي، وعبد الله بن محمد المُسْنَدِيِّ، ومحمد بن خلف بن قتيبة. ومن الأئمة: إبراهيم الحربي، ومحمد بن نصر المَرْوزِيِّ، وغيرهم كثير، من خاصتهم مسلم بن الحجاج، وأبو عيسي الترمذي، فقد تخرجا به وَأَكْثَرَا من الاعتماد عليه (٣).
صِفَاتُهُ وَخُلُقُهُ:
كذلك كان البخاري في غاية الفضل والكمال، لما تَحَلَّى به من كريم الخصال وجميل الصفات: فالبخاري سَخِيُّ النفس، يتفق ما يجده في وجوه الخير ولا يدخر، مُتَعَبِّدٌ، مُكْثِرٌ من تلاوة القرآن، وَرِعٌ في معاملاته، يتقي أَدْنَى شُبْهَةٍ. وكان شديد الاحَتَّىاط في حقوق العباد، حتى إنه قَلَّمَا يُصَرِّحُ بتجريح الرواة، وأكثر ما يقول: «مُنْكَرُ الحَدِيثِ، سَكَتُوا عَنْهُ»، «فِيهِ نَظَرٌ» حَتَّى كان هذا التعبير «مُنْكَرُ الحَدِيثِ» اصْطِلاَحًا خَاصًّا لَهُ (٤).
فهو بحق فاضل العلماء وعالم الفضلاء (٥).
_________________
(١) " تاريخ بغداد ": جـ ٢ ص ١٥ و" طبقات الشافعية ": جـ ٢ ص ٤ و٥.
(٢) انظر في وصف مجالسه الحافلة " تهذيب الأسماء ": جـ ١ ص ٧٠.
(٣) انظر " تاريخ بغداد ": جـ ٢ ص ٥ و" طبقات الشافعية ": جـ ٢ ص ٤.
(٤) انظر شرح هذه المصطلحات في كتابنا " منهج النقد في علوم الحديث ": ص ١١٢.
(٥) وقد أطنب المؤرخون في فضائل البخاري وشمائله، انظر " تاريخ بغداد ": جـ ٢ ص ١٠ - ١٤ و" الطبقات ": جـ ٢ ص ٩، و" هدي الساري ": جـ ٢ ص ١٩٤، ١٩٥ وغيرها.
[ ٦٥ ]
حِفْظُهُ وَقُوَّةُ ذَاكِرَتِهِ:
كان البخاري مَوْهُوبًا، مِمَّنْ اختصهم اللهُ بالحفظ وقوة الذاكرة، حَتَّى بلغ في ذلك أقصي غاية، وحتى عرف بذلك واشتهر، وكثرت أخباره واستفاضت.
قال محمد بن حُّمَوَيَهْ: سمعت البخاري يقول: «أَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَأَحْفَظُ مِائَتَيْ أَلْفَ حَدِيثٍ غَيْرَ صَحِيحٍ».
ومن أخبار حفظه الشهيرة: مسألة امتحانه لما قدم بغداد، فقد قلبوا له مائة حديث فجعلوا متن هذا الاسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، وألقوها عليه امتحانًا له فأعاد سَرْدَهَا كما سمعها، وعلى ترتيب سماعها. ثم رواها عَلَى الوجه الصحيح، فأعاد كل سند لمتنه، وكل متن لإسناده. فأقر الناس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل (١).
إِمَامَتُهُ فِي الحَدِيثِ:
وقد أجمعت الأُمَّةُ عَلَى إمامة محمد بن إسماعيل البخاري في الحديث، وأثني عليه الناس، وكان رؤساء الحديث يقضون له عَلَى أنفسهم في النظر والمعرفة بالحديث.
قال الامام أحمد بن حنبل: «مَا أَخْرَجَتْ خُرَاسَانُ مِثْلَ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْمَاعِيلَ».
وقال له الامام مسلم بن الحجاج: «أَشْهَدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُكَ».
وحسبنا قول الحاكم فيه: «هُوَ إِمَامُ أَهْلِ الحَدِيثِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ» (٢).
_________________
(١) وذلك كما رواه الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد " بسنده: جـ ٢ ص ٢٠ وحدث للبخاري نحو هذا الامتحان في البصرة وسمرقند، المرجع السابق: جـ ٢ ص ١٥، ١٦ و" طبقات الشافعية ": جـ ٢ ص ٦ و" البداية والنهاية " لابن كثير: جـ ١١ ص ٢٥. وانظر في أخبار حفظه " التذكرة ": ص ٥٥٥ و" هدي الساري ": جـ ٢ ص ٢٠٠.
(٢) انظر هذه الأقوال وغيرها كثير جِدًّا في " مقدمة فتح الباري ": جـ ٢ ص ١٩٦ - ١٩٩ و" التهذيب ": جـ ٩ ص ٥٠ - ٥٤ و" تهذيب الأسماء واللغات " للنووي " جـ ٢ ص ٧١.
[ ٦٦ ]
أَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيثِ:
وقد كان له فضله الذي لا ينكر عَلَى الحديث وأهله - بما بذل من المجهود العلمي العظيم، فإنه أسهم في حركة النهضة الحديثية بسهم وافر، فوضع في الحديث وَعِلَلِهِ وَرِجَالِهِ مؤلفات كثيرة، تقدم فيها بهذه الفنون تقدما كَبِيرًا، وبلغ بها الغاية، وكانت عُمْدَةً لمن جاء بعده، وهي كثيرة وافرة، منها: " الجامع الصحيح "، والتواريخ الثلاثة: " الكبير "، و" الأوسط "، و" الصغير "، و" الضعفاء "، و" المتروكين "، وغيرها، وهي تزيد عَلَى عشرين مُؤَلَّفًا (١) طبع منها جملة تقارب العشرة.
وَفَاتُهُ:
بهذا الجهد العلمي في خدمة الحديث النبوي كانت حياة البخاري كلها جهادًا وعَمَلًا وَتَحَمُّلًا للمصاعب وَصَبْرًا عَلَى المشاق، وقد امتُحِنَ في آخر عمره في مدينة نيسابور، حيث نُسِبَ إليه القول بخلق لفظنا بالقرآن، وما بهذا الرأي من عيب، ولكن القوم كانوا عَلَى عصبية شديدة وتهيب عظيم في هذا الموضوع، لما نال أَهْلَ السُنَّةِ وَالحَدِيثِ وإمامهم المقدم أحمد بن حنبل من الفتنة الشديدة، فشغب عليه الناس، وانفضوا عنه، وخشي البخاري على نفسه، فترك مدينة نيسابور (٢) - وكان اسْتَقَرَّ بها زمانا - فذهب إلي بلدته بُخَارَى حيث اسْتُقْبِلَ أحسن استقبال، ولكنه لم يلبث أَنْ اضْطُرَّ للخروج منها، فذهب إلي بَيِْكَنْدْ، ثم اتجه إلي مدينة سَمَرْقَنْدْ. ولكنه مرض في الطريق فلبث عند أقربائه بقرية (خَرْتَنْكْ)، حيث انتقل إلي جوار ربه رَاضِيًا
_________________
(١) انظر " هدي الساري " مقدمة " فتح الباري ": جـ ٢ ص ٢٠٤، ٢٠٥، حيث خَصَّهَا بفصل قَيِّمٍ.
(٢) انظر " تاريخ بغداد ": جـ ٢ ص ٣٢ و" الطبقات ": جـ ٢ ص ١٣ و" هدي الساري ": جـ ٢ ص ٢٠٤، وقد عني السبكي بتحليل المسألة في ترجمته للكرابيسي: جـ ١ ص ٢٥٢، ٢٥٣ وأحسن لأنه نَبَّهَ في ترجمته للبخاري على تهويل بعض المؤرخين، ومبالغتهم فيها، فتنبه لذلك فإنه مُهِمٌّ جِدًّا.
[ ٦٧ ]
مَرْضِيًّا، وذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر سَنَةَ ست وخمسين ومائتين (١) - ﵁ وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَهُ -.