شرط قبول الخبر: أن يكون المُخبِر حين أَخبر به مسلمًا بالغًا عاقلًا عدلًا ضابطًا.
الباب الأول: في الإسلام
أما الإسلام فلاشتراطه أدلّة:
منها: أنَّ عامَّة الأدلة على مشروعية العمل بخبر الواحد في الدّين خاصة واردةٌ في خبر المسلم.
ومنها: قول الله ﵎ في المنافقين والرد عليهم: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١].
أي: ويصدِّق المؤمنين.
ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
والكفر أشدّ الفسق قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الجرز (^١): ١٨ ــ ٢٠].
_________________
(١) كذا في الأصل: "الجُرُز" وقد سمّاها المؤلف كذلك في عدة مواضع من كتبه، ولم أجد من سمى سورة السجدة بهذا الاسم، وقد ورد فيها قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾.
[ ١٥ / ٧ ]
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩].
والآيات في ذلك كثيرة.
وتبادُر المسلم من نحو قولك: "رأيتُ رجلًا فاسقًا" من العُرف الحادث [ص ٤] بعد صدر الإسلام، وسببه: أنه صار الغالب إذا ذُكِر الكافر أن يُذْكر بلفظه الخاص به "كافر" أو ما يعطي ذلك مثل: "يهودي، ونصراني، ومجوسي". وإذا ذُكِر المسلم الذي ليس بعَدْل أن يُذكر بنحو: "فاسق، وفاجر"، ومثل هذا العرف لا يعتدّ به في فهم القرآن.
وغَفَل بعضهم عن هذا فظنَّ أن دخول الكافر في الآية إنما هو من باب الفحوى، قال: لأنه أسوأ حالًا من الفاسق.
ونُوقش في ذلك بأن الفسق مظنة التساهل في الكذب، إذ المانع من الكذب هو الخوف من الله ﷿، ومن عيب الناس، ومرتكب الكبيرة قد دلَّ بارتكابه إياها على ضعف هذا الخوف من نفسه.
وأما الكافر فقد يكون عدلًا في دينه بأن يكون يحسب أنه على الدين الحقّ، ويحافظ على حدود ذلك الدين، ويخاف الله ﷿ والناس بحسب ذلك.
أقول: في هذا نظر؛ فإن الحجة قد قامت على الكافر، فدلَّ ذلك على كذبه في زعمه أنه يعتقد أنَّ دينه حقّ.
[ ١٥ / ٨ ]
والكافر الذي بلغته دعوة الإسلام لا يخلو عن واحد من ثلاثة أمور:
الأول: التقصير في البحث عن الدين الحق.
الثاني: الهوى الغالب.
الثالث: العناد.
ولو برئ من هذه الثلاثة لأسلم، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت (^١): ٦٨ - ٦٩].
[ص ٥] وقد اتفقوا على أنّ من كان مسلمًا مخالطًا للمسلمين، ثم ارتكب كبيرة قد قامت الحجة القاطعة بأنها كبيرة ــ كأن ترك صوم رمضان ــ فهو فاسق، فإن زاد على ذلك فزعم أنه لا حجَّة عنده على تحريم ما ارتكبه كان مرتدًّا، وهو في باب الأخبار أسوأ حالًا من المسلم المرتكب الكبيرة مع اعترافه بأنها كبيرة.
فإن قيل: إننا نجد من الكفار من يبالغ في تحرِّي الصدق والأمانة، حتى إن مَن يَخبر حاله، ويتّبع أخباره، قد يكون أوثق بخبره من خبر كثير من عدول المسلمين.
قلت: وكذلك في فُسّاق المسلمين ممن يترك الصلاة المفروضة ــ مثلًا ــ من يكون حاله في إظهار تحرِّي الصدق والأمانة كحال الكافر المذكور.
_________________
(١) عبارة المؤلف: "خاتمة العنكبوت".
[ ١٥ / ٩ ]
وحل الإشكال من أوجه:
الأول: أنَّ الظاهر من حال الكافر والفاسق الذي يُعرف بتحرِّي الصدق أن المانع له من الكذب الخوف من الناس، وحبُّ السمعة الحسنة بينهم، وعلى هذا فهذا المانع إنّما يؤثر في الأخبار التي يخافُ من اطلاع الناس على جَليَّة الحال فيها، فلا يُؤمن ممن هذا حاله أن يكذب إذا ظن أنه لا يُوقَفُ على كذبه.
فالعدل في خبر هذا أن نتبيّن [ص ٦] فيه، فإن ثبت بدليل موثوق به أنه صَدَق عُمل به لذلك الدليل، وإلا اطُّرح لعدم الوثوق به حينئذٍ.
الوجه الثاني: أنه لا يُسْتنكر من الشارع أن لا يعتدّ بصدق مثل هذا؛ لأنه ليس بصدقٍ يحمده عليه الشارع؛ إذ الباعثُ عليه هو رئاء الناس كما علمت.
الوجه الثالث: أنه لو فُرِض أنه يحصل من الوثوق بخبره كما يحصل بخبر المسلم العدل، فقد يكون الشارع جعل كفرَ هذا الرجل أو فسقَه مانعًا من قبول خبره في الدين؛ زجرًا له، وعونًا له على نفسه، لعله يستنكف من تلك الحال فيتوب، ورفعًا لتلك المرتبة العليّة
_________________
(١) وهي أن يُدان بخبر الرجل عمن لا يستحقها. الوجه الرابع: أن السبب الباعث على الحكم قد يكون خفيًّا، أو غير منضبط، فإذا كان هكذا فلو كلَّف الشارعُ الناس ببناء الحكم عليه كان في ذلك مفاسدُ، منها: أنه من باب التكليف بما لا يطاق، ومنها: أنه فتحٌ لباب اتباع الهوى، ولكثرة الاختلاف، ولاتهام الحكام، وغير ذلك. فاقتضت الحكمةُ أن يبني الشارعُ الحكمَ على أمر آخر يشتمل على
[ ١٥ / ١٠ ]
ذلك السبب غالبًا، ثم تكفَّل الله ﷿ بتطبيق العدل بقضائه وقدره.
مثال ذلك: أن السبب الباعث على شرع العقوبة للمذنب هو الذنب، فإذا شُرعت العقوبة على وجهين
_________________
(١) مثلًا [ص ٧] فإنما ذلك لاختلاف حال ذلك الذنب. فمن ذلك الزنا شُرِع الحدُّ عليه على وجهين: الأول: الجلد. الثاني: الرجم. ولا يخفى أن الجلد أخفّ من الرجم، وأنّ حقّه أن يكون الرجم عقوبة لمن يكون زناه جرمًا أغلظ مِنْ زنا عقوبته الجلد، ولكنَّ الغِلَظَ والخِفَّة في الإجرام بالزنا أمرٌ لا ينضبط؛ لأن شديد الشهوة أقرب إلى العذر من ضعيفها، وشدّتها وضعفُها أمرٌ خفيٌّ وغير منضبط، والعاشق أقرب إلى العذر من غيره، والعشق يخفى ولا ينضبط. والمصادف للمرأة بغتةً أقرب إلى العذر من المتصدّي لها. والعاجز عن التزوّج بالمرأة أقرب إلى العذر من القادر على زواجها، في أمورٍ أخر. فلذلك علّق الشارع الفرق بالإحصان وعدمه؛ لأن الغالب أن يكون المحصَن أضعف عذرًا من غيره، على أنه قد يتَّفق خلاف ذلك، فقد يكون شابٌّ فقيرٌ، قوي البنية، شديدُ الشهوة، عاشقًا لامرأة عاجزًا عن التزوّج بها، وهو يحبس نفسه عن التعرُّض لها، والقرب من مكانها، ثم حاول أن يدافع داعيته فتزوج امرأة فقيرة، فبات معها ليلة فهلكت، ثم لم يستطع الزواج بغيرها، ولم تزل نفسُه متعلّقة بمعشوقته، فبينا هو ليلةً في خلوة لم يفجأه إلا دخول معشوقته عليه، ورميها نفسها [ص ٨] بين ذراعيه، فلم يتمالك أن كان ما
[ ١٥ / ١١ ]
كان.
وآخر غنيٌّ ضعيفُ البنية، ضعيف الشهوة، لم يتزوّج حتى شاخ وضعف، فتعرَّض مرةً لامرأة لو شاء لتزوّجها، ولكنه لم يلتفت إلى ذلك، بل تَبِعها ووقع عليها.
فظاهرٌ أنَّ ذنب هذا الشيخ الذي لم يُحصَن أغلظ من ذنب ذلك الشاب الذي قد أُحْصِن بدرجات، ولكن مع ذلك حدُّ الشابِّ المحصن الرجم، وحدُّ الشيخ الذي لم يحصَن الجلد.
إلا أننا نقول: إن الحكمة اقتضت في القانون الكلي أن يُناط الفرقُ بالإحصان وعدمه، والله ﷾ هو الرقيب على عباده، يطبق العدل بقضائه وقدره، كأن يستر ذلك الشاب، ويفضح هذا الشيخ، أو غير ذلك، فإنه سبحانه بكل شيء خبير، وعلى كل شيء قدير.
ومن ذلك: القاتل إذا تعمّد الضرب قد تكون عقوبته الدية، وقد تكون القتل قودًا، والمعقول أنَّ جرمه إنما يختلف بأن يكون قَصَد القتل أو لم يقصده، ولكنَّ قَصْده القتل أمرٌ خفيٌّ لا يُعْلَم كما ينبغي إلا بقوله، والقاتل غالبًا يدفع عن نفسه القتل، فهو
_________________
(١) وإن قصد القتل حريٌّ بأن يقول: لم أقصده، والقرائن عامتها مشتبهة، فناط الشارعُ الفرقَ بأقوى القرائن، وهي الآلة، وموضع الضرب بها، فإن كان الضرب في ذلك المكان بمثل تلك الآلة من شأنه أن يقتل حُكِم [ص ٩] بالقَوَد؛ إذ الغالب أن القاتل قَصَد القتل، وإلا فلا. وكأنه والله أعلم بناءً على هذا ذهب مالك ﵀ إلى أن الوالد إذا
[ ١٥ / ١٢ ]
قتل ولده قِتْلَة شنيعة
_________________
(١) كأن أضجعه فذبحه وجب القصاص، وإلا فلا. كأنه بنى دفعَ القصاص عن الوالد بأن الغالب أنه لا يقصد القتل، فلم يوجب القصاص عليه إلا في الحال التي يمتنع فيها أن يكون لم يقصد القتل. هذا وقد يتفق في مَنْ حقّه بحكم الشرع أن يُقاد منه أن لا يكون قصد القتل، وفي مَن حقه أن لا يقاد منه أنه قصد القتل، فمثل هذا يُطبق الله ﷾ العدل فيه بقضائه وقدره. إذا تقرّر هذا فمظنّة أن لا يكذبَ المخْبِر في خبرٍ عن الشرع مما لا ينضبط، فضبطه الشارع بالإسلام والعدالة، وقد يتفق في المسلم العدل أن يكذب خطأ أو عمدًا، وفي غيره أن يصدق، ولكن الله ﵎ يطبق العدل بقضائه وقدره، فيهدي أهلَ العلم إلى معرفة خطأ ذاك أو عَمْده، ويغنيهم عن خبر الكافر أو الفاسق بأن ييسر لهم علمه من غير طريقه. فإن قيل: قد لا يهتدي بعضهم إلى الخطأ، وقد لا يقف بعضهم على الدليل. قلت: إن قصَّر فهو الموقِعُ نفسَه في ذلك، وإن لم يقصّر [ص ١٠] فذلك داخل في تدبير الله ﷿، وتطبيقه العدل والحكمة بقضائه وقدره، والبحث طويل، وفي هذا كفاية إن شاء الله تعالى.
[ ١٥ / ١٣ ]
[ص ١١] الباب الثاني: في البلوغ
وأما البلوغ فهو حدُّ التكليف، ولا يتحقق الخوف من الله ﷿ والخوف من الناس إلا بعده؛ لأن الصبي مرفوع عنه القلم فلا يخاف الله ﷿، وكذلك لا يخاف الناس؛ لأنهم إن ظهروا على كذبٍ منه قالوا: صبي، ولعله لو قد بلغ وتمَّ عقلُه لتحرَّز.
ومع هذا فلا تكاد تدعو الحاجة إلى رواية الصبي؛ لأنه إن روى فالغالب أن المرويّ عنه حيّ فيراجع، فإن كان قد مات فالغالب
_________________
(١) إن كان الصبي صادقًا أن يكون غيره ممن هو أكبر قد سمع من ذلك المخبر أو غيره، فإن اتفق أن لا يوجد ذلك الخبر إلا عند ذلك الصبي، فمثل هذا الخبر لا يوثَقُ به. هذا وعامة الأدلة على شَرْع العمل بخبر الواحد موردها في البالغين.
[ ١٥ / ١٤ ]
الباب الثالث: في العقل
وأمّا العقل فالأمر فيه أظهر، إذ المراد به هنا أن لا يكون مجنونًا، فأما المغفّل فيأتي الكلام فيه في الباب الخامس إن شاء الله تعالى.
[ ١٥ / ١٥ ]
[ص ١٢] الباب الرابع: في العدالة
وأما العدالة، فقد قال الله ﷿: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وقال سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
والشهادة والحكم كالإخبار، والأصل اتحاد الحكم فيهما وفي الرواية إلا ما قام الدليل على الافتراق فيه.
وقد تقدّم في الكلام على الشرط الأول ما يتعلق بهذا (^١)، فلا حاجة إلى إعادته.
هذا؛ و"العدالة" مصدر عَدُل الرجل صار عادلًا، والعدل في الحكم: الإنصاف فيه، كأنه مِن عَدْل الغرارتين على البعير مثلًا، أي التسوية بينهما حتى تكونا متعادلتين، فيبقى الحمل معتدلًا مستقيمًا لا ميل فيه.
فالعدل في الحكم إذًا: أن ينظر ميل المائل عن الحقّ فيردّه إليه، وحاصله: أن يتحرَّى الحق فيقضي به.
فالعدالة إذًا هي الاستقامة على حدود الشرع.
والفِسْقُ هو: الخروج عن هذه الصفة. قالوا: وأصله من فَسَقت الرطبةُ إذا خرجت عن قشرتها.
هذا، وقد تقرّر في أقوال أهل العلم سلفًا وخلفًا أنّ المعصية الصغيرة لا
_________________
(١) (ص ٥ ــ ٦).
[ ١٥ / ١٦ ]
تقتضي الخروج عن العدالة، وقد قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [ص ١٣] وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣١
_________________
(١) ٣٢]. فههنا احتمالان: الأول: أن يقال: إن الفسوق يختص بالخروج الفاحش، فلا يسمَّى ارتكاب الصغيرة فسوقًا وإن كان عصيانًا، وقد يستدلُّ على هذا بقول الله ﵎ بعد آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ..﴾ الآية : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. فكما أن الفسوق أعمُّ من الكفر؛ لأن من الفسوق ما هو دون الكفر، فكذلك يظهر أنّ العصيان أعمُّ من الفسوق، وأنّ من العصيان ما هو دون الفسوق. الاحتمال الثاني: أن يُقال: الفسوق من الأشياء التي تتفاوت كالعلم مثلًا، فكما لا يوصَف من علم مسألةً أو مسألتين بأنه عالم على الإطلاق، فكذلك لا يوصف من فَسَق بصغيرة أو صغيرتين بأنه فاسق على الإطلاق. [ص ١٤] والآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ إنما بُنيت على من هو فاسق لا على من وقع منه فسوق.
[ ١٥ / ١٧ ]
وقال الله ﷿ في سورة الحجرات في سياق الآيتين السابقتين وهما: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
وقال الله ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
لمّا ذكر الكبيرة الموجبة للحدّ ورد الشهادة قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ولمّا ذكر ما قد يكون دونها
_________________
(١) أي صغيرة من السخرية بالمسلم، [ص ١٥] ولمزه، ونبزه بلقب، ومضارة الكاتب أو الشاهد، وما قد يقع في الحج من ذلك وما يشبهه سماها: فسوقًا. * * * *
[ ١٥ / ١٨ ]
فصل (١): الصحابة
[ص ٢٧] (^١) فصل ــ ١
الصحابة
اسم الصحابي يعمُّ عند الجمهور كلَّ من رأى النبي ﵌ مسلمًا ومات على ذلك.
والمراد رؤيته إياه بعد البعثة وقبل الوفاة.
والاسم يشمل من ارتدَّ بعد وفاة النبي ﵌ ممن كان قد رآه مسلمًا إذا عاد إلى الإسلام ومات عليه، كطُلَيحة بن خويلد، وعُيينة بن حصن، وأضرابهما.
لكن قضيّة ما نُقِل عن الشافعي وغيره - مِن أنّ الردة تُحبط العمل الصالح قبلها ولو عَقَبَتْها توبة ــ أن هؤلاء لا حظّ لهم في فضل الصحبة.
وذهب الجمهور إلى أن الصحابة كلَّهم عدول، قال ابن الأنباري: "وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلُّف للبحث عن أسباب العدالة والتزكية (^٢)، إلا إن ثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ولله الحمد. فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله ﵌ حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أصحاب السير، فإنه لا يصح، وما
_________________
(١) هذه الورقة (٢٧) كان قد كتب عليها المؤلف: "الفرع السابع" ثم ضرب عليها وكتب ما هو مثبت، ثم كتب بقلم الرصاص: "من هنا إلى ص ٤٤ محلّه بعد صفحة ١٥".
(٢) في "فتح المغيث": "وطلب التزكية".
[ ١٥ / ١٩ ]
الآيات الواردة في تعديل الصحابة
صحَّ فله تأويل صحيح" فتح المغيث (ص ٣٧٨) (^١).
وقال الخطيب في "الكفاية" (ص ٤٦) (^٢): "باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم " فذكر عدة آيات [ص ٢٨] وأحاديث في الثناء عليهم، إلى أن قال: "فهم على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحدٍ ارتكاب ما لا يحْتَمِل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل، فيُحْكَم بسقوط العدالة، وقد برأهم الله من ذلك، ورَفَع أقدارهم [عنه]، على أنه لو لم يرد من الله ﷿ ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحالُ التي كانوا عليها؛ من الهجرة، والجهاد والنُّصرة، وبذل المُهَج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين= القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدَّلين والمُزَكَّين الذين يجيئون مِنْ بعدهم أبد الآبدين".
أقول: أما الآيات فمنها:
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ
_________________
(١) (٤/ ١٠٠ ــ ط السلفية ببنارس).
(٢) طبعة دائرة المعارف (ص ٤٦، ٤٩)، وما بين المعكوفين منه.
[ ١٥ / ٢٠ ]
يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ ــ ١٠].
[ص ٢٩] ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧].
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح (^١): ٢٩].
[ص ٣٠] ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
_________________
(١) عبارة المؤلف: "خاتمة الفتح".
[ ١٥ / ٢١ ]
فلتات وقعت للصحابة (وهي لا تنافي عدالتهم)
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٢
_________________
(١) ١٧٤]. ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]. ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢١، ١٢٢]. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. [ص ٣١] ومن تدبَّر هذه الآيات وغيرها من القرآن وجدَ الثناء على المهاجرين عامًّا سالمًا من التخصيص، فإذا تتبَّع السنة أيضًا لم يجد ما ينافي ذلك، سوى فلتاتٍ ربما كانت تقع من بعضهم فلا تضرهم. فمنها: ما جرى منهم يوم بدر، مِنْ ترجيح أخذ الفداء، فأقرّهم الله ﷿ عليه وأنزل: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
[ ١٥ / ٢٢ ]
(٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١) [الأنفال: ٦٨ ــ ٦٩].
ومنها: تولي بعضهم يومَ أحد فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (^٢) [آل عمران: ١٥٥].
ومنها: قصة مِسْطَح بن أُثاثة لما خاض مع أهل الإفك فكان ما كان، وأقسم أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣) [النور: ٢٢].
ومنها: قصة حاطب بن أبي بلتعة (^٤).
وأشدّ ما وقع من ذلك قصة عبد الله بن أبي سرح، مع أنه ليس من المهاجرين الأولين، وإنما كان ممن أسلم قبيل الفتح، ثم ارتد، فأمر النبي صلى الله [ص ٣٢] عليه وآله وسلم يوم الفتح بقتله فلم يقتل وأسلم (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٦٣)، وأحمد (٢٠٨) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٦٦) من حديث ابن عمر ﵄. وأحمد (٤٩٠) في حكاية بين عبد الرحمن بن عوف والوليد بن عقبة.
(٣) أخرجه البخاري (٤٧٥٠) عن عبد الله بن عتبة عن عائشة. وأخرجه البخاري (٢٥٩٥)، ومسلم (٢٧٧٠) عن عروة عن عائشة.
(٤) أخرجها البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث عليّ ﵁.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٦٨٥)، والنسائي في "الكبرى" (٣٥١٦)، والحاكم: (٣/ ٤٧) وصححه على شرط مسلم، والبيهقي: (٤/ ٧٠) من حديث مصعب بن سعد عن أبيه.
[ ١٥ / ٢٣ ]
وجود المنافقين في الأنصار والأعراب
قال ابن عبد البر (^١): "فحسن إسلامه، فلم يظهر منه شيء ينكر عليه بعد ذلك، هو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش". ثم ذكر ولايته مصر وفتحه أفريقية والنوبة، ثم قال: "ودعا ربه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلى الصبح، فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلّم عن يمينه، وذهب يسلم عن يساره، فقبض الله روحه. ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره".
ومع ذلك فلم يُرْوَ عنه من الحديث شيء إلا حديث واحد قد رواه غيره من الصحابة، ومع ذلك لم يصح السند إليه.
وأمّا الأنصار فحالهم قريب من حال المهاجرين، إلا أنه لم يعم الإيمان جميع الأوس والخزرج بل كان منهم أفراد منافقون.
وقد ذكر الله ﷿ ذلك في كتابه، لكن أولئك الأفراد كانوا قليلًا، كما يظهر من الآيات والأحاديث، وكما يُعْلَم ذلك بدلالة المعقول؛ فإنهم لو كانوا هم الأكثر أو كثيرًا، لكانوا أظهروا كُفْرَهم، ولم يحتاجوا إلى النفاق، ومع ذلك فقد كانوا معروفين عند النبي ﵌ والمسلمين، إن لم يكن عِلْمَ اليقين فالظن، قال الله ﷿: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [القتال (^٢): ٢٩ ــ ٣٠].
_________________
(١) في "الاستيعاب" (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٨ - بهامش الإصابة).
(٢) كذا عبارة المؤلف، يعني سورة محمد.
[ ١٥ / ٢٤ ]
[ص ٣٣] وكانوا مع ذلك خائفين كما قال الله ﷿ فيهم: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤].
وكانوا مع ذلك إلى نقص بالهلاك أو التوبة والإخلاص، والغالب على الظن أنّ من بقي منهم بعد وفاة النبي ﵌ لم يتعرَّض أحدٌ منهم لأن يذكر عن النبي ﵌ شيئًا لخوفهم من المؤمنين، وعلمهم أنَّ أحدَهم لو أخبر بشيء عن النبي ﵌ فكَذَب فيه لأنكره عليه المؤمنون وفضحوه بما كانوا يظنونه من نفاقه، أو لأعْلَمهم بنفاقه حذيفةُ أو غيرُه ممن كان قد أسرَّ إليه النبي ﵌ بأسماء المنافقين.
وأمّا الأعراب فقد قال الله ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].
والظاهر أنَّ أهلَ هذه الآية آمنوا بعد ذلك أو غالبهم، كما تقتضيه كلمة "لمّا".
وقد ذكر الله ﷿ فِرقَهَم في سورة التوبة [٩٥
_________________
(١) ١٠٥] فذكر أنّ منهم منافقين، ومنهم مؤمنون مخلصون، ومنهم مخلّطون يرجى لهم الخير، وقال في آخر ذلك: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا [ص ٣٤] فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. ثم ابتلاهم الله ﷿ بعد غزوة العُسْرة بوفاة رسوله ﵌، فارتدَّ أقوامٌ من الأعراب، فعرفهم المؤمنون حقّ المعرفة.
[ ١٥ / ٢٥ ]
عدالة الطلقاء
وأمّا الطُّلقاء من أهل مكة فلم يرتدّ منهم أحد بعده ﵌، وقد شملتهم بعضُ الآيات المتقدّمة كما يعلم بمراجعتها، وكذلك تشملهم بعض الأحاديث، كالحديث المشهور: "خير الناس قرني " (^١).
وبالجملة فتعديل الله ﷿ ورسوله ثابت للمهاجرين عامة، ولم يجئ ما يخصِّصه.
وأمّا الأنصار؛ فالثناء عليهم عام، ولكن قد كان من الأوس والخزرج منافقون لكنهم قليل، ولم يحضر من المنافقين أحدٌ بيعةَ العقبة، ولا شهد بدرًا ولا أحدًا، فإنَّ كبيرهم اعتزل بهم، والظاهر أنه لم يبايع تحت الشجرة أحدٌ منهم، وقد قيل: إنه كان هناك واحد منهم فلم يبايع وقد سُمّي (^٢).
وقول الله ﷿ في ذكر تخلُّفهم عن غزوة تبوك: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ الآية [التوبة: ٤٦ ــ ٤٧] يقتضي أنه لم يشهد تبوك أحدٌ منهم.
ولكن رُوي أن اثني عشر منهم اعترضوا النبيَّ ﵌ مَرْجِعَه من تبوك، وأرادوا تَرْديته من العقبة (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) هو الجدّ بن قيس أخو بني سَلِمة. انظر "السيرة النبوية": (ق ٢/ ٣/٣١٦) لابن هشام.
(٣) أخرجه البيهقي في "الكبرى": (٩/ ٢٣) من مرسل عروة بن الزبير، وذكره الواقدي في "المغازي" (٣/ ١٠٤٢).
[ ١٥ / ٢٦ ]
[ص ٣٥] وقد يقال
_________________
(١) إن صح الخبر : لعلّ هؤلاء لم يشهدوا تبوك، وإنّما ترصَّدوا قدومَه ﵌ من تبوك، فالتقوه ببعض الطريق لمَّا هموا به. ومع ذلك ففي الخبر أن حذيفة عرف هؤلاء. هذا، وقد سبق أن الظاهر أنّ من بقي من المنافقين لم يُرْوَ عن أحدٍ منهم شيء عن النبي ﵌. وأمّا الأعراب فقد تمّ امتحانهم بوفاته ﵌، فَمَن ثبت منهم على الإسلام فقد ثبتت عدالته، ومن ارتدّ فقد زالت، فمن عاد بعد ذلك إلى الإسلام فيحتاج إلى عدالة جديدة. وأمّا الطُّلقاء فقد شملتهم بعض الآيات كما عرفتَ، ولم تقع منهم ردّة. ولو اقتصر المخالف في المسألة على القول بأن مَنْ تأخَّر إسلامُه وقلَّت صحبتُه يحتاج إلى البحث عنهم لكان لقوله وجهٌ في الجملة. وأوجه من ذلك مَنْ كان من الأعراب، ويحتمل أنّه ممن ارتدّ عقب وفاة النبي ﵌، فأما من عُلِم أنه ممن ارتدّ فالأمر فيه أظهر. هذا، وقد كان العرب يتحاشَون من الكذب، وتأكَّد ذلك فيمن أسلم، وكان أحدهم وإن رقَّ دينُه لا يبلغُ به أن يجترئ على الكذب على الله ورسوله، وكانوا يرون أنّ أصحابَ رسول الله ﵌ متوافرون، وأنه إن تجرَّأ أحدٌ على الكذب افْتُضِح. [ص ٣٦] ولو قال قائل: إنّ الله ﵎ منعَ القومَ مِن تعمُّدِ الكذب على نبيه ﵊ بمقتضى ضمانه بحفظ دينه، ولا سيّما مع إخباره بعدالتهم لَمَا أبْعَد.
[ ١٥ / ٢٧ ]
تنبيه: وقوع الخطأ من الصحابة من غير عمد
ومَنْ تدبّر الأحاديث المروية عمن يمكن أن يُتكلَّم فيه من الطلقاء ونحوهم= ظهر له صِدْق القوم؛ فإنَّ المرويّ عن هؤلاء قليل، ولا تكاد تجد حديثًا يصحّ عن أحدٍ منهم إلا وقد صحَّ بلفظه أو معناه عن غيره من المهاجرين أو الأنصار. وقد كانت بين القوم إحَنٌ (^١) بعد النبي ﵌، فلو استساغ أحدٌ منهم الكذب لاختلق أحاديث تقتضي ذمَّ خصمه، ولم نجد من هذا شيئًا صحيحًا صريحًا.
وفوق هذا كله فأهل السنة لم يدَّعوا عصمةَ القوم، بل غاية ما ادَّعوه أنه ثبت لهم أصل العدالة، ثم لم يثبت ما يزيلها. والمخالف يزعم أنه قد ثبت عنده في حقِّ بعضهم ما يزيل العدالة، فانحصر الخلاف في تلك الأمور التي زعمها، فإذا أثبت أهل السنة أنها لم تصح، وأن ما صحَّ منها لا يقتضي زوال العدالة استتبَّ الأمر. فأمّا من ثبتَ شهادةُ النبيّ ﵌ له بالمغفرة والجنة فقد تضمن ذلك تعديلهم أوّلًا وآخرًا. والله الموفق.
[ص ٣٧] تنبيه:
أما الخطأ فقد وقع من بعض الصحابة، كقول ابن عمر: إن النبي ﵌ اعتمر مرةً في رجب (^٢)، وغير ذلك مما يعرف بتتبع كتب السنة (^٣).
_________________
(١) أي: حقد وعداوة.
(٢) أخرجه البخاري (١٧٧٥، ١٧٧٦)، ومسلم (١٢٥٥) وقد استدركت عليه عائشة ﵂ هذا القول، وأن النبي - ﷺ - لم يعتمر في رجب قط.
(٣) وقد تتبّع الزركشيّ ما استدركته أم المؤمنين عائشة ﵂ على الصحابة في كتاب سمّاه "الإجابة عما استدركته عائشة على الصحابة".
[ ١٥ / ٢٨ ]
مسألة: طريق معرفة كونه صحابيا
مسألة:
قال الخطيب في "الكفاية" (ص ٥٢): "ومن الطريق إلى معرفة كونه صحابيًّا: تظاهرُ الأخبار بذلك. وقد يُحْكَم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينًا مقبول القول، إذا قال: "صَحِبتُ النبي ﵌ وكثر لقائي له وإذا قال: أنا صحابي ولم يُحْكَ عن الصحابة رَدُّ قوله ولا ما يعارضه = وجبَ إثباته صحابيًّا حكمًا بقوله لذلك، أو قول آحاد الصحابة: [إنه صحابي] (^١) ".
أقول: فعُرِف من هذا أن من لم تثبت صحبتُه إلا بقوله حُكْمه حكم التابعين في البحث عن عدالته؛ لأنها لا تثبت صحبته حتى تثبت عدالته.
* * * *
_________________
(١) من "الكفاية".
[ ١٥ / ٢٩ ]
فصل (٢): التابعون
المراد بالقرون الثلاثة
[ص ٣٩] فصل ــ ٢
التابعون
التابعيُّ: مَن أدرك بعض الصحابة، ورأى بعضهم، وسمع منه سماعًا يُعتدُّ به، بأن يكون السامع مميزًا، وقيل: بل تكفي الرؤية مع التمييز.
والذي يظهر في حديث: "خيرُ الناسِ قرني، ثمّ الذين يلونهم" (^١) أن الدخول في "الذين يلونهم" يُشْترط فيه زيادة على ما تقدَّم، قال ابن الأثير في "النهاية" (^٢) عن أبي عبيد الهروي: "فيه: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم" يعني الصحابة ثم التابعين (^٣)، والقرن أهلُ كلّ زمان، وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان، مأخوذ من الاقتران، وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، وقيل: القرن أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة".
أقول: والقول الثاني كأنّه ضابط تقريبيّ للأول.
هذا، والقرون تتداخل ــ أعني أن القرن الأول إذا أخذَ في النقصان أخذ الذي يليه في الزيادة، وهكذا ــ فقد يقال: إن قَرْنه ﵌ بقي على الغلبة إلى تمام ثلاثين سنة من الهجرة، ثم أخذ في الضعف، وذلك حين بدأ الناسُ في الإنكار على أمراء عثمان، وأخذ القرنان يصطرعان، فكان
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) (٤/ ٥١).
(٣) "الغريبين": (٥/ ١٥٣٣ - ط نزار الباز).
[ ١٥ / ٣٠ ]
[ص ٤٠] بعد خمس سنين قتل عثمان، وذلك مصداق حديث البراء بن ناجية عن ابن مسعود عن النبي ﵌: "تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل مَنْ هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا". قال: فقلت: مما بقي أو ممّا مضى؟ قال: "ممّا مضى" (^١).
وفي بعض الروايات "مما بقي".
وروى شريك عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود مرفوعًا: "إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين، فإن اصطلحوا فيما بينهم على غير قتال يأكلوا الدنيا سبعين عامًا رغدًا، وإن يقتتلوا يركبوا سَنَن من قبلهم" (^٢).
فكان لخمس وثلاثين حَصْر عثمان، ولم يقم الدين كما ينبغي؛ إذ لم يصطلحوا على غير قتال، بل كان هلاك ما بالقتل والفرقة والفتنة، فكان سبيلهم سبيل الأمم الماضية من الاختلاف، ثم تمت الغلبة للقرن الثاني بعد سنوات بقتل أمير المؤمنين علي ﵇، ثم بتسليم ابنه الحسن الخلافة لمعاوية، وذلك مصداق حديث سفينة مولى النبي ﵌، قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "الخلافة ثلاثون
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٧٣٠)، وأبو داود (٤٢٥٤)، والطيالسي (٣٨٣)، والحاكم (٣/ ١٢٣) وغيرهم. قال الحاكم: صحيح الإسناد.
(٢) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده ــ كما في "اتحاف الخيرة": (٨/ ١١) ــ والبزار: (٥/ ٣٢٣)، والطبراني في "الكبير": (١٠/ ١٥٨)، قال البوصيري: بسندٍ ضعيف لضعف مجالد بن سعيد.
[ ١٥ / ٣١ ]
عامًا ثم يكون بعد ذلك الملك" (^١).
أقول: فتمَّت الغلبة للقرن الثاني بنحو أربعين سنة من الهجرة، فثلاثون سنة منها كانت للقرن الأول، وعشر بينه وبين الثاني، ثم تمَّت للقرن الثاني ثلاثون سنة لستين من الهجرة، فكانت ولاية يزيد، ثم قتل الحسين بن عليّ ﵇.
وقد صحَّ عن أبي هريرة [ص ٤١] أنه كان يتعوَّذ من عام الستين وإمارة الصبيان (^٢)، فمات قبلها.
ثم كانت وقعة الحرَّة، وإحراق الكعبة، ثم كان بعد السبعين رمي الكعبة بالمجانيق، وقتل ابن الزبير، واستتباب الأمر لعبد الملك.
وعلى هذا المنوال يكون انتهاء القرن الثاني سنة سبعين، وانتهاء الثالث على رأس المائة.
ومن أسباب الفضل للثاني والثالث: أنه لم يزل فيهما بقايا من أصحاب النبي ﵌، وانتهى ذلك بعد انتهاء المائة بقليل، مصداقًا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٩١٩)، وأبو داود (٤٦٤٧)، والترمذي (٢٢٢٦)، والنسائي في "الكبرى" (٨٠٩٩)، وابن حبان (٦٩٤٣)، والحاكم: (٣/ ٧١، ١٤٥) وغيرهم من طرق عن سعيد بن جُمهان عن سفينة به. والحديث صححه أحمد كما في "السنة" (٦٣٦) للخلال، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن" وصححه ابن حبان.
(٢) تعوّذه من عام الستين وإمارة الصبيان أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١٣٩٧) وقال: لم يرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا حماد، تفرّد به رَوح بن عبادة. ورواه أبو هريرة مرفوعًا أن النبي - ﷺ - قال: "تعوّذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان" أخرجه أحمد (٨٣١٩، ٨٣٢٠)، والبزار (١٦/ ٢٤٩).
[ ١٥ / ٣٢ ]
لقوله ﵌ قبيل موته: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن [على] رأس مائة سنة [منها] لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ" (^١).
هذا، والظاهر أنه يدخل في القرن الأول من أسلم في حياة النبي ﵌ ولم يجتمع به، وكذلك من أسلم بعده بقليل، وكذا من ولد بعده بقليل، بحيث يكون منشؤه في عهد كثرة الصحابة وظهورهم؛ فإنه يقتدي بهم، ويقتبس من أخلاقهم وآدابهم، حتى يستحكم خلقُه على ذلك. ولا مانع من أن يكون هؤلاء في القرن الأول وإن لم يكونوا صحابة.
وعلى هذا فالدرجات تتفاوت: فمَنْ وُلد بعد وفاة النبي ﵌ أقرب إلى نيل خصائص القرن الأول ممن ولد بعده بخمس [ص ٤٢] سنوات ــ مثلًا ــ وهكذا، حتى إن من ولد بعده ﵌ بخمس عشرة سنة أقرب إلى القرن الثاني، وقد يكون بعض من يولد متأخرًا أمكن في خصائص القرن الأول ممن ولد متقدِّمًا لأسباب أخرى، ككثرة مجالسة أفاضل الصحابة، وقس على هذا.
ومن استحكمت قوَّته في عهد القرن الأول فهو منهم، وإن بقي إلى الثاني والثالث، وهكذا. وقد يكون هذا هو السرّ ــ والله أعلم ــ في الشكِّ في أكثر روايات الحديث: أكرّر النبيُّ ﵌ "ثم الذين يلونهم" مرتين أم ثلاثًا؟ وذلك أنه بعد انتهاء قَرْنه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، تبقى جماعة من أهل الثالث يعيشون في الرابع.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٦)، ومسلم (٢٥٣٧) من حديث ابن عمر ﵄. وما بين المعكوفات منهما.
[ ١٥ / ٣٣ ]
من لم يجرح من أهل القرون الثلاثة، هل يكون عدلا؟
[ص ٤٣] هذا، وقد احْتُجَّ بهذا الحديث على أن الظاهر في التابعين وأتباعهم العدالة، فمن لم يُجْرَح منهم فهو عدل.
وقد يوجَّه ذلك بأنَّ الخيرَ لم يرتفع من الأمة جملةً بعد تلك القرون، فثناؤه ﵌ عليها، وذمه من بعدها إنما هو بناء على الأغلب، فكأنه يقول: إن غالب أهلها أخيار، وغالب من بعدها أشرار. وإذا ثبت أن غالبهم أخيار، فمن لم يُعْرَف حاله منهم حُمِل على الغالب.
أقول: وفي هذا نظر من وجهين:
الأول: أنه قد يجوز أن يكون ﵌ راعى الكثرة، فيكون حاصل ذلك أن القرن الأول ــ وهم الصحابة ومن انضمَّ إليهم ــ غالبهم عدول، والقرن الثاني نصفهم عدول، والقرن الثالث ثلثهم عدول، والثلث كثير، وأما بعد ذلك فإن العدالة تقلُّ عن ذلك. وعلى تسليم الغلبة في القرن الثاني ــ أيضًا ــ فقد يكون في الثالث التعادل، واستحقوا الثناء لأنّ شرّهم لم يكن أكثر من خيرهم، بخلاف من بعدهم.
الوجه الثاني: أن الغلبة تصْدُق بخمسة وخمسين في المائة ــ مثلًا ــ، ومثل هذا [ص ٤٤] لا يحصل به الظن المعتبر في أنَّ مَنْ لم يُعْرَف حاله من المائة فهو من الخمسة والخمسين، ولو قال المحدِّث: "أكثر مشايخي ثقات"، لما كان توثيقًا لمن لا يُعْرَف حاله منهم.
وتمام هذا البحث يأتي في الكلام على المجهول إن شاء الله تعالى (^١).
* * * *
_________________
(١) لم يتمكن المؤلف من كتابة هذا البحث.
[ ١٥ / ٣٤ ]
فصل (٣): المراد بالكبائر
فصل (٤): حكم من يستكثر من الصغائر
[ص ١٦] (^١) فصل ــ ٣
اختلف في حدِّ الكبيرة اختلافًا كثيرًا، ومن أحبَّ الاطلاع على ذلك فليراجع كتاب "الزواجر" (^٢) لابن حجر المكي.
وقد وردت الأحاديث في النصِّ على بعض الكبائر، وثبت بالأدلة أن من الذنوب الأخرى ما هو أشدُّ من بعض النصوص أو مثله، فالمدار على الاجتهاد.
* * * *
فصل ــ ٤
اشتهر بين أهل العلم أنّ الإصرار على الصغيرة يصيّرها كبيرة، وقال جماعة: كالكبيرة في ردِّ الشهادة والرواية، وقيَّده جماعة بالإصرار على كثير من الصغائر، بحيث تصير معاصي الرجل أغلب من طاعاته، لنصِّ جماعةٍ من الأئمة كالشافعي وغيره على أنَّ من غلبت طاعاتُه معاصيه فهو عدل. وعبارة الشافعي: "لا أعلم أحدًا أُعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا ﵇، ولا عُصِي الله فلم يُخْلَط بطاعته، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدّل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرَّح". أسنده الخطيبُ في "الكفاية" (ص ٧٩) وذكر هناك أقوالًا أخرى في هذا المعنى، وبَسَط الكلامَ فيه ابنُ حجر المكي في "الزواجر" (٢/ ١٨٧).
_________________
(١) عدنا إلى هذا الموضع (ص ١٦) بإشارة المؤلف في آخر (ص ٤٤).
(٢) (١/ ٤ - ١٠).
[ ١٥ / ٣٥ ]
فصل (٥): حكم صغائر الخسة
[ص ١٧] أقول: قد يصعب الحكم على من يجتنب الكبائر كلها بأنَّ الغالب عليه المعصية، والغالب على من يستكثر من الصغائر إلى ما يقارب هذا الحدّ أنه لا يسلم من بعض الكبائر، وفي "الصحيحين" (^١) عنه ﵌: "الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه". فالصغائر حِمَى الكبائر، فمن وقع في الصغائر إلى الحدِّ المتقدّم ذِكْره فالغالب أنه يقع في الكبائر، والله أعلم.
فإن فُرِضَ أنه لم يوقَفْ له على كبيرة فقد يقال: يجعل حكمه حكم مرتكب الكبيرة؛ لما تقدَّم أنَّ الغالب أنه لا يسلم منها.
* * * *
فصل ــ ٥
عدُّوا مما يُسْقط العدالة: صغائر الخِسّة، ومثَّلوه بالتطفيف بحبَّةٍ، وسرقة باذنجانة. وكذلك قالوا في الرشوة، وأكل مال اليتيم، والغصب، وجزم كثيرون بأنَّ هذه كلّها كبائر، سواء وقعت في كثير أو قليل. راجع "الزواجر" (١/ ٢٢١).
أقول: الظاهر أنها كبائر، وعلى فَرْض أنها صغائر فالغالب أن صاحبها لا يسلم من الكبائر؛ لأنَّ مَنْ لم يمنعه دينه وإيمانه وتقواه من المعصية لتحصيل منفعة تافهة، فَلأَنْ لا يمنعه ذلك من تحصيل ما هو أعظم منها= أولى
_________________
(١) البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵄.
[ ١٥ / ٣٦ ]
وأحرى. قال الله ﵎: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. [ص ١٨] أي أنّ منهم من هو عظيم الأمانة، حتى لا يغلب هواه وشهوتُه أمانتَه ولو عَظُمت المنفعةُ التي تحصل له بالخيانة. والقنطار جاء عن الحسن البصري: أنه ملء مَسْك ثور ذهبًا (^١).
ومنهم من ليس عنده من الأمانة ما يغلب به هواه وشهوته في اليسير كالدينار، أي: وإذا كان هواه وشهوته يغلبان أمانته في الدينار فأولى من ذلك أن يغلباها فيما هو أكثر منه.
[ص ١٩] ومما يلتحق بهذا الفرع: تقبيل الأجنبية، أو معانقتها على رؤوس الأشهاد، ويظهر ــ والله أعلم ــ أنه كبيرة من جهة المجاهرة بالفحش. وفي "الصحيحين" (^٢) وغيرهما: "كلُّ أُمتي مُعافى إلا المجاهرين " الحديث.
وفي المجاهرة بالمعصية عدة مفاسد، منها: حَمْل الناس على فعل مثلها.
وفي "صحيح مسلم" (^٣): " ومن سنَّ في الإسلام سنةً سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
_________________
(١) انظر "معاني القرآن": (١/ ٣٨٣) للزجاج، و"المفردات" (ص ٦٧٧) للراغب الأصبهاني.
(٢) البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
[ ١٥ / ٣٧ ]
فصل (٦): تعاطي ما ينافي المروءة
ومثل هذا الفعل ظاهر في انتفاء الحياء أو ضعفه. وفي "الصحيح" (^١): "إنّ مما أدرك الناسُ من كلام النبوَّة الأولى: إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت".
ومعناه ــ والله أعلم ــ إذا فقد الإنسان الحياء صنع ما شاء، أي: فالظنُّ به أنه لا يحجم عن ارتكاب كل ما تدعوه إليه نفسُه (^٢).
* * * *
[ص ٢٠] فصل ــ ٦
اشتهر بين أهل العلم: أنّ ممّا يخرم العدالة: تعاطي ما ينافي المروءة، وقيَّده جماعةٌ بأن يكثر ذلك من الرجل، حتى يصير إخلاله بما تقتضيه المروءة غالبًا عليه، قال الشافعي ــ رحمه الله تعالى ــ: "ليس من الناس أحدٌ نعلمه ــ إلا أن يكون قليلًا ــ يمحض الطاعة والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصية، ولا يمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما شيئًا من الطاعة والمروءة، فإذا كان الغالب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قُبِلَت شهادته، وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة رُدَّت شهادتُه". "مختصر المزني ــ بهامش الأم": (٥/ ٢٥٦) (^٣).
أقول: ذكروا أنّ المدار على العرف، وأنه يختلف باختلاف حال الرجل وزمانه ومكانه، فقد يعدُّ الفعل خرمًا للمروءة إذا وقع مِنْ رجل من أهل
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٨٣، ٣٤٨٤) من حديث أبي مسعود البدري ﵁.
(٢) انظر "فتح الباري": (٦/ ٥٢٣).
(٣) (٥/ ٣١٠ ــ طبعة المعرفة).
[ ١٥ / ٣٨ ]
العلم، لا إذا كان من تاجر ــ مثلًا ــ. وقد يُعدّ ذلك الفعل مِنْ مِثْل ذلك الرجل خرمًا للمروءة في الحجاز ــ مثلًا ــ لا في الهند. وقد يُعدّ خرمًا للمروءة إذا كان في الصيف لا إذا كان في الشتاء. أو يعدُّ خرمًا في عصر ثم يأتي عصرٌ آخر لا يعدُّ فيه خرمًا.
ثم أقول: لا يخلو ذلك الفعل الذي يعدُّه أهلُ العرف خرمًا للمروءة عن واحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون ــ مع صرف النظر عن عرف الناس ــ مطلوبًا فعله شرعًا، وجوبًا أو استحبابًا.
الثاني: أن يكون مطلوبًا تركه بأن يكون حرامًا أو مكروهًا أو خلاف الأولى.
الثالث: أن يكون مباحًا.
[ص ٢١] فأمّا الأول، فلا وجه للالتفات إلى العرف فيه؛ لأنه عُرْفٌ مصادم للشرع، بل إذا ترك ذلك الفعل رجل حفظًا لمروءته في زعمه، كان أحقّ بالذم ممن يفعله لمجرد هواه وشهوته.
وأمّا الثاني، فالعرف فيه معاضد للشرع، فالاعتداد به في الجملة متجه؛ إذ يقال في فاعله: إنه لم يستحيِ من الله ﷿ ولا من الناس، وضعف الحياء من الله ﷿ ومن الناس أبلغ في الذمِّ من ضعف الحياء من الله ﷿ فقط، وقد مرَّ حديث "كلُّ أُمّتي معافَى إلا المجاهرين" (^١).
_________________
(١) سبق (ص ٣٥).
[ ١٥ / ٣٩ ]
فصل (٧): من ارتكب مفسقا جاهلا أو ناسيا أو مخطئا
وأمّا الثالث فقد يقال: يلتحق بالثاني؛ إذ ليس في فعل ذلك الفعل مصلحة شرعية، وفيه مفسدة شرعية، وهي: تعريض النفس لاحتقار الناس وذمهم.
[ص ٢٢] هذا وقد يقال: إذا ثبت صلاح الرجل في دينه، بأن كان مجتنبًا الكبائر وكذا الصغائر غالبًا فقد ثبتت عدالته، ولا يُلتفت إلى خوارم المروءة؛ لأن الظاهر في مثل هذا أنه لا يتصوّر فيه أن يكون إخلاله بالمروءة غالبًا عليه، وعلى فَرْض إمكان ذلك، فقد تبيّن من قوَّة إيمانه وتقواه وخوفه من الله ﷿ ما لا يحتاج معه إلى معاضدة خوفه من الناس، بل يظهر في هذا أنّ عدم مبالاته بالنّاس إنما هو من كمال إيمانه وتقواه.
وأمّا من كثر منه ارتكاب الصغائر، ومع ذلك كثر منه مخالفة المروءة، ولم يبلغ أن يقال: إن معاصيه أغلب من طاعاته= فهذا محلُّ النظر، وفَصْل ذلك إلى المعدِّل؛ فإن كان يجد نفسه غير مطمئنة إلى صدقه، فليس ممن يُرْضى، وقد قال الله ﷿: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
* * * *
فصل
_________________
(١) ٧ التفسيق مَنوطٌ بالإثم، فمن ارتكب مفسِّقًا جاهلًا أو ناسيًا أو مخطئًا فلم نؤثِّمْه لعذره فكذلك لا نفسِّقُه. راجع كلام الشافعي رحمه الله تعالى في "الأم" (٦/ ٢١٠). * * * *
[ ١٥ / ٤٠ ]
فصل (٨): الكبيرة إذا وقعت فلتة كالقذف مشاتمة
فصل ــ ٨
[ص ٢٣] ما تقرّر في الشرع أنه كبيرة إذا وقع من الإنسان فلتة، كمن أغضبه إنسان فترادّا الكلامَ حتى قذفَه على وجه الشّتْم، ففي الحكم بفسقه نظر؛ لأن مثل هذا قد لا يوجب سوء ظن الناس بالمشتوم، فإن سامع مثل هذا قد يفهم منه الشتم فقط، لا أن الشاتم يثبت نسبة الفاحشة إلى المشتوم.
والذي يدفعُ الإشكالَ من أصله أن يتوب ويستغفر، فعلى فرض أنها كبيرة فقد تاب منها، وقد تقرّر في الشرع أن التوبة تجبُّ ما قبلها، وأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعلى هذا يُحْمَل ما روي عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة: أنه ذَكَر أبا الزبير: محمد بن مسلم بن تَدْرُس وسماعه منه قال: "فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فردَّ عليه، فافترى عليه، فقلت له: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟! قال: إنه أغضبني، قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويتُ عنك شيئًا". ذَكَر هذا في ترجمة أبي الزبير في "التهذيب" (^١). لكن قال في ترجمة محمد بن الزبير التميمي: "وأسند ابنُ عديّ من طريق أبي داود الطيالسي قلت لشعبة: مالَك لا تحدِّث عن محمد بن الزبير؟ فقال: مرّ به رجل فافترى عليه، فقلت له، فقال: إنه غاظني" (^٢).
واتفاق القصة لكلٍّ من الرجلين: محمد بن الزبير، ومحمد بن مسلم أبي الزبير ليس بممتنع، لكن تقارب الاسمين يقرب احتمال الخطأ، والله أعلم.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب": (٩/ ٤٤٢). وانظر لتحقيق حال أبي الزبير "عمارة القبور- المبيضة" (ص ٧٧ - ٨١) و"المسوّدة" (ص ٨٢ - ٨٧) للمؤلف.
(٢) المصدر نفسه: (٩/ ١٦٧).
[ ١٥ / ٤١ ]
[ص ٢٤] وفي ترجمة أبي حُصَين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي من "التهذيب": "وقال وكيع: كان أبو حصين يقول: أنا أقرأ من الأعمش، فقال الأعمش لرجل يقرأ عليه: اهمز الحوتَ، فهمزه، فلما كان من الغد قرأ أبو حصين (^١) في الفجر (نون) فهمز الحوتَ، فقال له الأعمش ــ لمّا فرغ ــ: أبا حصين كسرتَ ظهرَ الحوت! فقذفه أبو حصين، فحلف الأعمش ليحدَّنّه، فكلَّمَه فيه بنو أسد فأبى، فقال خمسون منهم: [والله لنشهدنَّ أن أمه كما قال.] (^٢) فغضب الأعمش وحلف أن لا يساكنهم وتحوَّل عنهم" (٧/ ١٢٧).
أقول: هذه الرواية منقطعة؛ لأنّ أبا حصين توفِّي قبل مولد وكيع أو بعده بقليل على اختلاف الروايات في ذلك (^٣).
فإن صحَّت، فهمز الحوت معناه أن يقال: "الحؤت" بهمزة بدل الواو، وهي لغة قد قرأ ابن كثير ﴿بِالسُّؤْقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ (^٤) [ص: ٣٣] قالوا: "وكان أبو حيَّة النُّميري يهمز كلَّ واوٍ ساكنة قبلها ضمة" (^٥) "روح المعاني": (٧/ ٣٥٤).
فكأنّ أبا حصين ظنَّ أنَّ مراد الأعمش بقراءة "الحؤت" مهموزًا إظهار
_________________
(١) بعده في الأصل، والتهذيب: "قرأ". خطأ.
(٢) سقط من الأصل والتهذيب، والاستدراك من "تاريخ دمشق": (٣٨/ ٤١٣)، و"السير": (٥/ ٤١٤).
(٣) في سندها أيضًا محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي. ضعيف.
(٤) انظر "المبسوط" (ص ٢٧٩) لابن مهران.
(٥) وانظر "المحرر الوجيز": (٤/ ٢٦٢)، و"البحر المحيط": (٧/ ٥٩)، و"الدرّ المصون": (٨/ ٦١٩)
[ ١٥ / ٤٢ ]
فصل (٩): في المبتدع
أنه يعرف ما لا يعرف غيره، فقرأ بها أبو حصين إعلامًا بأنه يعرفها.
فأما القذف فلم يُرِد به أبو حصين الإثبات، وإنما هو شتم جرّ إليه الغضب، ولم يلتفت أحدٌ من أئمة الحديث والفقه إلى هذه القصة، بل احتجّوا بأبي حُصين، وأطابوا الثناء عليه.
* * * *
[ص ٢٥] فصل
_________________
(١) ٩ في المبتدع البدعة التي جَرَت عادتُهم بالبحث عن صاحبها عند الكلام في العدالة، هي البدعة في الاعتقاديات وما بُني عليها أو أُلْحِق بها. وأهلُ العلم مختلفون في هذا الضرب من البدعة أيكون جرحًا في عدالة صاحبه؟ والذي يظهر لي أنه ينبغي أولًا النظر في أدلة تلك المقالة، ثم في أحوال الرجل وأحوال عصره وعلاقته بها، فإن غلب على الظن بعد الإبلاغ في التثبُّت والتحرّي أنه لا يخلو في إظهاره تلك المقالة عن غَرَض دنيوي من عصبية، أو طَمَع في شهرة، أو حبّ دنيا، أو نحو ذلك= فحقّه أن يُطْرَح، وكذلك إن احْتُمِل ذلك احتمالًا قويًّا بحيث لا يغلب على ظنِّ العارف به تبرئته ممّا ذُكِر. وإن ظهر أنه أنّما أداه إليها اجتهادُه، وابتغاؤه الحقَّ، وأنه حريص على إصابة الحق في اتباع الكتاب والسنة، فلا ينبغي أن يُجْرَح بمقالته، بل إن ثبتت عدالتُه فيما سوى ذلك، وضبطُه، وتحرِّيه، نُظِر في درجته من العلم والدين والصلاح والتحري والتثبُّت. فإنْ كان عالي الدرجة في ذلك احتجَّ
[ ١٥ / ٤٣ ]
هل يكفي معدل واحد؟ ومناقشة من شرط ثلاثة
به مطلقًا، وإلا فقد قيل: يُقبل منه ما لا يوافق مقالته، ويتوقَّف عما يوافقها لموضع التهمة.
وليس هذا بشيء؛ لأنه إن كان حقيقًا بأن يُتَّهم في شيء من روايته بما ينافي العدالة فلم تثبت عدالته، وقد شرحت هذا في "التنكيل" (^١).
* * * *
[ص ٤٥] فصل ــ ١٠
في المُعَدِّل والجارح
أما المعدِّل: فشرطه أن يكون في نفسه: بالغًا، عاقلًا، عدلًا، عارفًا بما يُثبت العدالةَ وما ينافيها، ذا خبرة بمن يعدِّله. ولا بدّ أن يكون متيقِّظًا، عارفًا بطباع الناس وأغراضهم (^٢).
وهل يكفي الواحد؟ اختلف في ذلك:
فقال أبو عبيد القاسم بن سلَّام: لا بد من ثلاثة، واحتجَّ بما في "صحيح مسلم" (^٣) من حديث قَبيصة بن المُخَارق عن النبي ﵌: "إن المسألة لا تحلّ إلّا لأحد ثلاثة: رجلٌ تحمّل حَمالة ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتى يصيب قَوامًا من عيش".
_________________
(١) (١/ ٧١ - ٨٦). وكان المؤلف قد كتب: "تعزيز الطليعة" ثم ضرب عليها وكتب ما هو مثبت.
(٢) تحتمل: "أعرافهم" وما أثبته أقرب.
(٣) (١٠٤٤).
[ ١٥ / ٤٤ ]
قال أبو عبيد: "وإذا كان هذا في حقِّ الحاجة فغيرها أولى". "فتح المغيث" (ص ١٢٣) (^١).
أقول: وممّا يساعده أنَّ العدالة تتعلق بما يخفى من حال الإنسان كالحاجة، ولكن يَرِد عليه أمور:
منها: أنّ هذا الحديث تفرّد به عن قبيصةَ كنانةُ بن نعيم، ولم يعدِّله ثلاثة تعديلًا سالمًا (^٢) وإنما قال ابن سعد (^٣): "وكان معروفًا ثقة إن شاء الله" فلم يجزم. ووثَّقه العجلي، وسيأتي في بحث المجهول أنَّ في توثيقه نظرًا، وأن مذهبه قريب من مذهب ابن حبان. ووثَّقه ابنُ حبان، ومذهبه معروف في التسامح، ويأتي بيانه أيضًا (^٤). فإذا عدَدْنا إخراج مسلم لحديثه توثيقًا، فلم يسلم له إلا مسلم.
[ص ٤٦] الأمر الثاني: أنّ هؤلاء كلّهم لم يدركوا كنانة، وإنما وثَّقوه بناء على مذاهبهم: أن من روى عنه الثقات، ولم يُجْرَح، ولم يأت بمنكر، فهو ثقة، وسيأتي الكلامُ في هذا إن شاء الله تعالى.
الأمر الثالث: ظاهر الحديث أنه لا يحلّ للمحتاج المسألة حتى يقوم ثلاثةٌ من ذوي الحِجا من قومه فيخبروا أنه نزلت به فاقة، ولا يُعْرَف أحدٌ قال بهذا، بل مدار الحلِّ عند أهل العلم على نفس الحاجة، فإن احتاجَ في نفسه
_________________
(١) (٢/ ٨ ــ ٩).
(٢) "تعديلًا سالمًا" كتبت فوق السطر بخط غير واضح فلعلها ما أثبت.
(٣) "الطبقات": (٩/ ٢٢٦).
(٤) لم يتسنَّ للمؤلف كتابة هذا المبحث هنا، وقد تكلم عن توثيق العجلي وابن حبان في "التنكيل": (١/ ١١٣ - ١١٤، ورقم ٢٠٠).
[ ١٥ / ٤٥ ]
إلى المسألة حلَّت له، ولا نعلم أحدًا تكلَّف العملَ بهذا. وليس هذا من ردِّ السنة بعدم العمل بموافق لها، أو عامل بها، وإنما المقصود أنَّ مثل هذا قد يُسْتنكر فيصير الحديث منكرًا، فيقدح في راويه ــ أعني كنانة بن نعيم ــ مع قِلَّة ما له من الحديث، ومع أنّه في حديثه هذا شيء من الاختلاف:
فرواه حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب، عن كنانة، كما مرَّ.
ورواه ابنُ عيينة عن هارون فقال في أوله: "إن المسألة لا تصلح" وقال مرة: "حرمت" أخرجه أحمد في "المسند" (٣/ ٤٧٥) (^١).
ورواه إسماعيل بن عُلَيّة، عن أيوب، عن هارون فلم يذكر محلَّ الشاهد أصلًا، بل قال: "إنّ المسألةَ لا تحلّ إلا لثلاثة ورجلٌ أصابته فاقة فيسأل حتى يصيب قَوامًا من عيش" أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٦٠) (^٢).
[ص ٤٧] الأمر الرابع: أنَّ مقتضى حَمْل الشاهد والمخبر على المحتاج أن لا يحلَّ أن يشهد أحدٌ أو يخبر حتى يعدِّله ثلاثة، وهذا لا قائل به، ولا يعلم واحد ــ فضلًا عن ثلاثة ــ عدَّل كنانةَ قبل أن يخبر.
الأمر الخامس: أنّ الأولوَّية التي ادّعاها أبو عبيد غير ظاهرة، بل الصواب عكس ما قال، وبيان ذلك: أن الحكمة في تحريم المسألة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحِجا من قوم مَن يريد المسألة هي:
أولًا: منع أهل الستر عن المسألة بدون حاجة؛ لأن أحدَهم يرى أنه لو
_________________
(١) رقم (١٥٩١٦).
(٢) رقم (٢٠٦٠١). لكن رواه اثنان عن ابن عُليّة بالشاهد عند الطبراني في "الكبير" (١٥٣٣٧) قال: واللفظ لحديث ابن عُليّة.
[ ١٥ / ٤٦ ]
اسْتَشهد ثلاثةً من قومه لا يشهدون له، وإن أقدم على المسألة بدون شهادة، كان عند الناس أنه أقدم على محرَّم، وهو يكره ذلك لحبّه السِّتْر.
وثانيًا: شَرْع طريقٍ يُرجى أن يستغني بها المحتاج من أهل الصلاح أو الستر، فلا يحتاج إلى المسألة البتة، وإيضاحه: أنه لا يقدم على المسألة بدون استشهاد، فيضطرّ إلى أن يطالب ثلاثة من ذوي الحجا من قومه بأن يشهدوا له، ولا ريب أنهم إذا علموا حاجته وجب عليهم أحدُ أمرين: إما أن يقوموا فيشهدوا، وإما أن يواسوه من أموالهم بما يغنيه عن المسألة. ولعلّ هذا الثاني يكون أيسر عليهم؛ لأنهم يرون أنّ اقتصارهم على أن يقوموا فيشهدوا يحمل الناس على أن يَرْموهم باللؤم، ويقول الناس: أما كان في أموال هؤلاء الثلاثة متَّسَع لأن [ص ٤٨] يواسوا ابنَ عمّهم بما يسدّ فاقته إلى أن يجد قوامًا من عيش؟ ولهذا
_________________
(١) والله أعلم شَرَط في الحديث أن يكونوا من قومه، وأن يكونوا من ذوي الحجا، وأن يكونوا ثلاثة؛ لأن الغالب أن الثلاثة لا يكونون كلهم فقراء أو لؤماء. وعلى فرض أنهم قاموا فشهدوا، فالغالب أن قومه عندما يسمعون شهادة الثلاثة من ذوي الحجا فيهم، يجمعون له ما يكفيه بدون أن يحتاج إلى مسألة، وعلى هذا فقد أغنى الله ﷿ ذلك المحتاج بدون مسألة؛ لأن مطالبته الثلاثة بأن يشهدوا ليست مسألةً لهم، وإظهاره الحاجة ليس بمسألة صريحة، وإظهاره العزمَ على المسألة ليس بمسألة، فتدبَّر. وليس في الشهادة والإخبار أثر لهذا المعنى، على أن المحتاج مضطر إلى أن يستشهد الثلاثة، فلا يكون في اشتراط ذلك مفسدة، والشاهد والمخبر غير مضطرين إلى الشهادة والإخبار. بل إن شَرَط أن يتقدّم تعديل الثلاثة على
[ ١٥ / ٤٧ ]
مناقشة من شرط اثنين
الشهادة والإخبار ــ كما هو مقتضى حملهما على المسألة كما مر ــ وَجَد الشاهدُ عذرًا لعدم حضوره إلى الحاكم، وأما المخبر فيجد عذرًا لكتمانه العلم.
[ص ٤٩] وقال جماعة: لا بد من اثنين، قال السخاوي في "فتح المغيث" (ص ١٢٣) (^١): حكاه القاضي أبو بكر ابن الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم؛ لأن التزكية صفة فيحتاج في ثبوتها إلى عدلين. كالرشد والكفاءة وغيرهما، وقياسًا على الشاهد بالنسبة لما هو المُرَجَّح فيها عند الشافعية والمالكية، بل هو قول محمد بن الحسن، واختاره الطحاوي".
وعارض الخطيب في "الكفاية" (ص ٤٧) هذا القياس بقياس آخر حاصله: أنه لا يكفي في شهود الزنا إلا أربعة، ومع ذلك اكْتُفِيَ في إثبات الإحصان الذي به يثبت الرجمُ باثنين، وقد اكْتُفِيَ في الأخبار بواحد، والعدالة صفة كالإحصان، فيجب أن يُكْتَفى في إثباتها بدون ما اكْتُفِيَ به في الأخبار، إلا أنه غير ممكن.
وكأنّ الخطيبَ عَدَل عما هو أوضح من هذا خوفَ النقض؛ وذلك أنَّ أوضح من هذا أن يقال: لم يكتف في عدد شهود الزنا بأقلّ من أربعة واكْتُفِيَ في عدد مزكِّيهم باثنين اتفاقًا وبواحد عند قومٍ، فقياس ذلك أن يكفي في عدد مزكّي المُخبِر دون ما يكفي في عدد المخبر.
ونقضُه أن يقال: قد اكتفى قوم في الأموال بشاهد ويمين، ولم يكتفوا في تعديل [ص ٥٠] هذا الشاهد إلا باثنين.
_________________
(١) (٢/ ٨).
[ ١٥ / ٤٨ ]
النظر في النصوص
وهذا كلّه جعاجع، والصواب إنما هو النظر في النصوص، فإن وُجِد فيها دلالة بيِّنة فذاك، وإلا نُظِر في التعديل أشهادة هو أم خبر؟ أم شهادة في تعديل الشاهد وخبر في تعديل المخبر؟ فإن تعيَّن واحدٌ من هذه الثلاثة فذاك، وإلا نُظِر في الحكمة التي لأجلها فرّق الشارع بين الشهادة والخبر، ثم ينظر في التعديل أمثل الشهادة في تلك الحكمة، أم كالخبر؟ فهذه ثلاثة مسالك.
فأما النصوص فهاكها، فمنها حديث "الصحيحين" (^١) عن أنس في الثناء على الميّت وفيه: مُرَّ بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبيُّ ﵌: "وجبت"، ثم مَرُّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: "وجبت"، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت [له] الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".
ولهما (^٢) من طريق أبي الأسود عن عمر نحو هذه كقصته، فقال أبو الأسود: فقلت: وما "وجبت" يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي ﵌: "أيُّما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة"، فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان"، ثم لم نسأله عن الواحد.
أقول: وتفسير هذا ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث أنس مرفوعًا: "ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا
_________________
(١) البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩).
(٢) هو في البخاري (١٣٦٨) دون مسلم. وأخرجه الترمذي (١٠٥٩)، والنسائي (١٩٣٤).
[ ١٥ / ٤٩ ]
يعلمون منه إلا خيرًا إلا قال الله تعالى: قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون" (^١). ذكره الحافظ في "الفتح" (^٢) وإيضاحه: أن في "الصحيحين" أيضًا عنه ﵌ [ص ٥١]: "كلُّ أُمتي معافى إلا المجاهرين" (^٣). وعقَّبه البخاري (^٤) بحديث ابن عمر مرفوعًا: "يدنو أحدُكم من ربه حتى يضع كَنَفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم".
وفي معنى هذا أحاديث أخرى في أنَّ من ستره الله ﷿ من المؤمنين في الدنيا لم يفضحه في الآخرة.
ومن السرِّ في ذلك ــ والله أعلم ــ أن الإنسان إذا أظهر المعصية كان ذلك مما يجرِّئ الناسَ عليها، أولًا: لأنه يكثر تحدّثهم بها فتتنبَّه الدواعي إلى مثلها (^٥)، وقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
وثانيًا: لأنه إذا لم يُعاجل بالعقوبة هانت على الناس.
ثالثًا: لأن العاصي يتجرأ على المعاصي بعد ذلك؛ لأنه كان يخاف أولًا
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٣٥٤١)، وابن حبان (٣٠٢٦)، والحاكم: (١/ ٥٣٤).
(٢) (٣/ ٢٣١).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) (٦٠٧٠).
(٥) تحتمل: "فعلها".
[ ١٥ / ٥٠ ]
على شرفه وسمعته، وبعد الفضيحة لم يبق ما يخاف عليه، بل يقول كما تقول العامة: "يا آكل الثوم كل وأكثر".
رابعًا: أنه يحرص على أن يدعو الناس إلى مثل فعله؛ ليشاركوه في سوء السمعة، فتخف الملامة عنه.
خامسًا: يخرج بذلك عن قول الله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، لأنه إن أمر بمعروف أو نهى عن المنكر، قيل له: ابدأ بنفسك ألم تفعل كذا وكذا.
سادسًا: يكون سببًا لعدم إفادة أمر غيره بالمعروف ونهيه عن المنكر؛ لأن [ص ٥٢] مَن يُؤمر أو يُنهى يقول: لستُ وحيدًا في هذا، قد فعل فلان كذا، وفلان كذا، وأنا واحد من جملة الناس.
سابعًا: أن ذلك يقلِّل خوف الناس من الله ﷿، يقول أحدهم: أنا من جملة عباد الله العاصين، هذا فلان وهذا فلان وذاك فلان، وقد تقدم في فصل (٥) (^١) حديث: "ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده".
وفي "الصحيحين" (^٢): "لا تقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه أول من سنّ القتل".
وقد قال الله ﷿: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
_________________
(١) (ص ٣٧).
(٢) البخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ١٥ / ٥١ ]
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يصح أن يكون حالًا من الفاعل والمفعول معًا، فيدخل فيه أن المتبوع يحمل من أوزار مَن تَبِعه وإن لم يعلم بأنهم يتَّبِعونه، كما أنَّ ابن آدم الأول لم يكن يعلم بمن سيستنّ به في القتل.
وليس ما تقدَّم بمخالفٍ لقول الله ﷿: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]. وما في معناها؛ لأن التحقيق أنَّ المتبوع إنما عُذِّب بوزره. وبيان ذلك: أنّ أصل الإثم في المعصية مَنوطٌ بتعمّدها، وأما زيادة قدره فمَنوطٌ بما ينشأ عنها من المفاسد. ألا ترى لو أنّ ثلاثة صوبوا بنادقهم إلى ثلاثة قاصدين [ص ٥٣] رميهم، ثم أطلقوا بنادقهم، أنّ أصل الإجرام قد وقع من كلٍّ منهم، وأما زيادة مقداره فموقوف على ما ترتَّب على ذاك الفعل، فلو أخطأ أحدهم، وأصاب آخر فجَرَح، وأصاب الثالث فقَتَل، لكان جرم الثالث أغلظ من جرم الثاني، وجرم الثاني أغلظ من جرم الأول.
وقد حرّم الله ﷿ ما حرّم ولم يفصِّل ما يترتَّب على المحرَّمات من المفاسد، فمن علم بالتحريم ثم أقدم على الفعل، فقد التزمَ ما يترتَّب عليه من المفاسد، فدخلت كلُّها في وِزْره وإن لم يعلم بتفصيلها، فتدبّر.
هذا وقوله ﵌: إن الله ﷿ يقول: "وغفرت له ما لا يعلمون" ظاهرٌ في أن شهادتهم إنما تنفع إذا كانت مطابقةً لعلمهم لأنه إنما يغفر له ما لا يعلمون، فإن كانوا علموا شرًّا فكتموه، وقالوا: لم نعلم إلا خيرًا أو نحو ذلك، لم ينفعه ذلك، بل يضرهم؛ لأنهم شهدوا زورًا.
وبناءُ النبيِّ ﵌ الحكم على ثناء الناس بقوله: "وجبت" صريحٌ في أن الذين أثنوا كانوا عدولًا عنده صلى الله عليه وآله
[ ١٥ / ٥٢ ]
وسلم، فبنى على أن شهادتهم مطابقة للواقع في أن الذي أثنوا عليه خيرًا لم يظهر منه للناس إلا الخير.
وإذا كان الإنسان بحيث لا يظهر منه لجيرانه الأَدْنين ونحوهم من أهل الخبرة إلا الخير، فهو العدل، والمثني عليه منهم بذلك مُعَدِّل له، فالمثنون [ص ٥٤] على الميت من جيرانه وأهل الخبرة به معدِّلون له. وقد نصَّ في الحديث على أنه يكفي في ذلك الأربعة، ويكفي الثلاثة، ويكفي الاثنان، ففي هذا دليل واضح على كفاية الاثنين في التعديل.
ويبقى النظر في الواحد، فقد يقال: قد ثبت من حديث جابر وغيره أنه كان للصحابة ﵃ أن يراجعوا النبي ﵌ مرّتين، فإذا قال الثالثة، لم يكن لهم أن يراجعوه بعدها (^١). وشواهد هذا في الأحاديث كثير، فابتداؤه ﵌ بذكر الأربعة يشعر بالنهي عن السؤال عن الواحد، وذلك أنه ﵌ لعله إنما ابتدأ بالأربعة مستشعرًا أنهم سيراجعونه فيسألونه عن الثلاثة، ثم يراجعونه ثانية، فيسألونه عن الاثنين، ثم يقفون لما تقرَّرَ عندهم من المنع عن المراجعة فوق اثنتين.
وفي هذا دلالة ما على أنّ ثناء الواحد لا يكفي لبناء الحكم بوجوب الجنّة، فأما وجوب الجنة في نفس الأمر فقد ظهر ممّا تقدّم أنها تجب لمن لم يَظْهر منه إلا الخير، وإن لم يثن عليه أحد، ففائدة الشهادة على هذا إنما
_________________
(١) قصة حديث جمل جابر في الصحيح ليس فيها ذلك، ووقع التصريح بذلك عند أحمد في "المسند" (١٤٨٤٦) قال: "كنّا نراجعه مرتين في الأمر إذا أمرنا به، فإذا أمَرَنا الثالثة لم نراجعه .. ". وانظر رسالة المؤلف في "حجيّة خبر الواحد".
[ ١٥ / ٥٣ ]
هي لحكم (^١) من يسمعها ممن لم يخبر حال الميت بمقتضاها؛ كقوله ﵌ "وجبت".
وقد يحتمل أن الشهادة تنفع، فمن لم يشهدوا له في الدنيا، وكان في نفسه لم يظهر للناس منه إلا الخير، فيحتاج في الآخرة إلى أن يسأله الله ﷿، كما في حديث [ص ٥٥] ابن عمر المتقدم (^٢)، ثم يقول له: "إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم"، ومن شهدوا له لم يحتج إلى هذا السؤال. والعلم عند الله ﷿.
وقد يُقال: إنّ قول عمر: "ثم لم نسأله عن الواحد" يُشعر بأنه لم يفهم من الحديث أنّ الواحد لا يكفي.
وأقول: إذا صحّ أنّ في الحديث إشارة إلى ذلك لم يضرها أن يتردّد فيها الصحابي.
لكن لقائل أن يقول: سلّمنا إشارة ما إلى أنه لا يكفي ثناء الواحد على الميت في الحكم له بالجنة، ولكن لا يلزم من هذا عدم الاكتفاء بتعديل الواحد للشاهد والمخبر، فإنَّ الحكمَ للميت بالجنة لا ضرورةَ إليه ولا كبير حاجة. فإذا كان من أهل الجنة ولم يحكم له الناس بذلك، لم يترتَّب على ذلك مفسدة، بخلاف الشهادات والأخبار، فإنّ الضرورة فيها قائمة، وفي ردّ شهادة العدل وخبر الصادق ما لا يخفى من المفاسد، فتأمّل.
ومن النصوص: ما وقع في قضية الإفك من سؤال النبي صلى الله عليه
_________________
(١) تحتمل: "بحكم".
(٢) (ص ٤٨).
[ ١٥ / ٥٤ ]
وآله وسلم أسامة عن عائشة، فأخبر أنه لا يعلم إلا خيرًا، وكذلك سأل بريرة، وسأل أيضًا زينب بنت جحش وكلتاهما أثنت خيرًا، وبنى النبيُّ ﵌ على ذلك قوله على المنبر: "من يعذرني مِن رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما عَلِمتُ على أهلي إلا خيرًا" (^١).
وفي الاحتجاج بهذا نظر؛ لأنّ النبيّ ﵌ كان هو نفسه خبيرًا بعائشة، وإنما استظهر بسؤال غيره؛ لئلا يقول المنافقون: إنَّه لحبِّه إيّاها (والعياذ بالله).
وهذا ــ والله أعلم ــ من الحكمة في تأخير الله ﷿ إنزال براءتها.
وقال البخاري في "الصحيح" (^٢): " (باب إذا زكى رجلٌ رجلًا كفاه)، وقال أبو جميلة: وجدت منبوذًا فلما رآني عمر قال: عسى الغُوَير أبؤسًا، كأنّه يتهمني. [ص ٥٦] قال عريفي: إنه رجل صالح، قال: كذاك، اذهب وعلينا نفقته".
وهذا الأثر أخرجه مالك في "الموطأ" (^٣)، وفيه بعد قوله "كذاك" قال: نعم. فقال عمر: اذهب فهو حُرّ ولك ولاؤه، وعلينا نفقته.
والحجة فيه: أن عمر قَبِل تعديل العريف وحده، وبنى على ذلك تصديق أبي جميلة في أنّ ذلك الطفل كان منبوذًا، وأقرّه في يده، ولا يقرّ اللقيط إلا في يد عدل، وحكم له بولائه، وأنفق عليه من بيت المال.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧) من حديث عائشة ﵂.
(٢) كتاب الشهادات، باب ١٦ قبل حديث (٢٦٦٢). معلقًا، ووصله البيهقي: (٦/ ٢٠١). وانظر "فتح الباري": (٥/ ٢٧٥).
(٣) (٢١٥٥).
[ ١٥ / ٥٥ ]
وقد أُجيب عن هذا بأنه مذهبٌ لعمر، مع أنّ أبا جميلة إما صحابي، وإما من كبار التابعين، فلا يلزم من الاكتفاء في تعديله بواحد أن يُكْتَفى بذلك فيمن بعد ذلك.
وهذا الجواب ضعيف، والظاهر أنّ هذا مذهب عمر، فإن لم يكن في النصوص ما يخالفه، ولا نُقِل عن الصحابة ما يخالفه صحّ التمسُّكُ به.
ثم ذكر البخاري (^١) في الباب حديث أبي بكرة: أثنى رجلٌ على رجل عند النبي ﵌، فقال: "ويلك قطعت عنقَ صاحبِك، قطعتَ عنقَ صاحبِك" مرارًا، ثم قال: "من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه ولا أزكِّي على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه".
قال ابن حجر في "الفتح" (^٢): "ووجه احتجاجه بحديث أبي بكرة: أنّه ﵌ اعتبر تزكية الرجل إذا اقتصد؛ لأنه لم يعب عليه إلا الإسراف والتغالي في المدح. واعترضه ابنُ المنيِّر بأنّ هذا القدر كافٍ في قبول تزكيته، وأمّا اعتبار النصاب فمسكوت عنه. وجوابه: أنّ البخاريَّ جرى على قاعدته بأنّ النصاب [ص ٥٧] لو كان شرطًا لذُكِر؛ إذ لا يُؤخَّر البيانُ عن وقت الحاجة".
أقول: لا يخفى حال هذا الجواب، فإنه ليس في الحديث أنّ الممدوح شهد أو أخبر، ولا أنّ النبيَّ ﵌ بنى على مدح المادح
_________________
(١) (٢٦٦٢).
(٢) (٥/ ٢٧٦).
[ ١٥ / ٥٦ ]
حكمًا يحتاج فيه إلى عدالة الممدوح، وليس هناك حاجة لبيان نصاب التعديل.
نعم الأشبه بدقة نظر البخاري ــ رحمه الله تعالى ــ ولُطْف استنباطه، أنه فهم من قول النبي ﵌ للمادح: "قطعتَ عنقَ صاحبِك" ثناءً على الممدوح؛ فإنّ قَطْع العنق كناية عن الإهلاك، والمعنى كما قال الغزالي: "إنّ الآفة على الممدوح أنّه لا يأمن أن يُحْدِث فيه المدح كِبرًا أو إعجابًا، أو يتّكِل على ما شهره به المادح، فيفتر عن العمل؛ لأنّ الذي يستمرّ على العمل غالبًا هو الذي يعدّ نفسَه مقصّرًا" ذكره في "الفتح" (^١).
فكأنّ البخاري ــ ﵀ ــ فهم أنّ المدح إنّما يقطع عنق من له عنق، والكافر والفاسق مقطوعة أعناقهما، ففي قوله ﵌: "قطعت عنق صاحبك" دلالة على أنّه ﵌ قضى بأنّ للممدوح عنقًا، يخشى أن يقطعها المادحُ بمدحِه، والعنق هي العدالة، فقد تضمّن ذلك القضاء بأنّ الممدوح عدل. وهذا ــ على لُطْفه ــ لا يكفي للحجة، وفيه بَعْد ذلك أنّه ليس في الحديث أنّه ﵌ لم يكن يعرف الممدوح، حتّى يُقال: [ص ٥٨] إنّه إنّما أثبت له سلامة العنق بثناء ذاك المادح.
وأمّا المسلك الثاني: فالأقرب أنّ تزكية الشاهد شهادة، وأما تزكية المخبر فإن كانت ممّن جاوره وصَحِبه مدّة فظاهرٌ أنّها خبر، وإن كانت ممّن تأخّر عنه كتعديل الإمام أحمد لبعض التابعين فقد يُقال إنها حكم؛ لأنّ أئمة هذا الفن في معنى المنصوبين من الشارع أو من جماعة الأئمة (^٢)، لبيان
_________________
(١) (١٠/ ٤٧٨)، وهو في "الإحياء": (٣/ ١٧٠).
(٢) تحتمل: "الأمة".
[ ١٥ / ٥٧ ]
شرط الجارح
أحوال الرواة ورواياتهم. وقد يقال: إنّها فتوى لأنّها خبر عمّا أدّى إليه النظر والاجتهاد، وهو إن لم يكن حكمًا شرعيًّا فتُبنى عليه أحكام شرعية كما لا يخفى.
والأقرب أنّها خبر أيضًا.
وأمّا المسلك الثالث: فقد شرحت في "رسالة الاحتجاج بخبر الواحد" (^١) بعضَ ما ظهر لي من الحكمة في أنّه لا يكفي في الزنا أقلّ من أربعة شهود، وفي الدماء وغيرها بشاهدين، وفي الأموال بشاهد ويمين المدَّعِي عند قوم، والاكتفاء في الخبر بواحد. والذي يظهر من ذلك: أنّ تعديل الشاهد كالشهادة بالدماء ونحوها في أنه لا يكفي إلا اثنان، وأنّ تعديل المخبر كالخبر.
وعلى كلّ حال فخبر من عدَّلَه اثنان أرجح من خبر من لم يعدِّله إلا واحد، وإن قامت الحجةُ بكلٍّ منهما، والله أعلم.
[ص ٥٩] هذا كلّه حال المعدِّل، فأمّا الجارح فشرطه: أن يكون عدلًا، عارفًا بما يوجب الجرح إن جَرَح ولم يفسِّر، وقلنا بقبوله. واشترط بعضُهم أيضًا أن لا يكون بينه وبين المجروح عداوة دنيوية شديدة، فإنها ربما أوقعت في التحامل، ولا سيّما إذا كان الجرح غير مفسّر. وزاد غيره: العداوة الدينية، كما يقع بين المختلفين في العقائد، وقد بسطتُ القولَ في ذلك في "النقد البريء" (^٢).
_________________
(١) (ص ٢٨ فما بعدها).
(٢) هذا العنوان القديم لكتاب "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل". وانظر البحث فيه: (١/ ٨٧ - ٩٨).
[ ١٥ / ٥٨ ]
فرع: كلام الأئمة في من لم يدركوه من الرواة
فرع
تقدَّم أنّ من شَرْط المعدِّل أن يكون ذا خبرة بمن يعدِّله، وذكروا أنّ الخبرة تحصل بالجوار أو الصحبة أو المعاملة. ولا شكّ أنّه لا يكفي جوار يوم أو يومين، وكذلك الصحبة، وكذا المعاملة لا يكفي فيها أن يكون قد اشترى منه سلعة أو سلعتين، بل لا بدّ من طول الجوار أو الصحبة أو المعاملة مدّةً يغلب على الظنّ حصول الخبرة فيها، والمدار في ذلك على غَلَبة ظنّ المزكِّي الفَطِن العارف بطباع الناس وأغراضهم.
واشتراط الخبرة بهذا التفصيل في مزكِّي الشاهد لا إشكال فيه، وإنّما الإشكال [ص ٦٠] في تزكية الرواة، فإنّ ما في كتب الجرح والتعديل من الكلام في الرواة المتقدّمين غالبه من كلام من لم يُدْرِكهم، بل ربما كان بينه وبينهم نحو ثلاثمائة سنة، هذا الدارقطني المولود سنة ٣٠٦ يتكلّم في التابعين فيوثِّق ويضعِّف.
قد يتوهَّم من لا خبرةَ له أنّ كلام المحدِّث فيمن لم يدركه إنّما يعتمد النقلَ عمّن أدركه، فالمتأخّر ناقلٌ فقط، أو حاكم بما ثبت عنده بالنقل (^١).
وهذا الحصر باطل، بل إذا كان هناك نقل، فإنّ المتأخِّر يذكره، فإن لم يذكره مرّة ذكره أخرى، أو ذكره غيره. والغالب فيما يقتصرون فيه على الحكم بقولهم: "ثقة" أو "ضعيف" أو غير ذلك إنما هو اجتهاد منهم، سواء أكان هناك نقلٌ يوافق ذلك الحكم أم لا، وكثيرًا ما يكون هناك نقل يخالف ذاك الحكم.
_________________
(١) وهذا التوهم ساقه المؤلف على شكل أسولة في (الرسالة الثالثة) من هذا المجموع ولم يجب عليها هناك، فخذ جوابها من هنا.
[ ١٥ / ٥٩ ]
الطريقة الأولى لمعرفة حال الراوي المتقدم
الطريقة الثانية
[ص ٦١] واعتمادهم في اجتهادهم على طرق:
الطريقة الأولى: النظر فيمن روى عن الرجل، فإن لم يرو عنه إلا بعض المتَّهمين، كابن الكلبي والهيثم بن عدي، طرحوه ولم يشتغلوا به.
وإن كان قد روى عنه بعضُ أهل الصدق، نظروا في حال هذا الصدوق، فيكون له واحدة من أحوال:
الأولى: أن يكون يروي عن كلّ أحدٍ حتى من عُرِف بالجرح المسقط.
الثانية: كالأولى إلا أنه لم يرو عمّن عرف بالجرح المسقط.
الثالثة: كالأولى إلا أنه لم يُعْرَف بالرواية عمّن عُرِف بالجرح، وإنّما شيوخه بين عدول ومجاهيل، والمجاهيل في شيوخه كثير.
الرابعة: كالثالثة إلا أنّ المجاهيل من شيوخه قليل.
الخامسة: أن يكون قد قال: "شيوخي كلهم عدول" أو: "أنا لا أحدِّث إلا عن عَدْل".
فصاحبُ الحال الأولى لا تفيد روايته عن الرجل شيئًا، وأمّا الأربع الباقية فإنها تفيد فائدةً ما، تَضْعُف هذه الفائدة في الثانية، ثم تقوى فيما بعدها على الترتيب، فأقوى ما تكون في الخامسة.
الطريقة الثانية: النظر في القرائن؛ كأن يوصَف التابعيّ بأنّه كان من أهل العلم، أو من سادات الأنصار، أو إمامًا في مسجد النبي ﵌، أو مؤذنًا لعمر أو قاضيًا لعمر بن عبد العزيز، أو يذكر الراوي عنه أنّه أخبره في مجلس بعض الأئمة وهو يسمع، كما قال الزهري.
[ ١٥ / ٦٠ ]
وعكس هذا أن يوصَفَ الرجلُ بأنّه كان جنديًّا أو شرطيًّا أو نحو ذلك من الحِرَف التي يكثر في أهلها عدم العدالة.
[ص ٦٢] الطريقة الثالثة
_________________
(١) وهي أعمّ الطرق : اختبار صدقه وكذبه بالنظر في أسانيد رواياته ومتونها، مع النظر في الأمور التي قد يستفاد منها تصديق تلك الروايات أو ضعفها. فأمّا النظر في الأسانيد، فمنه: أن ينظر تاريخ ولادته، وتاريخ وفاة شيخه الذي صرّح بالسماع منه. فإن ظهر أنَّ ذلك الشيخ مات قبل مولد الراوي، أو بعد ولادته بقليل بحيث لا يمكن عادةً أن يكون سمع منه ووعى= كذَّبوه. ومنه: أن يسأل عن تاريخ سماعه من الشيخ، فإذا بيّنه وتبين أنّ الشيخ قد كان مات قبل ذلك= كذَّبوه. ومنه: أن يسأل عن موضع سماعه من الشيخ، فإن ذكر مكانًا يعرف أن الشيخ لم يأته قط= كذَّبوه. وقريب من ذلك: أن يكون الراوي مكيًّا لم يخرج من مكة، وصرَّح بالسماع من شيخ قد ثبت عنه أنّه لم يأت مكة بعد بلوغ الراوي سنَّ التمييز، وإن كان قد أتاها قبل ذلك. ومنه: أن يحدِّث عن شيخٍ حيّ، فيُسأل الشيخ عن ذلك فيكذبه. فإذا لم يوجد في النظر في حاله وحال شيوخه ما يدلّ على كذبه، نُظِر في حال شيوخه المعروفين بالصدق، مع الشيوخ الذين زعم أنّهم سمعوا منهم على ما تقدّم. فإذا كان قد قال: حدّثني فلان أنّه سمع فلانًا، فتبيَّن بالنظر أن فلانًا الأوّل لم يلق شيخه= كذَّبوا هذا الراوي.
[ ١٥ / ٦١ ]
وهكذا في بقية السند.
لكن إذا وقع شيء من هذا، ممّن عُرِفَت عدالته وصدقه، وكان هناك مظنة للخطأ حملوه على الخطأ، وقد يختلفون، فيكذِّبه بعضهم، ويقول غيره: إنما أخطأ هو، أو شيخه، أو سقط من الإسناد رجل، أو نحو ذلك (^١).
_________________
(١) هذا آخر ما وُجد من الكتاب، ولا أدري هل أكمله المؤلف أو لا؟
[ ١٥ / ٦٢ ]