كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه
يصح تحمل الصغار الشهادة والأخبار، وكذلك الكفار إذا أدوا ما حملوه في حال كمالهم، وهو الاحتلام والإسلام.
وينبغي المباراة إلى إسماع الولدان الحديث النبوي. والعادة المطردة في أهل عهذه الأعصار وما قبلها بمدد متطاولة: أن الصغير يكتب له حضور إلى تمام خمس سنين من عمره، ثم بعد ذلك يسمى سماعًا، واستأنسوا في ذلك بحديث محمود بن الربيع: أنه عقل مجَّة مجَّها رسول الله ﷺ في وجهه من دلو في دارهم وهو ابن خمس سنين. ورواه البخاري. فجعلوه فرقًا بين السماع والحضور، وفي رواية: وهو ابن أربع سنين. وضبطه بعض الحفاظ بسن التمييز. وقال بعضهم: أن يفرق بين الدابة والحمار. وقال بعض الناس: لا ينبغي السماع إلا بعد العشرين سنة. وقال بعض: عشر. وقال آخرون: ثلاثون. والمدار في ذلك كله على التمييز، فمتى كان الصبي يعقل كتب له سماع.
قال الشيخ أبو عمرو: وبلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري أنه قال: رأيت صبيًا ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي، غير أنه إذا جاع يبكي.
[ ١٠٨ ]
وأنواع تحمل الحديث ثمانية:
القسم الأول
السماع
وتارة يكون من لفظ المسمع حفظًا، أو من كتاب. قال القاضي عياض: فلا خلاف حينئذ أن يقول السامع: " حدثنا " أو " أخبرنا "، و" أنبأنا ": و" سمعت "، و" قال لنا "، و" ذكر لنا فلان ".
وقال الخطيب: أرفع العبارات " سمعت " ثم " حدثنا "، و" حدثني "، " قال ": وقد كان جماعة من أهل العلم لا يكادون يخبرون عما سمعوه من الشيخ إلا بقولهم " أخبرنا "، ومنهم حماد بن سلمة، وابن المبارك، وهشيم بن بشير، ويزيد
[ ١٠٩ ]
بن هارون، وعبد الرزاق، ويحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن راهويه، وآخرون كثيرون.
قال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون " حدثنا " و" أخبرنا " أعلى من " سمعت "، لأنه قد لا يقصده بالأسماع، بخلاف ذلك. والله أعلم.
" حاشية " قلت: بل الذي ينبغي أن يكون أعلى العبارات على هذا أن يقول: " حدثني، فإنه إذا قال " حدثنا " أو " أخبرنا "، قد لا يكون قصده الشيخ بذلك أيضًا، لاحتمال أن يكون في جمع كثير. والله أعلم.
القسم الثاني
القراءة على الشيخ حفظًا أو من كتاب
وهو " العرض " عند الجمهور. والرواية بها سائغة عند العلماء، إلا عند شُذاذ لا يعتمد بخلافهم. ومستند العلماء حديث ضمام بن ثعلبة، وهو في الصحيح. وهي دون السماع من لفظ الشيخ. وعن مالك وأبي حنيفة وابن أبي ذئب: أنها أقوى. وقيل: هما سواء، ويعزى ذلك إلى أهل الحجاز والكوفة، وإلى مالك أيضًا وأشياخه من أهل المدينة، وإلى اختيار البخاري. والصحيح الأول، وعليه علماء المشرق.
[ ١١٠ ]
فإذا حدث بها يقول " قرأت " أو " قرئ على فلان وأنا أسمع فأقر به " أو " أخبرنا " أو " حدثنا قراءة عليه ". وهذا واضح، فإن أطلق ذلك جاز عند مالك، والبخاري، ويحيى بن سعيد القطان، والزهري، وسفيان بن عيينة، ومعظم الحجازيين والكوفيين، حتى إن منهم من سوغ " سمعت " أيضًا، ومنع من ذلك أحمد، والنسائي، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي.
[ ١١١ ]
والثالث أن يجوز " أخبرنا " ولا يجوز " حدثنا " وبه قال الشافعي، ومسلم، والنسائي أيضًا، وجمهور المشارقة، بل نقل ذلك عن أكثر المحدثين. وقد قيل: إن أول من فرق بينهما ابن وهب. قال الشيخ أبو عمرو وقد سبقه إلى ذلك ابن جريج؛ والأوزاعي، قال: وهو الشائع الغالب على أهل الحديث.
[ ١١٢ ]
" فرع ": إذا قرأ على الشيخ من نسخة وهو يحفظ ذلك، فجيد قوي، وإن لم يحفظ والنسخة بيد موثوق به، فكذلك، على الصحيح المختار الراجح، ومنع من ذلك مانعون، وهو عسر. فإن لم تكن نسخة إلا التي بيد القارئ وهو موثوق به فصحيح أيضًا.
" فرع ": ولا يشترط أن يقر الشيخ بما قُرئ عليه نطقًا، بل يكفي سكوته وإقراره عليه، عند الجمهور. وقال آخرون من الظاهرية وغيرهم: لا بد من استنطاقه بذلك، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وسليم الرازي. قال ابن الصباغ: إن لم يتلفظ لم تجز الرواية، ويجوز العمل بما سمع عليه.
" فرع ": قال ابن وهب والحاكم: يقول فيما قرئ على الشيخ وهو وحده: " حدثني "، فإن كان معه غيره: " حدثنا "، وفيما قرأه على الشيخ وحده: " أخبرني "، فإن قرأه غيره: " أخبرنا ".
قال ابن الصلاح: وهذا حسن فائق. فإن شك أتى بالمتحقق، وهو الوحدة:
[ ١١٣ ]
" حدثني " أو " أخبرني "، عند ابن الصلاح والبيهقي، وعن يحيى بن سعيد القطان: يأتي بالأدنى، وهو " حدثنا " أو " أخبرنا ".
قال الخطيب البغدادي: وهذا الذي قاله ابن وهب مستحب، لا مستحق، وعند أهل العلم كافة.
[ ١١٤ ]
" فرع ": اختلفوا في صحة سماع من ينسخ أو إسماعه: فمنع من ذلك إبراهيم الحربي وابن عدي وأبو إسحاق الأسفرائيني. وكان أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغي يقول " حضرت "، ولا يقول " حدثنا " ولا " أخبرنا ". وجوزه موسى بن هارون الحافظ.
وكان ابن المبارك ينسخ وهو يقرأ عليه.
وقال أبو حاتم: كتبت حديث عارم وعمرو بن مرزوق، وحضر الدارقطني وهو شاب، فجلس إسماعيل الصفار وهو يملي، والدارقطني ينسخ جزءًا، فقال: له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ! فقال: فهمي للاملاء بخلاف فهمك، فقال له: كم أملى الشيخ حديثًا إلى الآن؟ فقال الدارقطني: ثمانية عشر حديثًا، ثم سردها كلها عن ظهر قلب، بأسانيد ومتونها، فتعجب الناس منه، والله أعلم.
وكان شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، تغمده الله برحمته، يكتب في مجلس
[ ١١٥ ]
السماع، وينعس في بعض الأحيان، ويرد على القارئ ردًا جيدًا بينًا واضحًا، بحيث يتعجب القارئ من نفسه، أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ، والشيخ ناعس وهو أنبه منه! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال ابن الصلاح: وكذلك التحدث في مجلس السماع، وما إذا كان القارئ سريع القراءة، أو كان السامع بعيدًا من القارئ. ثم اختار أنه يغتفر اليسير من ذلك، وأنه إذا كان يفهم ما يقرأ من النسخ فالسماع صحيح. وينبغي أن يُجبر ذلك بالإجازة بعد ذلك كله.
هذا هو الواقع في زماننا اليوم: أن يحضر مجلس السماع من يفهم ومن لا يفهم، والبعيد من القارئ، والناعس، والمتحدث، والصبيان الذين لا ينضبط أمرهم بل يلعبون غالبًا، ولا يشتغلون بمجرد السماع. وكل هؤلاء قد كان يكتب لهم السماع بحضرة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ﵀.
وبلغني عن القاضي تقي الدين سليمان المقدسي: أنه زجر في مجلسه الصبيان عن اللعب، فقال: لا تزجروهم، فانَّا سمعنا مثلهم.
وقد روي عن الامام العَلم عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: يكفيك من الحديث شمه. وكذا قال غير واحد من الحفاظ.
وقد كانت المجالس تعقد ببغداد. وبغيرها من البلاد، فيجتمع الفئام من الناس، بل الألوف المؤلفة، ويصعد المُستملي. على الأماكن المرتفعة،
[ ١١٦ ]
ويبلغون عن المشايخ ما يملون، فيحدث الناس عنهم بذلك، مع ما يقع في مثل هذه المجامع من اللغط والكلام.
وحكى الأعمش: أنهم كانوا في حلقة إبراهيم إذا لم يسمع أحدهم الكلمة جيدًا استفهما من جاره. وقد وقع هذا في بعض الأحاديث عن عقبة بن عامر، وجابر بن سمرة وغيرهما، وهذا هو الأصلح للناس. وإن قد تورع آخرون وشددوا في ذلك، وهو القياس. والله أعلم.
[ ١١٧ ]
ويجوز السماع من وراء حجاب، كما كان السلف يرون عن أمهات المؤمنين، واحتج بعضهم بحديث: " حتى ينادي ابن أم مكتوم ".
وقال بعضهم عن شعبة: إذا حدثك من لا ترى شخصه فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تصور في صورته، يقول حدثنا أخبرنا. وهذا عجيب وغريب جدًا! إذا حدثه بحديث ثم قال: " لا تروه عني "، أو " رجعت عن إسماعك "، ونحو ذلك، ولم يبد مستندًا سوى المنع اليابس، أو أسمع قومًا فخص بعضهم وقال: " لا أجيز لفلان أن يروي عني شيئا " فإنه لا يمنع من صحة الرواية عنه، ولا التفات إلى قوله. وقد حدث النسائي عن الحارث بن مسكين والحالة هذه؛ وأفتى الشيخ أبو إسحاق الأسفرائيني بذلك.
[ ١١٨ ]
القسم الثالث
الإجازة
والرواية بها جائزة عند الجمهور، وادعى القاضي أبو الوليد الباجي الإجماع على ذلك. ونقضه ابن الصلاح بما رواه الربيع عن الشافعي: أنه منع من الرواية بها. وبذلك قطع الماوردي. وعزاه إلى مذهب الشافعي، وكذلك قطع بالمنع القاضي حسين بن محمد المروروذي صاحب التعليقة، وقالا جميعًا: لو جازت الرواية بالإجازة بطلت الرحلة، وكذا روي عن شعبة بن الحجاج وغيره من أئمة الحديث وحفاظه.
وممن أبطلها إبراهيم الحربي، وأبو الشيخ محمد بن عبد الله الأصبهاني، وأبو نصر الوايلي السجزي، وحكى ذلك عن جماعة ممن لقيهم.
ثم هي أقسام: ١ - إجازة من معين لمعين في معين، بأن يقول: " أجزتك أن تروي عني هذا الكتاب " أو " هذه الكتب ". وهي المناولة. فهذه جائزة عند الجماهير، حتى الظاهرية، لكن خالفوا في العمل بها، لأنها في معنى المرسل عندهم، إذا لم يتصل السماع.
٢ - إجازة لمعين في غير معين، مثل أن يقول: " أجزت لك أن تروي عني ما أرويه "، أو " ما صح عندك، من مسموعاتي ومصنفاتي ". وهذا مما يجوزه الجمهور أيضًا، رواية وعملًا.
٣ - الإجازة لغير معين، مثل أن يقول: " أجزت للمسلمين "، أو " للموجودين "، أو " لمن قال لا إله إلا الله "، وتسمى " الإجازة العلمة ". وقد اعتبرها طائفة من الحفاظ والعلماء، فممن جوزها الخطيب البغدادي، ونقلها عن
[ ١١٩ ]
شيخه القاضي أبي الطيب الطبري، ونقلها بكر الحازمي عن شيخه أبي العلاء الهمداني الحافظ، وغيرهم من محدثي المغاربة ﵏.
٤ - الإجازة للمجهول بالمجهول، ففاسدة. وليس منها ما يقع من الاستدعاء لجماعة مسمين لا يعرفه المجيز أو لا يتصفح أنسابهم ولا عدتهم، فإن هذا سائغ شائع، كما لا يستحضر المسمع أنساب من يحضر مجلسه ولا عدتهم. والله أعلم.
ولو قال: " أجزت رواية هذا الكتاب لمن أحب روايته عني "؛ فقد كتبه أبو الفتح محمد بن الحسين الأسدي، وسوغه غيره، وقواه ابن الصلاح.
وكذلك لو قال: " أجزتك ولولد ونسلك وعقبك رواية هذا الكتاب " أو " ما يجوز لي روايته " فقد جوزها جماعة، منهم أبو بكر ابن أبي داود، قال لرجل: " أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبلة ".
وأما لو قال: " أجزت لمن يوجد من بني فلان "، فقد حكى الخطيب جوازها عن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، وأبي الفضل ابن عمروس المالكي، وحكاه ابن الصباغ عن طائفة، ثم ضعف ذلك، وقال: هذا يبنى على أن الإجازة إذن أو محادثة، وكذلك ضعفها ابن الصلاح، وأورد الإجازة للطفل الصغير الذي لا يخاطب مثله، وذكر الخطيب أنه قال للقاضي أبي الطيب: إن بعض أصحابنا قال: لا تصح الإجازة إلا لمن يصح سماعه؟ فقال: قد يجيز الغائب عنه، ولا يصح سماعه منه. ثم رجح الخطيب صحة الإجازة للصغير، قال: وهو الذي رأينا كافة شيوخنا يفعلونه، يجيزون للأطفال، من غير أن يسألوا عن أعمارهم، ولم نرهم أجازوا لمن لم يكن موجودًا في الحال. والله أعلم.
[ ١٢٠ ]
ولو قال: " أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك مما سمعته وما سأسمعه "، فالأول جيد، والثاني فاسد. وقد حاول ابن الصلاح تخريجه على أن الإجازة إذن كالوكالة. وفيما لو قال: " وكلتك في بيع ما سأملكه " خلاف.
وأما الإجازة بما يرويه إجازة، فالذي عليه الجمهور الرواية بالإجازة على الإجازة وإن تعددت. وممن نص على ذلك الدارقطني، وشيخه أبو العباس ابن عقدة، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني، والخطيب، وغير واحد من العلماء. قال ابن الصلاح: ومنع من ذلك بعض من لا يعتمد به من المتأخرين، والصحيح الذي عليه العمل جوازه، وشهوا ذلك بتوكيل الوكيل.
[ ١٢١ ]
القسم الرابع
المناولة
فإن كان معها إجازة، مثل أن يناول الشيخ الطالب كتابًا من سماعه، ويقول له: " أرو هذا عني "، أو يملكه إياه، أو يعيره لينسخه ثم يعيده إليه، ليأتيه الطالب بكتاب من سماعه فيتأمله، ثم يقول: " أرو عني هذا "، ويسمى هذا " عرض المناولة ". وقد قال الحاكم: إن هذا إسماع عند كثير من المتقدمين، وحكوه عن مالك نفسه، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، من أهل المدينة، ومجاهد، وأبي الزبير، وسفيان بن عيينة، من المكيين، وعلقمة، وإبراهيم، والشعبي، من أهل الكوفة، وقتادة، وأبي العالية، وأبي المتوكل الناجي، من البصرة، وابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، من أهل مصر، وغيرهم من أهل الشام والعراق، ونقله عن جماعة من مشايخه. قال ابن الصلاح: وقد خطط في كلامه عرض المناولة بعرض القراءة.
ثم قال الحاكم: والذي عليه جمهور فقهاء الإسلام، الذين أفتوا في الحرام والحلال: أنهم لم يروه سماعًا، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، والبويطي والمزني، وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب. والله أعلم.
[ ١٢٣ ]
وأما إذا لم يملكه الشيخ الكتاب، ولم يعره إياه، فإنه منحط عما قبله، حتى إن منهم من يقول: هذا مما لا فائدة فيه، ويبقى مجرد إجازة.
" قلت ": أما إذا كان الكتاب مشهورًا، كالبخاري ومسلم، أو شيء من الكتب المشهورة: فهو كما لو ملكه أو أعاره إياه. والله أعلم.
ولو تجردت المناولة عن الأذن في الرواية: فالمشهور أنه لا تجوز الرواية بها، وحكى الخطيب عن بعضهم جوازها، قال ابن الصلاح: ومن الناس من جوز الرواية بمجرد إعلام الشيخ للطالب أن هذا سماعه. والله أعلم.
ويقول الراوي بالإجازة: " أنبأناا "، فإن قال " إجازة " فهو أحسن، ويجوز " أنبأنا " و" حدثنا " عند جماعة من المتقدمين.
وقد تقدم النقل عن جماعة أنهم جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإجازة بمنزلة السماع، فهؤلاء يقولون: " حدثنا " و" أخبرنا "، بلا إشكال.
والذي عليه جمهور المحدثين قديمًا وحديثًا: أنه لا يجوز إطلاق " حدثنا " ولا " أخبرنا " بل مقيدًا. وكان الأوزاعي يخصص الإجازة بقوله " خبرنا " بالتشديد.
[ ١٢٤ ]
القسم الخامس
المكاتبة
بأن يكتب إليه بشيء من حديثه.
فإن أذن له في روايته عنه، فهو كالمناولة المقرونة بالإجازة. وإن لم تكن معها إجازة، فقد جوز الرواية بها أيوب، ومنصور، والليث، وغير واحد من الفقهاء الشافعية والأصوليين، وهو المشهور، وجعلوا ذلك أقوى من الإجازة المجردة، وقطع الماوردي بمنع ذلك. والله أعلم.
وجوز الليث ومنصور في المكاتبة أن يقول: " أخبرنا " و" حدثنا " مطلقًا والأحسن الأليق تقييده بالمكاتبة.
[ ١٢٥ ]
القسم السادس
الإعلام
إعلام الشيخ أن هذا الكتاب سماعه من فلان
من غير أن يأذن له في روايته عنه، فقد سوغ الرواية بمجرد ذلك طوائف من المحدثين والفقهاء، منهم ابن جريج، وقطع به ابن الصباغ، واختاره غير واحد من المتأخرين، حتى قال بعض الظاهرية: لو أعلمه بذلك ونهاه عن روايته عنه فله روايته، كما لو نهاه عن روايته ما سمعه منه.
القسم السابع
الوصية
بأن يوصى بكتاب كان يرويه لشخص. فقد ترخص بعض السلف في رواية الموصى له بذلك الكتاب عن الموصي، وشبهوا ذلك بالمناولة وبالإعلام
[ ١٢٦ ]
بالرواية. قال ابن الصلاح: وهذا بعيد، وهو إما زلة عالم أو متأول، إلا أن يكون أراد بذلك روايته بالوجادة. والله أعلم.
القسم الثامن
الوجادة
وصورتها: أن يجد حديثًا أو كتابًا بخط شخص بإسناده.
فله أن يرويه عنه على سبيل الحكاية، فيقول: " وجدت بخط فلان: حدثنا فلان " ويسنده. ويقع هذا أكثر في مسند الإمام أحمد، يقول ابه عبد الله: " وجدت بخط أبي: حدثنا فلان "، ويسوق الحديث.
وله أن يقول: " قال فلان " إذا لم يكن فيه تدليس يوهم اللقى.
قال ابن الصلاح: وجازف بعضهم فأطلق فيه " حدثنا " أو " أخبرنا " وانتقد ذلك على فاعله.
وله أن يقول فيما وجد من تصنيفه بغير خطه: " ذكر فلان "، و" قال فلان " أيضًا، ويقول: " بلغني عن فلان "، فيما لم يتحقق أنه من تصنيفه أو مقابلة كتابه. والله أعلم.
[ ١٢٧ ]
" قلت ": والوجادة ليست من باب الرواية، وإ، ما هي حكاية عما وجده في الكتاب.
وأما العمل بها: فمنع منه طائفة كثيرة من الفقهاء والمحدثين، أو أكثرهم، فيما حكاه بعضهم.
ونقل الشافعي وطائفة من أصحابه جواز العمل بها.
قال ابن الصلاح: وقطع بعض المحققين من أصحابه في الأصول بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به.
قال ابن الصلاح: وهذا هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة لتعذر شروط الرواية في هذا الزمان، يعني: فلم يبق إلا مجرد وجادات.
" قلت ": وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ وذكروا الأنبياء، فقال: وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن، قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: ثوم يأتون
[ ١٢٨ ]
من بعدكم، يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها "، وقد ذكرنا الحديث بإسناده ولفظه في شرح البخاري، ولله الحمد. فيؤخذ منه مدح من عمل بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة لها. والله أعلم.
[ ١٢٩ ]
النوع الخامس والعشرون
كتابة الحديث وضبطه وتقييده
قد ورد في صحيح مسلم عن أبي سعيد مرفوعًا: " من كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه ".
قال ابن الصلاح: وممن روينا عنه كراهة ذلك: عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو سعيد، في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين.
قال: وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله: علي، وابنه الحسن، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، في جمع من الصحابة والتابعين.
" قلت ": وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " اكتبوا لأبي شاه " وقد تحرر هذا الفصل في أوائل كتابنا المقدمات، ولله الحمد.
قال البيهقي وابن الصلاح وغير واحد: لعل النهي عن ذلك كان حين يخاف التباسه بالقرآن، والأذن فيه حين أمن ذلك. والله أعلم.
وقد حكي إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث وهذا أمر مستفيض، شائع ذائع، من غير نكير.
[ ١٣٢ ]
فإذا تقرر هذا، فينبغي لكاتب الحديث - أو غيره من العلوم - أن يضبط ما يشكل منه، أو قد يشكل على بعض الطلبة، في أصل الكتاب، نقطًا وشكلًا وإعرابًا، على ما هو المصطلح عليه بين الناس، ولو قيد في الحاشية لكان حسنًا.
[ ١٣٤ ]
وينبغي توضيحه. ويكره التدقيق والتعليل في الكتاب لغير عذر. قال الإمام أحمد لابن عمه حنبل - وقد رآه يكتب دقيقًا -: لا تفعل، فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه.
قال ابن الصلاح: وينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة. وممن بلغنا عنه ذلك: أبو الزناد، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم الحربي، وابن جرير الطبري.
" قلت ": قد رأيته في خط الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
قال الخطيب البغدادي: وينبغي أن يترك الدائرة غفلًا، فإذا قابلها نقط فيها نقطة.
قال ابن الصلاح: ويكره أن يكتب " عبد الله بن فلان " فيجعل " عبد " آخر سطر والجلالة في أول سطر، بل يكتبهما في سطر واحد.
قال: وليحافظ على الثناء على الله، والصلاة والسلام على رسوله، وإن تكرر فلا يسأم، فإن فيه خيرًا كثيرًا. قال: وما وجد من خط الإمام أحمد من غير صلاة فمحمول على أنه أراد الرواية. قال الخطيب: وبلغني أنه كان يصلي على النبي ﷺ نطقًا لا خطًا.
[ ١٣٥ ]
قال ابن الصلاح: وليكتب الصلاة والتسليم مجلة لا رمزًا. قال ولا يقتصر على قوله " ﵇ "، يعني: وليكتب " ﷺ " واضحة كاملة.
قال: وليقابل أصله بأصل معتمد، ومع نفسه أو غيره من موثوق به ضابط. قال: ومن الناس من شدد وقال: لا يقابل إلا مع نفسه. قال: وهذا مرفوض مردود.
[ ١٣٦ ]
وقد تكلم الشيخ أبو عمرو على ما يتعلق بالتخريج والتضبيب والتصحيح وغير ذلك من الاصطلاحات المطردة والخاصة: ما أطال الكلام فيه جدًا.
[ ١٣٧ ]
وتكلم على كتابة " ح " بين الإسنادين، وأنها " ح " مهملة، من التحويل أو الحائل بين الإسنادين، أو عبارة عن قوله " الحديث ".
" قلت ": ومن الناس من يتوهم أنها " خاء " معجمة، أي إسناد آخر. والمشهور الأول، وحكى بعضهم الإجماع عليه.
النوع السادس والعشرون
صفة رواية الحديث
قال ابن الصلاح: شدد قوم في الرواية: فاشترط بعضهم أن تكون الرواية من حفظ الراوي أو تذكره. وحكاه عن مالك، وأبي حنيفة، وأبي بكر الصيدلاني المروزي الشافعي.
واكتفى آخرون، وهم الجمهور، بثبوت سماع الراوي لذلك الذي يسمع عليه، وإن كان بخط غيره، وإن غابت عنه النسخة، إذا كان الغالب على الظن سلامتها من التبديل والتغيير.
وتساهل آخرون في الرواية من نسخ لم تقابل، بمجرد قول الطالب: " هذا من روايتك "، من غير تثبت ولا نظر في النسخة، ولا تفقد طبقة سماعه.
قال: وقد عدهم الحاكم في طبقات المجروحين.
[ ١٣٩ ]
" فرع ": قال الخطيب البغدادي: والسماع على الضرير أو البصير الأمي، إذا كان مثبتًا بخط غيره أو قوله -: فيه خلاف بين الناس: فمن العلماء من منع الرواية عنهم، ومنهم من أجازها.
" فرع آخر ": إذا روي كتابًا، كالبخاري مثلًا، عن شيخ، ثم وجد نسخة به ليست مقابلة على أصل شيخه، أو لم يجد أصل سماعه فيها عليه، لكنه تسكن نفسه إلى صحتها - فحكى الخطيب عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية بذلك، ومنهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ الفقيه، وحكى عن أيوب ومحمد بن بكر البرساني أنهما رخصا في ذلك.
" قلت ": وإلى هذا أجنح. والله أعلم.
وقد توسط الشيخ تقي الدين بن الصلاح فقال: إن كانت له من شيخه إجازة جازت روايته والحالة هذه.
" فرع آخر ": إذا اختلف الحافظ وكتابه: فإن كان اعتماده في حفظه على كتابه فليرجع إليه، وإن كان من غيره فليرجع إلى حفظه وحسن أن ينبه على ما في الكتاب مع ذلك، كما روي عن شعبة. وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ، فلينبه على ذلك عند روايته كما فعل سفيان الثوري. والله أعلم.
" فرع آخر ": لو وجد طبقة سماعه في كتاب، أما بخطه أو خط من يثق به، ولم يتذكر سماعه لذلك -: فقد حكي عن أبي حنيفة وبعض الشافعية: أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية. والجادة من مذهب الشافعي - وبه يقول محمد بن الحسن وأبو يوسف - الجواز، اعتمادًا على ما غلب على ظنه، وكما أنه
[ ١٤٠ ]
لا يشترط أن يتذكر سماعه لكل حديث حديث أو ضبطه، كذلك لا يشترط تذكره لأصل سماعه.
" فرع آخر ": وأما روايته الحديث بالمعنى: فإن كان الراوي غير عالم ولا عارف بما يحيل المعنى: فلا خلاف أنه لا تجوز له روايته الحديث بهذه الصفة.
وأما إذا كان عالمًا بذلك، بصيرًا بالألفاظ ومدلولاتها، وبالمترادف من الألفاظ ونحو ذلك -: فقد جوز ذلك جمهور الناس سلفًا وخلفًا وعليه العمل، كما هو المشاهد في الأحاديث الصحاح وغيرها، فإن الواقعة تكون واحدة، وتجيء بألفاظ متعددة، من وجوه مختلفة متباينة.
ولما كان هذا قد يوقع في تغيير بعض الأحاديث، منع من الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء الأصوليين، وشددوا في ذلك آكد التشديد. وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع، ولكن لم يتفق ذلك. والله أعلم.
وقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأنس ﵃ يقولون - إذا رووا الحديث -: " أو نحو هذا "، أو " شبهه "، " أو قريبًا منه ".
[ ١٤١ ]
" فرع آخر ": وهل يجوز اختصار الحديث، فيحذف بعضه، إذا لم يكن المحذوف متعلقًا بالمذكور؟ على قولين: فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري: اختصار الأحاديث في كثير من الأماكن.
وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه، ولا يقطعه. ولهذا رجحه كثير من حفاظ المغاربة، واستروح إلى شرحه آخرون، لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري وتفريقه الحديث في أماكن متعددة بحسب حاجته إليه. وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديمًا وحديثًا.
قال ابن الحاجب في مختصره: " مسئلة ": حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر، إلا في الغاية والاستثناء ونحوه. أما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها، فهذا سائغ، كان مالك يفعل ذلك كثيرًا، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله. وقال مجاهد: انقص الحديث ولا تزد فيه.
" فرع آخر ": ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفًا بالعربية. قال الأصمعي: " أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله: " من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار "، فإن النبي ﷺ لم يكن يلحن " فمهما رويت عنه
[ ١٤٤ ]
ولحنت فيه كذبت عليه ".
وأما التصحيف، فدواؤه أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين. والله الموفق.
وأما إذا لحن الشيخ، فالصواب أن يرويه السامع على الصواب، وهو محكي عن الأوزاعي، وابن المبارك، والجمهور. وحكى عن محمد ابن سيرين وأبي معمر عبد الله بن سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحونًا. قال ابن الصلاح: وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ. وعن القاضي عياض: أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ: أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن، استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ، كما وقع في الصحيحين والموطأ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي. ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها، منهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي، لكثرة مطالعته وافتنانه. قال: وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه.
قال: والأولى سد باب التغيير والإصلاح، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع.
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: أن أباه كان يصلح لحنًا الفاحش، ويسكت عن الخفي السهل.
" قلت ": ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحونًا عن الشيخ ترك روايته، لأنه إن تبعه في ذلك، فالنبي ﷺ لم يكن يلحن في كلامه، وإن رواه عنه على الصواب، فلم يسمعه منه كذلك.
[ ١٤٥ ]
" فرع ": وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلوم، فلا بأس بإلحاقه، وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب، فلا بأس بتجديده على الصواب. وقد قال الله تعالى: (والله يعلم المفسد من المصلح) .
[ ١٤٦ ]
" فرع آخر ": وإذا روي الحديث عن شيخين فأكثر، وبين ألفاظهم تباين: فإن ركب السياق من الجميع، كما فعل الزهري في حديث الإفك، حين رواه عن سعيد بن المسيب وعروة وغيرهما عن عائشة، وقال: " كل حدثني طائفة من الحديث، فدخل حديث بعضهم في بعض "، وساقه بتمامه -: فهذا سائغ، فإن الأئمة قد تلقوه بالقبول، وخرجوه في كتبهم الصحاح وغيرها.
وللراوي أن يبين كل واحدة منها عن الأخرى، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان، وتحديث وإخبار وإنباء. وهذا مما يعني به مسلم في صحيحه، ويبالغ فيه، وأما البخاري فلا يعرج على ذلك ولا يلتفت إليه، وربما تعاطاه في بعض الأحايين، والله أعلم، وهو نادر.
" فرع آخر ": وتجوز الزيادة في نسب الراوي، إذا بين أن الزيادة من عنده. وهذا محكي عن أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين. والله أعلم.
" فرع آخر ": جرت عادة المحدثين إذا قرؤوا يقولون: أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان، قال: أخرنا فلان "، ومنهم من يحذف لفظة " قال "، وهو سائغ عند الأكثرين.
وما كان من الأحاديث بإسناد واحد، كنسخة عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعمرو بن شعيب
[ ١٤٧ ]
عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وغير ذلك -: فله إعادة الإسناد عند كل حديث، وله أن يذكر الإسناد عند أول حديث منها، ثم يقول: " وبالإسناد ". أو: " وبه إلى رسول الله ﷺ قال كذا وكذا "، ثم له أن يرويه كما سمعه، وله أن يذكر عند كل حديث الإسناد.
" قلت ": والأمر في هذا قريب سهل يسير. والله أعلم.
وأما إذا قدَّم ذكر المتن على الإسناد كما إذا قال: " قال رسول الله ﷺ كذا وكذا " ثم قال: " أخبرنا به "، وأسنده: فهل للراوي عنه أن يقدم الإسناد أولًا ويتبعه بذكر متن الحديث؟ فيه خلاف، ذكره الخطيب ابن الصلاح.
والأشبه عندي جواز ذلك، والله أعلم. ولهذا يعيد محدثو زماننا إسناد الشيخ بعد فراغ الخبر، لأن من الناس من يسمع من أثنائه بفوت، فيتصل له سماع ذلك من الشيخ، وله روايته عنه كما يشاء، من تقديم إسناده وتأخيره. والله أعلم.
" فرع ": إذا روي حديثًا بسنده، ثم أتبعه بإسناد آخر، وقال في آخره: " مثله " أو " نحوه "، وهو ضابط محرر: فهل يجوز روايته لفظ الحديث الأول بإسناد الثاني؟ قال شعبة: لا، وقال الثوري: نعم، حكاه عنهما وكيع، وقال يحيى بن معين: يجوز في قوله " مثله "، ولا يجوز في " نحوه ". قال الخطيب: إذا قيل
[ ١٤٨ ]
بالرواية على هذا المعنى فلا فرق بين قوله " مثله " أو " نحوه "، ومع هذا أختار قول ابن معين. والله أعلم.
أما إذا أورد السند وذكر بعض الحديث ثم قال: " الحديث "، أو " الحديث بتمامه "، أو " بطوله " أو " إلى آخره "، كما جرت به عادة كثير من الرواة: فهل للسامع أن يسوق الحديث بتمامه على هذا الإسناد؟ رخص في ذلك بعضهم ومنع منه آخرون، منهم الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني الفقيه الأصولي، وسأل أبو بكر اليرقاني شيخه أب بكر الإسماعيلي عن ذلك؟ فقال: إن كان الشيخ والقارئ يعرفان الحديث فأرجو أن يجوز ذلك، والبيان أولى.
قال ابن الصلاح: " قلت ": وإذا جوَّزنا ذلك فالتحقيق أنه يكون بطريق الإجازة الأكيدة القوية.
وينبغي أن يُفصَّل، فيقال: إن كان قد سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره، فتجوز الرواية، وتكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانه وتحقق سماعه. والله أعلم.
إبدال لفظ " الرسول " أو " النبي " " بالرسول ": قال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز ذلك، وإن جازت الرواية بالمعنى، يعني لاختلاف معنييهما، ونقل عبد الله بن أحمد أن أباه كان يشدد في ذلك.
فإذا كان في الكتاب " النبي " فكتب المحدث " رسول الله ﷺ " ضرب على " رسول " وكتب " النبي ". قال الخطيب: وهذا منه استحباب، فإن مذهبه الترخيص في ذلك.
[ ١٤٩ ]
قال صالح: سألت أبي عن ذلك؟ فقال: أرجو أنه لا بأس به.
وروي عن حماد بن سلمة أن عفان وبهزًا كانا يفعلان ذلك بين يديه، فقال لهما: أما أنتما فلا تفقهان أبدًا!! " الرواية في حال المذاكرة ": هل تجوز الرواية بها؟ حكى ابن الصلاح عن ابن مهدي، وابن المبارك، وأبي زرعة، المنع من التحديث بها، لما يقع فيها من المساهلة، والحفظ خوَّان.
قال ابن الصلاح: ولهذا امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، منهم أحمد بن حنبل.
قال: فإذا حدث بها فليقل: " حدثنا فلان مذاكرة "، أو " في المذاكرة "، ولا يطلق ذلك فيقع في نوع من التدليس والله أعلم.
وإذا كان الحديث عن اثنين، جاز ذكر ثقة منهما وإسقاط لآخر ثقة كان أو ضعيفًا. وهذا صنيع مسلم في ابن لهيعة غالبًا. وأما أحمد بن حنبل فلا يسقطه، بل يذكره. والله أعلم.
[ ١٥٠ ]
النوع السابع والعشرون
آداب المحدث
وقد ألف الخطيب البغدادي في ذلك كتابًا سماه: " الجامع لآداب الشيخ والسامع ".
وقد تقدم من ذلك مهمات في عيون الأنواع المذكورة.
قال ابن خلاد وغيره ينبغي للشيخ أن لا يتصدى للحديث إلا بعد استكمال خمسين سنة. وقال غيره: أربعين سنة. وقد أنكر القاضي عياض ذلك، بأن، أقوامًا حدثوا قبل الأربعين، بل قبل الثلاثين، منهم: مالك بن أنس، ازدحم الناس عليه وكثير من مشايخه أحياء.
[ ١٥١ ]
قال ابن خلاد: فإذا بلغ الثمانين أحببت له أن يمسك خشية أن يكون قد اختلط.
وقد استدركوا عليه: بأن جماعة من الصحابة وغيرهم حدثوا بعد هذا السن، منهم أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وعبد الله بن أبي أوفى، وخلق ممن من بعدهم وقد حدث آخرون بعد استكمال مائة سنة، منهم: الحسن بن عرفة، وأبو القاسم البغوي، وأبو إسحاق الهجيمي، والقاضي أبو الطيب الطبري، أحد أئمة الشافعية، وجماعة كثيرون.
لكن إذا كان الاعتماد على حفظ الشيخ الراوي، فينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا طعن في السن.
وأما إذا كان الاعتماد على حفظ غيره وخطه وضبطه، فههنا كلما كان السن عاليًا كان الناس أرغب في السماع عليه. كما اتفق لشيخنا أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار، فإنه جاوز المائة محققًا، سمع على الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة صحيح البخاري، واسمه في سنة ثلاثين وسبع ومائة، وكان شيخًا كبيرًا عاميًا، لا يضبط شيئًا ولا يتعقل كثيرًا من المعاني الظاهرة، ومع هذا تداعى الناس إلى السماع منه عند تفرده عن الزبيدي، فسمع منه نحو من مائة ألف أو يزيدون.
قال: وينبغي أن يكون المحدث جميل الأخلاق حسن الطريقة، صحيح النية. فإن عزبت نيته عن الخير فليسمع، فإن العلم يرشد إليه، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله.
[ ١٥٢ ]
وقالوا: لا ينبغي أن يحدث بحضرة من هو أولى سنًا أو سماعًا. بل كره بعضهم التحديث، لمن في البلد أحق منه. وينبغي له أن يدل عليه ويرشد إليه فإن الدين النصيحة.
قالوا: لا ينبغي عقد مجلس التحديث، وليكن المسمع على أكمل الهيئات، كما كان مالك ﵀: إذا حضر مجلس التحديث، توضأ، وربما اغتسل، وتطيب، ولبس أحسن ثيابه، وعلاه الوقار والهيبة، وتمكن في جلوسه، وزَبرَ من يرفع صوته.
وينبغي افتتاح ذلك بقراءة شيء من القرآن، تبركًا وتيمنًا بتلاوته، ثم بعده التحميد الحسن التام، والصلاة على رسول الله ﷺ.
وليكن القارئ حسن الصوت، جيد الأداء، فصيح العبارة، وكلما مر بذكر النبي قال: ﷺ. قال الخطيب: ويرفع صوته بذلك، وإذا مر بصحابي ترضى عنه. وحسن أن يثني على شيخه، كما كان عطاء يقول: حدثني الحبر البحر ابن عباس. وكان وكيع يقول: حدثني سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث وينبغي أن لا يذكر أحدًا بلقب يكرهه، فأما لقب يتميز به فلا بأس.
[ ١٥٣ ]
النوع الثامن والعشرون
آداب طالب الحديث
ينبغي له، بل يجب عليه، إخلاص النية لله ﷿ فيما يحاوله من ذلك، ولا يكن قصده عرضًا من الدنيا، فقد ذكرنا في المهمات: الزجر الشديد والتهديد الأكيد على ذلك.
وليبادر إلى سماع العالي في بلده، فإذا استوعب ذلك انتقل إلى أقرب البلاد إليه أو إلى أعلى ما يوجد من البلدان، وهو الرحلة.
وقد ذكرنا في المهمات مشروعية ذلك، قال إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه: إن الله ليدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث.
قالوا: وينبغي له أن يستعمل ما يمكنه من فضائل الأعمال الواردة في الحديث.
كان بشر بن الحارث الحافي يقول: يا أصحاب الحديث أدوا زكاة الحديث، من كل مائتي حديث خمسة أحاديث.
وقال عمرو بن قيس الملائي: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة، تكن من أهله.
[ ١٥٧ ]
قال وكيع: إذا أردت حفظ الحديث فاعمل به.
قالوا: ولا يطول على الشيخ في السماع حتى يضجره. قال الزهري: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.
وليُفد غيره من الطلبة، ولا يكتم شيئً من العلم، فقد جاء الزجر عن ذلك. قالوا: ولا يستنكف أن يكتب عمن هو دونه في الرواية والدراية. قال وكيع: لا ينبُل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه، ومن هو مثله، ومن هو دونه.
قال ابن الصلاح: وليس بموفق من ضيع شيئًا من وقته في الاستكثار من الشيوخ، لمجرد الكثرة وصيتها. قال: وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي: إذا كتبت فَقمِشّ، وإذا حدثت ففتش.
قال ابن الصلاح: ثم لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على مجرد سماعه وكتبه، من غير فهمه ومعرفته، فيكون قد أتعب نفسه، ولم يظفر بطائل.
ثم حث على سماع الكتب المفيدة من المسايد والسنن وغيرها.
[ ١٥٨ ]
النوع التاسع والعشرون
معرفة الإسناد العالي والنازل
ولما كان الإسناد من خصائص هذه الأمة، وذلك أنه ليس أمة من الأمم يمكنها أن تسند عن نبيها إسنادًا متصلًا غير هذه الأمة.
[ ١٥٩ ]
فلهذا كان طلب الإسناد العالي مرغبًا فيه، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: الإسناد سنة عمن سلف.
وقيل ليحيى بن معين في مرض موته: ما تشتهي؟ قال: بيت خالي، وإسناد عالي.
[ ١٦٠ ]
ولهذا تداعت رغبات كثير من الأئمة النقاد، والجهابذة الحفاظ، إلى الرحلة إلى أقطاب البلاد، طلبًا لعلو الإسناد. وإن كان قد منع من جواز الرحلة بعض الجهلة من العباد، فيما حكاه الرامهُرمُزي في كتابه الفاصل.
ثم إن علو الإسناد أبعد من الخطأ والعلة من نزوله. وقال بعض المتكلمين: كلما طال الإسناد كان النظر في التراجم والجرح والتعديل أكثر فيكون الأجر على قدر المشقة.
وهذا لا يقابل ما ذكرناه والله أعلم.
وأشرف أنواع العلو ما كان قريبًا إلى رسول الله ﷺ.
فأما العلو بقربه إلى إمام حافظ، أو مصنف، أو بتقدم لسماع: فتلك أمور نسبية.
وقد تكلم الشيخ أبو عمر هاهنا على " الموافقة "، وهي: انتهاء الإسناد إلى شيخ مسلم مثلًا. " والبدل "، وهو: إنتهاءه إلى شيخ شيخه أو مثل شيخه. " والمساواة "، وهو: أن تساوي في إسنادك الحديث لمصنف. " والمصافحة " وهي: عبارة عن نزولك عنه بدرجة حتى كأنه صافحك به وسمعته منه.
وهذه الفنون توجد كثيرًا في كلام الخطيب البغدادي ومن نحا نحوه، قد صنف الحافظ ابن عساكر في ذلك مجلدات. وعندي أنه نوع قليل الجدوى بالنسبة إلى بقية الفنون.
[ ١٦١ ]
فأما من قال: إن العالي من الإسناد ما صح سنده، وإن كثرت رجاله -: فهذا اصطلاح خاص، وماذا يقول هذا القائل فيما إذا صح الإسنادان، لكن أقرب رجالًا؟ وهذا القول محكي عن الوزير نظام الملك، وعن الحافظ السلفي.
وأما النزول فهو ضد العلو، وهو مفضول بالنسبة إلى العلو. اللهم إلا أن يكون رجال الإسناد النازل أجل من رجال العالي، وإن كان الجميع ثقات.
كما قال وكيع لأصحابه: أيما أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن؟ ابن مسعود، أو سفيان عن منصور إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود؟ فقالوا: الأول، فقال: الأعمش عن أبي وائل: شيخ عن شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: فقيه عن فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء أحب إلينا مما يتداوله الشيوخ.
[ ١٦٤ ]
النع الثلاثون
معرفة المشهور
والشهرة أمر نسبي، فقد يشتهر عند أهل الحديث أو يتواتر ما ليس عند غيرهم بالكلية.
ثم قد يكون المشهور متواترًا أو مستفيضًا، وهو ما زاد نقلته على ثلاثة.
وعن القاضي الماوردي: أن المستفيض أقوى من المتواتر. وهذا اصطلاح منه.
وقد يكون المشهور صحيحًا، كحديث " الأعمال بالنيات "، وحسنًا.
وقد يشتهر بين الناس أحاديث لا أصل لها، أو هي موضوعة بالكلية. وهذا
[ ١٦٥ ]
كثير جدًا، ومن نظر في كتاب الموضوعات لأبي الفرج بن الجوزي عرف ذلك، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: أربعة أحاديث تدور بين الناس في الأسواق لا أصل لها: " من بشر بخروج آذار بشرته بالجنة " و" من آذا ذميًا فأنا خصمه يوم القيامة " و" نحركم يوم صومكم " و" للسائل حق وإن جاء على فرس ".
النوع الحادي والثلاثون
معرفة الغريب والعزيز
أما الغرابة: فقد تكون في المتن، بأن يتفرد بروايته راو واحد، أو في بعضه، كما إذا زاد فيه واحد زيادة لم يقلها غيره. وقد تقدم الكلام في زيادة الثقة.
[ ١٦٦ ]
وقد تكون الغرابة في الإسناد، كما إذا كان في أصل الحديث محفوظًا من وجه آخر أو وجوه، ولكنه بهذا الإسناد غريب.
فالغريب: ما تفرد به واحد، وقد يكون ثقة، وقد يكون ضعيفًا، ولكل حكمه.
فإن اشترك اثنان أو ثلاثة في روايته عن الشيخ، سمي: " عزيزًا "، فإن رواه عنه جماعة، سمي: " مشهورًا "، كما تقدم. والله أعلم.
النوع الثاني والثلاثون
معرفة غريب ألفاظ الحديث
وهو من المهمات المتعلقة بفهم الحديث والعلم والعمل به، لا بمعرفة صناعة الإسناد وما يتعلق به.
قال الحاكم: أول من صنف في ذلك: النضر بن شميل، وقال غيره: أبو عبيدة معمر بن المثنى.
وأحسن شيء وضع في ذلك: كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام، وقد استدرك عليه ابن قتيبة أشياء، وتعقبها الخطابي، فأورد زيادات.
وقد صنف ابن الأنباري المتقدم، وسليم الرازي، وغير واحد.
وأجل كتاب يوجد فيه مجامع ذلك: كتاب " الصحاح " للجوهري. وكتاب " النهاية " لابن الأثير، رحمهما الله.
[ ١٦٧ ]
النوع الثالث والثلاثون
معرفة المسلسل
وقد يكون في صفة الرواية: كما إذا قال كل منهم " سمعت "، أو " حدثنا "، أو " أخبرنا "، ونحو ذلك. أو في صفة الراوي: بأن يقول حالة الرواية قولًا قد قاله شيخه له، أو يفعل فعلًا فعل شيخه مثله،
[ ١٦٨ ]
ثم قد يتسلسل الحديث من أوله إلى آخره، وقد ينقطع بعضه من أوله أو آخره.
وفائدة التسلسل بعده من التدليس والانقطاع. ومع هذا فلما يصح حديث بطريق مسلسل. والله أعلم.
النوع الرابع والثلاثون
معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
وهذا الفن ليس من خصائص هذا الكتاب، بل هو بأصول الفقه أشبه.
وقد صنف الناس في ذلك كتبًا كثيرة مفيدة، من أجلها: كتاب الحافظ الفقيه أبي بكر الحازمي ﵀.
وقد كانت للشافعي ﵀ في ذلك اليد الطولى، كما وصفه به الإمام أحمد بن حنبل.
ثم الناسخ قد يعرف من رسول الله ﷺ، كقوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها "، ونحو ذلك.
[ ١٦٩ ]
وقد يعرف ذلك بالتأريخ وعلم السيرة، وهو من أكبر العون على ذلك، كما سلكه الشافعي في حديث: " أفطر الحاجم والمحجوم " وذلك قبل الفتح، في شأن جعفر بن أبي طالب، وقد قتل بمؤتة، قبل الفتح بأشهر، وقول ابن عباس: " احتجم وهو صائم محرم "، وإنما أسلم ابن عباس مع أبيه في الفتح.
فأما قول الصحابي: " هذا ناسخ لهذا "، فلم يقبله كثير من الأصوليين، لأنه يرجع إلى نوع من الاجتهاد، وقد يخطئ فيه، وقبلوا قوله: " هذا كان قبل هذا "، لأنه ناقل. وهو ثقة مقبول الرواية.
النوع الخامس والثلاثون
معرفة ضبط ألفاظ الحديث
متنًا وإسنادًا والاحتراز من التصحيف فيها
فقد وقع من ذلك شيء كثير لجماعة من الحفاظ وغيرهم، ممن ترسم بصناعة الحديث وليس منهم وقد صنف العسكري في ذلك مجلدًا كبيرًا.
وأكثر ما يقع ذلك لمن أخذ من الصحف، ولم يكن له شيخ حافظ يوقفه على ذلك.
[ ١٧٠ ]
وما ينقله كثير من الناس عن عثمان بن أبي شيبة: أ، هـ كان يصحف قراءة القرآن: فغريب جدًا! لأن له كتابًا في التفسير، وقد نقل عنه أشياء لا تصدر عن صبيان المكاتب. وأما ما وقع لبعض المحدثين من ذلك، فمنه ما يكاد اللبيب يضحك منه، كما حكي عن بعضهم: أنه جمع طرق حديث: " يا أبا عمير، ما فعل النفير "، ثم أملاه في مجلسه على من حضره من الناس فجعل يقول: " يا أبا عمير ما فعل البعير "! فافتضح عندهم، وأرَّخوها عنه!! وكذا اتفق لبعض مدرسي النظامية ببغداد: أنه أو ل يوم إجلاسه أورد حديث " صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين "، فقال: " كناز في غلس "!
[ ١٧١ ]
فلم يفهم الحاضرون ما يقول، حتى أخبرهم بعضهم بأنه تصحف عليه " كتاب في عليين "!! وهذا كثير جدًا. وقد أورد الصلاح أشياء كثيرة.
[ ١٧٢ ]
وقد كان شيخنا الحافظ الكبير الجهبذ أبو الحجاج المزي، تغمده الله برحمته، من أبعد الناس عن هذا المقام، ومن أحسن الناس أدءً للإسناد والمتن، بل لم يكن على وجه الأرض - فيما نعلم - مثله في هذا الشأن أيضًا. وكان إذا تغرب عليه أحد برواية شيء مما يذكره بعض الشراح على خلاف المشهور عنده، يقول: هذا من التصحيف الذي لم يقف صاحبه إلا على مجرد الصحف والأخذ منها.
النوع السادس والثلاثون
معرفة مختلف الحديث
وقد صنف فيه الشافعي فصلًا طويلًا من كتابه " الأم " نحوًا من مجلد.
وكذلك ابن قتيبة، له فيه مجلد مفيد. وفيه ما هو غث، وذلك بحسب ما عنده من العلم.
[ ١٧٤ ]
والتعارض بين الحديثين: قد يكون بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه، كالناسخ والمنسوخ، فيصار إلى الناسخ ويترك المنسوخ. وقد يكون بحيث يمكن الجمع، ولكن لا يظهر لبعض المجتهدين، فيتوقف حتى يظهر له وجه الترجيع بنوع من أقسامه، أو يهجم فيفتي بواحد منهما، أو يفتي بهذا في وقت، كما يفعل أحمد في الروايات عن الصحابة.
وقد كان الإمام أبو بكر بن خزيمة يقول: ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه؛ ومن وجد شيئًا من ذلك فليأتي لأؤلف له بينهما.
[ ١٧٥ ]
النوع السابع والثلاثون
معرفة المزيد في متصل الأسانيد
وهو أن يزيد في الإسناد رجلًا لم يذكره غيره. وهذا يقع كثيرًا في أحاديث متعددة.
وقد صنف الحافظ الخطيب البغدادي في ذلك كتابًا حافلًا. قال ابن الصلاح: وفي بعض ما ذكره نظر.
ومثل ابن الصلاح هذا النوع بما رواه بعضهم عن عبد الله بن المبارك عن سفيان عن عبد الله بن يزيد بن جابر حدثني بسر بن عبد الله سمعت أبا ادريس يقول: سمعت رسول الله
[ ١٧٦ ]
ﷺ يقول: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها ". ورواه آخرون عن ابن المبارك، فلم يذكروا سفيان، وقال أبو حاتم الرازي: وهم ابن المبارك في إدخاله أبا إدريس في الإسناد وهاتان زيادتان.
النوع الثامن والثلاثون
معرفة الخفي من المراسيل
وهو يعم المنقطع والمعضل أيضًا. وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابه المسمى " بالتفصيل لمبهم المراسيل ".
وهذا النوع إنما يدركه نقاد الحديث وجهابذته قديمًا وحديثًا، وقد كان شيخنا الحافظ المزي إمامًا في ذلك، وعجبًا من العجب، فرحمه الله وبل المغفرة ثراه.
فإن الإسناد إذا عرض على كثير من العلماء، ممن لم يدرك ثقات الرجال وضعفاءهم، وقد يغتر بظاهره، ويرى رجاله ثقات، فيحكم بصحته، ولا يهتدي لما فيه من الانقطاع، أو الأعضال، أو الإرسال، لأنه قد لا يميز الصحابي من التابعي. والله الملهم للصواب.
ومثَّل هذا النوع ابن الصلاح بما روى العوَّام بن حوشب عن عبد الله ابن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة: نهض وكبر " قال الإمام أحمد: لم يلق العوام ابن أبي أوفى، يعني
[ ١٧٧ ]
فيكون منقطعًا بينهما، فيضعف الحديث، لاحتمال أنه رواه عن رجل ضعيف عنه، والله أعلم.
[ ١٧٨ ]
النوع التاسع والثلاثون
معرفة الصحابة ﵃ أجمعين
والصحابي: من رأى رسول الله ﷺ في حال إسلام الراوي، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئًا.
هذا قول جمهور العلماء، خلفًا وسلفًا.
وقد نص على أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة: البخاري وأبو زرعة، وغير واحد ممن صنف في أسماء الصحابة، كابن عبد البر، وابن مندة وأبي موسى المديني، وابن الأثير في كتابه " الغابة في معرفة الصحابة ". وهو أجمعها وأكثرها فوائد وأو سعها. أثابهم الله أجمعين.
قال ابن الصلاح: وقد شان ابن عبد البر كتابه " الاستيعاب " بذكر ما شجر بين الصحابة مما تلقاه من كتب الآخباريين وغيرهم.
[ ١٧٩ ]
وقال آخرون: لا بد في إطلاق الصحبة مع الرؤية أن يروي حديثًا أو حديثين.
وعن سعيد بن المسيب: لا بد من أن يصحبه سنة أو سنتين، أو يغزو معه غزوة وغزوتين. وروى شعبة عن موسى السبلاني. وأثنى عليه خيرًا، قال: قلت لأنس بن مالك: هل بقي من أصحاب رسول الله ﷺ أحد غيرك؟ قال ناس من الأعراب رأوه، فأما من صحبه فلا. رواه مسلم بحضرة أبي زرعة.
وهذا إنما نفي فيه الصحبة الخاصة، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور من أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة، لشرف رسول الله ﷺ وجلالة قدره وقدر من رآه من المسلمين. ولهذا جاء في بعض ألفاظ الحديث: تغزون فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله ﷺ؟ فيقولون: " نعم، فيفتح لكم " حتى ذكر " من رأى من رأى رسول الله ﷺ " الحديث بتمامه.
[ ١٨٠ ]
وقال بعضهم، في معاوية وعمر بن عبد العزيز: ليوم شهده معاوية مع رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته.
" فرع " والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لما أثنى الله عليهم
[ ١٨١ ]
في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل.
وأما ما شجر بينهم بعده ﵊، فمنه ما وقع عن غير قصد، كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد، كيوم صفين. والاجتهار يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ، ومأجور أيضًا، وأما المصيب فله أجران اثنان، وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه ﵃ أجمعين.
وقول المعتزلة: الصحابة عدول إلا من قاتل عليًا -: قول باطل مرذول ومردود.
وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول لله صلى لله عليه وسلم أنه قال - عن ابن بنته الحسن بن علي، وكان معه على المنبر: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".
وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر، بعد موت أبيه علي، واجتمعت الكلمة على معاوية، وسمي " عام الجماعة ". وذلك سنة أربعين من الهجرة: فسمي الجميع " مسلمين " وقال تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فسماهم " مؤمنين " مع الاقتتال.
ومن كان من الصحابة مع معاوية؟ يقال: لم يكن في الفريقين مائة من الصحابة، والله أعلم. وجميعهم صحابة، فهم عدول كلهم.
وأما طوائف الروافض وجهلهم وقلة عقلهم، ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابيًا، وسموهم: فهو من الهذيان بلا دليل، إلا مجرد الرأي الفاسد، عن ذهن برد، وهوى متبع، وهو أقل من أن يرد. والبرهان على خلافه أظهر وأشهر، مما علم من امتثالهم أوامره بعده ﵊، وفتحهم الأقاليم
[ ١٨٢ ]
والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنوع القربات، في سائر الأحيان والأوقات، مع الشجاعة والبراعة، والكرم والإيثار، والأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك، فرضي الله عنهم أجمعين، ولعن من يتهم الصادق ويصدق الكاذبين. آمين يا رب العالمين.
وأفضل الصحابة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم االسلام: أبو بكر عبد الله بن عثمان " أبي قحافة " التيمي، خليفة رسول الله ﷺ وسمي الصديق لمبادرته إلى تصديق الرسول ﵊ قبل الناس كلهم، قال رسول الله ﷺ: " ما دعوت أحدًا إلأى الإيمان إلا كانت له كبوة، إلا أبا بكر، فإنه لم يتلعثم ". وقد ذكرت سيرته وفضائله ومسنده والفتاوي عنه، في مجلده على حدة، ولله الحمد.
ثم من بعده: عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب.
هذا رأي المهاجرين والأنصار. حين جعل عمر الأمر من بعده شورى بين ستة، فانحصر في عثمان وعلي، واجتهد فيهما عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها، حتى سأل النساء في خدورهن، والصبيان في المكاتب، فلم يرهم يعدلون بعثمان أحدًا، فقدمه على علي، وولاه الأمر قبله، ولهذا قال الدارقطني: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وصدق ﵁ وأكرمه مثواه، وجعل جنة الفردوس مأواه.
والعجب أن ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم علي على عثمان. ويحكى عن سفيان الثوري، لكن يقال أنه رجع عنه. ونقل مثله عن وكيع بن الجراح، ونصره ابن خزيمة والخطابي، وهو ضعيف مردود بما تقدم.
ثم بقية العشرة ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية.
[ ١٨٣ ]
وأما السابقون الأولون، فقيل: هم من صلى " إلى " القبلتين، وقيل أهل بدر، وقيل: بيعة الرضوان، وقيل غير ذلك والله أعلم.
[ ١٨٤ ]
" فرع ": قال الشافعي: روي عن رسول الله ﷺ ورآه من المسلمين نحو من ستين ألفًا. وقال أبو زرعة الرازي: شهد معه حجة الوداع أربعون ألفًا، وكان معه بتبوك سبعون ألفًا، وقبض ﵊ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة.
قال أحمد بن حنبل: وأكثرهم رواية ستة: أنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة.
[ ١٨٥ ]
" قلت ": وعبد الله بن عمرو، وأبو سعيد، وابن مسعود، ولكنه توفي قديمًا، ولهذا يعده أحمد بن حنبل في العبادلة، بل قال: العبادلة أربعة: عبد الله بن الزبير،
[ ١٨٨ ]
وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
" فرع ": وأول من أسلم من الرجال الأحرار: أبو بكر الصديق، وقيل: إنه أول من أسلم مطلقًا. ومن الولدان: علي، وقيل: إنه أول من أسلم مطلقًا، ولا دليل عليه من وجه يصح. ومن الموالي: زيد بن حارثة. ومن الأرقاء: بلال. ومن النساء: خديجة، وقيل: إنها أول من أسلم مطلقًا، وهو ظاهر السياقات في أول البعثة، وهو محكي عن ابن عباس والزهري وقتادة ومحمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي وجماعة، وادعى الثعلبي المفسر على ذلك الإجماع قال: وإنما الخلاف فيمن أسلم بعدها.
" فرع ": وآخر الصحابة موتًا أنس بن مالك. ثم أبو الطفيل عامر
[ ١٨٩ ]
ابن واثلة الليثي، قال علي بن المدني: وكانت وفاته بمكة فعلى هذا هو آخر من مات بها. ويقال: آخر من مات بمكة ابن عمر. وقيل: جابر، والصحيح أن جابرًا مات بالمدينة، وكان آخر من مات بها. وقيل: سهل ابن سعد. وقيل: السائب بن يزيد. وبالبصرة: أنس. وبالكوفة: عبد الله بن أبي أوفى. وبالشام: عبد الله بن بسر بحمص. وبدمشق: واثلة بن الأسقع. وبمصر: عبد الله بن الحارث بن جزء. وباليمامة: الهرماس بن زياد، وبالجزيرة: العرس بن عميرة. وأفريقية: رويفع بن ثابت. وبالبادية: سلمة ابن الأكوع. ﵃.
" فرع ": وتعرف صحبة الصحابة تارة بالتواتر، وتارة بأخبار مستفيضة، وتارة بشهادة غيره من الصحابة له، وتارة بروايته عن النبي ﷺ سماعًا أو مشاهدة مع المعاصرة.
فأما إذا قال المعاصر العدل: " أنا صحابي ": فقد قال ابن الحاجب في مختصره: احتمل الخلاف، يعني لأنه يخبر عن حكم شرعي، كما لو قال في الناسخ: " هذا ناسخٌ لهذا " لاحتمال خطأه في ذلك.
[ ١٩٠ ]
أما لو قال " سمعت رسول الله ﷺ قال كذا " أو: " رأيته فعل كذا "، أو " كنا عند رسول الله ﷺ "، ونحو هذا -: فهذا مقبول لا محالة، إذا صح السند إليه، وهو ممن عاصره ﷺ.
النوع الموفى أربعين
معرفة التابعين
قال الخطيب البغدادي: التابعي: من صحب الصحابي. وفي كلام الحاكم ما يقتضي إطلاق التابعي على من لقي الصحابي وروى عنه وإن لم يصحبه.
" قلت ": لم يكتفوا بمجرد رؤيته الصحابي، كما اكتفوا في إطلاق اسم الصحابي على من رآه ﵇. والفرق: عظمة وشرف رؤيته ﵇.
وقد قسم الحاكم طبقات التابعين إلأى خمسة عشر طبقة. فذكر أن أعلاهممن روى عن العشرة، وذكر منهم: سعيد بن المسيب، وقيس ابن أبي حازم، وقيس
[ ١٩١ ]
بن عباد، وأبا عثمان النهدي، وأبا وائل، وأبا رجاء العطاردي، وأبا ساسان حضين بن المنذر، وغيرهم. وعليه في هذا الكلام دخل كثير، فقد قيل: إنه لم يرو عن العشرة من التابعين سوى قيس بن أبي حازم. قاله ابن خراش. وقال أبو بكر بن أبي داود: لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف. والله أعلم.
وأما سعيد بن المسيب فلم يدرك الصديق، قولًا واحدًا لأنه ولد في خلافة عمر لسنتين مضتا أو بقيتا، ولهذا اختلف في سماعه من عمر، قال الحاكم: أدرك عمر فمن بعده من العشرة، وقيل: إنه لم يسمع من أحد من العشرة سوى سعد بن أبي وقاص، وكان آخرهم وفاة. والله أعلم.
قال الحاكم: وبين هؤلاء التابعين الذين ولدوا في حياة النبي ﷺ من أبناء الصحابة، كعبد الله بن أبي طلحة، وأبي إمامة أسعد بن سهل ابن حنيف، وأبي إدريس الخولاني.
" قلت ": أما عبد الله بن أبي طلحة فلما ولد ذهب به أخوه لأُمه أنس بن مالك إلى رسول الله ﷺ، فحنكه وبرك عليه، وسماه " عبد الله "، ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة، لمجرد الرؤيا ولقد عدوا فيهم محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد عند الشجرة وقت الإحرام بحجة الوداع، فلم يدرك من حياته ﷺ إلا نحوًا من مائة يوم ولم يذكروا أنه أحضر عند النبي صلى الله
[ ١٩٢ ]
عليه وسلم ولا رآه، فعبد الله ابن أبي طلحة أولى أن يعد في صغار الصحابة من محمد بن أبي بكر والله أعلم.
وقد ذكر الحاكم: النعمان؛ وسويدًا، ابني مقرن من التابعين، وهما صحابيان.
وأما المخضرمون، فهم: الذين أسلموا في حياة رسول الله ﷺ ولم يروه.
و" الخضرمة ": القطع فكأنهم قطعوا عن نظرائهم من الصحابة.
وقد عد منهم مسلم نحوًا من عشرين نفسًا، منهم: أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدي، وأبو الحلال العتكي، وعبد خير بن يزيد الخيْواني، وربيعة بن زرارة، قال ابن الصلاح: وممن لم يذكره مسلم: أبو مسلم الخولاني عبد الله ابن ثوب.
[ ١٩٣ ]
" قلت ": وعبد الله بن عُكيم، والأحنف بن قيس.
وقد اختلفوا في أفضل التابعين من هو؟ فالمشهور: أنه سعيد بن المسيب، قاله أحمد بن حنبل وغيره، وقال أهل البصرة: الحسن. وقال أهل الكوفة: علقمة، والأسود. وقال بعضهم: أو يس القرني.. وقال أهل مكة: عطاء بن أبي رباح.
وسيدات النساء من التابعين: حفصة بنت سيرين. وعمرة بنت عبد الرحمن، وأم الدرداء الصغرى. ﵃ أجمعين.
ومن سادات التابعين: الفقهاء السبعة بالحجاز، وهم: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، والسابع: سالم بن عبد الله بن عمر، وقيل أبو سلمة بن عد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام.
وقد عد علي بن المديني في التابعين من ليس منهم، كما أخرج آخرون منهم من هو معدود فيهم. وكذلك ذكروا في الصحابة من ليس صحابيًا كما عدوا جماعة من الصحابة فيمن ظنوه تابعيًا وذلك بحسب مبلغهم من العلم. والله الموفق للصواب.
[ ١٩٤ ]
النوع الحادي والأربعون
معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر
وقد يروي الكبير القدر أو السن أو هما عمن دونه في كل منهما أو فيهما.
ومن أجل ما يذكر في هذا الباب ما ذكره رسول الله ﷺ في خطبته عن تميم الداري مما أخبره به عن رؤية الدجال في تلك الجزيرة التي في البحر. والحديث في الصحيح. وكذلك في صحيح البخاري رواية معاوية بن أبي سفيان عن مالك ابن يُخامر عن معاذ، وهم بالشام، في حديث: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق.
[ ١٩٥ ]
قال ابن الصلاح وقد روى العبادلة عن كعب الأحبار.
" قلت ": وقد حكى عنه عمر، وعلي، وجماعة من الصحابة.
قد روى الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك، وهما من شيوخه وكذا روى عن عمرو بن شعيب جماعة من الصحابة والتابعين، قيل: عشرون، ويقال: بضع وسبعون. فاللع أعلم. ولو سردنا جميع ما وقع من ذلك لطال الفصل جدًا.
قال ابن الصلاح: وفي التنبيه على ذلك من الفائدة معرفة الراوي من المروي عنه. قال: وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نُنزل الناس منازلهم ".
[ ١٩٦ ]
النوع الثاني والأربعون
معرفة المدبج
وهو رواية الأقران سنًا وسندًا. واكتفى الحاكم بالمقارنة في السند، وإن تفاوتت الأسنان. فمتى روى كل منهما عن الآخر سمي " مدبجًا ". كأبي هريرة وعائشة، والزهري وعمر بن عبد العزيز، ومالك والأوزاعي، وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني، فما لم يرو عن الآخر لا يسمى " مدبجًا ". والله أعلم.
[ ١٩٧ ]
النوع الثالث والأربعون
معرفة الأخوة والأخوات من الرواة
وقد صنف في ذلك جماعة: منهم علي بن المديني، وأبو عبد الرحمن النسائي.
فمن أمثلة الأخوين: عبد الله بن مسعود وأخوه: عتبة، عمرو بن العاص وأخوه: هشام؛ وزيد بن ثابت وأخوه: يزيد. ومن التابعين: عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة وأخوه: أرقم، كلاهما من أصحاب ابن مسعود، ومن أصحابه أيضًا: هُزيل بن شرحبيل، وأخوه: أرقم.
ثلاثة إخوة: سهل وعباد وعثمان بنو حُنيف. عمرو بن شعيب وأخواه: عمر، وشعيب. وعبد الرحمن زيد بن أسلم وأخواه: أسامة، وعبد الله.
أربعة أخوة: سُهيل بن أبي صالح وأخوته: عبد الله - الذي يقال له عباد - ومحمد، وصالح.
خمسة أخوة: سفيان بن عُيينة وإخوته الأربعة إبراهيم، وآدم، وعمران، ومحمد. قال الحاكم: سمعت الحافظ أبي علي الحسين بن علي - يعني النيسابوري - يقول: كلهم حدثوا.
ستة أخوة: وهم محمد بن سيرين وأخوته: أنس، ومعبد، ويحيى، وحفصة، وكريمة. كذا ذكرهم النسائي ويحيى بن معين أيضًا، ولم يذكر الحافظ أبو علي النيسابوري فيهم، " كريمة " فعلى هذا يكونون من القسم الذي قبله، وكان معبد أكبرهم، وحفصة أصغرهم، وقد روى محمد بن سيرين عن اخيه يحيى عن أخيه أنس عن مولاهم أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " لبيك حقًا حقا، تعبدًا ورقا ".
[ ١٩٨ ]
ومثال سبعة أخوة: النعمان بن مقرن وأخوته: سنان، وسويد، وعبد الرحمن، وعقيل، ومعقل، ولم يسم السابع، هاجروا وصحبوا النبي ﷺ، ويقال: إنهم شهدوا الخندق كلهم، قال ابن عبد البر وغير واحد: لم يشاركهم أحد في هذه المكرمة.
" قلت ": وثمَّ سبعة أخوة صحابة، شهدوا كلهم بدرًا، لكنهم لأم، وهي عفراء بنت عبيد، تزوجت أولًا بالحارث بن رفاعة الأنصاري، فأولدها إياسًا وخالدًا وعاقلًا وعامرًا، ثم عادت إلى الحارث، فأولدها عونًا. فأربعة منهم أشقاء، وهم بنو البكير، وثلاثة أشقاء، وهم بنو الحارث، وسبعتهم شهدوا بدرًا مع رسول اله ﷺ، ومعاذ ومعوذ، ثم احتز رأسه وهو طريح عبد الله بن مسعود الهذلي ﵃.
النوع الرابع والأربعون
معرفة رواية الآباء عن الأبناء
وقد صنف فيه الخطيب كتابًا.
وقد ذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في بعض كتبه: أن أبا بكر الصديق روى عن ابنته عائشة. وروت عنها أمها أم رومان أيضًا.
[ ١٩٩ ]
قال: روى العباس عن ابنيه: عبد الله والفضل.
قال: وروى سليمان بن طرخان التيمي عن ابنه المعتمر بن سليمان.
وروى أبو داود عن ابنه أبي بكر بن أبي داود.
قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: وروى سفيان بن عُيينة عن وائل بن داود عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " أخروا الأحمال، فإن اليد مغلقة، والرجل موثقة " قال الخطيب: لا يعرف إلا من هذا الوجه.
قال: وروى أبو عمر حفص بن عمر الدوري المقرئ عن ابنه أبي جعفر محمد ستة حديثًا أو نحوها، وذلك أكثر ما وقع من رواية أب عن ابنه.
ثم روى الشيخ أبو عمر عن أبي المظفر عبد الرخيم بن الحافظ أبي سعد عن أبيه عن ابنه المظفر بسنده عن أبي إمامة مرفوعًا: " احضروا موائدكم البقل،
[ ٢٠٠ ]
فإنه مطردة للشيطان مع التسمية ". سكت عليه الشيخ أبو عمرو، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات، وأخلق به أن يكون كذلك.
ثم قال ابن الصلاح: وأما الحديث الذي رويناه عن أبي بكر الصديق عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال في الحبة السوداء: " شفاء من كل داء "، فهو غلط، إنما رواه أبو بكر عبد الله بن أبي عتيق، محمد ابن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن عائشة.
قال: ولا نعرف أربعة من الصحابة على نسق سوى هؤلاء: محمد ابن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة، ﵃. وكذلك قال ابن الجوزي وغير واحد من الأئمة.
" قلت ": ويلتحق بهم تقريبًا عبد الله بن الزبير: أمة أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وهو أسن وأشهر في الصحابة من محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر. والله أعلم.
قال ابن الجوزي: وقد روى حمزة والعباس عن ابن أخيهما رسول الله ﷺ.
وروى مُصعب الزبيري عن ابن أخيه الزبير بن بكَّار، وإسحاق ابن حنبل عن ابن أخيه أحمد بن محمد بن حنبل. وروى مالك عن ابن أخته إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس.
[ ٢٠١ ]
النوع الخامس والأربعون
رواية الأبناء عن الآباء
وذلك كثير جدًا. وأما رواية الابن عن أبيه عن جده، فكثيرة أيضًا، ولكنها دون الأول، وهذا كعمرو بن شعيب بن محمد عبد الله ابن عمرو عن أبيه، وهو شعيب، عن جده، عبد الله بن عمرو بن العاص، هذا هو الصواب، لا ما عداه، وقد تكلمنا على ذلك في مواضع في كتابنا التكميل، وفي الأحكام الكبير والصغير.
[ ٢٠٢ ]
ومثل: بَهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده معاوية. ومثل طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، وهو عمرو ابن كعب وقيل: كعب بن عمرو. واستقصاء ذلك يطول.
وقد صنف فيه الحافظ أبو نصر الوايلي كتابًا حافلًا، وزاد عليه بعض المتأخرين أشياء مهمة نفيسة.
وقد يقع في بعض الأسانيد فلان عن أبيه عن أبيه عن أبيه، وأكثر من ذلك، ولكنه قليل، وقل ما يصح منه. والله أعلم.
[ ٢٠٤ ]
النوع السادس والأربعون
معرفة رواية السابق واللاحق
وقد أفرد له الخطيب كتابًا. وهذا إنما يقع عند رواية الأكابر عن الأصاغر ثم يروي عن المروي عنه متأخر.
كما روى الزهري عن تلميذه مالك بن أنس، وقد توفي الزهري سنة أربع وعشرين ومائة، وممن روى عن مالك زكريا بن دويد الكندي، وكانت وفاته بعد وفاة الزهري بمائة وسبع وثلاثين سنة أو أكثر. قاله ابن الصلاح.
وهكذا روى البخاري عن محمد بن إسحاق السراج، وروى عن السراج أبو الحسن أحمد بن محمد الخفاف النيسابوري، وبين وفاتيهما مائة وسبع وثلاثون سنة، فإن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، وتوفي الخفاف سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. كذا قال ابن الصلاح.
" قلت ": وقد أكثر من التعرض لذلك شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي في كتابه " التهذيب ". وهو مما يتحلى به كثير من المحدثين، وليس من المهمات فيه.
[ ٢٠٥ ]
النوع السابع والأربعون
معرفة من لم يرو عنه إلا راو واحد
من صحابي وتابعي وغيرهم
ولمسلم بن الحجاج تصنيف في ذلك.
تفرد عامر الشعبي عن جماعة من الصحابة، منهم: عامر بن شهر، وعروة بن مُضرس، ومحمد بن صفوان الأنصاري، ومحمد بن صيفي الأنصاري، وقد قيل: إنهما واحد، والصحيح أنهما اثنان، ووهب ابن خَنْبَش، ويقال: هرم بن خنبش. والله أعلم.
وتفرد سعيد بن المسيب بن حزن بالرواية عن أبيه. وكذلك حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه وكذلك شُتير بن شكل بن حميد عن أبيه. وعبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه.
[ ٢٠٦ ]
وكذلك قيس بن أبي حازم، تفرد بالرواية عن أبيه، وعن دكين ابن سعد المزني، وصنابح بن الأعسر، ومرداس بن مالك الأسلمي. وكل هؤلاء صحابة.
قال ابن الصلاح: وقد ادعى الحاكم في الإكليل أن البخاري ومسلمًا لم يخرجا في صحيحهما شيئًا من هذا القبيل.
قال: وقد أنكر ذلك عليه، ونقض بما رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه، ولم يروه عنه غيره، وفي وفاة أبي طالب. وروى البخاري من طريق قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي حديث " يذهب الصالحون: الأول فالأول " وبراية الحسن عن عمرو ابن تغلب، ولم يرو عنه غيره، حديث: " إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه ". وروى مسلم حديث الأغر المزني: " إنه ليُغان على قلبي "، ولم يرو عنه غير أبي بردة. وحديث رفاعة بن عمرو، ولم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت، وحديث أبي رفاعة، ولم يرو عنه غير حميد بن هلال العدوي. وغير ذلك عندهما.
ثم قال ابن الصلاح: وهذا مصير منهما إلى أنه ترتفع الجهالة عن الراوي واحد عنه.
" قلت ": أما رواية العدل عن شيخ، فهل هي تعديل أم لا؟ في ذلك خلاف مشهور - ثالثها: إن اشترط العدالة في شيوخه، كما لك ونحوه، فتعديل، وإلا فلا.
[ ٢٠٧ ]
وإذا لم نقل أنه تعديل -: فلا تضر جهالة الصحابي، لأ، هم كلهم عدول، بخلاف غيرهم، فلا يصح ما استدرك به الشيخ أبو عمرو ﵀، لأن جميع من تقدم ذكرهم صحابة. والله أعلم.
أما التابعون: فقد تفرد - فيما نعلم - حماد بن سلمة عن أبي العُشراء الدارمي عن أبيه بحديث: " أما تكون الذكاة إلا في اللبة؟ فقال: أمالو طعنت في فخذها لأجزأ عنك ".
ويقال: إن الزهري تفرد عن نيف وعشرين تابعيًا. وكذلك تفرد عمرو بن دينار، وهشام بن عروة، وأبو إسحاق السبيعي، ويحيى ابن سعيد الأنصاري -: عن جماعة من التابعين.
وقال الحاكم: وقد تفرد مالك عن زهاء عشرة من شيوخ المدينة، لم يرو عنهم غيره.
النوع الثامن والأربعون
معرفة من له أسماء متعددة
فيظن بعض الناس أنهم أشخاص متعددة، أو يذكر ببعضها، أو بكنيته -: فيعتقد من لا خبرة له أنه غيره.
وأكثر ما يقع ذلك من المدلسين، يُغربون به على الناس، فيذكرون
[ ٢٠٨ ]
الرجل باسم ليس هو مشهورًا به، أو يكنونه، ليبهموه على من لا يعرفها، وذلك كثير.
وقد صنف الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري في ذلك كتابًا، وصنف الناس كتب الكُنى، وفيها إرشاد إلى إظهار تدليس المدلسين.
ومن أمثلة ذلك: محمد بن السائب الكلبي، وهو ضعيف، لكنه عالم بالتفسير وبالأخبار. فمنهم من يصرح باسمه هذا، ومنهم من يقول: حماد بن السائب، ومنهم من يكنيه بأبي النضر، ومنهم من يكنيه بأبي سعيد، قال ابن الصلاح: وهو الذي يروي عنه عطية العوفي التفسير، موهمًا أنه أبو سعيد الخدري.
وكذلك سالم أبو عبد الله المدني، المعروف بسبلان، الذي يروي عن أبي هريرة، ينسبونه في ولاءه إلى جهات متعددة. وهذا كثير جدًا، والتدليس أقسام كثيرة، كما تقدم. والله أعلم.
[ ٢٠٩ ]
النوع التاسع والأربعون
معرفة الأسماء المفردة
والكنى التي لا يكون منها في كل حرف سواه
وقد صنف في ذلك الحافظ أحمد بن هارون البرديجي وغيره ويوجد ذلك كثيرًا في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وغيره، وفي كتاب الإكمال لأبي نصر ماكولا كثيرًا.
وقد ذكر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح طائفة من الأسماء المفردة، منهم " أجمد " بالجيم " بن عجيان " على وزن " عُليان ": قال ابن الصلاح: ورأيته بخط ابن الفرات مخففًا على وزن " سُفيان "، ذكره ابن يونس في الصحابة. " أوسط بن عمرو البجلي " تابعي. " تدوم بن صبيح الكلاعي " عن تُبيع الحميري ابن امرأة كعب الأحبار. " جُبيب بن الحارث " صحابي. " جيلان بن فروة أبو الجلد الأخباري " تابعي. " الدجين بن ثابت أبو الغصن "، يقال " إنه جُحا، قال: ابن الصلاح: والأصح أنه غيره. "
[ ٢١٠ ]
زِر بن حبيش ". " سُعير بن الخمس ". " سندر الخصي "، مولى زنباع الجذامي، له صحبة. " شكل بن حميد " صحابي. " شمْغون " بالشين والغين المعجمتين " بن زيد أبور ريحانة " صحابي، ومنهم من يقول بالعين المهملة. " صُدي بن عجلان أبو أمامة " صحابي. " صُنا يج بن الأعسر ". " ضريب بن نقير بن سمير ": كلها بالتصغير.
[ ٢١١ ]
" أبو السليل القيسي البصري "، يروي عن معاذ. " عَزوان " بالعين المهملة " ابن السَّليل القيسي الرقاشي "، أحد الزهاد، تابعي. " كلدة بن حنبل " صحابي. " لُبي بن لبا " صحابي. " لملزة بن زبار ". " مُستمر بن الريان "، رأى أنسًا. " نُبيشة الخير " صحابي. " نوف البِكالي " تابعي. " وابِصة بن معبد " صحابي. " حبيب بن مغفل ". " همذان " بريد عمر بن الخطاب، بالدال المهملة، وقيل بالمعجمة.
[ ٢١٢ ]
وقال ابن الجوزي في بعض مصنفاته: " مسئلة " هل تعرفون رجلًا من المحدثين لا يوجد مثل أسماء آبائه؟ فالجواب: أنه مُسَدَّد بن مُسرْهد بن مُسربل بن مُغربل ابن مُطربل بن أرندل بن عرندل بن ماسك الأسدي.
قال ابن الصلاح: وأما الكنى المفردة فمنها: " أبو العبيدين "، واسمه " معاوية بن سبرة " من أصحاب ابن مسعود. " أبو العشراء الدارمي "، تقدم. " ابو المُدلة "، من شيوخ الأعمش وغيره، لا يعرف اسمه، وزعم أبو نعيم الأصبهاني أن اسمه " عبيد الله بن عبد الله المدني ". " أبو مراية العجلي ": " عبد الله بن عمرو "، تابعي. " أبو معيد ": " حفص
[ ٢١٣ ]
بن غيلان " الدمشقي عن مكحول.
" قلت ": وقد روي عنه نحو من عشرة، ومع هذا قال ابن حزم: هو مجهول، لأنه لم يطلع على معرفته ومن روى عنه، فحكم عليه بالجهالة قبل العلم به، كما جهل الترمذي صاحب الجامع، فقال: ومن محمد بن عيسى بن سَوْرة؟! ومن الكنى المفردة " أبو السنابل عبيد ربه بن بعكك ": رجل من بني عبد الدار صحابي، اسمه واسم أبيه وكنيته من الأفراد.
قال ابن الصلاح: وأما الأفراد من الألقاب فمثل " سفينة " الصحابي اسمه " مهران "، وقيل غير ذلك. " مندل بن علي العنزي ": اسمه " عمرو ". " سحنون سعيد " صاحب المدونة: اسمه " عبد السلام ". " مطين " " مشكدانة الجعفي "، في جماعة آخرين، سنذكرهم في نوع الألقاب إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
[ ٢١٤ ]
النوع الموفى خمسين
معرفة الأسماء والكنى
وقد صنف في ذلك جماعة من الحفاظ، منهم: علي بن المديني، ومسلم، والنسائي، والدرلابي، وابن مندة، والحاكم أبو أحمد الحافظ، وكتابه في ذلك مفيده جدًا كثير النفع.
وطريقتهم: أن يذكروا الكنية وينبهوا على اسم صاحبها، ومنهم من لا يعرف اسمه، ومنهم من يختلف فيه.
وقد قسمهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح إلى أقسام عدة: " أحدها ": من ليس له اسم سوى الكنية، كأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، أحد الفقهاء السبعة، ويكنى بأبي عبد الرحمن أيضًا. وهكذا أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني، يكنى بأبي محمد أيضًا. قال الخطيب البغدادي: ولا نظير لهما في ذلك، وقيل: لا كنية لابن حزم هذا.
وممن ليس له اسم سوى كنيته فقط: أبو بلال الأشعري شريك وغيره، وكذلك كان يقول: اسمي كنيتي. وأبو حصين ابن يحيى بن سليمان الرازي، شيخ أبي حاتم وغيره.
" القسم الثاني ": من لا يعرف بغير كنيته، ولم يوقف على اسمه، منهم:
[ ٢١٥ ]
" أبو أناس " بالنون الصحابي. " أبو مُويهبة " صحابي. " أبو شيبة " الخدري المدني، قتل في حصار القسطنطينية، ودفن هناك ﵀. " أبو الأبيض " عن أنس. " أبو بكر بن نافع " شيخ مالك. " أبو النَّجيب " بالنون مفتوحة، ومنهم من يقول بالتاء المثناة من فوق مضمومة، وهو مولى عبد الله بن عمرو. " أبو حرب بن أبي الأسود ". " أبو حريز الموقفي " شيخ ابن وهب. والموقف: محلة بمصر.
" الثالث ": من له كنيتان، إحداهما لقب، مثاله: علي بن أبي طالب، كنيته أبو الحسن، ويقال له " أبو تراب " لقبًا. " أبو الزناد " عبد الله بن ذكوان، يكنى بأبي عبد الرحمن، " أبو الزناد " لقب، حتى قيل: إنه كان يغضب من
[ ٢١٦ ]
ذلك. " أبو الرجال " محمد بن عبد الرحمن، يكنى بأبي عبد الرحمن، و" أبو الرجال " " محمد بن عبد الرحمن، يكنى بأبي عبد الرحمن، و" أبو الرجال " لقب له، لأنه كان له عشرة أولاد رجال. " أبو تُميلة "، يحيى بن واضح، كنيته أبو محمد. " أبو الآذان " الحافظ عمر بن إبراهيم. يكنى بأبي بكر، ولقب بأبي الآذان لكبر أذنيه. " أبو الشيخ " الأصبهاني الحافظ، هو عبد الله بن محمد وكنيته أبو محمد، و" أبو الشيخ " لقب " أبو حازم " العبدري الحافظ، عمر بن أحمد، كنيته أبو حفص، و" أبو حازم " لقب. قاله الفلكي في الألقاب.
" الرابع ": من له كنيتان، كابن جريج، كان يكنى بأبي خالد، وبأبي الوليد، وكان عبد الله العمري يكنى بأبي القاسم، فتركها واكتنى بأبي عبد الرحمن.
" قلت ": وكان السهيلي يكنى بأبي القاسم وبأبي عبد الرحمن.
قال ابن الصلاح: وكان لشيخنا منصور بن أبي المعالي النيسابوري، حفيد الفراوي ثلاث كنى: أبو بكر، وأبو الفتح، وأبو القاسم. والله أعلم.
" الخامس ": من له اسم معروف، ولكن اختلف في كنيته، فاجتمع له كنيتان وأكثر، مثاله: زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ، وقد اختلف في كنيته، فقيل: أبو خارجة، وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد. وهذا كثير يطول استقصاؤه.
" السادس ": من عرفت كنيته واختلف في اسمه، كأبي هريرة ﵁: اختلف في اسمه واسم أبيه على أزيد من عشرين قولًا، واختار ابن إسحاق أنه عبد الرحمن بن صخر، وصحح ذلك أبو أحمد الحاكم. وهذا كثير في الصحابة فمن بعدهم.
" أبو بكر عيَّاش " اختلف في اسمه على أحد عشر قولًا، وصحح
[ ٢١٧ ]
أبو زرعة وابن عبد البر أن اسمه " شعبة "، ويقال: إن اسمه كنيته، ورجحه ابن الصلاح، قال: لأن روي عنه أنه كان يقول ذلك.
" السابع ": من اختلف في اسمه وفي كنيته، وهو قليل، كسفينة، قيل: اسمه مهران، وقيل: عمير، وقيل: صالح، وكنيته، قيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو البختري.
" الثامن ": من اشتهر باسمه وكنيته، كالأئمة الأربعة: أبو عبد الله مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو حنيفة: النعمان ن ثابت. وهذا كثير.
" التاسع ": من اشتهر بكنيته دون اسمه، وكان اسمه معينًا معروفًا كأبي إدريس الخولاني عائذ الله بن عبد الله. أبو مسلم الخولاني: عبد الله بن ثوب. أبو إسحاق السبيعي: عمر بن عبد الله. أبو الضحى مسلم بن صبيح. أبو الأشعث الصنعاني: شراحيل بن آدة. أبو حازم: سلمة بن دينار. وهذا كثير جدًا.
[ ٢١٨ ]
النوع الحادي والخمسون
معرفة من اشتهر بالاسم دون الكنية
وهذا كثير جدًا، وقد ذكر الشيخ أبو عمرو ممن يكنى بأبي محمد جماعة من الصحابة، منهم: الأشعث بن قيس، وثابت بن قيس، وجبير ابن مطعم، والحسن بن علي، وحُويطب بن عبد العزى، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن بحينة، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن ثعلبة ابن صعير، وعبد الله بن زيد صاحب الأذان، وعبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن عوف، وكعب بن مالك، ومعقل بن سنان.
وذكر من يكنى منهم بأبي عبد الله وبأبي عبد الرحمن.
ولو تقصينا ذلك لطال الفصل جدًا. وكان ينبغي أن يكون هذا النوع قسمًا عاشرًا من الأقسام المتقدمة في النوع قبله.
[ ٢١٩ ]
النوع الثاني والخمسون
معرفة الألقاب
وقد صنف في ذلك غير واحد، منهم: أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، وكتابه في ذلك مفيد كثير النفع. ثم أبو الفضل ابن الفلكي الحافظ.
وفائدة التنبيه على ذلك: أن لا يظن أن هذا اللقب لغير صاحب الاسم.
وإذا كان اللقب مكروهًا إلى صاحبه فإنما يذكره أئمة الحديث على سبيل التعريف والتمييز، لا على وجه الذم واللمز والتنابز. والله موفق للصواب.
قال الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري: رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان: معاوية بن عبد الكريم " الضال "، وإنما ضل في طريق مكة. وعبد الله بن محمد " الضعيف "، وإنما كان ضعيفًا في جسمه، لا في حديثه.
قال ابن الصلاح: وثالث، وهو " عارم " أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وكان عبدًا صالحًا بعيدًا من العرامة، والعارم: الشرير المفسد.
" غُندَر ": لقب لمحمد بن جعفر البصري الراوي عن شعبة، ولمحمد بن جعفر الرازي، روى عن أبي حاتم الرازي، ولمحمد بن جعفر البغدادي الحافظ الجوال شيخ الحافظ أبي نعيم الأصبهاني وغيره. ولمحمد بن جعفر بن دُران البغدادي، روى عن أبي خليفة الجمحي، ولغيرهم.
" غُنجار ": لقب لعيسى بن موسى التميمي أبي أحمد البخاري، وذلك لحمرة وجنته، روى عن مالك والثوري وغيرهما. و" غُنجار " آخر متأخر،
[ ٢٢٠ ]
وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد البخاري الحافظ، صاحب تاريخ بُخارى، توفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
" صاعقة ": لُقب به محمد بن عبد الرحيم شيخ البخاري، لقوة حفظه وحسن مذاكرته.
" شباب ": هو خليفة بن خياط المؤرخ.
" زُنيج ": محمد بن عمرو الرازي، شيخ مسلم.
" رسته ": عبد الرحمن بن عمر.
" سُنيد ": هو الحسين بن داود المفسر.
" بندار ": محمد بن بشار شيخ الجماعة، لأنه كان بندار الحديث.
" قيصر ": لقب أبي النضر هاشم بن القاسم شيخ الإمام أحمد ابن حنبل.
" الأخفش ": لقب لجماعة، منهم: أحمد بن عمران البصري النحوي، روى عن زيد بن الحباب، وله غريب الموطأ.
قال ابن الصلاح: وفي النحويين أخافش ثلاثة مشهورون، أكبرهم: أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، وهو الذي ذكره سيبويه في كتابه المشهور، والثاني: أبو الحسن سعيد بن مسعدة، راوي كتاب سيبويه عنه، والثالث:
[ ٢٢١ ]
أبو الحسن علي بن سليمان، تلميذ أبوي العباس أحمد بن يحيى " ثعلب "، ومحمد بن يزيد " المُب؟ رد ".
" مربع ": لقب لمحمد بن إبراهيم الحافظ البغدادي.
" جزرة ": صالح بن محمد الحافظ البغدادي.
" كيلجة ": محمد بن صالح البغدادي أيضًا.
" ماغم ": علي بن الحسن بن عبد الصمد البغدادي الحافظ، ويقال: علان ماغم " فيجمع له بين لقبين.
" عبيدٌ العجل ": لقب أبي عبد الله الحسين بن محمد بن حاتم البغدادي الحافظ أيضًا.
قال ابن الصلاح: وهؤلاء البغداديون الحفاظ كلهم من تلامذة يحيى بن معين وهو الذي لقبهم بذلك.
" سجادة ": الحسن بن حماد، من أصحاب وكيع، والحسين بن أحمد، شيخ ابن عدي.
[ ٢٢٢ ]
" عبدان ": لقب جماعة، فمنهم: عبد الله بن عثمان، شيخ البخاري.
فهؤلاء ممن ذكره الشيخ أبو عمرو، واستقصاء ذلك يطول جدًا. والله أعلم.
النوع الثالث والخمسون
معرفة المؤتلف والمختلف
في الأسماء والأنساب وما أشبه ذلك
ومنه ما تتفق في الخط صورته، وتفترق في اللفظ صيغته.
قال ابن الصلاح: وهو فنٌ جليل، ومن لم يعرفه من المحدثين كثر عثارة، ولم يعدم مخجلًا. وقد صنف فيه كتب مفيدة، من أكملها الإكمال لابن ماكولا، على إعواز فيه.
" قلت ": قد استدرك عليه الحافظ عبد الغني بن نقطة كتابًا قريبًا من الإكمال فيه فوائد كثيرة. وللحافظ أبي عبد الله البخاري - من المشايخ المتأخرين - كتاب مفيد أيضًا في هذا الباب.
ومن أمثلة ذلك " سلام سلام "، " عُمارة، وعِمارة "، " حِزام،
[ ٢٢٣ ]
حَرام "، " عباس، عياش "، " غنام، عثام "، " بشار، يسار "، " بشر، بُسر "، " بشير، يُسير، نُسير "، " حارثة، جارية "، " جرير، حريز "، " حبان، حيان "، " رباح،
[ ٢٢٤ ]
رِياح "، " سُريج، شُريح "، " عَباد، عُباد ". ونحو ذلك.
وكما يقال: " العنسي، والعيشي، والعبسي "، " الحمال، والجمال "، " الخياط، والحناط، والخباط "، " البزار، والبزاز "، " الأبُلي، والأيلي "،
[ ٢٢٥ ]
" البصري والنصري "، " الثوري والتوز "، " الجُريري، والجَريري، والحريري "، " السَّلمي، والسُّلمي "، " الهمداني، والهمذاني "، وما أشبه ذلك، وهو كثير.
وهذا إنما يضبط بالحفظ محررًا في مواضعه، والله تعالى المعين الميسر، وبه المستعان.
[ ٢٢٦ ]
النوع الرابع والخمسون
معرفة المتفق والمفترق
من الأسماء والأنساب
وقد صنف فيه الخطيب كتابًا حافلًا.
وقد ذكره الشيخ أبو عمرو أقسامًا: " أحدها " أن يتفق اثنان أو أكثر في الاسم واسم الأب.
مثاله: " الخليل بن أحمد " ستة، أحدهم: النحوي البصري، وهو أول من وضع علم العروض، قالوا: ولم يسم أحد بعد النبي ﷺ بأحمد قبل أبي الخليل بن أحمد، إلا أبا السفر سعيد بن أحمد، في قول ابن معين، وقال غيره: سعيد بن يحمد. فالله أعلم.
الثاني: أبو بشر المزني، بصري أيضًا، روى عن المستنير بن أخضر عن معاوية بن قرة، وعنه عباس العنبري وجماعة.
[ ٢٢٧ ]
والثالث: أصبهاني، روى عن روح بن عبادة وغيره.
والرابع: أبو سعيد السجزي: القاضي الفقيه الحنفي المشهور بخراسان. روى عن ابن خُزيمة وطبقته.
الخاامس: أبو سعيد البستي القاضي، حدث عن الذي قبله، وروى عن البيهقي.
السادس: أبو سعيد البستي أيضًا، شافعي، أخذ عن الشيخ أبي حامد الإسفرائيني، دخل بلاد الأندلس.
" القسم الثاني ": " أحمد بن جعفر بن حمدان " أربعة: القطيعي، والبصري، والدينوري، والطرسوسي.
" محمد بن يعقوب بن يوسف " اثنان من نيسابور: أبو العباس الأصم، وأبو عبد الله بن الأخرم.
" الثالث ": " أبو عمران الجوني " اثنان: عبد الملك بن حبيب، تابعي، وموسى بن سهل، يروي عن هشام بن عروة.
" أبو بكر بن عياش " ثلاثة: القارئ المشهور، والسلمي الباجدائي صاحب غريب الحديث، توفي سنة أربع ومائتين، وآخر حمصي مجهول.
[ ٢٢٨ ]
" الرابع ": " صالح بن أبي صالح " أربعة.
" الخامس ": " محمد بن عبد الله الأنصاري " اثنان: أحدهما المشهور صاحب الجزء، وهو شيخ البخاري، والآخر ضعيف، يكنى بأبي سلمة.
وهذا باب واسع كبير، كثير الشعب، يتحرر بالعمل والكشف عن الشيء في أوقاته.
النوع الخامس والخمسون
نوع يتركب من النوعين قبله
وللخطيب البغدادي فيه كتابه الذي وسمه بتلخيص المتشابه في الرسم.
مثاله: " موسى بن علي " بفتح العين، حماعة، " موسى بن علي " بضمها، مصري يروي عن التابعين.
ومنه " المُخرَّمي ".
ومنه " ثَور بن يزيد الحمصي "، و" ثور بن زيد الديلي الحجازي " و" أبو عمر الشيباني " النحوي، إسحاق بن مرار، و" يحيى
[ ٢٢٩ ]
بن أبي عمرو السيَّباني ".
" عمرو بن زًرارة النيسابوري " شيخ مسلم، و" عمرو بن زرارة " الحدثي يروي عنه أبو القاسم البغوي.
النوع السادس والخمسون
في صنف آخر مما تقدم
ومضمونه في المتشابهين في الاسم واسم الأب أو النسبة، مع المفارقة في المقارنة، هذا متقدم وهذا متأخر.
مثاله: " يزيد بن الأسود " خُزاعي صحابي، و" يزيد بن الأسود " الجُرشي، أدرك الجاهلية وسكن الشام، وهو الذي استسقى به معاوية.
وأما " الأسود بن يزيد "، فذاك تابعي من أصحاب ابن مسعود.
" الوليد بن مسلم " الدمشقي، تلميذ الأوزاعي، شيخ الإمام أحمد، ولهم آخر بصري تابعي.
[ ٢٣٠ ]
فأما " مسلم بن الوليد رباح " فذاك مدني، يروى عنه الدراوردي وغيره. وقد وهم البخاري في تسميته له في تاريخه " بالوليد بن مسلم ". والله أعلم.
" قلت ": وقد اعتنى شيخنا الحافظ المزي في تهذيبه ببيان ذلك، وميز المتقدم والمتأخر من هؤلاء بيانًا حسنًا، وقد زدت عليه أشياء حسنة في كتابي " التكميل ". ولله الحمد.
النوع السابع والخمسون
معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم
وهم أقسام: " أحدها ": المنسوبون إلى أمهاتهم. كمعاذ ومُعوذ، ابني " عفراء "، وهما اللذان أثبتا أبا جهل يوم بدر، وأمهم هذه عفراء بنت عُبيد، وأبوهم الحرث بن رفاعة الأنصاري. ولهم آخر شقيق لهما: " عَوذ "، ويقال: " عون " وقيل: " عوف ". فالله أعلم.
بلال بن " حمامة " المؤذن، أبوه رباح.
ابن " أم مكتوم " الأعمى المؤذن أيضًا، وقد كان يؤم أحيانًا عن رسول الله ﷺ في غيبته، قيل: اسمه عبد الله بن زائدة، وقيل: عمرو ابن قيس، وقيل غير ذلك.
عبد الله بن " الُّتبيَّة " وقيل: " الأتْبية " صحابي.
[ ٢٣١ ]
سُهيل ابن " بيضاء " وأخواه منها: سهل وصفوان، واسم بيضاء " دعد " واسم أبيهم وهب.
شُرحبيل ابن " حسنة " أحد أمراء الصحابة على الشام، هي أمه، وأبوه عبد الله بن المطاع الكندي.
عبد الله بن " بحينا "، وهي أمه، وأبوه: مالك بن القشب الأسدي.
سعد ابن " حبته " هي أمه، وأبوه بُجير بن معاوية.
ومن التابعين فمن بعدهم: محمد بن " الحنفية "، واسمها " خولة "، وأبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
إسماعيل بن عُلية، هي أمه، وأبوه إبراهيم، وهو أحد أئمة الحديث والفقه ومن كبار الصالحين.
" قلت ": فأما ابن عُلية الذي يعزو إليه كثير من الفقهاء، فهو إسماعيل بن إبراهيم هذا، وقد كان مبتدعًا يقول بخلق القرآن.
[ ٢٣٢ ]
ابن " هَرَاسة " هو ابن إسحاق ابن هَرَاسة، قال الحافظ عبد الغني ابن سعيد المصري: هي أمه، واسم أبيه " سَلمة ".
ومن هؤلاء من قد ينسب إلأى جدته، كيعلى ابن " مُنية "، قال الزبير بن بكار: هي أم أبيه " أمية ".
وبشير ابن " الخَصاصية ": اسم أبيه " معبد "، " والخصاصية " أم جده الثالث.
قال الشيخ أبو عمرو: ومن أحدث ذلك عهدًا شيخنا أبو أحمد عبد الوهاب بن علي البغدادي، يعرف بابن " سُكينة "، وهي أم أبيه.
" قلت ": وكذلك شيخنا العلامة " أبو العباس ابن تيمية "، هي أم أحد أجداده الأبعدين، وهو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحرَّاني.
ومنهم من ينسب إلى جده، كما قال النبي ﷺ يوم حنين وهو راكب على البغلة يركضها إلى نحو العدو، وهو ينوه باسمه يقول: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " وهو: رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
وكأبي عُبيدة بن الجراح، وهو: عامر بن عبد الله بن الجرَّاح الفهري، أحد العشرة، وأول من لقب بأمير الأمراء بالشام، وكانت ولايته بعد خالد بن الوليد، ﵄.
[ ٢٣٣ ]
مُجمَّع ابن جارية، هو: مجمع بن يزيد ابن جارية.
ابن جُريج، هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج.
ابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب.
أحمد بن حنبل، هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أحد الأئمة.
أبو بكر بن أبي شيبة، هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم ابن عثمان العبسي، صاحب المصنف، وكذا أخواه: عثمان الحافظ، والقاسم.
أبو سعيد بن يونس صاحب تاريخ مصر، هو: عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن الأعلى الصدفي.
وممن نسب إلى غير أبيه: المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو بم ثعلبة الكندي البهراني، و" الأسود " هو: ابن عبد يغوث الزهري، وكان زوج أمه، وهو ربيبه، فتبناه، فنسب إليه.
الحسن بن دينار، هو: الحسن بن واصل، و" دينار " زوج أمه، وقال ابن أبي حاتم: الحسن بن دينار بن واصل.
النوع الثامن والخمسون
في النسب التي على خلاف ظاهرها
وذلك: كأبي مسعود عُقبة بن عمرو " البدري ": زعم البخاري أنه ممن شهد بدرًا، وخالفه الجمهور، قالوا: إنما سكن بدرًا فنُسب إليها.
[ ٢٣٤ ]
سليمان بن طرخان " التيمي ": لم يكن منهم، وإنما نزل فيهم، فنسب إليهم، وقد كان من موالي بني مرة.
أبو خالد " الدَّالاني ": بطن من همدان، نزل فيهم أيضًا، وإنما كان من موالي بني أسد.
إبراهيم بن يزيد " الخُوزي ": إنما نزل شعب الخُوز بمكة.
عبد الملك بن أبو سليمان " العرزمي ": وهم بطن من فزازة، نزل في جبانتهم بالكوفة.
محمد بن سنان " العَوَقي ": بطن من عبد القيس، وهو باهلي، لكنه نزل عندهم بالبصرة.
أحمد بن يوسف " السُّلمي ": شيخ مسلم، هو أزدي، ولكنه نُسب إلى قبيلة أمه. وكذلك حفيده: أبو عمرو إسماعيل بن نُجيد " السلمي ". حفيد هذا: أبو عبد الرحمن " السلمي " الصوفي.
[ ٢٣٥ ]
ومن ذلك: مقسم " مولى ابن عباس ": لزومه له، وإنما هو مولى لعبد الله بن الحارث بن نوفل.
وخالد " الحَذَّاء ": إنما قيل له ذلك لجلوسه عندهم.
ويزيد " الفقير ": لأنه كان يألم من فقار ظهره.
النوع التاسع والخمسون
في معرفة المبهمات
من أسماء الرجال والنساء
وقد صنف في ذلك الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، والخطيب البغدادي، وغيرهما.
وهذا إنما يستفاد من رواية أخرى من طرق الحديث، كحديث ابن عباس: " أن رجلًا قال: يا رسول الله، الحج كل عام؟ ". هو الأقرع بن حابس، كما جاء في رواية أخرى، وحديث أبي سعيد: " أنهم مروا بحي لُدغ سيدهم، فرقاه رجل منهم ". هو أبو سعيد نفسه. في أشباه لهذا كثيرة يطول ذكرها.
وقد اعتنى ابن الأثير في أواخر كتابه " جامع الأصول " بتحريرها، واختصر الشيخ محيي الدين النووي كتاب الخطيب في ذلك.
وهو فن قليل الجدوى بالنسبة إلى معرفة الحكم من الحديث، ولكنه شيء يتحلى به كثير من المحدثين وغيرهم.
[ ٢٣٦ ]
وأهم ما فيه ما رفع إبهامًا في إسناد كما إذا ورد في سند: عن فلان ابن فلان، أو عن أبيه، أو عمه، أو أمه: فوردت تسمية هذا المبهم من طريق أخرى، فإذا هو ثقة أو ضعيف، أو ممن يُنظر في أمره، فهذا أنفع ما في هذا.
النوع الموفى ستين
معرفة وفيات الرواة
ومواليدهم ومقدار أعمارهم
ليُغرف من أركهم ممن لم يدركهم: من كذاب أو مدلس، فيتحرر المتصل والمنقطع وغير ذلك.
قال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التأريخ.
وقال حفص بن غياث: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين.
وقال الحاكم: لما قدم علينا محمد بن حاتم الكشي فحدث عن عبد ابن حُميد، سألته عن مولده؟ فذكر أنه وُلد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا: إنه يزعم أنه سمع منه بعد موته بثلاث عشرة سنة.
قال ابن الصلاح: شخصان من الصحابة عاش كل منهما ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام، وهما حكيم بن حزام، وحسَّان بن ثابت، ﵄. وحكي عن ابن إسحق: أن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام: عاش كل منهم مائة وعشرين سنة. قال الحافظ أبو نعيم: ولا يُعرف هذا لغيرهم من العرب.
[ ٢٣٧ ]
" قلت ": قد عُمر جماعة من العرب أكثر من هذا، وإنما أراد أن أربعة نسقًا يعيش كل منهم مائة وعشرين سنة، لم يتفق هذا في غيرهم.
وأما سلمان الفارسي، فقد حكى العباس بن يزيد البحراني الإجماع على أنه عاش مائتين وخمسين سنة، واختلفوا فيما زاد على ذلك إلأى ثلاثمائة وخمسين سنة.
وقد أورد الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ وفيات أعيان من الناس! رسول الله ﷺ: توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، على المشهور، يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة.
وأبو بكر: عن ثلاث وستين أيضًا، في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة.
وعُمر: عن ثلاث وستين أيضًا، في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
" قلت ": وكان عُمر أول من أرخ التأريخ الإسلامي بالهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، كما بسطنا ذلك في سيرته وفي كتابنا التأريخ، وكان أمره بذلك في سنة ست عشرة من الهجرة.
وقتل عثمان بن عفان وقد جاوز الثمانين، وقيل: قد بلغ التسعين، في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
وعلي: في رمضان سنة أربعين، عن ثلاث وستين في قول.
وطلحة والزبير: قتلا يوم الجمل سنة ست وثلاثين، قال الحاكم: وسن كل منهما أربع وستون سنة.
[ ٢٣٨ ]
وتوفي سعد عن ثلاث وسبعين: سنة خمس وخمسين، وكان آخر من توفي من العشرة.
وسعيد بن زيد: سنة إحدى وخمسين، وله ثلاث أو أربع وسبعون.
وعبد الرحمن بن عوف عن خمس وسبعين: سنة اثنتين وثلاثين.
وأبو عبيدة: سنة ثماني عشرة، وله ثمانون وخمسون، ﵃ أجمعين.
" قلت ": وأما العبادلة: فعبد الله بن عباس: سنة ثمان وستين، وابن عمر وابن الزبير: في سنة ثلاث وسبعين، وعبد الله بن عمرو: سنة سبع وستين. وأما عبد الله بن مسعود فليس منهم، قاله أحمد بن حنبل، خلافًا للجوهري حيث عده منهم، وقد كانت وفاته سنة إحدى وثلاثين.
قال ابن الصلاح: " الثالث " أصحاب المذاهب الخمسة المتبوعة.
سفيان الثوري: توفي بالبصرة، سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة.
وتوفي مالك بن أنس بالمدينة، سنة تسع وسبعين ومائة، وقد جاوز الثمانين.
وتوفي أبو حنيفة ببغداد، سنة خمسين ومائة، وله سبعون سنة.
وتوفي الشافعي محمد بن إدريس بمصر، سنة أربع ومائتين، عن أربع وخمسين سنة.
وتوفي أحمد بن حنبل ببغداد، سنة إحدى وأربعين ومائتين، عن سبع وسبعين سنة.
" قلت ": وقد كان أهل الشام على مذهب الأوزاعي نحوًا من مائتي سنة،
[ ٢٣٩ ]
وكانت وفاته سنة سبع وخمسين ومائة، ببيروت من ساحل الشام، وله من العمر سبعون سنة.
وكذلك إسحاق بن راهويه قد كان إمامًا متَّبعًا، له طائفة يقلدونه ويجتهدون على مسلكه، يقال لهم: الإسحاقية، وقد كانت وفاته سنة ثمان وثلاثين ومائتين، عن سبع وسبعين سنة.
قال ابن الصلاح: " الرابع " أصحاب كتب الحديث الخمسة: البخاري: ولد سنة أربع وتسعين ومائة، ومات ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، بقرية يقال لها خرْتنك.
ومسلم بن الحجاج: توفي سنة إحدى وستين ومائتين، عن خمس وخمسين سنة.
أبو داود: سنة خمس وسبعين ومائتين.
الترمذي: بعده بأربع سنين سنة تسع وسبعين.
أبو عبد الرحمن النسائي: سنة ثلاث وثلاثمائة.
" قلت ": وأبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، صاحب السنن التي كُمِل بها الكتب الستة: السنن الأربعة بعد الصحيحين، التي اعتنى بأطرافها
[ ٢٤٠ ]
الحافظ ابن عساكر، وكذلك شيخنا الحافظ المزي اعتنى برجالها وأطرافها، وهو كتاب قوي التبويب في الفقه، وقد كانت وفاته سنة ثلاث وسبعين ومائتين. ﵏.
قال: " الخامس ": سبعة من الحفَّاظ انتفع بتصانيفهم في أعصارنا: أبو الحسن الدارقطني: توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، عن تسع وسبعين سنة.
الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: توفي في صفر سنة خمس وأربعمائة، وقد جاوز الثمانين.
عبد الغني بن سعيد المصري: في صفر سنة تسع وأربعمائة بمصر، عن سبع وسبعين سنة.
الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: سنة ثلاثين وأربعمائة، وله ست وتسعون سنة.
ومن الطبقة الأخرى: الشيخ أبو عمر النَّمري: توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة، عن خمس وتسعين سنة.
ثم أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: توفي بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، عن أربع وسبعين سنة.
[ ٢٤١ ]
ثم أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي: توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة، عن إحدى وسبعين سنة.
" قلت ": وقد كان ينبغي أن يذكر مع هؤلاء جماعة اشتهرت تصانيفهم بين الناس، ولا سيما عند أهل الحديث: كالطبراني: وقد توفي سنة ستين وثلاثمائة، صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها.
والحافظ أبي يعلى الموصلي: توفي سنة سبع وثلاثمائة.
والحافظ أبي بكر البزَّاز: توفي سنة اثنين وتسعين ومائتين.
وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خُزيمة: توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، صاحب الصحيح.
وكذلك أبو حاتم محمد بن حِبَّان البُستي، صاحب الصحيح أيضًا، وكانت وفاته سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
والحافظ أبو حمد بن عِدي، صاحب الكامل، توفي سنة سبع وستين وثلاثمائة.
النوع الحادي والستون
معرفة الثقاة والضعفاء
من الرواة وغيرهم
وهذا الفن من أهم العلوم وأعلامها وأنفعها، إذ أنه تعرف صحة سند الحديث من ضعفه.
وقد صنف الناس في ذلك قديمًا وحديثًا كتبًا كثيرة: من أنفعها كتاب ابن أبي حاتم. ولابن حِبَّان كتابان نافعان: أحدهما في الثقاة، والآخر في الضعفاء. وكتاب الكامل لابن عدي.
والتواريخ المشهورة، ومن أجلها: تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب: وتاريخ دمشق للحافظ أبي القاسم بن عساكر. وتهذيب شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي. وميزان شيخنا الحافظ أبي عبد الله الذهبي.
[ ٢٤٢ ]
وقد جمعت بينهما. وزدت في تحرير الجرح والتعديل عليهما، في كتاب، وسميته " التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل ". وهو من أنفع شيء للفقيه البارع، وكذلك للمحدث.
وليس الكلام في جرح الرجال على وجه النصيحة لله ولرسوله ولكتابه والمؤنين: بغيبة، بل يُثاب بتعاطي ذلك إذا قصد به ذلك.
وقد قيل ليحيى بن سعيد القطَّان: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خُصماءك يوم القيامة؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون رسول الله ﷺ خصمي يومئذ، يقول لي: لم لم تَذب الكذب عن حديثي؟.
وقد سمع أبو تراب النخشبي أحمد بن حنبل وهو يتكلم في بعض الرواة فقال له: أتغتاب العلماء؟! فقال له: ويحك! هذا نصيحة، ليس هذا غيبة.
ويقال: إن أول من تصدى للكلام في الرواة شعبة بن الحجاج، وتبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم تلامذته: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وعمرو بن الفلاَّس، وغيرهم.
وقد تكلم في ذلك مالك، وهشام بن عروة، وجماعة من السلف.
وقد قال ﵊: " الدين النصيحة ".
وقد تكلم بعضهم في غيره فلم يعتبر، لما بينهما من العداوة المعلومة.
وقد ذكرنا من أمثلة ذلك: كلام محمد بن إسحاق في الإمام مالك، وكذا كلام مالك فيه، وقد وسع السهيلي القول في ذلك، وكذلك كلام النسائي في أحمد بن صالح المصري حين منعه من حضور مجلسه.
[ ٢٤٣ ]
النوع الثاني والستون
معرفة من اختلط في آخر عمره
إما الخوف أو ضرر أو مرض أو عرض: كعبد الله بن لهيعة، لما ذهبت كتبه اختلط في عقله، فمن سمع من هؤلاء قبل اختلاطهم قُبلت روايتهم، ومن سمع بعد ذلك أو شكَّ في ذلك لم تقبل.
وممن اختلط بأخرة: عطاء بن السائب، وأبو إسحاق السَّبيعي، قال الحافظ أبو يعلى الخليلي: وإنما سمع ابن عُيينة منه بعد ذلك. وسعيد بن أبي عُروبة، وكان سماع وكيع والمعافى بن عمران منه بعد اختلاطه. والمسعودي، وربيعة، وصالح مولى التَّوأمة، وحصين ابن عبد الرحمن، قاله النسائي. وسفيان بن عيينة قبل موته بسنتين، قاله يحيى القطان. وعبد الوهاب الثقفي، قاله ابن معين. وعبد الرزاق ابن همَّام، قال أحمد بن حنبل: اختلط بعدما عَمي، فكان يُلقن، فيتلقن فمن سمع منه بعدما عمي فلا شيء.
قال ابن الصلاح: وقد وجدت فيما رواه الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري عن عبد الرزاق أحاديث منكرة، فلعل سماعه كان منه بعد اختلاطه. وذكر إبراهيم الحربي أن الدبري كان عمره حين مات عبد الرزاق ست أو سبع سنين. وعارم اختلط بأخَرَة.
وممن اختلط ممن بعد هؤلاء أبو قلابة الرقاشي، وأبو أحمد الغطريفي، وأبو بكر
[ ٢٤٤ ]
بن مالك القطيعي، خَرِف حتى كان لا يدري ما يقرأ.
النوع الثالث والستون
معرفة الطبقات
وذلك أمر اصطلاحي: فمن الناس من يرى الصحابة كلهم طبقة واحدة، ثم التابعون بعدهم كذلك.
ويستشهد على هذا بقوله ﵇: " خيرُ القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " فذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.
ومن الناس من يقسم الصحابة إلى طبقات، وكذلك التابعين فمن بعدهم.
ومنهم من يجعل كل قرن أربعين سنة.
ومن أجل الكتب في هذا طبقات محمد بن سعيد كاتب الواقدي. وكذلك كتاب التاريخ لشيخنا العلامة أبي عبد الله الذهبي ﵀ وله كتاب طبقات الحافظ، مفيد أيضًا جدًا.
[ ٢٤٥ ]
النوع الرابع والستون
معرفة الموالي من الرواة والعلماء
وهو من المهمات، فربما نُسب أحدهم إلى القبيلة، فيعتقد السامع أنه منهم صليبة، وإنما هو من مواليهم. فيميز ذلك ليعلم، وإن كان قد ورد في الحديث: " مولى القوم من أنفسهم ".
ومن ذلك: أبو البختري " الطائي " وهو سعيد بن فَيروز، وهو مولاهم. وكذلك أبو العالية " الرياحي ". وكذلك الليث بن سعد " الفَهمي ". وكذلك عبد الله بن وهب " القرشي "، وهو مولى لعبد الله بن صالح كاتب الليث. وهذا كثير.
فأما ما يُذكر في ترجمة البخاري: أنه " مولى الجُعفيين " فلإسلام جده الأعلى على يد بعض الجُعفيين.
وكذلك الحسن بن عيسى الماسرجسي: يُنسب إلى ولاء عبد الله ابن المبارك، بأنه أسلم على يديه، وكان نصرانيًا.
وقد يكون بالحلف، كما يقال في نسب الإمام مالك بن أنس " موالي التَّيميين "، وهو حميري أصبحي صليبةً، ولكن كان جده مالك بن أبي عامر حليفًا لهم، وقد كان عسيفًا عند طلحة بن عبد الله التيمي أيضًا، فنسب إليهم كذلك.
وقد كان جماعة من سادات العلماء في زمن السلف من الموالي، وقد روى مسلم في صحيحه: أن عمر بن الخطاب لما تلقاه نائب مكة أثناء الطريق في حج أو عمرة،
[ ٢٤٦ ]
قال له: من استخلفت من أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من الموالي، فقال: أما إني سمعت نبيكم ﷺ يقول: " إن الله يرفع بهذا العلم أقوامًا ويضع به آخرين ".
وذكر الزهري أن هشام بن عبد الملك قال له: من يسود مكة؟ فقلت: عطاء، قال فأهل اليمن؟ قلت: طاوس، قال: فأهل الشام؟ فقلت: مكحول، قال: فأهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فأهل الجزيرة؟ فقلت: ميمون بن مهران، قال: فأهل خراسان؟ قلت: الضحَّاك بن مزاحم، قال: فأهل البصرة؟ فقلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: فأهل الكوفة؟ فقلت: إبراهيم النَّخعي، وذكر أنه يقول له عند كل واحد: أمن العرب أم من الموالي؟ فيقول: من الموالي، فلما انتهى قال: يا زهري، والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، فمن حفظه ساد، ومن ضيَّعه سقط.
" قلت ": وسأل بعض الأعراب رجلًا من أهل البصرة، فقال: من هو سيد هذه البلدة؟ قال: الحسن بن أبي الحسن البصري، قال: أمولىً هو؟ قال: نعم، قال: فبم سادهم؟ فقال: بحاجتهم إلى علمه وعدم احتياجه إلى دنياهم، فقال الأعرابي: هذا لعمر أبيك هو السُؤدَد.
[ ٢٤٧ ]
النوع الخامس والستون
معرفة أوطان الرواة وبلدانهم
وهو مما يعتني به كثير من علماء الحديث، وربما ترتب عليه فوائد مهمة.
منها: معرفة شيخ الراوي، فربما اشتبه بغيره، فإذا عرفنا بلده تعين بلديه غالبًا، وهذا مهم جليل.
وقد كانت العرب إنما ينسبون إلى القبائل والعمائر والعشائر والبيوت، والعجم إلى شعوبها ورساتيقها وبلدانها، وبنو إسرائيل إلى أسباطها. فلما جاء الإسلام وانتشر الناس في الأقاليم، نسبوا إليها، أو إلى مدنها أو قراها.
فمن كان من قرية فله الانتساب إليها بعينها، وإلى مدينتها إن شاء، أو إقليمها، ومن كان من بلدة ثم انتقل منها إلى غيرها فله الانتساب إلى أيهما شاء، والأحسن أن يذكرهما، فيقول مثلًا: الشامي ثم العراقي، أو الدمشقي ثم المصري، ونحو ذلك.
وقال بعضهم: إنما يسوغ الانتساب إلى البلد إذا قام فيه أربع سنين فأكثر، وفي هذا نظر. والله ﷾ أعلم بالصواب.
وهذا آخر ما يسَّره الله تعالى من " اختصار علوم الحديث " وله الحمد والمنة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٤٨ ]