وَالتَّدْلِيسُ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، أَوْ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ، مُوهِمًا أَنَّهُ قد سَمِعَهُ مِنْهُ «١» (٣).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= ما غاب عن غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وكذلك الحكم فيما إذا روى الراوي حديثًا واحدًا مرارا واختلفت روايته: فرواه مرة مرفوعا ومرة موقوفا، أو مرة موصولًا ومرةً مُرسَلًا، فالصحيح تقديم الرواية الزائدة إذ قد ينشط الشيخ فيأتي بالحديث على وجهه وقد يعِرضُ له ما يدعوه الى وقفه أو إرساله فلا يقدح النقص في الزيادة. [شاكر]
«١» [شاكر] كأن يقول " عن فلان "أو " قال فلان "أو نحو ذلك فأما إذا =
_________________
(١) ساقط من "ب".
(٢) انظر: "معرفة علوم الحديث" للحاكم ص ١٠٣، و"الكفاية"١/ ٩٧، ٢/ ٣٦٧ - ٤٠٢ باب الكلام في التدليس وأحكامه، و"مقدمة ابن الصلاح" ص ٢٣٠، و"شرح علل الترمذي" ٢/ ٦٩٠ - ٢/ ٧٠٢، و"النكت" للزركشي ٢/ ٦٧، و"التقييد والإيضاح" ص ٩٥، و"الشذا الفياح" ١/ ١٧٣، و"النكت لابن حجر" ٢/ ٦١٤، و"فتح المغيث" ١/ ٣١٣، و"تدريب الراوي" ١/ ٢٥٦، ويراجع أيضا "منهج المتقدمين في التدليس" لناصر الفهد، و"ضوابط قبول عنعنة المدلس" للشايجي، "التدليس وأحكامه" لصالح سعيد الجزائري، و"التدليس" للدكتور مسفر الدميني.
(٣) هذا هو الصواب، وقد فَرَّق البعضُ بين التدليس والمرسل الخفي، كما =
[ ١٤٥ ]
وَمِنَ الْأَوَّلِ: قَوْلُ اِبْنُ خَشْرَمٍ (١) «١»: كُنَّا عِنْدَ (٢) سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَقَالَ: "قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَذَا" فَقِيلَ لَهُ: أَسَمِعْتَ مِنْهُ هَذَا؟ قَالَ: "حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ".
وَقَدْ كَرِهَ هَذَا الْقِسْمَ (مِنْ التَّدْلِيسِ) (٣) جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَذَمُّوهُ (٤)
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= صرح بالسماع أو التحديث ولم يكن قد سمعه من شيخه ولم يقرأه عليه: لم يكن مدلسا بل كان كاذبا فاسقا، وفرغ من أمره. [شاكر]
«١» [شاكر] هو علي بن خَشْرم، بفتح الخاء وإسكان الشين المعجمتين وفتح الراء. [شاكر]
_________________
(١) = قال ابن حجر (٨٦ - نزهة): "والفرقُ بين المُدَلَّس والمُرْسَل الخفي دقيقٌ، حَصَل تحريره بما ذُكِر هنا: وهو أن التدليس يَختص بمن روى عمّن عُرِفَ لقاؤه إياه. فأمّا إن عاصره، ولم يُعْرَفْ أنه لقيه، فهو المُرْسَل الخفي. ومَنْ أدخل في تعريف التدليس المعاصَرَةَ ولو بغير لُقِيٍّ، لَزِمَهُ دخولُ المرسَل الخفيِّ في تعريفه والصواب التفرقة بينهما" [قلنا] بل الصواب عدم التفريق؛ لأن هذا هو الذي درج عليه عمل السلف من محدثي هذه الأمة. قال الخطيب في الكفاية ١/ ٩٧: "والمُدَلس: رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه فيتوهم أنه سمع منه أو روايته عمن قد لقيه مالم يسمعه منه هذا هو التدليس في الإسناد". وهو واضح وصريح في عدم التفرقة، وانظر للأهمية تعليق الشيخ الفاضل طارق عوض الله على "علوم الحديث لابن الصلاح" ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٦.
(٢) في "ط"، "ب": "علي بن خشرم".
(٣) ساقط من "ط".
(٤) ساقط من "ط".
(٥) قال الذهبي في "السير" (٧/ ٤٦٠): "قال خلف بن هشام البزار: المدلس متشبع بما لم يعط. قلت (الذهبي): هو داخل في قوله تعالى: ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]. =
[ ١٤٦ ]
وَكَانَ شُعْبَةُ أَشَدَّ النَّاسِ إِنْكَارًا لِذَلِكَ، وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "لِأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ".
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (١): "وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالزَّجْرِ".
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ «١».
وَمِنَ الْحُفَّاظِ (٣) مَنْ جَرَّحَ (٤) مَنْ عُرِفَ بِهَذَا التَّدْلِيسِ مِنْ الرُّوَاةِ، فَرَدَّ رِوَايَتَهُ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَتَى بِلَفْظِ الِاتِّصَالِ، وَلَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ دَلَّسَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ -﵀ (٥) -.
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (٦): وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا صَرَّح فِيهِ بِالسَّمَاعِ، فَيُقْبَلُ، وَبَيْنَ مَا أُتِيَ فِيهِ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ، فَيُرَدُّ.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] هذه الكلمة نقلها ابن الصلاح عن الشافعي عن شعبة فليست من قول الشافعي بل هي من نقله. [شاكر]
_________________
(١) = قلت (الذهبي): والمدلس فيه شيء من الغش، وفيه عدم نصح للأمة، لا سيما إذا دلس الخبر الواهي، يوهم أنه صحيح، فهذا لا يحل بوجه، بخلاف باقي أقسام التدليس، وما أحسن قول عبد الوارث بن سعيد: التدليس ذل."
(٢) المقدمة ص ٢٣٤
(٣) انظر مقدمة الكامل في الضعفاء لابن عدي ١/ ١٠٧ ط الكتب العلمية
(٤) كابن حزم كما في أوائل كتابه "الأحكام" (١/ ١٤٢).
(٥) في "ب": خرج.
(٦) قال في الرسالة ص ٣٧٩ " ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته "
(٧) المقدمة ٢٣٥.
[ ١٤٧ ]
قَالَ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ، كَالسُّفْيَانَيْنِ وَالْأَعْمَشِ وَقَتَادَةَ وَهُشَيْمٍ وَغَيْرِهِمْ «١» (١).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] فائدة: نقل السيوطي في التدريب عن الحاكم قال: " أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخُراسان وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر -: لا نعلم أحدا من أئمتهم دلسوا وأكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة.
وأما أهل بغداد فلم يُذكر عن أحد من أهلها التدليس إلى أبى بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي [١] الواسطي فهو أول من أحدث التدليس بها" وقد ألف الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي المتوفى سنة ٨٤١ رسالة في التدليس والمدلسين، طبعت في حلب، وكذلك الحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ ألَّفَ رسالة طبعت في مصر. [شاكر]
_________________
(١) قال النووي "التقريب " (١/ ٢٦٤ - مع التدريب): " وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين بِعَنْ محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى" قال ابن حجر " النكت "٢/ ٦٣٦ ": وفي أسئلة الإمام تقي الدين السبكي للحافظ أبي الحجاج المزي: وسألته عن ما وقع في الصحيحين من حديث المدلس معنعنا هل نقول: أنهما اطلعا على اتصالها؟ فقال: "كذا يقولون، وما فيه إلا تحسين الظن بهما. وإلا ففيهما أحاديث من رواية المدلسين ما توجد من غير تلك الطريق التي في الصحيح". قلت (ابن حجر): وليست الأحاديث التي في الصحيحين بالعنعنة عن المدلسين كلها في الاحتجاج، فيُحمل كلامُهم هنا على ما كان منها في الاحتجاج فقط، أما ما كان في المتابعات فيحتمل أن يكون حصل التسامح في تخريجها كغيرها" انتهى كلامه وقد جمعها الدكتور عواد الخلف في كتابيه "روايات المدلسين في صحيح البخاري" و"روايات المدلسين في صحيح مسلم".
(٢) ولد سنة بضع عشرة ومائتين وتوفي في (٣١٢)، انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٣٨٣).
[ ١٤٨ ]
(قُلْتُ): وَغَايَةُ التَّدْلِيسِ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْإِرْسَالِ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَخْشَى أَنْ يُصَرِّحَ بِشَيْخِهِ فَيُرَدُّ مِنْ أَجْلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ (١).
_________________
(١) قال الخطيب في الكفاية ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢: "الضرب الأول تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه ويعدل عن البيان بذلك ولو بين أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلسه عنه وكشف ذلك لصار ببيانه مرسِلًا للحديث غيرَ مدلِّسٍ فيه لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسِلِ كونه سامعا ممن لم يسمع منه وملاقيا لمن لم يلقه إلا أن التدليس الذي ذكرناه متضمن للإرسال لا محالة من حيث كان المدلِّسُ ممسكا عن ذكر من بينه وبين من دلس عنه وإنما يفارق حاله حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط وهو الموهن لأمره فوجب كون هذا التدليس متضمنا للإرسال والإرسال لا يتضمن التدليس لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه ولهذا المعنى لم يذم العلماء من أرسل الحديث وذموا من دلسه والتدليس يشتمل على ثلاثة أحوال تقتضي ذم المدلس وتوهينه فأحدها ما ذكرناه من إيهامه السماع ممن لم يسمع منه وذلك مقارب للإخبار بالسماع ممن لم يسمع منه والثانية عدوله عن الكشف إلى الإحتمال وذلك خلاف موجب الورع والأمانة والثالثة أن المدلس إنما لم يبين من بينه وبين من روى عنه لعلمه بأنه لو ذكره لم يكن مرضيا مقبولا عند أهل النقل فلذلك عَدَل عن ذكره وفيه أيضا أنه إنما لا يذكر من بينه وبين من دلس عنه طلبا لتوهيم علو الإسناد والأنفة من الرواية عمن حدثه وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة من التواضع في طلب العلم وترك الحَمِيَّة في الإخبار بأخذ العلم عمن أخذه والمرسلُ المبينُ بريء من جميع ذلك " ا. هـ وقال الحاكم في المعرفة ص ١٠٩ " الجنس السادس من التدليس قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم إنما قالوا قال فلان فحمل ذلك عنهم على السماع وليس عندهم عنهم سماع عال ولا نازل"ا. هـ وعلق عليه المعلمي في التنكيل ٢/ ١٤٦ - ١٤٧ قائلا: " ليس بتدليس وإنما يسميه جماعة تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام، فأما أن يرسل المحدث عمن =
[ ١٤٩ ]
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ التَّدْلِيسِ: فَهُوَ الْإِتْيَانُ بِاسْمِ الشَّيْخِ أَوْ كُنْيَتِهِ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ بِهِ، تَعْمِيَةً لِأَمْرِهِ، وَتَوْعِيرًا لِلْوُقُوفِ عَلَى حَالِهِ (١)، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ، فَتَارَةً يُكْرَهُ، كَمَا إِذَا كَانَ أَصْغَرَ سِنًّا مِنْهُ، أَوْ نَازِلَ الرِّوَايَةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَتَارَةً يَحْرُمُ، كَمَا إِذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ فَدَلَّسَهُ (لئلا) (٢) يُعْرَفَ حَالُهُ، أَوْ (٣) أَوْهَمَ أَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الثِّقَاتِ عَلَى وَفْقِ اِسْمِهِ أَوْ كُنْيَتِهِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِئُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ فَقَالَ "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ" (٤)، (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَنٍ (٥) النَّقَّاشِ الْمُفَسِّرِ «١» فَقَالَ "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنَدٍ (٦) " نَسَبَهُ إِلَى) (٧) جَدٍّ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] هو محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر بن سند المقرئ شيخ المقرئين في عصره وكان ضعيفا في الرواية مات سنة ٣٥١ له ترجمة في لسان الميزان (٥: ١٣٢) وتاريخ بغداد (٢: ٢٠١) للخطيب. [شاكر]
_________________
(١) = قد عَرف الناس أنه لم يُدركه أو لم يَلقه فلا إيهام فيه فلا تدليس، وعادة أئمة الحديث إذا كان الرجل ممن يَكثر منه هذا الإرسال أن ينصوا على أسماء الذين روى عنهم ولم يسمع منهم، كما تراه في تراجم مكحول والحسن البصري وأبي قلابة عبد الله بن زيد وغيرهم". ا. هـ
(٢) في"ط": خلافه.
(٣) في الأصل: كي لا.
(٤) ساقط من "ط".
(٥) قال د. خالد الحايك حفظه الله: "يريد به الحافظ أبا بكر ابن صاحب السنن الحافظ أبي داود".
(٦) ساقط من "ب".
(٧) في"ب": سيد.
(٨) ساقط من "ط"، "ع".
[ ١٥٠ ]
لَهُ «١»
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] وبقيت أقسام من التدليس:
منها تدليس التسوية وهو: أن يسقط غير شيخه لضعفه أو صغره، فيصير الحديث ثقة عن ثقة، فيحكم له بالصحة، وفيه تغرير شديد وممن اشتهر بذلك: بقية بن الوليد، وكذلك الوليد بن مسلم، فكان يحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء ويبقي الثقات، فقيل له في ذلك، فقال: أُنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء! . فقيل له: فإذا روى عن هؤلاء وهم ضعفاء، أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات، ضُعِّف الأوزاعي؟ [١] فلم يلتفت الوليد إلى ذلك القول.
وهذا التدليس أفحش أنواع التدليس مطلقا وشرها [٢]. =
_________________
(١) انظر القصة في تهذيب الكمال ٣١/ ٩٧
(٢) وقد أفرده الشيخ "مَجدِي عرفات" برسالة مفردة جمع فيها كل ما يخص هذا النوع من التدليس فراجعها فإنها مفيدة. فائدة: اشتَهر القولُ باشتراط تصريح مُدَلِّس تدليس التسوية=السماع في جميع طبقات السند. و«يستثنى من هذا أن يكون سائر الإسناد سلسلة معروفة، كمالك عن نافع عن ابن عمر، فلو أن من يدلس التسوية روى عن مالك حديثًا فقال: (حدثنا)، ثم ذكره بالعنعنة بين مالك ونافع، وبين نافع وابن عمر، لم يضره ذلك؛ لأنها سلسلة قد عرف اتصالها». «تحرير علوم الحديث» للجديع ٢/ ٩٧٩. وقد تكلم على هذه المسألة- التصريح بالسماع في جميع طبقات السند - بشئ من البسط والتفصيل فضيلة الشيخ أبي الحسن السليماني في كتابه «إتحاف النبيل» ورجح اشتراط ذكر السماع بين الراوي وشيخه وبين شيخه وشيخ شيخه فقط وليس في جميع طبقات السند. حيث قال في نهاية بحثه: «الذي تطمئن إليه نفسي في نهاية الجواب: أنَّه يكتفي بتصريح المدلس عن شيخه، وبتصريح شيخه عن شيخه، ولا نتوقف في صحة السند من أجل العنعنة فيما فوق ذلك؛ إلا إذا علِمنا عن رجل بعينه أنه يُسقط في الطبقات العليا، أو كان في السند أو المتن نكارة، فالعلماء - أحيانًا - يُعلون بعلل غير مطردة، بل ومستبعدة، كما ذكر العلامة المعلِّمي - يرحمه الله - في مقدمة تعليقه على «الفوائد المجموعة» (ص: ٨ - ٩)؛ فالإعلال - هنا - بعلة محتملة من باب أولى، والعلم عند الله - تعالى -.» فانظره ٢/ ٣١ - ٤٢ فإنه نفيس. وللشيخ الفاضل حاتم العوني كلام نفيس حول هذا الشرط يراجع في شرح الموقظة ص ١٦٢ - ١٦٧. فهو مهم.
[ ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= ومنه تدليس العطف كأن يقول "حدثنا فلان وفلان" وهو لم يسمع من الثاني المعطوف وقد ذكر عن هشيم أنه فعله.
ومنه تدليس السكوت، كأن يقول: "حدثنا" أو "سمعت " ثم يسكت، ثم يقول: " هشام بن عروة" أو "الأعمش" موهما أنه سمع منهما، وليس كذلك [١] [شاكر]
_________________
(١) ومن أقسام التدليس أيضا "تدليسُ المتابعة" نبه عليه فضيلة الشيخ عبد الله السعد فقال- حفظه الله-: " وأما تدليس المتابعة: فأعني به أن يروي الراوي خبرًا عن شيخين له أو أكثر ويكون بين من رَوى عنهم اختلاف إما باللفظ أو الإسناد، فيحمل رواية أحدهما على الآخر ولا يبين". وذَكَرَ حفظه الله بعض الأمثلة من "شرح علل الترمذي" لابن رجب وشَرَحَها. ثم قال: " والأمثلة على هذا النوع من أنواع التدليس تكثر لمن أراد أن يتتبعها، فهذا النوع من أنواع التدليس مهم جدًا، ويخفى على الكثير كما قال عبد الحق الإشبيلي: (وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا)، وعندي أن هذا النوع أخطر وأكثر خفاء من تدليس التسوية لأمرين: لكثرة وقوعه بخلاف التسوية، فإنه نادر. لأنه أكثر خفاء من التسوية كما تقدم. والله تعالى أعلم. وقليل من نبه على هذا النوع من أنواع التدليس، وقد نبه عليه أيضًا الخطيب فقال في «الكفاية» ٢/ ٤١٦: (باب في المحدث يروي حديثًا عن الرجلين أحدهما مجروح هل يجوز للطالب أن يسقط اسم المجروح - وذكر مثالًا - ثم قال: ولا يُستحب للطالب أن يُسقط المجروح ويجعل الحديث عن الثقة وحده خوفًا من أن يكون في حديث المجروح ما ليس في حديثِ الثقة وربما كان الراوي قد أَدْخل أحد اللفظين أو حمله عليه وقد سُئل أحمد بن حنبل عن مثل هذا في الحديث يُرْوَى عن ثابت البناني وأبان بن أبي عياش عن أنس فقال فيه نحوا مما ذكرنا) اهـ. وبسبب ذلك تكلم الحفاظ في جَمْعِ من الرواة كانوا إذا حدثوا أحيانًا يجمعون أكثر من واحد من شيوخهم في الحديث الواحد أو المسألة الواحدة ولا يفرقون بين رواية أحدهم عن الآخر وقد يكون بينهما اختلاف. قال المرُّوذي: سألت أحمد عن (محمد بن إسحاق)، فقال: هو حسن الحديث ولكنه إذا جمع بين الرجلين، قلت: كيف؟ قال: يحدثِّ عن الزهري فَيَحْمِلُ حديث هذا على هذا. اهـ من «العلل» رواية المروذي (ص: ٦١)." أ. هـ بتصرف. انظر بحث "تدليس رواة الحديث وأنواعه" للشيخ السعد، وتقديمه لكتاب "منهج المتقدمين في التدليس". فقد وسع القول في التدليس وأحكامه.
[ ١٥٢ ]
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ (١): وَقَدْ كَانَ الْخَطِيبُ لهِجًَا بِهَذَا الْقِسْمِ [من التدليس] (٢) فِي مُصَنَّفَاتِهِ «١» (٣).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] قال ابن الصلاح في النوع (٤٨): و(الخطيب الحافظ) يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي والجميع شخص واحد من مشايخه. وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال وعن الحسن بن أبي طالب وعن أبي محمد الخلال والجميع عبارة عن واحد.
ويروى أيضا عن أبي القاسم التنوخي وعن علي بن المحسن وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي وعن علي بن أبي علي المعدل والجميع شخص واحد. وله من ذلك الكثير والله أعلم.
أقول: وكذلك الحافظ أبو الفرج بن الجوزي يفعل هذا في مؤلفاته ويكثر منه.
وتبعهما كثير من المتأخرين.
وهو عمل غير مستحسن، لما فيه من صعوبة معرفة الشيخ على من لم يعرفه، وقد لا يفطن له الناظر فيحكم بجهالته. [شاكر]
_________________
(١) انظر المقدمة ص ٢٣٦.
(٢) سقط من "غراس"
(٣) قول ابن الصلاح ساقط من "ب".
[ ١٥٣ ]