وَهُو (٢) مَا سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ اِثْنَانِ فَصَاعِدًا (٣)، وَمِنْهُ مَا يُرْسِلُهُ تَابِعُ التَّابِعِيِّ.
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (٤): "وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ سَمَّاهُ الْخَطِيبُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ (٥) "مُرْسَلًا" وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُسَمِّي كُلَّ مَا لَا يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ "مُرْسَلًا".
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (٦): وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَال: "وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا; فَيَقُولُ لَا، فَيُخْتَمُ عَلَى
_________________
(١) انظر: "معرفة علوم الحديث" للحاكم ص ٣٦، و"الكفاية"١/ ٩٦، و"مقدمة ابن الصلاح" ص ٢١٦، و"النكت" للزركشي ٢/ ١٤، و"التقييد والإيضاح"ص ٨١، و"الشذا الفياح" ١/ ١٥٩، و"النكت لابن حجر" ٢/ ٥٧٥، و"فتح المغيث" ١/ ٢٧٦، و"تدريب الراوي" ١/ ٢٤٠.
(٢) في "ط": قال ابن الصلاح: وهو
(٣) انظر"المقدمة" ص ٢١٦.
(٤) ساقط من "ط"، المقدمة ص ٢١٨
(٥) هكذا هي في جميع النسخ المعتمدة لدينا، وفي المقدمة ص ٢١٨ (في بعض كلامه ).
(٦) المقدمة ص ٢١٩.
[ ١٤٠ ]
فِيه (١) الْحَدِيثَ". قَالَ: فَقَدْ أَعْضَلَهُ الْأَعْمَشُ; لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ يَرْوِيهِ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ -صلي الله عليه وسلم- قَالَ: فَقَدْ أَسْقَطَ مِنْهُ الْأَعْمَشُ أَنَسًا وَالنَّبِيَّ -صلي الله عليه وسلم- فَنَاسَبَ أَنْ يُسَمَّى مُعْضَلًا.
قَالَ: وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُطْلِقَ عَلَى الْإِسْنَادِ المُعَنْعَنِ اِسْمَ "الْإِرْسَالِ" أَوْ "الِانْقِطَاعِ".
قَالَ: وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ، إِذَا تَعَاصَرُوا، مَعَ الْبَرَاءَةِ مِنْ وَصْمَةِ التَّدْلِيسِ.
(وَقَدْ اِدَّعَى) (٢) الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ الْمُقْرِئُ (٣) إِجْمَاعَ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَادَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ أَيْضًا) «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] وقوله " وكاد ابنُ عبد البر الخ" قال العراقي [١]: " ولا حاجة إلى قوله وكاد، فقد ادعاه فقال في مقدمة التمهيد [٢] اعلم وفقك الله أنى تأملت أقاويل أئمة الحديث ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم. ومن لم يشترطه فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطا ثلاثة وهى عدالةُ المحدثين ولقاءُ بعضهِم بعضًا مجالسةً ومشاهدةً وأن يكونوا برآء من التدليس ثم قال وهو قول مالك وعامة أهل العلم. [شاكر] [٣].
_________________
(١) انظر تدريب الراوي ١/ ٢٤٣ وقال: "ووصله فضيل بن عمرو عن الشعبي عن أنس قال كنا عند النبي ﷺ "
(٢) في "ط": وقال ادعي.
(٣) جزء لأبي عمرو الداني في علوم الحديث ص ١٨ - ١٩ "طبعة التوعية الإسلامية"
(٤) " التقييد والإيضاح" (١/ ٨٣)
(٥) "التمهيد" (١/ ١٢).
(٦) قال الألباني ١/ ١٦٩: الذي ادعاه ابن عبد البر الإجماع على قبول الإسناد المعنعن بشروط =
[ ١٤١ ]
(قُلْتُ): وَهَذَا هُوَ الَّذِي اِعْتَمَدَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَشَنَّعَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى مَنْ يَشْتَرِطُ مَعَ الْمُعَاصَرَةِ اللُّقْيَ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ يُرِيدُ الْبُخَارِيَّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ، فَإِنَّهُ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فِي أَصْلِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِطُهُ فِي أَصْلِ الصِّحَّةِ، وَلَكِنْ اِلْتَزَمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ "الصَّحِيحِ" (١) (٢).
_________________
(١) راجع النكت لابن حجر ٢/ ٥٩٥ قال: " ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه لا في أصل الصحة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك."
(٢) قال د. خالدُ الحَايك حفظهُ الله: " أَرَى أنَّهُ لم يَقصد لا البخاريَ ولا ابنَ المدينيِّ، وإنما قَصَدَ مجموعة من طلبة الحديثِ قد تنطَّعوا من عدمِ قبولِ الحديثِ إلا بأن يَثْبُتَ لهُم السَّماعَ من كل طريقٍ". قلنا: وانْظُر "إجماعَ المحدثينِ" لحاتِم العوني. = ثلاثة: أحدها لقاء بعضهم بعضا وهذا الشرط ليس في التعريف الذي ادعى الداني الإجماع عليه وقال المؤلف عقبه "وكاد ابن عبد البر أن يدعي ذلك أيضا" فظهر أن تعبير ابن الصلاح دقيق وأن اعتراض العراقي عليه غير وارد".اهـ مسألة: قد يقال في اشتراط البراءة من التدليس غِنَىً عن الشرط الثاني لأنه إذا كان بريئا من التدليس فلن يروي إلا عمن سمع منه فعلا. والجواب أنه إنما اشترط انتفاء التدليس وشَرطَ ثبوت اللقاء كذلك؛ لأن الراوي العدل الثقة الذي لا يُدلس قد يُرسل عمن لم يسمع منه، عاصره أم لم يعاصره، وهو ما يسميه العلماء بالإرسال الخفي. يؤيد هذا ما قاله الحافظ بن حجر "النكت"٢/ ٥٩٦ في كلامه على مذهب البخاري واشتراطه ثبوت اللقاء قال: "والحامل للبخاري على اشتراط ذلك تجويز أهل ذلك العصر للإرسال فلو لم يكن مدلسا، وحدث عن بعض من عاصره لم يدل ذلك على أنه سمع منه، لأنه وإن كان غير مدلس، فقد يحتمل أن يكون أرسل عنه لشيوع الإرسال بينهم، فاشترط أن يثبت أنه لقيه وسمع منه ليحمل ما يرويه عنه بالعنعنة على السماع، لأنه لو لم يحمل على السماع لكان مدلَّسًَا والغرضُ السَّلامةُ من التدليس".
[ ١٤٢ ]
وَقَدْ اِشْتَرَطَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ مَعَ اللِّقَاءِ طُولَ الصَّحَابَةِ «١» (١).
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ (٢): "إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ قُبِلَتْ الْعَنْعَنَةُ".
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ (٣): "إِنْ أَدْرَكَهُ إِدْرَاكًا بَيِّنًا" (٤).
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيمَا إِذَا قَالَ الرَّاوِي "إِنَّ فُلَانًا قَالَ" هَلْ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ "عَنْ فُلَانٍ"، فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الِاتِّصَالِ، حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ؟ أَوْ يَكُونَ قَوْلُهُ "إِنَّ فُلَانًا قَالَ" دُونَ قَوْلِهِ "عَنْ فُلَانٍ"؟ كَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَرْدِيجِيُّ، فَجَعَلُوا
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] " الصحابة " بفتح الصاد وقد تكسر أيضا: مصدر " صحبه يصحبه " [شاكر]
_________________
(١) انظر شرح علل الترمذي ١/ ٣٦٥
(٢) انظر رسالة أبي عمرو الداني في علوم الحديث ص ٢٠
(٣) الإمام الحافظ الفقيه، العلامة عالم المغرب، أبو الحسن علي ابن محمد بن خلف المعافري القروي القابسي المالكي، صاحب " الملخِّص "، وكان عارفا بالعلل والرجال، والفقه والاصول والكلام، مصنفا يقظا دينا تقيا، وكان ضريرا، وهو من أصح العلماء كتبا، كتب له ثقات أصحابه، وتوفي سنة ثلاث وأربع مائة" [السير ١٧/ ١٥٨].
(٤) انظر شرح النووي على مسلم ١/ ١٦٩ ط. المكتب الثقافي، و"الغاية شرح الهداية" للسخاوي ص ١٣٧، و"توجيه النظر" ١/ ١٨٩
[ ١٤٣ ]
"عَنْ" صِيغَةَ اِتِّصَالٍ، وَقَوْلُهُ "إِنَّ فُلَانًا قَالَ كَذَا" فِي حُكْمِ الِانْقِطَاعِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ (١) وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي كَوْنِهِمَا مُتَّصِلَيْنِ، قَالَهُ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٢). وَمِمَّنْ (نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) (٣) (٤).
وَقَدْ حَكَى اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٥) الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْإِسْنَادَ الْمُتَّصِلَ (بِالصَّحَابِيِّ، سَوَاءٌ فِيهِ أَنْ يَقُولَ) (٦) "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-"، أَوْ "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-" أَوْ "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-".
وَبَحَثَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو (٧) هَهُنَا فيمَا «١» إِذَا أَسْنَدَ الرَّاوِي مَا أَرْسَلَهُ غَيْرُهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَدَحَ فِي (٨) عَدَالَتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، إِذَا كَانَ الْمُخَالِفُ لَهُ أَحْفَظَ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ عَدَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ بِالْكَثْرَةِ أَوْ الْحِفْظِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ الْمُسْنَدَ مُطْلَقًا، إِذَا كَانَ عَدْلًا ضَابِطًا وَصَحَّحَهُ الْخَطِيبُ وَابْنُ الصَّلَاحِ، وَعَزَاهُ إِلَى الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، وَحُكِيَ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ «٢» (٩).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] في "الأصل": "ما". [شاكر]
«٢» [شاكر] وهو الحق الذي لا مرية فيه لأن زيادة الثقة دليل على أنه حفظ =
_________________
(١) انظر الكفاية ٢/ ٤٨٤، وشرح علل الترمذي ١/ ٣٧٧ - ٣٨٢
(٢) التمهيد ١/ ٢٦
(٣) مطموس في "ب"، ساقط من "ع".
(٤) انظر الكفاية ٢/ ٤٨٤ وفيه: " عن أحمد بن حنبل قال كان مالك زعموا يرى عن فلان وأن فلانا سواء"
(٥) التمهيد ١/ ٢٦
(٦) مطموس في "ب".
(٧) المقدمة ص ٢٢٨.
(٨) في "ب": إلي.
(٩) انظر السنن الكبرى للبيهقي (١٣٩٩٣)، والكفاية ٢/ ٥٠٣ "باب القول فيما روى من الأخبار مرسلا ومتصلا هل يثبت ويجب العمل به أم لا"
[ ١٤٤ ]