منهجه في كتابة التاريخ:
فرَّق ابن أبي شيبة - ﵀ - في كتابة التاريخ بين التاريخ بمعنى الأخبار والحوادث والأحوال، وبين التاريخ بمعنى التوقيت والتقويم، وأورد في كل منهما ما يناسبه، وقدم الأول وابتدأه بالحديث عن معركة اليمامة١ ثم ذكر بعده كثيرًا من أخبار المعارك الإسلامية التالية مثل القادسية وتستر واليرموك.
وقد فَصَل ابن أبي شيبة بين أحداث المغازي، وبين أحداث التاريخ وعقد الحديث في الأولى عن الغزوات الإسلامية في عهد الرسول ﵇، بينما أورد أحداث المعارك في العهود التالية في كتاب التاريخ.
وقد يعود ذلك إلى أن مفهوم الفصل بين التاريخ والمغازي ظل قائمًا حتى عصره.
ثم إنه لما كان مُحدثًا واتَّبع منهج أهل الحديث في كتابة التاريخ، فإن ترتيب موضوعات مصنفه اقتضى أن يقسم التاريخ إلى غزوات وأحداث عامة، وأن يجعل الغزوات تلي باب الجهاد مباشرة ثم يذكر بعدها حوادث تاريخ المسلمين ذات العلاقة كالمعارك والفتوح٢.
كما أن هناك تشابهًا كبيرًا في باب المغازي بين ابن أبي شيبة والإمام الصنعاني (ت ٢١١ هـ) من أصحاب المصنفات، فهما يتحدثان فيه عن سيرة الرسول المبكرة مثل زواجه ونزول الوحي عليه، ثم يتحدثون فيه عن أوائل من أسلم من الصحابة، وقد توسع في ذلك ابن أبي شيبة أكثر من الصنعاني٣.
وتبع هذا توسعه في المادة العلمية عن كل غزوة، بينما كان الإمام البخاري أكثر تحديدًا وقصرًا له على المغازي من الاثنين.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٥٤٧. ٢ ابن أبي شيبة ج١٣ ص٥-٣٠. ٣ ابن أبي شيبة ج١٤ ص٣١٠-٥٣٩.
[ ٥٦٩ ]
وقد راعى ابن أبي شيبة التسلسل الموضوعي في ذكر الأحداث وأوضح أمثلته ما أورده منها في كتاب التاريخ، فقد شمل معركة اليمامة، وقدوم خالد بن الوليد الحيرة، ومعركة القادسية وجلولاء، ثم تحدث عن فتح بعض أقاليم فارس مثل الجبل ومعركة تستر، ثم أتبع ذلك بذكر مرويات معركة اليرموك وتوجه عمر﵁- إلى بيت المقدس١.
أما ما ورد عنده بشأن تأخير بيعة العقبة في كتاب المغازي بعد أخبار خلافة علي بن أبي طالب٢. فهو غير مألوف في منهجه زمنيًا أو موضوعيًا، ويظهر أنه من أخطاء أحد النساخ، وله نظائر عند الصنعاني، فقد جاءت غزوة الحديبية مقدمة في ذكر أخبارها مقدمة على غيرها من الغزوات بما فيها بدر٣. للسبب نفسه فيما يبدو.
والملاحظ أن ابن أبي شيبة قصر تاريخه على ذكر أخبار المعارك والفتوح الإسلامية وما يتعلق بها ولم يعن بذكر أخبار الحكام والبلدان والحواضر التي تمثل طورًا مهمًا من أطوار مفهوم التاريخ عند المسلمين ومراحل كتابته المبكرة.
أما كتبه التاريخية الأخرى مثل الجمل وصفين، فهي موضوعية تدور رواياتها حول موضوع كل كتاب، ويظهر أن المصنف لم يراع ترتيبًا معينًا لها سوى سياق الموضوع وتسلسل أحداثه في بعض الأحيان، أما كتابه الفتوح، فهو مفقود ولم نظفر بوصف له.
ومن مظاهر الثقة في منهج ابن أبي شيبة في تدوين مروياته ومنها ما يخص الحوادث التاريخية في كتبه وأبوابها عنده، إن كثيرًا من رواياته جاءت بنصها أو
_________________
(١) ١ يبلغ مجموع صفحات كتاب التاريخ ١٢٢ صفحة، وتقع في جزء ١٢ من ص٥٤٧-٨٠٥، وفي جزء ١٣ من ص٥-٩٤، ويعمل الباحث على تحقيق نصوصه. ٢ ابن أبي شيبة ج١٤ ص٥٩٧. ٣ الصنعاني: المصنف ج٥ ص٣٣٠.
[ ٥٧٠ ]
بمعناها في الصحيحين بعد ذلك، وهذا يدل على مدى الثقة والتحري الذي راعاه المصنف حتى أخذ الشيخان ببعض ما ذكره على الرغم من دقة تحريهما وشروطهما الدقيقة في صحة ما يثبتانه في الصحيحين.
كما أن ابن أبي شيبة يذكر روايات مباشرة عن الأحداث التاريخية، ولذا ورد كثيرًا منها بلفظ (شهدت) و(رأيت) ١. ومرويات شهود العيان بعد نقدها من أهم مقومات الدراسة التاريخية.
وكثيرًا ما يذكر أن ما قام به هو من حفظه ومن ثم دَوَّنهُ في مصنفه حوله إحدى الغزوات وينص على ذلك بقوله (ما حفظت) في غزوة كذا ٢.
ولكن من الملاحظ كثرة الروايات القصيرة في الأحداث التاريخية عند ابن أبي شيبة مقارنة بابن إسحاق قبله ومعاصره ابن سعد. وقد يعود هذا إلى اعتماده على الحفظ الذي أشار إليه كثيرًا وهو مما لا يساعد في العادة إلى إيراد المطولات من الأحاديث والأخبار وتحتاج إلى الرجوع إلى المدون فيها، وعلى الرغم من ذلك لم تخل مدوناته التاريخية منها.
وقد اتبع ابن أبي شيبة أسلوب تكرار الرواية في الحدث التاريخي الواحد أحيانًا وفقًا لتعدد طرقه أو مصادره، فهو المنهج الذي سار عليه بعض المؤرخين، كابن إسحاق والطبري.
وهو أسلوب يتيح للقارئ المقارنة والنقد إلا أن أبي شيبة لم يكثر منه، وربما يعود ذلك أنه استبعد منذ البداية بعض الروايات التي لم تثبت عنده.
ودرج على ذكر الروايات المختلفة حول الموضوع الواحد وأمثلته كثيرة منها ذكره لاختلاف الروايات حول مدة بقاء الرسول ﵇ في مكة والمدينة ٣.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج١٣ ص٣٤-٣٥. ٢ المصدر السابق ج١٤ ص٤٢٤، ٤٢٧، ٥١٢. ٣ ابن أبي شيبة: المصنف ج١٤ ص٢٩١.
[ ٥٧١ ]
كما يأتي أحيانًا بالروايات المتعارضة في الموضوع الواحد بين الإجازة والتحريم مثل روايات الاستعانة بالمشركين من عدمها.١
ومن ملامح منهجه أنه يأتي بالرواية الواحدة في أكثر من موضع حسب مناسبته له فقد جاء بأحاديث في كتاب الأمراء، وجاء بها في كتاب الفتن، إلا أنه لم يكثر من ذلك على غرار ما وضح عند الإِمام٢مسلم عندما جاء بأحاديث غزوة تبوك في عشرة مواضع في صحيحه تبعًا لمناسبتها لها ٣.
كما يبدو أنه تأثر بطريقة عروة بن الزبير في الجمع بين أسانيد عدة روايات في سبيل تأليف حادثة متكاملة وهو المنهج الذي اتبعه أيضًا ابن شهاب الزهري وابن إسحاق في بعض الحوادث٤. ويظهر ذلك واضحًا في المقارنة بين مروياته وبعض مرويات عمر به شبة في مقتل عثمان - ﵁-.
أما الاقتصار على ذكر سند الرواية والتنويه بمشابهة سابقتها في المتن فكثير عنده٥.
وقد اتسم أسلوبه بالرصانة ونصاعة العبارة في سرد الحوادث التاريخية، فهو أحد العلماء بخلاف أصحاب المرويات التاريخية من الإخباريين وغيرهم.
وأخيرًا فإن تأليف ابن أبي شيبة في هذه الموضوعات كالجمل، قد يكون أحد أساليب النقد والرد على مؤلفات آخرين سبقوه، وبالذات المؤرخين الشيعة الذين غالوا وشوهوا حقائق تلك الأحداث من أمثال أبي مخنف صاحب
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١٢ ص٣٩٤- ٣٩٥. ٢ المصدر السابق ج١١ ص١٣٩. ٣ سليمان العودة: السيرة النبوية في الصحيحين وعند ابن إسحاق ص١٠٨. ٤ محمد الأعظمي: مقدمة كتاب مغازي رسول الله ﷺ لعروة بن الزبير ص٦٨. ٥ ابن أبي شيبة: المصنف ج١٢ ص١٣٦.
[ ٥٧٢ ]
كتب الجمل وصفين ومقتل الحسين١. ونصر بن مزاحم صاحب كتاب صفين.
إلا أن روايات الجميع في التاريخ ينبغي أن تخضع لمنهج الجرح والتعديل سندًا ومتنًا لتحديد ما يثبت منها وما يمكن التساهل في قبوله ورد ما عدا ذلك.
موارده:
لم يذكر ابن أبي شيبة في بداية مصنفه أسماء مصادره التي اعتمد عليه، لاسيما أنه لم يضمن مصنفه مقدمة يمكن أن يشير فيها إلى ذلك وابتدأ مباشرة بأحد الموضوعات الفقهية أو هكذا وصلنا مصنفه. ولكن من خلال تتبع رواياته التاريخية يمكن حصر عدد كبير من الرواة الذين نقل أو سمع منهم، فهو ينص عليهم في بداية كل رواية بقوله: حدثنا، أو قال فلان، ويذكر اسمه.
وعلى العموم فقد غلب على موارده الاعتماد على ثقاة الرواة وأهل الاختصاص في الوقت نفسه مثل ابن عباس٢ وابن شهاب الزهري٣ وعروة بن الزبير٤. فقد كانوا من حيث الثقة من رواة الصحيحين، وكانوا ذوي اهتمام وتأليف في أحداث السيرة بالذات، فإن ابن عباس روى الكثير منها وقد يكون له كتاب فيها٥، وعروة أبن الزبير هو أول من صنف كتابًا في المغازي٦، وابن شهاب الزهري معروف كتابه القيم في السيرة، وإذا عرفنا أن الزهريَ وعروة كانا
_________________
(١) ١ النديم: الفهرست ص١٠٥. وأبو مخنف لوط بن يحيى إخباري تالف وشيعي محترق، أما نصر ابن مزاحم المنقري فهو رافضي جلد متروك. انظر على الترتيب الذهبي: ميزان الاعتدال ج٤ ص٢٥٣؛ ج٣ ص٤١٧-٤١٨. ٢ ابن أبي شيبة: المصنف ج١٤ ص٣٧٦. ٣ المصدر السابق ج١٤ ص٣٩١، ٤٠٥، ٤٤٠، ٤٥٥، ٤٧٠. ٤ المصدر السابق ج١٤ ص٣١٢، ٣٧٧، ٤٠٤، ٤١٦، ٤١٧، ٤٢٤، ٤٢٨، ٤٢٩. ٥ محمد الأعظمي: مقدمة كتاب مغازي رسول الله ﷺ لعروة بن الزبير ص٢٣. ٦ ابن كثير: البداية والنهاية ج، ص١٠١.
[ ٥٧٣ ]
من أكثر رواة الأحداث التاريخية عند البخاري، أدركنا القيمة الكبيرة لمرويات ابن أبي شيبة عنهما.
كما تلقى كثيرًا من الروايات عن عدد كبير من الثقاة في عصره وبعضها كان عن شيوخه. فقد أكثر من الأخذ عن حماد بن سلمة (ت ١٦٧هـ) أحد أئمة الحديث والثقاة الأعلام في عصره. وقد أخذ عنه في المغازي.١.
كما أخذ عن عبد الله بن إدريس (ت ١٩٧هـ) وهو أحد العلماء الذين رشحهم الرشيد للقضاء فلم يقبل، ووصفه الإمام أحمد بن حنبل بأنه نسيج وحده، تتلمذ عليه ابن أبي شيبة وكان جارًا له٢، فأكثر من الرواية عنه في أحداث المغازي والجمل وكتاب التاريخ.
وممن أخذ عنه يحيى بن آدم (ت ٢٠٢ هـ) وهو أحد الثقاة فقد وثقه يحي بن معين٣، ووصفه ابن حبان بالإتقان ٤.
وله كتاب في الخراج مشهور وقد حدث عنه ابن أبي شيبة في أخبار الجمل وصفين، ونقل عنه عدة مرويات فيهما لا توجد في كتابه الخراج وهي إما مأخوذة عنه بالسماع أو منقولة من أحد كتبه الأخرى التي لم تصل إلينا. كما أكثر من الرواية في التاريخ والمغازي عن أبي أسامة واسمه حماد بن أسامة٥ وعلي بن مسهر٦ وعفان بن مسلم الصفار٧ وكلهم ثقاة. وإذا كان ابن أبي شيبة أكثر عن هؤلاء فإنه أخذ عن كثير غيرهم.
_________________
(١) ١ الذهبي: ميزان الاعتدال ج١ ص٥٩٠-٥٩٣. ٢ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج٩ ص٤١٧ –٤١٨- ٤٢٠. ٣ عثمان بن سعيد الدارمي تاريخه ص٢٢٧. ٤ ابن حجر: تهذيب التهذيب ج١١ ص٥١٧. ٥ عثمان به سعيد الدارمي: تاريخه ص٩٢، المقدمي: كتاب التاريخ ص١٣١. ٦ عثمان بن سعيد الدارمي: تاريخه ص٧٠. ٧ الذهبي: ميزان الاعتدال ج٣ ص٨١-٨٢.
[ ٥٧٤ ]
وقد روى ابن أبي شيبة التاريخ عن عدد من المحدثين من أمثال حماد بن سلمة، وعبد الله بن إدريس، مما يعد أحد علامات الثقة في موارده التي اعتمد عليها، أما ترتيب مادتها وفق فروع التاريخ فهو من جهده ومن سمات منهج كتابة التاريخ عنده.
وبتتبع تواريخ وفيات من روى عنهم مثل عبد الله بن إدريس سنة ١٩٢ هـ وعفان الصغار سنة ٢٢٠ هـ نجد أنه استغرق وقتًا طويلًا في جميع مروياته ومنها التاريخية امتد أكثر من ثلاثين عامًا، وهو مؤشر واضح على أن ابن أبي شيبة ظل يتعهد مؤلفاته بالجمع والإضافة سواد عمره.
[ ٥٧٥ ]
ويعد ابن أبي شيبة من أوائل أصحاب المصنفات الذين عنوا بالسيرة وتدوين مرويات أحداثها في مصنفه فيما يزيد على سبع وستين صفحة، ضمنها عدة روايات حول عمر النبي ﵇ حين بُعِثَ ونزل عليه الوحي، وكيفية بدايات نزول الوحي عليه، وشق صدره واستبشار خديجة وأبي بكر الصديق ﵄، وبشرى ورقة بن نوفل له بالنبوة، ووعده بالانضمام له عندما يؤمر بالقتال في سبيل نشر دعوته فيما بعد، ووصف الرسول ﵇ له بالقس١.
وكذلك ذكر ما لاقاه من أذى قريش له، وما جاء به من حديث الإِسراء والمعراج، وهو من المصادر المبكرة التي أوردت هذه الأحداث واعتمد عليها الكثير من أصحاب الدلائل والأسانيد والتاريخ. بيد أنه ينبغي معرفة قوة السند الذي تروىَ به تلك الأخبار عند نقدها وكذلك الخلاف في التفاصيل بينه وبين غيره كابن إسحاق مثالا في حادثة شق الصدر٢.
ثم عقد المصنف عنوانًا عن حديث الإسراء والمعراج بالرسول ﵇، ذكر فيه عشر روايات مطولة منها إخباره ﵇ عن وصف البراق ثم مجيئه بيت المقدس، ثم العروج به إلى السماء ورؤيته لعدد من الأنبياء مثل إبراهيم وموسى ﵉ ثم مشاهدته سدرة المنتهى وفرض الصلاة على أمته٣. ثم عد خبره على أهل مكة.
تاريخ الغزوات:
ذكر ابن أبي شيبة كثيرًا من أحداث المعارك والغزوات الإسلامية ابتداء من غزوة بدر الأولى ثم الكبرى حتى معركتي الجمل وصفين في خلافة علي بن أبي طالب.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج١٤ ص٢٩٢-٢٩٤. ٢ ابن هشام: سيرة النبي ج١ ص١٣٦. ٣ ابن أبي شيبة ج١٤ ص٣٠٢-٣٠٣.
[ ٥٧٦ ]
وقد توسع ابن أبي شيبه في المادة العلمية عن كل غزوه، فقد كتب عن غزوة بدر ٣٦ صفحة، وكتب عن غزوة الخندق ٢٥ صفحة، وعن غزوة مؤتة تسع صفحات، في حين كتب الإمام الصنعاني قبله في مصنفه عن الغزوات كلها خمسين صفحة، وكتب الإمام البخاري في صحيحه عنها من بعده مثله أو أقل بيسير.
وفي غزوة بدر يبدأ الحديث عنها بالروايات حول تاريخ حدوثها، ثم ذكر بعض الآيات التي نزلت فيها وربطها بأحداثها كآية ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ١ وآية ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ ٢ ثم ذكر رواية عن اتخاذ المسلمين لهم سيما وعلامات تميزهم أثناء القتال عن المشركين وكانت من الصوف الأبيض٣. وهي إشارة لطيفة وما زالت الجيوش في العصر الحديث تتخذ لها علامات للغرض نفسه.
ثم جاء بعدد من الروايات حول عيون الرسول ﵇ واستخباره عن قوة جيش قريش وعدده وأين نزل، والشورى بين المسلمين في القتال، واختياره ميدانه، وبناء مركز قيادة لهم٤. وما دار بين المشركين، من جدل حول الرجوع واختلافهم وتنابزهم بالألقاب، ثم بداية المعركة بالمبارزة، والتحام الفريقين وسقوط القتلى، وكان عددهم كبيرًا من المشركين ثم وضعهم بالقليب، ووقوع عدد منهم في الأسر، وما ناله المسلمون من نصر وأنفال بالإضافة إلى عدد من الروايات الأخرى حول مواقف عديدة حدثت في بداية المسير للمعركة أو أثناءها أو في طريق العودة منها- لا تخلو من دروس وعبر عظيمة.٥
_________________
(١) ١ سورة القمر آية ٤٥. ٢ سورة الأنفال آية ١١. ٣ ابن أبي شيبة ج١٤ ص٣٥٨. ٤ المصدر السابق ج١٤ ص٣٥٣ – ٣٨٧. ٥ ابن أبي شيبة ج١٤ ص٣٥٣-٣٨١.
[ ٥٧٧ ]
ثم أتبعها بالحديث عن غزوة أحد وبدأه بروايات بما يشبه التوطئة كمكر الرسول ﵇ بالمشركين، ثم ذكر بعض مواقف الصحابة أثناء القتال كحذيفة بن اليمان وسعد بن أبي وقاص، ودعم الرسول ﵇ ومساعدته له أثناء الرمي بالسهام حتى ذكر أنه فداه بأبيه وأمه حتى قال علي بن أبي طالب ما سمعته فدى أحدًا بأبويه إلا سعدًا. وكان سعد يذكر ذلك١.
كما ذكر عددًا من الروايات حول كيفية استشهاد حمزة بن عبد المطلب وغدر العبد الحبشي به. والموقف من كثرة القتلى والمعيار في تقديمهم داخل اللحود ٢.
وكذلك كيف قابل الرسول ﵇ انكشاف المسلمين يوم أحد وكيف كان ﵇ يعتذر منه لربه٣. وهي روايات تشبه إلى حد كبير ما أورده ابن سعد في غزوة أحد مع اختلاف سند ابن أبي شيبة عنه إلا فيما قل ٤.
ثم يورد المصنف رحمه الله تعالى عددًا آخر من الروايات حول مواقف مختلفة في تاريخ الغزوات منها ما يتعلق بالتخطيط الحربي، ومنها ما يتعلق بمقارعة العدو بالحجج والحقائق، مثل مقارعته بآلات الحرب فكل له تأثيره في الجانبين، وقد كان الرسول ﵇ يرد على هتافات المشركين، ويخبر عن مصائر قتلى الطرفين ونحو ذلك٥. فضلًا عن عدد من الروايات عن آلات الحرب وقتذاك.
وبعد ذلك تحدث عن غزوة الخندق وجاء بعدد من الروايات حولها دار
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١٤ ص٣٨٩- ٣٩٠. ٢ المصدر السابق ج١٤ ص٣٩٢. ٣ المصدر السابق ج١٤ ص٣٩٥. ٤ ابن سعد: الطبقات الكبرى ج٢ ص٤٢- ٤٨. ٥ ابن أبي شيبة ج١٤ ص٤٠١-٤٠٣.
[ ٥٧٨ ]
معظمها حول استشهاد الصحابي الجليل سعد بن معاذ ١. مما قد يضيف جديدًا لمن يدرس أحداثها أو سيرته بعناية.
ثم ذكر عددا كبيرًا من الغزوات مثل غزوة الخندق وبني قريظة والفتح وحنين وذي قرد وتبوك ومؤتة في تفصيل مناسب من الروايات المتعددة عن كل غزوة إلا أن بعضها مثل الفتح وحنين وتبوك كانت رواياتها أكثر.
وفي الغالب لا تختلف مروياتها عما ذكر من قبل وربما ندرك من خلالها أن المصنف يميل إلى الوضوح في ذكر الأحداث، والبعد عن التداخل ففي غزوة مؤتة مثلًا بدأت روايتها عنده بتحديد ترتيب قوادها الثلاثة ثم ذكر ما حدث فيها، ثم إعلان نتيجتها، ووصف مواساة الرسول ﵇ لأهل الشهداء وذكرهم بالخير والدعاء لهم، وبروايات مختلفة سندًا ومتنًا عما أورد ابن سعد عنها ٢.
ولم يذكر شيئًا عن غزوة يهود بني النضير بالمدينة على الرغم من أن الإمام الصنعاني قبله توسع في أخبارها٣ فذكر أصلهم، وموطن سكنهم، والمفاوضة معهم، والعلاقة بينهم وبين مشركي قريش، وتحريض الأخيرين لهم ثم إجلاءهم إلى بلاد الشام، وكذلك ذكرها الإِمام البخاري فيما بعد٤.
وقد يعود ذلك إلى أن المصنف لم يحفظ فيها شيئًا فهو في الغالب يعتمد على حفظ ذاكرته في الأحداث وقد نص على ذلك كثيرًا، أو يعود إلى ضياع أو خرم في النسخة التي وصلتنا ويستبعد أن يعود ذلك إلى أنه لم يثبت فيها شيء عنده بعد ما ثبت عند غيره من قبل ومن بعد كما أشير إليه آنفًا.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١٤ ص٤٠٨- ٤١٦. ٢ ابن سعد: الطبقات الكبرى ج٢ ص١٢٨-١٣٠. ٣ الصنعاني ج٥ ص٣٥٧ - ٣٦٠. ٤ صحيح البخاري ج٥ ص٢٢.
[ ٥٧٩ ]
كما لم يذكر شيئًا عن السرايا في عهد الرسول ﵇ على الرغم من وثوق صلتها بالمغازي، فهل تابع في ذلك شيخه الصنعاني الذي لم يذكرها أيضًا، بينما أسهب فيها كل من ابن إسحاق وابن سعد من قبل والبخاري من بعد.
الخلفاء الراشدون:
في عهود الخلفاء الراشدين ذكر حدث وفاة كل منهم، وذكر بعض الأخبار في ذلك بطرق مختلفة، ثم يأتي أحيانًا بشي من سيرته، إلا أبا بكر الصديق فقد بدأ الحديث عنه بذكر كيفية مبايعته، وقد ضمن مروياته عن سيرة عمر أمورًا في غاية الأهمية عند ذكر دراسة سياسته مثل قول عائشة فيه بأنه "كان غناء للإِسلام، كان والله أحوذيًا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها "١. وقوله: "إني قد تركت فيكم اثنين لن تبرحوا بخير ما لزمتموهما: العدل في الحكم، والعدل في القسم"٢.
وعلى الرغم من أن ابن أبي شيبة عَنْوَن ذلك بقوله ما جاء في خلافة كل منهم إلا أن ما ذكره هو ما يتعلق بوفاة أو مقتل كل منهم مع اختلاف في التفصيل والسند، فهو لا يشمل أخبار وحوادث عهودهم التاريخية لكن المؤرخ لا يعدم ذلك مما جاء متفرقًا في أبواب أخرى ومن المصنَّف مثل إسلام كل واحد منهم أو في كتاب فضائل الأعلام عنده.
حروب الردة والفتوح الإسلامية:
أما في حروب الردة قد جاء بأخبار متفرقة عن معركة اليمامة بين خالد بن الوليد ومسيلمة الكذاب، وذكر ما عاناه المسلمون في البداية من الهزائم وكثرة قتلاهم وجرحاهم وأن بعضهم كان صائمًا ٣. ثم ذكر رواية أحد شهود العيان
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج١٤ ص٥٧٢. ٢ المصدر السابق ج١٤ ص٥٨٢. ٣ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٥٤٨.
[ ٥٨٠ ]
وهو الصحابي الجليل أنس بن مالك كيف كان موقف خالد عصيبًا ثم كيف كر على أهل اليمامة حتى بلغ حصنهم وتمكن البراء من قتل صاحبهم وفُرجت الشدة ١.
وعلى الرغم من إسهاب الطبري في ذكر أخبار معركة اليمامة، وتعدد رواياتها عنده٢، إلا أن ابن أبي شيبة ذكر روايات أخرى منها أن شعار المسلمين فيها كان (يا أصحاب سورة البقرة) .
ثم انتقل بعد ذلك إلى تاريخ الفتح في العراق على يد خالد بن الوليد، وذكر عدة روايات في مكاتبته مرازبة فارس، وبعض أحداث المعارك هناك مثل معركة الجسر ومقتل قائدها أبي عبيد الثقفي، وحديث عمر بن الحطاب عنه بأنه سيكون فئة له لو انحاز إليه٣.
وأسهب في وصف أحداث معركة القادسية بالنسبة للمعارك الأخرى، وتعدُّدُ الروايات والتفصيل في وصف الحدث عند أبي شيبة يتبع في كثير من الأحيان حجم الحدث نفسه. وهذا رواياته الكثيرة عن أحداث هذه المعركة لابد من الاعتماد والرجوع إليها لمن يدرسها.
وفي معركة تُستر جاء بمعلومات لا تختلف كثيرًا عما جاء به أهل الاختصاص في تاريخ الفتوح مثل البلاذري بل إن نسق ترتيب الأحداث في تلك المنطقة وقتذاك هو النسق الذي سار عليه البلاذري فيما بعد٤.
كما اعتمد كل منهما على مرويات من شهدوا المعركة أو نقلوا عنهم، وهو منهج متقدم في الكتابة التاريخية.
ولما انتهى من كتاب التاريخ ومرويات أحداث الفتح الإِسلامي في العراق
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١٢ ص٥٤٩. ٢ الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٢٨١- ٣٠٠. ٣ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٥٥٦-٥٥٧. ٤ فتوح البلدان ص٥٣٤-٥٣٨.
[ ٥٨١ ]
وبلاد فارس، انتقل إلى الحديث عن الفتوح في بلاد الشام وابتدأه بذكر ما حفظه ووصلته أخباره في غزوة اليرموك وأنه كان للمسلمين فيها خمسة ألوية، ثم ما آل إليه أمر المسلمين من قوة وحسن حال حتى حسنت معيشتهم ولبسوا الديباج والحرير حتى نهاهم عمر عن ذلك ١.
ثم ذكر طرفًا من أخبار زيارة الخليفة عمر إلى بلاد الشام وهيئة مركبه واستقبال الناس له، وإقراره لبعض مظاهر الخير وسعة الرزق التي ظهر بها بعض قواد المسلمين هناك، في الوقت الذي أبقى فيه هو على تواضع هيئته ومركبه على الرغم من نصح بعض الجند له بإظهار حال أحسن منها عند استقبال القواد وبطارقة الشام له، فأجابهم عمر بأن العزة ليست بالمظاهر وإنما بالإسلام "إنا قوم أعزّنا الله بالإسلام"٢ وهي الحقيقة التي ما فتئ عمر يؤكدها في كل موقف.
كما ذكر اعتذار عمر عن دعوة أحد الدهاقين النصارى لحضور وليمة أعدها له٣.
أما في كتاب التاريخ بمعنى التوقيت فقد خصه المؤلف بالحديث عن أعمار بعض الأنبياء كآدم ونوح ويوسف ومحمد ﵈ وبعض مشاهير الصحابة كابن عباس والخلفاء الأربعة، ثم سنوات وفيات بعض الأعلام، حتى سنة ١٧٧ هـ ٤. ثم أورد مدد عهود الخلفاء الراشدين وخلفاء الدولة الأموية حتى الخليفة المأمون على طريقة ذكر اسم كل خليفة ومدة حكمه٥. وكان دقيقًا في ذكر عدد السنوات وكسورها التي مكثها كل منهم ووافقه في ذلك عدد من المؤرخين ممن جاء بعده وعلى رأسهم الإمام الطبري.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج١٣ ص٣٤-٣٧. ٢ المصدر السابق ج١٣ ص٤٠- ٤١. ٣ ابن أبي شيبة ج١٣ ص٦٩، ٧٠، ٧٣. ٤ نفسه. ٥ المصدر السابق ج١٣ ص٧٠-٧٢.
[ ٥٨٢ ]
ثم ألحقه بباب نفيس عن أسماء من اشتهروا بكنيتهم، أو ذكر كنى من اشتهروا بأسمائهم، لعدد كبير من الصحابة والخلفاء والقواد والأعلام المشهورين ذكر فيه سردًا للكنى المشهورة واسم صاحبها أو اسم الخليفة أو العلم، وكان ابن أبي شيبة مصدرًا لعدد ممن ألفوا في هذا الباب من القدامى، وقد ألف في هذا الباب فيما بعد كل من الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) والدولابي (ت ٣١٠ هـ)، كتبًا منفردة.
الفتن:
عقد ابن أبي شيبة بابًا للفتن وسماه كتاب الفتن جاء فيه في البداية بعدة مرويات في مفهوم الفتنة العام، وكيف تكون وعلاماتها والموقف منها١، وذكر عدة روايات تجعل بعض الأحداث التاريخية منها مثل قتل عثمان ومقتل الحسين وحركة عبد الله بن الزبير.
وعلى أية حال فإن هذا الباب عند المحدثين لا يخلو من مادة تاريخية تفيد في موضوعاتها، ومنها مرويات ابن أبي شيبة حول مقتل الحسين وابن الزبير فهي مهمة عند دراسة تلك الأحداث وتعين في معرفة مواقف بعض الصحابة والتابعين منها، وتوضح جوانب من موقف الدولة الأموية إزاءها إلا أنه ينبغي عدم التسليم ببعضها لما يظهر عليه من الوضع والصنعة مثل سرد بعض الروايات في صفات تنطبق على أحد الرجلين والموقف منه، والنص في بعضها على أن الذي يخرب البيت العتيق هو رجل من آل الزبير٢ ونحو ذلك مما يوحي بأنها وضعت بعد أحداث الحركتين بأسلوب يوهم بأنها روايات سابقة جاءت الأحداث تؤكدها، وهو أمر لم تخل منه المصادر التاريخية أيضًا، وكان المصنفون الأوائل قد دونوا كل رواية وصلتهم، وتركوا نقدها وتمحيصها،
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج١٥ ص٥-١٥، ٧٠-٨٧ وغيرها. ٢ المصدر السابق ج١٥ ص٨٤.
[ ٥٨٣ ]
والأخذ بها أو ردّها لمن يأتي بعدهم، وقد وضح ذلك الطبري في مقدمته ولا يعني أنها مما صح عندهم.
وقد توسع ابن أبي شيبه في باب مقتل الخليفة عثمان بن عفان ﵁ أكثر من الأبواب أو الموضوعات الأخرى في الفتنة، فقد جاء بأكثر من ١٢٠ رواية في أحداث مقتله١. وتبين في مجموعها تفاصيل ما دار بينه وبين الخارجين عليه ورجوعهم ثم عودتهم من الطريق ومطالبتهم له بخلع نفسه أو القصاص منه، وعزل بعض الولاة ورده ذلك ومحاجتهم فيه، وكيف اقتحموا عليه الدار، وأسماء من باشر أو أشار بقتله منهم، وروايات أخرى فيما يترتب على تلك الفتنة من هلاك العرب وعدم اجتماعهم يدًا واحدة بعدها، وقد انفرد ابن أبي شيبة بها بين أصحاب المصنفات مثل الصنعاني، كما أنها تشبه تفاصيل ما أورده وزاد عليه كثيرًا عمر بن شبة فيما بعد في الموضوع ذاته٢. وهناك روايات متفقة في السند والمتن عند الاثنين مع تفصيل أو إيجاز فيه عند أحدهما أحيانًا فهل أخذ عمر بن شبة عن ابن أبي شيبة ولم يشر إليه؟ ٣ والمعروف أن الإمام الطبري رجع لابن شبة في موضوع مقتل عثمان ﵁ إلا أن هناك روايات كثيرة عندهما لم ينقلها ولهذا فإن الرجوع إليهما مباشرة سوف يسهم في دراسة أحداثه ونقد مروياته من جديد.
وعلى الرغم من أن المصنف أخر مرويات مقتل عثمان عن الحديث عن فتنة مقتل الحسين وابن الزبير إلا أن حديثه في كتاب الجمل وترتيبه بعده ظهر كأنه نتيجة واقعة لتلك الأحداث كما هي حقيقة بالفعل ودلالة على افتراق الأمة بعد تلك الفتنة.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج١٥ ص٢١٨-٢٢١. ٢ عمر ابن شبة: تاريخ المدينة ج٤ ص١١٤٩. ٣ ابن أبي شيبه المصنف ج١٥ ص٢١٥-٢١٩، عمر بن شبة: تاريخ المدينة ج٤ ص١١٤٩، ١١٥٢.
[ ٥٨٤ ]
حتى رد ابن سيرين في أحدها بقوله: "ما علمت أن عليًا اتهم في قتل عثمان حتى بويع، اتهمه الناس". وقال علي نفسه فيما بعد في البصرة: "والله ما قتلته وما مالأت على قتله"١.
وكان عمار بن ياسر لا يجيز تكفير أهل الشام في صفين ويقول عنهم: بأنهم مفتونون جاروا عن الحق، ويصفهم في رواية أخرى بأنهم فسقوا ظلموا.
كما جاء ابن أبي شيبة بروايات في نشأة الخوارج المبكرة وصفتهم وموقفهم من الخلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية ثم قتال علي لهم عند النهروان، وأشهر فرقهم وهي الحرورية٢.
معركة الجمل:
أفرد ابن أبي شيبة كتابًا لأحداث معركة الجمل، وبدأه بمسير عائشة وعلي وطلحة والزبير إلى الكوفة وبدأه برواية طويلة حول وفود بعض أهل البصرة على علي من بني راسب٣، ثم كيف أنشب عُبدان الفريقين القتال وعقر جمل عائشة، وأن قلة قليلة من الصحابة شهدوا الجمل٤.
ثم ذكر عدة صور من تقدير الفريقين بعضهما بعضًا وأن الأمر لا يصل إلى التكفير "لم يكفر أهل الجمل" وكل منهم يلهج بالثناء على صاحبه ويعطي جائزة لمن يبشره أنه حيّ،. ووصف الفريق الآخر بأن: "إخواننا بغوا علينا"٥. وربما جلس علي وأصحابه يومًا يبكون على طلحة والزبير ٦.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج١٥ ص٢١٠. ٢ ابن أبي شيبة ج١٥ ص ٣٠٣، ٣٢٠، ٣٢٦. ٣ ابن أبي شيبة ج١٥ ص٢٥١. ٤ المصدر السابق ج١٥ ص٢٦٤. ٥ المصدر السابق ج١٥ص٢٥٧-٢٥٨. ٦ المصدر السابق ج١٥ ص٢٦١.
[ ٥٨٥ ]
كما أورد عددًا من الروايات تشير أن طلحة والزبير بايعا عليًا مكرهين فساغ لهما نقض بيعته، ومرة أخرى يريان أنه بدل ١.
وأخرى تذكر أن عائشة وعليًا كان يتمنيان أنهما لم يدركا معركة الجمل٢. وبحكم موضوع هذا الكتاب فرواياته تدور حولها حتى جاء فيه بالروايات المتعارضة والمواقف المختلفة لمن شاركوا في أحداثه.
وبعد انتهاء المصنف من ذكر مرويات معركة الجمل عقد بابًا لموقعة صفين بين علي ومعاوية﵄- جاء فيه بأربع وأربعين رواية فيها، دارت بوضوح أكثر حول مواقف عمار بن ياسر﵁- وثباته مع علي وترديده القول: "لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا علي الحق وأنهم على الباطل"؛ ومع هذا كان ينهى أصحابه عن تكفير أهل الشام، ويأمرهم بقول: "فسقوا وظلموا"٣، فما أمر التكفير بهين. وقريب منه موقف علي ﵁ عندما يروي المصنف أنه كان يحسن معاملة أسرى الشام ولم يقتل أحدًا منهم ويكتفي بأخذ سلاحه ثم يخلي سبيله وربما أعطى الواحد منهم بعض الدراهم في سبيل الإحسان إليه٤.
ثم جاء بعد ذلك بروايات كثيرة حول ظهور الخوارج وموقفهم من علي وموقفه الحازم منهم بصور مختلفة معقولة بالسند وكثير منها بعبارة شهدنا، وكنا مع، وخطبنا، وأمثالها من عبارات شهود العيان، والقرب من الأحداث٥. فضلًا عن أن ابن أبي شيبة يذكر مروياته حول أحداث الجمل وصفين والخوارج بطرق إسناد مختلفة في الغالب عما ورد عند الآخرين كأبي مخنف ونصر بن مزاحم والطبري.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١٥ ص٢٦١، ٢٧٢. ٢ المصدر السابق ج١٥ ص٢٨٢، ٢٨٦. ٣ ابن أبي شيبة ج١٥ ص٢٩٣-٢٩٤. ٤ المصدر السابق ج١٥ ص٢٩٥. ٥ المصدر السابق ج١٥ ص٣٠٣-٣١٩، ٣٢٠، ٣٢٦، ٣٢٧، ٣٣٢.
[ ٥٨٦ ]
تراجم الأعلام:
تضمنت أحداث السيرة النبوية معلومات قيمة حول عدد من الصحابة كإسلامهم وبعض صفاتهم وما تحلّوا به من فضائل، وأدوارهم في المعارك والغزوات ومواقفهم في الحياة الإسلامية وقتذاك. مثل مرويات إسلام الخلفاء الراشدين الأربعة وكيفية ذلك، وإسلام كبار الصحابة الآخرين كالزبير وأبي ذر الغفاري وزيد بن حارثة وسلمان الفارسي وعدي بن حاتم وجرير بن عبد الله البجلي ﵃. والمصنف تحدث عن هؤلاء وغيرهم سواء عند مناسبة ذكر إسلامهم في كتاب المغازي١، أو عند مناسبة كلامهم في باب الزهد٢، أو عند ذكر صفاتهم في باب طويل عقده للفضائل٣، تحدث فيه بإسهاب عن أخبار كثير من الصحابة ومواقفهم وثناء الرسول ﷺ على بعضهم وأقوال بعضهم أو الآخرين فيهم، فعلى سبيل المثال ذكر عن عثمان خمسة عشر صفحة وعن الزبير أربع وعن عبد الله بن مسعود ست صفحات وغيرهم كثيرا عدا ما جاء عنهم في مواضعه عند ذكر الأحداث التي شاركوا فيها أو ذكر فضائل قبائلهم أو أقاليمهم.
وذكر في إسلام سلمان الفارسي رواية مطولة ٤ لم يذكرها ابن إسحاق وهي مما تفرد به عنه.
وبجمع الروايات الكلية عن كل علم عند ابن أبي شيبة يصبح لدينا حوله كمٌّ كبيرٌ من المادة العلمية في التراجم والسير لا غنى عنها لمن يبحث في هذا الباب، كما تساعد في دراسة بعض مواقف الصحابة مثل أبي ذر والزبير ﵄ من الأحداث التاريخية في أواخر عصر الخلفاء الراشدين وبداية الدولة الأموية.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٢٨٤. ٢ ابن أبي شيبة ج١٣ ص١٩٢. ٣ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٥. ٤ ابن أبي شيبة ج١٤ ص٣٢١-٣٢٤.
[ ٥٨٧ ]
الدولة العباسية:
أشاعت الدولة العباسية بأنها دولة عدل ومحاربة جور، وأنه سيكون من خلفائها مهدي يملأ الأرض عدلًا، وعزوا ذلك إلى أحاديث مروية عن الرسول ﵇ وقد جمع ابن أبي شيبة عددًا منها في مصنفه منها أنه "لن تنتهي الدنيا حتى يبعث الله رجلًا من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي"١ والمقصود الإشارة إلى الخليفة المهدي محمد بن عبد الله إلى درجة أن المهدي الذي يخرج في الناس قيدت الروايات وقتذاك خروجه بأنه بعد قتل محمد النفس الزكية ٢، أي وفق ترتيب الأحداث التاريخية المعروفة فالخليفة المهدي جاء بعد انتهاء ثورة النفس الزكية.
ولم يأت المصنف بمرويات في أخبار الدولة الأموية والدولة العباسية عدا ما أشير إليه سواء في أبواب المصنف أو في كتبه التاريخية المضافة إليه وقد يعود ذلك إلى طبيعة مؤلفه الأساس وهو في الحديث ثم أن تاريخ الدول وعهود الحكام لم يشع التأليف فيه كثيرًا وقتذاك مثلما اشتهر التأليف في موضوعات كتبه التاريخية.
القبائل والأنساب:
لم يفت المصنف ذكر أخبار بعض الأحلاف والقبائل العربية مثل قريش وقيس وبني عامر وبني عبس وثقيف وبجيلة والمهاجرين والأنصار والعرب عامة٣. وتوضح هذه جانبًا ثم أنسابهم ومكانتهم في الدولة الإسلامية ومواقف بعضهم من أحداثها ومشاركتهم في الفتوح والإدارة ونحوهما. وقد أثنى الرسول ﵇ على كثير من صفاتهم أو مواقفهم أو دعا لهم مثل ثنائه على جهينة
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبه ج١٥ ص١٩٨. ٢ ابن أبي شيبه ج١٥ ص١٩٩. ٣ ابن أبي شيبه ج١٢ ص١٥٥-١٦٧، ١٩٧-٢٠٦.
[ ٥٨٨ ]
وأسلم وغفار وغيرها وقد توسع الإمام مسلم في ذلك١، فهو يذكر عن بني أسد أنه شهد ألفان منهم معركة القادسية وكانت لهم راية خاصة بهم.
كما كانت قيس مقدم جيش مسلمة بن عبد الملك في قتال الترك في بعض ثغور أرمينية ٢.
وقد اهتم مؤرخو الأنساب بهذه المرويات عند التاريخ لأنساب هذه القبائل ولهذا فإن مصنف ابن أبي شيبة من المصادر المبكرة لكتب الأنساب، وقد رجع البلاذري إليه فيما يتعلق بنسب بعض بيوت قريش ٣.
أحكام الحرب:
تَحدث المصنف طويلًا عن أحكام الحروب وقواعدها، وعقد لذلك بابًا باسم باب الجهاد بين فيه حكم الحرب ومبرراتها وشرعية الأسباب المؤدية إليها، ومقدماتها من بيات ومبارزة٤، ثم ما يحدث خلالها من قتل وغزو في البر والبحر، والموقف من الأملاك في أرض العدو من زرع ودواب وعمارة، والموقف من كيفية معاملة الأسرى وتوزيع الغنائم ونصيب كل فرقة من الجيش منها، وهو في هذا يتابع المحدثين حيث دأبوا في مؤلفاتهم على عقد باب في بيان الجهاد وأقسامه وقواعده وأهدافه ووسائله. وكان الميدان لذلك على أرض الواقع هو التاريخ - بطبيعة الحال- من نشر للدعوة وقتال المشركين وحروب اليهود والنصارى، وكل ذلك أخذ من أرض الواقع التاريخي واستشهد عليه بما فعله الرسول ﵇ في غزواته أو أمر به قواده أو قاله في مناسبته أو عند حدوثه، أو سار عليه من جاء بعده أو خلفائه الراشدين أو أحد أمرائهم وقواد جيوشهم. فوردت في مجاله معارك وأحداث وأدوات وغنائم وإدارة للمعارك
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ج٢ ص٤٠٤-٤٠٧. ٢ ابن أبي شيبة ج٢ ص١٩٨. ٣ البلاذري: أنساب الأشراف ج٣ ص٢٨- ٢٩، ٥٤. ٤ ابن أبي شيبة ج١٥ ص٣٦٩.
[ ٥٨٩ ]
وإسناد وتموين وتوزيع غنائم في البر والبحر، وهي موضوعات مهمة لم يعن بها بما فيه الكفاية في الدراسات التاريخية. كما يأتي المصنف بعدة روايات بشأن عدم هدم الكنائس والبيع النصرانية في البلاد التي فتحها المسلمون ويذكر كتابًا مهمًا لعمر بن عبد العزيز وجّهه لولاته بشأن عدم هدم أماكن العبادة للشعوب الأخرى والرهبان والعبَّاد العاكفين فيها ١.
وكذلك عدم التعرض لغير المقاتلة ومن ثم ذكر أن المسلمين الأوائل لم يكونوا يقتلون النساء والأطفال والشيوخ من الأعداء من مختلف الأجناس، بل كان لدى القواد المسلمين تعليمات بالرفق بالطبقات العامة كالفلاحين ونحوهم٢.
وقد أوصى أبو بكر الصديق قواده في بلاد الشام بعدة وصايا تعد دستورًا في الخلق الحربي خالدًا سبق أي آداب أو قوانين حديثة حولها، منها عدم قتل الشيوخ والنساء والصبية أو قطع الشجر أو إغراق المزروعات أو عقر الحيوانات أو إشعال الحرائق وتخريب الدور والأسواق العامرة ٣.
إن الخلق الحربي وآداب القتال في الإسلام كانت أحد عوامل انتصاره وانتشاره السريع في البلدان المفتوحة وأدرك أهلها أن الحرب الجديدة لها أهداف ووسائل تختلف عن الحروب التي عانوا منها من قبل ولهذا فإن مرويات ابن أبي شيبة في هذا المجال تقدم مادة مهمة لمن يبحث انتشار الإسلام.
أما الأمان الذي ذكره ابن أبي شيبة فهو بمعنى الإِجارة وكيف أن المسلمين الأوائل كان يجير عليهم الرجل منهم حتى إن المرأة كانت تجير فيقبلون من أجارت٤.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٣٤٣، ٣٨٧. ٢ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٣٨٣. ٣ نفسه. ٤ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٤٥٢-٤٥٣.
[ ٥٩٠ ]
أما الأمان بمفهومه الواسع فيما يعرف بنظام المستأمنين في الحضارة الإسلامية لأهل الذمة والسفراء والتجار فلم يتطرق له على الرغم من توسع الإمام أبي يوسف فيه من قبل١.
تاريخ المدن:
أما في تاريخ المدن فقد أورد ابن أبي شيبة مجموعة أحاديث عن فضائل المدن والأقاليم الإسلامية مثل المدينة والكوفة والبصرة واليمن والشام٢. ففي فضائل المدينة ذكر أن من أسمائها طابة وأن الدجال لا يدخلها في آخر الزمان، وكذلك حديث أن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها، وقد أورده الإمام مسلم في صحيحه فيما بعد٣. كما أورد عددًا من الروايات عن مركزي الكوفية والبصرة في الإسلام٤. وكذلك الحال بالنسبة لإقليمي اليمن والشام، ولهذا كانت هذه المعلومات مادة مناسبة للذين أرخوا لتلك المدن والأقاليم في القرون التالية مثل عمر بن شبة في تاريخ المدينة، وابن عساكر في تاريخ دمشق وبلاد الشام.
ولم يذكر ابن أبي شيبة شيئًا عن مدن وأقاليم مهمة مثل مكة وبغداد ومصر على الرغم أن سياق رواياته تطلب ذلك، فهل لم يجد ما يذكره عنها أم أن أقسامًا حوتها من مصنفه ضاعت.
الفداء:
لازم الفداء وتبادل الأسرى العلاقات الحربية بين المسلمين وأعدائهم خلاله عصور التاريخ وذكر ابن أبي شيبة صورًا من كيفية إجرائه ووقائعه في عهد
_________________
(١) ١ أبو يوسف: كتاب الخراج ص٢٠٣-٢٠٤. ٢ ابن أبي شيبة ج١٢ ص١٧٩ - ١٩١. ٣ صحيح مسلم ج٢ ص٤٠٥. ٤ ابن أبي شيبة ج١٢ ص١٨٨-١٨٩.
[ ٥٩١ ]
الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين وعهد الدولة الأموية ومن ذلك أن الرسول ﵇ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل١، وأنه لم يكن يقبل فدية أو أن يبقى أحد من قتلى المشركين إذا ما طلبوا ذلك٢. وأشار إلى فداء جرى بالسوس في أقصى المغرب في العهد الأموي بين موسى بن نصير وأحد قواد الأعداء هناك ٣.
ولم تذكره كتب التاريخ العامة كالطبري والمسعودي وابن الأثير على الرغم من أن المسعودي توسع أكثر من غيره في ذكر الأفدية بين المسلمين والروم٤. ومن ثم تفرد به ابن أبي شيبة. بالنسبة لما ذكر من مصادر.
الإمامة والسياسة:
احتلت الإمامة والسياسة حيزًا مناسبًا عند ابن أبي شيبة فقد جاء بعدد من الأحاديث والأقوال في طاعة الإمام ونص على أن الإمام الذي تجب طاعته هو من يحكم بما أنزل الله وأن يؤدي الأمانة الملقات على عنقه نحو محكوميه، وأن يكون من أولي العقل والفقه يقود الناس بكتاب الله عز وجل٥.
وحذّر من تولي الإمارة في أي مجال حتى ولو في السفر إلا بشروطها من الحق والعدل "فإنه ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه من غله ذلك إلا العدل". والضابط فيها أن من يسألها يوكل إليها، وحسب الإنسان ضعفًا، ومن أوتيها من غير مسألة يعان عليها، وكفى بعون الله وتوفيقه لعبده٦.
والمؤلف افتتح باب الجهاد بذكر ما ورد في الإمارة والسياسة وربما أسهم
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ج٢ ص٤١٦. ٢ المصدر السابق ج١٢ ص٤١٩. ٣ المصدر السابق ج١٥ ص٤١٨. ٤ المسعودي: التنبيه والإشراف ص١٦٠. ٥ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٢١٢ -٢١٤. ٦ المصدر السابق ج١٢ ص٢١٥- ٢١٨.
[ ٥٩٢ ]
هذا في صرف الباحثين المتأخرين فيها عن الرجوع إليه لاستقلالها عن الجهاد والحرب في المؤلفات المتأخرة كالماوردي والغزالي حيث عقدا لها أبوابًا مستقلة. كما ذكر المصنف ﵀ كثيرًا من الروايات التي تعبر عن السياسة والحكم بالأمر١. وهو فيما يبدو المصطلح السياسي الذي يطلق عليهما في الماضي، كما وردت عنده كلمة عالم بالسياسة في مناسبة ما ينبغي أن يتحلى به الأمير٢.
آلات الحرب وراياتها:
اشتملت الروايات التاريخية التي أوردها ابن أبي شيبة في مصنفه على بعض آلات الحرب وخططها مثل السيوف ومسمياتها الرماح والمنجنيق والتروس والدروع.
وكذلك لا تخلو من الإشارة إلى بعض الخطط الحربية كالكمين والالتفاف والخندق والبيات أو الهجوم الليلي سواء في أحداث معركة اليمامة أو الجسر أو القادسية وغيرها. وبالإضافة إلى ما ورد عنها عنده في كتب الأحداث التاريخية فإن كتاب الجهاد حوى على الكثير من وصفها.
كما جاء المصنف بعدد من الرِوايات في مناسبات عدة بأن رايات المسلمين في العهد النبوي كانت سودًا وعلى رأسها راية الرسول ﵇ المسماة بالعقاب وتابعه المسلمون في ذلك فكانت راية خالد بن الوليد في فتح دمشق سوداء وكانت راية علي في موقعة الجمل سوداء أيضًا ٣. وعلى الرغم من أن نصر بن مزاحم معاصره ذكر الرايات الإسلامية الأولى بعدة ألوان ومنها راية بيضاء وأخرى حمراء٤،
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١٢ص١٧٠، ١٧٢-١٧٣. ٢ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٥٦٠. ٣ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٥١٢-٥١٣. ٤ نصر بن مزاحم المنقري: وقعة صفين ص٢٨٩.
[ ٥٩٣ ]
فإننا لا نعرف تعليلًا لاقتصار ابن أبي شيبة على مرويات الرايات السوداء إلا أن يكون ذلك بتأثير روح العصر العباسي الذي عاش فيه حيث كان السواد شعاره.
ويلحق بهذا ما ورد عنده عن الشعارات في الحرب وهى ما يشبه كلمة السر أو الهتاف١.
وأخيرًا فإن من يبحث في ألبسة العرب وأنواعها ومواضع استخدامها ومناسباتها ومواد نسجها أو صبغها وما هو مخصص للرجال أو النساء يجد في المصنف مادة مناسبة في هذا الموضوع٢.
أهل الذمة:
أشار ابن أبي شيبة باختصار إلى معاملة أهل الذمة وذكر أن عمر بن الخطاب كان يرفع الجزية عمن أسلم منهم ويفرض الخراج على أرضه، ومن كان له أرض أخذت منه ردت إليه، أما الذين بقوا على دينهم فقد كانت ترقم رقابهم٣؛ ربما للتفريق بينهم وبين من أسلم من بني ملتهم، وقد اتبع هذا الإجراء نحوهم في العصر العباسي.
وهي نصوص تصلح لمن يدرس أحوال أهل الذمة في العصرين الأموي والعباسي حيث حاول بعض الولاة إبقاء الجزية على من أسلم، وألزموا أهل الذمة بلباس أو لون معين.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة ص١٢ ص٥٠٣-٥٠٦. ٢ ابن أبي شيبة ج٨ ص٤١١، ٤٣٠. ٣ ابن أبي شيبة ج١٢ ص٢٣٣-٢٣٤، ٣٤٦.
[ ٥٩٤ ]