فأنظر هل الاختلاف في هذه الرواية من ناحية المتن أو الإسناد؟ كأن يُبدل راوٍ براوٍ آخر، أو يروى الحديثُ مرّة متصلًا وأخرى مرسلًا، ومرة مرفوعًا وأخرى موقوفًا، أو اختلافات في المتن من نقص أو زيادة أو تقديم أو تأخير يؤثر في المعنى مطلقًا.
فإن لم يوجد اختلاف لا في الإسناد ولا في المتن، عندها يُنظر هل حُكِّمَ على هذا الحديث بالتفرّد؟، فإن لم يحكم عليه بالتفرد، فعندها من الممكن أن أحكم حكمًا مبدئيًا على هذا الإسناد بما يستحقه من صحة أو ضعف، فإن ظهر لي أن الحديث تفرّد به الراوي، والتفرد يظهر بأحد أمرين:
١- إما بالنصّ من أحد الأئمة المُطلعين الحُفاظ، كأن يقول: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فلان، أو هذا حديث فرْدٌ، أو لا أعرفه إلا من هذا الوجه، وغيرها مما يدل على التفرّد والغرابة.
٢- قد أحكم بالتفرد دون وجود هذا النصّ، وذلك حين اجتماع أمرين:
[ ١ / ١٠٢ ]
أ) عند الاستقصاء الواسع من الباحث في التخريج، ويكون من أهل الاستقصاء، وهو مَنْ يعرف المراجع والمصادر، بحيث أنّه في ظنّه لن يغيب عن علمه واطلاعه أمرٌ ذو بال.
ب) أن يوافق ذلك قرائن تدل على أن العلماء والحفّاظ لم يعرفوا هذا الحديث إلا من هذا الوجه، مثل: فيما لو جئت مثلًا إلى (العلل) للدارقطني فذكر هذا الحديث -ومن شأن الدارقطني أنه يبسط طرق الحديث-، فلم يذكر إلا طريقًا واحدًا لهذا الحديث، فهذه قرينة؛ لأنه لو وجد الدارقطني طرقًا أو روايات أخرى لذكرها، ثم قد يوافق الدارقطني ابن أبي حاتم، فيذكر الحديث في علله، ويذكر ما حصل فيه من اتفاق واختلاف، وأيضًا يذكر أن مرجعه إلى راوٍ واحد. وبعض الأحيان تأتي عبارات، مثل أن يقول العالم:" هذا الحديث يُعرف بفلان "، فهذه ليست صريحة بالتفرد، لكنه اشتهر بروايته، حتى كأنه تفرّد به. ثم يوافق ذلك عدم وقوفي على الحديث من وجه آخر، فحينها يمكن أن أميل لترجيح أن هذا الراوي تفرّد بهذا الحديث.
[ ١ / ١٠٣ ]
فإن ثبت أن هذا الحديث تفرّد به فلان، فأنظر هل هذا الحديث مما يُحتمل أن يتفرد به هذا الراوي أم لا؟؛ لأن العلماء نصّوا -وعلى رأسهم ابن الصلاح،وغيره- أن من أقسام الحديث الشاذ والمنكر المردودة: تفرّد من ليس فيه من الضبط والإتقان ما يقع جابرًا لتفرده. فقد يكون الراوي ثقة أو صدوقًا فيتفرد بأصل، والمقصود بالأصل: هو الحكم أو الخبر الغريب الذي لا نكاد نجده بهذا الوضع إلا في هذا الحديث، ومسألة التفرد بأصل مسألةٌ شائكةٌ، ولا يمكن لأي إنسان أن يدخل فيها، ويحكم بأن هذا الحديث أصل، وتفرّد به- وقد سبق ذكر قرائن وملاحِظِ الحكم على التفرّد -، فإذا تفرّد الثقة أو الصدوق بأصل، وكان ممن لا يحتمل التفرّد، فهذا نردّه، ونقول: لعله من أوهامه، إذ لو كان صحيحًا لتصدّى الأئمة الكبار لحفظ هذا الأصل وضبطه. ومن أمثلة ذلك: حديث أن النبي -ﷺ- كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، أخرجه أبو داود بسند صحيح، ثم قال عنه: هذا حديث منكر. وبيّن العلماء سبب نكارته: أنه تفرّد به راوٍ اسمه: همّام بن يحيى، وهو ثقة من رجال الشيخين، لكن رأى أبو داود أنه لا يحتمل التفرّد بهذا الحديث، وكذلك قال النسائي عن هذا الحديث:" هذا حديث غير محفوظ "؛ والسبب في هذا أن النبي -ﷺ- لبس خاتمًا في آخر عمره، ولو كان النبي -ﷺيخلعه كلما أراد الخلاء؛ لكَثُر الناقلون عنه؛ لأنها قضية متكررة في اليوم والليلة، فتفرد همّام بن يحيى بهذا الحديث عن شيخه، وشيخه عن شيخه إلى الصحابي مثيرٌ للريبة، فكيف لا يرويه إلا همّام بن يحيى في طبقة أتباع التابعين؟! ألا يرويه من الأمة أحد غيره!!، فجعل العلماء يستنكرون بذلك الحديث، وأنه لا يصح.
[ ١ / ١٠٤ ]
أما في حالة: إذا اختلف الرواة، فحينئذ ينبغي أن أُحدّد -أولًا- موطن الاختلاف، والراوي الذي اختلف عليه، فمثلًا أجد روايات حديث ما التقت عند الزهري، ثم اختلف في الراوية على الزهري على الأوجه المُختلف عليها، فمثلًا بعضهم يرويه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وبعضهم يرويه عن الزهري عن سعيد عن النبي -ﷺ-، وبعضهم عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبيﷺ-، وبعضهم يرويه من كلام الزهري. من هذا المثال يتضح أن موطن الخلاف هو الزهري.
فإذا عينت الراوي المختلف فيه، انظر هل هو ثقة أو ليس بثقة، فإن كان ثقة، فأنظر في الرواة المختلفين عنه، لعل الرواة عنه فيهم ضعيف، فيكون هو الذي خالف، فإذا وقفت -مثلًا- على أن الرواة عنه: واحدٌ منهم ثقة، والبقية ضعفاء، فتكون الوجوه كلها خطأ من هؤلاء الضعفاء، والصحيح هو الوجه الذي رواه ذلك الثقة، وأعتبر رواية الصدوق شاذة. والمقصود هنا المخالفة الحقيقية، كاختلاف الوصل مع الإرسال. وإذا كان غالب الرواة على وجه، وجاء راوٍ أو اثنين وتفرّدا بوجه آخر، فعندها نرجح رواية الأكثر عددًا، خاصة إذا كان الراوي أو الراويين أقل درجة من الأكثرين.
[ ١ / ١٠٥ ]
قد تأتي حالة لا أستطيع أن أوهّم فيها الرواة عن الشيخ، كأن أجد أن كل وجه من الوجوه اتفق على روايته عددٌ من الثقات، فاتفاق هؤلاء الثقات على رواية هذا الوجه يُبعد احتمال أن يكونوا جميعًا أخطأوا على هذا الشيخ، وكذلك الثقات الآخرون الذين رووا الوجه الآخر وغيرهم على وجه ثالث، فعندها أنظر إن كان هذا الراوي المُختلف عليه إمامٌ واسع الرواية يُحتمل أن يكون هذا الحديث عنده من جميع هذه الوجوه؛ لأنه حافظ وشيوخه كثيرون، فتكون هذه الروايات عنه صحيحة، لكن إذا كان الراوي المُختلف عليه صدوق في ضبطه شئ، فيعتبر النقاد اختلاف الوجوه عنه دليل على اضطراب حفظه، فإما أن نجد قرينة من غير الروايات عنه تُرَجِحُ أحد هذه الوجوه أو يقول النقاد:" هذا حديث مضطرب، لم يُعرف الصواب فيه". فإذا وجدنا ما يدل على صحة أحد هذه الوجوه من دليل خارجي، غير روايات هذا الرجل حكمنا به، وإن لم نجد: نحكم بالإضطراب على هذه الرواية.
[ ١ / ١٠٦ ]
تنبيه: أهمية الاستعانة بكتب العلل
تنبيه: أهمية الاستعانة بكتب العلل، ولولا أن كتب العلل الموجودة الآن لا تستوعب كل الأحاديث لقلنا: بوجوب الرجوع إلى كتب العلل، والاستفادة منها في كل حديث. فينبغي أن تراجع كتب العلل، ويُنظر هل تكلّم العلماء عن هذه الرواية بشئ أو لا؟، فقد تكون هناك علة باطنة، أو تكون هناك روايات فاتت على الباحث، خاصةً إذا كان الحديث مشهورًا، أو كثير الاختلاف فيه بين العلماء، فمثل هذا بنسبة كبيره أن العلماء قد تعرضوا له في كتب العلل، ثم إن كتب العلل ليست قليلة كما يُظن، فـ (العلل) للدارقطني لوحده موسوعة عظيمة، حيث طُبع منه أحد عشر مجلدًا، وبقي منه ما يوصله إلى العشرين مجلدًا، ثم يُنتبه في أثناء البحث في كتاب (العلل) للدارقطني، فقد تكون الرواية التي تبحث عنها من رواية أبي هريرة، وتجد الدارقطني ذكرها في مسند ابن عمر؛ لأنه في أحد طرق هذا الحديث روي من طريق ابن عمر، فيذكر طرق ذلك الحديث في مسند ابن عمر، فعليه ينبغي أن تُقلب الحديث من جميع وجوهه، وتبحث عنه في كل مظنة له.
ثم إن بعض التعليلات تأتي متناثرة في بعض الكتب، ككتب السنن وغيرها، وأيضًا كتاب البزار، كتاب عظيم جدًا، قال فيه ابن كثير:"ويوجد في (مسند البزار) من التعليلات ما لا يوجد في غيره". وكلامه صحيح حيث نجد فيه تعليلاتٍ، وأحكامًا خفيّة في تعليل الأحاديث لا نجدها في غيره، أيضًا اضافة إلى كتب العلل الأخرى، كـ (العلل الكبير) للترمذي، و(العلل) لابن أبي حاتم، و(العلل) لعلي ابن المديني.
أيضًا هناك كتب ينبغي أن تراجع بعد الانتهاء من التخريج وهي للعلماء السابقين:كـ (تلخيص الحبير) ووكل كتب التخريج الموجودة، تُراجع لعل عند أحدهم زيادة طريق، أو زيادة توضيح، إلى غير ذلك.
[ ١ / ١٠٧ ]