تنبيه: أهمية النظر في المعضدات
المرحلة السادسة والأخيرة: هي الحكم على الحديث بناءً على المراحل السابقة بما يستحقه هذا الحديث.
تنبيه: ينبغي النظر في المعضدات، فقد أحكم على هذا الحديث بحكمٍ معين، لكن قد أجد ما يعضده ويقويه من طرق وشواهد أخرى.
وليس بصحيحٍ ما يقوله بعض المتأخرين بأن التقوية بالمعضدات ليس من منهج المتقدمين، بل الصحيح أنه منهج المتقدمين،والدليل عليه ما نصّ عليه الشافعي، من ذكر المعضدات التي تقوي الحديث المرسل -وهو من أقسام الضعيف عنده-، والشافعي -﵀- من أئمة المتقدمين.
والمُعضد قد يكون متابعة من رواية نفس الصحابي، وقد يكون شاهدًا من رواية صحابي آخر، على أن يكون المعنى منطبقًا بين الروايتين. وقد يكون فتوى عامة أهل العلم، أو العمل بمقتضى هذا الحديث، فهذه مُعضدات،ولا يلزم أن يكون كل مُعضد في كل مرة يقوي الحديث، ولكن قد يقوي الحديث في بعض الأحيان، من أجل ذلك نجد أن الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) -وهو الذي لا يقبل المرسل- قال مرة في حديث «لا وصية لوارث»:"لا نعرف له إسنادًا صحيحًا، إلا أن عامة أهل السيّر لا يشكون أن النبي - ﷺقاله يوم فتح مكة". واحتج به الشافعي، ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة الشافعي هل هذا الحديث له أسانيد صحيحة أو لا؟، فالصحيح أن له أسانيد صحيحة، كما بيّن الشيخ: أحمد شاكر في تعليقه على كتاب (الرسالة)، لكننا نناقش مذهب الشافعي في هذه القضية، ونبيّن لك أن من منهج العلماء أنهم يقوّون الحديث الضعيف إذا كان عامة أهل العلم يعملون به، ونصّ على هذه القضية الشافعي في كلامه على المرسل، ونصّ عليه ابن عبد البر وغيره.
فإذا كان الحديث في إسناده شئ من الضعف لكن اتفق أهل العلم على العمل به -وليس المقصود إجماعًا-، ولم يُعلم لهم مخالف فعندها نُعضّد الحديث، وندخله في حيّز القبول مادام أنه خفيف الضعف، وفي الإمكان أن يرتقي.
[ ١ / ١٠٨ ]
الاكتفاء بالحكم على الإسناد فقط دون الحديث بذاته، إلا في حالة واحدة
نصيحة:"إن هذا العلم دين؛ فانظروا
وينتبه إلى أن الحديث الذي يُعضّد هو الحديث خفيف الضعف. أما الحديث شديد الضعف فلا يرتقي ولا يُعضّد، ولو روي من مائة وجه، فهذا هو الصحيح، وكم من حديث يرويه العلماء من طرق متعددة –كابن عدي- ويقول:"هذا الحديث تهافت عليه الكذابون، فرواه فلان وفلان "، ويُفتضح الراوي عندهم برواية هذا الحديث، فقد يكون الراوي مستور الحال، فإذا روى هذا الحديث، قال:" هو كذّاب"، فلو كانوا يقولون بمطلق مجموع الطرق لأصبح هذا الراوي عندهم "ثقة"، بدلًا من أن يكون ضعيفًا أوكذّابًا.
وأخيرًا: نرجع بالنصيحة في الاكتفاء بالحكم على الإسناد، وعدم التطرق بالحكم على الحديث بذاته، إلا إذا سُبقت من إمام مطلع، ووافق حكمي على الإسناد إطلاع ذلك الإمام، فعندها ممكن أن أحكم على الحديث.
وأخيرًا أيضًا:إن هذا العلم دينٌ فانظروا عمّن تأخذون دينكم، فالقضية خطيرة، فلا يُظن أن الحكم على الراوي أمرٌ سهل وهيّن، أو أن الحكم على الأحاديث أمرٌ هيّن.
وينبغي أن يُعلم أن الجرح والتعديل في الأصل هو غيبة، ولولا ضرورة هذه الغيبة وأن مفسدتها أقلُّ من مفسدة عدم الغيبة، لما رضي العلماء بالجرح أبدًا، والضرورة تُقدر بقدرها، فيجب عليّ أن لا أتجاوز موطن الضرورة، ومن المؤسف أن بعض طلبة العلم الذي قد يسمع-مثلًا- أن شريك بن عبد الله القاضي فيه ضعف، فإذا ذكره فإنه يذكره بسخرية، ولو كان حيًّا لما استطاع أن يواجهه بهذه الطريقة، مع أن شريك بن عبد الله القاضي كان عالمًا من علماء السنّة، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، وكان من أشدِّ الناس في قمع أهل البدع، وفلان من الناس قد يكون عابدًا من العباد أو زاهدًا من الزهاد، ضُعّف لسوء حفظه، فيجب عليك أن تنتبه لألفاظك وعباراتك مع هؤلاء. وهذا يُبيّن ضرورة مراجعة كتب التراجم المطوّلة، حتى تتبيّن حال الرواة، وتُنزّل الناس منازلهم.
[ ١ / ١٠٩ ]