الأول: وجوب التنبه إلى الاصطلاحات الخاصة لبعض الأئمة، حيث إن الاصطلاحات قد يكون لها معنىً خاص عند إمام، يختلف هذا المعنى عند الجمهور، كما ذكروا عن البخاري أن عبارة "سكتوا عنه" عنده تدل على التضعيف الشديد، مع أن ظاهر العبارة أنهم ما تكلموا فيه، مع أن المراد العكس أي أنهم تكلموا فيه كلاما جارحًا شديدًا، فقصد بتلك العبارة أنهم أصبحوا لا يعتبرونه شيئًا. وكما ذكروا أيضًا عن يحيى بن معين أنه إذا قال:"ليس بشئ"، فإنه يقصد: قليل الحديث، وإن كان هذا القول ليس على إطلاقه، وأن الصواب أن يحيى بن معين يقول هذه العبارة في الغالب، والأصل أنه يقصد بها التضعيف الشديد، إلا أنه أطلقها مرّات وأراد بها قلة الحديث.
وقد نبّه على أهمية قضية الاصطلاحات الخاصة الإمام الذهبي في كتابه (الموقظة)، حيث قال:"ونحن نفتقر إلى معرفة عُرْف الإمام الجهبذ في اللفظ الذي يذكره حول الراوي". وهذا يقوله الإمام الذهبي، ويُظهر افتقاره إلى معرفة اصطلاحات الأئمة في ألفاظهم، وبهذا يُعلم مدى الحاجة إلى خدمة قضايا ومراتب وألفاظ الجرح والتعديل، فلم تُخدم بما فيه الكفاية، وكذلك قرّر الشيخ عبد الرحمن المعلّمي، في مقدمة (الفوائد المجموعة)، حيث تكلّم فيها عن أن كثيرًا من معاني ألفاظ الجرح والتعديل المقررة في كتب المصطلح، تخالف معانيها الحقيقية.
[ ١ / ٨٩ ]
الثاني: التنبيه إلى مراتب العلماء تشددا وتساهلا واعتدالا في الجرح والتعديل
الثاني: التنبيه إلى مراتب العلماء تشددًا وتساهلًا واعتدالًا في الجرح والتعديل. وقد نبّه أهل العلم على ذلك، ومنهم الإمام الذهبي في كتابه (ذِكْرُ مَنْ يُعتمدُ قوله في الجرح والتعديل)، حيث ذكر أن العلماء في كل طبقة تقريبًا ينقسمون إلى متشدد ومتساهل ومتوسط، والأكثر المتشدد والمعتدل، فذكر مثلًا في طبقة أتباع التابعين: يحيى بن سعيد القطان، ووصفه بأنه متشدد، وعبد الرحمن بن مهدي، ووصفه بأنه معتدل، وأحمد بن حنبل، ووصفه بأنه معتدل، ويحيى بن معين، ووصفه بأنه متشدد، وقال عن أبي زرعة: يُعجبني كلامه في الجرح والتعديل، ووصفه بأنه معتدل، وقال عن ابن عدي: بأنه معتدل ومتوسط، ووصف ابن حبان بالتساهل في التعديل، والتشدد في الجرح، وهناك من العلماء من لم يوصف لا بتشدد ولا بتساهل.
فهذه القضية مهمة وعميقة أيضًا، ومما يدل على دقتها وعمقها أننا ينبغي أن نعرف منزلة الإمام الذي وصف الأئمة بالتشدد والتساهل، هل هو متشدد أو متساهل؟ فالمسألة دقيقة تحتاج إلى دراسة، فلا يُعتبر حكم فلان من الأئمة على فلان هو الحكم الفصْل الذي لا محيد عنه؛ فلعله لكونه متشددًا يصف غيره بالتساهل، فالمسائل هذه لا يمكن الجزم فيها، بل تحتاج إلى دراسةٍ وبحثٍ وتحري.
[ ١ / ٩٠ ]
تنبيه مهم: هل يرد قول المتشدد في التضعيف، والمتساهل في التوثيق
وهنا تنبيه يتعلق بهذه المسألة: وهو أن بعض طلبة العلم يظن أن وصف العالم بالتشدد أو بالتساهل أو بالتوسط، أنه يعني أن لا يُقبل من إمام متشدد أن يحكم بالتضعيف، ونعتبر هذا من تشدده، كما أنه لا يقبل توثيق المتساهل مطلقًا، وهذا الظن غير صحيح، ولم يقلْ به أهل العلم، ولا الذهبي نفسه، الذي وصف العلماء بالتشدد والتساهل، فلم يفعل هذا الفعل. بل وُصِفَ العلماء والأئمة بهذه الأوصاف؛ لتنتفع بها عند تعارض أقوال الجرح والتعديل فقط، أما من يظن أنه يردّ قول المتشدد في التضعيف، والمتساهل في التوثيق، فهذا خطأ في المنهج؛ لذلك تجد بعضهم حينما يقف على حكم للحافظ ابن حجر يعتمد فيه على توثيق ابن حبان، تجدهم يتعجبون من صنيع الحافظ، مع أنه هو الذي وصف ابن حبان بالتساهل في التوثيق، وهذا خطأ فمن الذي قال: أن وصف الإمام بالتساهل يقتضي ردّ قوله في التوثيق، وكذا العكس؟!!، وكذلك تجدُ أن أعرف الناس بـ (المستدرك) للحاكم هو الذهبي -الذي اختصره-، وهو الذي تعقب الحاكم في مرّات بألفاظ لاذعة وشديدة جدًا، لمّا صحح بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، مع ذلك قال الذهبي في تصحيح الحاكم العبارة السابقة، وهي: "وإذا صحح الحديث الدارقطني والحاكم، فأقل أحواله حُسْن حديثه "، وكذلك الذهبي انتقد الترمذي بالتساهل، وقال فيه -كما سبق-:"إذا صحح الترمذي وابن خزيمة لرجل فهو جيّد الحديث". كما أن هذا المنهج الخاطئ يقتضي وصف الأئمة والعلماء بعدم العلم؛ لأنك لو قلت: فلان لا يقبل توثيقه، فمعنى ذلك أنك أهدرت أحكامه، والأحكام لا تهدر إلا لمن كان الغالب عليه الخطأ، أما من كان عالمًا فتكون غالب أحكامه صواب، ويجب عليك قبول أحكامه، إلا إذا جاء ما يدلّ على أنه خالف الصواب.
[ ١ / ٩١ ]
الثالث: التنبيه إلى أن كثيرا من ألفاظ الجرح والتعديل غير محررة المعاني
الرابع: التنبيه إلى أن عبارات الأئمة المتقدمين ليست دائما متقيدة بالمراتب
فائدة وصف العلماء بالتشدد والتساهل والاعتدال عند التعارض، فلو أن جارحًا متشددًا وصف راويًا بأنه ضعيف، ووصفه معتدل بأنه صدوق، ووثقه متساهل، فيصبح الصواب أنه صدوق.
الثالث: التنبيه إلى أن كثيرًا من ألفاظ الجرح والتعديل غير محررة المعاني، فمثلًا: قول الإمام البخاري في الراوي "فيه نظر"، معناه: أنه شديد الضعف، وذكر ذلك الذهبي وابن كثير وغيرهم، وأثبتت الدراسة الاستقرائية لأحد الدارسين، الذي استقصى لفظ البخاري "فيه نظر"، وخرج بأنه يقصد بها: الضعف الخفيف، وأيّد هذه الدراسة بأقوال أئمة ثلاثة، أوّلهم الترمذي، فقد نقل عن شيخه البخاري قوله في راوٍ "فيه نظر" فقال الترمذي مُعبّرًا عن ذلك: "فلم يجزم فيه بشئ"، ففهم الترمذي من عبارة "فيه نظر" أن البخاري متردد، والرواة الذين يستحقون التردد هم من كان في آخر مراتب الحسن، وأعلى مراتب الضعف. والثاني: ابن عدي، في كتابه (الكامل) -في أكثر من موضع- حيث يفهم من كلام البخاري "فيه نظر" أنه ضعف خفيف. وآخر هؤلاء هو الحافظ ابن حجر، حيث ذكر هذه القضية عَرَضًا في كتابه (بذل الماعون في فضل الطاعون)، فقال:"قال البخاري: فيه نظر، وهذه عبارته فيمن يكون وسطًا"، أي بين القبول والردّ، وهذا هو الصحيح.
الرابع: التنبيه إلى أن عبارات الأئمة المتقدمين ليست دائمًا متقيدة بالمراتب، ولكنهم يتوسعون في التعبير على الرواة، فقد يُسئل الإمام عن الراوي، فيهتم ببيان أنه مقبول الرواية أو لا، دون أن يعتني بتفصيل الحكم، ومما يدل على صحة هذا الكلام، أنه إذا سئل الإمام عن راويين أحدهما أوثق من الآخر تجده يقول: الحُجْةُ سفيان الثوري وفلان وفلان، وهذا -أي الآخر- ثقة. فهنا يبين الفرق بين لفظ حجة، ولفظ ثقة، لكن إذا سئل مُفردًا، فقد يجيب بجواب عام لا يقصد به التقيد بمرتبة معينة.
[ ١ / ٩٢ ]
وهنا أمر آخر يدّل على أنه قد يحصل نوع من التوسع، أن الصحيح في أول من استخدم "الحسن" بالمعنى الاصطلاحي هو الإمام الترمذي، بل حتى استخدام الترمذي للحسن بالمعنى الاصطلاحي يحتاج إلى مزيد دراسة وبحث وتثبت من مُراد الترمذي بالحسن، الذي عرّفه في كتابه (العلل الصغير)، إلا أن العلماء اختلفوا في تفسير تعريفه، وهنا يُلاحظ مدى بعدنا عن فهم كلام الأئمة المتقدمين، فهذا إمام عرّف المصطلح، ومع ذلك اختلف العلماء في فهم التعريف، فكيف بالمصطلحات التي لم تُعرّف أصلًا. فالمقصود أنه اختلف العلماء في تفسير الحديث الحسن، ولازال الاختلاف قائمًا، وتجد تفسير ابن رجب مخالفٌ لتفسير ابن حجر، ومخالفٌ أيضًا للتفسير الذي ذكره ابن كثير، ومخالفٌ أيضًا للتفسير الذي ذكره الذهبي، حتى قال الذهبي في (الموقظة): "أنا على إياسٍ أن أحدُّ تعريفًا مكتملًا للحديث الحسن". الذي يهمنا هنا أن أول من استخدم الحسن بالمعنى الاصطلاحي هو الترمذي -على الصحيح-، وكل الذين جاء عنهم أنهم استخدموا لفظ الحديث الحسن، كشعبة والشافعي والبخاري، فقد استخدموه بالمعنى اللغوي، وقد نصّ الحافظ ابن حجر في كتابه (النكت)، على أن استخدام الشافعي للفظ الحسن هو بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الاصطلاحي؛ لأنه استعرض الأحاديث التي وصفها الشافعي بأنها حسان، فوجد بعضها في الصحيحين، ولم يقصد الشافعي أنها مرتبة وسطى، فبيّن أن مقصوده بالحُسْن هو الحسن اللغوي، أي أنه يريد أن يبيّن أنها مقبولة.
يتضح مما سبق أن العلماء حينما يقولون: ثقة، وصدوق، وما أشبهه، لم يكن عندهم شئ اسمه "حديث حسن" حتى يخصونه بمراتب خاصة بالتعديل، فإذا قال شعبة -مثلًا-:"فلان حسن الحديث"، فلا يصح أن أحمله على مرتبة الحديث الحسن؛ لأنه لم يكن عنده مرتبة وسطى بين الصحيح والضعيف،وهي مرتبة الحديث الحسن.
[ ١ / ٩٣ ]
فيجب التنبه إلى تطور المصطلح، وعلى أيّ مصطلح كان الأئمة يتكلمون؛ لكي لا تحمل كلامهم على غير محمله الصحيح.
أمرٌ آخر قد يدل على معاني المصطلحات وألفاظ الجرح والتعديل وهو السياق، أي سياق العبارة، ومن هنا نتنبه إلى ضرورة الرجوع إلى الكتب الأصلية، التي ساقت ألفاظ الجرح والتعديل، فلا يصح أن نكتفي بـ (تهذيب التهذيب) فقط؛ لأن الحافظ ابن حجر يذكر العبارة الخاصة بالراوي فقط، مع أنك لو رجعت إلى الكتاب الأصلي، قد تجده ذكر هذه العبارة في سياقٍ معيّن يدلُّ على مُراد الإمام، كما لو قُرِنَ الراوي خفيف الضعف براوٍ كذاب، فسئل عنهما الإمام، فيقول: فلان صالح، ليس كفلان الكذاب. وهو لا يقصد بـ"صالح" أنه يُحسّنُ حديثه، لكن لما قُرِنَ بالكذاب، رأى أنه من الظلم أن يُقرن بينهما، وكأنهما في مرتبة واحدة، وأن الواجب التفريق بين هذين الراويين، فيأتي الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) فيقول:"قال يحيى بن معين: فلان صالح". فإذا رجعت إلى الكتاب الأصلي وجدت أن ابن معين ذكر هذا في سياق معيّن.وهناك سياق آخر، ويحصل كثيرًا في مثل كتاب (تاريخ عثمان ابن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين)، حيث ذكر في مقدمة الكتاب طبقات الرواة عن شيّخ معيّن، فيسأله عن أوثق الرواة عن شعبة، فيقول: أوثقهم فلان وفلان وفلان، فيقول: ثمَّ من؟، فيقول: ثم فلان وفلان، ثم يسأله عنهم، فيقول: فلان ثقة وفلان ضعيف، وهو من عبارته توثيق الراوي في هذا الشيخ، وتضعيفه في هذا الشيخ، أي أنه في روايته عن شعبة ضعيف. ثم يأتون في كتب المصطلح أو بعض كتب التراجم فيقولون:"قال يحيى بن معين: ضعيف"، وكأنه أطلق العبارة مع أنه ذكرها في سياق مراتب الرواة في هذا الشيخ المعيّن، فهذا يدل على أهمية الرجوع إلى الكتب الأصلية في الجرح والتعديل، ولا يُكتفى بالفرعية ما أمكن ذلك.
[ ١ / ٩٤ ]
الخامس: قضية كلام الأقران في بعضهم البعض
الخامس: قضية كلام الأقران في بعضهم البعض، تكلم عن هذه القضية العلماء قديمًا وحديثًا، لكنَّ المُلاحِظَ لكلام العلماء قديمًا مع كلامهم حديثًا، يُلاحظ بَوْنًا من ناحية زيادة تسليط الأضواء في العصر الحاضر على هذه القضية، وكأن علماء الجرح والتعديل كانوا يتكلمون بأهوائهم، حتى كأنه أيّ قرين لهم يجرحونه من باب الحسد، فيتصور طالب العلم أنه لا يُقبل كلام القرين في القرين بتاتًا، مع أن العكس هو الصواب؛ لأن الأقران هم أعرف الناس ببعض، وأئمة الجرح والتعديل كانوا أورع وأتقى لله -﷿- من أن يكون هذا الغالب من شأنهم، فإذا وجدنا مثالًا أو مثالين خالفت هذا المنطق، فلا نجعلها الصفة الغالبة. ويُنتبه إلى أن الذين أظهروا هذه القضية، أظهروها لغرضٍ مُعيّن في مثل كتاب (الرفع والتكميل) للكنوي، لا يخفى عن الطالب الحصيف، حيث إنها كانت دفاعًا عن شخصٍ معيّن فقط.
أما قاعدة "كلام الأقران في بعضهم لا يقبل"، فهي قاعدة صحيحة، لكن بقيّد تجاهله وتعامى عنه أولئك، حتى لكأنه لا عبرة به، وهذا القيد هو أن نقول: كلام القرين في القرين لا يقبل إذا كان المُتَكلّمُ فيه ثابت العدالة بكلام عامة أهل العلم، أي لا يقبل كلام الأقران فيمن ثبتت عدالته. مثاله: لما تكلم النسائي في أحمد بن صالح المصري، مع أن أحمد بن صالح إمامٌ في الجرح والتعديل مثل يحيى بن معين، فكلام النسائي فيه لا يقبل، خاصةً إذا عرفنا القضية التي جعلت النسائي يتكلم في أحمد بن صالح المصري، الإمام الذي أثنى عليه العلماء، ولم يجرحه إلا النسائي، فحينها تعلم أن جرح النسائي ليس في محله ولا يقبل منه.
[ ١ / ٩٥ ]
السادس: أن الجرح والتعديل لا يقبلان إلا من ثقة عارف بأسبابهما
أيضًا الكلام بسبب اختلاف المذاهب، يقال فيه مثل ما قيل في كلام الأقران. وقد ورد عن بعض العلماء أنهم جرحوا أناسًا؛ لمجرد اختلاف المذهب، مثل الجوزجاني ففيه تحامل على من فيه تشيّع؛ وذلك لأن الجوزجاني فيه نصب. وأيضًا كلام من فيه تشيّع على من فيه نصب، مثل ما سبق، وهذا وارد عن العلماء، لكنه ليس هو الأصل؛ وذلك لأن غالب أئمة السنّة عقائدهم صافية سليمة، وإن استثنينا البعض القليل، وأمرٌ آخر وهو أننا عرفنا من أهل السنّة والجماعة أنهم أكثر الناس إنصافًا واعتدالًا، فهذا البخاري يروي عن عمران بن حطّان -الخارجي الداعية-، لكن لما عرف صدقه روى عنه، ويروي عن من رُمي بالقدر، ويروي عن المُرجي، وعن الشيعي، بل حتى عن الرافضي، فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أن أكثر الناس اعتدالًا وإنصافًا هم أهل السنّة والجماعة؛ لأنهم هم الأمة الوسط بين الإفراط والتفريط. وأما قضية أن المحدثين يتكلمون في أهل الرأي، والعكس؛ لاختلاف المذاهب، فهذا غير صحيح.
السادس: أن الجرح والتعديل لا يقبلان إلا من ثقةٍ عارفٍ بأسبابهما، فلا يُقبل الجرح والتعديل من ضعيف، كما أنه لا يقبل من جاهلٍ بأسباب الجرح والتعديل، وإن كان ثقة في نفسه. وأسباب الجرح كثيرةٌ متعلقة بالعدالة والضبط، كما أن أسباب التعديل كثيرةٌ متعلقة بالعدالة والضبط، فمن كان لا يضبط حديثه، فلا يستطيع أن يحكم في أحاديث غيره، هل هي مضبوطة أم لا؟!، ومن كان مجروحًا في عدالته، فلا يؤمن حكمه في الناس؛ ولأجل أهمية هذه القضية ألّف العلماء كتبًا حولها، مثل كتاب (ذِكْرُ مَنْ يُعتمد قوله في الجرح والتعديل) للذهبي، وكتاب (المتكلمون في الرجال) للسخاوي، وهناك مُقدّمات لبعض الكتب، تتضمن ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وهناك رسالة علمية خرجت بعنوان (المُزكون لرواة الأخبار) .
[ ١ / ٩٦ ]
السابع: مسألة تعارض الجرح والتعديل
السابع: مسألة تعارض الجرح والتعديل، وهذه المسألة مهمةٌ جدًا؛ لأنها كثيرة الحصول واقعًا، فكثيرًا هم الرواة الذين اختُلف فيهم جرحًا وتعديلًا.
والمسألة اختلف فيها اختلافًا طويلًا وكبيرًا بين العلماء، والراجح فيها ضمن النقاط التالية:
١) تقديم الجرحِ المُفسّر بجارحٍ حقيقي، إلا إذا ردّ أحدُ العلماء بما يدلُّ على عدم صحة هذا الجرح.
والمقصود بالجرح المُفسّر الذي بُيّن سببه، والجارح الحقيقي هو الذي يستحق أن يُجْرَحَ به في عدالته أو في ضبطه، لا كما جرح أحدهم راويًا، فسُئل: لماذا؟، فقال:"رأيته يركب على برذون يجري به في السوق"، فهذا ليس بجارحٍ حقيقي، وكذا من جرح راويًا آخر، فسُئل لماذا؟، فقال:" سمعت في بيته طنبورًا". أي مزمارًا، فهذا محتمل أن يكون من طفلٍ صغير أو غيره، بغير علم الشيخ، فتجريحه بهذا ليس بصحيح. كذلك يحصل في التعديل، كمن وثّق أحد الناس، فسُئل عن توثيقه، فقال:" لو رأيت لحيته وهيئته ". فهذا غير صحيح، فلا يصح الاكتفاء بالهيئة في التعديل.
المقصود: أنه إذا بيّن الجارحُ أو المُعدِّلُ سببًا لا يكفي للجرح أو للتعديل، فلا يُقبل في الجرح ولا في التعديل؛ لذا اشترطنا الجارح الحقيقي الذي يستحقُ أن يُقبل، فهذا مُقدّمُ إلا في حالةٍ واحدة، وهي أن يأتي إمامٌ آخر ويقول:" أنا أعرف أن فلانًا قد تكلم في فلان بكذا، والصواب ليس كذلك"، ويبيّن القضية. وهذا يحصل كثيرًا، ونجده أيضًا في (ميزان الاعتدال) للذهبي، فهناك مِنْ الرواة مَنْ ضُعِفُوا بأسبابٍ جارحةٍ في ظاهرها، ودافع عنهم الذهبي، كمن ضُعف بأنه يشرب الخمر، فيأتي الذهبي ويقول:لم يكن يشرب الخمر، بل كان يشرب النبيذ، وهو من أهل الكوفة، حيث كان يشربه بناءً على مذهب أهل الكوفة في جواز شرب النبيذ، فالراوي ثقةٌ وعدلٌ وليس فيه شئ.
[ ١ / ٩٧ ]
وقد يجرحه في الضبط، فيقول مثلًا: روى حديث كذا، وتفرّد به، وهو منكر الحديث، فيأتي ابن عدي -مثلًا- فيقول: لم يتفرد به، بل تابعه فلان وفلان، فالحديث مقبول، ولا يدّل ذلك على جرح هذا الراوي. مع أننا لو لم نقف على هذه المتابعات، ولا على مثل هذا الدفاع، فالأصل أن يكون هذا الجرح مقبولًا. ثم إن الردّ والدفاع لا بد أن يكون في محله، فإذا لم يكن في محله، فإنه لا يقبل.
٢) تقديم الجرح المبهم -غير المفسر- على التعديل: هذا هو الأصل؛ لأن مع الجارح زيادة علم. ويتضح هذا بأنك لو قدمت قول الجارح على قول المُعدِّل، فكأنك تقول: أنا لاأكذب المُعدِّل، لكن الجارح ظهر له من أمر المُعدِّل مالا يعرفه المُعدِّل، وكلًا منهما أخبر بحسب علمه. لكن إذا قدمت قول المُعدِّل على قول الجارح، فهذا يقتضي تكذيب الجارح بأنه ليس هناك سببٌ يقتضي الجرح، ولم يصدق الجارح في جرحه، أو أقل أحواله أنه مخطئ، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل حمل كلام العلماء على الأصوب، ومن أجل ذلك نقدّم الجرح المبهم على التعديل. ثم إنه ينبغي أن نتذكر أن كلامنا عن الجارح والمُعدِّل العارف بأسباب الجرح والتعديل، فالأصل فيه أن يجرح بسبب حقيقي.
ما سبق هو الحكم الأصلي، ونخرج عنه بقرائن، وهي كثيرة جدًا، من أمثلتها:
أ) كثرة المُعدّلين: فإذا وثقه جماعة، وضعفه واحد بجارحٍ مبهم، فنقدم قول الأكثرين، ونحمل التضعيف على أنه ليس بجارح حقيقي.
ب) معاصرة المُعدّلين، وعدم معاصرة الجارح أو الجارحين؛ لأن المعاصر أعرف وأعلم بمن في عصره، فتعديله يُقدم على الجرح المبهم.
جـ) عِظَمُ علمِ المُعدّلين على علم الجارحين.
[ ١ / ٩٨ ]
د) بلدية المُعدّلين: أي أن يكون من أهل بلد الراوي الذي تُكلّم فيه، فلو كان هناك راوٍ بصري، وعدّله البصريون، وجرحه عالمٌ من أهل خراسان، فيقدم من كان من أهل بلده وهم البصريون؛ لأنهم أعرف بأهل بلدهم. وكان من آداب الرحلة عند المحدثين، أن المحدث لا يرحل حتى يستوفي ويستوعب حديث بلده، ويكون عارفًا به.
هـ) قوة عبارة المُعدّلين على عبارة الجارحين، فلو جاءت عبارة تعديلٍ كقوله:"ثقة حجة" أمام عبارة جرح كقوله "أحسبه لينًا"، فعبارة الجرح تضعف عن عبارة التعديل التي هي الأقوى، فلا شك أننا نقدم العبارة القوية على الضعيفة.
و) هناك ألفاظ قد يتبادر إلى الذهن أنها جرح، وهي في الحقيقة تعديل، مثل ما قال شعبة عن أحد الرواة:"إنه شيطان"، فظاهر العبارة أنها ذم، مع ذلك فقد أراد شعبة أنه باقعة في الحفظ، وشئ عجيب فيه، حتى لكأنه ليس بأنسي في قوة حافظته، ومن المعروف أن من عادة العرب أنهم ينسبون الأشياء المستغربة إلى الجن. كذا ما قاله ابن وارة عن عبد الرحمن بن مهدي، لما رأى قوة حفظه، قال:" ماذا خرج من ظهر مهدي، كأنه جني ".
وهناك عبارات على الضد مما سبق، فقد يدل ظاهرها على التعديل، والصواب: أنها جرحٌ، كعبارة:"هو على يديْ عدل "، فهمها العراقي على أنها تعديل، ومعناها: أنه على يدِيْ عدلٌ، وتعقبه الحافظ ابن حجر وبيّن أنها عبارة جرح، وضبطها:"هو على يدَي عدلٍ"، و"عدل" هذا رجل كان من حُجاب أحد الحكام الظلمة في اليمن، وكان كلما أراد أن يقتل إنسانًا، قال: يا عدل -ينادي حاجبه- تعال خذ هذا واقتله. حتى صار ذلك مثلًا عند العرب، فإذا قيل: فلان على يدي عدل، يعني: أنه هالك، فيقصد بها إذا أطلقت على الراوي أنه هالك.
[ ١ / ٩٩ ]
الثامن: مسألة المجهول
ز) اختلاف اجتهاد الناقد: فقد تأتي عبارة لأحد النقاد يُضعِفُ فيها الراوي، وآخرون يوثقونه، وتأتي عبارة أخرى لنفس الناقد يوثق فيها ذلك الراوي في رواية أخرى عنه، فهذه قرينة تجعلني أُقدّم التوثيق على الجرح.
ح) عداوة المُعدِّل للمُعدّل له، سواءً في المذهب أو في غيره، وهذه لا نجعلها قاعدة مطردة، ولكنها قد تكون قرينة من القرائن، فإذا علمت أن هناك عداوة قد تجعلني أقدم التعديل على الجرح.
كما أنني قد أردُّ التعديل -كما في الجرح- إذا كان صادرًا من إنسانٍ غالٍ في محبة إنسان آخر. وهذه القرينة ليست دائمًا، بل قد يُعمل بها على حسب الحال.
الثامن: من مسائل الجرح والتعديل المهمة، مسألة المجهول؛ لأن المجهول ليس مُعدّلًا ولا مجروحًا، فهو حالة وسط يُجهل حالها.
وقد قسّم العلماء المجهول إلى أقسام، أشهرها تقسيم ابن الصلاح إلى ثلاثة أقسام:
١- المستور: وهو من روى عنه عدلان، أو روى عنه إمام حافظ -نصّ على هذه الاضافة ابن رجب، في شرح العلل-. فالمستور عُلمت عدالته الظاهرة، وجُهلت عدالته الباطنة.
٢- مجهول الحال: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة، لكن عُرفت عينه. وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد ليس من النقاد.
٣- مجهول العين: مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة، ولم تعرف عينه، وهو كالمبهم.
أما حكم مستور الحال: فمن ناحية العدالة يُكتفى بالعدالة الظاهرة، مع الرواة الذين تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم؛ لتقادم العهد بهم. وأيضًا نكتفي بالعدالة الظاهرة للرواة المتأخرين، وهم رواة النسخ، أما سوى ذلك فلا يكتفي العلماء بالعدالة الظاهرة.
[ ١ / ١٠٠ ]
أما مجهول الحال والعين: فنتوقف عن قبول حديثهم، ومآل هذا التوقف عدم العمل بالحديث، لذلك تجد العلماء يقولون: حديث ضعيف، فيه فلان وهو مجهول، مع أن الأدق أن يقال: حديثه تُوُقِّفَ فيه؛ لأن فيه فلان وهو مجهول، لكن لما كان التوقف مآله عدم العمل، أصبح هو والتضعيف متقاربان، فأطلق العلماء الضعف عليه تجوّزًا، وهو في محله، وليس خطأ تضعيفه.
لكن الأمر الدقيق: ما هي مرتبة ضعف حديث المجهول؟ هل هو في مرتبة الاعتبار به، ويتقوى حديثه بالمتابعات والشواهد، أم لا يتقوى بنفسه، ولا يُقوّي غيره؟ فهل هو شديد الضعف أو خفيف الضعف؟ فالجواب: أننا لا نستطيع أن نحكم بحكم عام على جميع المجهولين حالًا أو عينًا، بل نقول هؤلاء حكمهم يختص بالحديث الذي يروونه، فإذا رووا حديثًا شديد النكارة، فهذا لا يتقوى أبدًا، كأن تظهر فيه علامات الوضع وغيرها، ومجهول الحال أخفُّ حالًا من مجهول العين.
تنبيه: حكم الإمام على راوٍ بالجهالة لا يعتبر تعارضًا مع حكم إمامٍ آخر بالتوثيق لنفس الراوي؛ وذلك لأن الإمام الذي وصفه بالجهالة وصفه بذلك لأنه لا يعرفه وهو مجهول عنده، أما الإمام الآخر فإنه يعرفه ويحكم عليه. فهذه المسألة لا تعتبر من مسائل تعارض الجرح والتعديل، وللأسف أنّا نجد من يُقدّم الحكم بالجهالة على التعديل، وهذا خطأ؛ لأن الحكم بالجهالة هو إعلام من الناقد بعدم علمه بهذا الراوي، أما الحكم بالتوثيق فإخبارٌ من الإمام أنه يعرف هذا الراوي وأنه ثقة. فلا تعارض بين الحكم بالجهالة والحكم بالتعديل أو بالتجريح، ولا يُشَكُ في تقديم حكم المُعدّل أو المُجرّح على مَنْ حكم بالجهالة.
[ ١ / ١٠١ ]