ومن يتامل المراحل التي مرّ بها التصنيف في علم مصطلح الحديث يجدها تدور في مراحل ثلاث:
الأولى: مرحلة التأسيس، وتبدأ فعليًا بالإمام الشافعي وتمتد حتى أبي عبد الله الحاكم النيسابوري (٤٠٥)،وكان جل أهتمامهم التأسيس لمنهج يحسن التعامل مع مصطلحات المحدثين، بحيث لا تلتبس بمصطلحات غيرهم، من جهة، والدفاع عن منهج المحدثين من جهة أخرى، وكلام الشافعي في الرسالة ومسلم وأبي داود والترمذي ثم الرامهرمزي والحاكم مثال على هذه المرحلة، كما سبق بيانه.
الثاني: مرحلة التأصيل: والمراد بها التأصيل لـ (رفع الأعمدة) التي يقوم عليها هذا العلم، من خلال ترتيب الأبواب وتنسيق النصوص وضرب الأمثلة، وكتاب الكفاية للخطيب أوّله ثم الألماع للقاضي عياض ثم مقدمة الحافظ ابن الصلاح، وكما هو واضح مما سبق أنّ كل من جاء بعد ابن الصلاح شرح كلامه، وفسر عبارته.
الثالثة: مرحلة التنكيت والاعتراض: وهذه المرحلة مهمة جدًا، ورائدها أبو الفتح ابن دقيق العيد، ثم الحافظ علاء الدين مغلطاي، ثم ساق بعدهما أهل المصطلح تلك الإعتراضات والاستشكالات بعبارتهما بعزو أو دونه، يشيرون أحيانًا ويغفلون أحيانًا أخرى، وأجلّ من ساق تلك الاعتراضات وأجاب عنها الحافظ العراقي في كتابه النفيس (التقييد والايضاح)،والذي ظهر لي: أنّ غالب من صنف في المصطلح من اقرانه أفاد منه، ولاسيما في تعقباته وتنكيتاته واجاباته، حتى وإن تقدم عليه في وفاته كالأبناسي والزركشي وابن الملقن
[ ١٣ ]
والبلقيني، فهم أفادوا من صنيع الحافظ العراقي،-كما سيأتي توضيحه في محله- حتى جاء الحافظ ابن حجر العسقلاني وصنف نكته على ابن الصلاح وعلى شيخه العراقي، فأفاد وأجاد وزاد بعض المباحث، وهذب وشذب، وهذا من عادته في تصنيفاته.
ثم إنّ كل من جاء بعد الحافظ ابن حجر وإلى يوم الناس هذا يسيرون على منهجه في المصطلح، كتفريقه بين مخالفة الثقة (الشاذ) وبين مخالفة الضعيف (المنكر)،وكتفريقه بين التدليس والمرسل الخفي الخ.
هذا باختصار ما أردت توضيحه، ولله الحمد والثناء الحسن.
[ ١٤ ]