حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه
بقلم العلامة الشيخ عبد الرزاق حمزة
تحقيق: عبد الله بن صالح المدني الفقيه
المكتب الإسلامي
[ ١ / ٩٩ ]
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الهادي إلى الطريق الأقوم، المتفضل علينا بنعمة الإيمان والإسلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
أما بعد:
فهذه الرسالة القيمة مما كتبه أستاذنا العلاَّمة: الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، أستاذ دار الحديث، وإمام الحرم المكي- عليه رحمة الله -.
وقد كانت الرغبة في طبعها مع التعليقات عليها في حياته، ولكن ما أن باشرت اعدادها للطبع حتى وافاه الأجل. والله أسال له الرحمة والمغفرة، وأرجوه تعالى، أن يجعل من أبنائه وتلامذته خير خلفاء له، وأن يوفقهم للخير، وأن يسدد خطاهم لإكمال طريقه على النهج السوي. إنه تعالى أكرم مسؤول.
_________________
(١) (*) قدم محقق هذه الرسالة في طبعتها السابقة سنة ١٣٩٣ بصفحات تبين عوار بعض تلامذة الكوثري.. غيى أنني رأيت عدم طبعها ضمن هذه المجموعة- الناشر-.
[ ١ / ١٠١ ]
ترجمة فضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ﵀
ولادته ونسبه:
وُلد الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في إحدى قرى مصر (كفر شكر) التي تقع قريبًا من) بنها (شمال القاهرة، وعلى بُعد خمسين) كلم (تقريبًا) .
وتنتهي شجرة نسبه إلى سيدنا حمزة بن عبد المطلب ﵁، لكنه ﵀ لم يكن ليرضى أن يذكر شيئًا من هذا القبيل، لأن له من مبادئه وعقيدته التي كان يدعو إليها وينشرها بين ما يمنعه من ذلك. فالأنساب لا ترفع أحدًا، وإن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وإنه لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتّقوى.
دراستُهُ.
تعلّم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم في مدرسة قريته، وبعد أن بلغ السن القانونية التي تخوّله دخول الأزهر، أبدى رغبتَهُ لوالده، ورغم الممانعة التي أبداها ذووه محتجين ببُعد المسافة بين بلده والقاهرة فإنه أصَرَّ على طلبه، فنزل والده على رغبته وأدخله الأزْهر.
وعُرف منذ انتظامه في طلب العلم بالجدِّيَّة والاجتهاد والتفوق في مختلف الموادّ؛ لهذا كان موضع تقدير أساتذته. ومدرسيه وزملائه؛ وفي مقدمة هؤلاء جميعًا شيخ الأزهر نفسه، فضيلة الشيخ سليم البشري﵀-.
[ ١ / ١٠٢ ]
في مدرسة (دار الدعوة والإرشاد) .
في ذلك الحين، قام السيد رشيد رضا﵀- بتأسيس معهد أسماه (دار الدعوة والإرشاد) غايته: بث الفكرة الإسلامية النقيّة من شوائب البدع والخرافات؛ وإحياء السنَّة المحمدية، والدعوة إلى الاقتداء، ونَبْذ التقليد في الدين.
فانضم إلى المعهد العديد من شباب مصر وغيرها من البلاد العربية والإسلامية، منهم الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة. وكان حضوره لدروس السيد رشيد رضا- رحمهما الله- باكورة اشتغاله بكُتُب الحديث والتخصص فيها؛ والإضطلاع بأعباء نشر الدعوة الإسلامية مصفّاةً من كل شائبة. ولقد توثقت صلتُهُ بمؤسس الدّار لاتفاق الميول وتوَحد الإتجاهات فيما يتعلَّق بشؤون العقيدة والعبادات.
ومن ثَمَّ انطلق الشيخ محمد عبد الرزاق (﵀) في القرى والمدُن ينشر الدعوة السلفيَّة ويبشِّر بها، محاربًا كل بدْعة؛ رادًا كُلّ فرْيَة، داعيًا إلى كل سنَّةٍ.
ولم يكن ليُبالي أبدًا بما يلقاه من بعض المتعصبين والجهلة؛ بل استمر في دعوته إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
صلته بالشيخ عبد الظاهر أبي السَّمْح.
كما توثقت صلتُهُ في (دار الدعوة والإرشاد) بالشيخ عبد الظاهر أبي السَّمْح الذي كان قد أوذي مرارًا وتكرارًا في سبيل دعوته السلفية ودفاعِهِ عنها، ومحاربتهِ للجهل والخرافة؛ ثم ترسَّخت هذه الصلة وتوطَّدت هذه العلاقة بعد أن تزوّج "أبو السمح" من شقيقة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة.
نشاطه العلمي في القاهرة.
وعندما قامت الحرب العالمية الأولى اضطر صاحب "دار الدعوة" لإغلاق أبوابها.
إِلا أن الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة لم ينقطع عن الاتصال بالسيد رشيد رضا؛ فانتقل معه إلى إدارة مجلة (المنار) فكان السيد يستعين به في تصحيح ملازم المجلة،
[ ١ / ١٠٣ ]
أو يعهد إليه يتنقيح بعض النصوص الخطية، أو المتون المطبوعة، أو تصحيح الكتب التي أعادت طبعها دار "المنار".
وكان يدبِّج المقالات التوجيهية الهادفة وينشرها في المجلات التي تصدرها بعض الجمعيات الإسلامية في القاهرة كمجلة "مكارم الأخلاق " ومجلة " الهدى النبوي ".
في الحجاز.
وفي عام (١٣٤٤ هـ- ١٩٢٥م)، قصد الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ عبد الظاهر محمد أبو السمح إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج؛ فلقيا جلالة الملك عبد العزيز آل سعود﵀- حاجًا، فرحّب بهما وقد عرف عنهما بواسطة أستاذهما السيد رشيد رضا الشيء الكثير؛ فدعاهما لتولي منصب الإمامة والخطابة والتدريس في الحرمين الشريفن، فلبّيا الطلب، وانتقلا بأهلهما عام (١٣٤٧ هـ، ١٩٢٨ م) .
في المدينة المنّورة.
فقام بعمله الذي اوكل إليه في المدينة خير قيام، وكانت له جولات واسعة في الإصلاح الديني، ونظم دروسًا صباحية ومسائية في الحرم النبوي في الحديث والتفسير والتوحيد، مما كان له الأثر الطيب في نفوس الشباب المثقَّف وخصوصًا في موسم الحج.
الانتقال إلى مكة.
لم تطل إقامة الشيخ محمد عبد الرزاق في المدينة المنورة، وفي غضون سنة (١٣٤٨ هـ. ١٩٢٩ م) انتقل إلى مكة المكرمة مساعدًا للشيخ عبد الظاهر في الإمامة والخطابة
في الحرم المكي الشريف.
كما عُهِدَ إليه القيام بالتدريس في " المعهد العلمي السعودي " أكبر مؤسسة علمية يومئذٍ؛ ولم تقتصر دروسه في المعهد على المواد الدينية، بل تناولت العلوم المدنية كالرياضيات والحساب والهندسة والجبر والعلوم الطبيعية.
[ ١ / ١٠٤ ]
الدروس العامة.
لقد أقبل على الدروس العامة في الحرم المكي بهمةٍ لا تعرف الكلل أو الملل؛ فقد خصَّص ما بين العشائين وبعد صلاة الفجر من كل يَومٍ لدروس التفسير والحديث متبعًا طريقة محبَّبة مما جعله محط أنظار المثقفين.
الدروس الخاصة.
ولقد اتخذ "﵀ " من حُجرته التي كانت تُعرف بقُبَّةِ الساعات- بجوار باب عليٍّ في الحرم المكي- موئلًا لطُلاَّب الدروس الخاصة في اللغة، والتفسير، والأصول، والعلوم المختلفة من جبرٍ وهندسة وفلك، مستخدمًا في دروس الفلك الطرق العلمية الحديثة.
ولقد دفعه ولَعُه بعلم الفلك إلى فكرة إقامة مرصد فلكي على رأس جبل أب قُبَيْس في مكة المكرمة للاستعانة به في رؤية الهلال؛ فاستجابت له السّلطات المسؤولة، واستحضرت بعض الآلات اللازمة، إلا أن الفكرة لم يُكتبْ لها التمام.
من " دار الدعوة والإرشاد " إلى "دار الحديث ".
كان الاهتمام بالحديث وعلومه الشغل الشاغل للشيخين عبد الظاهر أبي السمح، ومحمد عبد الرزاق حمزة، فقاما بتأسيس دار الحديث بمكة المكرمة بعد استئذان جلالة الملك عبد العزيز آل سعود﵀- وتشجيعه عام (١٣٥٠ هـ ١٩٣١ م) . وقد ساعد على ذلك رجل الفضل الشيخ محمد نصيف. ﵀.
فكان الشيخ عبد الظاهر مدير الدار، والشيخ محمد عبد الرزاق المدرِّس الأول؛ كما استعانا بنخبَةٍ من العلمِاء أهل الإختصاص والكفاءة؛ ولقد أدت هذه الدار خدماتٍ جُلَّي للناشيءة الإسلامية وطُلاب العلم. واستمر الشيخ عبد الظاهر في إدارتها حتى توفاه الله ﷾، فخلفه الشيخ عبد الرزاق حتى أقعدته الأمراض.
[ ١ / ١٠٥ ]
في الرياض.
وفي عام (١٣٧٢ هـ ١٩٥٢ م) انتُدبَ الشيخ محمد عبد الرزاق بأمر من سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن ابراهيم للتدريس في المعهد العلمي بالرياض؛ فبقي هناك سنة واحدة عاد بعدها إلى مكة المكرمة.
إحالته على التقاعد.
وعند بلوغه الرابعة والستين من عمره أحيل إلى التقاعد بأمرٍ من سماحة رئيس القضاة بمكة المكرمة.
ولكن هذا لم يمنعه من الاستمرار في أداء رسالته الدينية وخاصة في ميدان التدريس العام، مما جعل حتى أقرب المقرَّبين منه وخلصاءه لا يعلمون من أمر التقاعد شيئًا.
مرضه ووفاته.
وفي أواخر عام (١٣٨٥ هـ ١٩٦٥ م) اشتدت عليه وطاة الأمراض، فأجبرته على الغزْلة، مكتفيًا بقراءة القرآن ومطالعة الكتب.
ثم زادت عليه الوطأة؛ فلازم الفراش منذ عام (١٣٩٠ هـ ١٩٧٠ م) واستمر كذلك حتى وافاه الأجل المحتوم من بعد ظهر يوم الخميس في الثاني والعشرين من شهر صفر الخير عام ١٣٩٢ هـ ١٩٧٢ م. وصُلِّيَ عليه من بعد مغرب ذلك اليوم، ودفن بالمُعَلَّا.
آثاره العلمية.
١- كتاب "الصلاة". ويعتبر دائرة معارف كاملة لموضوع الصلاة فقد جمع فيه كل ما يتعلَّق بالصلاة وأنواعها.
٢- كتاب "الشواهد والنصوص". ألَّفه ردًا على آراء عبد الله القصيمي الضالة في كتابه: (هذه هي الأغلال) .
[ ١ / ١٠٦ ]
٣- رسالة في الرد على بعض آراء الكوثري. لما قام هذا بنشر اعتراضاته وشتائمه على
الصحابة والتابعيين وكبار علماء الأمة.
٤- كتاب "ظلمات أبي رَيّة"، ولقد ذكر العلَّامة الشيخ محمد عبد الرزاق﵀-
أنه قد كتب هذا الرد وهو مريض في مستشفى الطائف. بعيدًا عن مراجعه.
ويعتبر ردّه هذا، من أمتن وأشهر ما كُتب، مدَعَّمًا بالأدلة القواطع، والأقوال
الفواصل.
٥- "عنوان المجد في تاريخ نجد" لابن بشر. طبعة مكة.
٦- رسالة التوحيد، للإمام جعفر الصادق.
٧- مورد الظمآن إلى زوائد ابن حِبّان.
٨- الباعث الحثيث إلى فن مصطلح الحديث.
٩- تعليقات على الحموية الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
١٠- تعليقات على رسالة الطلاق، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
١١- تعليقات على "الكبائر" للذهبي.
١٢- ومن الرسائل التي ألَّفها ولم تُطْبَع رسالة (الحمد لله رب العالمين في الفِطَرِ والعقول والأديان) .
﵀ رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته.
[ ١ / ١٠٧ ]
امتعاض الكوثري لطبع كتب السلف
بسم الله الرحمن الرحيم
أطلع علينا الكوثري " ترحيبه " بنقد الشيخ عبد الرحمن اليماني لتأنيبه، فخرجنا من الاطلاع عليه بالعبر الآتية:
(١) امتعض الكوثري امتعاضًا لم يستطع كتمانه من ظهور كتاب "النقض" على بشر المريسي للامام عثمان بن سعيد الدارمي، وكتاب "السنة" لامام أهل السنة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبي عبد الله الشيباني، رواية ابنه عبد الله عنه، مغتاظًا مما فيهما من إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي عدها سلفه الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم ومن اتبعِ خطواتهما، تجسيمًا وتشبيهًا بزعمهم الفاسد، تعالى الله عما يقول الجعد وشيعته علوا كبيرًا.
ألا فليعلم الكوثري- إن كان يحب أن يعلم- أن كتاب "السنة" للامام أحمد، وكتاب "الرد على المريسي" للامام عثمان بن سعيد الدارمي وأمثالها، كلها تدور على روايات وصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ -، وما جاء عن خيار الأمة وسلفها في ذلك، وإن شرق بما فيها الجهميون، والمريسيون، والجعديون، ومخانيث المتفلسفة، في كل مصر وزمان، وعصر ومكان، وعلى من لا يصدق أن يأتينا بخبر في الكتابين لا يوجد في كتب الأئمة الأعلام حفاظ الإسلام، أصحاب الدواوين المشهورة: كمالك (١)، وأحمد (٢)، والشافعي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود،
_________________
(١) هو الإمام الجليل مالك بن أنس إمام أهل السنة وصاحب الموطأ في الحديث، وداعية إثبات الصفات عند بدء الضلالات. والقائل: من قال إن القرآن مخلوق فقد كفر. والمثبت أن الرحمن على عرشه. وكانت أوفاته بالمدينة سنة ١٧٩ هـ. عليه رحمة الله.
(٢) هو الإمام العظيم الفقيه المجتهد أبو عبد الله أحمد بن حنبل الصابر المحتسب، ناصر السنة:=
[ ١ / ١٠٨ ]
والترمذي ومَنْ بعدَهم كابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وأبي عوانة الأسفرائني، والآجري، والبيهقي، وابن عبد البر، ومن لا يعد ولا يحصى من أئمة الإسلام وحفاظه؛ وعلى من تحشرجت نفسه وضاق صدره بما في كتب هؤلاء الأعلام من الايمان بالله وصفاته، والهدى الذي جاء به الإسلام ودين النبيين جميعًا من وصف الله بالكمال وتنزيهه عن النقص والمحال، وأنها كلها تدور على رواية السنة التي تبين كتاب الله تعالى وتفسره- أقول: من ضاق بذلك ذرعًا فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ، وليمت غيظًا وليتفصد حنقًا على الحق وأهله.
إن الله تعالى وصف نفسه بما جاء في القرآن بأنه الرحمن الرحيم، الذي لم يلد ولم يولد، الأحد الصمد، لا تأخذه سِنَة ولا نوم يُطعِم ولا يٌطعَم كما قال: "وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا" (١) وبقوله: " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ" (٢) وبقوله: "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا" (٣) وبقوله: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ " (٤) وبقوله: "وَرَافِعُكَ إِلَيَّ" (٥) وبقوله: "بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ" (٦) وبقوله: " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ " (٧) وبقوله: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ " (٨) وقوله: "بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ" (٩) وقوله: "وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا" (١٠) إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، بل هو أكثر آي القرآن وجمهرته، وأهم ما جاء فيه وأزكاه وأطيبه.
فمن لم يؤمن بهذا وبما فسره من أحاديث رسول الله - ﷺ -، وكلام الأئمة من
_________________
(١) = وقد حفظ الله به الإسلام في رد عدوان المعتزلة والجهمية والمعطلة والمجسمة. ولد سنة ١٦٤ في بغداد، وكانت وفاته ﵀ سنة ٢٤١.
(٢) سورة الفجر: ٢٢
(٣) سورة البقرة: ٢١٠
(٤) سورة الزفر: ٦٩.
(٥) سورة النحل: ٥٠.
(٦) سورة آل عمران: ٥٥.
(٧) سورة النساء: ١٥٨.
(٨) سورة الأنعام: ١٥٨.
(٩) سورة ص: ٧٥.
(١٠) سورة المائدة: ٦٤.
(١١) سورة مريم: ٥٢.
[ ١ / ١٠٩ ]
الصحابة والتابعين وتابعيهم ومقتفي آثارهم إلى يوم القيامة، فليبْكِ على نفسه وليندب حظه من الإسلام، ونعوذ بالله من مُضلات الفتن، ونسأل الله الذي عافانا مما ابتلى به هؤلاء، أن يديم علينا الهداية، آمن.
إن الدفع في صدور هذه النصوص وردها بالتحريف والإبطال والتكذيب هو داء قديم، ومرض عضال، أو سم زعاف، نفثه في هذه الأمة الجعد بن درهم (١) وتولى نشره قبل ذلك رأس الدهرية والزندقة فرعون رأس الكفر إذ يقول: " يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا" (٢) فليس عند اللعين وشيعته إله فوق السماوات ولا رب استوى على العرش ولا خالق بائن من خلقه يتكلم ويفعل ما يشاء، وعند هؤلاء المخانيث فروخ المعطلة والجهمية أن وصف الله بما وصف به نفسه تشبيه وتجسيم وتجسيد، ويضربون لذلك الأمثال مخالفين قوله تعالى: "فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (٣) وإذا سئلوا: هل تؤمنون أن رب العالمين وخالق الخلق موجود حي عليم قادر مريد سميع بصير؟ فيقول من لم يكابر منهم: نعم. فإذا سئل: عن المجيء لفصل الحساب، وإشراق الأرض بنور ربها وإتيانه في ظُلَلٍ من الغمام، ونزوله إلى سماء الدنيا، وندائه بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، إلى آخر ما جاء في النصوص (٤) امتعض وانتفض وقال: هذه صفات المخلوقات وتدل على التجسيم، فيجب أن ننزه الخالق عنها بزعمهم.
فإذا قيل له: وأي فرق بين الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر وبين هذه؟ أليست كلها موجودة في المخلوقات ونصف بها الخالق على وجه لا يشبه وصف المخلوقات؟ فنقول: حياته غير حياة المخلوقات، وكذلك علمه، وسمعه، وبصره.
_________________
(١) هو الجعد بن درهم المبتدع، أول من قال: بخلق القرآن وإنكار القدر وحكلم عليه العلماء بالزندقة، فقتله خالد القَسْرفي. وكان من للوالي، ويعتبر رأس أهل الرأْي في كثير من القضايا. قتل يوم الأضحى سنة ١١٨.
(٢) سورة غافر: ٣٧.
(٣) سورة النحل: ٧٤.
(٤) رواه الإمام البخاري تعليقًا، وقواه شيخ الإسلام ابن تيمية وله شرح لطيف عليه.
[ ١ / ١١٠ ]
وكذلك، مجيئه، ونزوله. فنصفه بالكمال، وننزهه عن مشابهة المخلوقات بها، فلماذا لا تقول فيما أنكرت من النصوص كما قلت فيما اعترفت به منها؟ والكل من وادٍ واحد، ومن مشكاةٍ واحدة، نصوص قرآنية وأحاديث نبوية، كلها نور وايمان، والتنزيه في الجميع حتم لا بد منه، والاقرار في الجميع واحد، ونفي مشابهة صفات المخلوقات بصفات الخالق إيمان واجب على كل مؤمن. وإذا طولب المفرقون بفرقان بَيّن، وسئلوا عن الفرق بين ما قبلوا وما رفضوا. لم يكن عندهم إلا تقليد الجعد والجهم وبشر المريسي الذي توجع الكوثري من نشر: "نقض" الدارمي (١) له، وانتفخت أوداجه لطبعه، وطبع "السنة" للإمام أحمد، ولم يخف غيظه من أئمة الإسلام: البيهقي (٢) وإمام الأئمة ابن خزيمة، والخلال، وأبي الشيخ، وأمثالهم من أئمة الهدى، والحديث والسنة، تحت ستار الدفاع عن أبي حنيفة الذي أغناه الله عن دفاع محب جاهل.
وأخيرًا- وليس بآخر- نقول للكوثري: إنا آمنا بهذه النصوص على ظاهرها مع
_________________
(١) هو الإمام الحافظ الحجة الثقة الفقيه، عثمان بن سعيد الدارمي الشافعي مؤلف كتاب "الرد على الجهمية" وغيره من الكتب. وكان واسع الرحلة، سمع بدمشق من ابراهيم بن العلاء وهشام بن عمار وسمع في غيرها من الإمام أحمد بن حنبل ويحي بن معين واسحق بن راهويه وعلي بن المدني وغيرهم. وأخذ الفقه عن أبي يعقوب البويطي وهو الذي قام على (محمد بن كرّام) الذي تنسب إليه الكرّمية إحدى فرق المجسّمة وطرده من "هراة" توفي ﵀ سنة ٢٨٠ هـ. وكتابه "الرد على الجهمية" من مطبوعات المكتب الإسلامي في دمشق.
(٢) البيهقي: (٣٨٤ - ٤٥٨) هو أحمد بن الحسن بن علي الشافعي "أبو بكر"، من أئمة الحديث، رحل إلى بغداد ثم إلى الكوفة ومكة وغيرها ثم استقر في (نيسابور)، كثير التصانيف في نصرة مذهبه وتأييده. وقال عنه الذهبي: لو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبًا يجتهد فيه لكان قادرًا على لسعة علومه ومعرفته. ومن أعظم مؤلفاته "السُنَنُ الكبرى" و"مناقب الشافعي " وقد أورد فيه كثيرًا من النقول التي انتقد فيها الإمام الشافعي الإمام أبا حنيفة، فكانت هذه كافية لأن يسلقه الكوثري بلسانه الحاد وأن يجعلها سببًا في افترائه عليه.
[ ١ / ١١١ ]
تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات وان اقشعر منها جلد الجعديين والجهميين والمريسيين، ونوالي عليها ونعادي على إنكارها، ولنا في ابراهيم والذين آمنوا معه
أحسن قدوة، وأزكى أسوة "إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ" (١) .
ولا نهن ولا نخاف ولا يزعجنا تنبز الألقاب (٢)، كحشوية أو مجسمهّ، أو اخترل مخترع لقصهّ البعوضة التي اخترعها الكوثري ليطفىِء نور الله بفمه.
طلب المباهلة
وإن شاء الكوثري أن نباهله: أن ذلك هو الصراط الستقيم، والسبيل السوي، ودين الله الذي جاءت به رسله من أولهم إلى آخرهم، وأن طريقة الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان (٣)، وبشر المريسي- الذي يتوجع له الكوثري ويغيظه طبع الرد عليه- هي طريقة النفاة المتفلسفة، وضعها لهم رأس الكفر فرعون، لعنة الله عليه إلى يوم الدين، واتبعه عليها كل متفلسف متحذلق مجانب للهدي النبوي، إن شاء أن نباهله على ذلك باهلناه، وإلا فَلْيَصِحْ ما طاب له الصياح، وليرتزق بهذه الأوراق التي يخرجها على الناس ما شاء له الارتزاق، وليمؤَه ما شاء له التمويه؛ وليدجل ما شاء له التدجيل. وإن أجاب إلى المباهلة فليذهب إلى ما شاء من مسجد، أو مشهد، أو قبر.
وأنا سأقف أمام باب بيت الله الحرام الكعبة المشرفة، وأدعو الله أن ينزل لعنته على كل كذاب مفترٍ، معاد لسبيل الهدى، مبغض لسلف الأمة وأئمتها، مفترٍ عليهم، مشوِّه للحق الذي جاءوا به، محرف لنصوص الكتاب والسنة، صارف لها عن الهدى الذي جاءت به.
_________________
(١) سورة الممتحنة: ٤
(٢) النبْزُ: الرَّمْي والاتهام بالباطل المفترى، وهذا كان دأب الكوثري طوال حياته، وهو الآن منهج تلامذته وأتباعه بل زادوا عليه بالنفاق الخفي والظاهر سعيًا وراء كسب دنيوي. وانظر لذلك "السيف الصقيل العبقري على اباطيل تلميذ الكوثري" للشيخ الفاضل عبد العزيز الربيعان.
(٣) هو الجهم بن صفوان السمرقندي، من موالي بني راسب، رأس "الجهمية" الضال المبتدع، قَبَضَ عليه "نَصْرُ بن سيّار" وأَمَر بقتله؛ وكان ذلك سنة ١٢٨ هـ.
[ ١ / ١١٢ ]
الحقيقة والمجاز
(٢) كرر الكوثري وأعاد في الدال والمدلول، والحقيقة والمجاز، والحرف والصوت والمداد، وبهت بعض الأئمة كابن قدامة بما لا يصح أن يقوله عاقل، كل ذلك ليتحلل مما اشتهر عن أئمة السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ واليه يعود، وحاصل ما أبدأ وأعاد، أنه ليس لله تعالى كلام يتلى بيننا! وأن ما بين دفتي المصحف ليس كلام الله، فخالف النصوص، والاجماع، وسلف الأمة وأئمتها، فما أدري ما يقول في قوله تعالى "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" (١) " وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٢) .
بل أدري أنه سيقول، بل قد قال فعلًا: حتى يسمع مدلول، أو دال كلام الله، لا أن يسمع كلام الله حقًا، وهذا هو تحريف كلام الله بعد سماعه وعقله تقليدًا لمتفلسفة اليونان.
وإذ قيل له: هل نادى الله موسى وناجاه وقربه نجيًا وهل سمع موسى كلام الله؟ فسيقول: بل قال: إنما سمع مدلول، أو دال كلام الله! وهكذا من أنواع هذه القرمطة التي تفسد العقول والفِطر، وتشكك في كتب الله وشرائعه.
ونسأله عما تقر به العقول وتعترف به الفِطَر، أن الكلام هو كلام من قاله ابتداءً وانشاءً وتاليفًا؛ فهذا القرآن الذي نسمعه من القارىء ونسمع صوته به: من الذي
_________________
(١) سورة التوبة: ٦.
(٢) سورة البقرة: ٧٥.
[ ١ / ١١٣ ]
قاله ابتداء، ومن أول من قال:"الم" "ألمص" "ألمر" " كهيعص" " طسم" " ص " "ق" "ن" أهو الله الذي تكلم بذلك أولًَا، ونزل به الروح الأمن جبريل على قلب النبي الأمي محمد - ﷺ - وقرأه النبي على أصحابه؟.
إن قلت: ذلك، فهذا هو المطلوب، القرآن كلام الله تكلم به أولًا وهو كلامه حقًا، وما نسمعه من القارىء هو كلام الله نسمعه من صوت القارىء، وليس هو كلام القارىء، فالكلام كلام الله حروفه ومعانيه، والصوت صوت القارىء رخيمًا أو غليظًا، ففرق في الفطر السليمة بين الكلام المؤلف من كلمات وحروف، وبين الصوت الذي هواهتزاز الهو اء في الحنجرة، والفم، وطبقات الهو اء، وكل ذي فطرة سليمة يعلم أن: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " (١) كلام الله، وصوت القارىء بها هو صوت القارىء، ومداد الكاتب لها مداده، وللكلام وجود في الأعيان، وفي الأذهان، وفي الكتابة.
فإن قلت: إن الذي نسمعه من القرّاء، ونكتبه في المصاحف، ليس كلام الله، فقل لي بربك: من أولَ من تكلم به، بكلماته، وحروفه، واعفنا بربك من دالٍّ ومدلول، وحكاية وعبارة، التي تؤول إلى أن القرآن بكلماته وحروفه ليس كلام الله، فتشبه فيلسوف قريش إذ يقول في القرآن: " إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ " (٢) وقولهم " وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا " (٣) .
وبعد: فإنا نؤمن أن القرآن كلام الله؛ ألفاظه، وحروفه، ومعانيه، ليس من تأليف مخلوق، لا جبريل، ولا محمد، ولا اللوح المحفوظ، ولا من نظم أي مخلوق - غير الله تعالى- قرأه القارىء فالكلام كلام الله والصوت صوت القارىء، أوكتبه الكاتب، فالكلام المكتوب كلام الله، والكتابة والمداد وحركة اليد فعل الكاتب، والورق صنع الوراقين. والحديث يقول: (إن الله ينادي بصوت- أي يوم القيامة- يسمعه من قَرُبَ كما يسمعه من بَعُدَ" (٤) ونقول: إن الله كلم موسى وأسمعه كلام الله
_________________
(١) الفاتحة: ١.
(٢) سورة المدِّثِّر: ٢٤.
(٣) صورة الفرقان: ٥.
(٤) رواه البخاري تعليقًا وقواه ابن تيمية. وشرحه برصالة صغيرة مفيدة. وإنا لنجد من المخترعات الحديثة ما جعل كلام البشر يسمع في هذه الدنيا من بعد كما يسمع من قرب. والذين حكموا =
[ ١ / ١١٤ ]
في الجنة، فلا يكون شيء ألذ ولا أجمل من سماع كلام الله من الله، وليحرم الجهمية والجعدية، والمريسية، أنفسهم من الايمان بسماع كلام الله تعالى، وران على قلوبهم ما اخترعته لهم الفلسفة من دال ومدلول وعبارة وحكاية ومحال، حتى حرمتهم لذة كلام الله تعالى، والإيمان به عند تلاوته، وأسقطت حرمته من قلوبهم.
اللهم ايمانًا كإيمان العجائز، ونحمدك على العافية من فلسفة الرازي والآمدي، والتفتازاني، ونفي الجعد، والجهم، والمريسي وأذنابهم إلى عصر الكوثري، ولك الحمد والمنة على ما هديتنا ووفقتنا من الايمان بكتابك الكريم، وسنة نبيك الهادي إلى صراطك المستقيم، واتباع سلف الأمة وأئمتها، واقتفاء خُطاهم، وسلوك سبيلهم، ومجانبة طرق الغواية والضلال والغضب من أمثال جعد وجهم وَبِشْر ومن ينصرهم، ويغضب لهم، ويحمى حمية الجاهلية للرد عليهم وبيان زيغهم وزيفيم وممن يحذر من شرورهم، وينصح للمسلمين وأئمتهم وعامتهم، ولكتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ - ويحتمل الأذى في بيانها وتعليمها ونشرها والصبر عليها، والدعوة عليها وإن كرهها الكارهون، وغضب لتبيانها ونشرها، وطبع الكتب الهادمة لضلال جعد وجهم وبشر وأمثالهم (١)، ومن غص بنصوص القرآن والسنة وطريق سلف الأمة وأئمتها، ونسأله تعالى بحقه وكرمه ولطفه كما هدانا لهذا أن يديمه علينا إلى الممات، وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
الإيمان قول وعمل
(٣) يرمي الكوثري خيار الأمة الذين قالوا: إن الإيمان، قول، وعمل، واعتقاد؛ ويزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي قالوا ذلك اتباعًا للنصوص الصريحة المستفيضة من القرآن والسنة: بانهم- في سبيل الانحياز الى المعتزلة أو الخوارج متهمًا لهم أنهم-
_________________
(١) = عقولهم القاهرة في صفات الله جل وعلا فجعلوا هذا الحديث مما يُستَعْبِد عقلًا أخزاهم الله، فإنهم أجهل البشر، وتعالى الله عن كل تشبيه وتمثيل وله المثل الأعلى.
(٢) وقد يسر الله طبع الكثيرمن هذه الكتب على نفقة بعض المحسنين الذين غايتهم وجه الله. كما يقوم أعداء السنة بطبع الكثير من كتبهم وستكون عليهم حسرات في الدنيا والآخرة.
[ ١ / ١١٥ ]
يقولون: إن من أخل بشيء من العمل يكون أخل بالإيمان، (١) فبئس ما افتراه عليهمْ، كبرت كلمة تخرج من فيك يا كوثري، أن يكون خيار الأمة وأكابر الأئمة، مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي ومن قبلهم من التابعين، والصحابة، ومن بعدهم ممن هو على آثارهم، منحازين إلى المعتزلة والخوارج، شاعرين بزعمك- أو غير شاعرين- وهم أعرف الناس بشرور المعتزلة والخوارج وضلالهم، وأنصح الأمة للأمة، بالبعد عن الانحراف عن طريق أهل السنة والجماعة، تشهد بذلك أقولهم وآثارهم وتعاليمهم، وكتبهم ومجالسهم وتلاميذهم، في كل بلد وفي كل عصر ومصر إلى يوم القيامة.
لقد قالوا: يتفاوت الايمان من أدنى درجاته في آخر من يخرج من النار، إلى أعلى درجاته في أعلى عِلِّيين من أهل الغرف الذين يتراءون كالكوكب الدري الغابر في الأفق. ولم يقولوا: إن إيمان السكير العربيد الذي لا يدري عن نفسه- لسكره وعربدته- كايمان جبريل، وميكائيل، ومحمد رسول الله - ﷺ -، وصديق الأمة أبي بكر، وفاروقها عمر وغيرهم.
لم يقولوا بهذه المخزيات، وإنما قالوا بما قال الله ورسوله: من تفاوت أهل الايمان في الإيمان والأعمال، وتدرجهم ممن في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من الإيمان، إلى سكان الفردوس أعلى الجنة وصاحب الدرجة الرفيعة والوسيلة والمقام المحمود، ولا يقولون: إن من أخل بشيء من الأعمال يكون قد أخل بالإيمان، كما بَهَتَهُمْ به هذا البهات، وافتراه عليهم، فأقوالهم وكتبهم وتعاليمهم ومتواتر مذاهبهم: أن المؤمن يكون فيه خير وشرة وله حسنات وسيئات ولا يخلو من الخير إلا الشيطان الرجيم، ولا يسلم من الشر إلا الملائكة والنبيون صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا هو السبب في تصريحهم بالاستثناء في الايمان، فيقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء تعالى اعترافًا بالخطأ
_________________
(١) أنظر كلام الكوثري والرد عليه في "التنكيل " (٢/٣٦٣- ٣٧٨) وقد طبعه رجل العلم والفضل في بلاد الحجاز الشيخ محمد نصيف عليه رحمة الله. وقد حققه المحدث الشيخ ناصر الدين الالباني وكان هذا مما أثار حفيظة أهل التخريف على الشيخ نصيف والمحدث الألباني ولهما الأجر إن شاء الله.
[ ١ / ١١٦ ]
والنقص وتقريرًا للتقصير والتواني؛ وإيمانًا منهم بأن هذا الدين لن يشاده أحد إلا غلبه، فيسددون ويقاربون، ويستغفرون الله لتقصيرهم وعدم اللحاق بأول القافلة، فيستثنون في الايمان. لهذه المقاصد الصحيحة لا شكًا في دينهم كما تجناه عليهم هذا المتجني وأضرابه، الذين قالوا؛ سؤال: هل يجوز التزوج بالشافعية التي تقول: أنا مؤمنة إن شاء الله، فتشك في دينها؟ والجواب: يجوز قياسًا على الذمية اليهودية والنصرانية (١)، يا للعجب العجاب وضياع العقل والصواب! مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر تعترف أن الايمان يزيد وينقص، بنص القرآن والحديث ولا تعرف كم عندها من درجات الإيمان، وكم حصلت من شعبه وأغصانه، أو بتعبير حسابي عصري كم النسبة المئوية أو الألفية عندها من الإيمان، فتكل الأمر إلى علام الغيوب وتقول: أنا مؤمنة إن شاء الله تعالى، فيأتي قوم يقولون: إن إيمان السكير العربيد كإيمان جبريل، وميكائيل، ومحمد - ﷺ -، وأبي بكر، يقولون بكفرها، ويشككون في جواز نكاحها، ثم يستحي منهم من بقي للحياء فيه بقية، فيقيسها على اليهودية والنصرانية! مسلمة تقاس في جواز نكاحها بجواز نكاح اليهودية والنصرانية!؟
وأنا بدوري على قلة عنايتي بأصولهم، أتعجب من هذا القياس الذي تأباه أصولهم وأوضاعهم، فهذه المسلمة التقية التي استثنت في إيمانها خوفًا من الله تعالى أن تتإلى عليه بشيء لا تحيط بمداه وجوانبه، تحكم عليها قواعدهم أنها شاكة، فهي بزعمهم مرتدة، فكيف جاز قياسها على اليهودية والنصرانية في حل النكاح؟ فالقياس المتجه شكلًا على أصولهم، الباطل موضوعًا بنص كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -: أن هذه الشَّاكَّة المرتدة تقتل بعد أن تستتاب؛ لا أن يحل زواجها قياسًا على اليهودية والنصرانية- بزعمهم- التي لا تقتل ولا تستتاب، والقوم أهل القياس، فكيف غاب عنهم الفرق بين المرتدة والذمية؟
إن عمر بن الخطاب ﵁ بُشر بقصر في الجنة، رآه رسول الله - ﷺ -، فبكى
_________________
(١) أنظر النص المثبت في مقدمة "شرح العقيدة الطحاوية" (ص- ٥٩) الطبعة الثامنة- المكتب الاسلامي.
[ ١ / ١١٧ ]
للبشارة (١)، وإن عائشة أم المؤمنين تقول في قول الله تعالى: " وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ " (٢) فتقول: هم الذين يزنون ويسرقون ويخافون؟ فيقَول لها النبي - ﷺ -: لا يا ابنة الصديق، بل هم الذين يصلون ويتصدقون ويخافون أن لا تقبل منهم؛ أوكما قال - ﷺ - على ما جاء الحديث في ذلك، في مسند الإمام أحمد ﵁ (٣) وأرضاه، وأسكننا الجنة معه بمنه وكرمه.
أفما يكفي هذا وأمثاله وأمثال أمثاله لزجر العاقل المؤمن عن أن يجزم بشيء لا يحيط علمه بحدوده؟ ويدير اجتماع شعت شجرة الايمان فيه؟ وهو لا يدرك معرفة عُشْر عشر معشارها، فضلًا عن العمل به، فيستحي أن يقول: أنا مؤمن حقأ، وأن إيمان السكير العربيد وآكل مال اليتامى، وقاطع الطريق، وربما قاتل الأنبياء والصديقين، هو كإيمان جبريل، وميكائيل، ومحمد، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؟
إحراج الكوثري
لنا أن نسأل الكوثري سؤالًا، ليخرج لنا جوابًا يَّتجر به ويأكل به طعامه ويرتزق به (وطالب القوت ما تعدى) نسأله سؤالا لعله يستجدي أهل الجدوى بسببه في نفقات طبع جوابه ونشره، ونكون قد أحسنا إليه ولو بطريق غير مباشر، وهذا هو السؤال:
إذا كان الإيمان هو المعرفة والتصديق فقط ليس معه شيء من عمل القلب: خوفه، ورجائه، وخشيته، وتقواه. وليس معه شيء من عمل الجوارح: لا نطق اللسان، ولا عبادة الله، ولا الركوع، ولا السجود. بل وقد يكون معه: قتل الأنبياء، وتكذيبهم، والسجود للأصنام والذبح لهم- إذا كان الإيمان يكون هكذا، فلماذا كفر اليهود وهم الذين يعرفون الرسول والحقَّ كما يعرفون أبناءهم؟ ولماذا كان فرعون رأس الكفر وهو يعلم أن آيات موسى أنزلها رب السموات والأرض، بصائر وتأييدًا لموسى؟ ولماذا كان هو
_________________
(١) أخرجه الشيخان انظر " مختصر صحيح مسلم " ١٦٣٢.
(٢) سورة المؤمنون: ٦٠.
(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة ١٦٢.
[ ١ / ١١٨ ]
وقومه أكفر خلق الله، وهم الذين أيقنوا بآيات الله " وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ " (١) ولماذا كفر كفار قريش وهم الذين قال الله فيهم: " فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ " (٢) ولماذا كان إبليس رافع راية الكفران، وهو يعلم أن الله رب العالمين وهو يعترف بعزة الله، وهدايته، وربوبيته؟.
نريد جوابًا إرجائيًا أن الايمان معرفة فحسب، حتى يكون كل هؤلاء مؤمنين حقًا كإيمان جبريل، وميكائيل، ومحمد - ﷺ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والعشرة المبشرة بالجنة، والصحابة أجمعين، وإلا فليستح المجادل في الحق بعد ما تبين، والرزق على الله تعالى، لا على الإشتراء بآيات الله ثمنًا قليلًا، والتعيش بالدجل والتغرير بالاغنام، والاتجار بدين الله تجارة باطلة مغشوشة سخيفة ولنتوجه جميعًا إلى الاهتمام بالمسلمين اليوم، والفتن التي تحيط بهم، وتحل قريبًا من دارهم، وأعداء الله ورسوله وأعداء الديانات جميعًا يتسابقون جميعا إلى اخترل المهلكات والمدمرات من قنابل ذرية جهنمية، وإيدروجينية، وجهنميات الجو والبر والبحر والسماء والأرض.
فلنستح جميعًا من هذا الجدل الباطل، والتشكيك في دين الله تعالى، لدى العامة وأشباه العامة، وإضحاك العقلاء علينا، لأننا نعيش في غير عصرنا ونخالط من لا يعرفنا ولا نعرفه، إن كان بقي عندنا للحياء بقية.
اللامذهبية
(٤) يرمي الكوثري المؤمنين بكتاب ربهم والمتبعين لسنة نبيهم، والمقتفين لآثار السلف الصالح من الصحابة، والتابعين المقتدين بأئمة الهدى، في العمل بالكتاب والسنة، المؤمنين بأن كتاب الله وسنة نبيه حق وهدى ونور، في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر، وليست ألغازًا ولا أحاجي، ولم يتول الله بنفسه حفظ كتابه وسنة نبيه إلى اليوم، وإلى ما شاء الله تعالى إلا للعمل بهما والاهتداء بهديهما، لا لكتابة حُجُبٍ بهما، وأكل عيش بالتغني بها في مجالس الأفراح والمناحات، وأذية الأموات عند
_________________
(١) صورة النَّمْل: ١٤.
(٢) سورة الأنعام: ٣٣.
[ ١ / ١١٩ ]
القبور، وعدم حصر دين الله الكامل الشامل العام الرحمة المهداة إلى العالم أجمع، في نفر يقل عددهم عن أصابع اليد الواحدة، والزام الناس بآصار وأغلال ونحاتات أفكار سقيمة عقيمة، وتقييد الناس وتغليلهم بقيود المتهو كين (١) وأغلال من يشبه الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالإثم، الصادين عن سبيل الله البيضاء النيرة، التي تركنا عليها رسول الله - ﷺ - حتى اضطروا الناس إلى الحشر في جحر الضب، من قيود التقاليد وأغلاها؛ واضطروهم إلى الخروج عن هذا الدين الحنيف الذي عسروه بضيق عقولهم، ودنسوه بسخفهم- إلى الخروج إلى حرية عصرية ومدنية فاسقة خليعة، بسوء عمل هؤلاء المسيئين إلى ربهم، وكتابه، ودينه، ورسوله- يسمي الكوثري هؤلاء المهتدين نبزًا لهم باللامذهبية، زاعمًا: أنهم قنطرة اللادينية، (٢) وهذا ليس وراءه وراء، في قلب الحقيقة، ولبس الحق بالباطل، وليس ذلك بأول عجائبه ولا بآخر لجاجه، فان متبعي الكتاب والسنة في كل زمان ومكان، هم حجج الله في أرضه، وهم نجوم الهداية لخلقه، وهم ورثة الانبياء الذين لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم والهدى والبصيرة في الدين.
فهل لنا أن نسأل الكوثري عن البلاد التي نبذته مع أضرابه الذين لبسوا الدين مقلوبًا، وجعلوا منه حجبًا وتمائم، ومحللات نكاح بتيس مستعار. نسأله: كم كان فيها مهتدون بالكتاب والسنة ممن يسميهم: لا مذهبية سببوا لها استبدال قوانين
أوروبا، ومدنيتها وكفرها بدين الله حقه وباطله؟ فليسِّم لنا واحدًا ممن سألناه عنه، فإذا لم يقدر أن يسمي واحدًا في تلك البلاد- وهو ما نسجله عليه من الآن إلا إذا كان
_________________
(١) المتهوِّكين: المتهوك- بالفتح- المتحير، والساقط في هو ة الردى. والوقوع في الشيء من غير مبالاة تهو رًا.
(٢) لو صدقت هذه الكلمة الظالمة- ومعاذ الله أن تصدُق- لكانت بالصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد وعصور الخير أَلْصَق لأنهم كانوا أبعد الناس عن المذهبية. ولكن الله تعالى جعلهم قنطرة الهداية والايمان، وكذلك كل من دعا إلى كتاب الكه وسُنّة رسوله أَبَد الدَّهر، وإن تفشي اللادينية بين الناس لم يكن بسبب اتباع الكتاب والسنة، بل لأسبابٍ أخرى لا حاجة لذكرها هنا.
[ ١ / ١٢٠ ]
مباهتًا مفتريًا (١) -.
فليقل- رضي أو سخط- إن سبب خروج حكومة هذا الشعب الاسلامي على تعاليم الإسلام الصحيحة والخرافية، هو وأمثاله الذين شوهو ادين الله وجعلوه لعبًا ولهو ًا، وعصبية وباطلًا، وحجبا وتمائم، وتحليل أنكحة.
وأنا أعفي الكوثري من السؤال عن سبب استبدال مصر بفقه الفقهاء، قوانين وضعية أساسها قانون (٢) " نابليون "، لعله لا يعرف ذلك، أو يعرفه ولا يعترف به: إن أمير البلاد (٣) طلب إلى شيوخها على لسان أحد المثقفين: أن يخرجوا خلاصة مذهبية مهذبة الأطراف والحواشي، مبوبة منظمة تعتمد قولًا واحدًا من أقاويل متعددة لا يعرف الحق في أيها ليقدمه للمحاكم لتقضي به على المتحاكمين إليها من وطنيين وأجانب، فاستعفى الأميرَ ذلك المثقفُ بأنه كبرت سنه ولا يحب أن يطعن الشيوخُ في دينه بهذا الطلب منهم، لما يعلمه من جمودهم على ما هم فيه وطعنهم فيمن يحاول تحويلهم عنه، فلجأ الأمير إلى أرمني (٤) لخص له خلاصة قانون نابليون وأعلنه حكما يتحاكم اليه في المحاكمِ، فنسخت بذلك شريعة الإسلام في المحاكم المدنية والجنائية وسائر المعاملات، فمن المسؤول عن تأخير فقه المذاهب ونسخ الشريعة الاسلامية فيها حتى لم تبق للمحاكم الشرعية إلا حثالة من الأحكام الشخصية، مثل الطوائف الأخرى من يهود، وقبط، ومارون، في النكاح والطلاق والعدد والنفقات: هل
_________________
(١) يقصد بذلك حكومة "أتاتورك " الملحدة؛ وهذا السؤال بقي بدون جواب من الكوثري وتلامذته حتى اليوم؛ لأنه لم يكن يستطيع أحد مخالفة أقوال مذهبه. بل جعلوا قراءة حديث النبي - ﷺ - للبركة!!! واعتبرت كلمة المحدِّث السيد محمد جعفر الكتاني بدمشق حدثًا فظيعًا، عندما قال: والله لا نقرأ الحديث إلا للعمل، للعمل! وكادت أن تحدث له المصائب، لو لم يكن متمتعًا بالحماية الكافية. وكذلك فعل تلميذه (ابو غدة) فقد وجه اليه منذ سنتين ونصف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في مقدمته القيمة "لشرح العقيدة الطحاوية" عددًا من الأسئلة عن عقيدته وعقيدة شيخه. فلم يحر جوابًا. وأغلب ظني انه أخر الجواب حتى يغادر بلاد التوحيد!!.
(٢) نابليون وقانونه.
(٣) الخديوي إسماعيل.
(٤) رئيس وزراء مصر الأرمني.
[ ١ / ١٢١ ]
المسؤول هم المهتدون بالكتاب والسنة الذين يسميهم الكوثري لا مذهبية، أم شيوخ التقليد وعمائم المذاهب، وأعداء المهتدين بكتاب الله وسنة نبيه، أمثال الكوثري ممن اتخذوا دين الله هزوا ولعبا، ثم يذهب في غير حياء فيرمي هؤلاء الهداة المهتدين بأنهم قنطرة اللادينية بهتًا وبغيًا وعدوانا، فالله حسيبه يوم القيامة (١) .
الكوثري يشتم الأئمة
(٥) يتبرأ الكوثري من تهمة الطعن في الأئمة، مع أنه سجَّلَ على نفسه الطعن في الأنساب الذي بقي في هذه الأمة من أمور الجاهلية، فليس للشافعي عنده ميزة من علم، ولا فضل، ولا فهم، ولا عربية، ولا معرفة بالكتاب والسنة، والعربية سوى قرشية فيها اختلاف، يفضله فيها من ليس في قرشيته خلاف، كقرشية أبي حنيفة مثلا، وليس لمالك مزية سوى سكنى المدينة في وقت لا فضل في سكناها، وليس لأحمد ابن حنبل فضل سوى كثرة الحديث، من غير تمحيص ولا غوص، فهي قليلة الجدوى.
فمالك سكن المدينة في وقت لا فضل في سكنى المدينة فيه؟ ولأحمد كثرة من الحديث بلا تمحيص ولا غوص؟ والشافعي مختلف في قرشيته مع غمزه بفحوى الحديث: " من بطا به عمله لم يسرع به نسبه " (٢) ولا ندري ما هو تبطيء عمل
الشافعي به الذي لا ينفعه معه نسب مختلف فيه (٣)، فماذا بقي للأئمة من فضل عند
_________________
(١) أنظر دفع العلامة اليماني لمطاعن الكوثري هذه عن الأئمة في " التنكيل " (١/٣٦٥، ٣٧٢، ٣٨٦) و(٢/٦١١، ٦١٨، ٦٥٧) ..
(٢) رواه مسلم.
(٣) من أكبر أسباب طعن الكوثري بالإمام الشافعي الأقوال التي نقلت عن الإمام الشافعي وفيها مخالفته للإمام أبي حنيفة رحمها الله؛ أنظر لذلك كتاب "مناقب الشافعي " للإمام البيهقي، تحقيق الأستاذ: سيّد صقر. وأما عدواته للإمام أحمد بن حنبل﵀- فإن منهج أحمد يخالف منهج الإمام أبي حنيفة بعض الشيء، ولكنه يخالف طريق المتعصبة من أتباع أبي حنيقة كل المخالفة. وأما أهل الانصاف منهم فإنهم مع الإمام أحمد في الكثير الكثير من مسائل الاعتقاد والفقه؛ ومن =
[ ١ / ١٢٢ ]
من سماه بعضهم مجنون أبي حنيفة، وأنا لا أقول عنه مجنون أبي حنيفة. وإنما هو مجنون ارتزاق واستجداء وتكفف واتجار بالدين تجارة غير شريفة، بين أناس يهز أريحيتهم المالية، أمثال هذه التمويهات.
الكوثري يشتم الصحابة
وثالثة الأثافي طعنه على أنس بن مالك، خادم النبي - ﷺ -، وأحد فقهاء الصحابة! وحفاظها بالخرف والكذب على رسول الله - ﷺ - والأمية، بسبب الكبر والشيخوخة وطول العمر الذي أعطاه الله إياه ببركة دعاء النبي - ﷺ - له بثلاث: منها طول العمر فهل استجاب الله دعوة نبيه - ﷺ - لخادمه أنس؟ ليهرم ويخرف ويكذب على رسول الله - ﷺ - أنه رضّ رأس اليهودي قاتل الجارية الانصارية بِرَضّ رأسها فقتله من غير بينة (١)، ورواية الاعتراف دلَّسها قتادة (٢) فيكون طول عمر أنس ببركة الدعوة النبوية ليكذب على رسول الله - ﷺ - أنه قتل يهوديًا بلا بينة ورض رأسه خلافًا لمذهب أبي حنيفة، الذي لو أدرك النبي لأخذ النبي الدينَ عن أبي حنيفة (وهل الدين إلا الرأي الحسن!) الذي امتاز به أبو حنيفة فلماذا لم يقتص من اليهودي بالسيف، ولو ضربها بأبا؟؟؟ قبيس! أقول: طعن الكوثري في أنس بهذه الطعون خرفٌ، وهرمٌ، وكذب على رسول الله - ﷺ - تحت ستار عدم رفع الصحابة إلى مستوى العصمة، وتحت ستار أن ابن عدي طعن في "كامله " في بعض الصحابة، وتحت ستار أن الطعن في أنس بهذه الطعون السالفة، هو من باب التخير في أقوال الصحابة، وأن ذلك منهج أهل التحقيق، وأن عقلية أبي حنيفة الجبارة صرفته عن الأخذ بحديث أنس، وانتصار الكوثري له، باتهام أنس بالخرف والهرم والشيخوخة والأمية، التي يكذب معها على رسول الله - ﷺ -، تلك العقلية التي لو كانت ظهرت في
_________________
(١) = تتبع تراجم الأحناف وجد الكثيرين منهم كانوا على مذهب الإمام أحمد السلفي، وبعضهم قد سُجن أو قُتل في سبيل ذلك.
(٢) رواه الشيخان.
(٣) هذا من كلام الكوثري وليس من كلام المؤلف ﵀، كا يدلك عليه ما سينقله عنه في الصفحة الآتية، لكن قتادة صرح بالحديث في رواية كا حققه الشيخ اليماني في " التنكيل " (٢/٨٦٠، ٨٦١) مع تعليق الشيخ الألباني عليه.
[ ١ / ١٢٣ ]
نماذج من احترام الكوثري لأئمة المسلمين
زمان رسول الله لترك لها الوحي، وأخذ بتلك العقلية الجبارة الفارسية الفلسفية، وهل الدين إلا الرأي الحسن؟
وكاني بالكوثري يكسب رزقه بِرَمْيِنَا بعداوة أبي حنيفة، فأجيبه بالمثل السائر: (عدو عاقل خير من محب جاهل) وحكاية الدبة التي قتلت صاحبها بضرب الذبابة على وجهه بحجر، يعرفها صبيان المكاتب.
نماذج!!
إليك نموذجًا من احترام الكوثري لأئمة المسلمين من الصحابة فمن بعدهم:
١- أنس بن مالك خادم النبي - ﷺ - شاخ وكبر، فخرف (١) وروى عن النبي - ﷺ - ما لم يقله ولم يعمله من قتل يهودي بلا بينة ورضّ رأسه بالحجارة بدل قتله بالسيف الذي يراه أبو حنيفة، وهو الرأى الحسن الذي لا يكون الدين عنده إلا الرأي الحسن، خلافا للوحي، وللكتاب، والسنة.
ورواية قتادة: أن القاتل اعترف، رواية مدلسة اخترعها قتادة لينقذ الموقف أمام صولة أصحاب الرأى الحسن، الذي لا يكون الدين عندهم إلا إياه.
٢- الصحابة والتابعون ومن بعدهم الذين يقولون: الايمان قول وعمل واعتقاد، هم منحازون إلى المعتزلة والخوارج، شعروا أم لم يشعروا بذلك.
والذي يقول: العمل من الايمان، يُلزمهم الكوثري: أن إلاخلال بشيء من العمل- أي إخلال كان- يكون مخلا بالإيمان فيلزمهم بتكفيى من قصر- أي تقصير في أي عمل من الأعمال (٢) - وهو ما ينكرونه ويبدِّعون قائله ويضللونه، ولذلك تورعوا
_________________
(١) وهذا ما لم يقله مسلم قط قبل الكوثري- عليه ما يستحق- وليست الأولى له فقد طعن بعدد من الصحابة تعريضًا وتصريحًا مثل عبد الله بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وبمن جهله هو من الصحابة ولو كان معروف العين عند الرواة والمحدثن.
(٢) وتلميذ الكوثري (الشيخ أبو غُدّة) يتابع شيخه على هذا الإلزام، فإنه ينقل كلامه في بعض تعليقاته مؤيدًا إياه ومعجبًا به. أنظرمقدمة الشيخ الألباني على "شرح العقيدة الطحاوية"- (ص- ٥٨) الطبعة الثامنة- طبع المكتب الإسلامي. و"القائد" ص ٢٢٢ بل في جميع كتبه تجده=
[ ١ / ١٢٤ ]
عن إطلاق: أنا مؤمن حقا، وتبرأوا من الغرور بالله وقالوا: بل نقول: نحن مؤمنون إن شاء الله، لا شكًّا في إيمانهم بل تفويضا للمشيئة الالهية والعلم الرباني في تقدير كمية إيمانهم، ونسبته المئوية من الكمال وبعدًا عن الغرور، ورؤية العمل وتسليما بأن
الايمان يتفاوت درجات لا يعلمها إلا الله تعالى، لذلك سماهم الكوثري وأشباهه شكاكين في ايمانهم، وتوقفوا في جواز زواج الشافعية التي تقول: أنا مؤمنة إن شاء الله.
تعالى، والمستحي منهم قاس جواز زواجها على جواز زواج اليهودية والنصرانية، مع أن ذلك قياس فاسد شكلا، باطل موضوعا على أصولهم، إذ كيف يقاس مرتد بزعمهم على كافر أصلي، وشاكٍ على ذمي؟
٣- مالك: إمام أهل المدينة، ليس له ما يرغب في اتباع مذهبه سوى سكنى المدينة في زمن لا مزية لسكناها إذ انتشر العلم في غيرها أكثر منه فيها.
٤- الشافعي: إن رغب راغب في اتباعه لقرشيته، ففي قرشيته خلاف، ولا تنس الحديث: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) (١) فَلَوَّح بابطاء عمل الشافعي به، فان صح نسب الشافعي، وهو ما فيه خلاف، فلن يجبر قصوره في عمله، فكيف
والخلاف في نسب الشافعي قائم عند من ورث الجاهلية في الطعن في الأنساب.
٥- أحمد بن حنبل: إن رغبت في مذهبه لكثرة حديثه فأنت مخدوع، فما جدوى كثرة الحديث بلا تمحيص ولا غوص ولا تحقيق، عند من ردها بالآراء الجبارة والأقيسة الفارسية؟ (٢)
٦- الذين قالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وصفوا الله بالكلام والحرف والصوت، (٣) فهم مجسمة مشبهة حشوية، لم يعرفوا الفرق بين الدال والمدلول، والحقيقة والمجاز- وكلام الله هو علمه، عند الكوثري، وعلم
_________________
(١) = مهووسًا بالكوثري. وكما أن المؤلف ﵀ سمى الكوثري مجنون أبي حنيفة. فإنني أرى أن أبا غدّة مجنون الكوثري والجنون فنون، كتب الله لنا السلامة.
(٢) أنظر " التنكيل " (٢/٦٢٧)
(٣) أنظر نص كلام الكوثري والرد عليه في "التنكيل" (١/٣٦٦ رقم ٣٢) .
(٤) أنظر بيان هذا وتأييده في "القائد" (٢١٩- ٢٢١) . طبع المكتب الإسلامي.
[ ١ / ١٢٥ ]
الله: قائم بذاته، فليس لله تعالى على تحقيق الكوثري وأضرابه- بيننا كلام يتلى أو يكتب، ولا ثَمَّ إلا صوت القارىء، ومداد الكاتب، أما كلام الله تعالى الذي أنزله على نبيه وقرأه النبي على أصحابه وتلقاه الناس عن الصحابة، فلا وجود له بيننا، والذي يعترف به ورثة الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وبشر المريسي: أن الموجود عندنا من كلام الله عبارة أو حكاية أو ترجمة لكلام الله فقط لا أكثر ولا أقل، والقرآن من أوله إلى آخره أصوات القارئين ومداد الكاتبين وليس كلام الله (١)، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا.
٧- أبو نعيم، والبيهقي، والخطيب، والخلال، وأبو الشيخ، والحاكم وغيرهم من الأئمة، متعصبون فهم غير ثقات، فلا يقبل توثيقهم، ويزيد الخطيب الذي روى ما سجله التاريخ من حال أبي حنيفة، ولم يزد على التاريخ حرفا واحدًا، يزيده الكوثري بوسام يخصه به هو: أنه سخيف من سخفاء الرواة (٢) .
٨- أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري شيخ شيوخ أصحاب الكتب الستة ومعهم البخاري ومسلم هو وضاع كذاب فيكون رواية البخاري ومسلم عن هذا الوضاع الكذاب، غش وتدليس وتضليل، ويدافع عن هذا البهتان باستبعاد خطأ
_________________
(١) ولذلك يؤكد الكوثري أن الخلاف بين أهل السنة القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وبين المعتزلة وأمثالهم القائلين بأنه مخلوق، إنما هو خلاف لفظيّ! ويتابعه في هذا تلميذه (أبو غدة) في رسالة "مسألة خلق القرآن" وهذا منهما كالتصريح بان القرآن ليس كلام الله تعالى. ومن شاء التفصيل فليراجع: "مختصر لوامع الأنوار البهية" (ص ١٢٨) .
(٢) ومن سخافات الكوثري تعليقه على "الانتقاء" بأن ابن عبد البر قدم ترجمة مالك على أبي حنيفة. أن الإمام مالك مدني والشافعي مكي وأبو حنيفة كوفي والمدينة أفضل من مكة (كذا) وهذا التمحل في التفصيل ما أنزل الله به من سلطان. نعم فقد أثار بعضهم ذلك ولكن الإجماع انعقد بعد ذلك على إن مكة افضل والامام ابو حنيفة وعلماء الكوفة كانوا من الذين فضلوا مكة المكرمة. وأما ما ذكره أبو غدة (أبو حامد بن مرزوء) في الطعن بابن تيمية فسببه العصبية والافتراء. وقد طعن الكوثري بالحافظ الذهبي في اكثر من تعليق وشنع عليه لتأليفه كتاب "العلو" واختصاره لكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية (منهاج السنة) .
[ ١ / ١٢٦ ]
الطابعين، وبأن الخطأ خلاف الواقع، فالمخطىء كاذب فهو واضع ووضاع، فلا بأس أن يكون أبو عوانة وضّاعا إذا عرف له خطأ على تحقيق الكوثري. والخطيب متهم فيما رواه من حال أبي حنيفة، ولو كان لم يرو إلا رواه الناس قبله: البخاري، وابن الجارود، والساجي وابن أبي خيثمة، وابن عبد البر حافظ المغرب وغيرهم من حفاظ الإسلام وبنادره وبحور علومه.
٩- الحاكم أبو عبد الله مخلط إذ وجد في مستدركه الذي كان مسودة فلم يبيض عدة أحاديث موضوعة، فإذًا لا قيمة له في توثيق ولا تجريح.
١٠- الذهبي شيخ النقاد إذا نقد كلام الحاكم معتدًا له، إنما يتابع الحاكم متابعة الأعمى لقائده، فلا قيمة لذلك عند الكوثري، وإن خالفه الناس جميعا في الانتفاع بعلم الذهبي وتحقيقه وجرحه وتعديله وتدوينه تاريخ الإسلام مطولا ومختصرا.
(٦) يمتعض الكوثري من طبع الطابع مجموعة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فيها عدة رسائل فيها بيان عن رأس الحسين أين دفن؟ وبيان بقول الرافضة وأسانيدهم في النقل، وما يعولون عليه في بناء رفضهم، وفي المجموعة رسائل أخرى مفيدة كجهاد الكفار، والدعوة إلى التعاون، وإحياء طرق الخير وغيرها، مما يحبه كل محب للعلم النافع وتمحيص الحقائق، فإذا كنا عرفنا سبب امتعاض الكوثري وتوجعه من طبع (الرد على المريسي) توجعًا للمريسي وللجعد والجهم وغيظه على "السنة" لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل، لما حوت من الروايات في إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي لا تعدو أن تكون بيانًا لما جاء من ذلك في القرآن المجيد، والتي هي عمدة أهل الحق والسنة والجماعة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى في كل عصر ومصر، وإن اقشعرت منها جلود الجهنمية وأفراخ المتفلسفة- إذا كنا عرفنا سبب امتعاضه وألمه من ذلك، فإنا لما نعرف- وربما نعرف بعد ذلك أسباب غيظه من هذه المجموعة وطبعها وطابعها (١) - هل هو الشفقة على باطل الرافضة وتحليل أسانيدهم والحث على جهاد
_________________
(١) طبعت هذه الرسالة وقد كتب الشيخ محمد نصيف ﵀ بأن التعليقات مجموعة رأس=
[ ١ / ١٢٧ ]
الكفار؟ أو هو البغض لشيخ الإسلام ابن تيمية وآثاره الطيبة؟ كبغض الجعل (١) للروائح الزكية؟ أو هو الترويج للعامة وما يعتقدوته في الحسين ﵁ رأسًا وجسدًا أنه في ذلك المشهد المشهور بإسمه في القاهرة الذي أحدثه العبيديون، وإبقاء للعامة على ما هم فيه من ضلال وغلو وطواف بالقبر ونذور بنفيس الأموال والأوقات، حول قبر مفتعل ومشهد مصنوع، صنعه الملاحدة العبيديون الإسماعيلية، ولو كان جسد الحسين ﵁ في هذا القبر ورأسه، لما جاز هذا الضلال والغلو عنده (٢)، فيكون قد أعطانا الكوثري لونًا آخر من ألوان نفسه غير ما نعرفه عنه من الدفاع عن الجهمية، وعداوة أهل السنة، ذلك اللون هو تألمه للرافضة والقبورية، وعداوته للناصح للناس، وهاديهم إلى طريق الحق، بالبيان، والعلم، والنصيحة، إن كان ذلك فنِعْمَ ما أبان الكوثري لنا من دخائل نفسه وذات صدره؛ ولا أصدق من اعتراف الجاني بجنايته وشهادة الشخص على خافيات صدره، وما يكنه قلبه، والاعتراف ولو بلحن القول أقوى الأدلة المثبتة، وأثبت البيانات والشواهد على المقر المعترف إلا إذا كان مخبولا يقول ما لا يعقل، وحينئذ نعرف من الكوثري: جهميًا، جعديًا، مريسيًا، رافضيًا، قبوريا عَدوًا للأثمة والسنة والسلف، جاهلًا محبًا للباطل، فليهنأ بذلك كله والموعد الله يوم القيامة.
(٧) يتمدح الكوثري بنزاهة قلمه وينتزع لنفسه من كلام ناقده (٣)، منزلة فوق مستوى البشر ويتضجر من بيان حاله في رسالة صاحب "الطليعة" أو المعلق عليه أو طابعها، وأصارحه أن هذه الألفاظ الجارحة هي من صاحب التعليق، لا من المؤلف ولا من الطابع، ذلك أني أردت أن ألفته عن أعراض الأئمة الكبار شموس أهل السنة وبدور تاريخ الإسلام: كأبي نُعْيم، والبيهقي، والخطيب، وأبي الشيخ،
_________________
(١) = الحسين ليست له.
(٢) الجعل: دويَّبة لا تعيش إلا في القاذورات، وتقتلها الرواثح الطيبة.
(٣) بل لم يجز بقاء المسجد عليه.
(٤) هو العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني. المتوفى ١٩٦٦ يوم الخميس السادس من شهر صفر من عام ١٣٨٦ من الهجرة، عليه رحمة الله.
[ ١ / ١٢٨ ]
والحاكم، وابن أبي خيثمة الذي لم يستح الكوثري النزيه المترفع فوق مستوى البشر، أن يسمي الحافظ الخطيب سخيفا من سخافا الرواة، ولا أن يتورع عن رمي هؤلاء الأئمة وأمثالهم بأنهم غير ثقات. وأنهم متعصبون متهمون وأن مبين تمويهاته الشيخ اليماني أنه مصحح أوراق بالمطبعة العثمانية - يعني أن يتكسب قوته بعرق جبينه - شأن المسلم التقي في خير العصور، لا أنه يعيش على الدجل والاستجداء، وجلب الرزق من تضليل العوام وتسميم عقولهم ودينهم وخلقهم، ونصب نفسه مدافعا عن ضلالهم وخرافاتهم (١) .
فان قدرت أنا على تحويل الكوثري عن أعراض هؤلاء أئمة الدين والحديث والهدى، إلى عرضي - وما هو بغال عندي - في سبيل وقاية عرض هؤلاء من ارتزاق الكوثري، ومن الولوغ فيه أكون قد ربحت ربحا عظيما من جهة، ومن جهة أخرى أكون قد قدمت للكوثري عكازا يتوكأ عليه لجلب رزقه من جيوب مغفلين يسخون عليه بنفقات طبعها، وبذل سخي في شرائها وترويجها " كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ
_________________
(١) مما يؤيد ما تقدم ترامي الكوثري على أهل الثراء مع ضلالهم، مثل بعض الأمراء مصر، وقيامه بتقديم خدمات لهم، وترجمته تواريخهم من التركية إلى العربية، مع علمه بما فيها من كذب وضلال. وكذلك تزلفه للدجوي في الحرب العالمية الأخيرة. انظر مقالات الكوثري ص . بينما يتنكر لكل من خالفه أو خالف بعض تعصبه كما فعل مع شيخ الإسلام مصطفى صبري آخر مشايخ الإسلام في الدولة العثمانية. وصاحب الفضل الكبير عليه. وقد جعله وكيلا للدرس في معهد سليمان الشرعي وقد استغل الكوثري هذا وجعل يسمى نفسه: وكيلا للمشيخة والفرق بينهما كبير جدًا. وقد ورث مثل هذه الدعاوى تلامذته فبمجرد أن يضع أحدهم على رأسه العمامة ينثر لنفسه مختلف الألقاب والرتب ورحم الله من عرف حده ووقف عنده وكان من أهل الوفاء لكل من صنع له معروفًا. وانظر صنيعه مع أهل دمشق الذين أكرموا مثواه وإقامته فترة طويلة، وفيها نشرت أوائل الكتب التي علق عليها واستمر السيد حسام الدين القدسي ينشر كتبه في مصر فما كان منه إلا أن زعم أنه قد جاع في دمشق مرتين ولم يجد من يطمعه لقمة خبز!! كتب ذلك عن لسانه تلميذه الشيخ عبد الفتاح أو غُدَّة في كتابه "صبر العلماء" ص ٧١.
[ ١ / ١٢٩ ]
مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا " (١) ولا بأس أن نشغل الكوثري بشيء من هذا حتى نستريح من تجارته التي اعتادها من رمي خيار الأمة، بالتعصب وعدم الثقة، من أجل أنهم قاموا لله تعالى برد بطلان المبطلين، ولا بأس كذلك أن يرميني فوق ما رماني به من النذالة والبهتان بما شاء له قلمه وعلمه، ولست أستشهد لنفسي بألوف المصلين ورائي في المسجد الحرام، وإنما حسبي رضاهم وكفى.
وليغضب عليّ بعد ذلك الكوثري ما شاء أن يغضب، وليسبني ما شاء له السب، وليشتمني ما شاء له الشتم، فأنا أجلس في حلقة تدريس التفسير والحديث في المسجد الحرام أول بيت وضع للناس لعبادة الله تعالى، وأؤم الناس في الجمع والأعياد والجماعات، نيابة عن إمامه الأول، وأخطب الجمع والأعياد على منبر المسجد الحرام على ألوف الحجيج والمصلين، وأدرِّس الحديث متنه وفقهه بدار الحديث المكية، وحسبي ذلك كله في رد شتائم الكوثري وبذاءته.
الكوثري والغلو!!
يغلو الكوثري غلوًا لا يقبله ذو عقل منصف في إمامه أبي حنيفة، بما نظن أن أبا حنيفة لا يرضى مثل هذا الغلو والاطراء عملا بحديث (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) (٢) .
ويقول تعالى: " لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ " (٣) وإذًا فأبو حنيفة كسائر الرجال له ما للناس وعليه وما عليهم، فليس هو كما زعم الزاعم فيه أنه لم يظهر لأحد من أئمة الإسلام المشهورين مثل ما ظهر له من الأصحاب والتلاميذ، ولا أنه لم ينتفع العلماء وجميع الناس بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه في تفسير الأحاديث المشتبهة والمسائل المستنبطة والنوازل والقضاء إلى آخر ما حشى به كتابه هذا المحب الجاهل الذي خير منه عدو عاقل، يضع الأمور في ميزان العدل والانصاف، ويقول: إن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم، وأن كل مؤمن له حسنات وسيئات كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فأبو حنيفة كسائر الناس، له ما كسب وعليه ما اكتسب.
_________________
(١) سورة الإسراء: ٢٠
(٢) متفق عليه
(٣) سورة النساء: ١٧١
[ ١ / ١٣٠ ]
أزهر عصور الإسلام عصر اللامذهبية
أما السر الذي يحكيه الكوثري عن ابن الأثير بأمانة أو بغير أمانة، وشكنا في أمانته أنه لم يجرؤ أن ينقل في لفظ المجد ابن الأثير، وقد عرفنا أمانة الكوثري في تأنيبه للخطيب وحسبك منه بهت أنس بن مالك بالخرف والأمية واتهامه براوية ما يعلمه الرسول في قتل اليهودي، وقاتل الجارية الأنصارية بغير بينة، وأن أحد رواة الصحيحين أبي عوانة اليشكري وضَّاع - أي كذاب، حسبك في أمانته هذا إذا نقل نصوصا بألفاظها، فكيف إذا عدل عن النص إلى المعنى؟ كيف يكون أمينا عليه عند من عرف حاله هذه؟
هذا السر الذي يتكثر به الكوثري أنه ما كان شطر هذه الأمة من أقدم عهد إلى يومنا هذا يعبدون الله على فقه هذا الإمام - يعني أبا حنيفة - لو لم يكن لله سر خفي في ذلك، هذا السر الخفي عند الكوثري ومن نقل عنه هو حصاد التتار للملايين من هؤلاء الأتباع حصد القمح والشعير، وهذا السر هو سوم الجهريين من الروس والشيوعيين لهؤلاء الأتباع العابدين لله تعالى على مذهب هذا الإمام سوم الماشية التي تقتنى للحرث والسقي والحلب والذبح هذا السر هو شيخوخة الدولة العثمانية بعد الفتوة، حتى اندثرت وخلفتها حكومة لا دينية، طردت وكيل المشيخة الإسلامية إلى حيث لا رجعة له، إلى بلاد آمنت بمدنية مادية لا أثر للروح والدين فيها!
تقول اللامذهبية التي يبهتها الكوثري بأنها قنطرة اللادينية تقول له ولأمثاله كلمة صريحة صادقة: إن أزهر عصور الإسلام هو عصر اللامذهبية، عصر الصحابة والتابعين إذ كانت هداية الناس وبصيرتهم مقتبسة من الكتاب والسنة، وإذ لم يكن هناك فيهم من يقول: الأصل كلام أصحابنا: فإن كان هناك ما يعارضه من القرآن تأولناه، وإن كان هناك حديث معارض رددناه كرد حديث أنس في رضِّ رأس اليهودي الذي رض رأس الأنصارية لأجل نقل عن أبي حنيفة (ولو ضربه بأبا قبيس)، كانت خير عصور المسلمين عصر الصحابة والتابعين، حيثلا مذاهب تُرَدُ لأجلها نصوص الكتاب والسنة.
فلما انحدر المسلمون إلى هو ة التقليد وصار فيهم من يقول: الأصل كلام
[ ١ / ١٣١ ]
أسباب تدهور الإسلام وأهله
أصحابنا، ونرد ما خالفه من كتاب وسنة (١) دالت دولة المسلمين واستولى عليهم من لا يقيم للإسلام وزنا وإن تظاهر به لإسكات العامة، ثم كانت المصائب أتخم بها بطن التاريخ من غزو التتار لشرق البلاد وفيهم أتباع مقتدي الأمة وقدوة الأئمة، وغزو الافرنج للشام ومصر، وقبلها تنصير مسلمي الأندلس، ثم تنفس الإسلام بحيويته الكامنة؛ فكان طرد الفرنجة من الشام وشواطئ مصر وغزو الترك لشرق أوروبا وفتح القسطنطينية.
ثم فترت همة الإسلام بشؤم التقليد، والإعراض عن الكتاب والسنة، حتى كان ما نراه اليوم وقبل اليوم من استيلاء الدهرية الأوروبية على معاقل الإسلام وحصونه ودياره من الهند وأندونيسيا وشواطئ إفريقيا؛ الجزائر وتونس ومراكش وطرابلس ومصر والشام والعراق وأطراف الأمبراطورية العثمانية وارتماء تركيا الحديثة إلى أحضان أوروبا ودهريتها وخلاعتها.
كل هذا - وربك أيها القارئ - بشؤم وترك هداية الكتاب والسنة، وآخر الطوام خروج تركيا الفتاة وأعني رجال حكومتها عن دين الإسلام الصحيح والمحرف وإعلانهم دهرية الحكومة وأنها لا دين لها؛ فهل كان هذا من عواقب اللامذهبية الذي يأخذون دينهم من كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ، أو هو شؤم التمهذهب بغير بصيرة ولبس الدين مقلوبا، وقياس المرأة المسلمة الشافعية التي تقول: أنا مؤمنة إن شاء الله تعالى، في حل نكاحها على اليهودية والنصرانية، وجعل طول "الذَكَر" أو قصره من مرجحات الإمامة في الصلاة فيقدم طويل الذكر أو قصيره إماما على من ليس كذلك، وأخيرًا: إن الأصل كلام أصحابنا، وهل الدين إلا الرأي الحسن؟ وما خالفه من
_________________
(١) ومثلها عبارة الكرخي: كل آية أو حديث ليس عليه أصحابنا فهو منسوخ أو مؤول. وهذا الكلام خطير يجعل أقوال الناس - وبعضهم مجهول الحال أو العين - الحكم على كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلى كلام رسول الله ﷺ، الذي قال الله تعالى فيه: "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى". وهذا أسهل ممن جاء بعدهم ممن جعل للأحناف قواعد خاصة لتصحيح الحديث وتضعيفه، وجعل قواعدهم مقدمة على تصحيح وتضعيف المحدثين إلخ.
[ ١ / ١٣٢ ]
طريق العز والسؤدد بالتوجه إلى الكتاب والسنة
كتاب أوَّلناه؛ ومن سنة رددناه كرد حديث أنس في قتل قاتل الجارية بما قتل به أنه من تخريف أنس الذي شاخ وخرف فروى لنا قتل النبي ليهودي بلا بينة ولا اعتراف، ورواية الاعتراف يرويها قتادة المدلس، الذي لم يعرف البخاري تدليسه، وعرفه أذكياء: ولو ضربه بأبا قبيس، وهل الدين إلا الرأي الحسن؟ وفي أصحابي من يبول قلتين لتقذير حديث: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، وإذا كانوا في سفينة كيف يتفرقون لرد حديث: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا و و وأن القرآن الذي نسمعه ليس إلا صوت القارئ ونغمه، ليس هو كلام الله فليس لله كلام بيننا!! وإنما هي أصوات محدثة ليس من الله بدأ، ولا إليه يعود وإن إيمان السكير العربيد مثل إيمان جبريل وميكائيل ومحمد وأبي بكر وعمر إلخ.
كل هذا وأضعافه كان سبب ضعف الإسلام؛ وزوال دوله وقوته وعزته، وتحكم الكفار في مصائر أهله، وسومهم سوء العذاب.
وليس بين المسلمين اليوم إلى يوم القيامة وبين العز والسؤدد ومزاحمة ركب الحياة سوى التوجه إلى كتاب ربهم وسنة نبيه ﷺ والاهتداء بهما والعلاج بأدويتهما في تصحيح ما فسد من عقائدهم وأعمالهم وأخلاقهم ودينهم ودنياهم بلا تقيد بأحد معين كائنا من كان، سوى التقيد برواية الثقات منهم وإيضاح ما أبهم مما أثر من علم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان.
وقد حفظ الله القرآن فضلا منه، وإعذارا بنصه وحروفه وكلماته ومعناه، وقيض لما فسره من السنة النبوية من باعوا أنفسهم لله تعالى في تدوينها وتمحيصها وتهذيبها وتبويبها للتناول، وما على الناس إلا الاهتداء والعمل والاقتداء واليقظة بعد طول المنام والغفلة والجهالة، أخذ الله بأيدينا وقلوبنا وأسماعنا وأبصارنا إلى سلوك الصراط المستقيم آمين.
(٩) يعجب الكوثري عجبا يبرر به جرح رواة حكاية الخراساني الذي جاء إلى أبي حنيفة ليسأله عن مائة ألف مسألة كما زعم، وقول أبي حنيفة له: هاتها، ويقول: إنها أسطورة ومخالفة للمعقول ونقول معه إنها كذلك، ولكن المسؤول عن مجازفتها ومخالفتها للمعقول وأسطوريتها هو الخراساني قائلها، وأبو حنيفة مستعملها لا ابن
[ ١ / ١٣٣ ]
عيينة، راويها ولا من رواها عن ابن عيينة.
وفرعون عندما قال لهامان: "ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (*) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا"، كان السخف في قوله وتصوره وعقله لا فيمن حكى هذا السخف وذلك الهراء عنه، فالمسؤول عن سخف السؤال عن مائة ألف مسألة: هو الخراساني السائل والمستمع المتهيء للإجابة، فالانصاف تحميل كل مسؤول مسؤوليته عن عمله، لا تبرئة المجرم وتحميل جرمه للبريء.
ولو كنا نكذب الرواة الذي يروون جزاف المجازفين، وحماقة الحمقى، وإغراب المغربين، لما صح لنا شيء عن مجازف ولا أحمق ولا مجنون ولا دونت الغرائب والعجائب. كذلك حكاية كتابة ابن أبي ليلى إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، حينما كان أبو جعفر بالمدينة، بشهادة حماد ابن أبي سليمان عنده على قول أبي حنيفة بخلق القرآن، وأن أبا جعفر أمر بضرب عنقه إن شهد عليه آخر مع حماد، يحاول الكوثري ردها بما جاء فيها: أن أبا جعفر كان بالمدينة، فنسج له خياله أن ذلك كان في أيام هشام بن عبد الملك في العصر الأموي قبل أن تولد الدولة العباسية بزمن ليس باليسير، وقبل أن يعرف أبو جعفر؛ فإن كان في الدنيا عجب عجاب فهذا نموذج منه، وإن كان في الدنيا قلب للحقائق وإنكار للشمس في ضحى النهار، فهاك مثالا له، كأن أبا جعفر المنصور العباسي لم يدخل المدينة ولا وطئتها قدماه أيام خلافته لا في حج ولا زيارة ولا غيرها، ولا عرف المدينة إلا في عهد هشام كما تخيله الكوثري، وكأن ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بلغ من البلاهة وهو القاضي الذي يعرف من يكتب إليه ومن بيده تنفيذ ما يكتب، فيكتب إلى رجل مدسوس مغمور لا يملك من سلطة المسلمين والحكم فيهم قطمير ولا نقير؛ يكتب من الكوفة التي هو قاض فيها، متعديا عامل الكوفة وأميرها ومتعديا ملك المسلمين وخليفتهم حيث هو إلى رجل ليس له من الأمر شيء، هو أبو جعفر المنصور في عصر هشام بن عبد الملك الأموي، ربما كان فتى يطلب العلم ليس بيده من السلطة ولا سلطة شرطي، فيكتب إليه قاضي الكوفة في
[ ١ / ١٣٤ ]
ما ذكره أبو الحسن الأشعري عن أبي حنيفة من القول بخلق القرآن
مسألة استتابة فيها ضرب عنق! يا للهذر ويا للمحششة والأفينة! (١) .
ثم يتصور الكوثري جواب أبي جعفر المنصور حينئذ الذي ليس بيده من الحكم تقليم ظفر أن يكتب إلى قاضي الكوفة بضرب عنق من قال بخلق القرآن، كأن القاضي ورواة الحكاية بلغوا من الجنون والهذيان ما يرثي لهم، كل هذه المضحكات المخزيات المبكيات يولدها الكوثري من لفظة: (المدينة) التي جاءت في الحكاية ليسوغ له رمي رواة الحكاية بالحمق الذي يتندر به ويماجن المجان به، أن يرووا حكاية أبطالها ومسرحهم وفصولهم لا تكون إلا في العصر العباسي، فيروونها في العصر الأموي، عصر هشام ابن عبد الملك جهلا منهم بألف باء التاريخ والواقع، من أجل أن الرواي روى فيها: أن القاضي قاضي الكوفة كتب إلى أبي جعفر المنصور العباسي الخليفة بالمدينة؛ فيحلل المحقق الكوثري من كلمة (بالمدينة) أن يكون ذلك في عهد هشام بن الملك الأموي قبل أن تولد الدولة العباسية، وقبل أن يعرف أحد الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور بالخلافة أو الملك، وأخيرًا: ما لنا ولمناقشة هذه الهزيلة المسرحية حسب تصوير خيال الكوثري لها، وإنما نريد أن نسأله عما جاء في كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري من روايته عن حماد بن أبي سليمان لما بلغه قول أبي حنيفة بخلق القرآن: أبلغ أبا حنيفة المشرك أني بريء من دينه (أو ما هذا معناه) .
نريد تأنيبا شديدا للأشعري نسمع منه طرائف علم الكوثري فلعله يفتح له بابا من الرزق نضب منه معين تأنيب الخطيب، ولعلنا نسمع فيه نذالة الأشعري وبهته وحسده لأبي حنيفة من أجل حرمانه من القضاء الذي فاز به الحنفيون وتحسر عليه أهل الورع والتقوى من رواة الأخبار، التي جاءت في بيان حال أبي حنيفة، فحملهم الحسد أن يقولوا في أبي حنيفة ما ليس فيه، وعندما يخرج لنا تأنيب الأشعري نذكر له
[ ١ / ١٣٥ ]
ما جاء عن أبي حنيفة في كتاب "مشكل الحديث" لابن قتيبة ليخرج لنا تأنيبا ثالثا لابن قتيبة، ثم ما جاء في تواريخ البخاري الثلاثة، والضعفاء له، والضعفاء والمتروكين للنسائي، وتاريخ ابن أبي خيثمة، والساجي والخلال وما جاء في كتاب الحج للترمذي في باب إشعار الأبل، وما جاء في المحلى لابن حزم في كتاب الحج وغيره؛ وما جاء في الانتقاء لابن عبد البر وغيرها وغيرها، لنسمع طرائف من العلم ما كنا لنسمعها، لو لم نثر هذا الكاتب اللوذعي ونهيجه بنقل ما سجله التاريخ من كلام معاصري أبي حنيفة فيه، والحَكَم بينهم هو الله يوم القيامة.
دعوة الكوثري للمباهلة
وإن عودة الكوثري إلى رمي المؤمنين بالله وبما جاء من صفاته في القرآن والسنة، أنهم محددون لله ويصفونه بالجلوس والمس والحركة، وتجويز استوائه على ظهر بعوضة، إلى آخر ما هذى به. سبق الكلام على هذا البهتان وأجبنا عن ذلك الهراء ودعوناه إلى المباهلة ليحكم الله بيننا وبينه، أننا نؤمن بالله على الوجه الذي أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله ﷺ، مع التنزيه ونفي التشبيه، ولا تلزمنا لوازم النفاة الجعدية الجهمية المريسية، ونقول لمن يلزمنا إياها: سبحانك هذا بهتان عظيم.
فإن شاء أن يباهل على ذلك، باهلته أنا أمام بيت الله تعالى وقت السحر وليتخير له ما شاء من ضريح أو معبد أو وثن أو مشهد وكفى بالله شهيدًا، ونمر على ما وصف به خيار خلق الله، الذين يؤمنون بصفات الله تعالى كما أخبر بها بأنهم أهل الضلال الأغبياء والطغام، نمر على ذلك مر الكرام، كذلك ما وصف به الكوثري الخطيب لروايته ما جاء عن الأولين في تاريخه عن أبي حنيفة بأنه سخيف من سخفاء الرواة، ونعرض عن تناقضه إذا أراد تكذيب هشام بن عروة، فحينئذ يكون الحطيئة ثقة معتمدًا عنده، ولسنا نعجب أن يكون الحاكم عند الكوثري بالغ التخليط من أجل أنه روى في مستدركه الذي قيل إنه كان مسودة لم يبيض فوقع فيه عدة أحاديث قابلة للتمحيص لو أمهلته المنية لأعاد النظر فيه، والعلماء قبلوا الحاكم عالمًا راويًا وناقدًا للرجال، ونقلوا أقواله في ذلك واعتمدوا إلا عند الكوثري في القرن الرابع عشر لنقله ما قيل في أبي حنيفة.
[ ١ / ١٣٦ ]
الصحابة والتابعون أعرف بالإيمان وبالكتاب والسنة من إمامه
وقبول الذهبي لتوثيق الحاكم لا قيمة له عند الكوثري، لأن الذهبي عند الكوثري كالببغاء ردد قول الحاكم وتابعه بلا فحص مباشر، فلا يكون كلامه من كلام أهل الشأن المعاصرين للراوي فليسقط توثيق الحاكم وتوثيق الذهبي معه (١)، لأن الكوثري أسقطهما ولأنهما لِرَجُلٍ روى ما سجله التاريخ عن رجل عرفه أهل عصره، وجاء الغلاة فقالوا فيه: إمام الأئمة والإمام الأعظم وفقيه الأمة الأوحد إلخ. وعندما يحتاج الكوثري إلى اتهام هشام بن عروة أحد رجال الكتب الستة، بنقل لا يصح عن مالك يعتمد الخطيب وينقل تلك الفرية، وأعاد الكوثري رمي أهل السنة من الصحابة والتابعين الذين يقولون إن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، لأنهم لم يقولوا إن إيمان السكير العربيد قاطع الطرق كإيمان جبريل وميكائيل ومحمد ﷺ وأبي بكر وعمر، فعاد يرميهم بالانحياز إلى طوائف الاعتزال والخوارج، شاعرين أو غير شاعرين.
فنؤكد للكوثري أن هؤلاء الأئمة، من الصحابة والتابعين وتابعيهم أعرف بالإيمان وبكتاب الله تعالى وبالصراط المستقيم وطريق السنة والجماعة، وبما خالف ذلك من طرق الاعتزال والخروج، أعرف بذلك منه ومن إمامه ومن سائر المرجئة والجهمية والجعدية والمريسية، فليطمئن خاطرا أو ليحترق بما شاء من حطب الغيظ والحقد، ولينبزهم بما شاء له الهوى من ألقاب الضلال والحشو والغباء إلخ ما منحهم به مما جاد به عليهم من أدبه ونزاهته.
لو كنت أعلم أن ما علقت به على طليعة الأستاذ اليماني أن سيرميني بالنذالة والبهت التي يكذبه فيها إمامتي بالمسجد الحرام أمام بيت الله الكعبة المشرفة بألوف المسلمين حجاج ومجاورين بلد الله ولكن:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلا زال غضبانًا عليَّ لئامها
_________________
(١) هنا يرد الكوثري كلام الذهبي ويسقط منزلته بين أهل الفهم والدراية وكذلك جميع كلامه في مدح شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن إن جاء إلى الرسالة المزعومة جعل يكيل المدح للذهبي!! ودون إثبات رسالة الذهبي خرط القتاد.
[ ١ / ١٣٧ ]
رمي الكوثري المؤلف بالنذالة والبهت والعداوة لامامه والجواب عليه
لو كنت أعلم أنه سيرميني بالنذالة والبهت، وأنه سيرميني ويرمي خيار خلق الله من أتباع سلف الأمة أهل السنة والجماعة الذين يؤمنون بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تشبيه ولا تمثيل مع التنزيه التام- بأنهم الضلال الطغام
الأغبياء، أقول لو كنت أعلم ذلك ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لتركته يحترق في غيظه ويتفتت من حنقه وحقده من خيار خلق الله تعالى، وكنت التزمت النهي في قول الله تعالى: " وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (١) .
وأخيرًا فليتهمني بما شاء من ألقاب النذالة؛ وليبهت الخطيب بما أحب من تسخيف وتكذيب؛ والحاكم بما شاء من تخليط، والذهبي بما شاء من تقليد أعمى ومتابعة بغير فهم ولا بصيرة؛ وأبا نعيم والبيهقي وأبا الشيخ بالتعصب وعدم الوثوق بهم وأهل السنة الذين يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله - ﷺ - وأهل السنة الذين يؤمنون بزيادة الايمان ونقصه بسبب الطاعات والمعاصي اتباعًا لنصوص الكتاب والسنة، ولا يقولون إن إيمان السكير المعربد، كايمان جبريل وميكائيل ومحمد - ﷺ - وأبي بكر، فليرم كل هؤلاء بالضلال والغباء والحشو والطغامية، حتى يبرد قلبه من النار التي أحرقته لبيان حال إمامه وما قاله فيه معاصروه فمن بعدهم بمبلغ علمهم واجتهادهم الذي يؤجرون عليه ولو أخطأوا ونسوق اليه بشرى أمل يكتب على رجائها تأنيبًا آخر لحافظ الأندلس فيما قاله من نفسه أو أثره عن غيره مما لا ينقص عما نقله الخطيب إن لم يزد عليه، فنرى ماذا يتحف ابن عبد البر به من سباب وشتم وتجريح ثم قد نتمادى بإمداده بأسباب رزق له بما ننقل عن البخاري في تواريخه الثلاثة وضعفائه؛ وعن النسائي وعن الترمذي وعن كتاب الوتر لمحمد بن نصر المروزي، وعن كتاب مشكل الحديث لابن قتيبة والضعفاء والمتروكين لابن الجارود ممن ترجموا إمامه وبينوا حاله، فإن رمانا بعداوة إمامه تمثلنا له بالمثل المشهور: عدو عاقل خير من محب جاهل، فيكون عليه وحده تبعات ما أوجب صنيعه من اثارة مدفوعات الدفاتر، ودخائل الأثار وما صرح به علماء الجرح والتعديل الذي لا تأخذهم في الله لومة لائم
_________________
(١) سورة الأنعام: ١٠٨.
[ ١ / ١٣٨ ]
حكم القاضي لا يحل الحرام
فقالوا ونصحوا وبينوا وكتبوا ما حفظه عنهم التاريخ وما كنا نحب أن تثار لولا غلوه الجاهل وحبه الأحمق وجنونه على حد تعبير بعضهم فيه، وان كانت المسألة لا تعدو عند من دقق أن تكون مورد ارتزاق لمن أغلقت في وجهه سبل العيش المعتاد الهني الرغد.
يتمدح الكوثري بما نقل عن ابن رجب أن مذهب أبي حنيفة رد الزائد إلى الناقص في الحديث متنًا وسندًا، وأن ذلك احتياط بالغ في دين الله، ويصور ذلك بأن يرد سندان أحدهما بذكر راو والثاني بحذفه، فيعتمد الحذف ويجعل الخبر منقطعًا ويطرحه، ولم يقدر الكوثري أن يعين وجه بناء مذهبه على المرسل المتقطع، وفَرَّ عن ذلك فرار الجبان من مواجهة رماح الشجعان.
ولا أدري ما هي الزيادة أو النقص متنًا وسندًا في حديث أم سلمة في الصحيح عن النبي - ﷺ -: "إنكم تختصمون إليّ فأحكم بينكمْ بنحو مما أسمع، ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَنَ بحجته من بعض فأقضي له بحق أخيه، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما هي قطعة من النار فليأخذ أو ليدع " أو كما قال - ﷺ - فأخذ العلماء من ذلك أن حكم القاضي لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال، وأما صاحب العقلية الجبارة والرأي الحسن، فرأى حكم القاضي يحل الحرام ويحرم الحلال، وأجاز لمن شهد زورًا بطلاق امرأة وأثبت القاضي طلاقها بهذه الشهادة الزور أن يتزوجها ذلك الشاهد زورًا وتحل له ليجمع عند الله بين شهادة الزور في طلاق من لم يطلق وينكح الفرج الحرام الذي حلله بشهادة الزور، وهذا من الاحتياط البالغ عند صاحب العقلية الجبارة والرأي الحسن في الدين، ولا أدري ما هي الزيادة والنقص متنًا وسندًا في حديث جعله - ﷺ - للفارس ثلاثة أسهم من الغنيمة، وللراجل سهم حتى رده صاحعب العقلية الجبارة، والاحتياط البالغ للدين بقوله: لا أُفَضِّل بهيمة على رجل مسلم- والعلماء يعلمون أن ذلك ليس من باب تفضيل البهيمة على الرجل المسلم، وإنما ذلك من تفضيل مسلم صاحب فرس أنفق عليها وأبلى بها بلاء حسنًا في الجهاد على رجل راجل ليس معه هذه الفرس ولا له هذا البلاء، فلذلك أعطى الفارس بسبب فرسه لنفقته عليها وبلائه بها ثلاثة أسهم، فزيد سهمين على الراجل الذي لا فرس له، وهذا عَدْل جاء
[ ١ / ١٣٩ ]
حديث تزويج النبي ﷺ رجلا بما معه من القرآن
به الشرع وتشهد له الفطرة إلا عند صاحب العقلية الجبارة، ولا أدري ما الزيادة أو النقص في السند أو المتن، في حديث سهل بن سعد الساعدي في تزويج النبي - ﷺ - رجلًا بإمرأة على ما معه من القرآن فرده صاحب العقلية الجبارة باشتراط أن يكون الصداق ربع دينار فأكثر، قياسًا لحل الفروج على قطع اليد في السرقة، فأين البصرة من الدار البيضاء؟ ولا أدري ما هو القرآن أو الإجماع الذي دل على حديث نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة، وحديث نقض الوضوء بالقيء والرعاف الخ، وليست القهقهة في الصلاة بأفحش من قذف المحصنات الغافلات في الصلاة وهم لا ينقضون به الوضوء، فاين القياس والعقلية الجبارة والرأي الحسن؟
(١٠) أسرف الكوثري في جرح رجال أسانيد الخطيب الذين روى عنهم ما قيل في مثالب أبي حنيفة، واعتذر في ترحيبه بتأنيبه بأن روايتهم ساقطة بنفسها، لأنها تنافي ما زعمه من التواتر على رفع إمامة أبي حنيفة إلى مستوى لا يؤخذ عليه شيء ولا يناله خطأ ولا يتطرَّق إلى عصمته مساس، وهو الذي رمى أنس بن مالك خادم النبي - ﷺ - بالخرف والأميَّة والكذب على الرسول في قتل قاتل الجارية الأنصارية بغير بينة بزعمه ولا إقرار سوى رواية قتادة بزعمه المتهم عنده بتدليسه لرواية الاعتراف لأن إمامه قرر برأيه الحسن- وهل الدين إلا الرأي الحسن؟ - أن القصاص لا يكون إلا بالسيف ولو ضربه (بأبا قبيس) (١)، وجعل ذلك من باب التخيير بين أقوال الصحابة، وإن كانت المسألة ليست من باب التخيير بين الأقوال، وإنما هي رد صريح لرواية صحابي من أجل رأي حسن أو قبيح، لمن يزعم أن الدين إنما هو الرأي الحسن، فإذا سألناه من هو الصحابي الآخر الذي رد إمامه رواية أنس بن مالك لأجل قوله أو روايته؟ فانا ننظر الجواب لنعرف العذر من رمي أنس الخرف واختلاق الرواية، وأن أبا حنيفة رد روايته لرواية صحابي آخر فيكون تخيرًا، ولا نعيد لمز الشافعي بالخلاف في قرشيته وتبطيء عمله الذي لا يسرع به نسبه؛ ومالك بخلوه إلا من سكنى المدينة في وقت لا فضل
_________________
(١) إشارة إلى أمر لغوي أخطا به الإمام أبو حنيفة ﵀، وهو أمر يسير لا يضره، ولكن المتعصّبة من أتباعه ركبوا الصعب والذلول لدفعه عنه مما أدى لجعله محلْ تَنَدِّرٍ من غيرهم.
[ ١ / ١٤٠ ]
اتهام الكوثري الشيخ اليماني بعداوته لأبي حنيفة
فيه لسكناه، وأحمد بن حنبل بعدم تمحيص الرواية وعدم الغوص فيها وإن كثرت رواياته إلخ.
فهذا التواتر الذي رفع به إمامه فوق متناول النقد؛ وفوق درجات العصمة، وأنه أوحد الأمة وقدوة الأئمة، هذا التواتر هل كان يعرفه من أَرَّخَ أبا حنيفة؛ كالبخاري في تواريخه الثلاثة وضعفائه، ومحمد بن نصر المروزي في كتابه "قيام الليل والوتر"،
وابن قتيبة في "مشكل الحديث" له. والترمذي في جامعه في باب الاشعار، والنسائي في "ضعفائه ومتروكيه"، وابن الجارود في "ضعفائه ومتروكيه"، والغزالي في "منخوله" أو "مستصفاه" إلى ابن عبد البر في "انتقائه".
ويتهم الكوثري الشيخ اليماني صاحب التنكيل بعداوته لأبي حنيفة من أجل تكلُّمه على مغالطات الكوثري في تأنيبه، أوبيان تلبيساته في هذا الكتاب (١)، وفات الكوثري أنه إن صحت تهمته للشيخ اليماني بهذه العداوة، فهي من باب عدو عاقل وهو خير من صديق جاهل، وحذف الشيخ اليماني متون أسانيد الخطيب عند كلامه على رجالها هو من باب العقل والحزم، وترك الحكم الفصل في ذلك لعلاَّم الغيوب الذي يأجر مجتهدهم وإن أخطأ أجرا واحدًا ومصيبهم أجرين، فان كلام معاصري أبي حنيفة فيه ليس بأكثر ولا أشد مما جرى بين الصحابة ﵃ من خلاف أَدَّى إلى القتال بينهم، ومع هذا نعتقد أنهم جميعًا مجتهدون: إما مصيبون فلهم أجران، أو بعضهم مخطىء مع الاجتهاد فله أجر، ولسنا في كل وقت وبدون حاجة ضرورية إلى ذكر اختلافهم نذكره، وإن ذكرناه لم نغفل عن فضلهم وحسن بلائهم في الإسلام وعذرهم فيما نظن أنهم أخطاوا فيه.
فكذلك مخالفوا أبي حنيفة وجارحوه والطاعنون عليه على حد تعبير ابن عبد البر، هكذا يرى الشيخ اليماني ما جرى بين معاصري أبي حنيفة من الكلام فيه بسبب ما علموه عنه أنهم في ذلك مجتهدون في النصح للاسلام إن أصابوا فلهم أجران؛ وإن
_________________
(١) إن نغمة اتهام كل من يرد خبرًا نسب للإمام أبي حنيفة بالعداوة والبغضاء لهذا الإمام شِنْشنة معروفة عن الكوثري وطغمته مع أن من يردّ فريه أو يدفع باطلًا يكون مواليًا لهذا الإمام الجليل أكز من الذين يريدون أن يثبتوا له ما لم يثبت للأنبياء من الفضائل.
[ ١ / ١٤١ ]
متون في الطعن في أبي حنيفة نقلها المصنف عن الحافظ ابن عبد البر
أخطاوا فلهم أجر الاجتهاد، وبرفع عنهم وزر الخطأ، لذلك كف عن ذكر المنقول عنهم في ذلك، لهذا ولعلمه بما جاء في الحديث الصحيح الذي فيه (إن الله يجمع المؤمنين على قنطرة على الصراط قبل دخول الجنة، ويصفي ما بينهم من خلاف وتبعات، يتبعها العفو والتسامح والصفا، ولا يدخلون الجنة إلا وقد نُقُّوا وهُذِّبوا مما كان بينهم)، (١) لذلك سكت الشيخ اليماني عن ذكر ما كان من معاصري أبي حنيفة من طعن أو جرح، فإن كان الإمام سفيان الثوري قد قال في أبي حنيفة أنه ضال مضل، لما بلغه عنه من القول بخلق القرآن الذي يدافع الكوثري عنه فيه، اخترعه من فلسفة دال ومدلول وحقيقة ومجاز مما يخرج منه أنه ليس لله تعالى بيننا كلام نسمعه من القارىء أو نقرؤه في المصحف، وإنما ذلك دال ومجاز عن كلام الله تعالى، فإذا كان الثوري لم يفهم هذه الفلسفة واشتد كلامه في أبي حنيفة مجتهدًا في ذلك، أصاب أو أخطا، فهو مأجور على كلا الحالين، والموعد عند الله يوم القيامة وعلى قنطرة الصفاء قبل دخول الجنة يصفى ما بينهما، واليماني أحسن كل الإحسان بالسكوت عن تلك المتون التي هزت أعصاب الكوثري، فلم يشأ أن جهزها مرارًا وتكرارًا، أو يهز أعصاب غيره بلا داع.
فإذا أراد محب أبي حنيفة- ولا أقول مجنونه على حد تعبير بعضهم- أن نذكر له هذه المتون فسأذكرها له من تاريخ الخطيب بل من الانتقاء لحافظ المغرب ومحدث الأندلس أبي عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى.
وليخلع غليَّ الكوثري ما شاء من ألقاب النذالة والبهت في كتاب يعرضه في سوق الوراقين ويجود عليه بنفقات طبعه بعض أهل السخاء، ويكون لي من وراء ذلك ربح صَرْف الكوثري عن الخوض في أعراض خيار خلق الله تعالى.
أما ما سيفيضه عليَّ الكوثري من سبابٍ وشتائم فهي رخيصة عندي في مقابل ما أربحه من صرفه عن هذه الأعراض الطيبة، وأكتفي بمعرفة من يصلي ورائي مقتدين بي في المسجد الحرام جمعة وعيدًا وجماعة، ومعرفة من يخالطني في دروسي وأحوالي.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "المظالم" من صحيحه.
[ ١ / ١٤٢ ]
متون في الطعن في أبي حنيفة نقلها المصنف عن الحافظ ابن عبد البر
يكفيني ذلك كله ولا أحتاج أن أقول مع ذلك متمثلا بقول الأول:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل (١)
وأتمثل بقول الأخر:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلا زال غضبانًا عليَّ لئامها
وسأشرع في نقل ما أريد نقله من كتاب ابن عبد البر للغرض الذي شرحت آنفًا، مع إيماني بأن ما جرى من معاصري أبي حنيفة ومنه ليس بأشد مما جرى بين الصحابة، والكل مؤمنون وخلافهم عن اجتهاد يؤجر فيه أجرين والمخطىء أجرًا
واحدًا إن شاء الله تعالى. ولا نكابر كالكوثري فندعي توترًا لا واقع له، ليكذب به الواقع الذي كاد يتواتر.
قال ابن عبد البر حافظ المغرب: ونبدأ بما طعن عليه، لرده بما أَصَّلَهُ لنفسه في الفقه. صرد بذلك أخبار الآحاد الثقات، إذا لم يكن في كتاب الله تعالى، وما أجمعت الأمة عليه، دليل على ذلك الخبر، وسماه: الخبر الشاذ وطرحه، وكان مع ذلك لا
يرى الطاعات وأعمال البر من الإيمان، فعابه بذلك أهل الحديث إهـ.
فهذا كلام ابن عبد البر في أبي حنيفة، ورأيه فيه: أنه ردّ أخبار الثقات بما أصله لنفسه لا تابعًا في ذلك لأحد من السلف في اشتراط دلالة الكتاب والاجماع، ولا مستندًا في هذا الرد إلى معارضة كتاب أو صحيح من السنة أو إجماع إلخ. أقول معارضة ولا أقول باشتراط دليل من الكتاب لما يقبله من أخبار الثقات، فيطرح منها بزعمه ما لا دليل عليه بفهمه ويسميه شاذًا، فمن ذا الذي شرط في خبر الثقات هذا الشرط الباطل من سلف الأمة وأئمتها سوى أبا حنيفة فيما يقبله ويرفضه؟
_________________
(١) البيت للمتنبي من قصيدته التي مطلعها: لك يا منازل في القلوب منازل
[ ١ / ١٤٣ ]
أمثلة من السنة تدل على أن السلف كانوا يعملون بخبر الثقة خلافا لأبي حنيفة
ويا ليت شعري هل كان أبو حنيفة أعلم وأهدى من أهل قباء من الصحابة؟
الذين تحولوا في صلاتهم عن قبلة كانوا عليها متيقنين بها، لما أخبرهم مخبر ثقة أنه صلى مع رسول الله إلى الكعبة، فتحولوا كما هم ولا أدري هل كان عمال الزكاة الذين يذهبون لجبايتها وجمعها من سائر القبائل معهم إجماع أو دلالة من كتاب الله على أنهم رسُل رسول الله - ﷺ - إليهم لأخذ زكاة أموالهم، ومن امتنع منهم عن أدائها إليهم كان
يرسل إليه النبي - ﷺ - من يؤدبه ويخضعه لأدائها وإلا قاتله. فأين الكتاب والاجماع الذي مع هؤلاء العمال سوى صدقهم وأمانتهم؟، وعامله بخيبر لما بعث إليه النبي - ﷺ - من يتسلم منه شيئًا من التمر بأمارة (١) يعرفها الوكيل فلم يحتج مع هذا إلى دلالة كتاب أو اجماع، وهكذا رُسُلُ رسول الله إلى القبائل والملوك هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي، يذهب إليهم رسول واحد معه رسالة رسول الله - ﷺ - ويلقيها إليه من غير دلالة من كتاب ولا إجماع، تشهد له أنه رسولُ رسول الله - ﷺ - سوى صدقه وثقته، إلى آخر ما طفحت به السّنة والسيرة وعمل الصحابة والتابعين، فتبين من هذا أنه أصَّل له أصلا انفرد به عن سائر المسلمن. فلماذا؟ ألا يغضب الثوري وابن عيينة ومالك من ذلك وحق لهم أن يغضبوا. وأما عدم جعله الطاعات وأعمال البر من الإيمان فالذين جعلوها من الإيمان أفقه بمعرفة نصوص الكتاب والسنة من أبي حنيفة خصوصًا وهم صحابة رسول الله - ﷺ - وتابعوهم باحسان وأعرف الناس بدينهم كمالك والثوري وابن عيينة والشافعي وأحمد ومن سلك سبيلهم، وهم أبعد الناس عن الاعتزال والخروج والحرورية عن بينة وعلم وبصيرة، فليسوا منحازين إلى الاعتزال ولا الخروج، والحرورية كما رماهم بذلك محب أبي حنيفة أو مجنونه أنهم إذا جعلوا العمل من الايمان كانوا منحازين إلى الاعتزال والخروج شاعرين أو غير شاعرين.
وكذب مجنون أبي حنيفة وافترى، فما منهم منحاز إلى الاعتزال والخوارج وإنما قالوا اتباعًا للكتاب والسنة والفطرة السليمة والعقل من أن إيمان السكير العربيد لا أن يكون كايمان جبريل وميكائيل إلخ. ولا أن إيمان آخر من يخرج من النار يكون كايمان الرسل وأولي العزم، حاشا ذا عقل أن يقول بهذا.
_________________
(١) العلامة والإشارة.
[ ١ / ١٤٤ ]
سرد ابن عبد البر أسماء الجماعة من الطاعنين فيه من الأئمة
قال ابن عبد البر: كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيرًا من أخبار الآحاد العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه، ويقول: الطاعات من الصلاة وغيرها، لا تسمى إيمانًا، وكل من قال من أهل السنة: الايمان قول وعمل، ينكرون قوله ويبدِّعونه بذلك، وكان مع ذلك محسودًا لفهمه وفطنته اهـ.
(قلت) وليست الفطنة والفهم مما يبدع بهما صاحبهما عند أهل السنة إذا جرى صاحبهما على قواعد السنة، ولم يشذ عن جادة الصواب من الكتاب والسنة. فترى ابن عبد البر أثبت تبديع أهل السنة لأبي حنيفة وانكارهم لقوله، وأما قوله: إنه كان مع ذلك محسودًا، فنرجىء معرفة أشخاص الحاسدين له، إلى أن نلقى ابن عبد البر يوم القيامة فنسأله: من هم؟ هل هم مالك والثوري وابن عيينة والشافعي وأحمد والبخاري!! أو من هم؟
قال ابن البر: ونذكر في هذا الكتاب من ذمه، والثناء عليه ما يقف فيه الناظر على حاله. عصمنا الله وكفانا الحاسدين آمين رب العالمين (نقول معك: آمن رب العالمين) .
قال: فممن طعن عليه وجرحه أو عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري، فقال في كتابه في "الضعفاء والمتروكين": أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي. قال نعيم بن حماد، نا يحى بن سعيد، ومعاذ بن معاذ، سمعا سفيان الثوري، قال: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين. وقال نعيم الفزاري: كنت عند سفيان بن عيينة فجاء نعي أبي حنيفة، فقال: لعنه الله، إن كان (كاد) يهدم الإسلام عروة عروة، وما ولد في الإسلام مولود شر منه. هذا ما ذكره البخاري اهـ كلام ابن عبد البر ١) .
_________________
(١) يوسف بن عبد الله القرطبي المالكي أبو عمر من كبار حفاظ الحديث، صاحب الرحلات الطويلة والمؤلفات الكثيرة. وكان يقال له: حافظ المغرب ولد سنة ٣٦٨ في قرطبة. وكانت وفاته سنة ٤٦٣ ب "شاطبة" وقد تَمَحَّلَ الكوثري في الإعتراض عليه لأنه قدم الإمام مالك والإمام الشافعي على الإمام أي حنيفة في كتابه "الإنتقاء" أضف إلى ما يضمره من عداوة لكل من خدم الحديث النبوي.
[ ١ / ١٤٥ ]
وليتحفنا الكوثري بِعَدِّه الثوري وابن عيينه، ويحيى القطان، ومعاذ العنبريَ ونعيم ابن حمادَ والبخاري وابن عبد البر، في عداد الحاسدين لأبي حنيفة، أما نحن فنصبر إلى أن يجمعهم الله يوم القيامة على قنطرة القصاص فيقتص لمظلومهم من ظالمه، وأما في الدنيا فنقول: رحم الله الجميع وتجاوز عن سيئاتهم وأخطائهم "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" (١) ونقول: "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (٢) .
وقال ابن عبد البر: وقد نقل عن مالك رحمه الله تعالى أنه قال في أبي حنيفة ما ذكر عن سفيان: شر مولود في الإسلام، وأنه لو خرج على هذه الأمة بالسيف كان أهون.
قال عبد البر: وروي عنه- أي عن مالك- أنه سئل عن قول عمر: بالعراق الداء العضال فقال: أبو حنيفة.
قال ابن عبد البر: رَوَى ذلك كله عن مالك أهلُ الحديث، وأما أصحاب مالك من أهل الرأي فلم يرووا من ذلك شيئًا عن مالك اهـ.
وابن عبد البر يعلم أن سكوت الساكت ليس حجة على رواية الرواي، وأن الحديث من أصحاب مالك، كابن وهب (٣)، ويحيى بن يحيى النيسابوري (٤) والقعنبي (٥)،
_________________
(١) سورة الحشر: ١٠.
(٢) سورة البقرة: ١٣٤.
(٣) هو عبد الله بن وهب ابن مسلم. ولد بمصر سنة ١٢٥ روى عن نحو ٤٠٠ شيخ من كبار المحدثين بمصر والحجاز والعراق وقد وثقه الإمام أحمد ويحى بن معين، وسماه الإمام مالك: الفقيه. وكان من أهل الصلاح والخوف من الله. وكانت وفاته بمصر سنة ١٩٧ وقد طعن به الكوثري وجعله من الرواة البعيدين عن الفقه غير المميزين.. فتأمل.
(٤) هو الإمام الجليل يحى بن يحى بن بكر التميمي النيسابوري ممن روى عنه البخاري ومسلم وجمع غفير بل لم يرو مسلم الموطأ إلا عنه. وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما أخرجت نيسابور تعد ابن المبارك مثل يحى بن يحى، وكان من اهل الورع الشديد. وكان يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.
(٥) هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب المدني سكن البصرة وكانت وفاته بمكة سنة ٢٢١.
[ ١ / ١٤٦ ]
قول سفيان الثوري ووكيع في أبي حنيفة
والتنيسي، ويحي القطان وغيرهم من رجال الكتب الستة الذين رووا عن مالك هم أوثق من أصحاب الرأي من أصحابه فكيف سكت أهل الرأي ولم يخالفوا المحدثين إلا بسكوتهم؟
قال ابن عبد البر: وقال ابن الجارود في كتابه: في "الضعفاء والمتروكين": النعمان ابن ثابت أبو حنيفة: جُل حديثه وَهْمٌ، وقد اختلف في إسلامه ". قال ابن عبد البر: وهذا ومثله لا يخفى على من أحسن النظر والتأمل فيه.
أقول: (١) نعم التشكيك في إسلام رجل من أهل القبلة ليس من قواعد الإسلام.
فلنا ظاهر أهل القبلة، وباطنهم الى الله، وننكر ما يخالف الصراط السوي منهم، ونبين وجه الدين والسنة لمن خالفها، ولا نقول فيه: إنه الإمام الأعظم، ولا أنه قدوة الأئمة، ومقتدى الأمة، ولم ينتفع بأحد ما انتفع به إلخ، هذا الغلو السمج.
ونعتبر بما قال ابن الجارود: إن جل حديثه وهم (٢) فلم يكن له من معرفة صحيح الحديث ما يرد به الزائد الى الناقص، ويتحكم في صحاح الأحاديث بالرد، بدعوى عدم دليل عليها من الكتاب والسنة، كما زعمه له الزاعمون.
قال عبد البر بسنده الى أحمد بن حنبل، عن عبد الرحمن ابن مهدي: سألت سفيان- يعني الثوري- عن حديث عاصم، في المرتدة، فقال: أما عن ثقة فلا. قال ابن أبي خيثمة: وكان أبو حنيفة يروي حديث المرتدة عن عاصم الأحوال اهـ. ولا
يحضرني الآن هذا الحديث فمن عرفه فليتكرم به مشكورًا!
وبسنده الى وكيع قال سمعت أبا حنيفة قال: سمعت عطاء، إن كان سمعه- فدعوى أبي حنيفة السماع من عطاء موضع شك عند وكيع؛ فليستح من ادعى له سماع ثلاثين من الصحابة- من هذه المهاترة.
_________________
(١) القائل: هو المؤلف الشيخ عبد الرزاق حمزة.
(٢) ولابن الجارود سلف من أئمة الحديث في هذه الجملة؛ فراجع "سلسلة الأحاديث الضعيفة" للشيخ ناصر الدين الألباني (٤/٧٨، ٥/٨٦) و(ص- ٥) من رسالة التوضيح للأستاذ زهير الشاويش. التي قدم بها "شرح العقيدة الطحاوية".
[ ١ / ١٤٧ ]
قول ابن المبارك في أبي حنيفة وتركه إياه بعد أن عرفه
قال ابن عبد البر: وذكر الساجي في كتاب "العلل " أنه- يعني أبا حنيفة- استتيب في خلق القرآن فتاب، والساجي كان ينافس أصحاب أبي حنيفة.
أقول: والعتب عليك يا ابن عبد البر إن كنت ترى منافسته لهم تحمله على الكذب على إمامهم، ثم تملاء كتابك بالنقل عنه، أو لعلّك أردت بذلك تأشيرة المرور فقط عند مجانين أبي حنيفة، قال ابن عبد البر: وذكر الساجي عن أبي السائب عن وكيع ابن الجراح قال: وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول الله - ﷺ -، (قلت) لعلة خالفها إلى الرأي الحسن، وهل الدين إلا الرأي الحسن؟ وبما أصله؛ من عَرْضِهَا على الكتاب والاجماع، وان شَذَّ بذلك عن صراط الصحابة والتابعين.
ومن طريق الساجي، عن محمد بن نوح المدائني، عن معلى بن أسد، قلت لابن المبارك: كان الناس يقولون إنك تذهب إلى قول أبي حنيفة، قال: ليس كل ما يقول الناسُ يصيبون فيه، قد كنا نأتيه زمانا ونحن لا نعرفه، فلما عرفناه تركناه. (قلت)
فهذا ابن المبارك شيخ شيوخ الجماعة ترك أبا حنيفة بعد معرفته به. وبسند ابن عبد البر إلى أحمد بن زهير: كان أبي يقرأ علينا في أصل كتابه حديث أهل الكوفة، وإذا مر بأحاديث عن أبي حنيفة لم يقرأها علينا، فهذا زهير بن معاوية شيخ شيوخ الجماعة يترك أبا حنيفة وأحاديثه، لماذا؟ وبسند ابن عبد البر إلى سفيان بن عيينة قال: كان أبو حنيفة يضرب بحديث رسول الله - ﷺ - الأمثال فيرده بعلمه، حدثته عن رسول الله - ﷺ -: "البيعان بالخيار" فقال أبو حنيفة: أرأيتم إن كانوا في سفينة كيف يفترقون؟ هل سمعتم بشرّ من هذا؟ اهـ والحديث بالتثنية. والمثل المضروب لرده بالجمع، ولا بأس بذلك عند من يقول: ولو ضربه (بأبا قبيس) . قلت: ولمن يدافع عن حديث رسول الله - ﷺ - أن يقول: إفتراق كل شيء بحسبه، والسفينة لها مقدم ومؤخر وظهر وبطن، وجانب أيمن وأيسر ولها جوانب، ومن السفن ما هو كالمدينة، وذكروا منها ما على ظهره سباق خيل ومطبعة صحيفة أخبار.
ولو عاش أبو حنيفة حتى رأى الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، التي هي مدن متحركة على ظهر البحر يضيع فيها الإنسان لسعتها وتعدد طبقاتها وغرفها، لعله كان
[ ١ / ١٤٨ ]
لا يقول: كيف يفترقان؟ وإن كان الحديث ليس على شرطه من دلالة الكتاب والاجماع عليه!
قال ابن البر. وذكر الساجي عن أبي حاتم الرازي عن العباس بن عبد العظيم العنبري عن محمد ابن يونس قال: إنما استتيب أبو حنيفة لأنه قال: القرآن مخلوق، واستتابه عيسى بن موسى اهـ. فليكذِّب الكوثري الخطيب وليصدق ابن عبد البر أو ليكذبه مع الخطيب.
وبسنده إلى أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري (وليس بوضاع كما افتراه عليه الكوثري) قال أبو عوانة: سمعت أبا حنيفة سئل عن الأشربة- يعني الانبذة المسكرة- فما سئل عن شيء إلا قال حلال، فسئل عن السكر فقال: حلال. فقلت:
يا هؤلاء إنها زلة عالم فلا تأخذوا عنه. اهـ. وسيدافع مجنون أبي حنيفة عنه أن الخمر المحرمة إنما هي من العنب فقط، وإن كانت المدينة لا تعرف خمر العنب عندما نزل تحريم الخمر، وإنما كان خمرهم من البسر والرطب كما في حديث أنس وغيره.
وأسند ابن عبد البر عن محمد بن جرير الطبري بسنده الى الحكم بن واقد: رأيت أبا حنيفة يفتي من أول النهار الى أن يعلى النهار، فلما خف عنه الناس دنوت منه فقلت: يا أبا حنيفة لو أن أبا بكر وعمر في مجلسنا، ثم ورد عليهما ما ورد عليك من
هذه المسائل المشكلة لكفّا عن بعض الجواب ووقفا عنه، فنظر إليه وقال: أمحموم أنت؟ يعني مبرسما اهـ ص ١٤٧.
فليردَّ أبي حنيفة ما في هذه الحكاية من علم طريف في السند والمتن، وهل تؤيد حكاية السائل الخرساني حامل المائة ألف مسألة، وهل استغراب الحكم بن واقد من جرأة أبي حنيفة من نوع استغراب ابن عيينة للجرأة على الفتوى فيما لا يعقل من المسائل، أو ذلك لون آخر، وعلى كل حال فهي مادة ليكتب عنها مجنون أبي حنيفة، ونرجو منه عذرًا لابن عبد البر في إخراجها وليكن غير حسد الحكم بن واقد أو غيره من أحد رواتها، وفيهم امام المفسرين والمحدثن ابن جرير رحمه الله تعالى.
وبسند ابن عبد البر ص ١٤٨ الى أبي أسامة حماد بن أسامة قال: مَرَّ قوم على رقبة- لعله ابن مصقلة- فقال: من أين جئتم؟ قالوا: من عند أبي حنيفة، فقال: يكفيكم من رأيه ما مضغتم، وترجعون الى أهليكم بغير ثقة اهـ.
[ ١ / ١٤٩ ]
ذم مسعر بن كدام
نقول لرقبة: لعلك لم تذق لذة الرأي الحسن، والعقلية الجبارة، التي عند قدوة الأئمة، ومقتدى الأمة، فسميت ما سمعوا من رأيه مضغًا كمضغ العلك. وإنما الغريب رجوعهم عنه بغير ثقة، فهل كنت يا رقبة حاسدًا للإمام الأعظم؟ أم كنت ناصحًا، والعجب أن يسكت هؤلاء الراجعون عن أبي حنيفة على كلام رقبة في أبي حنيفة، وما مضغوه من رأيه ورجوعهم منه بغير ثقة، فلم يعارضوا رقبة ولم يسكتوه، ولم يؤلفوا فيه كتأنيب الكوثري، ولكن ما سكت عنه هؤلاء الراجعون من مجلس أبي حنيفة، لا يمكن أن يسكت عنه مجنون أبي حنيفة، بل سترى الطرائف والظرائف منه في رقبة ومن دونه من رجال السند، حتى أحمد بن زهير، اللهم سلمه من لسانه وقلمه، واحفظ عرضه طاهرًا من ولوغ الوالغين.
قال ابن عبد البر ص ١٤٨. بسنده الى ابن عيينة، قال: مر رجل بمسعر بن كدام فقال: أين تريد؟ قال: أريد أبا حنيفة. قال: يكفيك من رأيه ما مضغت، وترجع إلى أهلك بغير ثقة.
والمناقشة مع مسعر بن كدام كالمناقشة مع رقبة، أنه لم يذق طعم الرأي الحسن، ولم يعرف تلك العقلية الجبارة، فسمى سماعها مضغًا، ولكن العجب أن يكون الإمام الأعظم وقدوة الأئمة، ومقتدى الأمة، عنده غير ثقة، سنرى ونسمع ما لم نر ولم نسمع، فلنتمهل حتى نرى تأنيبًا جديدًا، أو طبعة أخرى لتأنيب الأول يضم فيها ابن عبد البر خصما آخر لأصحاب العقول الجبارة، فضلا عن مسعر بن كدام، ورقبة، والثوري، وابن عيينة.
قال ابن عبد البر ص ١٥٠: وذكر الساجي عن بندار ومحمد بن المقرى عن معاذ ابن معاذ العنبري عن سفيان الثوري قال: استتيب أبو حنيفة مرتين. اهـ
ولعل الثوري ذلك الإمام الزاهد الورع التقي المحدث كان حاسدًا للامام الأعظم ذي العقلية الجبارة، والرأى الحسن قدوة الأئمة ومقتدى الأمة الذيلم ينتفع بأصحاب أحد ما انتفع الناس بأصحابه (١)، فنتركهم إلى قنطرة القصاص قبل دخول
_________________
(١) إن هذا الاطلاق من الكوثري يشمل أصحاب رسول الله - ﷺ - كما يشمل أصحاب الصحابة والتابعين فهل يريد القول: إن الناس انتفعوا باصحاب أبي حنيفة أكثر من انتفاعهم بمن نقل=
[ ١ / ١٥٠ ]
الجنة ونقول: "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" (١) "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (٢) .
وذكر ص ١٥١: عن أبي عبد الرحمن المقرىء قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء غير مرة فلم أجبه. اهـ. وحسنا فعل أبو عبد الرحمن المقرىء إذ وقف مع سواد أهل السُّنة، والجماعة في الايمان ولم يقل: إن إيمان السكير كايمان جبريل وميكائيل.
وذكر ابن عبد البر ص ١٥١: عن أحمد بن سنان القطان قال: سمعت علي بن عاصم قال: قلت لأبي حنيفة: حديث إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: أن النبي - ﷺ - صلى خمسا- أي سهو ًا- فأخذ أبو حنيفة شيئًا من الأرض ورمى به، وقال: إن كان جلس في الرابعة مقدار التشهد، وإلا فلا تساوي صلاته هذه- أي القشة التي أخذها من الأرض.
ولا ندري ما هو الأصل الذي أصله أبو حنيَفة رحمه الله تعالى في ردّ صلاة رسول الله - ﷺ - والاستدراك عليه وتصحيح ما يراه منها صحيحًا، وإبطال ما يراه منها باطلا، لا نعرف لذلك أصلا، إلا أن يكون ذلك هو الرأي الحسن، وحاشاه يقول ذلك (٣) في العبادات، وأحسن الظن به، أنه لم يصدق حديث ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، غير أن التعبير الأبعد عن الايهام أن يقول: لعل ذلك لم يصح عن النبي - ﷺ -، فان صح فسمعًا وطاعة "إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٤) وحينئذ يكون طعنًا في صدق
_________________
(١) = علم النبي - ﷺ -!! أو أن انتفاعهم بأصحاب عمر بن الخطاب، وعلي بن أي طالب، وابن مسعود وعائشة ﵃ كان أقل من انتفاعهم بآراء أصحاب النعمان!! إن كان هذا مقصود الكوثري فسبحانك اللهم. هذا بهتان عظيم.
(٢) سورة الحشر: ١٠.
(٣) سورة البقرة: ١٣٤.
(٤) إن استغراب الشيخ عبد الرزاق حمزة أن يقول الإمام أبو حنيفة مثل هذا في غاية الانصاف والتماس العذر جزاه الله كل خير.
(٥) سورة النور: ٥١.
[ ١ / ١٥١ ]
قول ابن المبارك في أبي حنيفة كان تهيما أو يتيما في الحديث
إبراهيم أوعلقمة أو ابن مسعود، وذلك كله أهو ن من تخطئة رسول الله - ﷺ - التي هي كفر بالإجماع.
وأسند ابن عبد البر ص ١٥١: عن بشر بن المفضل قال: قلت لأبي حنيفة: نافع عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" قال: هذا رجز؟! فقلت: قتادة عن أنس، أن يهوديًا رض رأس جارية بين حجرين فرضَّ النبي رأسه بين حجرين، فقال: هذا هذيان.
وعسى أن يكون بشر بن المفضل قد وهم في هذا النقل عن أبي حنيفة أوعَمَّنْ دونه فلا يقع في قلوبنا عن مسلم أن يقول مثل هذا، وأحسن محامله أن يكون شكًا في رواة الحديث، والعتب على ابن عبد البر أن يسكت على مثل هذا بعد روايته في كتاب كَتَبَهُ في فضائل الأئمة ومنهم أبو حنيفة!!
وأسند ابن عبد البر ص ١٣٢ عن عبد الله بن عثمان قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: كان أبو حنيفة قديمًا، أدرك الشعبي والنخعي وغيرهما من الأكابر، وكان بصيرًا بالرأي يسلم له فيه، ولكنه كان تهيما (١) في الحديث. اهـ وإذن لم يعترف له ابن المبارك بادراك صحابي واحد، فأقدم ما عنده الشعبي والنخعي.
والذي في النسخة تهيما في الحديث أي متهما فيه، والذي أحفظه فيما نقله محمد بن نصر المروزي يتيما في الحديث، أي قليل البضاعة فيه، وهذه أهو ن من ذلك، وأيا كان ابن المبارك لا يعترف لأبي حنيفة بعلم الحديث إلا يُتما أو اتهاما فيه، لا أنه امام فيه يرد ما شاء منه بما أصل لنفسه من أصول أو فطنة أو ذكاء، وإنما هي الجرأة التي انفرد بها عن الأئمة.
_________________
(١) هذا ما يقوله الإمام العابد المجاهد عبد الله المبارك عن منزلة الإمام أبي حنيفة في الحديث. فما هو رد الذين يجعلون ابن المبارك من تلاميذ أبي حنيفة، بل ويعدونه من مفاخر مذهبه تجاه هذه الشهادة منه عليه. وما أظن أن أبا غدة سيكون موقفه إلا العداء الشديد لابن المبارك لشهادته هذه في الإمام أبي حنيفة ولألحقه بمن طعن فيهم من الأئمة.
(٢) أخرجه الترمذي بنحوه وقال: والموقوف أصح.
[ ١ / ١٥٢ ]
قياس أبي حنيفة الشرب في قدح في بعض جوانبه فضة على الشرب من كف في أصبعه خاتم فضة
وأسند ابن البر ص ١٥٧ من طريق أبي يعقوب المكي عن عثمان بن زائدة قال: كنت عند أبي حنيفة فقال له: ما قولك في الشرب في قدح أوكأس في بعض جوانبها فضة؟ فقال: لا بأس به، فقال عثمان: فقلت له: ما الحجة في ذلك؟ فقال: أما ورد النهي عن الشرب في إناء الفضة والذهب، فما كان غير الذهب والفضة فلا بأس بما كان فيهما منهما، ثم قال: يا عثمان ما تقول في رجل مر على نهر وقد أصابه عطش وليس معه إناء فاغترف الماء من الخهر فشربه بكفه وفي أصبعه خاتم- أي فضة- فقلت: لا بأس بذلك. قال: كذلك. قال عثمان: فما رأيت أحضر جوابًا منه.
ونحن بدورنا نحمد الله تعالى على التحلل من هذا القياس من تلك العقلية الجبارة قياس جواز الشرب في إناء مضبب بذهب أو فضة قد تكون الضبة أكثر حجم الأناء، وأظهره وأكثره على جواز الشرب باليد فيها الخاتم، وأقل الناس تفكيرًا يدرك الفرق بين يد فيها خاتم فضة يأكل ويشرب بها، أن ذلك ليس استعمالا لآنية فضة، وبين إناء ضبب أو خلط فيه الذهب بغيره سبكا، وليتهنَّ الذين يشربون ويأكلون في أواني الذهب والفضة بما أضيف سبكا إليها من نحاس قليل للصلابة والقوة أنهم يستعملون ما يباح، كالاغتراف بيد فيها خاتم فضة، أما من ليس لهم هذه العقول الجبارة فيحمدون الله تعالى على نعمته عليهم بعدم هذه العقول الجبارة التي أباحت لهم هذه الأواني المنهي عنها.
وأسند ص ١٥٤: عنِ المذكور بسنده إلى علي بن المديني يقول: حدثت أن رجلا من القواد تزوج امرأة سرًا فولدت منه، ثم جحدها، فحاكمته إلى ابن أبي ليلى، فقال لها: هات بينة على النكاح، فقالت: إنما تزوجني على أن الله ﷿ الولي، والشاهدان الملكان، فقال لها: اذهبي وطردها فأتت المرأة أبا حنيفة مستغيثة، فذكرت له، فقال: لها ارجعي الى ابن أبي ليلى فقولي له: إني قد وجدت بينة، فإذا هو دعا به ليشهد عليه، قولي: أصلح الله القاضي، يقول هو كافر بالولي والشاهدين، فقال له ابن أبي ليلى ذلك فنكل ولم يستطع أن يقول ذلك، وأقر بالتزويج (التزوج) فألزمه المهر وألحق به الولد اهـ
أقول: إذا تجاوزنا ما صيغت به الحكاية للاشادة بذكاء أبي حنيفة وفطنته وإنقاذه
[ ١ / ١٥٣ ]
لحرج الموقف، ونفع هذه الخدن الموطؤوة سرًا بلا وليٍ ولا شهود ولا مهر حتى حملت ووضعت. إذا تجاوزنا عن هذا كله فالعجب من تصوير الحكاية بحيث يخفى على قاضي الكوفة ابن أبي ليلى أن النكاح باطل ولو اعترف به الواطىء المتخذ خِدْنًا لخلوه من ولي وشاهدين شرطتها الأحاديث وظاهر القرآن، كحديث: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) (١)، (والسلطان ولي من لا ولي له) (٢)، وحديث: (البغي أو العاهر هي التي تزوج نفسها) (٣)، وحديث: (البكر تُستأذن والأيم تُستأمر) (٤) وقول الله تعالى: "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا
بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ" (٥) فخاطب الأولياء بالنهي عن العضل لأنهم هم الذين بيدهم أمر إبرام النكاح وعقده.
وما أدري ماذا كانت فائدة هذه الحيلة إذا كان الواطىء المخادن لبقًا فاجاب القاضي: اني أومن بالله وملائكته، ولكن الله تعالى لم يشرع نكاحًا ليس فيه وليّ ولا شهود من الآدميين وجحد وطء المرأة، أفما كان عليها الرجم أو على الأقل التعزير.
ثم الذين يقولون بمقتضى هذه الحكاية هل لنا أن يسألهم عن الفرق بين هذا النكاح المدعى صحته، وبن سفاح المخادنة السري وما يسمى في هذا العصر بخادمة السرير (كمريره) وقصة الخليعة انجريد السويدية وولادتها ولدًا من سفاح ومن عشيق طلياني اعترف بولدها منه وأمثالها كثير، وكثير لا يحصى، تذكره الصحف الناشرة للخلاعة عن الأفرنج ومن سار على منهجهم في الفسوق والفجور. هل هناك فرق ديني من كتاب أو سنة بيئ هذه الأنواع من الفسق والفجور والمخادنة، وبن هذا النكاح الذي صورته الحكاية صحيحًا عن أبي حنيفة وألزم به القاضي بزعمه، وساقوا حكايته
_________________
(١) رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح كما قال الذهبي فيما نقله المناوي في "فيض القدير" و"التيسير لشرح الجامع الصغير" و"صحيح الجامع الصغير" ٧٤٣٣.
(٢) هو طرف من حديث أوّله: "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها " أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحسَّنه الترمذي؛ وصحّحه ابن حبان كما قال المناوي.
(٣) أخرجه الترمذي بنحوه وقال: والموقوف أصح.
(٤) رواه مسلم انظر "مختصر مسلم" رقم ٨٠٢.
(٥) سورة البقرة: ٢٣٢.
[ ١ / ١٥٤ ]
قصة أخرى في حيلة أبي حنيفة وتعقب المؤلف لها
لاثبات عبقرية أبي حنيفة (١)
وأسند ابن عبد البر ص ١٥٧ إلى حكام بن سلم قيل لأبي حنيفة إن العزرمي يقول: "سافرت عائشة مع غير محرم " فقال أبو حنيفة: وما يدري العزرمي ما هذا؟ كانت عائشة أم المؤمنن كلهم، فكانت من كل الناس ذات محرم اهـ
ولا أدري هل كان العزرمي يلتزم جميع لوازم الأمومة من خلوة وكشف زينة
وتوارث، أم يقتصر بها على الحرمة، حرمة الزواج بها المنصوصة في القرآن، والاحترام
والمودة فقط. وما لنا نسأل العزرمي، وإنما نسال مصور الحكاية هل هذه الأمومة
حرمت أخوات أمهات المؤمنن وبناتهن على المؤمنين، وأجازت لهن الخلوة وكشف
الزينة على المؤمنن، فضلا عن قسمة ما يملكنه تعد موتهن على أبنائهن المؤمنين الخ.
أما سفر عائشة ﵂ بغير محرم فلها عند الله عذر وتأويل نتركه لها. ولها
عندنا من الحسنات ما يغطي ذلك.
وأسند ص ١٥٨: عن زفر بن الهذيل قال: اجتمع أبو حنيفة، وابن أبي ليلى
وجماعة من العلماء في وليمة لقوم، فأتوهم بطيب في مدهن فضة، فأبوا أن يستعملوه
لحال المدهن، فأخذه أبو حنيفة وسلته باصبعه وجعله في كفه، ثم تطيب به. وقال
لهم: ألم تعلموا أن أنس بن مالك أُتي بخبيص في جام فضة فقلبه على رغيف ثم
أكله! فتعجبوا من فطنته وعقله اهـ.
وعجبي من مصور الحكاية أن يفوته أن أخذ أبي حنيفة للمدهن وسلت الطيب
منه، هو استعمال للمدهن الفضة واقرار لهذا الاستعمال، فإذا قصد بها ذكر ذكاء أبب
حنيفة، فقد حطه في الفهم والورع من حيث لا يشعر، فتناول آنية فضة وإخراج ما
فيها، هو استعمال لا يخفى على من دون أبي حنيفة.
_________________
(١) وفساد هذا الرأي أدركه أحد كبار المتعصبة للأحناف في هذا العصر فقد استفتى بحالة مماثلة جرت في اوربة فأفتى بفساد دعوى الزواج، ومنع إلحاق الولد. فهل فعل ذلك اجتهادًا منه مع مخالفته لأبي حنيفة؟ أم فعله بناء على أنه من الأمور الحادثة التي لم يعرفها الأئمة مثل:، "التأمين، والعقود التجارية، وأنواع الربا" الخ. اللهم احفظ ديننا وعقولنا.
[ ١ / ١٥٥ ]
وأما استشهاده بقصة أنس فانا نطلب ممن وقف عليها مسندة في غير هذه الحكاية
أن يتحفنا بها، لكن لا من طريق ابن الثلجي، ولا الحسن اللؤلؤي وأمثالهما، ولا أن
تكون بسند فيه أبو حنيفة لأنها ادعيت لذكائه، فالتهمه فيها ظاهرة.
وأسند ابن عبد البر ص ١٥٩: إلى حمزة بن عبد الله الخزاعي: أن أبا حنيفة هرب من
بيعة المنصور (مع) جماعة من الفقهاء، قال أبو حنيفة: لي فيهم أسوة، فخرج مع
أولئك الفقهاء، فلما دخلوا على المنصور أقبل على أبي حنيفة وحده من بينهم، فقال له:
أنت صاحب حيل، فالثه شاهد عليك، أنك بايعتني صادقًا من قلبك، قال: الله
يشهد عليّ حتى تقوم الساعة، قال: حسبك. فلما خرج أبو حنيفة قال له أَصحابه:
حكمت على نفسك ببيعته حتى تقوم الساعة، قال: إنما عنيت حتى تقوم الساعة من
مجلسك إلى بول أو غائط أو حاجة أو حتى يقوم من مجلسه ذلك. اهـ
والعجب لحاكي الحكاية أن يخفى عليه حديث: "يمينك على ما يصدقك عليه
خصمك لما (١) لعله لا يصدق به، وإن كان في الصحيح - صحيح مسلم- لأنه ليس على
شرط أصحاب العقلية الجبارة، فلعله عندهم شاذ أو مرفوض بالرأي الحسن
والأصول التي أصلها صاحب العقلية الجبارة.
فأبو جعفر المنصور فهم من عهد أبي حنيفة، واشهاد الله عليه التأييد من قوله:
(حتى تقوم الساعة) وهو الفهم المتبادر من أمثال هذا التعبير، وأبو حنيفة قصد إلى
فهم بعيد خفي لا يدل عليه سياق ولا قرينة ولا شاهد حال.
وبعد فلو فتحنا هذا الباب من التلاعب بالألفاظ والكنايات الخفية لما استقام
للناس عهد ولا عقد ولاخْتَلَّتْ معاملاتهم وعقودهم ولم يبق اطمئنان ولا ثقة بعهد ولا
عقد ولا قسم، وخذ ما شيءت من الفوضى ومرج العهو د ما شيءت في ذلك، ولوخرج
_________________
(١) بل إن ثبتت عن الإمام ابي حنيفة بطريق صحيح فنقبل بها، لأن هذا الإمام من أهل الصدق والامانة، وضعفة من جهة حفظه فهو المعتمد.. وهذا لا يقدح في إمامته. بل الذي يقدح في امامته التعصب البغيض له حيث يعطي فوق قدرة البشر. وانظر تفصيل ذلك في "التوضيح " الذي قدم به شرح العقيدة الطحاوية الشيخ زهير الشاويش.
[ ١ / ١٥٦ ]
أبوحنيفة على أبي جعفر المنصور بناء على ما أخفاه في قلبه من تقييده بيعته بمجلسه إلى أن
يقوم لبول أو غائط، وظفر به المنصور بعد خروجه عليه وصلبه- منفذًا فيه حكم
الخوارج- لما كان ملامًا عند الله تعالى، لأنه عاقب خارجًا ناكثًا ببيعته أعطاها مع
القسم، واشهاد الله تعالى على أبديتها بكلام فهم منه المنصور ذلك، وفهم منه
الحاضرون ذلك؛ ولو استشهد المنصور الحاضرين لشهدوا أنه بايعه بيعة أبدية ولا
ينفع أبا حنيفة- لا عند الله ولا عند الناس- أنه قصد بقوله: (حتى تقوم الساعة) قيام
المنصور لبول أو غائط من مجلسه ذلك لأنه قَصْد خفي مستز لا تدل عليه العبارة ولا
شواهد الحال ولا قرينة صارفة عن الظاهر المتبادر الذي فهمه المنصور والحاضرون معه
في المجلس، والذي يفهمه كل ذي فهم مستقيم لم ينحرف عن الجادة بهذه الحيل.
وحديث: (في المعاريض غنية للبيب عن الكذب) (١) لا يدخل في نطاقه العهو د
والمواثيق والأيمان والعقود والخصومات، لأنه في باب الأخبار إبعادًا للكذب عنها
بالمعاريض، لا في باب الانشاء للعقود والعهو د، وإلا فقل في فساد العقود والمعاملات
ما شيءت إذا اعتبرنا هذه الحيلة السخيفة وذلك التلاعب الصبياني وذلك التحريف
المكشوف. (٢)
وإذا سألنا أصحاب العقول الجبارة عن متعاقديْن على إيجار بستان أو مزرعة عشر
سنين مثلا، وبعد ذلك اختلفوا، فقال المؤجر: أردت بعشر سنين أي جدبة قاحلة،
ولكنا الآن في أعوام خصبة هاطلة. وقال المستأجر: بل عقدت معك على عشر سنين
ظرفًا للإيجار تقدر بالأيام والأسابيع والشهو ر، ولم نرد منها صفتها من خصب أو
جدب، فهل تحكمون للمؤجر الملتوي بنية لا دليل عليها، أم للمستأجر المتمسك
بدلالة الكلام وعرفه وظاهره وما يفهمه الناس في أمثال هذه العقود؟
_________________
(١) رواه البخاري في "الأدب المفرد"، والبيهقي وقال: الصحيح موقوف.
(٢) ولم يأخذ بعض الناس من الإمام ابي حنيفة غير ذلك!! وإما صرعه وتقواه فقد تركوه لغيرهم وأما هم فلهم الحق في التحايل على الخلق والتلبيس عليهم، ونكث البيعة، وفتح الباب للخوارج والمنحرفين، وقولهم بجواز بيعتين في وقت واحد.. الخ هذا الهراء فانا لله وانا اليه راجعون.
[ ١ / ١٥٧ ]
استحسان الغزالي لحيلة من حيل إسقاط الزكاة
وكذلك لو تعاقد الولي والزوج بلفظ: "أنكحتك بنتي أو أختي" وقال الأخر:
قبلت. ثم اختلفا، فقال الولي: أردت "بأنكحتك " من تناكحت الأشجار تمايل
بعضها إلى بعض. "وبأختي" في الإسلام أو الانسانية، فأميلك اليها أو أميلها إليك
مرة على وجه المداعبة والتحل من العقد، وقال الأخر: فهمت من النكاح ما يعرفه
الناس جميعًا من عقد زوجية تحل بها المعاشرة والتمتع والاستيلاد والتوارث الخ ما
يبيحه عقد الزواج والنكاح.
فهل يحكم ذوو العقول الجبارة لالتواء الولي أو لصراحة المتزوج وهكذا؟ ولقد
أذكرتني هذه العقلية الجبارة ما استسخفه الغزالي في إحيائه مما نقل عن أهل الحيل أن
أحدهم يهب مائة لزوجته أو غيرها قبل الحول بيوم ثم يسترده منها بعده بيوم فتسقط
عنه الزكاة التي قاتل الصديق مانعيها، فهذا السخف والتلاعب بدين الله تعالى الذي
نفَر الناس من هذا الهزء فأنكروا دينًا يجىء بهذا التلاعب، وليتهم لا تبلغهم هذه
الحكاية عن أبي حنيفة مع المنصور، أو ليتهم إذا بلغتهم يكذبونها ولا يصدقون أن
ينسسب لإمام من المسلمين متبوع فيهم أن يصدرمنه مثل هذا الهراء.
كما أذكرني الاحتيال على استعمال مدهن الفضة بحيلة صبيانية ما كنت سمعته عن
حضور رهط من العلماء إلى مجلس بعض الخديوين أمير مصر أنهم زاروهُ وِصُبَّتْ لهم
القهو ة في فناجين تحمل على ظروف ذهبية، فلما اعتُرض على من شرب منهم في ذلك
أجاب أنه كان يرفع الفنجان الصيني بأصبعيه عن ظرفه الذهبي، فلم يكن بذلك
مستعملا لآنية الذهب.
فليت هذا التخلص يعرض على شاشة بيضاء لرواية هزلية مسلية للأطفال
والنساء، لا عبقرية علم نحرير يتقي الله تعالى في امتثال أوامره في تحريم أواني الذهب
والفضة، فلا يحتال عليها بأمثال هذه المضحكات.
هذا وستجد في الكتاب المذكور (انتقاء ابن عبد البر) مناقشات لقتادة وعطاء، ولما
نقل عن ابن عباس استدراكا عليه رأيت الإعراض عنها خيرًا من الاشتغال بها،
وعناء مناقشتها، فالوقت أنفس من ذلك كله، والزمن يخطو خُطىً سريعة ونحن نيام
أو أموات.
[ ١ / ١٥٨ ]
رد ابن نصر المروزي على أبي حنيفة في إيجابه الوتر وأنه ثلاث ركعات لا يحوز الزيادة عليها والإتيان بواحدة
وقال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتابه "قيام الليل" في باب ذكر الوتر بثلاث
عن الصحابة والتابعين ص ١٢٣: طبعه عبد التواب الملتاني ﵀ بالهند بعد ما
ذكر الروايات في ذلك عن الصحابة والتابعين؛ ثم قال: وزعم النعمان- يعني أبا
حنيفة- أن الوتر بثلات ركعات لا يجوز أن يزاد على ذلك ولا ينقص منه، فمن أَوْتَر
بواحدة فوتره فاسد، والواجب عليه أن يعيد الوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن،
فإن سلم في الركعتين بطل وتره، وزعم أنه ليس للمسافر أن يوتر على دابته، لأن
الوتر عنده فريضة، وزعم أن من نسي الوتر فذكره في صلاة الغداة- أي الصبح-
بطلت صلاته وعليه أن يخرج منها فيوتر ثم يستأنف الصلاة، وقوله هذا خلاف
للأخبار الثابته عن رسول - ﷺ - وأصحابه، وخلاف لما أجمع عليه أهل العلم، وإنما
أتى من قلة معرفته بالأخبار وقلة مجالسته للعلماء.
سمعت إسحاق بن ابراهيم- يعني ابن راهويه شيخ الجماعة- يقول: قال ابن
المبارك: كان أبو حنيفة يتيما في الحديث (أي بخلاف رواية ابن عبد البر تهيما من
التهمة) حدثني علي بن سعيد النسوي، قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: هؤلاء
أصحاب أبي حنيفة ليس لهم بصر بالحديث ما هو إلا الجرأة. قال محمد بن نصر
فاحتج له بعض من يتعصسب له ليموِّه على أهل الغباوة والجهل الخ ما ساق من
المناقشة إلى أن قال: ولم نجد في شيء من الأخبار أنه - ﷺ - قضى الوتر، قال: وزعم
النعمان- يعني أبا حنيفة- في كتابه أن النبي - ﷺ - قضى الوتر في اليوم الذي نام فيه عن الفجر
حتى طلعت الشمس، فزعم أنه أوتر قبل أن يصلي ركعتي الفجر، ثم صلى الركعتين، وهذا لا
يعرف في شيء من الأخبار. اهـ ما أردت نقله ولا أريد أن أعلق عليه.
* * *
قد فرغنا مما أحوجنا إلى كتابته محب جاهل غالى في رجل من المسلمن نظن به الخير
وأنه لا يحب هذا الغلو الممقوت فيه، وأنه قدم على الله تعالى هو وخصومه يحكم بينهم
"تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (١)
_________________
(١) سورة البقرة: ١٣٤.
[ ١ / ١٥٩ ]
وليس علينا إلا الاهتداء بهديهم والدعاء لهم بالغفران والرحمة، وأدعو لله تعالى بهذا
الدعاء المأثور: "اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل (فاطر السموات والأرض عالم
الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون) (١)، اهدني لما اختلف فيه
من الحق باذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"
ويقول اللة تعالى عن خيار عباده المؤمنين: " وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا
رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد النبي الأميّ خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه
وسلم الى يوم الدين.
_________________
(١) سورة الزفر: ٤٦.
(٢) سورة الحشر: ١٠.
[ ١ / ١٦٠ ]