المكتب الإسلامي
[ ١ / ١٧٧ ]
مقدمة المصنف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
«رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» .
أما بعد: فهذا كتاب (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) .
تعقبت فيه ما انتقدته من كتاب (تأنيب الخطيب) للأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري مما يتعلق بالكلام في أئمة السنة ورواتها، غير عامد إلى ذب عن الإمام أبو حنيفة ولا خلافه، ورتبته إلى أربعة أقسام:
الأول: في تحرير قواعد خلط فيها الأستاذ.
الثاني: في تراجم الأئمة والرواة الذين تكلم فيهم الأستاذ وأفراد حاول الدفاع عنهم.
الثالث: في النظر في مسائل فقهية تعرض لها.
[ ١ / ١٧٩ ]
الرابع: في تثبيت عقيدة السلف التي طعن الأستاذ فيها وفي المعتصمين بها، ومسائل اعتقادية تعرض لها.
وقد قدمت قبل هذا نموذجًا من مغالطاته طبع بمصر بعنوان (طليعة التنكيل) (١) وأجاب عنها برسالة سماها (الترحيب بنقد التأنيب) سأنظر فيما يُلتفت إليه مما فيها في مواضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وأسال الله التوفيق.
وأقدم فصولًا:
_________________
(١) انتقد الأستاذ في الترحيب كلمات نابية - كما يقول - وقعت في متن الطليعة والتعليق عليها وقد انتقدتها قبله وهي من تصرف المعلق الأستاذ محمد عبد الرزاق حمزة باجتهاده، وقد صرح بذلك في رسالته حول ترحيب الكوثري ص ٣٧. وذكر لي بعض المطلعين أن عامة تلك الكلمات كانت على وجه التعليق، لكن التبس الأمر عند الطبع فأدرجت في المتن. المؤلف.
[ ١ / ١٨٠ ]
١- فصل: في بيان المقصود الأهم من الكتاب، وهو رد المطاعن الباطلة عن أئمة السنة
الفصل الأول
المقصود الأهم من كتابي هذا هو رد المطاعن الباطلة عن أئمة السنة وثقات رواتها والذي اضطرني إلى ذلك أن السنة النبوية وما تفتقر إليه من معرفة أحوال رواتها ومعرفة العربية وآثار الصحابة والتابعين في التفسير، وبيان معاني السنة والأحكام وغيرها، والفقه نفسه إنما مدارها على النقل على أولئك الذين طعن فيهم الأستاذ وأضر بهم، فالطعن فيهم يؤول إلى الطعن في النقل كله، بل في الدين من أصله. وحسبك أنَّ المقرر عند أهل العلم أنه إذا نقل عن جماعة من الصحابة القول بتحريم شيء ولم ينقل عن أحد منهم أو ممن عاصرهم من علماء التابعين قول بالحل، عد ذاك الشيء مجمعا على حرمته، لا يسوغ لمجتهد أن يذهب إلى حله، فإن ذهب إلى حله غافلًا عن الإجماع كان قوله مردودًا، أو عالمًا بالإجماع فمن أهل العلم من يضلله، ومنهم من قد يكفره. لكنه لو ثبت عن رجل واحد من الصحابة قول بحل ذلك الشيء كانت المسألة خلافية لا يحظر على المجتهد أن يقول فيها بقول ذلك الصحابي، أو بقول مفصل يوافق هذا في شيء، وذاك في شيء، ولا يحرم على المقلد الذي مذهب إمامه الحرمة أن يأخذ بالحل إما على سبيل الترجيح والاختيار إن كان أهلًا، وإما على سبيل التقليد المحض إن احتاج إليه. وثبوت ذاك القول عن ذاك الصحابي يتوقف على ثقة رجال السند إليه، والعلم بثقتهم يتوقف على توثيق بعض أئمة الجرح والتعديل لكل منهم، والاعتداد بتوثيق الموثق يتوقف على العلم
[ ١ / ١٨١ ]
طعن الأستاذ في زهاء ثلاثمائة رجل غالبهم ثقات
بثقته في نفسه وأهليته، ثم على صحة سند التوثيق إليه، وثقته في نفسه تتوقف على أن يوثقه ثقة عارف، وصحة سند التوثيق تتوقف على توثيق بعض أهل المعرفة والثقة لرجاله، وهلم جرًا.
والسعي في توثيق رجل واحد من أولئك بغير حق أو الطعن فيه بغير حق سعيٌ في إفساد الدين بإدخال الباطل فيه، أو إخراج الحق منه، فإن كان ذاك الرجل واسع الرواية أو كثير البيان لأحوال الرواة، أو جامعًا للأمرين كان الأمر أشد جدًا كما يعلم بالتدبر، ولولا أن أُنسب إلى التهويل لشرحت ذلك، فما بالك إذا كان الطعن بغير حق في عدد كثير من الأئمة والرواة يترتب على الطعن فيهم - زيادة على محاولة إسقاط رواياتهم - محاولة توثيق جم غفير ممن جرحوه، وجرح جم غفير ممن وثقوه.
ففي (التأنيب) الطعن في زهاء ثلاثمائة رجل تبين لي أن غالبهم ثقات، وفيهم نحو تسعين حافظًا، وجماعة من الأئمة، فكم ترى يدخل في الدين من الفساد لو مشى للأستاذ ما حاوله من جرحهم بغير حق؟! على أن الأمر لا يقف عندهم فإن الأستاذ يحاول الرد بالاتهام، والتهم غير محصورة، فيمكن كل من يهوى رد شيء من النقل أن يبدي تهمة في رواته وموثقيهم، فيحاول إسقاطهم بذلك، بل يعيد (١) الملحدون الإسلام نفسه ذريعة لاتهام كل من روى من المسلمين ما يثبت النبوة والقرآن ونحو ذلك، ولا يقنعون بالآحاد، بل يساورون المتواترات بزعم التواطؤ والتتابع لاتفاق الغرض، لو كان هذا الطعن من رجل مغمور أو غير مشهور بالعلم أو غير متبوع لهان الخطب، ولكنه من رجل مشهور ينعته أصحابه بأمثال ما كتب على لوح كتابه (تأنيب الخطيب) الذي طبع تحت إشرافه بتصحيحه «تأليف الإمام الفقيه
_________________
(١) كذا الأصل، ولعله (يتخذ) .
[ ١ / ١٨٢ ]
المحدث، والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير » (١) ويلي ذلك كلمة الناشر وترجمة المؤلف بتلك الألقاب الضخمة والعبارات الفخمة (٢)، ويتبعه الحنفية وهم كما يقول السواد الأعظم، ويتابعه في الجملة كل من تخالف السنة هواه من غلاة المقلدين وأتباع المتكلمين وعباد القبور، ويعتضد بكلامه الملحدون.
بلى إن في أفاضل علماء الحنفية أنفسهم جماعة يمقتون تصرف الأستاذ، ولكن تصدهم عن رفع أصواتهم بالإنكار عليه موانع هم أعلم بها. والله المستعان.
_________________
(١) هذه الألقاب كانت من دأب الكوثري لنفسه وأشياخه ومن يتعصب لهم، وجرى إتباعه عليها نحوه، ونحو أنفسهم، وانظر إذا شيءت مقدمة شرح الطحاوية وكشف النقاب عما في كلمات أبي غدة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني
(٢) مع أنه يشير في صفحة ١٤ من (الترحيب) إلى كتب ابن خزيمة (*)، وعثمان بن سعيد الدارمي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويقول: طبع كثير منها تحت ظلال الحرية بعد نسج هالات من التبجيل حول أسماء مؤلفيها تمهيدًا للإضلال بأقاويلهم! (*) وهو صحيح ابن خزيمة بتحقيق العالم الدكتور محمد مصطفى الأعظمي. ومراجعة المحدث الألباني، وهو أحد كتابيه اللذين نال عنهما جائزة الملك فيصل - ﵀ - عن السنَّة. وقد تم طبعه في المكتب الإسلامي بأربعة مجلدات.
[ ١ / ١٨٣ ]
٢- فصل: من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل
الفصل الثاني
من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل ومن أمضى أسلحته أن يرمي الغالي كل من يحاول رده إلى الحق ببغض أولئك الأفاضل ومعاداتهم، ويرى بعض أهل العلم أن النصارى أول ما غلوا في عيسى ﵇ كان الغلاة يرمون كل من أنكر عليهم بأنه يبغض عيسى ويحقره ونحو ذلك فكان هذا من أعظم ما ساعد على أن انتشار الغلو لأن بقايا أهل الحق كانوا يرون أنهم إذا أنكروا على الغلاة نسبوا إلى ما هم أشد الناس كراهية له من بغض عيسى وتحقيره، ومقتهم الجمهور، وأوذوا فثبطهم هذا عن الإنكار، وخلا الجو للشيطان، وقريب من هذا حال الغلاة الروافض وحال القبوريين، وحال غلاة المقلدين.
وعلى هذا جرى الأمر في هذا القضية فإن الأستاذ غلا في أبي حنيفة حتى طعن في غيره من أئمة الفقه وفي أئمة الحديث وثقات رواته، بل تناول بعض الصحابة والتابعين وأسكت أهل العلم في مصر وغيرها برمي كل من يهم أن ينكر عليه ببغض أبي حنيفة ومعاداته، ولما اطلع الأستاذ على (الطليعة) جرد على صاحبها ذلك السلاح، ومن تصفح (الترحيب) علم أن ذلك، بعد المغالطة والتهويل هو سلاحه الوحيد، فهو يبدئ فيه ويعيد، ونفسه تقول هل من مزيد، ومع ذلك يضطرب، فمن جهة يقول في (الترحيب) ص ١٥: «أخبار الآحاد على فرض ثقة رواتها لا تناهض العقل ولا النقل المستفيض فضلًا عن المتواتر وقد ثبتت إمامة أبي حنيفة وأمانته ومناقبه لدى الأمة بالتواتر» ويقول بعد ذلك: «خبر الآحاد
[ ١ / ١٨٤ ]
يكون مردودًا عند مصادمته لما هو أقوى منه من أخبار الآحاد فضلًا عن مصادمته لما تواتر» ويقول ص ١٧ «وأما الخبر المصادم لذلك من بين أخبار الآحاد فيرد حيث لا تمكن مناهضته للعقل والخبر المتواتر على تقدير سلامة رجاله من المآخذ» ويقول ص ٣٩ «من المقدر عند أهل العلم أن صحة السند بحسب الظاهر لا تستلزم صحة المتن» .
ويعد حسناتي ذنوبًا فيقول ص ٩٩: «وحذفه للمتون لأجل إخفاء مبلغ شناعتها عن نظر القارئ، فلو ذكرها كلها مع كلام الكوثري (١) في موضوع المسألة لنبذ السامع نقد هذا الناقد في أول نظرة لما حوت تلك المتون من السخف البالغ الساقط بنفسه من غير حاجة إلى مسقط فيكون ذكر المتون قاصمًا لظهره» وقول ص ٢٥ «ولو كان الناقد ذكر في طلب متنه الخبر المتحدث عنه كان القارئ يحكم بكذب الخبر مجرد سماعه لكن عادة الناقد إهمال ذكر المتن إخفاء لحاله» .
ومن جهة أخرى يقول ص ١٩ «وعادة أيضًا في مثل تلك الأخبار تطلب ضعفاء بين رجال السند (٢) بادئ ذي بدء ضرورة أن الخبر الذي ينبذه العقل أو النقل لا يقع في رواية الثقات» ويقول ص ١٩ «ومن المضحك تظاهره بأنه لا يعادي النعمان مع سعيه سعي المستميت في توثيق رواة الجروح ولو بالتحاكم إلى الخطيب نفسه المتهم فيما عمله مع أنه لو ثبتت ثقة حملتها ثبت مقتضاها» .
وأقول: أما الباعث لي على تعقب (التأنيب) فقد ذكرته في أول (الطليعة)
_________________
(١) التأنيب مطبوع والأستاذ أقدر على إعادة طبعه، وسواء أكان مقصودي ما شرحته في أول الطليعة في الفصل الأول أم الغرض الذي يرميني به الأستاذ أم كلاهما فعل كل حال لا داعي إلى ما اقترحه الأستاذ من نقل كلامه. المؤلف.
(٢) أرجو من القارئ أن يتدبر قول الأستاذ "وعادتي " مع مراجعة الطليعة ص ١١ - ٤٣ المؤلف.
[ ١ / ١٨٥ ]
وتقدم شرحه في الفصل الأول، وهب أن غرضي ما زعمه الأستاذ وأنه يلزم من صنيعي تثبيت مقتضى تلك الحكايات فلا يخلو كلامي مبينًا على الأصول المألوفة المعروفة، أو يكون على خلاف ذلك، فإن كان الأول فلازم الحق حق، وإن كان الثاني ففي وسع الأستاذ أن يوضح فساده بالأدلة المقبولة، فعلى أهل المعرفة أن يحاكموا بين (طليعتي) و(ترحيبه) حتى يتبين لهم أقام بنقض كلامي بأدلة مقبولة عند أهل العلم أم ردف ما في (التأنيب) من تهويل ومغالطة وتمحل بمثلها ولم يكد يضيف إلى ذلك إلا رمي مؤلف (الطليعة) ببغض أبي حنيفة؟! كأن الأستاذ يرى أن تلك المهاجمة لا تتقى إلا بالهوى، فأثاره ما استطاع في نفوس أتباعه الذين يهمه شأنهم ليضرب به بينهم وبيم (الطليعة) و(التنكيل) حجابًا لا تمزقه حجة ولا يزيده الله تعالى بعد استحكامه إلا شدة.
والواقع أن مقصودي هو ما شرحته في الفصل السابق ولذلك أهملت ذكر المتون لأنها خارجة عن مقصودي ومع ذلك ففي ذكرها مفاسد:
الأولى: ما أشار إليه الأستاذ في الجملة وهو أن يطلع عليها حنفي متحمس فيحمله ذكر المتن على أن يعرض عن كلامي البتة ولا يستفيد إلا بغض من نسب إليه المتن من الأئمة.
الثانية: أن يطلع عليها رجل من خصوم الحنفية فيجترئ بذاك المتن ويذهب يعيب أبا حنيفة غير مبال أصح ذاك المتن أم لم يصح.
الثالثة: أن يطلع عليها عامي لا يميز فيقع في نفسه أن أئمة السلف كان بعضهم يطعن في بعض ويكبر ذلك عليه ويسيء الظن بهم جميعًا.
فإهمال ذكر المتن يمنع هذه المفاسد كلها ولا يبقى أمام الناظر إلا ما يتعلق بتلك القضايا الخاصة التي ناقشت فيها الأستاذ.
والواقع أيضًا أنه لا يلزم من صنيعي تثبيت الذم ولا يلزمني قصد ذلك، ومن تأمل عبارات الأستاذ في الجهة الأخرى بان له صحة قولي. وأزيد ذلك
[ ١ / ١٨٦ ]
إيضاحًا وشرحًا وتتميمًا فأقول: وعامة مناقشتي للأستاذ إنما هي في بعض رجال تلك الأسانيد وقد وافقته على ضعف جماعة منهم، ولا يلزم من تثبيتي ثقة رجل من رجال السند ثبوت ثقة غيره، بل الأمر أبعد من ذلك، فإن المقالة المسندة، إذا كان ظاهرها الذم أو ما يقتضيه لا يثبت الذم إلا باجتماع عشرة أمور:
الأول: أن يكون الرجل المعين الذي وقع في الإسناد ووقعت فيه المناقشة ثقة.
الثاني: أن يكون بقية رجال الإسناد كلهم ثقات.
الثالث: ظهور اتصال السند تقوم به الحجة.
الرابع: ظهور أنه ليس هناك علة خفية يتبين بها انقطاع أو خطأ أو نحو ذلك مما يوهن الرواية.
الخامس: ظهور أنه لم يقع في المتن تصحيف أو تحريف أو تغيير قد توقع فيه الرواية بالمعنى.
السادس: ظهور أن المراد في الكلام ظاهره.
السابع: ظهور أن الذامّ بنى ذمه على حجة لا نحو أن يبلغه إنسان أن فلانًا قال كذا أو فعل كذا فيحسبه صادقًا وهو كاذب أو غالط.
الثامن: ظهور أن الذام بنى ذمه على حجة لا على أمر حمله على وجه مذموم وإنما وقع على وجه سائغ.
التاسع: ظهور أنه لم يكن للمتكلم فيه عذر أو تأويل فيما أنكره الذام.
العاشر: ظهور أن ذلك المقتضي للذم لم يرجع عنه صاحبه. والمقصود بالظهور في هذه المواضع الظهور الذي تقوم به الحجة.
وقد يزاد على هذه العشرة، وفيها كفاية.
[ ١ / ١٨٧ ]
فهذه الأمور إذا اختل واحد منها لم يثبت الذم، وهيهات أن تجتمع على باطل.
والذي تصديت لمناقشة الأستاذ فيه إنما يتعلق بالأمر الأول، ولا يلزم من تثبيته تثبيت الثاني فضلًا عن الجميع وقد يلزم من صنيعي في بعض المواضع تثبيت الثاني لكن لا يلزم من ذلك تثبيت الثالث فضلًا عن الجميع، وما قد يتفق في بعض المواضع من مناقشتي للأستاذ في دعوى الانقطاع أو التصحيف فالمقصود من ذلك كشف مغالطته ولا يلزم من ذلك تثبيت الأمور كلها، وقد يتهم الأستاذ رجلًا في رواية مع علمه بأنه قد توبع متابعة تبين صدقه في تلك الرواية فيضطرني إلى التنبيه على تلك المتابعة. وقد يشنع على الخطيب بإيراده رواية من فيه كلام في صدد ما زعم أنه المحفوظ عنده، ويتبين لي من سقوط الشناعة من هذه الناحية أما لأنه إنما ذكر رواية ذلك الراوي في المتابعات وأما لأن الراوي إنما غمز بأنه يخطئ أو يهم وليس تلك الرواية مما يخشى فيه الخطأ أو الوهم فاحتاج إلى بيان ذلك. وكل هذا لا يلزم منه تثبيت الأمور كلها وأذكر هنا مثالًا واحدًا:
قال إبراهيم بن بشار الرمادي: سمعت بن عيينة يقول: ما رأيت أحدًا أجرأ على الله من أبي حنيفة، ولقد أتاه رجل من أهل خراسان فقال يا أبا حنيفة قد أتيتك بمائة ألف مسألة أريد أن أسألك عنها، قال: هاتها، فهل سمعتم أحدًا أجرأ على الله من هذا؟» هذه الحكاية أول ما ناقشت الأستاذ في بعض رجال سندها في (الطليعة) ص ١٢ - ٢٠ فإنه خبط في الكلام في سندها إلى الرمادي بما ترى حاله في (الطليعة) وتكلم في الرمادي وستأتي ترجمته وزاد في (الترحيب) فتكلم في ابن أبي خثيمة بما لا يضره، وذكر ما قيل أن ابن عيينة اختلط بأخرة، وهو يعلم ما فيه وستأتي ترجمته وقد ذكر الأستاذ في (التأنيب) جوابًا معنويًا جيدًا ولكنه مزجه بالتخليط فقال بعد أن تكلم في السند بما أوضحت ما فيه في (الطليعة):
«وابن عيينة برئ من هذا الكلام قطعًا بالنظر إلى السند» .
ثم قال بعد ذلك:
[ ١ / ١٨٨ ]
«وأما من جهة المتن فتكذب شواهد الحال الأخلوقة تكذيبًا لا مزيد عليه رجل يبعث من خراسان ليسأل أبا حنيفة عن مائة ألف مسألة بين عشية وضحاها ويجيب أبو حنيفة عنها بدون تلبث ولا تريث» .
«كذا قال، وليس في القصة أن الرجل سأل عن مسالة واحدة فضلًا عن مائة ألف، ولا أن أبا حنيفة أجاب عن مسألة واحدة فضلًا عن مائة ألف فضلًا عن أن يكون ذلك كله بين عشية وضحاها. وكان يمكن للأستاذ أن يجيب بجواب بعيد عن الشغب كأن يقول: يبعد جدًا أو يمتنع أن تجمع في ذاك العصر مائة ألف مسألة ليأتي بها رجل من خراسان ليسأل عنها أبا حنيفة، وهذا يدل على أحد أمرين، إما أن يكون السائل إنما أراد: أتيتك بمسائل كثيرة فبالغ، وإما أن يكون بطالًا لم يأت ولا بمسألة واحدة، وإنما قصد إظهار التشنيع والتعجيز، فأجابه أبو حنيفة بذاك الجواب الحكيم، فإن الرجل إنما قصد التشنيع أو التعجيز، ففي ذاك الجواب إرغامه، وإن كان عنده مسائل كثيرة نظر فيها أبو حنيفة على حسب ما يتسع له الوقت ويجيب عندما يتضح له وجه الجواب.
فأما ابن عيينة فكان من الفريق الذين يكرهون أن يفتوا (وقد بين الأستاذ ذلك في التأنيب) فكأنه كره قول أبي حنيفة: هاتها، لما يشعر به من الاستعداد لما يكرهه ابن عيينة، وكان أبو حنيفة من الفريق الذين يرون أن على العالم إذا سئل عما يتبين له وجه الفتوى فيه أن يفتي، للأمر بالتبليغ والنهي عن كتمان العلم، ولئلا يبقى الناس حيارى لا يدرون ما حكم الشرع في قضاياهم، فيضطرهم ذلك إلى ما فيه فساد العلم والدين، ولا ريب أن الصواب مع الفريق الثاني وإن حمدنا الفريق الأول حيث يكف أحدهم عن الفتوى مبالغة في التورع واتكالًا على غيره حيث يوجد، فأما الجرأة فمعناها الإقدام والمقصود هنا كما يوضحه السياق وغيره الإقدام على الفتوى فمعنى الجرأة على الله هنا هو الإقدام على الإفتاء في دين الله، وهذا إذا كان عن معرفة موثوق بها فهو محمود وإن كرهه المبالغون في التورع كابن عيينة، وقد جاء عن ابن عمر أنه قال: «لقد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن
[ ١ / ١٨٩ ]
مثال غريب على ذلك
عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علمًا» وعنه أيضًا أنه قال: أكثر أبو هريرة، فقيل له: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبنا، فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا؟ راجع الإصابة ترجمة ابن عباس وترجمة أبي هريرة.
وإقدام أبي حنيفة كان من الضرب المحمود، وقد روى الخطيب نفسه هاتين الحكايتين اللتين ذكرهما الأستاذ في (التأنيب) فهذا وغيره يدل على بعد أبي حنيفة عن الجرأة المذمومة فأما إذا علمنا أن ابن عيينة كان يطيب الثناء على أبي حنيفة فإن ذلك يرشدنا إلى حمل تلك المقالة على معنى آخر أدنى إلى الصواب، مع ما فيه من الحكمة البالغة التي تهدينا إلى باب عظيم النفع في فهم ما ينقل عن أهل العلم من كلام بعضهم في بعض.
وحاصله أن أكثر الناس مغرون بتقليد من يعظم في نفوسهم والغلو في ذلك، حتى إذا قيل لهم: إنه غير معصوم عن الخطأ والدليل قائم على خلاف قوله في كذا فدل ذلك على أنه أخطأ ولا يحل لكم أن تتبعوه على ما أخطأ فيه، قالوا: هو أعلم منكم بالدليل، وأنتم أولى بالخطأ منه فالظاهر أنه قد عرف ما يدفع دليلكم هذا، فإن زاد المنكرون فأظهروا حسن الثناء على ذلك المتبوع كان أشد لغلو متبعيه.
خطب عمار بن ياسر في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكفهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة فقال «والله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة ولكن الله ﵎ ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي» أخرجه البخاري في (الصحيح) من طريق أبي مريم الأسدي عن عمار، وأخرج نحوه من طريق أبي وائل عن عمار فلم يؤثر هذا في كثير من الناس بل روي أن بعضهم أجاب قائلًا «فنحن مع من شهدت له بالجنة يا عمار» .
فلهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعة اتبعوا بعض الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم فيه إما لأن حالهم غير حاله وإما لأنه يراه أخطأ -
[ ١ / ١٩٠ ]
رأي المصنف في كلمات بعض الأئمة في بعض مما يوهم الغض
أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذاك الفاضل لكي يكف الناس عن الغلو فيه الحامل لهم على إتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه، فمن هذا ما في (المستدرك) (٢ ص٣٢٩) « عن خيثمة قال: كان سعد بن أبي وقاص ﵁ في نفر فذكروا عليًا فشتموه فقال سعد: مهلًا عن أصحاب رسول ﷺ فقال بعضهم فوالله إنه كان يبغضك ويسميك الأخنس، فضحك سعد حتى استعلاه الضحك ثم قال أليس قد يجد المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه ثم لا تبلع ذلك أمانته » قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» وأقره الذهبي.
وفي الصحيحين وغيرهما عن علي ﵁ قال «ما سمعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جمع أبويه إلا لسعد بن مالك (هو سعد بن أبي وقاص) فإني سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبي وأمي» .
وتروى عن كلمات أخرى من ذا وذاك وكان سعد قد قعد عن قتال البغاة فكان علي إذا كان في جماعة يخشى أن يتبعوا سعدًا بالقعود ربما أطلق غير كاذب كلمات توهم الغض من سعد وإذا كان مع من لا يخشى منه القعود فذكر سعدًا ذكر فضله. ومنه ما يقع في كلام الشافعي في بعض المسائل التي يخالف فيها مالكًا من إطلاق كلمات فيها غض من مالك مع ما عرف عن الشافعي من تبجيل أستاذه مالك، وقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال «مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين» كما يأتي في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى.
ومنه ما نراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه مما يظهر منه الغض الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عرف عن مسلم تبجيله للبخاري.
[ ١ / ١٩١ ]
وأنت إذا تدبرت تلك الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد.
وفي ترجمة الحسن بن صالح بن حي من (تهذيب التهذيب) كلمات قاسية أطلقها بعض الأئمة فيه مع ما عرف من فضله، وفيها «أبو صالح الفراء: ذكرت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئًا من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه يعني الحسن (بن صالح) بن حي - فقلت ليوسف أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ قال لم يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أو زارهم، ومن أطراهم كان أضر عليهم» .
أقول: والأئمة غير معصومين من الخطأ والغلط، وهم إن شاء الله تعالى معذورون مأجورون فيما أخطأوا فيه كما هو الشأن فيمن أخطأ بعد بذل الوسع في تحري الحق، لكن لا سبيل إلى القطع بأنه لم يقع منهم في بعض الفروع تقصير يؤاخذون عليه، أو تقصير في زجر أتباعهم عن الغلو في تقليدهم.
على أن الأستاذ إذا أحب أن يسلك هذه الطريق لا يضطر إلى الاعتراف بأن ابن عيينة كان يعتقد أن أبا حنيفة أخطأ في بعض مقالاته، بل يمكنه أن يقول: لعل ابن عيينة رأى أناسًا قاصرين عن رتبة أبي حنيفة يتعاطون مثل ما كان يقع منه من الإكثار من الفتوى والإسراع بها غير معترفين بقصورهم اغترارًا منهم بكثرة ما جمعوا من الأحاديث والآثار فاحتاج ابن عيينة في ردعهم إلى تلك الكلمة القاطعة لشغبهم. والله أعلم.
[ ١ / ١٩٢ ]
٣- فصل: فيه الرد على الأستاذ الكوثري في موقفه الشائن من أنس ﵁
الفصل الثالث
حاول الأستاذ في (الترحيب) التبرؤ مما نسب إليه في (الطليعة) من الكلام في أنس ﵁ وفي هشام بن عروة بن الزبير وفي الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد.
فأما كلامه في أنس فتراه وما عليه في (الطليعة) ص ٩٨ - ١٠٦ ويأتي تمامه في ترجمته إن شاء الله تعالى. وينبغي أن يعلم أن منزلة أنس ﵁ عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلسان حال الأستاذ يقول: ومن أنس؟ وما عسى أن تكون قيمة رواية أنس في مقابلة الإمام الأعظم وعقليته الجبارة، كما أشار إلى ذلك في (الترحيب) ص ٢٤ إذ قال: «وأسماء الصحابة الذين رغب الإمام عما انفردوا به من الروايات مذكورة في (المؤمل) لأبي شامة الحافظ، وليس هذا إلا تحريًا بالغًا في المرويات يدل على عقلية أبي حنيفة الجبارة» فزادنا مع أنس جماعة من الصحابة ﵃ وإلى ما غالط به من الترجيح الذي دفعته (الطليعة) ص١٠٥ - ١٠٦ التصريح بأنه يكفي في تقديم رأي أبي حنيفة على السند أن ينفرد برواية السنة بعض أولئك الصحابة. هذا مع أن رواية أنس في الرضخ تشهد لها أربع آيات من كتاب الله ﷿ بل أكثر من ذلك كما يأتي في (الفقهيات) إن شاء الله تعالى ومعها القياس الجلي، ولا يعارض ذلك شيء إلا أن يقال: إن عقلية أبي حنيفة الجبارة كافية لأن يقدم قوله على ذلك كله، وعلى هذا فينبغي للأستاذ أن يتوب عن قوله في
[ ١ / ١٩٣ ]
(التأنيب) ص ١٣٩ عند كلامه على ما روي عن الشافعي من قوله: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها. قال الأستاذ هناك «ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلًا ففرع عليه المسائل فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة حتى ردها صاحباه، وهكذا فعل في كتاب المزارعة حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي فجعله أصلًا ففرع عليه الفروع » .
إلا أن يقول الأستاذ إن أبا حنيفة لم يستعمل عقليته الجبارة في تلك الكتب أو الأبواب وإنما قلد فيها بعض التابعين كشريح وإبراهيم فعلى هذا يختص تقديم العقلية الجبارة بما قاله من عند نفسه، فعلى هذا نطالب الأستاذ أن يطبق مسألة القود على هذه القاعدة.
أما نحن فلا نعتد على أبي حنيفة بقول الأستاذ ولا بحكاية أبي شامة الشافعي الذي بينه وبيت أبي حنيفة نحو خمسمائة سنة بل نقول لعل أبا حنيفة لم يرغب عن انفراد أحد من الصحابة بل هو موافق لغيره في أن انفراد الصحابي مقبول على كل حال وإنما لم يأخذ ببعض الأحاديث لأنه لم يبلغه من وجه يثبت، أو لأنه عارضه من الأدلة الشرعية ما رآه أرجح منه، وإذا كان يأخذ برأي رجل من التابعين فيجعله أصلًا لباب عظيم من أبواب الشرع كشريح في الوقف وإبراهيم في المزارعة فكيف يرغب عن سنة لتفرد بعض الصحابة بها؟ ثم راجعت (المؤمل) فرأيت عبارته تشعر بأن الكلام فيما تفرد أنس ومن معه يقوله برأيه، لا في ما كان رواية عن النبي ﷺ.
فأما التحري البالغ فإن كان هو الذي يؤدي إلى قبول ما حقه أن يقبل ورد ما حقه أن يرد فلا موضع له هنا، وإن كان هو الذي يؤدي إلى قبول ما حقه الرد
[ ١ / ١٩٤ ]
كرأي شريح في الوقف ورأي إبراهيم في المزارعة، وإلى رد ما حقه القبول كما يتفرد به بعض الصحابة ولا يعارضه من الأدلة الشرعية ما هو أقوى منه، أو كرد حديث الرضخ مع شهادة القرآن والقياس الجلي له فهذا إن وقع ممن لم يقف على الأدلة المخالفة له أو ذهل عنها وعن دلالتها، له اسم آخر لا يضر صاحبه إن شاء الله، وإن وقع ممن عرف ذلك كله فهو تجرٍ «بالجيم لا تحر بالحاء» أو قل تحر للباطل لا للحق.
فإن كان المقصود التخييل الشعري فيستطيع من يرد انفراد الصحابي أي صحابي كان يقول أن ذلك تحر بالغ. بل من يرد السنن المتواتر، بل من يرد المتواتر أيضًا فيقول إن التحري البالغ يقضي أن لا ينسب إلى شرع الله إلا ما نص عليه كلامه، بل من يرد المتواتر أيضًا فيقول إن التحري البالغ يقتضي أن لا ينسب إلى شرع الله إلا ما نص عليه كلامه، بل من يرد الدلالات الظنية من القرآن ويرد الإجماع، ولم يبق إلا الدلالات اليقينية من القرآن؛ وشيوخ الأستاذ من المتكلمين ينفون وجودها كما في الاعتقاديات إن شاء الله تعالى.
فأما القياس فهو بأن القياس إلغاؤه تحريًا واحتياطًا في دين الله أولى من ذلك كله فإنه بالنسبة إلى ذلك كما قيل:
ويذهب بينها المرئي لغوا كما ألغيت في الدية الحوارا
والمقصود هنا أن منزلة أنس ﵁ عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلا غرو أن يزعم الأستاذ أنه ليس في كلامه فيه ما ينتقد ! وفي (فتح الباري) في «باب المصراة»: «قال ابن السمعاني (١) في (الاصطلام): التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة» ذكر ذلك في صدد رد كلام بعض الحنفية في رواية أبي هريرة حديث المصراة.
_________________
(١) هو أبو المظفر بن عبد الجبار كان أهل بيته حنفية ونشأ على ذلك ومهر في المذهب ثم تشفع تدينًا، وترجمته في طبقات ابن السبكي ج ٤ ص ٢١ وقد أسرف الشافعية في التبجح بذلك كما تراه هناك.
[ ١ / ١٩٥ ]
قصة هشام بن عروة في ذم المولدين أبناء السبايا القائلين بالرأي
وأما هشام بن عروة بن الزبير بن العوام فهذه قصته: روى هشام عن أبيه عروة - وفي رواية للدرامي ج١ ص ٥١: هشام عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة (١) . قال لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى ظهر فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا «فذكرها الأستاذ في (التأنيب) ص ٩٨ ثم قال وإنما أراد هشام النكاية في ربيعة وصاحبه (مالك) لقول مالك فيه بعد رحيله إلى العراق فيما رواه الساجي عن أحمد بن محمد البغدادي عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح قال: قال لي مالك بن أنس: هشام بن عروة كذاب، قال فسألت يحيى بن معين؟ فقال عسى أراد في الكلام فأما في الحديث فهو ثقة» وعلق في الحاشية «هذا من انفرادات الساجي، وأهل العلم قد تبدر منهم بادرة فيتكلمون في أقرانهم بما لا يقبل فلا يتخذ ذلك حجة، على أن ما يؤخذ به هشام بعد رحيله إلى العراق أمر يتعلق بالضبط في التحقيق، وإلا فمالك أخرج عنه في الموطأ» ففهمت من قوله «وإنما أراد هشام النكاية » أنه يريد أن هشامًا افترى هذه الحكاية لذاك الغرض، وأن ذلك من الكذب الذي عني بالكلمة المحكية عن مالك «هشام بن عروة كذاب» ومن الكذب في الكلام على ما في الكلمة عن ابن معين ومن البوادر التي لا تقبل كما ذكره في الحاشية، وبنيت على ذلك في الكلمة التي كنت كتبتها إلى بعض الإخوان فاتفق أن وقعت بيد المعلق على (الطليعة) أو طابعها فطبعت كمقدمة للطليعة بدون علمي، قلت فيها كما في (الطليعة) المطبوعة ص ٤: «وفي هشام بن عروة بن الزبير بن العوام حتى نسب إليه الكذب في الرواية» فتعرض الأستاذ لذلك في الترحيب ص ٤٨ وتوهم أو أو هم أنني إنما بنيت على ما في الحكاية التي ينقلها مما نسب إلى مالك من قوله « كذاب» فأعاد الأستاذ الحكاية هنالك ثم قال: «أهذا قولي أم قول مالك أيها الباهت الآفك؟ !» .
فأقول: أما قولك، فقد قدمت ما فيه من إفهام أن هشامًا افترى تلك الحكاية
_________________
(١) وهكذا في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي من مقدمة كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
[ ١ / ١٩٦ ]
محاولة الكوثري إثبات أن الأئمة يوثقون الرجل وإن علموا أنه يكذب في الكلام
انتقامًا من مالك، وأما قول مالك فلم يصح بل هو باطل. ومن لطائف الأستاذ أنه اقتصر فيما تظاهر به في صدر الحاشية من محاولة تليين الحكاية عن مالك على قوله: «من انفرادات الساجي» وهو يعلم أن زكريا الساجي حافظ ثقة ثبت، وإن حاول في موضع آخر أن يتكلم فيه كما يأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، هذا مع جزمه في المتن بقوله: «لقول مالك فيه» والحكاية أخرجها الخطيب في (تاريخ بغداد) ج ١ ص ٢٢٣، وتعقبها بقوله: «فليست بالمحفوظة إلا من الوجه الذي ذكرناه، وراويها عن إبراهيم بن المنذر غير معروف عندنا» .
يعني أحمد بن محمد البغدادي، وبغدادي لا يعرفه الخطيب الذي صرف أكثر عمره في تتبع الرواة البغداديين لا يكون إلا مجهولًا، فهذا هو المسقط لتلك الحكاية من جهة السند، ويسقطها من جهة النظر أن مالكًا احتج بهشام في الموطأ مع أن مالكًا لا يجيز الأخذ عمن جُرب عليه كذب في حديث الناس فكيف الرواية عنه فكيف الاحتجاج به؟! صح عن مالك أنه قال:
«لا تأخذ العلم من أربعة وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ عن سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ عن كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرب ذلك عليه وإن كان لا يتهم أن يكذب على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » أسنده الخطيب في (الكفاية) ص ١١٦ وذكره ابن عبد البر في (كتاب العلم) كما في (مختصره) ص ١٢٢ وقال: «وقد ذكرنا هذا الخبر عن مالك من طرق في كتاب التمهيد » .
وكأن الأستاذ يحاول إثبات أن الأئمة كمالك وابن معين يوثقون الرجل إذا رأوا أنه لا يكذب في الحديث النبوي وإن علموا أنه يكذب في الكلام، ويحاول أن يدخل في الكلام ما يرويه الثقات مما فيه غض من أبي حنيفة وهكذا ما يرويه
[ ١ / ١٩٧ ]
طعن الأستاذ في الأئمة الثلاثة
أحدهم عن غيره مما فيه غض من أبي حنيفة ولومن بُعد كرواية هشام المذكورة. وعلى هذا فيدخل في الكلام الذي لا يمتنع الأئمة من توثيق الكاذب فيه كل كلام إلا ما فيه إسناد خبر إلى النبي ﵌، ولو- والعياذ بالله - تم هذا للأستاذ لسقطت المرويات كلها، ويأبى الله ذلك والمؤمنون، أما السنة فإنها لا تثبت إلا بثقة رواتها، وتوثيق الأئمة للرواة كلام ليس فيه إسناد خبر إلى النبي ﵌، فإذا كانوا يرون أن الكذب في ذلك لا ينافي الثقة لم نأمن أن يكذبوا فيه، وتوثيق من بعدهم لهم لا يدفع أن يكونوا يكذبون مثل هذا الكذب بل يجوز أن يكون ذاك التوثيق نفسه كذبًا وإن كان قائله ثقة، وهكذا رواية من بعد الأئمة لكلام الأئمة هي كلام، وبالجملة فيشمل ذلك سائر كلمات الجرح والتعديل، والمدح والقدح، قولها وروايتها، وحكاية مقتضيها وروايته، وأما ما عدا السنة من آثار الصحابة والتابعين وغير ذلك فكله كلام.
وسيأتي تمام الكلام في القاعدة الأولى من قسم القواعد إن شاء الله تعالى.
وأما كلام الأستاذ في الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد فسيأتي إن شاء الله تعالى في تراجمهم ويكفي العبارة التي قالها في (التأنيب) في معرض الثناء عليهم زعم، ونقلها في (الترحيب) في معرض التبرؤ عن الطعن فيهم. وحقيقة الحال أن الأستاذ يرى أو يتراءى أو يفرض على الناس أن يروا أن منازل الأئمة هي كما يتحصل من مجموع كلامه في (التأنيب)، ويرى أنه قد تفضل على الأئمة الثلاثة وجامل أتباعهم بأن أو هم في بعض عباراته رفعهم عن تلك المنزلة قليلًا، فلما رآني لم أعتد بذاك الإيهام الفارغ كان أقصى ما عنده أن يوهم الجهال براءته ويفهم العلماء أن تلك منازلهم عنده، رضوا أم كرهو ا. وتمام الكلام في التراجم إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ١٩٨ ]
٤- فصل: فيه الرد على دعوى الأستاذ أن ما روي من المثالب في أبي حنيفة إنما كان بعد فتنة القول بخلق القرآن
الفصل الرابع
ذكر الأستاذ في (التأنيب) أسبابًا اقتضت المنافرة بين الحنفية ومخالفيهم وأطنب في فتنة القول بخلق القرآن، ثم ذكر في (الترحيب) ص ١٨ - ١٩ أنه يتحتم علي أن أدرس ملابسات تلك الفتنة، يريد أن الدعاة إليها كانوا من أتباع أبي حنيفة كبشر المريسي وابن أبي داود، ونسبوا تلك المقالة إلى أبي حنيفة، وساعدهم حفيده إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة واستحوذوا على الدولة فسعت في تنفيذ تلك المقالة بكل قواها في جميع البلدان فكان علماء السنة يكلفون بأن يقولوا: إن القرآن مخلوق، فمن أجاب مظهرًا الرضا والاعتقاد صار له منزلة وجاه في الدولة وأنعم عليه بالعطاء وولاية القضاء وغير ذلك، ومن أبى حرم عطاءه وعزل عن القضاء أو الولاية ومنع من نشر العلم، وكثير منهم سجنوا ومنهم من جلد، ومنهم من قتل، وأسرف الدعاة في ذلك حتى كان القضاة لا يجيزون شهادة شاهد حتى يقول إن القرآن مخلوق، فإن أبي ردوا شهادته، ومن أجاب مكرهًا ربما سجنوه وربما أطلقوه مسخوطًا عليه، وفي كتاب (قضاة مصر) طرف من وصف تلك المحنة. فيرى الأستاذ أن ذلك أو غر صدور أصحاب الحديث على أبي حنيفة فكان فيهم من يذمه ومنهم من يختلق الحكايات في ثلبه.
فأقول ليس في ذلك ما يبرر صنيع الأستاذ.
أما أولا فلأن أصحاب الحديث منهم من صرح بأنه لم يثبت عنده نسبة تلك المقالة إلى أبي حنيفة، كما رواه الخطيب من طريق المروذي عن أحمد بن حنبل،
[ ١ / ١٩٩ ]
حديث: "أبو حنيفة سراج أمتي" من وضع بعض الحنفية
ومنهم من وقعت له روايات تنسب إلى أبي حنيفة بأن القرآن غير مخلوق، وتلك الروايات معروفة في (تاريخ بغداد) و(مناقب أبي حنيفة) وغيرها، فكيف يظن بهم أن يحملوا على أبي حنيفة ذنبًا يرونه بريئًا منه ويخرجوه من صفهم مع عدم استغنائهم عنه إلى صف مخالفهم؟.
وأما ثانيًا: فهل يريد الأستاذ أن يستنتج من ذلك أن أصحاب الحديث صاروا كلهم بين سفيه فاجر كذاب، وأحمق مغفل يستحل الكذب الذي هو في مذهبه من أكبر الكبائر وأقبح القبائح؟ فليت شعري عند من بقي العلم والدين؟ أعند الجهمية الذين يعزلون الله وكتبه ورسله عن الاعتداد في عظم الدين وهو الاعتقاديات ويتبعون فيها الأهواء والأوهام؟ ! يقال لأحدهم قال الله ﷿ ، وقال رَسُولُ اللهِ ﵌، فتلتوي عنقه ويتقبض وجهه تبرمًا وتكرهًا، ويقال له: قال ابن سينا ، فيستوي قاعدًا ويسمو رأسه وينبسط وجهه وتتسع عيناه وتصغي أذناه كأنه يتلقى بشرى عظيمة كان يتوقعها. فهل هذا هو الإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص يا أستاذ!!
وأما ثالثًا: فإن ما يسميه الأستاذ «مثالب أبي حنيفة» أكثرها كان معروفًا قبل المحنة ولهذا احتاج الأستاذ إلى مساورة كبار الأئمة وأركان الدين وجبال الأمة مثل أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وسفيان بن سعيد الثوري وحماد بن سلمة.
وأما رابعًا: فقد أثبتها في كتبه أو أثبت مقتضاها من عاصر المحنة وعرف ما لها وما عليها كيعقوب بن سفيان والبخاري وهل يتهم البخاري إلا مجنون؟.
وأما خامسًا: فإن تلك المشادة لم تقتصر على أصحاب الحديث بل كان لأصحاب أبي حنيفة النصيب الأوفر من اختلاق الحكايات في مناقبه، بل جاوزوا ذلك إلى وضع الأحاديث كحديث: «يكون في أمتي رجل اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي»، وزاد بعضهم فيه «وسيكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس فتنته على أمتي أضر من إبليس»
[ ١ / ٢٠٠ ]
فرية أخرى ضمها بعضهم إلى الحديث السابق أن بين كتفي أبي حنيفة خال، مضارعة لخاتم النبوة
وتناول الأعاجم هذه الفرية فاختلقوا لها قاعدة طرق وقبلها علماء الحنفية واحتجوا بها، حتى إن البدر العيني شارح (صحيح البخاري) الذي يحاول الأستاذ تفضيله على الحافظ الشهاب ابن حجر ويقول في تفضيل شرحه على (فتح الباري): «وليس الشهاب كل حين بثاقب، بينما البدر ملتمع الأنوار من كل جانب» . (١)
ذكر العيني تلك الطرق ثم قال: نقله الأستاذ في (التأنيب) ص ٣٠ «فهذا الحديث كما ترى قد روي بطرق مختلفة (بل مختلقة) ومتون متباينة ورواة متعددة عن النبي ﷺ، فهذا يدل على أن له أصلًا وإن كان بعض المحدثين بل أكثرهم ينكرونه وبعضهم يدعون أنه موضوع، وربما كان هذا من أثر التعصب، ورواة الحديث أكثرهم علماء وهم من خير الأمم فلا يليق بحالهم الاختلاق على النبي ﵊ » .
ولا أدري أأقول هذا مبلغ علم العيني أم مبلغ تعصبه؟ وقد سعى الأستاذ في تأييد كلام العيني وسيأتي الكلام في ترجمة محمد بن سعيد البورقي إن شاء الله تعالى. والذي تفنن في طرق تلك الفرية هو يونس بن طاهر النضري الملقب شيخ الإسلام ومن جملة رواياته ما ذكر الموفق في (مناقبه) ج ١ ص ١٦ من طريق النضري بسنده «رأى أبو حنيفة في المنام فارتحل إلى البصرة فسأل محمد بن سيرين عن هذه الرؤيا فقال: لست بصاحب هذه الرؤيا صاحب هذه الرؤيا أبو حنيفة، فقال: أنا أبو حنيفة، فقال: اكشف عن ظهرك، فكشف، فرأى بين كتفيه خالًا فقال له محمد بن سيرين: أنت أبو حنيفة الذي قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: يخرج في أمتي رجلٌ يقال له أبو حنيفة بين كتفيه خال يحيى الله على يديه السنة»، ولا يخفي ما في ذكر الخال بين الكتفين من المضارعة لخاتم النبوة.
فالأستاذ عافانا الله وإياه يأخذ روايات الحنفية في مناقب أبي حنيفة كأنها مسلمة بل يصرح بأنها متواترة ويتجلد حق التجلد فيدافع عن أحمد بن محمد بن
_________________
(١) لا أحب أن أناقش الأستاذ في هذا فإنه يعرف حقيقة الحال، والله المستعان.
[ ١ / ٢٠١ ]
دفاع الأستاذ عمن أجمعوا على تكذيبه، وطعنه فيمن أجمعوا على أنهم أئمة أثبات
الصلت كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، ويطعن في أئمة الدين كأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وعبد الله ابن الزبير الحميدي وأضرابهما كما يأتي في التراجم إن شاء الله تعالى مع أن ابن الصلت مُجمَع على تكذيبه، والفزاري والحميدي وجماعة من أضرابهما الذين طعن الأستاذ مجمع على أنهم أثبات. ولا ريب أن في أتباع أصحاب الحديث جهالًا ومغفلين وفجارًا وأنه وقع من هؤلاء الكذب، ولولا أن الخطيب اجتهد فلم يورد في حكايات الغض ما بان له سقوطه لجاء بالعجب العجاب لكن الجهل في الجانب الآخر أعم وأطم لغلبة الجهل بالسنة، وقلة الرواية التي يراقب صاحبها ألسنة النقاد صباح مساء ويخاف أن يفقد رأس ماله بكلمة واحدة منهم.
وكان مقتضى الحكمة إتباع ما مضى عليه أهل العلم منذ سبعمائة سنة تقريبًا من سدل الستار على تلك الأحوال وتقارض الثناء واقتصار الحنفية في بعض المناسبات على التألم من الخطيب بأنه أورد حكايات لا تصح، فيقتصرون على هذا الإجمال ونحوه ولا يطعنون في الخطيب ولا في راوٍ بعينه ويعوضون أنفسهم بالاستكثار من روايات المناقب، فإن جاوز بعضهم ذلك فعلى قدر ومراعاة للجانب الآخر، فليت الأستاذ اكتفى بما يقرب من ذلك وطوى الثوب على غرة، فإن أبت نفسه إلا بعثرة القبور فليتحر الحق إما تدينًا، وإما علمًا بأن في الناس بقايا وفي الزوايا خبايا.
أما أنا فقدمت بيان مقصودي ولا شأن لي بما عداه ولو ألجئت إلى نقد الروايات من الجانبين لتحريت الحق إن شاء الله تعالى، وذلك بالنظر في أحوال الرواة من الفريقين فمن وثقه أهل العلم فلا بد من قبوله، ولا يعد ميله إلى أبي حنيفة ولا انحرافه عنه مسوغًا لاتهامه بالكذب، كما سيأتي في قاعدة التهمة إن شاء
[ ١ / ٢٠٢ ]
الله تعالى، ولا يلزم من ثقته بنفسه توجه الذم ولا تحقق المدح لما تقدم في الفصل الثاني، كما لا يلزم من اتجاه عدم قبول المروي سقوط رجال السند كلهم، بل ولا سقوط المتفرد به وإن كان من فوقه في السند كلهم ثقات أثباتًا لاحتمال الخطأ والغلط والتأويل وغير ذلك كما يعترف الأستاذ، نعم قد لا يكون مساغ لشيء من ذلك ويتحقق البطلان لكن الحكم بمثل هذا يحتاج إلى معرفة بالغة وإطلاع واسع؛ وصدر غني بالتقوى بعيد عن الهوى. وسترى في التراجم ما ترى إن شاء الله (١) .
_________________
(١) وأين التقوى ممن يكذب على الله ورسوله - مع عمله بذلك - وما عهدنا بأتباعه ببعيد، وعلى الأخص ما نشروا من رسائل ومقالات تحت أسماء مستعارة غالبا دون خوف من الله أو حياء من الناس ومنها: "الرد على صلاة التراويح" والتعليق عليها، و"التقرير عن شرح العقيدة الطحاوية" و"رسائل أرشد السلفي" و"مقالات عبد الله ابن عبد الجبار العلي" و"لعبة د. محمد راتب قولي" و"الرسائل التسع" و"الأمة العربية في تحقيق معركة الذات" و"دراسات تاريخية" و"حديث المزارعة عند أبي داود" و"رسائل أبي نوفل" و"ويلك آمن" إلخ. ولتفصيل ذلك مكان آخر إن شاء الله. زهير الشاويش.
[ ١ / ٢٠٣ ]
٥- فصل: فيه أن الأستاذ من أهل الرأي وغلاة المقلدين
الفصل الخامس
الأستاذ من أهل الرأي، ويظهر أنه من غلاة المقلدين في فروع الفقه، ومن مقلدي المتكلمين، ومن المجارين لكتاب العصر إلى حد ما وكل واحدة من هذه الأربع تقتضي قلة مبالاة بالمرويات، ودربة على التمحل في ردها، وجرأة على مخالفتها واتهام رواتها.
أما أهل الرأي فهذه بدايتهم في (الصحيح) عن أبي هريرة قال: «إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رَسُولُ اللهِ ﷺ والله الموعد، إني كنت امرءًا مسكينًا أصحب رَسُولُ اللهِ ﵌ على ملء بطني وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم » ومن تتبع السيرة والسنة علم أن النبي ﵌ كان ربما يقضي بالقضية أو يحدث بالحديث أو يفتي في مسألة وليس عنده من أصحابه إلا الواحد أو الاثنان، ثم كان معظم أصحابه لا يحدثون بالحديث عنه ﵌ إلا عندما تدعو الحاجة، ومن لازم ما تقدم مع احتمال نسيان بعضهم أو موته قبل أن يخبر بالحديث أن يكون كثير من السنن ينفرد بسماعها أو بحفظها أو بروايتها آحاد الصحابة، ثم تفرق الصحابة في الأقطار فمنهم من هو في باديته ومنهم من صار إلى الشام والعراق ومصر واليمن، فكان عند أهل كل جهة أحاديث من السنة لم تكن عند غيرهم في أول الأمر - كما روي عن مالك - ثم اجتهد أصحاب الحديث في
[ ١ / ٢٠٤ ]
جمع السنة من كل وجه. وقد علم من الشريعة أنه ليس على العالم الإحاطة بالعلم كله، وأن من شهد له أهل العلم بأنه عالم، فإنما عليه إذا احتاج إلى قضاء أو فتوى أن ينظر في كتاب الله ﷿ وفيما يعلمه من السنة، فإن لم يجد فيهما النص على تلك المسألة سأل من يسهل عليه ممن يرجو أن يكون عنده دليل فإن لم يجد وعرف أن لبعض الصحابة قولًا في تلك المسألة لم يعلم له مخالفًا أخذ به وإن علم خلافًا رجح، فإن لم يجد قول صحابي ووجد قول تابعي ممن تقدمه لم يعلم له مخالفًا فيه أخذ به وإن علم خلافًا رجح.
وكان الغالب في الترجيح أن يرجح العالم قول من كان ببلده من الصحابة أو التابعين لمزيد معرفته بهم المقتضية لزيادة الوثوق هذا مع ما للإلف والعادة من الأثر الخفي. فإن لم يجد شيئًا مما تقدم اجتهد رأيه وقضى وأفتى بما يظهر له.
ثم إذا قضى أو أفتى مستندًا إلى شيء مما تقدم ثم وجد دليلًا أقوى مما استند إليه يخالف ما ذهب إليه سابقًا أخذ من حينئذ بالأقوى. على هذا جرى الخلفاء الراشدون وغيرهم كما هو مبسوط في مواضعه ومنها (إعلام الموقعين) .
وكان كثير من أهل العلم من الصحابة وغيرهم يتقون النظر فيما لم يجدوا فيه نصًا، وكان منهم من يتوسع في ذلك، ثم نشأ من أهل العلم ولا سيما بالكوفة من توسع في ذلك، وتوسع في النظر في القضايا التي لم تقع وأخذوا يبحثون في ذلك ويتناظرون ويصرفون أوقاتهم في ذلك، واتصل بهم جماعة من طلبة العلم تشاغلوا بذلك ورأوه أشهى لأنفسهم وأيسر عليهم من تتبع الرواة في البلدان والإمعان في جمع الأحاديث والآثار، ومعرفة أحوال الرواة وعاداتهم والإمعان في ذلك ليعرف الصحيح من السقيم والصواب من الخطأ والراجح من المرجوح، ويعرف العام والخاص والمطلق والمبين وغير ذلك، فوقعوا فيما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «إياكم والرأي فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلتت منهم أن يحفظوها فقالوا في الدين برأيهم» راجع (إعلام
[ ١ / ٢٠٥ ]
محاولة الحنفية استنباط أصول ليعتذروا بها عن الأحاديث التي رووها
الموقعين) طبعة مطبعة النيل بمصر ج ١ ص ٦٢ وراجع (كتاب العلم) لابن عبد البر.
فوقع فيما ذهبوا إليه وعملوا به وأفتوا مسائل ثبتت فيها السنة مخالفة لما ذهبوا إليه، لم يكونوا اطلعوا عليها، فكان الحديث من تلك الأحاديث إذا بلغهم فيه لمخالفتهم ما ذهب إليه أسلافهم واستمر عليه عملهم ورأوا أنه هو الذي يقتضيه النظر المعقول (القياس)، فمن تلك الأحاديث ما كان من الثبوت والصراحة بحيث قهرهم فلم يجدوا بدًا من الأخذ به، وكثير منها كانوا يردونها ويتلمسون المعاذير مع أن منها ما هو أثبت وأظهر وأقرب إلى القياس من أحاديث قد أخذوا بها لكن هذه التي أخذوا بها مع ما فيها من الضعف ومخالفة القياس وردت عليهم قبل أن يذهبوا إلى خلافها فقبلوها إتباعا، وتلك التي ردوها مع قوة ثبوتها إنما بلغتهم بعد أن استقر عندهم خلافها واستمروا على العمل بذلك ومضى عليه أشياخهم ربما أخذوا بشيء من النقل ثم بلغهم من السنة ما يخالفه أن ينظروا كما ينظر أئمة الحديث لمعرفة الصحيح من السقيم والخطأ من الصواب والراجح من المرجوح فقنعوا بالرأي كما ترى أمثلة لذلك في قسم الفقهيات ولا سيما في مسألة ما تقطع فيه يد السارق. وهذا ديدنهم وعليه يعتمد الطحاوي وغيره منهم.
ولهذا بينما تجد الحنفية يتبجحون بأن مذهب أبي حنيفة وسائر فقهاء العراق تقديم الحديث الضعيف على القياس. وقد ذكر الأستاذ ذلك في (التأنيب) ص ١٦١، إذا بهم يردون كثيرًا من الأحاديث الصحيحة لمخالفتها آراء سلفهم وآراءهم التي أخذوا بها، وقد كان الشافعي ينعى عليهم ذلك، ومن كلامه كما في (سنن البيهقي) ج ١ ص ١٤٨: «والذي يزعم أن عليه الوضوء في القهقهة يزعم أن القياس أن لا ينتقض ولكنه يتبع الآثار، فلو كان يتبع منها الصحيح المعروف كان بذلك عندنا حميدًا، ولكنه يرد منها الصحيح الموصول المعروف ويقبل الضعيف المنقطع» .
فالحنفية يعرفون شناعة رد السنة بالرأي ولكنهم يتلمسون المعاذير فيحاولون
[ ١ / ٢٠٦ ]
استنباط أصول يمكنهم إذا تشبثوا بها أن يعتذروا عن الأحاديث التي ردوها بعذر سوى مخالفة القياس وسوى الجمود على إتباع أشياخهم، ولكن تلك الأصول مع ضعفها لا تطرد لهم لأن أشياخهم قد أخذوا بما يخالفها ولهذا يكثر تناقضهم، وفي مناظرات الشافعي لهم كثير من بيان تناقضهم بل من تدبر ما كتبوه في أصول الفقه بان له كثير من التناقض، كما ترى المتأخر منهم يخالف المتقدم حتى أن الأستاذ الكوثري ذكر في (التأنيب) ص ١٥٢ - ١٥٣ عدة أصول لمحاربة السنن الثابتة ومنها ما خالف فيه من تقدمه منهم، ولما تعقبته في (الطليعة) ص ١٠٢ في قوله: «عنعنة قتادة متكلم فيها» بأن الحديث في (صحيح البخاري) وفيه «حدثنا قتادة حدثنا أنس » وفي مسند أحمد وفيه «أن قتادة أن أنسًا أخبره » أجاب في (الترحيب) ص ٤٩ بقوله من مذهب أبي حنيفة أيضًا كما يقول ابن رجب في (شرح علل الترمذي) رد الزائد إلى الناقص في الحديث متنًا وسندًا. وهذا احتياط بالغ في دين الله فهل عرفت الآن يا معلمي مذهب الإمام لتقلع عن نسج الأوهام» (١) .
هذا والأستاذ يعلم أولًا أن النسبة إلى أبي حنيفة لا يكفي في إثباتها قول رجل حنبلي بينه وبين أبي حنيفة عدة قرون!
ويعلم ثانيًا ما في كتب مذهبه مما يخالف هذا.
ويعلم ثالثًا أن قول الراوي: «قتادة عن أنس» وقوله مرة أخرى أو قول غيره: «قتادة حدثنا أنس» ومرة أخرى: «قتادة أن أنسًا أخبره» ليس من باب النقص والزيادة وإنما هو من باب المحتمل والمعين أو المجمل والمبين.
ويعلم رابعًا أن أصل الحنفية الاحتجاج بالمنقطع، فما لم يتبين انقطاعه بل هو متردد بين الاتصال والانقطاع أولى، فإذا ثبت مع ذلك اتصاله من وجه آخر فآكد.
ويعلم خامسًا أنه لا ينبغي له أن يدافع عن نفسه بإلقاء التهم على إمامه.
_________________
(١) يلاحظ أن العلامة المعلمي يخاطب الكوثري بـ: (الأستاذ)، و(العلامة) والكوثري يخاطبه بهذه الجلافة. زهير
[ ١ / ٢٠٧ ]
رد المتكلمين للأحاديث الصحيحة
فأما الاحتياط البالغ في دين الله الذي يموه به الأستاذ فالتحري البالغ الذي سبق ما فيه في الفصل الثالث فلا نعيده.
هذا وحديث الرضخ سيأتي بسط الكلام فيه في الفقهيات إن شاء الله تعالى.
والمقصود هنا أن أصحاب الرأي لهم عادة ودربة في دفع الروايات الصحيحة ومحاولة القدح في بعض الرواة حتى لم يسلم منهم الصحابة ﵃، على أن الأستاذ لم يقتصر على كلام أسلافه وما يقرب منه بل أربى عليهم جميعًا كما تراه في (الطليعة) ويأتي بقيته في التراجم إن شاء الله تعالى.
وأما غلاة المقلدين فأمرهم ظاهر وذلك أن المتبوع قد لا تبلغه السنة وقد يغفل عن الدليل أو الدلالة وقد يسهو أو يخطئ أو يزل، فيقع في قول تجيء الأحاديث بخلافة فيحتاج مقلدوه إلى دفعها والتمحل في ردها ولو اقتصر الأستاذ على نحو ما عرف عنهم لهان الخطب، ولكنه يعد غلوهم تقصيرًا.!
وأما المتكلمون فأول من بلغنا أنه خاض في ذلك عمرو بن عبيد، ذكر له حديث يخالف هواه، رواه الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﵌، فقال عمرو «لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته ولو سمعت ابن مسعود يقوله لما قبلته، ولو سمعت رسول الله ﵌ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله - ﷿ - يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا» (١) وتعدى إلى القرآن فقال في ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وقوله تعالى ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ . «لم يكونا في اللوح المحفوظ» كأنه يريد أن الله ﵎ لم يكن يعلم بما سيكون من أبي لهب ومن الوحيد. ثم كان في القرن الثاني جماعة ممن عرف بسوء السيرة والجهل بالسنة ورقة الدين كثمامة بن أشرس والنظام والجاحظ
_________________
(١) ساقه الذهبي في ترجمة عمرو بن عبيد في «الميزان» مساق المسلمات. ن
[ ١ / ٢٠٨ ]
كتاب العصر لا يعرفون معظم الموانع من الكذب
خاضوا في ذلك كما أشار إليه ابن قتيبة وغيره، وجماعة آخرون كانوا يتعاطون الرأي والكلام يردون الأخبار كلها، وآخرون يريدون أخبار الآحاد أي ما دون المتواتر، كسر الله تعالى شوكتهم بالشافعي حتى أن شيوخه ومن في طبقتهم من الأكابر كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي انتفعوا بكتبه قال الشافعي في (الأم) ج ٧ ص ٢٥٠ «باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها» ثم ذكر مناظرته لهم. ثم قال بعد ذلك: «باب حكاية قول من رد خبر الخاصة» فذكر كلامه معهم. وبسط الكلام في ذلك في (الرسالة)، وفي (كتاب اختلاف الحديث) .
ثم كانت المحنة وويلاتها وكان دعاتها لا يجرؤون على رد الحديث وسيأتي في ترجمة علي بن عبد الله بن المديني بعض ما يتعلق بذلك، ثم جاء محمد بن شجاع بن الثلجي فلم يجرؤ على الرد وإنما لفق ما حاول به إسقاط حماد بن سلمة كما يأتي في ترجمة حماد إن شاء الله تعالى، وجمع كتابًا تكلف فيه تأويل الأحاديث وتبعه من الأشعرية ابن فورك في كتابه المطبوع ثم اشتهر بين المتكلمين أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة لا تصلح حجة في صفات الله ﷿ ونحوها من الاعتقاديات وصرحوا بذلك في كتب الكلام والعقائد كالمواقف وشرحها، والأمر أشد من ذلك كما يأتي في الاعتقاديات إن شاء الله تعالى. والأستاذ يدين بالكلام ويتشدد. ومع هذا كله فغالب أصحاب الرأي وغلاة المقلدين وأكثر المتكلمين لم يقدموا على اتهام الرواة الذين وثقهم أهل الحديث، وإنما يحملون على الخطأ والغلط والتأويل وذلك معروف في كتب أصحاب الرأي والمقلدين، أما الأستاذ فبرز على هؤلاء جميعًا!
وأما كتاب العصر فإنهم مقتدون بكتاب الإفرنج الذين يتعاطون النظر في الإسلاميات ونحوها وهم مع ما في نفوسهم من الهوى والعداء للإسلام إنما يعرفون الدواعي إلى الكذب ولا يعرفون معظم الموانع منه.
فمن الموانع التدين والخوف من رب العالمين الذي بيده ملكوت الدنيا والآخرة وقد قال سبحانه ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وفي
[ ١ / ٢٠٩ ]
(الصحيح) عن النبي ﵌ «علامة المنافق ثلاث وإن صام وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا أتمن خان وإذا وعد أخلف» وإخلاف الوعد أغلب ما يكون إذا كان الوعد كذبًا، والخيانة تعتمد الكذب كما لا يخفى.
وقال أبو بكر الصديق «الكذب مجانب للإيمان» (١) فأما توهم حل الكذب في مصلحة الدين فلا يكون إلا من أجهل الناس وأشدهم غفلة لأن حظر الكذب مطلقًا هو من أظهر الأحكام الشرعية. وأولئك الكتاب لا يعرفون هذا المانع لأنهم لا يجدونه في أنفسهم ولا يجدون فيمن يخالطونه من تقهرهم سيرته على اعتقاد اتصافه بهذا المانع لضعف الإيمان في غالب الناس ورقة التدين. ولا يعرفون من أحوال سلف المسلمين ما يقهرهم على العلم باتصافهم بذلك المانع لأنهم إنما يطالعون التواريخ وكتب الأدب كـ (الأغاني) ونحوها وهذه الكتب يكثر فيها الكذب والحكايات الفاجرة، كان فجرة الإخباريين يضعون تلك الحكايات لأغراض منها دفع الملامة عن أنفسهم - يقولون ليس هذا العيب خاصًا بنا بل كان من قبلنا كذلك حتى المشهورون بالفضل. ومنها ترويج الفجور والدعاية إليه ليكثر أهله فيجد الداعي مساعدين عليه ويقوي عذره. ومنها ترغيب الأمراء والأغنياء في الفجور وتشجيعهم عليه ليجد الدعاة المتأدبون مراعي خصبة يتمتعون فيها بلذاتهم وشهواتهم. ومنها التقرب إلى الأمراء والأغنياء بالحكايات الفاجرة التي يلذ لهم سماعها إلى غير ذلك. وما يوجد في تلك الكتب من الصدق إنما يصور طائفة مخصوصة كالأمراء المترفين والشعراء والأدباء ونحوهم. ولو عكف أولئك الكتاب على كتب السنة ورجالها وأخبارهم لعلموا أن هذه الطائفة وهي طائفة أصحاب الحديث كان ذلك المانع غالبًا فيهم. وقد احتج بعضهم بما في (الأغاني) في أخبار عمر بن أبي ربيعة
_________________
(١) أخرجه أحمد بسند صحيح. ن.
[ ١ / ٢١٠ ]
من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت (وهو عبد العزيز بن عمران) عن محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه قال قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام » ولو راجع تراجم هؤلاء في كتب رجال الحديث وفكر في أحوالهم وفي حال القصة لعلم بطلان القصة حتمًا.
ومن الموانع خوف الضرر الدنيوي، وأولئك الكتاب يعرفون شرط هذا المانع وهو الضرر المادي فإنهم يعلمون أن أرباب المصانع والمتاجر الكبيرة يتجنبون الخيانة والكذب في المعاملات خوفًا من أن يسقط اعتماد المعاملين عليهم فيعدلوا إلى معاملة غيرهم. بل أصحاب المصانع والمتاجر الصغيرة يجرون على ذلك غالبًا وإلا لكانت الخصومات مستمرة في الأسواق بل لعلها تتعطل الأسواق فليتدبر القارئ ذلك. فأما الشطر المعنوي فإن أولئك الكتاب لا يقدرون قدره فأقول: كان العرب يحبون الشرف ويرون أن الكذب من أفحش العيوب المسقطة للرجل وفي أوائل (صحيح البخاري) في قصة أبي سفيان بن حرب أن هرقل لما جاءه كتاب النبي ﵌ دعا بمن كان بالشام من تجار قريش فأتى بأبي سفيان ورهط معه قال «ثم دعاهم ودعا ترجمانه وقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: قلت: أنا أقربهم نسبًا، قال أدنوه مني وقربه أصحابه فجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم أني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبه قال: فوالله لولا الحياة من أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عليه قال ابن حجر في «فتح الباري»: وفي قوله يأثروا دليل دون قوله يكذبوا دليلًا على أنه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي ﵌ لكنه ترك ذلك استحياءً وأنفة من أن يتحدثوا بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابًا وفي رواية ابن اسحق التصريح بذلك» أقول وهذا هو الذي أراده هرقل ثم جاء الإسلام فشدد في تقبيح الكذب جدًا حتى قال الله ﷿ ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وروي عن النبي ﵌ أن رجلًا كذب عليه فبعث عليًا والزبير وقال «أذهبا فإن
[ ١ / ٢١١ ]
حديث أمره ﷺ بقتل من كذب عليه
اهتمام أصحاب الحديث في طلبه والرحلة فيه وتبليغه
أدركتماه فاقتلاه» . (١)
وتوهم رجل من صغار الصحابة أمرًا وأخبره بما توهمه وما يقتضيه ففضحه الله ﷿ إلى يوم القيامة إذ أنزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، ثم كان الصحابي يرى إكرام التابعين له وتوقيرهم ويبجلهم ما لا يخفي أثره على النفس ويعلم أنه إن بان لهم من أنه كذب كذبة سقط من عيونهم ومقتوه واتهموه بأنه لم يكن مؤمنًا وإنما كان منافقًا.
وقد كان بين الصحابة ما ظهر واشتهر من الاختلاف والقتال ودام ذلك زمانًا ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه رمى مخالفه بالكذب في الحديث، وكان التابعون إذا سمعوا حديثًا من صحابي سألوا عنه غيره من الصحابة ولم يبلغنا أن أحدًا منهم كذب صاحبه غاية الأمر أنه قد يخطئه، وكان المهلب بن أبي صفرة في محاربته الأزارقة يعمل بما رخص فيه للمحارب من التورية الموهمة فعاب الناس عليه ذلك حتى قيل فيه:
أنت الفتى كل الفتى لو كنت تصدق ما تقول
ثم كان الرجل من أصحاب الحديث يرشح لطلب الحديث وهو طفل، ثم ينشأ دائبًا في الطلب والحفظ والجمع ليلًا ونهارًا ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان ويقاسى المشاق الشديدة كما هو معروف في أخبارهم ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث ويسمعوا منه ويرووا عنه، وفي (تهذيب التهذيب) ج ١١ص ١٨٣ «قال عبد الله بن محمود المروزي: سمعت يحيى بن أكثم يقول: «كنت قاضيًا وأميرًا
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في «مشكل الإثارة» (١/ ١٦٤- ١٦٥) من حديث بريده، والطبراني في «طرق حديث من كذب علي» (ق ٤٧/ ١) من حديث عبد الله بن الحارث، وفي «المعجم الكبير» عن رجل من أصحاب النبي ﵌. وفي «الأوسط» وعنه الضياء في «المختارة» عن عبد الله بن عمرو. ن
[ ١ / ٢١٢ ]
ووزيرًا ما ولج سمعي أحلى من قول المستملي (١) من ذكرت؟ رضي الله عنك» وفيه ج ٦ ص ٣١٤: «روي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث فتعلقت بالكعبة وقلت: يا رب مالي أكذاب أنا؟ أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاءوني» وقد علم طالب الحديث في أيام طلبه تشدد علماء الحديث وتعنتهم وشدة فحصهم وتدقيقهم حتى إن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه فوجدوه خارج بيته يتبعوا بغلة له قد انفلتت يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها البغلة ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها فلاحظوا أن المخلاة فارغة فتركوا الشيخ وذهبوا وقالوا أنه كذاب كذب على البغلة بإيهامها أن المخلاة شعيرًا والواقع أنه ليس فيها شيء. وفي (تهذيب التهذيب) ج ١١ص ٢٨٤ «وقال هارون بن معروف: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام فكنت أول من بكر عليه فسألته أن يملي علي شيئًا فأخذ الكتاب يملي فإذا بإنسان يدق الباب فقال الشيخ من هذا؟ فإذا بآخر يدق الباب قال الشيخ من هذا؟ قال: يحيى بن معين، فرأيت الشيخ ارتعدت يده ثم سقط الكتاب من يده. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: «قدم علينا عبد الوهاب ابن عطاء فكتب إلى أهل البصرة: وقدمت بغداد وقبلني يحيى ابن معين والحمد لله»
فمن تدبر أحوال القوم بان له أنه ليس العجب ممن تحرز عن الكذب منهم طول عمره وإنما العجب ممن اجترأ على الكذب، كما أنه من تدبر كثرة ما عندهم من الرواية وكثرة ما يقع من الالتباس والاشتباه وتدبر تعنت أئمة الحديث بان له أنه
_________________
(١) كان إذا كثر الجمع عند المحدث يقوم رجل صيت يسمع إملاء الشيخ الحديث ويستفهمه فيما يخفي ثم يعيد بصوت عال ليسمعه الحاضرون فهذا الرجل يقال له المستملي. وأحيانا يكون أكثر من واحد، كما يروى عن مجالس وعظ ابن الجوزي حيث يحضرها أكثر من ثلاثين ألفًا. - زهير
[ ١ / ٢١٣ ]
التعجب من أولئك الكتاب الذين يلاحظون الموانع في عصرهم هذا فيثقون بخبر من يعلمون صدقه ولو كان مخالفا للقرائن
ليس العجب ممن جرحوه بل العجب ممن وثقوه.
ومن العجب أن أولئك الكتاب يلاحظون الموانع في عصرهم هذا بل في وقائعهم اليومية فيعلمون من بعض أصحابهم أنه صدوق فيثقون بخبره ولو كان مخالفًا لبعض ما يظهر لهم من القرآن بحيث لو كان المدار على القرائن لكان الراجح خلاف ما في الخبر، ويعرفون آخر بأنه لا يتحرز عن الكذب فيرتابون في خبره ولو ساعدته قرائن لا تكفي وحدها لحصول الظن، وهكذا يصنعون في أخبار مكاتبي الصحف وفي الصحف أنفسها فمن الصحف ما تعود الناس منها أنها لا تكاد تنقل إلا الأخبار الصحيحة فيميلون إلى الوثوق بما يقع فيها وإن خالف القرائن، وفيها ما هو على خلاف ذلك. وبالجملة فلا يرتاب عاقل أن غالب مصالح الدنيا قائمة على الأخبار الظنية، ولو التزم الناس أن لا يعملوا بخبر من عرفوا أنه صدوق حتى توجد قرائن تغني في حصول الظن عن خبره لاستغنوا عن الأخبار بل لفسدت مصالح الدنيا.
ولست أجهل ولا أجحد ما في طريقة الكتاب من الحق ولكني أقول: ينبغي للعاقل أن يفكر في الآراء التي يتظناها العقلاء في عصرهم نفسه بناء على العلامات والقرائن أليس يكثر فيها الخطأ؟ هذا مع تيسر معرفتهم بعصرهم وطباع أهله وأغراضهم وسهو لة الإطلاع على العلامات والقرائن، فما أكثر ما يقع لأحدنا كل يوم من الخطأ يتراءى أن القرائن والأمارات تقتضي وقوع العمر ثم لا يقع، وتقتضي أن لا يقع، ثم يقع، فما بالك بالأمور التي مضت عليها قرون ولا سيما إذا لم يتهيأ للناظر تتبع ما يمكن معرفته من القرائن والأمارات ولم يلاحظ الموانع، فأما إذا كان له هوى فالأمر أوضح. والناظر إنما يشتد حرصه على الإصابة في القضايا العصرية لأنه يخشى انكشاف الحال فيها على خلاف ما زعم، فأما التي مضت عليها قرون والباحثون عنها قليل فإنه لا يبالي، اللهم إلا أن يكون متدينًا محترسًا من الهوى، على أن الأستاذ لم يخلص لطريقة الكتاب بل كثيرًا ما يرمي بالقرائن القوية والدلالات الواضحة خلف ظهره ويحاول اصطناع خلافها وسد الفراغ بالتهويل والمغالطة كما سترى أمثلة من ذلك في هذا الكتاب وأسال الله لي وله التوفيق.
[ ١ / ٢١٤ ]
القسم الأول: في القواعد
[ ١ / ٢١٥ ]
فيه تحقيق أن الكذب المذكور ترد به الرواية مطلقا
١- رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي
تقدم في الفصل الثالث قول مالك «لا تأخذ العلم من أربعة وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ عن معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ عن كذاب يكذب في حديث الناس إذا جرب عليه ذلك وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﵌ » أسنده الخطيب في (الكفاية) ص ١١٦ إلى مالك كما تقدم ثم قال ص ١١٧ «باب في أن الكاذب في غير حديث رسول الله ﵌ ترد روايته - قد ذكرنا آنفًا قول مالك بن أنس. ويجب أن يقبل حديثه إذا ثبت توبته» ولم يذكر ما يخالف مقالة مالك. وأسند ص ٢٣ -٢٤ إلى الشافعي « ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا منها أن يكون من حدث به ثقة في دينه معروفًا بالصدق في حديثه » وهذه العبارة ثابتة في رسالة الشافعي.
وفي «لسان الميزان» ج ١ ص ٤٦٩: «قال ابن أبي حاتم عن أبيه أن يحيى بن المغيرة سأل جريرًا (ابن عبد الحميد) عن أخيه أنس فقال: قد سمع من هشام بن عروة ولكنه يكذب في حديث الناس فلا يكتب عنه» وفي (النخبة وشرحها): «ثم الطعن) يكون بعشرة أشياء ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد
[ ١ / ٢١٧ ]
على سبيل التدلى ) (إما أن يكون بكذب الراوي) في الحديث النبوي متعمدًا لذلك (أو تهمته بذلك) بأن لا يروي ذلك الحديث إلا من جهته ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وهو دون الأول. (أو فحش غلطه) أي كثرته (أو غفلته) عن الإتقان (أو فسقه) (أو وهمه) بأن يروي علي سبيل التوهم (أو مخالفته) أي الثقات (أو جهالته) (أو بدعته) (أو سوء حفظه) »
هذه النقول تعطي أن الكذب في الكلام ترد به الرواية مطلقًا وذلك يشمل الكذبة الواحدة التي لا يترتب عليها ضرر ولا مفسدة وقد ساق صاحب (الزواجر) الأحاديث في التشديد في الكذب ثم قال ج٢ ص ١٦٩ «عد هذا هو ما صرحوا به قيل لكنه مع الضرر ليس كبيرة مطلقًا بل قد يكون كبيرة كالكذب على الأنبياء وقد لا يكون - انتهى - وفيه نظر بل الذي يتجه أنه حيث اشتد ضرره بأن لا يحتمل عادة كان كبيرة بل صرح الروياني في (البحر) بأنه كبيرة وإن لم يضر فقال: من كذب قصدًا ردت شهادته وإن لم يضر بغيره لأن الكذب حرام بكل حال. وروى فيه حديثًا. وظاهر الأحاديث السابقة أو صريحها يوافقه وكأن وجه عدولهم ذلك ابتلاء أكثر الناس به فكان كالغيبة على ما مر فيها عند جماعة» .
أقول لا يلزم من التسامح في الشاهد أن يتسامح في الراوي لوجوده:
الأول: أن الرواية أقرب إلى حديث الناس من الشهادة فإن الشهادة تترتب على خصومة ويحتاج الشاهد إلى حضور مجلس الحكم ويأتي باللفظ الخاص الذي لا يحتاج إليه في حديث الناس ويتعرض للجرح فورًا، فمن جربت عليه كذبة في حديث الناس لا يترتب عليها ضرر فخوف أن يجره تساهله في ذلك إلى التساهل في الرواية أشد من خوف أن يجره إلى شهادة الزور.
الثاني: أن عماد الرواية الصدق ومعقول أن يشدد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدد في
[ ١ / ٢١٨ ]
بيان أن الكذب في رواية أثر عن صحابي أو تابعي أو عالم من بعده وفي تعديل بعض الرواة والتجريح قد يترتب عليه من الفساد أكثر من الكذب
الشهادة وقد خفف في الرواية في غير ذلك ما لم يخفف في الشهادة، تقوم الحجة بخبر الثقة ولو واحدًا أو عبدًا أو امرأةً أو جالب منفعة إلى نفسه أو أصله أو فرعه أو ضرر على عدوه كما يأتي بخلاف الشهادة، فلا يليق بعد ذلك أن يخفف في الرواية فيما يمس عمادها.
الثالث: أن الضرر الذي يترتب على الكذب في الرواية أشد جدًا من الضرر الذي يترتب على شهادة الزور فينبغي أن يكون الاحتياط للرواية أكد وقد أجاز الحنفية قبول شهادة الفاسق دون روايته، والتخفيف في الرواية بما تقدم من قيام الحجة بخبر الرجل الواحد وغير ذلك لا ينافي كونها أولى بالاحتياط لأن لذلك التخفيف حكمًا أخرى، بل ذلك يقتضي أن لا يخفف فيها فيما عدا ذلك فتزداد تخفيفًا على تخفيف.
الرابع: أن الرواية يختص لها قوم، محصورون ينشأون على العلم والدين والتحرز عن الكذب، والشهادة يحتاج فيها إلى جميع الناس لأن المعاملات والحوادث التي يحتاج إلى الشهادة عليها تتفق لكل أحد ولا يحضرها غالبًا إلا أو ساط الناس وعامتهم الذين ينشأون على التساهل فمعقول أنه لو ردت شهادة كل من جربت عليه كذبة لضاعت حقوق كثيرة جدًا، ولا كذلك الرواية. نعم الفلتة والهفوة التي لا ضرر فيها ويعقبها الندم، وما يقع من الإنسان في أوائل عمره ثم يقلع عنه ويتوب منه وما يدفع به ضرر شديد ولا ضرر فيه وصاحبه مع ذلك مستوحش منه ربما يغتفر. والله أعلم.
فأما الكذب في رواية ما يتعلق بالدين ولو غير الحديث فلا خفاء في سقوط صاحبه، فإن الكذب في الرواية أثر عن صحابي قد يترتب عليه أن يحتج بذلك الأثر من يرى قول الصحابي حجة، ويحتج هو وغيره به على أن مثل ذلك القول ليس خرقًا للإجماع، ويستند إليه في فهم الكتاب والسنة، ويرد به بعض أهل العلم حديثًا رواه ذاك الصحابي يخالفه ذلك القول ويأتي نحو ذلك في الكذب في رواية قول عن التابعي، أو عالم ممن بعده، وأقل ما في ذلك أن يقلده العامي.
[ ١ / ٢١٩ ]
رمي الأستاذ بعض الأئمة بتعمد الكذب في الرواية وفي الجرح والتعديل
وهكذا الكذب في رواية تعديل لبعض الرواة فإنه يترتب عليه قبول أخبار ذلك الرواي وقد يكون فيها أحاديث كثيرة فيترتب على هذا من الفساد أكثر مما يترتب على كذب في حديث واحد عن النبي ﵌، وكذلك الكذب في رواية الجرح فقد يترتب عليها إسقاط أحاديث كثيرة صحيحة وذلك أشد من الكذب في حديث واحد. وهكذا الإخبار عن الرجل بما يقتضي جرحه. وهكذا الكذب في الجرح والتعديل كقوله «هو ثقة» «هو ضعيف» فالكذب في هذه الأبواب في معنى الكذب في الحديث النبوي أو قريب منه وتترتب عليه مضار شديدة ومفاسد عظيمة فلا يتوهم محل للتسامح فيه على فرض أن بعضهم تسامح في بعض ما يقع [في] حديث الناس.
فالأستاذ يرمي بعض أئمة السنة فمن دونهم من ثقات الرواة بتعمد الكذب في الرواية وفي الجرح والتعديل كذبا يترتب عليه الضرر الشديد والفساد الكبير ثم يزعم أنه إنما يقدح بذلك فيما لا يقبله هو منهم فأما ما عداه فإنهم يكونون فيه مقبولين كذا يقول (١) وكأنه يقول: وإذا لزم أن يسقطوا البتة فليسقطوا جميعًا. وليت شعري من الذي يعادي أبا حنيفة أمن يقتضي صنيعه أنه لا يمكن الذب عنه إلا بمثل هذا الباطل أم من يقول: يمكن المتحري للحق أن يذب عنه بدون ذلك؟
تنبيه:
ليس من الكذب ما يكون الخبر ظاهرًا في خلاف الواقع محتملًا للواقع احتمالًا قريبًا وهناك قرينة تدافع ذاك الظهور بحيث إذا تدبر السامع صار الخبر عنده محتملًا للمعنيين على السواء كالمجمل الذي له ظاهر ووقت العمل به لم يجيء، وكالكلام المرخص به في الحرب، وكالتدليس فإن المعروف بالتدليس لا يبقى قوله: «قال فلان» ويسمى شيخًا له ظاهرًا في الاتصال بل يكون محتملًا، وهكذا من عرف بالمزاج إذا مزج بكلمة يعرف الحاضرون أنه لم يرد بها ظاهرها وإن كان
_________________
(١) وسيأتي ما فيه في القاعدة الآتية.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فيه تحقيق أن المتهم بالكذب في غير الحديث النبوي ساقط
فيهم من لا يعرف ذلك إذا كان المقصود ملاطفته أو تأديبه على أن ينبه في المجلس، وهكذا فلتأت الغضب، وكلمات التنفير عن الغلو وقد مرت الإشارة إليها في الفصل الثاني، على فرض أنه وقع فيها ما يظهر منه خلاف الواقع وقد بسطت هذه الأمور وما يشبهها في رسالتي في أحكام الكذب فأما الخطأ والغلط فمعلوم أنه لا يضر وإن وقع في رواية الحديث النبوي فإذا كثر وفحش من الراوي قدح في ضبطه ولم يقدح في صدقه وعدالته. والله الموفق.
٢- التهمة بالكذب
تقدم أن أشد موجبات ردُّ الراوي كذبه في الحديث النبوي، ثم تهمته بذلك، وفي درجتها كذبة في غير الحديث النبوي، فإذا كان في الرواية والجرح والتعديل بحيث يترتب عليه من الفساد نحو ما يترتب على الكذب في الحديث النبوي فهو في الدرجة الأولى، فالتهمة به في الدرجة الثانية أو الثالثة، وقد ذكر علماء الحديث بعد درجة الكذب في الحديث النبوي ودرجة التهمة به درجتين بل درجات ونصوا على أن من كان من أهل درجة من الأربع الأولى فهو ساقط البتة في جميع رواياته سواء منها ما طعن فيه بسببه وغيره.
والأستاذ يطعن في جماعة من أئمة السنة والموثقين من رواتها فيرمي بعضهم بتعمد الكذب وبعضهم بالتهمة بذلك ويجمع لبعضهم الأمرين يكذب أحدهم في خبر ويتهمه في آخر، ويجزم بأنهم متهمون في كل ما يتعلق بالغض من أبي حنيفة وأصحابه ولو على بعد بعيد كما يأتي في ترجمة أحمد بن إبراهيم، ويصرح في بعضهم بأنهم مقبولون فيما عدا ذلك، فهل يريد أنهم عدول مقبولون ثقات مأمونون مطلقًا، ولا يعتد عليهم بتكذيب الأستاذ ولا اتهامه لأنه خرق للإجماع في بعضهم ومخالف للصواب في آخرين ولأن الأستاذ لم يتأهل للاجتهاد في الكلام في القدماء، ولأن كلامه فيهم أمر اقتضته مصلحة مدافعة اللامذهبية التي يقول: إنها
[ ١ / ٢٢١ ]
بيان أن التهمة تقال على وجهين، وأن من وثقه إمام متقدم دون أن يتهمه غيره فاتهامه في العصر الحاضر مردود
قنطرة اللادينية! كما يقول بعض سلفه من المتكلمين: إن كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بصفات الله ﷿ ونحوها صريحة في الباطل مع علم الله ﷿ ورسوله بالحق في نفس الأمر ولكن دعت إلى ذلك مصلحة اجترار العامة إلى قبول الشريعة العملية! (١) فإن كان هذا مراد الأستاذ فالأمر واضح وإلا فإن أراد بالقبول القبول على جهة الاستئناس في الجملة انحصر الكلام معه في دعوى الكذب والتهمة وسيأتي إن شاء الله تعالى. وإن أراد أنهم في ما يتعلق بتلك الشجرة الممنوعة وهي الغض من أبي حنيفة وأصحابه كذابون ومتهمون وفيما عدا ذلك عدول مقبولون ثقات مأمونون، فهذا تناقض وخرق للإجماع فيما نعلم. نعم هناك أمور قد يتشبث بها في دعوى التهمة والعدالة وقد أشار الأستاذ إلى بعضها وسأكشف عنها إن شاء الله.
وينبغي أن يعلم أن التهمة تقال على وجهين:
الأول: قول المحدثين «فلان متهم بالكذب» وتحرير ذلك أن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصح الاستناذ إليه أن الخبر لا أصل له وأن الحمل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي أتعمد الكذب أم غلط فإذا تدبر وأنعم النظر فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزمًا، وقد يميل ظنه إلى أحدهما إلا أنه لا يبلغ أن يجزم به، فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه إلى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه «متهم بالكذب» أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى. ودرجة الاجتهاد المشار إليه لا يبلغها أحد من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين، اللهم إلا أن يتهم بعض المتقدمين رجلًا في حديث يزعم أنه تفرد به فيجد له بعض أهل العصر متابعات صحيحة، وإلا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح، فأما من وثقه إمام من المتقدمين أو أكثر ولم يتهمه أحد من الأئمة فيحاول بعض أهل العصر أن يكذبه أو يتهمه فهذا مردود لأنه إن تهيأ له إثبات بطلان الخبر عن ذلك الراوي ثبوتًا لا ريب فيه فلا يتهيأ له الجزم بأنه
_________________
(١) ترى الكلام عن ذلك في الاعتقاديات إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٢٢٢ ]
تفرد به، ولا أن شيخه لم يروه قط ولا النظر الفني الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به، بلى قد يتيسر بعض هذه الأمور فيمن كذبه المتقدمون لكن مع الاستناد إلى كلامهم كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت وترجمة محمد بن سعيد البورقي، وإن كان الأستاذ يخالف في ذلك فيصدق من كذبه الأئمة وكذبه واضح، كما يكذب أو يتهم من صدقوه وصدقه ظاهر، شأن المحامين في المحاكم معيار الحق عند أحدهم مصلحة موكله!
هذا والأستاذ فيما يهول بدعوى دلالة العقل والتواتر والنقل الراجح حيث لا ينبغي له دعوى ذلك، وليس من شأني أن أناقشه في كل موضع ولكني أقول: حيث تصح دعواه فلا يصح ما بناه عليها من تكذيب الثقات واتهامهم، وحيث يلزم من صحة الدعوى صحة البناء فالدعوى غير صحيحة، وإنما كتبت هذا بعد فراغي من النظر في التراجم، وأسال الله التوفيق.
الوجه الثاني: مقتضى اللغة، والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم وهو كما في (القاموس) «من خطرات القلب أو مرجوح طرفي المتردد فيه» والتهمة بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يحب أن يعتقد السامع ثبوته وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه وعلى من بينه وبينه نفرة، وكذلك إخباره عن قريبه أو صديقه بما يحمد عليه وإخباره عمن هو نافر عنه بما يذم عليه وقس على هذا كل ما من شأنه أن يدعو إلى الكذب. وتلك الدواعي تخفى وتتفاوت آثارها في النفوس وتتعارض وتعارضها الموانع من الكذب، وقد تقدمت الإشارة إليها في الفصل الخامس، فلذلك اكتفى الشارع في باب الرواية بالإسلام والعدالة والصدق فمن ثبتت عدالته وعرف بتحري الصدق من المسلمين فهو على العدالة والصدق في أخباره لا يقدح في إخباره أن يقوم بعض تلك الدواعي ولا أن يتهمه من لا يعرف عدالته أو لا يعرف أثر العدالة على النفس أو من له هوى مخالف لذلك الخبر فهو يتمنى أن لا يصح كما قال المتنبي:
شق الجزيرة حتى جاءني نبأ فزعت منه بآمالي إلى الكذب
[ ١ / ٢٢٣ ]
بيان مخالفة الشهادة للرواية، وذكر الخلاف في الشهادة للأصل والفرع
حتى إذا لم يدع إلى صدقة أملًا شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي (١)
وكأنه أخذه من قول الأول:
إني أتتني لسان ما أسر بها من علو لا عجب فيها ولا سخر
جاءت مرجمة قد كنت أحذرها لو كان ينفعني الإشفاق والحذر
تأتي على الناس لا تلوي على أحد حتى أتتنا وكانت دوننا مضر
إذا يعاد له ذكر أكذبه حتى أتتني بها الأنباء والخبر
وجماعة من الصحابة روى كل منهم فضيلة لنفسه يرون أن على الناس قبول ذلك منهم فتلقت الأمة ذلك بالقبول، وكان من الصحابة والتابعين يقاتلون الخوارج ثم روى بعض أولئك التابعين عن بعض أولئك التابعين عن بعض أولئك الصحابة أحاديث في ذم الخوارج فتلقت الأمة تلك الأحاديث بالقبول، وكثيرًا ما ترى في تراجم ثقات الرواة من التابعين فمن بعدهم إخبار الرجل منهم بثناء غيره عليه فيتلقى أهل العلم ذلك بالقبول، وقبلوا من الثقة دعواه ما يمكن من صحبته للنبي ﵌ أو لأصحابه أو إدراكه لكبار الأئمة وسماعه منهم وغير ذلك مما فيه فضيلة للمدعي وشرف له وداع للناس إلى الإقبال عليه وتبجيله والحاجة إليه، ولم يكن أهل العلم إذا أرادوا الاستيثاق من حال الرواي يسألون إلا عما يمس دينه وعدالته. ونص أهل العلم على أن الرواية في ذلك مخالفة للشهادة، وفي (التحرير) لابن الهمام الحنفي مع (شرحه) لابن أمير حاج ج٣ ص ٢٤٥: «وأما الحرية والبصر وعدم الحد في قذف) وعدم (الولادة) وعدم (العداوة) الدنيوية (فتختص بالشهادة) أي تشترط فيها لا في الرواية» .
فأما الشهادة فإن الشرع شرط لها أمورًا أخرى مع الإسلام والعدالة كما أشار إليه ابن الهمام وشرط في إثبات الزنا أربعة ذكور وفي غيره من الحدود ونحوها ذكرين، وفي الأموال ونحوها رجلا وامرأتين إلى غير ذلك.
_________________
(١) في ديوانه: ٢/٢٨٠ برثاء أخت سيف الدولة برواية: طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآملي إلى كذب. - زهير-
[ ١ / ٢٢٤ ]
[فأما الشهادة للنفس فمتفق على أنها لا تقبل، وأما الشهادة للأصل وللفرع] (*) وللزوج وعلى العدو ففيها خلاف، وفي بعض كتب الفقه أن الرد في ذلك لأجل التهمة وظاهر هذا أن التهمة هي العلة فيبني عليها قياس غير المنصوص عليه، وهذا غير مستقيم، إذ ليس كل شاهد لنفسه حقيقا: بأن يتهم، ألا ترى أن كبار الصحابة وخيار التابعين لو شهد أحدهم لنفسه لم نتهمه ولا سيما إذا كان غنيًا والمشهود به يسيرًا كخمسة دراهم، والمشهود عليه معروفًا بجحد الحقوق. أقول هذا لزيادة الإيضاح وإلا فالواقع أننا لا نتهمهم مطلقًا حتى لو شهد أحدهم لنفسه على آخر منهم وأنكر ذاك لم نتهم واحدًا منهما بل نعتقد أن أحدهما نسي أو غلط، وليس ذلك خاصًا بهم، بل كل من ثبتت عدالته لا يتهمه عارفوه الذين يعدلونه ولا الواثقون بتعديل المعدلين، فإن اتهمه غيرهم كان معنى ذلك أنه غير واثق بتعديل المعدلين، ومتى ثبت التعديل الشرعي لم يلتفت إلى من لا يثق به، ولو كان لك أن تعدل الرجل وأنت لا تأمن أن يدعي الباطل ويشهد لنفسه زورًا بخمسة دراهم مثلًا، لكان لك أن تعدل من تتهمه بأنه لو رشاه رجل عشرة دراهم أو أكثر لشهدوا له زورًا، وهذا باطل قطعًا فان تعديلك للرجل إنما هو شهادة منك له بالعدالة، والعدالة «ملكة تمنع صاحبها من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة » فكيف يسوغ لك أن تشهد بهذه الملكة لمن تتهمه بما ذكر، ولو كان كل عدل حقيقيًا بأن يتهمه عارفوه بنحو ما ذكر لما كان في الناس عدل، وفي أصحابنا من لا نتهمه في شهادته ولو حصل له بسببها مائة درهم أو أكثر كأن يدعي صاحبنا على فاجر بمائة درهم فيجحده ثم تتفق للفاجر خصومة أخرى فيجيء إلى صاحبنا فيقول له أنت تعرف هذه القضية فاحضر فاشهد بما تعلم، فيقول صاحبنا نعم أنا أعرفها ولكنك ظلمتني مائة درهم فأدها إلي إن أردت أن أشهد، فيدفع له مائة درهم فيذهب فيشهد، فإننا لا نتهم صاحبنا في دعواه ولا شهادته، وفي أصحابنا من لو ائتمن على مئات الدراهم ثم بعد مدة ادعى ما يحتمل من تلفها أو أنه ردها على صاحبها الذي قد مات لما اتهمناه، نعم قد يتهمه من لا يعرفه كمعرفتنا، أو من لا يعرف قدر تأثير الموانع عن الخيانة في نفس من قامت به، فالفاسق المتهتك لا يعرف قدر العدالة فتراه يتهم العدول ولا يكاد يعرف عدالتهم ولو كانوا جيرانه.
_________________
(١) [التعليق] (*) ما بين المعقوفتين ساقط في هذه الطبعة، وهو في طبعة مكتبة المعارف: (١/٣٩) . أسامة بن الزهراء؛ فريق عمل الموسوعة الشاملة
[ ١ / ٢٢٥ ]
بحث في الشهادة على العدو وتفصيل القول فيها رد منها
فان قيل يكفي في التعليل أن مظنة التهمة ولا يضر تخلفها في بعض الأفراد كما قالوا في قصر الصلاة في السفر أنه لأجل المشقة وإن تخلفت المشقة في بعض المسافرين كالملك المترفه، قلت: العلة في قصر الصلاة هي السفر بشرطه لا المشقة فكذلك تكون العلة في رد الشهادة للنفس هي أنها شهادة للنفس أو دعوى كما يومئ إليه حديث «لو يعطي الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم » (١)
فعلى هذا لا يتأتى القياس، ألا ترى أن في أعمال العمال المقيمين ما مشقته أشد من مشقة السفر العادي، ذلك كالعمل في المناجم ونحوها ومع ذلك ليس لهم أن يقصروا الصلاة. فإن قيل الشهادة للأصل والفرع مظنة للتهمة كما أن الشهادة مظنة لها، قلت فالعمل في المناجم مظنة للمشقة، بل المشقة فيه أشق وأغلب، والتهمة في الشهادة للأصل أو الفرع أضعف وأقل من التهمة في الشهادة للنفس، وقد يكون الرجل منفردًا عن أصله أو فرعه وبينهما عدواة.
والشافعي ممن يقول برد الشهادة للأصل والفرع ولم يعرج على التهمة ولكنه لما علم أن جماعة ممن قبله ذهبوا إلى الرد ولم يعلم لهم مخالفًا هاب أن يقول ما لا يعلم له فيه سلفًا، فحاول الاستدلال بما حاصله أن الفرع من الأصل فشهادة أحدهما للآخر كأنها شهادة لنفسه ثم قال كما في (الأم) ج ٧ ص ٤٢: «وهذا مما لا أعرف فيه خلافًا» كأنه ذكر هذا تقوية لذاك الاستدلال واعتذارًا عما فيه من الضعف، ولما علم بعض حذاق أصحابه كالمزني وأبي ثور أن هناك خلافًا ذهبوا إلى القبول. وليس المقصود هنا إبطال القول برد الشهادة للأصل والفرع والزوج وإنما المقصود أن الاستدلال عليه بقياس مبني على أن التهمة على غير مستقيم. فأما الشهادة على العدو فالقائلون أنها لا تقبل يخصون ذلك بالعداوة الدنيوية التي تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، فأما العداوة الدينية والدنيوية التي لم تبلغ
_________________
(١) أخرجه الشيخان في «صحيحيها» واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا. ن
[ ١ / ٢٢٦ ]
ذاك فلا تمنع من القبول عندهم. والمنقول عن أبي حنيفة كما في كتب أصحابه أن العداوة لا تقتضي رد الشهادة إلا أن تبلغ أن تسقط بها العدالة. أقول وإذا بلغت ذلك لم تقبل شهادة صاحبها حتى لعدوه على صديقه، ويقوي هذا القول أن القائلين بعدم القبول يشرطون أن تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه وهذا يتمنى أن يفرح لذبح أطفاله ظلمًا والزنا ببناته وارتداد زوجاته ونحو ذلك وقس على ذلك الحزن لفرحه وهذا مسقط للعدالة حتمًا، فإن قيل قد يفرح بذلك من جهة أنه يحزن عدوه، ومع ذلك يحزن من جهة مخالفته للدين، قلت: إن لم يغلب حزنه فرحه فليس بعدل، وإن غلب فكيف يظن به أن يوقع نفسه في شهادة الزور التي هي من أكبر الكبائر وفيها أعظم الضرر على نفسه في دينه، ولا يأمن من أن يلحقه لأجلها ضرر شديد في دنياه، كل ذلك ليضر المشهود عليه في دنياه ضررًا قد يكون يسيرًا كعشرة دراهم. وهبة صح الرد بالعدواة مع بقاء العدالة فالقائلون بذلك يشرطون أن تكون عداوة دنيوية تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه وهذا لا يتأتى للأستاذ إثباته في أحد ممن يتهمهم لأنه إن ثبت انحرافهم عن أبي حنيفة وأصحابه وثبت أن ذلك الانحراف عداوة فهو عداوة دينية، وهب أنه ثبت في بعضهم أنها عداوة دنيوية فلا تأتي للأستاذ إثبات بلوغها ذاك الحد، أي أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، وهبة بلغ فقد تقدم أن الرواية لا ترد بالعدواة.
هذا على فرض مجامعة ذلك للعدالة، وإلا فالرد لعدم العدالة.
وأما ما ذكره الشافعي في أصحاب العصبية فالشافعي إنما عنى العصبية لأجل النسب كما هو صريح في كلامه وذلك أمر دنيوي وكلامه ظاهر في أنها بشرطها تسقط العدالة، ولا ريب أنه إذا بلغت العصبية أو العداوة إسقاط العدالة لم تقبل لصاحبها شهادة ولا رواية ألبته سواء أكانت دنيوية أم مذهبية أم دينيه كمن يسرف في الحنق على الكفار فيتعدى على أهل الذمة، والأمان بالنهب والقتل ونحو ذلك، بل قد يكفر.
[ ١ / ٢٢٧ ]
تفصيل القول فيها مع التحقيق
فقد أتضح بما تقدم الجواب عن بعض ما يمكن التشبث به في رد رواية العدل، وبقى حكاية عن شريك ربما يؤخذ منها أنه قد يقبل شهادة بعض العدول في القليل ولا يقبلها في الكثير، وفرع للشافعي قد يتوهم فيه نحو ذلك، وما يقوله أصحاب الحديث في رواية المبتدع، وما قاله بعضهم في جرح المحدث لمن هو ساخط عليه.
فأما الحكاية عن شريك فمنقطعة، ولو ثبتت لوجب حملها على أن مراده القبول الذي تطمئن إليه نفسه فإن القاضي قد لا يكون خبيرًا بعدالة الشاهدين وضبطهما وتيقظهما وإنما عدلهما غيره فإذا كان المال كثيرًا جدًا بقي في نفسه ريبة وقد بين أهل العلم أن مثل هذا إنما يقتضي التروي والتثبت فإذا تروى وبقيت الحال كما كانت وجب عليه أن يقضي بتلك الشهادة ويعرض عما في نفسه. وأما الفرع المذكور عن الشافعي فليس من ذاك القبيل، وإنما هم من باب الاحتياط للتعديل، ومع ذلك فقد رده إمام الحرمين وقال: إن أكثر الأئمة على خلافة وأما رواية المبتدع وجرح المحدث لمن هو ساخط عليه فأفرد كلا منهما بقاعدة.
٣ - رواية المبتدع
لا شبهة أن المبتدع إن خرج ببدعته عن الإسلام لم تقبل روايته لأن من شرط قبول الرواية الإسلام.
وأنه إن ظهر عناده أو إسرافه في إتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق ونحو ذلك مما هو أدل على وهن التدين من كثير من الكبائر كشرب الخمر وأخذ الربا فليس بعدل فلا تقبل روايته لأن من شرط قبول الرواية العدالة.
وأنه إن استحل، فإما أن يكفر بذلك، وإما أن يفسق، فإن عذرناه فمن شرط قبول الرواية الصدق فلا تقبل روايته.
[ ١ / ٢٢٨ ]
نص مسلم في مقدمة صحيحه على ترك الرواية عن المتهمين والمبتدعة
وأن من تردد أهل العلم فيه فلم يتجه لهم أن يكفروه أو يفسقوه ولا أن يعدلوه فلا تقبل روايته لأنه لم تثبت عدالته.
ويبقى النظر فيمن عدا هؤلاء، والمشهور الذي نقل ابن حبان والحاكم إجماع أئمة السنة عليه أن المبتدع الداعية لا تقبل روايته، وأما غير الداعية فكالسني واختلف المتأخرون في تعليل رد الداعية، والتحقيق إن شاء الله تعالى أن ما اتفق أئمة السنة على أنها بدعة فالداعية إليها الذي حقه أن يسمى داعية لا يكون إلا من الأنواع الأولى إن لم يتجه تكفيره اتجه تفسيقه فإن لم يتجه تفسيقه فعلى الأقل لا تثبت عدالته، وإلى هذا أشار مسلم في مقدمة صحيحه إذ قال: «إعلم وفقك الله أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقى منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع، والدليل على أن الذي قلنا في هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ وقال جل ثناؤه ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقال ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فدل بما ذكرنا أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول وأن شهادة غير العدل مردودة، والخبر وإن فارق معناه معنى الش|هادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم» .
فالمبتدع الذي يتضح عناده إما كافر وإما فاسق، والذي لم يتضح عناده ولكنه حقيق بأن يتهم بذلك وهو في معنى الفاسق لأنه مع سوء حاله لا تثبت عدالته،
[ ١ / ٢٢٩ ]
توجيه المصنف لقول من رد وراية الداعية إلى بدعته
والداعية الذي الكلام فيه واحد من هذين ولا بد، وقد عرف لأهل العلم العدالة بأنها «ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسة » زاد السبكي «وهوى النفس» وقال «لا بد منه فإن المتقى للكبائر وصغائر الخسة مع الرذائل المباحة قد يتبع هواه عند وجوده لشيء منها فيرتكبه ولا عدالة لمن هو بهذه الصفة» نقله المحلي في (شرح جمع الجوامع) لابن السبكي ثم ذكر أنه صحيح في نفسه ولكن لا حاجه إلى زيادة القيد قال «لأن من عنده ملكة تمنعه عن اقتراف ما ذكر ينتفي عنه إتباع الهوى لشيء منه وإلا لوقع في المهوي فلا يكون عنده ملكة تمنع منه» أقول: ما من إنسان إلا وله أهو اء فيما ينافي العدالة وإنما المحذور إتباع الهوى ومقصود السبكي تنبيه المعدلين فإنه قد يخفى على بعضهم معنى «الملكة» فيكتفي في التعديل بأنه قد خبر صاحبه فلم يره ارتكب منافيا للعدالة فيعدله ولعله لو تدبر لعلم أن لصاحبه هوى غالبا يخشى أن يحمله على ارتكاب منافي العدالة إذا احتاج إليه وتهيأ له ومتى كان الأمر كذلك فلم يغلب على ظن المعدل حصول تلك الملكة وهي العدالة لصاحبه بل إما أن يترجح عنده عدم حصولها فيكون صاحبه ليس بعدل وإما أن يرتاب في حصولها لصاحبه فكيف يشهد بحصولها له؟ كما هو معنى التعديل.
وأهل البدع كما سماهم السلف «أصحاب الأهواء» وإتباعهم لأهو ائهم في الجملة ظاهر وإنما يبقى النظر في العمد والخطأ ومن ثبت تعمده أو اتهمه بذلك عارفوه لم يؤمن كذبه وفي (الكفاية) للخطيب ص ١٢٣ عن علي بن حرب الموصلي: «كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي» يريد والله أعلم أنهم مظنة ذلك فيحترس من أحدهم حتى يتبين براءته.
هذا وإذا كانت حجج السنة بينة فالمخالف لها لا يكون إلا معاندا أو متبعا للهوى معرضا عن حجج الحق وأتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق قد يفحش جدا حتى لا يحتمل أن يعذر صاحبه فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر فعلى الأقل لا يمكنهم تعديل الرجل وهذه حال الداعية الذي الكلام فيه فإنه لولا
[ ١ / ٢٣٠ ]
أنه معاند أو منقاد لهواه انقيادا فاحشا معرض عن حجج الحق إعراضا شديدا لكان أقل أحواله أن يحمله النظر في الحق على الارتياب في بدعته فيحاف أن كان متدينا أن يكون على ضلالة ويرجو أنه كان على ضلالة فعسى الله ﵎ أن يعذره فإذا التفت إلى أهل السنة علم أنهم إن لم يكونوا أولى بالحق منه فالأمر الذي لا ريب فيه أنهم أولى بالعذر منه وأحق إن كانوا على خطا أن لا يضرهم ذلك لأنهم إنما يتبعون الكتاب والسنة ويحرصون على إتباع سبيل المؤمنين ولزوم صراط المنعم عليهم: النبي ﵌ وأصحابه وخيار السلف فيقول في نفسه: هب أنهم على باطل فلم يأتهم من إتباع الهوى وتتبع السبل الخارجة. ولا ريب أن من كانت هذه حالة فإنه لا يكفر أهل السنة ولا يضللهم ولا يحرص على إدخالهم في رأيه بل يشغله الخوف على نفسه فلا يكون داعية.
فأما غير الداعية فقد مر نقل الإجماع على أنه كالسني، إذا ثبتت عدالته روايته، وثبت عن مالك ما يوافق ذلك، وقيل عن مالك أنه لا يروي عنه أيضًا، والعمل على الأول. وذهب بعضهم إلى أنه لا يروي عنه إلا عند الحاجة، وهذا أمر مصلحي لا ينافي قيام الحجة بروايته بعد ثبوت عدالته. وحكى بعضهم أنه إذا روى ما فيه تقوية لبدعته لم يؤخذ عنه، ولا ريب أن ذلك المروي إذا حكم أهل العلم ببطلانه فلا حاجة إلى روايته إلا لبيان حاله، ثم إن اقتضى جرح صاحبه بأن ترجح أنه تعمد الكذب أو أنه متهم بالكذب عند أئمة الحديث سقط صاحبه البتة فلا يؤخذ عنه ذاك ولا غيره، وإذا ترجح أنه أنما أخطأ فلا وجه لمؤاخذته بالخطأ، وإن ترجح صحة ذلك المروي فلا وجه لعدم أخذه، نعم قد تدعو المصلحة إلى عدم روايته حيث يخشى أن يغير بعض السامعين بظاهرة فيقع في البدعة، قرأت في جزء قديم من (ثقات العجلي) ما لفظه «موسى الجهني قال جاءني عمرو بن قيس الملائي وسفيان الثوري فقال: لا تحدث بهذا الحديث بالكوفة أن النبي ﵇ قال لعلي «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» (١) كان في الكوفة جماعة يغلون بالتشيع ويدعون إلى الغلو فكره عمرو بن قيس وسفيان أن يسمعوا
_________________
(١) أخرجه الشيخان في «صحيحيهما» ن.
[ ١ / ٢٣١ ]
هذا الحديث فيحملوه على ما يوافق غلوهم فيشتد شرهم.
وقد يمنع العالم طلبة الحديث عن أخذ مثل هذا الحديث لعلمه إنهم أخذوه ربما رووه حيث لا ينبغي أن يروي، لكن هذا لا يختص بالمبتدع، وموسى الجهني ثقة فاضل ينسب إلى بدعة.
هذا وأول من نسب إليه هذا القول إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وكان هو نفسه مبتدعًا منحرفًا عن أمير المؤمنين علي متشددًا في الطعن على المتشيعين كما يأتي في القاعدة الآتية، ففي (فتح المغيث) ص١٤٢، «بل قال شيخنا إنه قد نص هذا القيد في المسألة الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ النسائي فقال في مقدمة كتابه في الجرح والتعديل: ومنهم زائغ عن الحق، وصدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه، لكنه مخذول في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف وليس بمنكر إذا لم تقو به بدعتهم فيتهمونه بذلك» .
والجوزجاني فيه نصب، وهو مولع بالطعن في المتشيعين كما مر، ويظهر أنه إنما يرمي بكلامه هذا إليهم، فإن في الكوفيين المنسوبين إلى التشيع جماعة أجلة اتفق أئمة السنة على توثيقهم وحسن الثناء عليهم وقبول روايتهم وتفضيلهم على كثير من الثقات الذين لم ينسبوا إلى التشيع حتى قيل لشعبة: حدثنا عن ثقات أصحاب، فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشيعة، الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وحبيب بن أبي ثابت ومنصور. راجع تراجم هؤلاء في «تهذيب التهذيب» فكأن الجوزجاني لما علم أنه لا سبيل إلى الطعن في هؤلاء وأمثالهم مطلقًا حاول أن يتخلص مما يكرهه من مروياتهم وهو ما يتعلق بفضائل أهل البيت، وعبارته المذكورة تعطي أن المبتدع الصادق اللهجة المأمون في الرواية المقبول حديثه عند أهل السنة إذا روى حديثًا معروفًا عند أهل السنة غير منكر عندهم إلا أنه مما قد تقوى به بدعته فإنه لا يؤخذ وأنه يتهم. فأما اختيار أن لا يؤخذ فله وجه رعاية للمصلحة كما مر، وأما أنه يتهم فلا يظهر له وجه بعد اجتماع تلك الشرائط إلا أن يكون المراد أنه قد يتهمه من عرف بدعته ولم يعرف
[ ١ / ٢٣٢ ]
صدقه وأمانته ولم يعرف أن ذاك الحديث معروف غير منكر فيسيء الظن به بمروياته ولا يبعد من الجوزجاني أن يصانع عما في نفسه بإظهار أنه أنما يحاول هذا المعنى فبهذا تستقيم عبارته، أما الحافظ ابن حجر ففهم منها معنى آخر، قال في (النخبة وشرحها): «الأكثر على قبول غير الداعية إلا أن ما يقوي مذهبه فيرد على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي» وسيأتي الكلام معه إن شاء الله تعالى. ولابن قتيبة في كتاب (تأويل مختلف الحديث) كلام حاصله أن المبتدع الصادق المقبول لا يقبل منه ما يقوي بدعته، ويقبل منه ما عدا ذلك قال: «وإنما يمنع من قبول قول الصادق فيما وافق نحلته وشاكل هواه أن نفسه تريه أن الحق فيما اعتقده وأن القربة إلى الله ﷿ في تثبيته بكل وجه، ولا يؤمن مع ذلك التحريف والزيادة والنقص» كذا قال، واحتج بأن شهادة العدل لا تقبل لنفسه وأصله وفرعه، وقد مر الجواب عن ذلك، ولا أدري كيف ينعت بالصادق من لا يؤمن منه تعمد التحريف والزيادة والنقص؟ وإنما يستحق النعت بالصادق من يوثق بتقواه وبأنه مهما التبس عليه من الحق فلن يلتبس عليه أن الكذب بأي وجه كان مناف للتقوى، مجانب للإيمان.
ولا ريب أن فيمن يتسم بإصلاح من المبتدعة وكذا من أهل السنة من يقع في الكذب إما تقحمًا في الباطل، وإما على زعم أنه لا حرج في الكذب في سبيل تثبيت الحق، ولا يختص ذلك بالعقائد بل وقع فيما يتعلق بفروع الفقه وغيرها كما يعلم من مراجعة كتب الموضوعات، وأعداء الإسلام، وأعداء السنة يتشبثون بذلك في الطعن في السنة كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شؤون دنياهم الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أمورًا عظامًا، ولم يزل الناس يغشون الأشياء النفيسة ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز وغيرها، ولم يحل ذلك دون معرفة الصحيح، والخالق الذي
[ ١ / ٢٣٣ ]
ميل المصنف إلى قبول حديث الداعية مطلقا إذا ثبتت عدالته
هيأ لعباده ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام وتكفل بحفظه إلى الأبد وعنايته بحفظ الدين أشد وأكد لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا قال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ .
ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل عنها والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها، وفي (تهذيب التهذيب) ج ١ ص ١٥٢: «قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقًا فأراد قتله فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا؟» وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة. وتلا قول الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . والذكر يتناول السنة بمعناه إن لم يتناولها بلفظه، بل يتناول العربية وكل ما يتوقف عليه معرفة الحق، فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجة قائمة والهداية دائمة إلى يوم القيامة لأن محمد ﵌ خاتم الأنبياء، وشريعة خاتمة الشرائع، والله ﷿ إنما خلق لعبادته فلا يقطع عنهم طريق معرفتها، وانقطاع ذلك في هذه الحياة الدنيا وانقطاع لعلة بقائهم فيها. قال العراقي في (شرح ألفيته) ج ١ ص ٢٦٧: «روينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث، وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لو أن رجلا هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله، وروينا عن ابن المبارك قال: لوهَمَّ رجل في السحر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون فلان كذاب» .
والمقصود هنا أن من لا يؤمن منه تعمد التحريف والزيادة والنقص على أي وجه كان فلم تثبت عدالته، فإن كان كل من اعتقد أمرًا ورأى أنه الحق وأن القربة إلى الله تعالى في تثبيته لا يؤمن منه ذلك فليس في الدنيا ثقة، وهذا باطل قطعًا، فالحكم به على المبتدع إن قامت الحجة على خلافة بثبوت عدالته وصدقه وأمانته فباطل،
[ ١ / ٢٣٤ ]
وإلا وجب أن لا يحتج بخبره البتة، سواء أوافق بدعته أم خالفها، والعدالة «ملكة تمنع من اقتراف الكبائر » وتعديل الشخص شهادة له بحصول هذه الملكة، ولا تجوز الشهادة بذلك حتى يغلب على الظن غلبة واضحة حصولها له، وذلك يتضمن غلبة الظن بأن تلك الملكة تمنعه من تعمد التحريف والزيادة والنقص ومن غلب على الظن غلبة يصح الجزم بها أنه لا يقع منه ذلك فكيف لا يؤمن أن يقع منه؟ ومن لا يؤمن أن يقع منه ذلك فلم يغلب على الظن أن له ملكه تمنعه من ذلك، ومن خيف أن يغلبه ضرب من الهوى فيوقعه في تعمد الكذب والتحريف لم يؤمن أن يغلبه ضرب آخر وإن لم نشعر به، بل الضرب الواحد من الهوى قد يوقع في أشياء يتراءى لنا أنها متضادة، فقد جاء أن موسى بن طريف الأسدي كان يرى رأي أهل الشام في الانحراف عن علي ﵁ ويروي أحاديث منكرة في فضل علي ويقول: «إني لأسخر بهم» يعني بالشيعة، راجح ترجمته في (لسان الميزان) .
وروى محمد بن شجاع الثلجي الجهمي عن حبان بن هلال أحد الثقات الإثبات عن حماد بن سلمة أحد أئمة السنة عن أبي المهزم (١) عن أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها» . وفي (الميزان) أن غرض الجهمية من وضع هذا الحديث أن يستدلوا به على زعمهم أن ما جاء في القرآن من ذكر «نفس الله» ﷿ إنما المراد بها بعض مخلوقاته. أقول: ولهم غرضان آخران:
أحدهما: التذرع بذلك إلى الطعن في حماد بن سلمة كما يأتي في ترجمته.
الثاني: التشنيع على أئمة السنة بأنهم يروون الأباطيل والشيعي الذي لا يؤمن أن يكذب في فضائل أهل البيت لا يؤمن أن يكذب في فضائل الصحابة على سبيل التقية، أو ليرى الناس أنه غير متشدد في مذهبه يمهد بذلك ليقبل منه ما يرويه مما يوافق مذهبه.
وعلى كل حال فابن قتيبة على فضله ليس هذا فنه، ولذلك لم يعرج أحد من
_________________
(١) قلت: وهذا متروك كما في (التقريب) ن.
[ ١ / ٢٣٥ ]
أئمة الأصول والمصطلح على حكاية قوله ذلك فيما أعلم. والله الموفق.
وفي فتح المغيث) ص ١٤٠ عن ابن دقيق العيد «إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاء لناره وإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقة وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره» .
ويظهر أن تقييده بقوله: «وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته» وإنما مغزاه إذا كان فيه تقوية لبدعته لم تكن هناك مصلحة في نشره بل المصلحة في عدم روايته كما مر، ويتأكد ذلك هنا بأن الفرض أنه تفرد به وذلك يدعو إلى التثبيت فيه، وإذا كان كلام ابن دقيق العيد محتملًا لهذا المعنى احتمالًا ظاهرًا فلا يسوخ حمله على مقالة ابن قتيبة التي مر فيها.
وقال ابن حجر في (النخبة وشرحها): الأكثر على قبول غير الداعية إلا أن يروي ما يقوي مذهبه فيرد على المذهب وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي وما قاله متجه لأن العلة التي لها رد حديث الداعية وارده، فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية. والله أعلم.
أقول الضمير في قوله «فيرد» يعود فيما يظهر على المبتدع غير الداعية، أو قع الرد على الراوي في مقابل إطلاق القبول عليه، وقد قال قبل ذلك «والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعة» والمراد برد الراوي رد مروياته كلها. وقد يقال يحتمل عود الضمير على المروي المقوي لمذهبه، وعلى هذا فقد يفهم منه أنه ما عداه، وقد يشعر بهذا استناد ابن حجر إلى قول الجوزجاني فأقول إن كان معنى الرد على هذا المعنى الثاني ترك رواية ذاك الحديث للمصلحة، وإن كان محكومًا بصحته فهذا هو المعنى الذي تقدم أن به تستقيم عبارة الجوزجاني، وإن كان معناه رد ذاك الحديث اتهامًا لصاحبه ويرد معه سائر رواياته فهذا موافق للمعنى الأول، ولا تظهر
[ ١ / ٢٣٦ ]
موافقته لعبارة الجوزجاني، وإن كان معناه رد ذلك الحديث اتهامًا لرواية فيه ومع ذلك يبقى مقبولًا فيما عداه فليست عبارة الجوزجاني بصريحة في هذا ولا ظاهرة فيه كما مر وإنما هو قول ابن قتيبة.
وسياق كلام ابن حجر ماعدا استناده إلى قول الجوزجاني يدل على أن مقصودة رد الراوي مطلقًا أورد ذاك الحديث وسائر روايات راويه وذلك لأمور منها أن ابن حجر صرح بأن العلة التي رد بها حديث الداعية واردة في هذا وقد قدم أن العلة في الداعية هي «أن تزين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، ومن كانت هذه حالة فلم تثبت عدالته كما تقدم فيرد مطلقًا، ومنها أن هذه العلة اقتضت في الداعية الرد مطلقًا فكذلك هنا بل قد يقال على مقتضى كلام ابن حجر: هذا أولى لأن الداعية يرد مطلقًا وإن لم يروما يوافق بدعته وهذا قد روى.
هذا وقد وثق أئمة الحديث جماعة من المبتدعة واحتجوا بأحاديثهم وأخرجوها في الصحاح، ومن تتبع رواياتهم وجد فيها كثيرًا مما يوافق ظاهرة بدعهم، وأهل العلم يتأولون تلك الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها ولا في راويها بروايته لها (١)، بل في رواية جماعة منهم أحاديث ظاهرة جدًا في موافقة بدعهم أو صريحة في
_________________
(١) كحديث مسلم من طريق الأعمش عن عدي بن ثابت عن زر قال قال علي: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﵌ إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق، عدي قال فيه ابن معين: شيعي مفرط. وقال أبو حاتم: «صدوق وكان إمام مسجد الشيعة وقاصهم»، وعن الإمام أحمد «ثقة إلا إنه كان يتشيع» وعن الدارقطني «ثقة إلا أنه كان غاليًا في التشيع» ووثقه آخرون. ويقابل هذا رواية قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص، عهد النبي ﷺ جهارًا غير سر يقول: ألا إن آل أبي طالب ليسوا بأولياء، وإنما وليي الله وصالح المؤمنين، إن لهم رحمًا سأبلها ببلالها، ورواه غندر عن شيعة بلفظ «إن آل أبي » ترك بياضًا، وهكذا أخرجه الشيخان. وقيس ناصبي منحرف عن علي ﵁. ولي في هذا كلام.
[ ١ / ٢٣٧ ]
الرد عل الكوثري وبيان أن من طعن فيهم هم من أهل السنة فلا ترد روايتهم
ذلك إلا أن لها عللا أخرى، ففي رواية الأعمش أحاديث كذلك ضعفها أهل العلم بعضها بضعف بعض من فوق الأعمش في السند وبعضها بالانقطاع، وبعضها بأن الأعمش لم يصرح بالسماع وهو مدلس، ومن هذا الأخير حديث في شأن معاوية ذكره البخاري في «تاريخه الصغير» ص ٦٨ ووهنه بتدليس الأعمش، وهكذا في رواية عبد الرزاق وآخرين.
هذا وقد مر تحقيق علة رد الداعية، وتلك العلة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمن منه ما ينافي في العدالة فهذه العلة إن وردت في كل مبتدع روى ما يقوي بدعته ولو لم يكن داعية وجب أن لا يحتج بشيء من مرويات من كان كذلك ولو فيما يوهن بدعته، وإلاّ - وهو الصواب - فلا يصح إطلاق الحكم بل يدور مع العلة، فذاك المروي المقوي لبدعة راويه إما غير منكر فلا وجه لرده فضلًا عن رد راويه، وإما منكر، فحكم المنكر معروف، وهو أنه ضعيف، فأما راويه فإن اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة كرميه بتعمد الكذب أو اتهامه به سقط البتة، وإن اتجه الحمل على غير ذلك كالتدليس المغتفر والوهم والخطأ لم يجرح بذلك، وإن تردد الناظر وقد ثبتت العدالة وجب القبول، وإلا أخذ بقول من هو أعرف منه أو وقف، وقد مر أوائل القاعدة الثانية بيان ما يمكن أن يبلغه أهل العصر من التأهل للنظر فلا تغفل.
وبما تقدم يتبين صحة إطلاق الأئمة قبول غير الداعية إذا ثبت صلاحه وصدقه وأمانته، ويتبين أنهم إنما نصوا على رد المبتدع الداعية تنبيهًا على أنه لا يثبت له الشرط الشرعي للقبول وهو ثبوت العدالة.
هذا كله تحقيق للقاعدة فأما الأستاذ فيكفينا أن نقول له: هب أنه اتجه أن لا يقبل من المبتدع الثقة ما فيه تقوية لبدعته فغالب الذين طعنت فيهم هم من أهل السنة عند مخالفيك وأكثر موافقيك، والآراء التي تعدها هوى باطلًا، منها ما هو عندهم حق، ومنها ما يسلم بعضهم أنه ليس بحق ولكن لا يعده بدعة، وسيأتي الكلام في الاعتقاديات والفقهيان وتبين المحق من المبطل أن شاء الله تعالى، وفي الحق ما يغنيك لو قنعت به كما مرت الإشارة إليه في الفصل الثاني، ومن لم يقنع
[ ١ / ٢٣٨ ]
بالحق أو شك أن يحرم نصيبه منه كالرواي يروي أحاديث صادقة موافقة لرأيه ثم يكذب في حديث واحد فيفضحه الله تعالى فتسقط أحاديثه كلها! ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ .
٤- قدح الساخط ومدح المحب ونحو ذلك
كلام العالم في غيره على وجهين:
الأول ما يخرج الذم بدون قصد الحكم، وفي «صحيح مسلم» وغيره من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله ﵌ يقول: «اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدًا لم تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» وفي رواية «فأي المسلمين آذيته شتمته لعنته جلته فاجعلها له صلاة » .
وفيه نحوه من حديث عائشة ومن حديث جابر، وجاء في هذا الباب عن غير هؤلاء، (١) وحديث أبي هريرة في صحيح البخاري مختصرًا. ولم يكن صلى الله عليه وآله ومسلم سبابا ولا شتامًا ولا لعانًا ولا كان الغضب يخرجه عن الحق، وإنما كان كما نعته ربه ﷿ بقوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقوله تعالى ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ وقوله ﷿ ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾
_________________
(١) أنظر تخريج أحاديثهم في كتابنا «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (رقم ٨٣- ٨٤) ن ١.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وإنما كان يرى من بعض الناس ما يضرهم في دينهم أو يخل بالمصلحة العمة أو مصلحة صاحبه نفسه فيكره ﷺ ذلك وينكره فيقول «ما له تربت يمينه» ونحو ذلك مما يكون المقصود به إظهار كراهية ما وقع من المدعو عليه وشده الإنكار لذلك وكأنه والله أعلم أطلق على ذلك سبًا وشتما على سبيل التجوز بجامع الإيذاء فأما اللعن فلعله وقع الدعاء به نادرًا عند شدة الإنكار، ومن الحكمة في ذلك إعلام الناس أن ما يقع منه ﵌ عند الإنكار كثيرا ما يكون على وجه إظهار الإنكار والتأديب لا على وجه الحكم في مجموع الأمرين حكمة أخرى وهي أن النبي ﵌ قد علم من طباع أكثر الناس أن أحدهم إذا غضب جرى على لسانه من السب والشتم واللعن والطعن ما لو سئل عنه بعد سكون غضبه لقال: لم أقصد ذلك ولكن سبقني لساني، أو لم أقصد حقيقته ولكني غضبت فأراد النبي ﵌ أن ينبه أمته على هذا الأصل ليستقر في أذهانهم فلا يحملوا ما يصدر عن الناس من ذلك حال الغضب على ظاهره جزمًا.
وكان حذيفة ربما يذكر بعض ما اتفق من كلمات النبي ﵌ عند غضبه فأنكر سلمان الفارسي ذلك على حذيفة ﵄ وذكر هذا الحديث، وسئل بعض الصحابة وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة عن شيء من ذلك فأراد أن يخبر وكانت امرأته تسمع فذكرته بهذا الحديث فكف. فكذلك ينبغي لأهل العلم أن لا ينقلوا كلمات العلماء عند الغضب وأن يراعوا فيما نقل منها هذا الأصل. بل قد يقال لو فرض أن العالم قصد عند غضبه الحكم لكان ينبغي أن لا يعتد بذلك حكمًا ففي (الصحيحين) وغيرهما عن النبي ﵌ أنه قال: «لا يقضين حكم بين أثنين وهو غضبان» لفظ البخاري، والحكم في العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبر وتثبت أشد مما يحتاج إليه الحكم في كثير من الخصومات فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم فلا يخشى من الحكم فيها عند الغضب إلا تفويت عشرة دراهم فأما الحكم على العالم والراوي فيخشى منه
[ ١ / ٢٤٠ ]
تفويت علم كثير وأحاديث كثيرة ولو لم يكن إلا حديثًا واحدًا لكان عظيمًا.
ومما يخرج مخرج الذم لا مخرج الحكم ما يقصد به الموعظة والنصحية، وذلك كأن يبلغ العالم عن صاحبة ما يكرهه له فيذمه في وجهه أو بحضرة من يبلغه، رجاء أن يكف عما كرهه له وربما يأتي بعبارة ليست بكذب ولكنها خشنة موحشة يقصد الإبلاغ في النصحية ككلمات الثوري في الحسن بن صالح بن حي، وربما يكون الأمر الذي أنكره أمرًا لا بأس به بل قد يكون خيرًا ولكن يخشى أن يجر إلى ما يكره كالدخول على السلطان وولاية أموال اليتامى وولاية القضاء والإكثار من الفتوى، وقد يكون أمرًا مذموما وصاحبه معذورا ولكن الناصح يحب لصاحبه أن يعاود النظر أو يحتال أو يخفي ذاك الأمر، وقد يكون المقصود نصيحة الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر إذ قد يكون لمن وقع منه أولًا عذر ولكن يخشى أن يتبعه الناس فيه غير معذورين ومن هذا كلمات التنفير التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل الثاني.
وقد يتسمح العالم فيما يحكيه على غير جهة الحكم فيستند إلى ما لو أراد الحكم لم يستند إليه كحكاية منقطعة وخبر من لا يعد خبره حجة، وقرينة لا تكفي لبناء الحكم ونحو ذلك. وقد جاء عن إياس بن معاوية التابعي المشهور بالعقل والذكاء والفضل أنه قال «لا تنظر إلى عمل العالم ولكن سله يصدقك» وكلام العالم إذا لم يكن بقصد الرواية أو الفتوى أو الحكم داخل في جملة عمله الذي ينبغي أن لا ينظر إليه، وليس معنى ذلك أنه قد يعمل ما ينافي العدالة، ولكن قد يكون له عذر خفي وقد يترخص فيما لا ينافي العدالة، وقد لا يتحفظ ويتثبت كما يتحفظ ويثبت في الرواية والفتوى والحكم.
هذا والعارف المتثبت المتحري للحق لا يخفى عليه إن شاء الله تعالى ما حقه أن يعد من هذا الضرب مما حقه أن يعد من الضرب الآتي، وأن ما كان من هذا الضرب فحقه أن لا يعتد به على المتكلم فيه ولا على المتكلم. والله الموفق.
[ ١ / ٢٤١ ]
الوجه الثاني: ما يصدر على وجه الحكم فهو جرح مقبول إلا إن ثبت خطأه
الوجه الثاني: ما يصدر على وجه الحكم فهذا إنما يخشى فيه الخطأ، وأئمة الحديث عارفون متبحرون متيقظون يتحرزون من الخطأ جهدهم لكنهم متفاوتون في ذلك. وهما بلغ الحاكم من التحري فإنه لا يبلغ أن تكون أحكامه كلها مطابقة لما في نفس الأمر. فقد تسمع رجلًا يخبر ثم تمضي مدة فترى أن الذي سمعت منه هو فلان، وأن الخبر الذي سمعته منه هو كيت وكيت، وأن معناه كذا، وأن ذاك المعنى باطل وأن المخبر تعمد الإخبار بالباطل، وأنه لم يكن له عذر وأن مثل ذلك يوجب الجرح. فمن المحتمل أن يشتبه عليك رجل بآخر فترى أن المخبر وإنما هو غيره وأن تخطيء في فهم المعنى، أو في ظن أنه باطل، أو أن المخبر تعمد، أو أنه لم يكن له عذر، أو أن مثل ذلك يوجب الجرح إلى غير ذلك. وغالب الأحكام إنما تبني على غلبة الظن، والظن قد يخطئ، والظنون تتفاوت، فمن الظنون المعتد بها ما له ضابط شرعي، كخبر الثقة، ومنها ما ضابطه أن تطمئن إليه نفس العارف المتوقي المتثبت بحيث يجزم بالإخبار بمقتضاه طيب النفس منشرح الصدر، فمن الناس من يغتر بالظن الضعيف فيجزم، وهذا هو الذي يطعن أئمة الحديث في حفظه وضبطه فيقولون: «يحدث على التوهم - كثير الوهم - كثير الخطأ - يهم - يخطئ» ومنهم لمعتدل، ومنهم البالغ التثبت. كان في اليمن في قضاء الحجرية قاض كان يجتمع إليه أهل العلم ويتذاكرون وكنت أحضر مع أخي فلاحظت أن ذلك القاضي مع أنه أعلم الجماعة فيما أرى لا يكاد يجزم في مسألة، وإنما يقول: «في حفظي كذا، في ذهني كذا» ونحو ذلك فعلمت أنه ألزم نفسه تلك العادة حتى فيما يجزم به، حتى إذا اتفق أن أخطأ كان عذره بغاية الوضوح، وفي ثقات المحدثين من هو أبلغ تحريًا من هذا ولكنهم يعلمون أن الحجة إنما
[ ١ / ٢٤٢ ]
تقوم بالجزم، فكانوا يجزمون فيما لا يرون للشك فيه مدخلًا، ويقفون عن الجزم لأدنى احتمال، روي أن شعبة سأل أيوب السختياني عن حديث فقال: أشك فيه، فقال شعبة: شكك أحب إلي من يقين غيرك. وقال النضر بن شميل عن شعبة لأن أسمع من ابن عون حديثًا يقول فيه «أظن أنه سمعته أحب إليَّ من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت. وعن شعبة قال: «شك ابن عون وسليمان التيمي يقين» .
وذكر يعقوب بن سفيان حماد بن زيد فقال: معروف بأنه يقصر في الأسانيد ويوقف المرفوع كثيرًا الشك بتوقيه، وكان جليلًا، لم يكن له كتاب يرجع إليه فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه. وبالغ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب فكان إذا سئل عن شيء لا يجيب حتى يرجع إلى الكتاب. قال أبو طاهر السلفي: سألت أبا الغنائم النرسي عن الخطيب فقال: «جبل لا يسأل عن مثله ما رأينا مثله، وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه» .
وإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر - وإن كان ضعيفًا عنده - ثم اطلع على ما يحتمل موافقة ذلك السابق ويحتمل خلافه فإنه يترجح في نفسه ما يوافق السابق، وقد يقوي ذلك في النفس جدًا وإن كان ضعيفًا. وهكذا إذا كانت نفس الإنسان تهوى أمرًا فاطلع على ما يحتمل ما يوافقه وما يخالفه فإن نفسه تميل إلى ما يوافق هواها، والعقل كثيرًا ما يحتاج عند النظر في المحتملات والمتعارضات إلى استفتاء النفس لمعرفة الراجح عندها، وربما يشتبه على الإنسان ما تقضي به نفسه بما يقضي به عقله، فالنفس بمنزلة المحامي عندما تميل إليه، ثم قد تكون هي الشاهد وهي الحاكم. والعالم إذا سخط على صاحبه فإنما يكون سخطه لأمر ينكره فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار وتهوى ما يناسبه ثم تتبع ما يشاكله وتميل عند الاحتمال والتعارض إلى ما يوافقه، فلا يؤمن أن يقوي عند العالم جرح من هو ساخط عليه لأمر لولا السخط لعلم أنه لا يُوجب الجرح وعلة الحديث متثبتون ولكنهم غير معصومين عن الخطأ وأهل العلم يمثلون لجرح الساخط بكلام النسائي في أحمد بن
[ ١ / ٢٤٣ ]
كلام النسائي في أحمد بن صالح ووجهه عند العراقي
صالح، ولما ذكر ابن الصلاح ذلك في المقدمة عقبه بقوله: «قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نسب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أن عين السخط تبدي مساوئ. لها في الباطن مخارج صحيحة تعمى عنها بحجاب السخط لا أن ذلك يقع من مثله تعمدًا لقدح يعلم بطلانه» .
وهذا حق واضح إذ لو حمل التعمد سقطت عدالة الجارح، والفرض أنه ثابت العدالة. هذا وكل ما يخشى في الذم والجرح يخشى مثله في الثناء والتعديل فقد يكون الرجل ضعيفًا في الرواية لكنه صالح في دينه كأبان بن أبي عياش، أو غيور على السنة كمؤمل بن إسماعيل، أو فقيه كمحمد بن أبي ليلى، فتجد أهل العلم ربما يثنون على الرجل من هؤلاء غير قاصدين الحكم له بالثقة في روايته. وقد يرى العالم أن الناس بالغوا في الطعن فيبالغ هو في المدح كما يروى عن حماد بن سلمة أنه ذكر له طعن شعبة في أبان ابن أبي عياش، فقال أبان خير من شعبة؛ وقد يكون العالم وادًا لصاحبه فيأتي فيه نحو ما تقدم فيأتي بكلمات الثناء التي لا يقصد بها الحكم ولا سيما عند الغضب كأن تسمع رجلًا يذم صديقك أو شيخك أو إمامك فإن الغضب قد يدعوك إلى المبالغة في إطراء من ذمه وكذلك يقابل كلمات التنفير بكلمات (١) الترغيب، وكذلك تجد الإنسان إلى تعديل من يميل إليه ويحسن به الظن أسرع منه إلى تعديل غيره، واحتمال التسمح (٢) في الثناء أقرب من احتماله في الذم، فإن العالم يمنعه من التسمح في الذم الخوف على دينه لئلا يكون غيبة، والخوف على عرضه فإن من ذم الناس فقد دعاءهم إلى ذمه.
ومن دعا الناس إلى ذمه ذموه بالحق وبالباطل
_________________
(١) الأصل «كلمات» ن
(٢) هو بمعنى التسامح، ومعناه التساهل، وقد أكثر المصنف ﵀ من استعمال هذه اللفظة فيما مر ويأتي.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ومع هذا كله فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب، وإنما يحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرح، ولا يسوغ ترجيح التعديل مطلقًا بأن الجارح كان ساخطًا على المجروح، ولا ترجيح الجرح مطلقًا بأن المعدل كان صديقًا له، وإنما يستدل بالسخط والصداقة على قوة احتمال الخطأ إذا كان محتملًا، فأما إذا لزم من إطراح الجرح أو التعديل نسبة من صدر منه ذلك إلى افتراء الكذب أو تعمد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع مثله من مثله فهذا يحتاج إلى بينة أخرى، لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطًا أو محبًا -
وفي (لسان الميزان) ج ١ ص ١٦:
«وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح، من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأي العجب، وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين والحديث، وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكثر منه فوثق رجلًا ضعفه قبل التوثيق، ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ فإنه من غلاة الشيعة بل نسب إلى الرفض فيتأنى في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب ما يقع بين العصرين الاختلاف والتباين وغيره فكل هذا ينبغي أن يتأنى فيه ويتأمل» .
أقول: قول ابن حجر: «ينبغي أن يتوقف» مقصودة كما لا يخفي التوقف على وجه التأني والتروي والتأمل، وقوله: «فهذا إذا عارضه مثله قبل التوثيق» محله ما هو الغالب من أن لا يلزم من إطراح الجرح نسبة الجارح إلى افتراء الكذب، أو تعمد الحكم بالباطل، أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوعه، فأما إذا لزم شيء من هذا فلا محيص عن قبول الجرح إلا أن تقوم بينة واضحة تثبت تلك النسبة.
وقد تتبعت كثيرًا من كلام الجوزجاني في المتشيعين فلم أجده متجاوزًا الحد،
[ ١ / ٢٤٥ ]
وإنما الرجل لما فيه من النصب يرى التشيع مذهبًا سيئًا وبدعة ضلالة وزيغًا عن الحق وخذلانا، فيطلق على المتشيعين ما يقضيه اعتقاده كقوله «زائغ عن القصد - سيء المذهب» ونحو ذلك، وكلامه في الأعمش ليس فيه جرح بل هو توثيق وإنما فيه ذم بالتشيع والتدليس وهذا أمر متفق عليه أن الأعمش كان يتشيع ويدلس وربما دلس عن الضعفاء وربما كان في ذلك ما ينكر، وهكذا كلامه في أبي نعيم، فأما عبيد الله بن موسى فقد تكلم فيه الإمام أحمد وغيره بأشد من كلام الجوزجاني وتكلم الجوزجاني في عاصم بن ضمرة وقد تكلم فيه ابن المبارك وغيره واستنكروا من حديثه ما استنكره الجوزجاني راجع (سنن البيهقي) ج ٣ ص ٥١ غاية الأمر أن الجوزجاني هو ل وعلى كل حال فلم يخرج من كلام أهل العلم، وكأن ابن حجر توهم أن الجوزجاني في كلامه في عاصم يُسِّرحَسْوا في ارتغاء، وهذا تخيل لا يلتفت إليه. وقال الجوزجاني في يونس ابن خباب «كذاب مفتر» ويونس وإن وثقه ابن معين فقد قال البخاري «منكر الحديث» وقال النسائي مع ما عرف عنه «ليس بثقة» واتفقوا على غلو يونس ونقلوا عنه أنه قال: إن عثمان بن عفان قتل ابنتي النبي ﵌. وأنه روى حديث سؤال القبر ثم قال: ههنا كلمة أخفاها الناصبة، قيل له ما هي؟ قال أنه ليسأل في قبره: من وليك؟ فإن قال: عليٌّ نجا! فكيف لا يعذر الجوزجاني مع نصبه أن يعتقد في مثل هذا أنه كذاب مفتر؟
وأشد ما رأيته للجوزجاني ما تقدم عنه في القاعدة الثالثة من قوله «ومنهم زائغ عن الحق -» وقد تقبل ابن حجر ذلك على ما فهمه من معناه وعظَّمه كما مر، وذكر نحو ذلك في (لسان الميزان) نفسه ج١ ص١١ وإني لأعجب من الحافظ ابن حجر ﵀ يوافق الجوزجاني على ما فهمه من ذلك ويعظمه مع ما فيه من الشدة والشذوذ كما تقدم، ويشنع عليه ههنا ويهو ل فيما هو أخف من ذلك بكثير عندما يتدبر. والله المستعان.
[ ١ / ٢٤٦ ]
بيان الفرق بين جرح الشاهد وجرح الرواي
٥- هل يشترط تفسير الجرح؟
إعلم أن الجرح على درجات الأولى المجمل وهو ما لم يبين فيه السبب كقول الجارح «ليس بعدل» «فاسق» ومنه على ذكره الخطيب في (الكفاية) ص ١٠٨ عن القاضي أبي الطيب الطبري قول أئمة الحديث «ضعيف» أو «ليس بشيء» وزاد الخطيب قولهم «ليس بثقة» .
الثانية مبين السبب، ومثل له بعض الفقهاء بقول الجارح «زان»، «سارق»، «قاذف» .
ووراء ذلك درجات بحسب احتمال الخلل وعدمه فقوله: «فلان قاذف» قد يحتمل الخلل من جهة أن يكون الجارح أخطأ في ظنه أن الواقع قذف، ومن جهة احتمال أن يكون المرمي مستحقًا للقذف، ومن جهة احتمال أن لا يكون الجارح سمع ذلك من المجروح وإنما بلغه عنه، ومن جهة أن يكون إنما سمع رجلًا آخر يقذف فتوهم أنه الذي سماه، ومن جهة احتمال أن يكون المجروح إنما كان يحكي القذف عن غيره، أو يفرض أن قائلًا قاله فلم يسمع الجارح أول الكلام، إلى غير ذلك من الاحتمالات، نعم إنها خلاف الظاهر ولكن قد يقوي المعارض جدًا فيغلب على الظن أن هناك خللًا وإن لم يتبين.
واختلف أهل العلم في الدرجة الأولى وهي الجرح المجمل إذا صدر من العارف بأسباب الجرح فمنهم من قال يجب العمل به، ومنهم من قال لا يعمل به لأن الناس اختلفوا في أشياء يراها نعضهم فسقًا ولا يوافقه غيره. وفصل الخطيب فيما نقله عنه العراقي والسخاوي قال:
«إن كان الذي يرجع إليه عدلًا مرضيًا في اعتقاده وأفعاله عارفًا بصفة العدالة والجرح وأسبابها، عالمًا باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك قبل قوله فيمن جرحه مجملًا ولا يسأل عن سببه» .
[ ١ / ٢٤٧ ]
يريد أنه إذا كان عارفًا باختلاف الفقهاء فالظاهر أنه لا يجرح إلا بما هو جرح باتفاقهم.
وأقول: لا بد من الفرق بين جرح الشاهد وجرح الراوي، وبين ما إذا كان هناك ما يخالف الجرح وما إذا لم يكن هناك ما يخالفه، فأما الشاهد فله ثلاث أحوال:
الأولى: أن تكون قد ثبتت عدالته في قضية سابقة وقضى بها القاضي ثم جرح في قضية أخرى.
الثانية: أن لا تكون قد ثبتت عدالته ولكن وسئل عنه عارفوه، فمنهم من عدله ومنهم من جرحه.
الثالثة: أن لا يكون قد ثبتت عدالته وسئل عنه عارفوه فجرحه بعضهم وسكت الباقون.
فأما الثالثة: فإن كان القاضي لا يقبل شهادة من لم يعدل فأي فائدة في استفسار الجارح؟ وإن كان يقبلها فلضعفها يكفي الجرح المجمل.
وأما الثانية: فقد يكثر الجارحون فيغلب على الظن صحة جرحهم وإن أجملوا، وقد لا تحصل غلبة الظن إلا بالدرجة الثانية من الجرح وهي بيان السبب، وقد لا تحصل إلا بأزيد منها مما مر بيانه، وإذا كان القاضي متمكنًا من الاستفسار لحضور الجارح عنده أو قربه منه فينبغي أن يستوفيه على كل حال لأنه كلما كان أقوى كان أثبت للحجة وأدفع للتهمة.
وأما الأولى: فينبغي أن لا يكفي فيها جرح مجمل ولو مع بيان السبب بل يحتاج إلى بيان المستند بما يدفع ما يحتمل من الخلل.
وأما الراوي فحاله مخالفة للشاهد فيما نحن فيه من أوجه:
[ ١ / ٢٤٨ ]
الأول: أن الذين تكلموا في الرواة أئمة أجلّة، والغالب فيمن يجرح الشاهد أن لا يكون بتلك الدرجة ولا ما يقاربها.
الثاني: أن الذين تكلموا في الرواة منصبهم منصب الحكام وقد قال الفقهاء: إن المنصوب لجرح الشهود يكتفي منه بالجرح المجمل.
الثالث: أن القاضي متمكن من استفسار جارح الشاهد كما مر والذين جرحوا الرواة يكثر في كلامهم الإجمال، وأن لا يستفسر هم أصحابهم، ولم يبقى بأيدي الناس إلا نقل كلامهم ولم يزل أهل العلم يتلقون كلماتهم ويحتجون بها.
وبعد أن اختار ابن الصلاح اشتراط بيان السبب قال: «ولقائل أن يقول إنما يتعمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث وقلَّ ما يتعرضون لبيان السبب بل يقتصرون على فلان ضعيف، و: فلان ليس بشيء ونحو ذلك فاشترط بيان السبب يفضي إلى ذلك تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر، وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك بناء على أن ذلك أو قع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف، ثم من انزاحت عنه الريبة منهم ببحث عن حاله أو جب الثقة بعدالته قبلنا حديثه ولم نتوقف كالذين احتج بهم صاحبا (الصحيحين) وغيرهم ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم فافهم ذلك فإنه مخلص حسن» .
وتبعه النووي في (التقريب) و(شرح صحيح مسلم) ولفظه هناك:
«على مذهب من اشترط في الجرح التفسير نقول: فائدة الجرح فيمن جرح مطلقًا أن يتوقف عن الاحتجاج به إلى أن يبحث عن ذلك الجرح » وذكر العراقي في (ألفيته) و(شرحها) بعض الذين أشار ابن الصلاح إلى أن صاحبي (الصحيحين) احتجابهم وقد جرحوا فذكر ممن روى له البخاري عكرمة مولى ابن
[ ١ / ٢٤٩ ]
تحقيق أن الجرح المجمل يثبت به جرح من لم يعدل
ذكر عشرة أمور يجب على من نظر في كتب الجرح والتعديل أن يراعيها
عباس وعمرو بن مرزوق الباهلي وممن روى له مسلم سويد بن سعيد، وهؤلاء قد سبق جرحهم ممن قبل صاحبي (الصحيح) وكذلك سبق تعديلهم أيضا فهذا يدل أن التوقف الذي ذكره ابن الصلاح والنووي يشمل من اختلف فيه فعدله بعضهم وجرحه غيره جرحًا غير مفسر وسياق كلامهما يقتضي ذلك، بل الظاهر أن هذا هو المقصود فإن من لم يعدل نصًا أو حكما ولم يجرح يجب التوقف عن الاحتجاج به، ومن لم يعدل وجرح جرحًا مجملا فالأمر فيه أشد من التوقف والارتياب.
فالتحقيق أن الجرح المجمل يثبت به جرح من لم يعدل نصًا ولا حكمًا، ويوجب التوقف فيمن قد عدل حتى يسفر البحث عما يقتضي قبوله أورده، وسيأتي تفضيل ذلك إن شاء الله تعالى.
٦- كيف البحث عن أحوال الرواة
من أحب أن ينظر في كتب الجرح والتعديل عن حال رجل وقع في سند، فعليه أن يراعي أمورًا:
الأول: إذا وجد ترجمة بمثل ذاك الاسم فليثبت حتى يتحقق أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل فإن الأسماء كثيرًا ما تشتبه ويقع الغلط والمغالطة فيها كما يأتي في الأمر الرابع، وراجع (الطليعة) ص ١١ - ٤٣.
الثاني: ليستوثق من صحة النسخة وليراجع غيرها إن تيسر له ليتحقق أن ما فيها ثابت عن مؤلف الكتاب. راجع (الطليعة) ص ٥٥ - ٥٩.
الثالث: إذا وجد في الترجمة كلمة جرح أو تعديل منسوبة إلى بعض الأئمة فلينظر أثابتة هي عن ذاك الإمام أم لا؟ راجع (الطليعة) ص ٧٨ - ٨٦
الرابع: ليستثبت أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة فإن الأسماء تتشابه، وقد يقول المحدث كلمة في راو فيظنها السامع في آخر، ويحكيها كذلك وقد
[ ١ / ٢٥٠ ]
يحكيها السامع فيمن قيلت فيه ويخطئ بعض من بعده فيحملها على آخر. ففي الرواة المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ابن حزام الحزامي، والمغيرة بن عبد الرحمن بن عوف الأسدي. حكى عباس الدوري عن يحيى بن معين توثيق الأول وتضعيف الثالث. فحكى ابن أبي حاتم عن الدوري عن ابن معين توثيق الثاني ووهمه المزي، ووثق أبو داود الثالث وضعف الأول، فذكرت له حكاية الدوري عن ابن معين فقال: غلط عباس.
وفي الرواة محمد بن ثابت البناني ومحمد بن ثابت العبدي وغيرهما، فحكى ابن أبي حاتم عن ابن أبي خيثمة عن ابن معين أنه قال في الأول «ليس بقوي » وذكر ابن حجر أن الذي في (تاريخ ابن أبي خيثمة) حكاية تلك المقالة في الثاني، وحكى عثمان الدرامي عن ابن معين في الثاني أنه ليس به بأس، وحكى معاوية بن صالح عن ابن معين أنه ينكر على الثاني حديث واحد. وحكى الدوري عن ابن معين أنه ضعف الثاني، وقال الدوري «فقلت له أليس قد قلت مرة: ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط»
وفي الرواة عمر بن نافع مولى عمر وعمر بن نافع الثقفي، حكى ابن عدي في ترجمة الأول عن ابن معين أنه قال: «ليس حديثه بشيء» فزعم ابن حجر أن ابن معين إنما قالها الثاني.
وفي الرواة عثمان البتي وعثمان البري، حكى الدوري عن ابن معين في الأول «ثقة» وحكى معاوية بن صالح عنه فيه «ضعيف» قال النسائي «وهذا عندي خطأ ولعله أراد عثمان البري»
وفي الرواة أبو الأشهب جعفر بن حيان وأبو الأشهب جعفر بن الحارث، وثق الإمام أحمد الأول فحكى ابن شاهين ذلك في الثاني - كما في نبذة من كلامه طبعت مع (تاريخ جرجان) وضعف جماعة الثاني فحكى ابن الجوزي كلماتهم
[ ١ / ٢٥١ ]
في ترجمة الأول.
وفي الرواة أحمد بن صالح ابن الطبري الحافظ وأحمد بن صالح الشمومي، حكى النسائي عن معاوية بن صالح عن ابن معين كلامًا عده النسائي فذكر ابن حبان: إنما قاله ابن معين في الثاني.
وفي الرواة معاذ بن رفاعة الأنصاري ومعان رفاعة السلامي نقل الناس عن الدوري أنه حكى عن ابن معين أنه قال في الثاني وهو معان «ضعيف» ونقل أبو الفتح الأزدي عن عباس أنه حكى عن ابن معين أنه قال في الأول وهو معاذ «ضعيف» فكأنه تصحف على الأزدي.
وفي الرواة القاسم العمري وهو ابن عبد الله بن عمر بن حفص، والقاسم المعمري وهو ابن محمد فحكى عثمان الدارمي عن ابن معين أنه قال «قاسم المعمري كذاب خبيث» قال الدرامي «وليس كما قال يحيى» والمعمري قد وثقه قتيبة، أما العمري فكذبه الأمام أحمد وقال الدوري عن ابن معين «ضعيف ليس بشيء» فيشبه أن يكون ابن معين إنما قال «قاسم العمري كذاب خبيث» فكتبها عثمان الدارمي ثم بعد مدة راجعها في كتابه فاشتبه عليه فقرأها «قاسم المعمري » .
وفي الرواة إبراهيم بن أبي حرة وإبراهيم بن أبي حية، روى ابن أبي حاتم من طريق عثمان الدارمي على ابن معين توثيق الثاني ومن تدبر الترجمتين كاد يجزم بأن هذا غلط على ابن معين وأنه إنما وثق الأول.
وحكى أبو داود الطيالسي قصة لأبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي وحكى هو عن شعبة قصة نحو تلك لمحمد بن الزبير التميمي البصري. وأخشى أن يكون الطيالسي وهم في أحدهما.
وذكر ابن أبي خيثمة في كلامه في فطر بن خليفة ما لفظه «سمعت قطبة بن العلاء يقول تركت فطرًا لأنه روى أحاديث فيها إزرار على عثمان» .
[ ١ / ٢٥٢ ]
وذكر هو في كلامه في فضيل بن عياض «سمعت قطبة بن العلاء يقول تركت حديث فضيل لأنه روى أحاديث فيها إزراء على عثمان» .
وأخشى أن تكون كلمة قطبة إنما هي في فطر فحكاها ابن أبي خيثمة مرة على الصواب، ثم تصحفت عليه «فطر» بفضيل فحكاها في فضيل بن عياض.
وحكى محمد بن وضاح القرطبي أنه سأل ابن معين عن الشافعي فقال «ليس بثقة» فحكاها ابن وضاح في الشافعي الإمام، فزعم بعض المغاربة أن ابن معين إنما قالها في أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز الأعمى المشهور بالشافعي فأنه كان ببغداد، وابن وضاح لقي ابن معين ببغداد فكأنه سأل ابن معين عن الشافعي يريد ابن وضاح الإمام فظن ابن معين أنه يريد أبا عبد الرحمن لأنه كان حيا معهما في البلد. وفي ترجمة والد أبي عبد الرحمن من «التهذيب» أن ابن معين قال.. ما أعرفه وهو والد الشافعي الأعمى»
الخامس: إذا رأى في الترجمة «وثقة فلان» أو «ضعفه فلان» أو «كذبه فلان» فليبحث عن عبارة فلان، فقد لا يكون قال: «هو ثقة» أو «هو ضعيف» أو «هو كذاب» ففي (مقدمة الفتح) في ترجمة إبراهيم بن سويد بن حبان المدني «وثقه ابن معين وأبو زرعة» والذي في ترجمته من (التهذيب): قال أبو زرعة ليس به بأس» وفي (المقدمة) في ترجمة إبراهيم ابن المنذر الحزامي «وثقه ابن معين والنسائي» والذي في ترجمته من «التهذيب»:
«قال عثمان الدارمي رأيت ابن معين عن كتب إبراهيم بن المنذر أحاديث ابن وهب ظننتها المغازي وقال النسائي ليس به بأس» .
وفي (الميزان) و(اللسان) في ترجمة معبد بن جمعة «كذبه أبو زرعة الكشي» وليس في عبارة أبي زرعة الكشي ما يعطي هذا بل فيها أنه «ثقة في الحديث» وقد شرحت ذلك في ترجمة معبد من قسم التراجم.
[ ١ / ٢٥٣ ]
السادس: أصحاب الكتب كثيرًا ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره وربما يخل ذلك بالمعنى فينبغي أن يراجع عدة كتب فإذا وجد اختلافًا بحث عن العبارة الأصلية ليبنى عليها.
السابع قال ابن حجر في (لسان الميزان) ج ١ ص ١٧:
«وينبغي أن يتأمل أيضًا أقوال المزكين ومخارجها فمن ذلك أن الدوري قال عن ابن معين أنه سئل عن إسحاق وموسى بن عبيدة الربذي: أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده فقال: صدوق وليس بحجة، ومثله أن أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك يونس أو عقيل؟ فقال: عقيل لا بأس به، وهو يريد تفضليه على يونس، وسئل عن عقيل وزمعة بن صالح فقال: عقيل لا بأس به، وهو يريد تفضليه على يونس، وسئل عن عقيل وزمعة بن صالح فقال: عقيل ثقة متقن، وهذا حكم على اختلاف السؤال، وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلًا في وقت وجرحه في وقت آخر » (١) .
أقول وكذلك ما حكوا من كلام مالك في ابن إسحاق إذا حكيت القصة على وجهها تبين أن كلمة مالك فلتة لسان عند سورة غضب لا يقصد بها الحكم. وكذلك ما حكوه عن ابن معين أنه قال لشجاع بن الوليد «يا كذاب» فحملها ابن حجر على المزاح.
ومما يدخل في أنهم قد يضعفون الرجل بالنسبة إلى بعض شيوخه أو إلى بعض الرواة عنه أو بالنسبة إلى ما رواه من حفظه أو بالنسبة إلى ما رواه بعد اختلاطه وهو عندهم ثقة فيما عدا ذلك، فإسماعيل بن عياش ضعفوه فيما روى غير الشاميين. وزهير بن محمد ضعفوه فيما رواه عنه الشاميون. وجماعة آخرون ضعفوهم في بعض شيوخهم أو فيما رووه بعد الاختلاط. ثم قد يحكى التضعيف مطلقًا فيتوهم أنهم ضعفوا ذلك الرجل في كل شيء. ويقع نحو هذا في التوثيق راجع ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود قال أحمد مرة
_________________
(١) في مقدمة رجال البخاري للباجي باب في هذا المعنى.
[ ١ / ٢٥٤ ]
طريقة ابن حبان في التوثيق وابن سعد وابن معين والنسائي وما فيها من التساهل
ثقة وكذا قال ابن معين ثم بين كل منهما مرة أنه اختلط وزاد ابن معين فبين أنه كان كثير الغلط عن بعض شيوخه غير صحيح الحديث عنهم.
ومن ذلك أن المحدث قد يسأل عن رجل فيحكم عليه بحسب ما عرف من مجموع حاله ثم قد يسمع له حديثًا آخر فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في ذاك الحديث ثم قد يسمع له حديثًا آخر فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حال في هذا الحديث الثاني، فيظهر بين كلامه في هذه المواضع بعض الاختلاف، وقع مثل هذا للدارقطني في (سننه) وغيرها وترى بعض الأمثلة في ترجمة الدارقطني من قسم التراجم. وقد ينقل الحكم الثاني والثالث وحده فيتوهم أنه حكم مطلق.
الثامن: ينبغي أن يبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه، ومنهم من يجاوز ذلك، فابن حبان قد يذكر في (الثقات) من يجد البخاري سماه في (تاريخه) من القدماء وإن لم يعرف ما روى وعمن روى ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته ما استنكر وإن كان الرجل معروفًا مكثرا والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروي متابع أو مشاهد، وإن لم يروا عنه إلا واحد ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد فممن وثقه ابن معين من هذا الضرب الأسقع بن الأسلع والحكم بن عبد الله البلوي ووهب بن جابر الخيواني وآخرون، وممن وثقه النسائي رافع ابن إسحاق وزهير بن القمر وسعد بن سمرة وآخرون، وقد روى العوام بن حوشب عن الأسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثًا ولا يعرف الأسود وحنظله إلا في تلك الرواية فوثقهما ابن
[ ١ / ٢٥٥ ]
بيان أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح على سبر حديث الرواي
معين وروى همام عن قتادة بن قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب حديثًا ولا يعرف قدامة إلا في هذه الرواية فوثقها ابن معين مع أن الحديث غريب وله علل آخر راجع (سنن البيهقي) ٣ ج ص ٢٤٨.
من الأئمة من لا يوثق من تقدمه حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمًا وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكة لذاك الراوي، وهذا كله يدل على أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي، وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، نص على ذلك في (الثقات) وذكره ابن حجر في (لسان الميزان) ج ١ ص ١٤ واستغربه، ولو تدبر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه فإذا تتبع أحدهم أحاديث الراوي فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط ولَم يبلغه وما يوجب طعنًا في دينه وثقه، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف، (١) وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره. وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا فسمع منه مجلسًا، أو ورد بغداد شيخ فسمع منه مجلسًا فرأى تلك الأحاديث مستقيمة ثم سأل عن الشيخ؟ وثقه وقد يتفق أن يكون الشيخ دجالًا استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك ذكر ابن الجنيد أنه سئل ابن معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال «ما كان به بأس» فحكى له عنه أحاديث تستنكر، فقال ابن
_________________
(١) يشير إلى ابن حبان فإنه قد يوثق الرجال بإيراده إياه في الكتاب (الثقات) مع أنه لا يعرفه. يؤيد ذلك أنني رأيته قال في بعض المترجمين عنده: «لا أعرفه، ولا أعرف أباه» ! وعلى مثل هذا التوثيق أقام كتابه (الصحيح) المعروف به، فاحفظ هذا فإنه مهم، لم يتنبه له إلا أهل التحقيق في هذا العلم الشريف منهم المصنف ﵀، وجزاه خيرًا كما تقدم (وانظر كلامه الآتي في آخر الصفحة التالية: الأمر التاسع) وقد بسطت القول في هذه المسألة في «الرد على التعقيب الحثيث» ص ١٨ - ٢١ فليراجع. ن
[ ١ / ٢٥٦ ]
معين: «فإن كان الشيخ روى هذا فهو كذاب وألا فإني رأيت الشيخ مستقيمًا» . وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: «ثقة وقد كتبت عنه» وقد كذبه أحمد وقال: «أحاديثه موضوعة» وقال أبو داود: «غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة» .
وهكذا يقع في التضعيف ربما يجرح أحدهم الراوي لحديث واحد استنكره وقد يكون له عذر.
ورد ابن معين مصر، فدخل على عبد الله بن الحكم فسمعه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان. وعد جماعة روى عنهم قصة، فقال ابن معين: «حدثك بعض هؤلاء بجميعه وبعضهم ببعضه؟» فقال: «لا حدثني جميعهم بجميعه، فراجعه فأصر، فقام يحيى وقال للناس: «يكذب» .
ويظهر لي أن عبد الله إنما أراد أن كلا منهم حدثه ببعض القصة فجمع ألفاظهم، وهي قصة في شأن عمر بن عبد العزيز ليست بحديث فظن يحيى أن مراده أن كلًا منهم حدثه بالقصة بتمامها على وجهها في ذلك، وقد أساء الساجي إذا اقتصر في ترجمة عبد الله على قوله: «كذبه ابن معين» .
وبلغ ابن معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوري يحدث عن عبد الرزاق بحديث استنكره يحيى فقال: «من هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟!» وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا فقام فقال: «هو ذا أنا» فتبسم يحيى وقال: «أما إنك لست بكذاب » وقال ابن عمار في إبراهيم بن طهمان «ضعيف مضطرب الحديث» فبلغ ذلك صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة فقال: «ابن عمار من أين يعرف إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة.. والغلط فيه من غير إبراهيم» .
التاسع: ليبحث عن رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه مستعينًا على ذلك بتتبع كلامه في الرواة واختلاف الرواية عنه في بعضهم مع مقارنة كلامه
[ ١ / ٢٥٧ ]
بكلام غيره، فقد عرفنا في الأمر السابق رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثًا واحدًا لم يروه عن ذاك المجهول إلا واحد، فإن شيءت فاجعل هذا رأيا لأولئك الأئمة كابن معين، وإن شيءت فاجعله اصطلاحًا في كلمة «ثقة» كأن يراد بها استقامة ما بلغ الموثق من حديث الراوي لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة.
وقد اختلف كلام ابن معين في جماعة، يوثق أحدهم تارة ويضعفه أخرى، منهم إسماعيل بن زكريا الخُلقاني، وأشعث بن سوار، والجراح بن مليح الرواسي، وزيد بن أبي العالية، والحسن بن يحيى الخُشَني، والزبير بن سعيد، وزهير بن محمد التميمي، وزيد بن حبان الرقي، وسلم العلوي، وعافية القاضي، وعبد الله الحسين أبو حريز، وعبد الله بن عقيل أبو عقيل، وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وعبد الله بن واقد أبو قتادة الحراني، وعبد الواحد بن غياث، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهم. وجاء عنه توثيق جماعة ضعفهم الأكثر ون منهم تمام بن نجيح، ودراج ابن سمعان، والربيع بن حبيب الملاح وعباد بن كثير الرملي، ومسلم بن خالد الزنجي، ومسلمة بن علقمة، وموسى بن يعقوب الزمعي، ومؤمل بن إسماعيل، ويحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني؛ وهذا يشعر بأن ابن معين كان ربما يطلق كلمة «ثقة» لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب.
وقد يقول ابن معين في الراوي مرة «ليس بثقة» ومرة «ثقة» أو «لا بأس به» أو نحو ذلك (راجع تراجم جعفر بن ميمون التميمي وزكريا بن منظور ونوح بن جابر) . وربما يقول في الراوي «ليس بثقة» ويوثقه غيره (راجع تراجم عاصم بن علي وفليح ابن سليمان وابنه محمد بن فليح ومحمد بن كثير العبدي» . وهذا قد يشعر بأن ابن معين قد يطلق كلمة «ليس بثقة» على معنى أن الراوي ليس بحيث يقال فيه ثقة على المعنى المشهور لكلمة «ثقة» .
[ ١ / ٢٥٨ ]
قولهم "ليس بثقة" هل هو جرح جديد دائما؟
فأما استعمال كلمة «ثقة» على ما هو دون معناها المشهور فيدل عليه مع ما تقدم أن جماعة يجمعون بينها وبين التضعيف، قال أبو زرعة لعمر بن عطاء بن وراز «ثقة لين» وقال الكعبي في القاسم أبي عبد الرحمن الشامي «ثقة يكتب حديثه وليس بالقوي» . وقال ابن سعد في جعفر بن سليمان الضبعي «ثقة وبه ضعف» . وقال ابن معين في عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم «ليس به بأس وهو ضعيف» وقد ذكروا أن ابن معين يطلق كلمة «ليس به بأس» بمعنى «ثقة» وقال يعقوب بن شيبة في ابن أنعم هذا «ضعيف الحديث وهو ثقة صدوق رجل صالح» وفي الربيع بن صبيح: «صالح صدوق ثقة ضعيف جدًا» وراجع تراجم إسحاق بن يحيى بن طلحة، وإسرائيل بن يونس وسفيان بن حسين وعبد الله بن عمر بن جعفر بن عاصم وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي وعبد السلام بن حرب وعلى بن زيد بن جدعان ومحمد بن مسلم بن تدرس ومؤمل بن إسماعيل ويحيى بن يمان. وقال يعقوب بن سفيان في أجلح «ثقة حديثه لين» وفي محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى «ثقة عدل في حديثه بعض المقال لين الحديث عندهم» .
وأما كلمة «ليس بثقة» فقد روى بشر بن عمر عن مالك إطلاقها في جماعة منهم صالح مولى التوأمة وشعبة مولى ابن عباس وفي ترجمة مالك من (تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم عن يحيى القطان أنه سأل مالكًا عن صالح هذا؟ فقال: «لم يكن من القراء» وسأله عن شعبة هذا فقال «لم يكن من القراء» فأما صالح فأثنى عليه أحمد وابن معين، وذكر أنه اختلط بأخرة، وأن مالكًا إنما أدركه بعد الاختلاط، وأما شعبة مولى ابن عباس فقال أحمد «ما أرى به بأسًا» وكذا قال ابن معين، وقال البخاري «يتكلم فيه مالك ويحتمل منه» قال ابن حجر «قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: قوله ويحتمل منه. يعني من شعبة وليس هو ممن يترك حديثه، قال ومالك لم يضعفه وإنما شح عليه بلفظة ثقة - قلت هذا التأويل غير شائع بل لفظة ليس بثقة في الاصطلاح توجب الضعف الشديد، وقد قال ابن حبان روى عن ابن عباس مالًا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر» .
[ ١ / ٢٥٩ ]
قول الكوثري "وكم من راو يوثق ولا يحتج به "
أقول: ابن حبان كثيرًا ما يهو ل مثل هذا التهويل في غير محله كما يأتي في ترجمته وترجمة محمد بن الفضل من قسم التراجم، وكلمة «ليس بثقة» حقيقتها اللغوية نفي أن يكون بحيث يقال له «ثقة» ولا مانع من استعمالها بهذا المعنى وقد ذكرها الخطيب في (الكفاية) في أمثلة الجرح غير المفسر، واقتصار مالك في رواية يحيى القطان على قوله «لم يكن من القراء» يشعر بأنه أراد هذا المعنى. نعم إذا قيل «ليس بثقة ولا مأمون» تعين الجرح شديد، وإن اقتصر على «ليس بثقة» فالمتبادر جرح شديد، ولكن إذا كان هناك ما يشعر بأنها استعملت في المعنى الآخر حملت عليه، وهكذا كلمة ثقة معناها المعروف التوثيق التام، فلا تصرف عنه إلا بدليل، إما قرينة لفظية كقول يعقوب «ضعيف الحديث وهو ثقة صدوق» وبقية الأمثلة السابقة، وإما حالية منقولة أو مستدل عليها بكلمة أخرى عن قائلها كما مر في الأمر السابع عن (لسان الميزان)، أو عن غيره ولا سيما إذا كانوا هم الأكثر.
فتدبر ما تقدم وقابله بما قاله الكوثري في (الترحيب) ص ١٥ قال: «وكم من راو يوثق ولا يحتج به كما في كلام يعقوب الفسوي، بل كم ممن يوصف بأنه صدوق ولا يعد ثقة كما قال ابن مهدي: أبو خلدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة» .
وعلى الأستاذ مؤاخذات:
الأولى: أنه ذكر هذا في معرض الاعتذار، وأنا لم أناقشه فيما قام الدليل فيه.
الثانية: أن كلمة يعقوب التي أشار إليها هي قوله «كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات ما أحد منهم أتخذه عنه الله حجة إلا أحمد بن صالح بمصر وأحمد بن حنبل بالعراق» أوردتها في (الطليعة) ص ٢١ إلى قوله «ثقات» ذكرت ذلك من جملة الشواهد على أن شيخ يعقوب في ذاك السند هو أحمد بن الخليل الموثق لا أحمد بن الخليل المجروح، فزعم الأستاذ في (الترحيب) أنني
[ ١ / ٢٦٠ ]
اقتصرت على أول العبارة لأوهم أن شيخ يعقوب في ذاك السند ثقة يحتج به ! وهذا كما ترى، أولًا لأن سياق كلامي هناك واضح في أني إنما أردت تعيين شيخ يعقوب فأما الاحتجاج وعدمه فلا ذكر له هناك.
ثانيًا لأن بقية عبارة يعقوب لا تعطي أن شيوخه كلهم غير الأَحْمَدَيْن لا يحتج بأحد منهم في الرواية، كيف وفيهم أئمة أجلة قد أحتج براويتهم الأحمدان أنفسهما، بل قام الإجماع على ذلك، وإنما أراد يعقوب بالحجة عند الله من يؤخذ بروايته ورأيه وقوله وسيرته.
الثالثة: أن كلمة ابن مهدي لا توافق مقصود الأستاذ فأنها تعطي بظاهرها أن كلمة «ثقة» إنما تطلق على الدرجات كشعبة وسفيان، ومع العلم بأن ابن مهدي وجميع الأئمة يحتجون برواية عدد لا يحصون ممن هم دون شعبة وسفيان بكثير فكلمته تلك تعطي بظاهرها أن من كان دون شعبة وسفيان فإنه وإن كان عدلًا ضابطًا تقوم الحجة بروايته فلا يقال له «ثقة» بل يقال «صدوق» ونحوها وأين هذا من الأستاذ؟
الرابعة: أن كلمة ابن مهدي بظاهرها منتقدة من وجهين:
الأول: أنه وكافة الأئمة قبله وبعده يطلقون كلمة «ثقة» على العدل الضابط وإن كان دون شعبة وسفيان بكثير.
الثاني: أن أبا خلدة قد قال فيه يزيد بن زريع والنسائي وابن سعد والعجلي والدارقطني «ثقة» وقال ابن عبد البر «هو ثقة عند جميعهم وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ» وأصل القصة أن ابن مهدي كان يحدث فقال «حدثنا أبو خلدة -» فقال له رجل «كان ثقة؟» فأجاب ابن مهدي بما مر. فيظهر لي أن السائل فخم كلمة «ثقة» ورفع يده وشدها بحيث فهم ابن مهدي أنه
[ ١ / ٢٦١ ]
يريد أعلى الدرجات فأجابه بحسب ذلك فقوله «الثقة شعبة وسفيان» «ثقة» على المعنى المعروف، وهذا بحمد الله تعالى ظاهر؛ وإن لم أر من نبه عليه، وقريب منه أن المروذي قال «قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ فقال: ما تقول؟ إنما الثقة يحيى القطان»، وقد وثق أحمد مئات من الرواة يعلم أنهم دون يحيى القطان بكثير.
الخامسة: أن قيام الدليل على إطلاق بعضهم في بعض المراضع كلمة «ثقة» كما قدمت أنا أمثلته لا يسوغ أن تحمل على ذلك المعنى حيث لا دليل.
العاشر (١) إذا (٢) جاء في الراوي جرح وتعديل فينبغي البحث عن ذات (!) بين الراوي وجارحه أو معدله من نفرة أو محبة، وقد مر إيضاح ذلك في القاعدة الرابعة.
٧- إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل؟
قد ينقل في راو جرح وتعديل ولكننا إذا بحثنا بمقتضى القاعدة السابقة سقط أحدهما أو تبين أنه إنما أريد به ما لا يخالف الآخر، فهاتان الصورتان خارجتان عن هذه القاعدة، فأما إذا ثبت في الرجل جرح وتعديل متخالفان فالمشهور في ذلك قضيتان:
الأولى: أن الجرح إذا لم يبين سببه فالعمل على التعديل، وهذا إنما يطرد في الشاهد لأن معدله يعرف أن القاضي إنما يسأله ليحكم بقوله، ولأن شرطه معرفته بسيرة الشاهد معرفة خبرة، ولأن القاضي يستفسر الجارح كما يجب فإذا أبى أن
_________________
(١) أي من الأمور التي على الباحث في كتب الجرح والتعديل أن يراعيها ن
(٢) الأصل (إذ) . ن
[ ١ / ٢٦٢ ]
يفسر كان آباؤه موهنًا لجرحه.
فأما الراوي فقد يكون المثني عليه لم يقصد الحكم بثقته، وقد يكون الجرح متعلمًا بالعدالة مثل «هو فاسق» والتعديل مطلق والمعدل غير خبير بحال الراوي إنما اعتمد على سبر ما بلغه من أحاديثه، وذلك كما لو قال مالك في مدني «هو فاسق» ثم جاء ابن معين فقال «هو ثقة» وقد يكون المعدل إنما اجتمع بالراوي مدة يسيرة فعدله بناء على أنه رأى أحاديثه مستقيمة والجارح من أهل بلد الراوي، وذلك كما لو حجَّ رازي فاجتمع به ابن معين ببغداد فسمع منه مجلسًا فوثقه، ويكون أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان قد قالا فيه «ليس بثقة ولا مأمون» ففي هذه الأمثلة لا يخفي أن الجرح أولى أن يؤخذ به.
فالتحقيق أن كلًا من التعديل والجرح الذي لم يبين سببه يحتمل وقوع الخلل فيه، والذي ينبغي أن يؤخذ به منها هو ما كان احتمال الخلل فيه أبعد من احتماله في الآخر وهذا يختلف ويتفاوت باختلاف الوقائع والناظر في زماننا لا يكاد يتبين له الفصل في ذلك إلا بالاستدلال بصنيع الأئمة كما إذا وجدنا البخاري ومسلما قد احتجا أو أحدهما براو سبق ممن قبلهما فيه جرح غير مفسر فأنه يظهر لنا رجحان التعديل غالبا وقس على ذلك وهذا تفصيل ما تقدم في القاعدة الخامسة عن ابن الصلاح وغيره لكن ينبغي النظر في كيفية رواية الشيخين عن الرجل فقد يحتجان أو أحدهما بالراوي في شيء وقد لا يحتجان به، وإنما يخرجان له ما توبع عليه، ومن تتبع ذلك وأنعم فيه النظر علم أنهما في الغالب لا يهملان الجرح البتة، بل يحملانه على أمر خاص، أو على لين في الراوي لا يحطه عن الصلاحية به فيما ليس مظنة الخطأ أو فيما توبع عليه ونحو ذلك، راجع الفصل التاسع من (مقدمة فتح الباري) .
القضية الثانية: أن الجرح إذا كان مفسرا: فالعمل عليه، وهذه القضية يعرف ما فيها بمعرفة دليلها وهو ما ذكره الخطيب في (الكفاية) ص ١٠٥ قال: «والعلة في ذلك أن الجارح يخبر عن أمر باطن قد علمه ويصدق المعدل ويقول له: قد علمت من حاله الظاهرة ما علمتها وتفردت بعلم لم تعلمه من اختبار أمره، وإخبار
[ ١ / ٢٦٣ ]
المعدل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح.. ولأن من عمل بقول الجارح لم يتهم المزكي ولم يخرجه بذلك عن كونه عدلًا ومتى لم نعمل بقول الجارح كان في ذلك تكذيب له ونقص لعدالته وقد علم أن حاله في الأمانة مخالفة لذلك» .
أقول: ظاهر كلام الخطيب أن الجرح المبين السبب مقدم على التعديل، بل يظهر مما تقدم عنه في القاعدة الخامسة من قبول الجرح المجمل إذا كان الجارح عارفًا بالأسباب واختلاف العلماء أن الجارح إذا كان كذلك قدم جرحه الذي لم يبين سببه على التعديل لكن جماعة من أهل العلم قيدوا الجرح الذي يقدم على التعديل بأن يكون مفسرًا، والدليل المذكور يرشد إلى الصواب فقول الجارح العارف بالأسباب والاختلاف: ليس بعدل، أو: فاسق، أو: ضعيف أو: ليس بشيء، أو: ليس بثقة، هل يجب أن لا يكون إلا عن علم بسبب موجب للجرح إجماعًا؟ أو لا يحتمل أن يكون جهل أو غفل أو ترجح عنده مالا نوافقه عليه؟ أو ليس في كل مذهب اختلاف بين فقهائه فيما يوجب الفسق؟ فإن بين السبب فقال مثلًا: قاذف، أو قال المحدث: كذاب، أو: يدعى السماح ممن لم يسمع منه، أفليس إذا كان المتكلم فيه راويًا قد لا يكون المتكلم قصد الجرح وإنما هي فلتة لسان عند ثورة غضب أو كلمة قصد بها غير ظاهرها بقرينة الغضب؟ أو لم يختلف الناس في بعض الكلمات أقذف هي أم لا؟ حتى إن فقهاء المذهب الواحد قد يختلفون في بعضها. أو ليس قد يستند الجارح إلى شيوع خبر قد يكون أصله كذبة فاجر أو قرينة واهية كما في قصة الإفك؟ وقد يستند التحدث إلى خبر واحد يراه ثقة وهو عند غير ثقة، أو ليس قد يبني المحدث كلمة «كذاب» أو «يضع الحديث» أو «يدعي السماع ممن لم يسمع منه» على اجتهاد يحتمل الخطأ؟ فان فصل الجارح القذف أفليس قد يكون القذف لمستحقه؟ أو ليس قد يكون فلتة لسان عند سورة غضب كما وقع من محمد بن الزبير أو من أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس على ما رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وكما وقع من أبي حصين عثمان بن عاصم فيما
[ ١ / ٢٦٤ ]
ذكره وكيع وإن كانت الحكاية منقطعة؟
إذا تدبرت هذا علمت أنه لا يستقيم ما استدل به الخطيب إلا حيث يكون الجرح مبينًا مفسرًا مثبتا مشروحًا بحيث لا يظهر دفعه إلا بنسبة الجارح إلى تعمد الكذب، ويظهر أن المعدل لو وقف عليه لما عدل، فما كان هكذا فلا ريب أن العمل فيه على الجرح وإن كثر المعدلون وأما ما دون ذلك فعلى ما تقدم في القضية الأولى.
٨- قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا
قال البخاري في (جزء القراءة): «والذي يذكر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يبين.. ولو صح.. فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء واحد ولا يتهمه في الأمور كلها، وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح نهاني مالك عن شيخين من قريش وقد أكثر عنهما في «الموطأ» وهما مما يحتج بحديثهما، ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة وفيمن كان قبلهم وتأويل بعضهم في العرض والنفس، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم يسقط عدالتهم إلا ببرهان وحجة وقال بعض أهل المدينة إن الذي يذكر عن هشام بن عروة قال كيف يدخل ابن إسحاق على امرأتي؟ لو صح عن هشام جائز أن تكتب إليه وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب وهشام لم يشهد» .
وفي (فتح المغيث) للسخاوي ص ١٣٠ عن محمد بن نصر المروزي: «كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير جرحة» .
وفي ترجمة عكرمة من (مقدمة فتح الباري) عن ابن جرير:
[ ١ / ٢٦٥ ]
«من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن وبقول فلان لمولاه: لا تكذب عليَّ، وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجهه إليه أهل الغباوة» . وقال ابن عبد البر:
«الصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته بينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة» . قال السخاوي في (فتح المغيث):.. ليس المراد إقامة بينة على جرحه بل المعنى أنه يستند في جرحه إلى ما يستند إليه الشاهد في شهادته وهو المشاهدة ونحوها» .
قد يقال: إن كان المراد بثبوت العدالة أن يتقدم التعديل والحكم به والعمل بحسبه على الجرح، فهذا إنما يكثر في الشهود، وإن كان المراد بثبوتها حصول تعديل على أي حال كان، فهذا لا وجه له، فقد تقدم في القاعدة السادسة ما يعلم منه أن التعديل يتفاوت، ويحتمل كثير منه الخلل كما يحتمله الجرح الذي لم يشرح كل الشرح، أو أشد، ومن تتبع صنيع أهل العلم تبين له أنهم كثيرًا ما يقدمون الجرح الذي لم يشرح كل الشرح على التوثيق، كما في حال إبراهيم بن أبي يحيى والواقدي وغيرهما، وكثيرًا ما يقع للبخاري وغيره القدح فيمن لم يدركوه وقد سبق أن عدله معدل أو أكثر، ولم يسبق أن جرحه أحد.
فأقول: الذي يتحرر أن للعدالة جهتين:
الأولى استقامة السيرة، وثبوت هذا بالنظر إلى هذه القاعدة تظهر فيمن تظهر عدالته ويعدل تعديلًا معتمدًا وتمضي مدة ثم يجرح. فأما ما عدا فالمدار على الترجيح وقد مر في القاعدة السابقة.
[ ١ / ٢٦٦ ]
الجهة الثانية: استقامة الرواية وهذا يثبت عند المحدث بتتبعه أحاديث الراوي واعتبارها وتبين أنها كلها تدل على أن الراوي كان من أهل الصدق والأمانة، وهذا لا يتيسر لأهل عصرنا لكن إذا كان القادحون في الراوي قد نصوا على ما أنكروا من حديثه بحيث ظهر أن ما عدا ذلك من حديثه مستقيم فقد يتيسر لنا أن ننظر في تلك الأحاديث فإذا تبين أن لها مخارج قوية تدفع التهمة عن الراوي فقد ثبتت استقامة روايته. وقد حاولت العمل بهذا في بعض الآتين في قسم التراجم كالحارث بن عمير والهيثم بن جميل. فأما ما عدا هذا فإننا نحتاج إلى الترجيح، فقد يترجح عندنا استقامة رواية الرجل باحتجاج البخاري به في صحيحه لظهور أن البخاري إنما احتج به أن تتبع أحاديثه وسبرها وتبين له استقامتها، وقد علمنا مكانة البخاري وسعة إطلاعه ونفوذ نظره وشدة احتياطه في (صححه)، وقس على ذلك وراجع ما تقدم في القواعد السابقة. والله الموفق.
هذا وقد تعرض ابن السبكي في ترجمة أحمد بن صالح من (طبقات الشافعية) لهذه القاعدة وزاد فيها فقال:
«فنقول مثلًا لا يلتفت إلى كلام ابن أبي ذئب في مالك، وابن معين في الشافعي، والنسائي في أحمد بن صالح لأن هؤلاء أئمة مشهورون صار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صح لتوفرت الدواعي على نقله وكان القاطع قائمًا على كذبه ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما أصل عدالة الإمام المجروح وأصل عدالة الجارح فلا نلتف إلى جرحه ولا نجرحه بجرحه، فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات فنحن نقبل قول ابن معين ولا نقبل قوله في الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام القاطع على أنه غير محق بالنسبة إليه» .
أقول هو ّل على عادته، والإنصاف أن الشافعي لم يكن معصومًا، ولم يقم القاطع اليقيني على أنه لم يقع منه ما إذا وقع من الرجل صح أن يجرح به ولم يكن الشافعي طول عمره في جميع أحواله لا يزال بحضرته جم غفير تقضي العادة حتمًا بأنه لو وقع
[ ١ / ٢٦٧ ]
منه شيء مما ذكر لتوفرت الدواعي على نقله، نعم لو فرضنا أن الجارح ذكر أمرًا يصح أن يقال فيه: لو وقع لتوفرت الدواعي على نقله تواترًا: ولم يكن ذلك، فأنه لا يقبل منه. ولو أن السبكي ترك أن يفرض ما لم يقع بما وقع واعتنى بما وقع في الأمثلة التي ذكرها وبين وجوهها لأجاد وأفاد، وقد تعرضت لما وقفت عليه من ذلك في تراجم أولئك الثلاثة من قسم التراجم ولله الحمد.
٩- مباحث في الاتصال والانقطاع
المبحث الأول: في رواية الرجل بصيغة محتملة للسماع عمن عاصره ولم يثبت لقاؤه له.
ذكر مسلم في مقدمة (صحيحه) عن بعض أهل عصره: أنه شرط أن يثبت لقاء الراوي للمروي عنه ولو مرة فان لم يثبت لم يحكم لما يرويه عنه بالاتصال، وذكروا أن الذي شرط ذلك هو البخاري وشيخه علي بن المديني، وحكى مسلم إجماع أهل العلم سلفًا وخلفًا على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفه أن لا يحكم بالاتصال فيما لم يصرح فيه الراوي بالسماع وإن ثبت اللقاء في الجملة ولم يكن الراوي مدلسًا. وتوضيح هذا الإلزام أنه كما أن الراوي الذي يعرف ويشتهر بالارسال عمن عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك، فكذلك الراوي الذي لم يعرف ويشتهر بالارسال عمن لقيه وسمع منه قد يقع له شيء من ذلك. فان كان ذلك الوقوع يوجب التوقف عن الحكم بالاتصال في الأول فيوجبه في الثاني، وإن لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في الأول، أجاب النووي بما إيضاحه أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن قد لقيه وسمع منه الظاهر منها السماع، والاستقراء يدل أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع إلا المدلس. أقول فمسلم يقول: الحال هكذا أيضًا في رواية غير المدلس عمن عاصره، والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليس أيضًا عند الجمهور، ومن لم يطلق عليها ذلك لفظًا لا ينكر أنها تدليس في المعنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه.
[ ١ / ٢٦٨ ]
هذا وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام، ويوافقه ما في (الكفاية) للخطيب ص ٣٥٧.
وذكر مسلم فيها إرسال بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه ولم تعد تدليسًا ولا عدوا مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة قائمة عند إطلاقهم تلك الراوية تدفع ظهور الصيغة في السماع وقد كنت بسطت ذلك ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه. ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي أن التدليس يثبت بمرة، لأنا نقول: هذا مسلم ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليسًا بأن تكون بقصد الإيهام والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين.
وزعم النووي في (شرح صحيح مسلم) أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في (صحيحه) بقوله المذكور، وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديث كثيرة زعم أنه لم يصرح فيها بالسماع ولا علم لقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء (صحيحه) تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه ومنها ستة في (صحيح البخاري) كما ذكره النووي أيضًا.
وهذا ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلا بأن نفي مسلم العلم باللقاء لا يستلزم عدم علم غيره، وهذا ليس بجواب عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله أنها عند أهل العلم صحاح.
وقد دفعه بعض علماء العصر بأنه لا يكفي في الرد على مسلم مع العلم بسعة إطلاعه.
أقول: قد كان على المجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في (صحيح البخاري)، وكنت أظنهم قد بحثوا فلم يظفروا بما هو صريح في رد دعوى مسلم، فاضطروا إلى الاكتفاء بذاك الجواب الإجمالي، ثم إنني بحثت فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء بل
[ ١ / ٢٦٩ ]
ثبت في بعضها السماع، بل في (صحيح مسلم) نفسه التصريح بالسماع في حديث منها، وسبحان من لا يضل ولا ينسى، وأما بقية الأحاديث فمنها ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك.
وزعم بعض علماء العصر أن اشتراط البخاري العلم باللقاء. إنما هو لما يخرجه في (صحيحه) لا للصحة في الجملة، كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدة من كتبه ك (جزء القراءة) وغيره ما يدفع هذا. والله الموفق.
المبحث الثاني: في ضبط المعاصرة المعتد بها على قول مسلم، ضبطها مسلم بقوله:
«كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا وجائز ممكن له لقاءه والسماع منه لكونهما كانا في عصر واحد » وجمعه بين «جائز وممكن» يشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب في العادة والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك. والمعنى يؤكد هذا فإنه قد ثبت أن الصيغة بحسب العرف ولا سيما عرف المحدثين وما جرى عملهم ظاهرة في السماع فهذا الظهور يحتاج إلى دافع فمتى لم يعلم اللقاء فإن كان مع ذلك مستبعدا:، الظاهر عدمه، فلا وجه للحمل على السماع لأن ظهور عدم اللقاء يدافع الصيغة، وقد يكون الراوي عد ظهور عدم اللقاء قرينه على أنه لم يرد بالصيغة السماع، وإن احتمل اللقاء احتمالًا لا يترجح أحد طرفيه فظهور الصيغة لا معارض له، فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهرًا بينًا فلا محيص عن الحكم بالاتصال وذلك كمدني روى عن عمر ولم يعلم لقاؤه له نصًا لكنه ثبت أنه ولد قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلا فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة عمر في المسجد مرارًا.
فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا كرواية قيس بن سعد المكي عن عمرو بن دينار فأنه يحكم باللقاء حتمًا، والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشامي روى عن يمان لمجرد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع. «وانظر ما يأتي في
[ ١ / ٢٧٠ ]
المبحث الثالث: لا يكفي احتمال المعاصرة
المبحث الرابع: اشترط العلم باللقاء أو بالمعاصرة إنما هو بالنظر إلى من قصدت الرواية عنه
الفقهيات في مسالة القضاة بالشاهد واليمين» .
المبحث الثالث: لا يكفي احتمال المعاصرة لكن إذا كان الشيخ غير مسمى ففي كلامهم ما يدل على أنه يحكم بالاتصال وذلك فيما إذا جاءت الراوية عن فلان التابعي «عن رجل من أصحاب النبي ﵌..» ونحو ذلك، راجع (فتح المغيث) ص ٦٢، والفرق بين التسمية والإيهام أن ظاهر الصيغة السماع، والثقة إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينة فالمدلس يعتد بأنه قد عرف منه التدليس قرينة وأما غيره فإذا سمى شيخًا ولم يثبت عندنا معاصرته له فمن المحتمل أنه كان معروفًا عند أصحابه أنه لم يدركه فاعتد بعلمهم بذلك قرينة، وأهل العلم كثيرا ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان من حدث عنهم ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف «كمراسيل ابن أبي حاتم» وغيره، ولم يعتنوا بنقل عدم الإدراك لكثرته فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة، فأما إذا أبهم فلم يسم فهذا الاحتمال منتف لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عين ذلك الصحابي فكيف يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟ ففي هذا تنفي القرينة وإذا انتفت ظهر السماع وإلا لزم التدليس والفرض عدمه. «هذا ما ظهر لي، وعندي فيه توقف» .
المبحث الرابع: اشترط العلم باللقاء أو بالمعاصرة إنما هو بالنظر إلى من قصدت الرواية عنه فأما من ذكر عرضًا فالظاهر أنه يكفي فيه الاحتمال، فإذا كان غير مسمى فالأمر أو ضح لما مر في المبحث السابق، وذلك كما في حديث (الصحيحين) من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: سأل رجل أنس بن مالك ما سمعت نبي الله ﵌ يذكر في الثوم؟ فقال: قال النبي ﵌..» لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «سئل أنس عن الثوم؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه » عبد العزيز معروف بصحبة أنس ولا ندري من السائل. ومن ذلك ما في (صحيح مسلم) من طريق حنظلة قال: «سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسًا أن رجلًا قال لعبد الله عمر ألا تغزو؟ فقال إني سمعت
[ ١ / ٢٧١ ]
رسول الله ﷺ » وأخرجه البخاري من طريق حنظلة: «عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ » وقد يأتي شبه هذا ويكون المبهم هو الراوي نفسه، وإنما كنى عن نفسه لغرض كحديث (الصحيحين) عن معاذة: «أن امرأة قالت لعائشة: أيجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ » لفظ البخاري، وفي (الفتح): «بين شعبة في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية، أخرجه الإسماعيلي من طريقه وكذا لمسلم من طريق عاصم وغيره عن قتادة» .
أقول: في (صحيح مسلم) من طريق يزيد الرشك «عن معاذة أن امرأة سألت » ومن طريق عاصم عن معاذة قالت: «سألت عائشة فقلت » وقد يجيء نحو ذلك والراوي لم يشهد القصة ولكنه سمعها بتمامها ممن قصد الرواية عنه كما في حديث البخاري من طريق علقمة قال: «كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا نزلت! فقال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه » ورواه مسلم من وجه آخر عن علقمة: «عن عبد الله قال كنت بحمص فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأت عليهم قال: فقال لي رجل من القوم: والله ما هكذا أنزلت » .
فإن لم يكن التصرف من الرواة فالجمع بين الروايتين أن علقمة كان مع عبد الله بن مسعود بحمص ولكنه لم يشهد القصة وإنما سمعها من عبد الله، ولما كان المقصود الرواية عنه هو عبد الله لم يلتفت إلى ما وقع في الرواية الأولى من إيهام شهود علقمة للقصة، وهكذا ما في قول معاذة: «أن امرأة سألت » من إيهام أن السائلة غيرها فإن مثل ذلك لا يضع حكمًا ولا يرفعه. والسر في حمل تلك الأمثلة على السماع ما قدمناه، ومن شك في هذا لزمه أن يشك في اتصال قول ثقة غير مدلس قد عرف بصحبة ابن المبارك: طار غراب
[ ١ / ٢٧٢ ]
المبحث الخامس: اشتهر في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة «عن» ليست من لفظ الراوي
فقال ابن المبارك ، أو: هبت ريح فقال ابن المبارك ، وهذا لا سبيل إليه فكذا ذاك؛ والله الموفق.
المبحث الخامس: اشتهر في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة «عن» ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها بل هي لفظ من دونه وذلك كما لو قال همام «حدثنا قتادة عن أنس» فكلمة «عن» من لفظ همام لأنها متعلقة بكلمة «حدثنا» وهي من قول همام، ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدئ الشيخ فيقول «فلان..» كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من (فتح المغيث) وغيره، ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات «قال» في أثناء الإسناد قبل.. حدثنا» و«أخبرنا» وذلك في نحو قول البخاري: «حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا يحيى بن سعيد» وكثيرًا ما تحذف فيزيدها الشرّاح أو قراء الحديث ولا تثبت قبل كلمة عن وتصفح إن شيءت (شرح القسطلاني على صحيح البخاري) فبهذا يتضح أنه في قول همام «حدثنا قتادة عن أنس» لا يدري كيف قال قتادة، فقد يكون قال: «حدثني أنس» أو «قال أنس» أو «حدث أنس» أو «ذكر أنس» أو «سمعت أنسًا» أو غير ذلك من الصيغ التي تصرح بسماعه من أنس أو تحتمله لكن لا يحتمل أن يكون قال «بلغني عن أنس» إذ لو قال هكذا لزم همامًا أن يحكى لفظه أو معناه كأن يقول: «حدثني قتادة عمن بلغه عن أنس» وإلا كان همام مدلسًا تدليس التسوية وهو قبيح جدًا وإن خف أمره في هذا المثال لما يأتي في قسم التراجم في ترجمة الحجاج بن محمد.
والمقصود هنا أنه لو قال راو لم يعرف بتدليس التسوية (حدثني عبد العزيز بن صهيب عن أنس» كان متصلًا لثبوت لقاء عبد العزيز لأنس وأنه غير مدلس مع أننا لا ندري كيف قال عبد العزيز فقد يكون قال «قال أنس» أو «ذكر أنس» أو «حدث أنس» أو ابتدأ فقال: «أنس» فالحمل على السماع في العنعنة يستلزم الحمل على السماع في هذه الصيغ وما أشبهها وقد صرحوا بذلك كما تراه في (فتح
[ ١ / ٢٧٣ ]
المغيث) ص ٦٩ وغيره، وما ذكروه من الخلاف في كلمة «أن» إنما هو في نحو أن يجيء «عن عبد العزيز أن أنس سأل النبي ﵌» ومعلوم أن عبد العزيز لم يدرك ذلك ومن حمله على السماع إنما مال إلى أن الظاهر أن عبد العزيز سمع القصة من أنس فكأنه قال: «حدثني أنس أنه سأل النبي ﵌..» وفي هذا المثال لا مزية لكلمة «أن» بل لو قال عبد العزيز «سأل أنس النبي صلى الله عليه..» لكان هذا كقوله: «عن عيد العزيز أن أنسًا سأل » بل إن كلمة «أن» في المثال ليست من لفظ عبد العزيز وإنما هي من لفظ الراوي عنه فقوله: «حدثني عبد العزيز أن أنسًا سأل» إنما تقديره «حدثني عبد العزيز بأن أنسًا سأل» وقد يكون عبد العزيز قال «سأل أنس» وقد يكون قال غير ذلك. والله أعلم.
[ ١ / ٢٧٤ ]
القسم الثاني في التراجم
[ ١ / ٢٧٥ ]
ذكر ترجمة الأئمة والرواة الذين تكلم فيهم الأستاذ مع بيان ما له وما عليه
١- أبان بن سفيان
أسوق في هذا القسم على الحروف تراجم الأئمة والرواة الذين تكلم فيهم الأستاذ في (التأنيب) وربما ذكرت غيرهم لاقتضاء الحال، فأذكر في كل ترجمة كلام الأستاذ وماله وما عليه متحريًا إن شاء الله تعالى الحق، فما لم أنسبه من أقوال أئمة الجرح والتعديل إلى كتاب فهو من (تهذيب التهذيب) أو (لسان الميزان)، وعادة مؤلفهما أن لا يجزم بالنقل فيما لم بثبت عنده فإن تبين لي خلاف ذلك نبهت عليه، وما عدا ذلك فإني أسمي الكتاب وأبين المجلد والصفحة غالبا إن كان مطبوعا. وأعوذ بالله من شر نفشي وسيء عملي وأسأله التوفيق فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
١- أبان بن سفيان. في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٣٩٩) « علي بن حرب حدثنا أبان بن سفيان حدثنا حماد بن زيد » قال الأستاذ في (التأنيب ص١١٣ «في سنده أبان بن سفيان قال ابن حبان يروي عن (الثقات) أشياء موضوعة. وقال الدارقطني متروك» . أقول في (الميزان) و(اللسان) ذكر رجلين يقال لكل منهما أبان بن سفيان أحدهما بصري نزل الموصل من بلاد الجزيرة روى عن أبي هلال محمد بن سليم البصري قال فيه الدارقطني «جزري متروك» . والثاني مقدسي روى عن الفضيل بن عياض وعبيد الله بن عمر روى عنه محمد بن غالب الأنطاكي قال فيه ابن حبان: «روى أشياء موضوعة» وأورد له حديثين وقال: «هذان موضوعان» وناقشه
[ ١ / ٢٧٧ ]
٢- إبراهيم بن بشار الرمادي
الذهبي في (الميزان) ثم استظهر الذهبي أن الرجلين واحد وذكر ابن حجر أن النباتي فرق بينهما.
أقول والفرق هو الظاهر فأما الذي في سند الخطيب فإن كان غير هذين فلا نعرفه وإن كان أحدهما، فالظاهر أنه الأول، فإن حماد بن زيد بصري من طبقة محمد بن سليم، وعلي ابن حرب موصلي. والله أعلم.
٢- إبراهيم بن بشار الرمادي. في (تاريخ بغداد) «١٣م ٣٨٩» (١) « إبراهيم ابن بشار الرمادي حدثنا سفيان بن عيينة » قال الأستاذ ص ٨٢ «عنه يقول ابن أبي حاتم أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي قال سمعت أبي وذكر إبراهيم بن بشار الرمادي فقال ك كان يحضر معنا عند سفيان ثم يملي على الناس ما سمعوه من سفيان وربما أملي عليهم ما لم يسمعوا - كأنه يغير الألفاظ فتكون زيادة ليس في الحديث فقلت له إلا تثقي الله تملي عليهم ما لم يسمعوا - وذمة في ذلك ذمًا شديدًا» .
أقول: وقال ابن معين «ليس بشيء ولم يكتب عند سفيان وكان يملي على الناس ما لم يقله سفيان» وقال النسائي: «ليس بالقوي» وقال أبو حاتم «صدوق» وقال أبو عوانة في صحيحه.. ثقة من كبار أصحاب ابن عيينة وممن سمع منه قديمًا» وقال الحاكم «ثقة مأمون من الطبقة الأولى من أصحاب ابن عيينة» وقال يحيى بن
_________________
(١) كذا الأصل، وكذا في (التأنيب)، والظاهر أنهما ينقلان عن نسخة غير النسخة المتداولة اليوم من (التاريخ) الطبعة الأولى سنة ١٣٤٩ بمصر، فان الرواية فيها (١٣/ ٤٠٥)، وكذلك الأرقام في سائر التراجم الآتية تختلف عن الواقع في هذه الطبعة، فزد على كل رقم نحو عشرة تجد الرواية فيها إن شاء الله. وسبب هذا التفاوت بين النسخ - فيما بلغني - أن هذا الجزء الثالث عشر من «التاريخ» لما نزل إلى السوق واطلع عليه المتعصبين لأبي حنيفة ﵀ ها لهم ما جاء في ترجمته من طعون رواها الخطيب بأسانيده، فكلف الشيخ الكوثري بالتعليق عليها ففعل وأعيد طبع الجزء مع التعليقات المذكورة. ن
[ ١ / ٢٧٨ ]
الفضل «كان والله ثقة» وقال ابن حبان في (الثقات) «كان متقنًا ضابطًا صحب ابن عيينة سنين كثيرة، وسمع أحاديثه مرارًا » ولقد حدثنا أبو خليفة ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال: حدثنا سفيان بمكة و«عبَّادان» وبين السماعين أربعون سنة. سمعت أحمد بن زنجويه يقول سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كان الحميدي لا يكتب عند سفيان بن عيينة وإبراهيم بن بشار أحفظهما. أقول يتحصل من مجموع ما ذكر أن إبراهيم كان قد سمع من سفيان بن عيينة قديمًا ثم كان يحضر مجالسه فربما حد حدث سفيان ببعض تلك الأحاديث فربما أبدل كلمة بأخرى أو نحو ذلك على ما هو معروف من عادة سفيان في الرواية بالمعنى، وكان بعض الحاضرين لا يتمكنون من الحفظ أو الكتابة وقت السماع فإذا فرغ المجلس رغبوا إلى إبراهيم فيملي عليهم ذاك المجلس فربما أملي عليهم كما حفظ سابقا ويكون في ذلك ألفاظه مغايرة للألفاظ التي عبر عنها سفيان في ذاك المجلس، فذاك الذي أنكره عليه أحمد ويحيى، وقد يقال إن كان إبراهيم لم يشعر بالاختلاف فالخطب سهل وإن شعر به فغايته أن يكون استساغ للجماعة أن يذهب أحدهم فيروي عن سفيان كما حدث سفيان قديمًا وإن كان هو إنما سمعه بتغيير ما في الألفاظ كما ساغ لسفيان أن يروي ما سمعه تارة كما سمعه، وتارة بتغيير ما في الألفاظ، بل هذا أسوغ فإن اللفظيين كلاهما صحيح عن سفيان. وبالجملة فهذا توسع في الرواية بالمعنى لا يوجب جرحا، وظاهر قول أحمد «كأنه يغير الألفاظ» أنه جوز أن إبراهيم يغير الألفاظ من عنده وذلك أشد، وهكذا ما يروي عن ابن معين قال في إبراهيم «رأيته ينظر في كتاب وابن عيينة يقرأ ولا يغير شيئًا ليس معه ألواح ولا دواة» فالكتاب الذي كان ينظر فيه سماعه القديم من ابن عيينة فكان يعيد سماعه ليتثبت وقد عرف عادة ابن عيينة في الرواية بالمعنى فلم يكن يلتفت إلى اختلاف بعض الألفاظ ولعله لو رأى اختلافا معنويا لراجع ابن عيينة إما في المجلس وإما بعده.
[ ١ / ٢٧٩ ]
٣- إبراهيم بن الحجاج
وقد جاء عن يحيى القطان أنه ذكر لابن عيينة ما قد يقع في حديثه من اختلاف فقال ابن عيينة: «عليك بالسماع الأول فإني قد سئمت» كما في (فتح المغيث) ص٤٢٩. وفي (التهذيب): «وقال أحمد: كان سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار ليس هو سفيان بن عيينة. يعني مما يغرب عنه وكان مكثرا عنه» .
أقول: وحق لمن لازم مثل ابن عيينة في كثرة حديثه عشرات السنين أن يكون عنده عنه ما ليس عنده غيره ممن صحبه مدة قليلة. نعم قال البخاري في إبراهيم «يهم في الشيء بعد الشيء وهو صدوق» وأورد له حديثا رواه ابن عيينة مرفوعا (١) وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلا قال ابن عدي: «لا أعلم أنكر عليه إلا هذا الحديث الذي ذكره البخاري وباقي حديثه مستقيم وهو عندنا من أهل الصدق»
أقول فإن كان وهم في هذا فهو وهم يسير في جانب ما روى فالرجل ثقة ربما وهم والسلام.
هذا وقد توبع إبراهيم على الرواية التي ساقها الخطيب وذكر الأستاذ نفسه متابعة علي ابن المديني له غاية الأمر أن بين اللفظيين اختلافا ما وجهه أن ابن عيينة قال مرة كما ذكره إبراهيم ومرة كما ذكر ابن المديني. راجع ص ٤ والله أعلم.
٣- إبراهيم بن الحجاج. في (تاريخ بغداد) «١٣ / ٣٩٢» . « الحسن بن سفيان عن إبراهيم بن الحجاج عن حماد بن زيد » قال الأستاذ ص ٩٤ «قدري ففي قبول قوله في أئمة السنة وقفة» .
أقول في ترجمة إبراهيم بن الحجاج السامي من (تهذيب المزي) أنه يروي عن حماد بن زيد ويروي عنه الحسن بن سفيان وكذا في ترجمة إبراهيم بن الحجاج النيلي وكلاهما موثق ولم أجد نسبة أحدهما إلى القدر وليس كل بصري قدريا
_________________
(١) كذا الأصل والصواب أن يقال: «موصولا» لأنه الذي يقابل قوله الآتي «مرسلا» ولأن المرسل مرفوع أيضا. ن
[ ١ / ٢٨٠ ]
٤- إبراهيم بن راشد الآدمي
ولا غالبهم قدرية بل غالبهم غير قدرية كما يأتي في ترجمة طلق بن حبيب وعلى فرض أن الرجل قدري فلم يكن داعية والمخالفة في المذهب لا تخدش في الرواية كما مر في القواعد. والله الموفق.
٤- إبراهيم بن راشد الآدمي. في (تاريخ بغداد «١٣ / ٤٠٦» « إبراهيم ابن راشد الآدمي قال: سمعت أبا ربيعة فهد بن عوف » قال الأستاذ ص ١٢٩ «المتهم عند ابن عدي كما ذكره الذهبي» .
أقول تعقبه ابن حجر في (اللسان) قال: «لم أر في (كامل ابن عدي) ترجمته» وقد قال ابن أبي حاتم «صدوق» وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «كان من جلساء يحيى بن معين» وفي ترجمة علي بن صالح الأنماطي من (الميزان) حديث ساقه الذهبي من طريق أبي نعيم الأصبهاني «أنا عمر بن شاهين ثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني ثنا إبراهيم بن راشد الآدمي ثنا علي بن صالح الأنماطي » استنكر الذهبي وقال: «المتهم بوضعه علي فإن الرواة ثقات سواه» تعقبه ابن حجر في (اللسان) بأن عليا ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال «مستقيم الحديث» قال ابن حجر «وينظر فيمن دون صاحب الترجمة» أقول أخاف أن يكون هذا من بلايا الإجازة فإن أبا نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ربما تكون له إجازة عامة من شيخ، ثم يسمع الشيء ويرويه رجل عن ذاك الشيخ فيرويه أبو نعيم عن الشيخ نفسه بلفظ «أخبرنا» على إصلاحه في الإجازة كما يأتي شرحه في ترجمته فيكون البلاء في هذا الحديث من الرجل الذي بين أبي نعيم وابن شاهين ويبرأ غيره. والله أعلم.
٥- إبراهيم بن سعيد الجوهري. راجع (الطليعة) ص ٦٦ - ٩٨ قال الأستاذ في:
(الترحيب) ص ٥٠ «لا يتصور من مثل ابن الشاعر أن يقع فيه من غير أن يتكرر ذلك منه» .
أقول أما كلمة حجاج فلا تقتضي إلا مرة واحدة وأما قول ابن خراش:
[ ١ / ٢٨١ ]
٦- إبراهيم بن شماس
«وكان حجاج يقع فيه» فإن عنى تلك الكلمة بان حالها وإن عناها وغيرها فالوقيعة في الإنسان معناها مطلق الذم كأن يكون قال مرة تلك الكلمة وقال مرة «لم يكن بالذكي» وقال أخرى «مغرم بالكتابة عن كل أحد ليقال مكثر» ونحو ذلك من الكلمات التي لا توجب جرحًا.
ثم مال الأستاذ إلى الإنصاف فذكر أنه يجب الذب عن إبراهيم بن سعيد ولكنه جعل الحمل على عبد الرحمن بن حراش وستأتي ترجمته.
٦- إبراهيم بن شماس. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٤ « إبراهيم بن شماس يقول كنت مع ابن المبارك في الثغر فقال لئن رجعت لأخرجن أبا حنيفة من كتبي» وفيه بعد ذلك « إبراهيم بن شماس يقول سمعت ابن المبارك يقول اضربوا على حديث أبي حنيفة» قال الأستاذ ص١٥٠ «إبراهيم بن شماس ذلك المتعبد الغازي على علو طبقته لم يخرج عنه أحد من أصحاب الأصول الستة بطل مغوار متعبد متعصب ملء أهابه التعصب على زهده» .
أقول أما العبادة والزهد والجهاد والبطولة فنعم، وأما التعصب فإنما وصفه به بعض من لم يدركه وهو الإدريسي الذي ولد بعد إبراهيم بأكثر من مائة سنة وإنما قال «كان شجاعًا بطلًا ثقة متعصبا لأهل السنة» .
فأما الذين أدركوه فإنما وصفوه بالسنة قال الإمام أحمد «كان صاحب سنة» وقال أحمد بن سيار «كان صاحب سنة وجماعة، كتب العلم، وجالس الناس ورأيت إسحاق بن إبراهيم «ابن راهويه» يعظم من شأنه ويحرضنا على الكتابة عنه» .
وممن روى عنه الإمام أحمد وأبو زرعة والبخاري في غير (الصحيح)، وأحمد لا يروي إلا عن ثقة عنده كما يأتي في ترجمة محمد بن أعين، وأبو زرعة من عادته أن لا يروي إلا ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ والبخاري نحو ذلك كما يأتي في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن؛ ووثقه الدارقطني وابن
[ ١ / ٢٨٢ ]
سبب عدم إخراج الستة له
حبان وغيرهما، وتحريض ابن راهويه على الكتابة عنه يدل على مكانته في الصدق والثبت، وقال ابن حبان في
(الثقات) «كان متقنا سمعت عمر بن محمد البحيري يقول سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول: رأيت ابن المبارك يقرأ كتابا على الناس في الثغر فلما مر على ذكر أبي حنيفة قال اضربوا عليه، وهو آخر كتاب قرأ على الناس ثم مات» .
فأما عدم إخراج البخاري عنه في (صحيحه) فكأنه إنما لقيه مرة فإن إبراهيم كان دائبا في الجهاد فلم يسمع منه البخاري ما يحتاج إلى إخراجه في (الصحيح) وقد أدرك البخاري من هو أكبر من إبراهيم وأعلى إسنادا، وكم من ثقة ثبت لم يتفق أن يخرج عنه البخاري في (صحيحه) وأخرج عمن هو دونه بكثير. فأما بقية الستة فأبو داود ولد سنة ٢٠٢ فقد أدرك إبراهيم فإن إبراهيم استشهد سنة ٢٢٠ ولكن لعله لم يلقه وإنما روى في مسائل مالك عن رجل عنه على ما يظهر من (التهذيب) وقد سمع أبو داود جماعة ممن هو أكبر وأعلى إسنادًا من إبراهيم. ومسلم ولد سنة ٢٠٤ والباقون بعد ذلك، وجامعوا الكتب الستة يتحرون علو الإسناد والاختصار ولا ينزلون إلا لحاجة والراوية عن إبراهيم قليلة لاشتغاله بالجهاد ولأنه لم يعمر حتى يحتاج إليه، وقد روى عنه من هو أجل من أصحاب الكتب الستة كما مر. وقد ساق الأستاذ في تعليقه على شروط الأئمة كلامًا طويلا فيه ما فيه وقال في أواخره «ومن ظن أن ثقات الرواة هم رواة الستة فقد ظن باطلًا وجود الحافظ العلامة قاسم بن قطلوبغا الثقات من غير رجال الستة في مؤلف حافل يبلغ أربع مجلدات» .
فأما المخالفة في المذهب والتعصب للسنة فلا يخدش في الرواية كما مر في القواعد.
بقي أن الأستاذ قال بعد ما تقدم «ويقضي على مختلقات الخصوم في هذا الكتاب كثرة رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة في (المسانيد السبعة عشر) له فأنَّى تصح رواية ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام
[ ١ / ٢٨٣ ]
٧- إبراهيم بن أبي الليث
يسيرة» .
أقول: الأستاذ يتذرع بهذا إلى الطعن في جماعة من الثقات الأثبات، إبراهيم وغيره كما يأتي في تراجمهم وذلك يضطرنا إلى مناقشته هنا فأقول:
المسانيد السبعة عشر لأبي حنيفة منها ما جامعه مجروح، وما كان جامعه ثقة ففي أسانيده إلى ابن المبارك مجروح أو أكثر، وما عساه يصح إلى ابن المبارك لا يصح حمله على أنه مما حدث به ابن المبارك قديمًا، فأنه لا يلزم من تركه الرواية عن أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة أن لا يروي الناس عنه ما سمعوه قبل ذلك ولا سيما الذين لم يحضروا أمره بالضرب أو لم يعملوا به، والله المستعان.
٧- إبراهيم بن أبي الليث. في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٤١٧ « إبراهيم بن أبي الليث قال سمعت الأشجعي غير مرة » قال الأستاذ ص ١٦٠ « عنه يقول ابن معين لو اختلف إليه ثمانون كلهم مثل منصور بن المعتمر ما كان إلا كذابًا. وكذبه غير واحد» .
أقول ترجمة إبراهيم هذا في (تاريخ بغداد) ج ٦ ص ١٩١ فأما هذه الكلمة التي ذكرها الأستاذ فإنما رواها الخطيب من طريق أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز وترجمة ابن محرز هذا في (تاريخ بغداد) ج ٥ ص٨٣ ليس فيها تعريف بحاله وإنما فيها «يروى عن يحيى بن معين حدث عنه جعفر بن درستويه بن المرزبان الفارسي» وكلمة ابن الدورقي المذكورة في (اللسان) و(التعجيل) هي في قصة طويلة رواها الخطيب من طريق أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي الحافظ، والأزدي اتهموه، ونحتاج إلى الاعتذار عن ابن حجر في جزمه بها مع أنها من طريق الأزدي. وما في «اللسان» تبعًا لأصله أن ابن معين قال في إبراهيم «ثقة لكنه أحمق» إنما رواها الخطيب من طريق بكر بن سهل عن عبد الخالق بن منصور عن ابن معين، وبكر بن سهل هذا إن كان هو الدمياطي المترجم في (الميزان) و(اللسان) كما بنيت عليه في (الطليعة) ص ٧٨ وتأتي الإشارة إليه في ترجمة
[ ١ / ٢٨٤ ]
الحسن بن الربيع ففيه كلام شديد وعقبها الخطيب بقوله ك «وهذا القول من يحيى في توثيقه كان قديمًا ثم أساء القول فيه بعد وذمه ذمًا شديدًا» .
والذي يتخلص من مجموع كلامهم أنهم لم ينقموا عليه شيئًا في سيرته، وأنه كانت عنده أصول الأشجعي التي لا شك فيها، وكان يذكر أنه سمعها من الأشجعي إلا مواضع كان يعترف أنه يسمعها فقصده الأئمة أحمد ويحيى وابن المديني وغيرهم يسمعون منه كتب الأشجعي فكانوا يسمعون منه، ثم حدث بأحاديث عن هشيم وشريك وغيرهما من حفظه فاستنكروا من روايته عن أولئك الشيوخ أحاديث تفرد بها عنهم وكان عندهم أنها مما تفرد به غير أولئك الشيوخ منها حديث رواه عن هشيم عن يعلي بن عطاء وكان عندهم أنه من أفراد حماد بن سلمة عن يعلى، فتوقف فيه أحمد لهذا الحديث حتى بان له أن غير حماد قد حدث به، وعذره أحمد في بقية الأحاديث، وأما ابن معين فشدد عليه وتبعه جماعة واختلف عن ابن المديني فقيل لَم يزل يحدث عنه حتى مات وقيل بل كذب بآخره. وقال أبو حاتم «كان أحمد يجمل القول فيه وكان يحيى بن معين يحمل عليه وعبيد الله القواريري (وهو ثقة عندهم من رجال الصحيحين) أحب إلي منه» وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال أبو داود عن ابن معين «أفسد نفسه في خمسة أحاديث» فذكرها قال ابن حجر في (التعجيل): «وهذا عندي أعدل الأقوال فيه» .
أقول قد ظهرت عدالة الرجل أولًا ثم عرضت تلك الأحاديث فاختلفوا فيها فمنهم من عذره ومنهم من رماه بسرقتها فالذي ينبغي التوقف عن سائر ما رواه عن غير الأشجعي وقبول ما رواه عن الأشجعي، فإن ذلك من أصول الأشجعي باعترافهم جميعًا ولم ينكروا منها شيئًا، وأحسب أن رواية الأمام أحمد وابنه عبد الله عن إبراهيم، إنما هي مما رواه من كتب الأشجعي، وقد يكون هذا رأي الأستاذ الكوثري فقد احتج ص ٩٩: حدثنا قال حدثني إبراهيم ابن أبي الليث قال حدثني الأشجعي » فأما روايته هنا فهي عن الأشجعي لكنها حكاية لا
[ ١ / ٢٨٥ ]
يظهر أنها كانت من أصول الأشجعي. والله أعلم.
٨- إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري.
في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٧٣ « سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد، قال إبليس يا رب وقال أبو بكر الصديق يا رب » قال الأستاذ ص ٤٠ «الفزاري كان يطلق لسانه في أبي حنيفة ويعاديه من جهة أنه كان أفتى أخاه على مؤازرة إبراهيم القائم في عهد المنصور فقتل في الحرب وحكم شهادة العدو في مذهب الشافعي معروف ويقول ابن سعد في (الطبقات الكبرى):كان كثير الغلط في حديثه، ويقول ابن قتيبة في (المعارف) أنه كان كثير الغلط في حديثه ومثله في (فهرست محمد بن إسحاق النديم) لكن ذلاقة لسانه في أبي حنيفة وأصحابه نفعته في رواج رواياته بين أصحاب الأغراض مع أن الواجب فيمن كان كثير الخطأ في حديثه الإعراض عن انفراداته » وقال الأستاذ ص ٧١: «سامح الله أبا إسحاق الفزاري كأنه فقد اتزانه من فقد أخيه فأصبح يطلق لسانه في فقيه الملة في كل مجلس ومحفل حتى مجلس الرشيد كما تجد ذلك في (تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم غاية ما فعل أبو حنيفة أن أفتى أخاه بما أراه الله حين استفتاه»، وقال الأستاذ ص ٧٧:
«إنما شأنه في السير والمغازي ولم يكن ابن سعد يرضاه فيها، ويذكره بكثرة الغلط، وابن سعد ذلك الأمام الكبير في السير والمغازي » وقال ص ٧٧:
«قال ابن سعد في الفزاري: كان ثقة فاضلًا صاحب سنة وغزو كثير الخطأ في حديثه» .
أقول مدار كلام الأستاذ في أبي إسحاق على أمرين:
[ ١ / ٢٨٦ ]
ترجمة يزيد بن يوسف الشامي الذي اعتمد على روايته الكوثري
الأول: قوله أنه كان يعادي أبا حنيفة الأستاذ أن يجعلها عداوة دنيوية لأجل الفتوى مع أن ذكر الفتوى لم يقع إلا في رواية ذكرت في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٨٤) في سندها يزيد بن يوسف الشامي فتكلم الأستاذ فيها ص ٧٠:
قال «يزيد بن يوسف الشامي يقول ابن معين فيه: ليس بثقة، ويقول النسائي: متروك» والكلام فيه أكثر من ذلك حتى قال ابن شاهين في الضعفاء «قال ابن معين: كان كذابًا» وقال ابن حبان: «كان سيئ الحفظ كثير الوهم يرفع المراسيل ويسند الموقوف ولا يفهم فلما كثر ذلك منه سقط الاحتجاج بأفراده» .
فهذه الرواية ساقطة، والثابت رواية أخرى في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٣٨٤) فيها عن أبي إسحاق «قتل أخي مع إبراهيم الفاطمي بالبصرة فركبت لأنظر في تركته، فلقيت أبا حنيفة فقال لي من أين أقبلت؟ وأين أردت؟ فأخبرته أني أقبلت من المصيصة وأردت أخًا لي قتل مع إبراهيم، فقال أبو حنيفة: لو أنك قتلت مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئت منه » .
وهناك رواية ثالثة في (تقدمة الجرح والتعديل) هي التي وقع فيها ما أشار إليه الأستاذ من إطلاق اللسان وفي إسنادها نظر، ولا ذكر فيها للفتوى، ولو صحت لكانت أدل على عدم الفتوى، فالحاصل أن الثابت أن أبا إسحاق بلغه قتل أخيه مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الخارج على المنصور فقدم أبا حنيفة، فسأله أبو حنيفة فأجابه أنه جاء من المصيصة - الثغر الذي كان أبو إسحاق يرابط فيه لجهاد الروم ودفعهم عن بلاد الإسلام فقال أبو حنيفة: «لو أنك قتلت مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئت منه» . ومن المعلوم أن أبا إسحاق حبس نفسه غالب عمره على المرابطة في الثغر والتعرض للشهادة صباح مساء فلم يكن ليغمه قتل أخيه إلا لكونه في فتنة ولا لينقم على من رضي بقتل أخيه إلا لرضاه بما يراه
[ ١ / ٢٨٧ ]
بحث جيد في الخروج على أئمة الظلم
فتنة ولا ليستعظم قول من قال له: «لو أنك قتلت مع أخيك » إلا لما فيه من تفضيل قتال المسلمين في غير كنهه عنده على الرباط والجهاد ودفع الكفار عن بلاد الإسلام، فهذا وغيره مما يوجد في الروايات الأخرى منها الرواية التي تقدمت أول الترجمة هو الذي أحفظ أبا إسحاق على أبي حنيفة فإن بلغ ذلك أن يسمى عداوة فهي عداوة دينية لا ترد بها الرواية بإجماعهم كما تقدم في القواعد، وسواء أكان الصواب استحسان الخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وتفضيله على الجهاد والرباط كما رأى أبو حنيفة أم خلافه كما كان يعتقده أبو إسحاق، فإن أبا إسحاق إما مصيب مشكور وإما مخطئ مأجور، ولا بأس بالإشارة إلى وجهتي النظر:
كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار، وأبو إسحاق ينكر ذلك، وكان أهل العلم مختلفين في ذلك فمن كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شق لعصا المسلمين وتفريق لكلمتهم وتشتيت لجماعتهم وتمزيق لوحدتهم وشغل لهم بقتل بعضهم بعضًا، فتهن قوتهم وتقوى شوكة عدوهم وتتعطل ثغورهم، فيستولي عليها الكفار ويقتلون من فيها من المسلمين ويذلونهم وقد يستحكم التنازع بين المسلمين فتكون نتيجة الفشل المخزي لهم جميعًا.
وقد جرب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر، خرج الناس على عثمان يرون أنهم إنما يريدون الحق ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساؤهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق فكانت ثمرة ذلك بعد اللتيا والتي أن انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحرة، ثم خرج القراء مع ابن الأشعث فماذا كان؟ ثم كانت قضية زيد بن علي وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى فخذلوه، فكان ما كان، ثم خرجوا مع بني العباس
[ ١ / ٢٨٨ ]
شيء من ترجمة ابن سعد صاحب الطبقات
فنشأت دولتهم التي رأى أبو حنيفة الخروج عليها، واحتشد الروافض مع إبراهيم الذي رأى أبو حنيفة الخروج معه ولو كتب له النصر لاستولى الروافض على دولته، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم!
هذا والنصوص التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلب على الظن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخف جدًا مما يغلب على الظن أنه يندفع به جاز الخروج وإلا فلا. وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان، وأولاهما بالصواب من اعتبر بالتاريخ وكان كثير المخالطة للناس والمباشرة للحروب والمعرفة بأحوال الثغور، وهكذا كان أبو إسحاق.
وأما حال أبي إسحاق في الرواية فنبدأ بتلك الكلمة: «كثير الخطأ في حديثه» هذه الكلمة نقلها الأستاذ عن ابن سعد وابن قتيبة وابن النديم، فأقول: ابن قتيبة وابن النديم لا شأن لهما بمعرفة الرواية والخطأ والصواب فيها وأحوال الرواة ومراتبهم، وإنما فن ابن قتيبة معرفة اللغة والغريب والأدب، وابن النديم رافضي وراق، فنه معرفة أسماء الكتب التي كان يتجر فيها، وإنما أخذا تلك الكلمة من ابن سعد.
وابن سعد هو محمد بن سعد بن منيع كاتب الواقدي، روى الخطيب في ترجمته أن مصعبًا الزبيري قال لابن معين: «حدثنا ابن سعد الكاتب بكذا وكذا» فقال ابن معين «كذب» واعتذر الخطيب عن هذه الكلمة وقال: «محمد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل عل صدقه..» وقال أبو حاتم: «يصدق» ووفاة ابن سعد سنة ٢٣٠ فقد أدركه أصحاب الكتب الستة إدراكًا واضحًا وهو مقيم ببغداد حيث كانوا يترددون، وهو مكثر من الحديث والشيوخ وعنده فوائد كثيرة ومع ذلك لم يخرجوا عنه شيئًا إلا أن أبا داود روى عن أحمد بن عبيد وستأتي ترجمته عن ابن سعد عن أبي الوليد الطيالسي أنه قال: «يقولون قبيصة بن وقاص له صحبة» وهذه الحكاية ليست بحديث ولا أثر ولا ترفع حكما ولا تضعه، والأستاذ كثيرًا ما يتشبث
[ ١ / ٢٨٩ ]
رد الكوثري قول إمام النقاد في إمامه "أخطأ في خمسين حدثيا"
في التليين بعدم إخراج أصحاب الكتب الستة للرجل مع ظهور العذر كما تقدم في ترجمة إبراهيم بن شماس، فأما ابن سعد فلا مظنة للعذر إلا أنهم رغبوا عنه، وأظن الأستاذ أول من منح ابن سعد لقب: «الإمام» ولم يقتصر عليه بل قال: «الإمام الكبير» وتغاضى الأستاذ عن قول ابن سعد في أبي حنيفة فإنه ذكره في موضعين من (الطبقات) ج ٦ ص ٢٥٦ وج ٧ قسم ٢ ص ٦٧ وقال في كلا الموضعين: «وكان ضعيفًا في الحديث» ولم يقرن هذه الكلمة بشيء مما قرن به كلمته في أبي إسحاق فلم يقل: «ثقة» ولا «فاضل»، ولا «صاحب سنة» !
ومع ذلك فليس ابن سعد في معرفة الحديث ونقده ومعرفة درجات رجاله في حد أن يقبل منه تليين من ثبته غيره أنه في أكثر كلامه إنما يتابع شيخه الواقدي، والواقدي تالف، وفي (مقدمة الفتح) في ترجمة عبد الرحمن بن شريح:
«شذ ابن سعد فقال: منكر الحديث، ولم يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا فإن مادته من الواقدي في الغالب والواقدي ليس بمعتمد» . وفيها في ترجمة محارب بن دثار:
«قال ابن سعد: لا يحتجون به، قلت: بل احتج به الأئمة كلهم ولكن ابن سعد يقلد الواقدي» . وفيها ترجمة نافع بن عمر الجمحي: «قد قدمنا أن تضعيف ابن سعد فيه نظر لاعتماده على الواقدي» .
وقد رد الأستاذ ص ١٦٨ قول إمام النقاد علي بن المديني في أبي حنيفة: «روى خمسين حديثًا أخطأ فيها» فقال الأستاذ: «لم يذكر وجه تخطئته في الحديث حتى يحتاج إلى الجواب وهو على كل حال جرح غير مفسر» وذكر ص ١٥٨ قول ابن أبي داود: «إن أبا حنيفة أخطأ في نصف أحاديثه» فقال الأستاذ:
«فلا نشتغل بالرد على هذا الكلام المرسل منه جزافًا من غير أن يبين ما هو خطؤه وفي أي حديث كان ذلك الخطأ» وذكر الأستاذ ص ٩٠ قول ابن حبان في أبي حنيفة:
[ ١ / ٢٩٠ ]
فقه الإمام الفزاري
«كان أجل في نفسه من أن يكذب ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكان يروي فيخطئ من حيث لا يعلم ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم، حدث بمقدار مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما إسنادها أو غير متنها» .
فأجاب الأستاذ جوابًا إجماليًا يأتي مع النظر فيه في ترجمة ابن حبان إن شاء الله، يدفع الأستاذ هذه النصوص وإضعافها بأنها لم تفسر، ويتشبث في الغض من أبي إسحاق بتلك الفخارة النيئة «كثير الخطأ في حديثه» محاولًا أن ينطح بها الجبل الشامخ، وإذا قد تحطمت تلك الفخارة على رأس حاملها فلنذكر تقريظ الأئمة لأبي إسحاق (١) أما ثقته فقال ابن معين: «ثقة ثقة»، وقال أبو حاتم: «الثقة المأمون الأمام»، وقال النسائي: «ثقة مأمون أحد الأئمة» ووثقه جماعة غير هؤلاء واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة والناس.
وأما فقهه فقال ابن المبارك: «ما رأيت رجلًا أفقه من أبي إسحاق الفزاري» وقال عبد الله ابن داود الخُريبي: «لقول أبي إسحاق أحب إليَّ من قول إبراهيم النخعي» .
وأثنى عليه آخرون في الفقه.
وأما معرفته بالسير فقال ابن عيينة: «ما ينبغي أن يكون رجل أبصر بالسير (وفي نسخة: بالسنن) منه» وقال الخليلي «أبو إسحاق يقتدى به وهو صاحب (كتاب السير) نظر فيه الشافعي وأملى كتابا على ترتيبه ورضيه» وقال الحميدي: «قال لي الشافعي: لم يصنف أحد في السير مثله» .
وأما إمامته وفضله فقال سفيان بن عيينة: «كان إمامًا» وقال أيضًا: «والله ما
_________________
(١) من «تقدمة الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم و«تذكرة الحافظ» الذهبي و«تهذيب التهذيب» .
(٢) انظر «تفسير سفيان بن عيينة» جمع وتحقيق أحمد صالح محايري. طبع المكتب الاسلامي. فقد قال عنه: «كان إمامًا»
[ ١ / ٢٩١ ]
رأيت أحدًا أقدمه عليه» وقال الفضيل بن عياض: «ربما اشتقت إلى المصيصة وما بي فضل الرباط بل لأرى أبا إسحاق» وقال أبو داود الطيالسي: «مات أبو إسحاق الفزاري وليس على وجه الأرض أفضل منه» وقال عبد الرحمن بن مهدي: «إذا رأيت شاميًا يحب الأوزاعي وأبا إسحاق فاطمئن إليه، كانا إمامين في السنة» وقال أبو أسامة: «سمعت فضيل بن عياض يقول: رأيت النبي ﵌ في النوم وإلى جنبه فرجة، فذهبت لأجلس، فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري، والثناء على أبي إسحاق كثير، وفي هذا كفاية.
فهؤلاء الأئمة ونظراؤهم الراضون عن أبي إسحاق والموافقون والمثنون عليه هم الذين سماهم الأستاذ فيما تقدم من عبارته «أصحاب الأغراض» وقال الأستاذ ص ٦٦ في شأن أبي إسحاق: «حاله في علمه كما علمت وإنما وقعت ذلاقة لسانه في الوقوع في الناس موقع الإعجاب عند كثير ممن يحبون الوقوع في خصومهم بألسنة أناس آخرين فرفعوه إلى غير مرتبته!.
أقول: إذا كان هؤلاء ساخطين على أبي حنيفة هذا السخط الذي يصوره الأستاذ فليت شعري من بقي غيرهم من أئمة الدين يسوغ أن يقال إنه راض عن أبي حنيفة؟ وهل بقي إلا كسير وعوير، وثالث ما فيه خير؟ !
وقال الأستاذ ص ٧٧: «قال الحافظ (؟) ابن أبي العوام: حدثني سمعت إسماعيل ابن داود يقول: كان عبد الله بن المبارك يذكر عن أبي حنيفة فكانوا إذا اجتمعوا بالثغر - يعني المصيصة - لم يحدث ابن المبارك عن أبي حنيفة بشيء ولا يذكر أبو إسحاق الفزاري أبا حنيفة بسوء حتى يخرج ابن المبارك» .
أقول: إن صحت هذه الحكاية فإنما تدل على أدب كل من الإمامين مع صاحبه وحسن اعتقاده فيه، ولو كان ابن المبارك يرى أن أبا إسحاق يكذب على أبي حنيفة ويحكي عنه ما لم يكن ويتكلم فيه بالهوى ما ساغ لابن المبارك أن يسكت.
[ ١ / ٢٩٢ ]
تفرد الكوثري بقوله في الإمام الفزاري: منكر الحديث
٩- إبراهيم بن محمد بن يحيى أبو إسحاق المزكي النيسابوري
وإن تعجب فعجب ما في التعليق على صفحة ٣٨٧ من المجلد١٣ من (تاريخ بغداد)، ونص ذلك: «أبو إسحاق الفزاري منكر الحديث وهذان الخبران وهذان الخبران من مناكيره» أما إني لا أكاد أصدق أن مثل هذا يقع في مصر تحت سمع الأزهر وبصره، وقريب من هذا ما يأتي في ترجمة صالح بن أحمد فإن القضية التي كشفت عنها في (الطليعة) ص ١٢ يعتذر عنها الأستاذ في (الترغيب) بأنه قد سبقته إليها اللجنة الأزهرية. والله المستعان.
٩- إبراهيم بن محمد بن يحيى أبو إسحاق المزكي النيسابوري. في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٨٥ «أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي النيسابوري حدثنا محمد بن المسيب..» قال الأستاذ ص ٧١ «لم يكن البرقاني يرضاه، وتفصيل أحواله عند الخطيب» .
أقول قال الخطيب في (التاريخ) ٦/ ١٦٨: « وكان ثقة ثبتًا مكثرًا مواصلًا للحج وكان عند البرقاني عنه سقط أو سقطان ولم يخرج عنه في (صحيحه) شيئًا فسألته عن ذلك فقال: حديثه كثيرًا الغرائب وفي نفسي منه شيء فلذاك لم أروعنه في (الصحيح) . فلما حصلت بنيسابور في رحلتي إليها سألت أهلها فأثنوا عليه أحسن الثناء وذكروه أجمل الذكر، ثم لما رجعت إلى بغداد ذكرت ذلك للبرقاني فقال قد أخرجت في (الصحيح) أحاديث كثيرة بنزول، وأعلم أنها عندي بعلو عن أبي إسحاق المزكي إلا أني لا أقدر على إخراجها لكبر السن وضعف البصر وتعذر وقوفي على خطي لدقته - أو كما قال» أقول فزال ما كان في نفس البرقاني من المزكي وعاد فرضيه، وكانت نيسابور في ذاك العصر دار الحديث، وحكى الخطيب عن الحاكم قال: «كان إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي من العباد المجتهدين عقد له الإملاء بنيسابور سنة ٣٣٦ وهو أسود الرأس واللحية وزكى في تلك السنة، وكنا نعد في مجلسه أربعة عشر محدثًا منهم أبو العباس الأصم وأبو عبد الله بن الأخرم وأبو عبد الله الصفار ومحمد بن صالح وأقرانهم» .
وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد حالين:
[ ١ / ٢٩٣ ]
١٠- إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجوزجاني
الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب.
ففي الحال الأولى تكون تبعة النكارة على الراوي نفسه لظهور براءة من فوقه عنها، وفي الحال الثانية يقال من أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه؟ فيتهم بسرقة الحديث كما قال ابن نمير في أبي هشام الرفاعي «كان أضعفنا طلبا وأكثرنا غرائب» . وحفاظ نيسابور كانوا يعرفون صاحبهم بكثرة الطلب والحرص عليه وطول الرحلة وكثرة
الحديث، ولازم ذلك كثرة الغرائب، وعرفوه مع ذلك بالأمانة والفضل والثبت يشكوا فيه وهم أعرف به ولذلك رجع البرقاني إلى قولهم.
١٠- إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجوزجاني. قال الأستاذ ص ١١٥ في كتاب (الجرح والتعديل): «أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيما كتب إلي: عن أبي عبد الرحمن المقري قال كان أبو حنيفة يحدثنا فإذا فرغ من الحديث قال هذا الذي سمعتم كله ريح وأباطيل، ثم قال: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيما كتب إليَّ حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريرًا يقول: قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني» ثم قال الأستاذ «وابن أبي حاتم من أعرف الناس أن الجوزجاني منحرف عن أهل الكوفة حتى استقر قول أهل النقد فيه على أنه لا يقبل له قول في أهل الكوفة، وكان ناصبيًا خبيثًا حريزي المذهب أخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها فقال: سبحان الله فروجة لا يوجد من يذبحها وعلي يذبح في ضحوة نيفا وعشرين ألف مسلم. فمثل هذا الخبيث يصدقه ذلك التقي في أبي حنيفة» .
أقول أما الحكاية الأولى فقد عرف عن أبي حنيفة أنه يترك العمل بكثير من الأحاديث كما يأتي في قسم الفقهيات إن شاء الله تعالى والحنفية ومنهم الأستاذ يعتذرون عن ذلك بما هو معروف، وأما تركه العمل بكثير من الآثار عن الصحابة والتابعين فواضح، فأي مانع أن يحدث بأشياء من ذلك ثم يقول تلك الكلمة؟ وأما
[ ١ / ٢٩٤ ]
الحكاية الثانية فيأتي النظر فيها في ترجمة محمد بن جابر إن شاء الله تعالى.
وأما الجوزجاني فحافظ كثير متقن عارف وثقه تلميذه النسائي جامع «خصائص علي» وقائل تلك الكلمات في معاوية، ووثقه آخرون، فأما ميل الجوزجاني إلى النصب فقال ابن حبان في (الثقات) «كان حريزي المذهب ولم يكن بداعية وكان صلبا في السنة إلا أنه من صلابته ربما كان يتعدى طوره» وقال ابن عدي شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الليل على علي» .
وليس في هذا ما يبين درجته في الميل، فأما قصة الفروجة فقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب»: «قال السلمي عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي اجتمع علي بابه أصحاب الحديث فأخرجت جارية له فروجة » فالسلمي هو محمد بن الحسين النيسابوري ترجمته في (لسان الميزان) ج ٥ ص١٤٠ تكلموا فيه حتى رموه بوضع الحديث، والدارقطني إنما ولد بعد وفاة الجوزجاني ببضع وأربعين سنة وإنما سمع الحكاية على ما في معجم البلدان (جوزجانان) من عبد الله بن أحمد بن عدبس ولابن عدبس ترجمة في (تاريخ بغداد) ج ٩ ص ٣٨٤ و(تهذيب تاريخ ابن عساكر) ج ٧ ص ٢٨٨ ليس فيها ما يبين حاله فهو مجهول الحال فلا تقوم بخبره حجة، وفوق ذلك فتلك الكلمة ليست بالصريحة في البغض فقد يقولها من يرى أن فعل علي ﵇ خلاف الأولى أو أنه اجتهد فأخطأ، وفي (تهذيب التهذيب) ج ١٠ ص ٣٩١ عن ميمون بن مهران قال: «كنت أفضل عليًا على عثمان فقال عمر بن عبد العزيز أيهما أحب إليك رجل أسرع في المال أو رجل أسرع في كذا - يعني الدماء قال فرجعت وقلت: لا أعود»، وهذا بين في أن عمر بن عبد العزيز وميمون بن مهران كانا يريان فعل علي خلاف الأولى أو خطأ في الاجتهاد، ولا يعد مثل هذا نصبا إذ لا يستلزم البغض بل لا ينافي الحب، وقد كره كثير من أهل العلم معاملة أبي بكر الصديق لمانعي الزكاة معاملة المرتدين ورأوا أنه أخطأ، وهم مع ذلك يحبونه ويفضلونه.
[ ١ / ٢٩٥ ]
١١- أحمد بن إبراهيم
١٢- أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القطيعي
فأما حط الجوزجاني على أهل الكوفة فخاض بمن كان شيعيًا يبغض الصحابة أو يكون ممن يظن به ذلك، وليس أبو حنيفة كذلك ثم قد تقدم في القاعدة الرابعة من قسم القواعد النظر في حط الجوزجاني على الشيعة وأتضح أنه لا يجاوز الحد وليس فيه ما يسوغ اتهامه بتعمد الحكم بالباطل، أو يخدش في روايته ما فيه غض منهم أو فيهم، وتوثيق أهل العلم له يدفع ذلك البتة كما تقدم في القواعد. والله الموفق.
١١- أحمد بن إبراهيم. راجع (الطليعة) ص٣١- ٣٢. وقع في (الطليعة) ص٣١ «وذكر سماعه من شريك» اعترضها الأستاذ في (الترحيب) بأنه ليس في (تهذيب التهذيب) ذكر ذلك، وصدق الأستاذ وقع الوهم في (الطليعة) لسبب الاختصار وصواب العبارة هكذا «ذكر الخطيب سماعه من شريك وذكر المزي في (التهذيب) شريكًا في شيوخه» .
ثم ذكر الأستاذ أنه لا يحتج بالخطيب فيما هو منهم فيه، وأقول قد تقدم في القواعد الكلام في التهمة، والخطيب حجة على كل حال، على أن نص الخطيب على سماع أحمد ابن إبراهيم من شريك إنما وقع في ترجمة أحمد بن إبراهيم حيث لا عين لذكر أبي حنيفة ولا أثر، وبين تلك الترجمة وترجمة أبي حنيفة تسعة مجلدات، والخطيب لا يعلم الغيب. ولو علمه لنص على السماع عند تلك الحكاية نفسها، وكأن هم الأستاذ في (الترحيب) أن يقال: قد أجاب، لا أن يقال: لعله قد أصاب!
١٢- أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القطيعي. في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٤١١) «أخبرنا بشرى بن عبد الله الرومي ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان » قال الأستاذ ص ١٤١: «مختلط فاحش الاختلاط .»
أقول قضية الاختلاط ذكرها الخطيب في (التاريخ) ج ٤ص ٧٣ قال «حدثت عن أبي الحسن ابن الفرات .» وذكرها الذهبي في (الميزان) عن ابن الصلاح قال «اختل في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئا مما يقرا عليه ذكر هذا أبو الحسن ابن الفرات» والظاهر أن ابن الصلاح إنما اخذ ذلك مما ذكره الخطيب،
[ ١ / ٢٩٦ ]
ولا ندري من حدث الخطيب ومع الجهالة به لا تثبت القصة لكن ابن حجر شدها بأن الخطيب مكي في ترجمة أحمد بن أحمد السِّيبي أنه قال «قدمت بغداد وأبو بكر بن مالك حي . فقال لنا ابن الفرضي لا تذهبوا إلى ابن مالك فأنه قد ضعف واختل ومنعت ابني السماع منه» وهذه الحكاية في (التاريخ) ج ٤ ص٤ لكن ليس فيها ما في تلك المنقطعة مما يقتضي فحش الاختلاط وقد قال الذهبي في (الميزان) بعد ذكر الحكاية الأولى «فهذا القول غلو وإسراف» .
أقول ويدل على أنه غلو وإسراف أن المشاهير من أئمة النقد في ذلك العصر كالدارقطني والحاكم والبرقاني لم يذكروا اختلاطًا ولا تغيرًا.
وقد غمزه بعضهم بشيء آخر قال الخطيب «كان بعض كتبه فاستحدث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماعه فغمزه الناس إلا أنا لم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه ولا ترك الاحتجاج به، وقد روى عنه من المتقدمين الدارقطني وابن شاهين سمعت أبا بكر البرقاني سئل عن ابن مالك فقال كان شيخًا صالحًا ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه فغمزوه لأجل ذلك وإلا فهو ثقة» قال الخطيب «وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك حتى ثبت عندي أنه صدوق لا يشك في سماعه وإنما كان فيه بله، فلما غرقت «القطيعة» (١) بالماء الأسود غرق شيء من كتبه فنسخ بدل ما غرق من كتاب لم يكن فيه سماعه» .
أقول أجاب ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٧ ص ٩٣ عن هذا بقوله «مثل هذا لا يطعن به عليه لأنه يجوز أن تكون الكتب قد قرأت عليه وعورض بها أصله، وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والبرقاني وأبي نعيم والحاكم» .
_________________
(١) هي محال ببغداد أقطعها المنصور أناسا من الأعيان ليعموها ويسكنوها، وهي قطيعة إسحاق الأزرق وأم زبيدة بنت جعفر بن المنصور، كما في القاموس، وإليها ينسب المترجم. ن
[ ١ / ٢٩٧ ]
أقول: وقال الحاكم «ثقة مأمون» ونسخه ما غرق من كتبه من كتاب ليس عليه سماعه يحتمل ما قال ابن الجوزي ويحتمل أن يكون ذاك الكتاب كان أصل ثقة آخر كان رفيقه في السماع فعرف مطابقته لأصله والمدار على الثقة بصحة النسخة، وقد ثبت أن الرجل في نفسه ثقة مأمون، وتلك الحكاية تحتمل ما لا ينافي ذلك فكان هو الظاهر، ولا أدري متى غرق القطيعة بالماء والأسود، وقد فتشت أخبار السنين في (المنتظم) فلن أره ذكر غرقا بالماء السود وإنما ذكر أنه في شهر رمضان سنة ٣٦٧ غرق بعض المحال منها قطيعة أم جعفر فإن كان ذلك هو المراد فإنما كان قبل وفاة القطيعي بنحو سنة واحدة وقد سمع الناس منه الكتب كلها قبل ذلك مرارًا وأخذت منها عدة نسخ، والذين ذكروا الاستنساخ لم يذكروا أنه روى مما استنسخه ولو علموا ذلك لذكروه لأنه أبين في التليين وأبلغ في التحذير، وليس من لازم الاستنساخ أن يروي عما استنسخه ولا أن يعزم على ذلك، وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه، وقد قال الخطيب في (الكفاية) ص ١٠٩: «ومذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره وإن لم يكن الذي سمعه موجبًا لرد الحديث ولا مسقطًا للعدالة، ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى رجاء إن كان الراوي حيًا أن يحمله على التحفظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتًا أن ينزله من نقل عنه منزلته فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز. ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعة ما سمع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده حتى ينظر هل من أخوات ونظائر » .
فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغير وأنه استنسخ من كتاب ليس عليه سماعه كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته ولا بعد موته أنه حدث بعد تغير شديد أو حدث مما استنسخه من كتاب ليس عليه سماعه ولا استنكروا رواية واحدة وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدم تبين بيانًا واضحًا أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به.
[ ١ / ٢٩٨ ]
١٣- أحمد بن جعفر محمد بن سلم
١٤- أحمد بن الحسن بن جنيدب أبو الحسن الترمذي الحافظ
هذا وكتب الإمام أحمد ك (المسند) و(الزهد) كانت نسخها مشهورة متداولة قد رواها غير القطيعي وإنما اعتنوا بالقطيعي واشتهرت رواية الكتب من طريقة لعلو السند، ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي بن المذهب، والحمد لله الذي بنعمته يتم الصالحات.
١٣- أحمد بن جعفر محمد بن سلم. في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٦٩ «أخبرنا محمد ابن أحمد بن رزق أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن علي بن الآبار » قال الأستاذ ص ٣٢: «فابن رزق وأقل ما يقال في شيخه أنه متعصب أعمى البصيرة» .
أقول: ترجمة بن سلم هكذا في (التاريخ) ج ٤ ص ٧١ وفيها: «كان صالحا دينًا مكثرًا ثقة ثبتًا كتب عنه الدارقطني ثم نقل عن ابن أبي الفوارس قال: «توفي أبو بكر بن سلم.. سنة ٣٦٩ وكان ثقة» .
والخطيب يروي بهذا السند من مصنفات الآبار، وكذلك يروي عن الحسن بن الحسين ابن دوما عن ابن سلم عن الآبار فكل ما أسنده عن هذين عن ابن سلم عن الآبار فهو ثابت عن الآبار حتمًا لا شأن لهؤلاء الثلاثة ابن رزق وابن دوما وابن سلم فيه، فإن كانت تبعه فعلى الأبار وستأتي ترجمته.
١٤- أحمد بن الحسن بن جنيدب أبو الحسن الترمذي الحافظ الرحال صاحب أحمد ابن حنبل. في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٤١٨): « أحمد بن الحسن الترمذي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول. . .»
[ ١ / ٢٩٩ ]
الأستاذ ص١٦٣ «وأحمد بن الحسن الترمذي من أصحاب أحمد، لا يقل تعصبًا من عبد الله بن أحمد وإن روى عنه البخاري حديثًا واحدًا في المغازي، وكم بين رجال البخاري من يؤخذ عنه شيء دون شيء» .
أقول هذا الرجل معروف بالحفظ والمعرفة أثنى عليه أبو حاتم وابن خزيمة وهما ممن روى عنه وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج٢ ص ٤١٦ ولم يذكر بشيء من التعصب لكن كونه من أصحاب أحمد وروى عنه تلك الكلمة كاف عند الأستاذ لرميه بشدة التعصب وقد تقدم تحقيق حكم التعصب في
القواعد. أما قلة رواية البخاري عنه فلأنه من أقرانه، والبخاري كغيره من الأئمة يتحرى علو الإسناد، فلا يكاد يروي في (الصحيح) عمن هو أكبر منه بقليل فضلًا عن أقرانه إلا ما أعوزه أن يجده عند من هو في طبقة كبار شيوخه. وإذا كان الرجل بحيث يؤخذ عنه الحديث في (الصحيح) فلأن تؤخذ عنه الحكايات أولى.
١٥- أحمد بن الحسن بن خيرون. قال الأستاذ ص ٣١:
«تكلم الحافظ أبو الفضل بن طاهر في أحمد بن الحسن المعروف بابن خيرون الذي كان الخطيب سلم إليه كتبه فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي وبينها نسخة الخطيب من (تاريخ بغداد) حتى روى الناس (تاريخ الخطيب) من نسخة ابن خيرون لا عن الخطيب، وبنوا فيها زيادات على ما كانوا سمعوه من الخطيب فقالوا: إن ابن خيرون هو الذي زادها حتى رمى أبو الفضل «ابن طاهر» المقدسي ابن خيرون بكل سوء وإن لم يعجب ذلك الذهبي وقد نقل في (ميزان الاعتدال) عن ابن الجوزي أنه قال: سمعت مشايخنا يقولون إن الخطيب أوصى ابن خيرون أن يزيد وريقات في (تاريخه) وكان لا يحب أن تظهر منه في حياته، فبذلك تعلم أن الزيادة فيه لا شك فيها لكن هناك رواية أنها كانت بوصية من الخطيب فتكون تبعة الزيادة على عاتق المؤلف نفسه، أو الزائد هو ابن خيرون فيسقط ابن خيرون من مرتبة أن يكون مقبول الرواية على رأي أبي الفضل ابن طاهر المقدسي ومن الغريب أن المثالب الشنيعة المتعلقة بأبي حنيفة في (تاريخ الخطيب) لم تذع إلا بعد أن تحنف
[ ١ / ٣٠٠ ]
عالم الملوك الملك المعظم عيسى الأيوبي ولذلك كان هو أول من رد عليها ولو ذاعت المثالب قبل ذلك لما تأخر العلماء من الرد عليها كما فعلوا مع عبد القاهر البغدادي وابن الجويني وأبي حامد الطوسي وغيرهم وسبط ابن الجوزي رد على الخطيب أيضًا في عصر الملك المعظم »
أقول: ابن خيرون ذكره ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص٨٧ وقال: «روى عنه أبو بكر الخطيب وحدثنا عنه أشياخنا وكان من الثقات، وشهد عند أبي عبد الله الدامغاني «قاضي القضاة الحنفي المشهور» ثم صار أمينًا له» .
وفي (تذكرة الحفاظ) ج ٤ ص ٧: «ذكره السمعاني فقال: ثقة عدل متقن واسع الرواية سمعت عبد الوهاب بن خيرون يقول: ما رُئُيَ مثل أبي الفضل بن خيرون لو ذكرت كتبه وأجزاءه التي سمعها يقول لك عمن سمع وبأي طريق سمع وكان يذكر الشيخ وما يرويه وما ينفرد به ، قال أبو طاهر السلفي: كان كيحيى بن معين في وقته ، وقد ذكرت في (ميزان الاعتدال) كلام ابن طاهر فيه بكلام مردود وأنه كان يلحق بخطه أشياء في (تاريخ الخطيب) وبينا أن الخطيب أذن له في ذلك، وأما خطه فمشهور وهو بمنزلة الحواشي، فكان ماذا؟» .
وفي (الميزان): أحمد بن الحسن بن خيرون أبو الفضل الثقة الثبت محدث بغداد تكلم فيه ابن طاهر بقول زائف سمج فقال: حدثني ابن مرزوق حدثني عبد المحسن بن محمد قال: سألني ابن خيرون أن أحمل إليه الجزء الخامس من (تاريخ الخطيب) فحملته إليه فرده، وقد ألحق فيه ترجمة محمد بن علي رجلين لم يذكرهما الخطيب، وألحق في ترجمة قاضي القضاة الدامغاني «الحنفي»: «كان نزهًا عفيفًا» وقال ابن الجوزي: قد كنت أسمع من مشايخنا أن الخطيب أمر ابن خيرون أن يلحق وريقات في كتابه ما أحب الخطيب أن تظهر عنه.
قلت: وكتابته لذلك كالحاشية وخطه معروف لا يلتبس بخط الخطيب أبدًا وما زال الفضلاء يفعلون ذلك، وهو أوثق من ابن طاهر بكثير بل هو ثقة مطلقا..» .
[ ١ / ٣٠١ ]
أقول: (تاريخ الخطيب) قرئ عليه في حياته ورواه جماعة ويظهر أنها أخذت منه عدة نسخ في حياته الخطيب على ما جرت به عادة المثرين من طلبة العلم والمجتهدين منهم أن يستنسخ كل منهم الكتاب قبل أن يسمعه على الشيخ ثم يسمع في كتاب نفسه ويصحح نسخته، وكثير منهم يستنسخ قبل كل مجلس القطعة التي يتوقع أن تقرأ في ذلك المجلس إلى أن يتم الكتاب.
وعبد المحسن الذي روى ابن طاهر من طريقه ذكر الزيادة هو عبد المحسن بن محمد الشيحي وفي ترجمته من (المنتظم) ج٩ ص١٠٠ «أكثر عن أبي بكر الخطيب بصور وأهدى إليه الخطيب (تاريخ بغداد) بخطه وقال: لو كان عندي أعز منه لأهديته له» ومن الواضح أن الخطيب لا يهدي نسخته الوحيدة من تاريخه الجليل ويبقى بلا نسخة فلا بد أن تكون عنده أخرى، ومن البين أن العالم لا يزال يحتاج إلى الزيادة في تأليفه فلعله زاد في النسخة التي بقيت عنده أشياء لم تكن في النسخة التي أهداها لعبد المحسن فإذا كانت هذه النسخة الأخيرة صارت لابن خيرون كما يقول الأستاذ فطلب ابن خيرون من عبد المحسن أن يبعث إليه بالجزء الخامس من نسخته فألحق ما ألحق فإن كان ألحق على أنه من الكتاب فإنما ألحق ذلك من نسخة الخطيب الأخيرة، وإن كان إنما كتب حاشية كما قال الذهبي فالأمر أوضح وما ذكره الأستاذ: أن كتب الخطيب احترقت عند ابن خيرون لا أتحققه، نعم ذكروا احتراقًا، ولكن لم أجد نصًا على أن نسخة الخطيب من (تاريخه) احترقت ولا أن الناس إنما رووا (التاريخ) بعد ذلك عن نسخة لابن خيرون لا عن خط الخطيب بل هذا باطل حتمًا، وقد علمت أنه كان عند عبد المحسن نسخة أخرى بخط الخطيب، ولا بد أن تكون عند غيره نسخ مما صحح على نسخة الخطيب عند القراءة عليه وقد روى جماعة منهم ابن الجوزي وأبو اليمن الكندي أستاذ الملك المعظم وخليله سبط بن الجوزي (تاريخ بغداد) عن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز يقول: «أخبرنا الخطيب» أو نحو ذلك، وفي ترجمته في من (المنتظم) ج ١٠ ص ٩٠ «سَمَّعه أبوه وعمه الكثير، وكان صحيح السماع» ولا بد أن
[ ١ / ٣٠٢ ]
تكون عنده نسخة أخرى سمع فيها الخطيب وإلا لطعنوا فيه بأنه يروي مما ليس عليه سماعه، ثم رأيت في (معجم الأدباء) ج٤ ص ٣٨:
«قال السمعاني لما رجعت إلى خراسان حصل لي (تاريخ الخطيب) بخط شجاع بن فارس الذهلي «الحافظ الثبت» الأصل الذي كتبه بخطه لأبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز وعلى وجه كل واحد من الأجزاء: سماع لأبي غالب ولابنه أبي منصور عبد الرحمن » .
فهذه النسخة كتبها ذاك الحافظ الثبت بخطه وسمع فيها القزاز وولده على الخطيب وصححت على نسخته، ولا أدري أكانت عند الابن نسخة أخرى مما سمع على الخطيب فكان يروي منها أم كان قد استنسخ من هذه التي بخط شجاع الذهلي نسخة أخرى قوبلت على الأصل، وكتب العلماء شهادتهم بذلك ونقلوا سماعه إلى نسخته الجديدة وباع الأصل حتى صار لابن السمعاني. وعلى كل حال فالنسخة التي كانت عند القزاز صحيحة عن الخطيب ولا شأن لها بنسخة عبد المحسن ولا بالنسخة التي كانت عند ابن خيرون ولا بنسخة ابن خيرون، ونسختا ابن الجوزي والكندي أستاذ المعظم مأخوذتان عن نسخة القزاز ونسختا سبط ابن الجوزي والمعظم تبع لذلك وكان المعظم ملكًا مسلطًا متعصبًا وصاحبه سبط ابن الجوزي جوالًا متفانيًا في هواه وهما أول من رد على الخطيب كما ذكر الأستاذ ولعلهما قد وقفا على عدة نسخ أخرى فلو عرفا أن بين النسخ اختلافًا في الموضع الذي ردا عليه لما سكتا عن بيان ذلك.
فأما سكوت من قبلهما من علماء الحنفية عن الرد على الخطيب مع ردهم على غيره فلأنهم أعقل منهما ومن الأستاذ، إنما ردوا على رسائل صغيرة من شأنها أن تشيع وتذيع فأما ما في ذاك الموضع من (تاريخ بغداد) فرأوا أنه مدفون في كتاب كبير لا يقف عليه إلا الأفراد فتكلف الجواب إنما هو سعي في انتشار ذلك واشتهاره فعلموا أن السكوت أسلم ولما خالفهم الأستاذ وقع فيما تراه، وعلى أهلها تجني براقش. وقد ذكر ابن عساكر نسختين أخريين انظر
[ ١ / ٣٠٣ ]
١٦- أحمد بن خالد الكرماني
١٧- أحمد بن الخليل
(تاريخ دمشق) ج ١ ص ٤٥- ٤٦ (١) .
وقد حقر الأستاذ ابن خيرون وعظم ابن طاهر والملك عيسى، فأما محمد بن طاهر فترجمته في (الميزان) و(لسانه) و(المنتظم) ج ٩ ص١٥٧ ويأتي له ذكر في ترجمة الخطيب ومن طالع ذلك وتدبر ما يعتمده الأستاذ علم أن ابن طاهر لو وقع في إسناد حكاية فيها غض من أبي حنيفة أو أحد أصحابه لحط الأستاذ عليه أشنع حط، ولعله لا يتحاشى عن تكفيره فضلًا عن تفسيقه، وأما الملك عيسى فحسبك أن تتتبع ما يحكيه عنه خليله في المجلد الأخير من تاريخه (مرآة الزمان) في مواضع متعددة، ويمنعني من نقل ذلك هنا أنه كان له مشاهد في قتال الكفار، وأنه حكى عنه ما يدل على محافظته على الصلاة حتى في مرض موته. والله أعلم.
١٦- أحمد بن خالد الكرماني. في (تاريخ بغداد) ٢/ ١٧٨ «محمد بن إسماعيل التمار الرقي قال حدثني أحمد بن خالد الكرماني قال سمعت المقدمي بالبصرة يقول قال الشافعي » .
قال الأستاذ ص ١٨٣: «الكرماني مجهول» .
أقول: أنا أيضًا لم أظفر له بترجمة ولا خبر إلا في هذه الرواية، أو ذكره في شيوخ التمار لكن مثل هذا لا يسوغ لأمثالنا أن يقول: «مجهول» وراجع (الطليعة) ص ٨٦- ٩٨.
١٧- أحمد بن الخليل. راجع (الطليعة) ص ٢٠- ٢٢ وما تقدم في القواعد أواخر القاعدة السادسة (٢) .
١٨- أحمد بن سعد بن أبي مريم في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٤٢٠ «
_________________
(١) ذكر ابن عساكر روايته عن رجلين كل منهما عن الخطيب ثم قال: «كذا في النسختين من تاريخ بغداد » ووقع هناك «في الشيخين» وهو خطأ ظاهر. وفي تذكرة الحفاظ ٤/ ٦١ في ترجمة أبي بكر السمعاني أنه سمع (تاريخ بغداد) من أبي محمد بن الأبنوسي. وأبو محمد من الرواة عن الخطيب.
(٢) أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب. يأتي في ترجمة صالح بن أحمد
[ ١ / ٣٠٤ ]
أبو داود وبقي بن مخلد لا يرويان إلا عن ثقة
أحمد بن سعد ابن أبي مريم قال وسألته - يعني يحيى بن معين - عن أبي حنيفة فقال: لا تكتب حديثه»
قال الأستاذ ص ١٦٨: «كثير الوهم وكثير الاضطراب في مسائله مع مخالفة روايته هذه لرواية الثقات عن ابن معين ويبدو عليه أنه غير ثقة حيث يخالف ثقات أصحاب ابن معين فيما يرويه عنه في أبي حنيفة وأصحابه» .
أقول: ممن روى عن أحمد هذا النسائي وقال: «لا بأس به» وأبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما في (تهذيب التهذيب) في ترجمة الحسين بن علي بن الأسود وترجمة داود بن أمية، وبقي بن مخلد وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما في ترجمة أحمد هذا من (تهذيب التهذيب) (١) . فأما كثرة وهمه وكثرة اضطرابه في مسائله فلم أعرفه، وكان على الأستاذ أن ينقل ذلك عمن يعتد بقوله، أو يذكر عدة أمثلة لما زعمه، وقد رد الأستاذ قول إمام النقاد علي بن المديني في أبي حنيفة: «أخطأ في خمسين حديثًا» بأنه لم يفصل ذلك كما سلف مع نظائره في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحارث، فكيف يطمع الأستاذ أن نقبل من مثله هذه المجازفة؟! وأما دعوى مخالفة روايته هذه لروايات الثقات عن ابن معين فالجواب من أوجه:
الأول: المطالبة بتثبيت تلك الروايات.
الثاني: أنه كما يعلم الأستاذ قد جاءت عن ابن معين روايات أخرى في التليين لعلها أثبت من روايات التوثيق.
الثالث: أن ابن معين كثيرًا ما تختلف أقواله وربما يطلق الكلمة يريد بها معنى غير المشهور كما سلف في القواعد في القاعدة السادسة.
الرابع: أن كلمة «لا تكتب حديثه» ليست بصريحة في الجرح فقد يكون ابن معين مع علمه برأي غيره من المحدثين علم أن أحمد قد استكثر من سماع الحديث
_________________
(١) قلت ولهذا قال الحافظ في ترجمته من (التقريب): «صدوق»، ولم يورده الذهبي في (الميزان) . ن.
[ ١ / ٣٠٥ ]
١٩- أحمد بن سلمان النجاد
ويمكنه أن يشتغل بما هو أنفع له من تتبع أحاديث أبي حنفية.
وعلى كل حال فأحمد هذا قد قبله الأئمة واحتجوا به ولم يطعن فيه أحد منهم. والله الموفق.
١٩- أحمد بن سلمان النجاد. في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٨٣: «أخبرنا محمد بن عبد الله أبان الهيتي حدثنا أحمد بن سلمان النجاد حدثنا عبد الله » قال الأستاذ ص٦٥ «يقول فيه الدارقطني: يحدث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله» .
وفي (تاريخ بغداد) ١٣/ ٤٠٤: خبر آخر من طريق النجاد فقال الأستاذ ص ١٢٥ «والنجاد ممن يروي عما ليس عليه سماعه كما نص على ذلك الدارقطني كما في (٤/ ١٩١) من (تاريخ الخطيب) وليس قول الدارقطني فيه: قد حدث أحمد بن سلمان من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله، مما يزال بلعل ولعل» .
أقول: لفظ الدارقطني «حدث » كما في (تاريخ بغداد) في الموضع الذي أحال عليه الأستاذ وهكذا في (تذكرة الحفاظ) وفي (الميزان) و(اللسان)، وهذه الكلمة تصدق بمرة واحدة كما حملها عليه الخطيب إذ قال «كان قد كف بصره في آخر عمره فلعل بعض طلبه الحديث قرأ عليه ما ذكر الدارقطني» بخلاف ما نسبه الأستاذ إلى الدارقطني أنه قال «يحدث من كتاب غيره »، «ممن يروي عما عليه سماعه» فإن هاتين العبارتين تعطيان أن ذلك كان من شأنه، تكرر منه مرارًا! وقد تصرف الأستاذ مثل هذا التصرف وأشد منه في مواضع راجع (الطليعة) ص ٦٦- ٧٢، ويعتذر الأستاذ في (الترحيب) ص١٦ بقوله «وأما مراعاة حرفية الجرح فغير ميسورة كل وقت وكفى بالاحتفاظ بجوهر المعنى» .
[ ١ / ٣٠٦ ]
أقول: على القارئ أن يراجع تلك الأمثلة في (الطليعة) ليتبين له هل احتفظ الأستاذ بجوهر المعنى؟ ولا أدري ما الذي عسر عليه المراعاة لعله كان بعيدًا عن الكتب فلم يتيسر له مراجعتها وإنما اعتمد على حفظه؟ أو لا يحق لي أن أقول إن الذي عسر عليه ذلك هو أنه رأى كلمات الأئمة التي تصرف فيها ذاك التصرف لا تشفي غيظه ولا تفي بغرضه فاضطر إلى ما وقع منه، يدل على هذا أني لم أر كلمة واحدة من كلمات التليين في الذين يريد جرحهم تصرَّف فيها فجاءت عبارته أخف من أصلها، بل رأيته يحافظ على حرفية الجرح حيث يراه شافيًا لغيظه كما يأتي في الترجمة رقم ٢٣ وغيرها! وعلى هذا يكون اعتذاره المذكور اعترافًا بما قلته في (الطليعة) ص ٦٦.
وقول الأستاذ «مما يزال بلعل ولعل» يريد قول الخطيب «.. فلعل بعض الطلبة » وقد مر، ولولا شدة غيظ الأستاذ على المحدثين لاكتفى بنص عبارة الدارقطني وعبارة الخطيب قائلًا: فعلى هذا ينبغي التثبت فيما يرويه عن النجاد من لم يكن في عصره معروفًا بالتيقظ، ورواي تينك الحكايتين عن النجاد هو محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي قال فيه الخطيب « وكان مغفلًا مع خلوه عن علم الحديث » وإذا كانت هذه نهايته فما عسى أن تكون بدايته؟ فلا يؤمن أن يكون سمع تينك الحكايتين من النجاد في ذاك المجلس الذي حدث فيه النجاد من كتاب غيره بما ليس في أصوله.
أقول لو كان الأستاذ يكفكف من نفسه لاكتفى بهذا أو نحوه فإذا قيل له: القضية النادرة لا يعتد بها في حمل غيرها عليها وإنما الحمل على الغالب فقد يمكنه أن ينازع في هذا، أما أنا فأقول: إنما قال الدارقطني «بما لم يكن في أصوله» ولم يقل «بما يكن من حديثه» أو نحو ذلك فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدث به من ذلك الكتاب كان من حديثه» أو نحو ذلك فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدث به من ذلك الكتاب كان من حديثه أو روايته وإن لم يكن في أصوله، وذلك كأن يكون سمع شيئًا فحفظه ولم يثبته في أصله ثم رآه في كتاب غيره كما حفظه فحدث به، أو يكون حضر سماع ثقة غيره في كتاب ولم يثبت اسمه فيه. ثم رأى ذلك
[ ١ / ٣٠٧ ]
٢٠- أحمد بن صالح أبو جعفر المصري المعروف بابن الطبري
الكتاب وهو واثق بحفظه فحدث منه بما كان سمعه، أو تكون له إجازة بجزء معروف ولا أصل له به ثم رأى نسخة موثوقًا بها منه فحدث منها، نعم كان المبالغون في التحفظ في ذاك العصر لا يحدث أحدهم إلا بما في أصوله حتى إذا طولب أبرز أصله، ولا ريب أن هذا أحوط وأحزم لكنه لا يتحتم جرح من أخل بذلك إذا كانت قد ثبتت عدالته وأمانته وتيقظه وكان ما وقع منه محتملًا لوجه صحيح، وقد قال أبو علي ابن الصواف «كان النجاد يجيء معنا إلى المحدثين ونعله في يده فيقال له في ذلك فيقول: أحب أن أمشي في حديث رسول الله ﵌ وأنا حافيًا» فقال أبو إسحاق الطبري «كان النجاد يصوم الدهر ويفطر كل ليلة على رغيف ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة تصدق بذلك الرغيف وأكل تلك اللقم التي استفضلها» وكان ابن رزقويه يقول «النجاد ابن صاعدنا» قال الخطيب «عني بذلك أن النجاد في كثرة حديثه واتساع طرقه وأصناف فوائده لمن سمع منه كابن صاعد لأصحابه إذ كل واحد من الرجلين كان واحد وقته» وقال الخطيب: «كان صدوقًا عارفًا صنف كتًابا كبيرًا في السنن وكان له بجامع المنصور حلقة قبل الجملة للفتوى وحلقة بعدها للإملاء» هكذا في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٨٠ وقال الذهبي أول الترجمة:
«النجاد الإمام الحافظ الفقيه شيخ العلماء ببغداد» .
وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والحاكم وأكثر عنه في المستدرك - وابن منده وابن مردويه وغيرهم ولم ينكر عليه حديث واحد، الثقة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ببينة واضحة لاحتمال فيها كما تقدم في القواعد. والله الموفق.
٢٠- أحمد بن صالح أبو جعفر المصري المعروف بابن الطبري. في (تاريخ بغداد) ٨/٤٢٢ « أحمد بن صالح حدثنا عنبسة بن خالد بن أبي النجاد
[ ١ / ٣٠٨ ]
حدثنا يونس - يعني ابن زيد - قال رأيت أبا حنيفة عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن وكان مجهود أبي حنيفة أن يفهم ما يقول ربيعة» . قال الأستاذ في حاشية ص١٧٣ «أحمد بن صالح مختلف فيه» .
أقول اقتصارك في صدد القدح في الرواية على قولك في الراوي «مختلف فيه» ظاهر في أنه لم يتبين لك رجحان أحد الوجهين، والأستاذ يعلم إجماع أهل العلم على رد كلام الموهن لأحمد بن صالح هذا حتى نصوا على ذلك في متن المصطلح قال العراقي في ألفيته:
وربما رد كلام الجارح كالنسائي في أحمد بن صالح
فربما كان لجرح مخرج غطى عليه السخط حين يحرج
وقد لجأ الأستاذ إلى هذه القاعدة وزاد عليها وبالغ واتخذها عكازة يتوكأ عليها في رد كلام كثير من الأكابر وتخطى ذلك إلى رد روايتهم وتعداه إلى الطعن فيهم.
فأما ابن الطبري فوثقه الجمهور وعظموا شأنه، وقال النسائي «غير ثقة ولا مأمون تركه محمد بن يحيى ورماه يحيى بالكذب» وبين رمي يحيى بقوله: «حدثنا معاوية بن صالح سمعت يحيى بن معين يقول أحمد بن صالح كذاب يتفلسف» وأنكر عليه أحاديث زعم أنه تفرد بها أو خالف. فأما قوله: «غير ثقة ولا مأمون» فمبنية على ما بعدها، وأما قوله: «تركه محمد بن يحيى» فوهم فإن رواية محمد بن يحيى عن أحمد بن صالح موجودة، وقال ابن عدي «حدث عنه البخاري والذهلي «محمد بن يحيى» واعتمادهما عليه في كثير من حديث الحجاز» وكأن الذهلي لما سمع منه النسائي لم يحدثه عن أحمد ابن صالح فظن النسائي أنه تركه، ولعله إنما لم يحدثه عنه لأنه كان حيًا ورأى الذهلي أن النسائي كغيره من طلبة الحديث إنما يرغبون في العوالي. وأما رواية معاوية صالح، عن ابن معين فقد قال البخاري في أحمد بن صالح ابن الطبري «ثقة صدوق وما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة كان أحمد بن حنبل وعلي «ابن المديني» وابن نمير وغيرهم يثبتون أحمد بن صالح، وكان يحيى
[ ١ / ٣٠٩ ]
٢١- أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبو نعيم الأصبهاني الحافظ
«ابن معين» يقول سَلو أحمد فإنه أثبت.
فإن كان هناك وهم في النقل فالظاهر أنه في رواية معاوية لأن البخاري أثبت منه ولموافقة سائر الأئمة وإن كان ليحيى قولان، فالذي رواه البخاري هو المعتمد لموافقة سائر الأئمة. وزعم ابن حبان أن أحمد بن صالح الذي كذبه ابن معين رجل آخر غير ابن الطبري يقال له الأشمومي كان يكون بمكة، ويقوي ذلك ما رواه البخاري من تثبيت ابن معين لابن الطبري وأن ابن الطبري معروف بالصدق لا شأن له بالتفلسف، وقد تقدم في القواعد في أوائل القاعدة السادسة أمثلة للخطأ الذي يوقع فيه تشابه الأسماء. وأما الأحاديث التي انتقدها النسائي على ابن الطبري فقد أجاب عنها ابن عدي، وراجع ما تقدم في القواعد القاعدة الرابعة.
٢١- أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبو نعيم الأصبهاني الحافظ. في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٢٥: «أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو أحمد الغطريفي » قال الأستاذ ص ١٧: «قد أخرج رحلة منسوبة إلى الإمام الشافعي ﵁ في (حلية الأولياء) بسند فيه أحمد بن موسى النجار وعبد الله بن محمد البلوي وهما كذابان معروفان ويذكر الخبر الكاذب وهو يعلم أنه كذب ويعلم أيضًا ما يترتب على ذلك من اغترار جهلة أهل مذهبه بذكره الخبر المذكور وسعيهم في الفتنة سعى الموتور في الثأر. نسأل الله الصون. ومن المعروف أن عادة أبي نعيم الأخبار الكاذبة بأسانيده بدون تنبيه على كذبها. وهو أيضًا ممن يسوق ما يرويه فقط مع ما سمعه في مساق واحد ويقول في الاثنين: حدثنا، وهذا تخليط فاحش وليس جرح ابن منده فيه مما يتغاضى عنه بهوى الذهبي» .
أقول: أما الرحلة فباطلة بذلك السياق حتمًا وهل تنبه أبو نعيم لبطلانها؟ الله أعلم.
وأما سياقه في مؤلفاته الأخبار والروايات الواهية التي ينبغي الحكم على كثير
[ ١ / ٣١٠ ]
بيان متى يكون الراوي للحديث كذبا
منها بالوضع فمعروف، ولم ينفرد بذلك بل كثير من أهل عصره ومن بعدهم شاركوه في ذلك ولا سيما في كتب الفضائل والمناقب، ومنها مناقب الشافعي ومناقب أبي حنيفة. ثم يجيء من بعدهم فيحذفون الأسانيد ويقتصرون على النسبة إلى تلك الكتب، وكثيرًا ما يتركون هذه النسبة إلى تلك الكتب، وكثيرًا ما يتركون هذه النسبة أيضًا كما في (الإحياء) وغيره، وفي (فتح المغيث) ص ١٠٦ في الكلام على رواية الموضوع: «لا يبرأ من العهدة في هذه الإعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك لعدم الأمن من المحذور به وإن صنعه أكثر المحدثين في الإعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جرًا خصوصًا الطبراني وأبو نعيم وابن منده فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته . قال شيخنا وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان .» .
أقول مدار التشديد في هذا على الحديث الصحيح «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» ومن تدبر علم أنه يكون كاذبًا على أحد وجهين:
الأول: أن يرسل ذاك الحديث جازمًا كأن يقول «قال النبي ﷺ » .
الثاني: أن يكون ظاهر حاله في تحديثه أن ذاك الخبر عنده صدق أو محتمل أن يكون صدقًا فيكون موهمًا خلاف الواقع فيكون بالنظر إلى ذاك الإيهام كاذبًا، وقد علمنا أن قول من صحب أنسًا «قال أنس » موهم بل مفهم إفهامًا تقوم به الحجة أنه سمع ذلك من أنس إلا أن يكون مدلسًا معروفًا بالتدليس فإذا كان معروفًا بالتدليس فقال فيما لم يسمعه من أنس «قال أنس » لم يكن كاذبًا ولا مجروحًا وإنما يلام على شرهه ويذكر بعادته لتعرف فلا تحمل على عادة غيره، وذلك أنه لما عرف بالتدليس لم يكن ظاهر حاله أنه لا يقول «قال أنس » إلا فيما سمعه من أنس، وبذلك زال الإفهام والإيهام فزال الكذب، فهكذا وأولى منه من عرف بأنه لحرصه على الجمع والإكثار والأغراب وعلو الإسناد يروي ما سمعه من
[ ١ / ٣١١ ]
سوق أبي نعيم ما يرويه بالاجازة بصيغة أخبرنا
أخبار وإن كان باطلًا ولا يبين، فإنه إذا عرف بذلك لم يكن ظاهر حاله أنه لا يحدث غير مبين إلا بما هو عنده صدق أو محتمل للصدق، فزال الإيهام فزال الكذب، فلا يجرح ولكن يلام على شرهه ويذكر بعادته لتعرف، وكما يكفي المدلس أن يعرف عادته أهل العلم وإن جهلها غيرهم فكذلك هذا، لأن الفرض على غير العلماء مراجعة العلماء، على أن العامة يشعرون في الجملة بما يدفع اغترارهم الذي هو ل به الأستاذ، ولذلك كثيرًا ما نسمعهم إذا ذكر لهم حديث قالوا: هل هو في البخاري؟
فعلى هذا نقول في أبي نعيم جرى مجراه: إن احتمل أنهم لانهماكهم في الجمع لم يشعروا ببطلان ما وقع في روايتهم من الأباطيل فعذرهم ظاهر، وهو أنهم لم يحدثوا بما يرون أنه كذب وإنما يلامون على تقصيرهم في الانتقاد والانتقاء، وإن كانوا شهروا ببطلان بعض ذلك فقد عرفت عادتهم فلم يكن في ظاهر حالهم ما يوجب الإيهام فلا إيهام فلا كذب، فإن اغتر ببعض ما ذكروه من قد عرف عادتهم من العلماء بالرواية فعليه تبعة أو من لم يعرف عادتهم ممن ليس من العلماء بالرواية فمن تقصيره أتي، إذ كان الفرض عليه مراجعة العلماء بالرواية ولذلك لم يجرح أهل العلم أبا نعيم وأشباهه بل اقتصروا على لومهم والتعريف بعادتهم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
قول الأستاذ «وهو ممن يسرق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد ويقول في الاثنين حدثنا» .
أقول يشير إلى ما في «تذكرة الحفاظ»: «قال يحيى بن منده الحافظ سمعت أبا الحسين القاضي يقول سمعت عبد العزيز النخشبي يقول لم يسمع أبو نعيم «مسند الحارث ابن أبي أسامة» بتمامه من ابن خلاد فحدث به كله» .
أقول عقب هذا في «التذكرة»: «قال ابن النجار: وهم «النخشبي» في هذا
[ ١ / ٣١٢ ]
فأنا رأيت نسخة الكتاب عتيقة وعليها خط أبي نعيم يقول: سمع مني فلان إلى آخر سماعي في هذا المسند من ابن خلاد، فلعله روى باقيه بالإجازة» .
أقول: وقول النخشبي «فحدث» إنما تعطى أن أبا نعيم حدث السامعين عنه لا أنه ذكر في كل حديث من المسند أن ابن خلاد حدثه، وابن منده ومن فوقه من خصوم أبي نعيم كانت بين الفريقين نفره شديدة كما يأتي فلا يقبل ما قالوه فيه مما يطرقه الاحتمال على ما سلف في القواعد.
بقي أمران: أحدهما يتعلق برواية أبي نعيم لجزء محمد بن عاصم، ويكفي في هذا ما أوضحه الذهبي في «تذكرة الحفاظ» .
الثاني: قال الذهبي: «قال الخطيب قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها منها أنه يقول في الإجازة: أخبرنا - من غير أن يبين» قال الذهبي «فهذا ربما فعله نادرًا فإني رأيته كثيرًا ما يقول: كتب إلي جعفر الخلدي، و: كتب إلي أبو العباس الأصم، و: أنا أبو الميمون بن راشد في كتابه، لكني رأيته يقول: أنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه فالظاهر أن هذا إجازة» .
وفي (فتح المغيث) للسخاوي ص ٢٢٢ عن شيخه ابن حجر أن هذا اصطلاح لأبي نعيم قد صرح به فقال: إذا قلت: أخبرنا - على الإطلاق من غير أذكر فيه إجازة أو كتابة أو كتب إلي أو أذن لي فهو إجازة، أو: حدثنا فهو سماع، قال ابن حجر «ويقوي التزامه لذلك أنه أورد في «مستخرجه على علوم الحديث للحاكم» عدة أحاديث رواها عن الحاكم بلفظ الإخبار مطلقًا وقال في آخر الكتاب: الذي رويته عن الحاكم بالإجازة »
أقول وإذ عرف اصطلاحه فلا حرج، ولكن من أقسام الإجازة العامة بأن يجيز الشيخ للطالب جميع مروياته أو جميع علومه فينبغي التثبت في روايات العاملين بهذه الإجازة فإذا ثبت في أحدهم أنه لا يروي بها إلا ما ثبت عنده قطعًا أنه من مرويات المجيز فهذا ممن يوثق بما رواه بالإجازة، وإن بان لنا أو
[ ١ / ٣١٣ ]
احتمل عندنا أن الرجل قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع ثقة عنده يحدث به عن المجيز فينبغي أن يتوقف فيما رواه بالإجازة لأنه بمنزلة قوله: حدثني ثقة عندي، وإن بان لنا في رجل أنه قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع غير ثقة يحدث به عن المجيز فالتوقف في المروي أو جب فأما الراوي فهو بمنزلة المدلس عن غير الثقات فإن كان قد عرف بذلك فذاك، وإلا فهو على يدي عدل.
وإذا تقرر هذا فقد رأيت في (تاريخ بغداد) ج ٨ ص ٣٤٥ «أخبرنا أبو نعيم الحافظ أخبرنا جعفر الخلدي في كتابه قال سألت خير النساج » فذكر قصة غريبة ثم قال الخطيب «قلت جعفر الخلدي ثقة وهذه الحكاية طريفة جدًا يسبق إلى القلب استحالتها وقد كان الخلدي كتب إلى أبي نعيم يجيز له رواية جميع علومه وكتب أبو نعيم هذه الحكاية عن أبي الحسن بن مقسم عن الخلدي ورواها عن الخلدي نفسه إجازة وكان ابن مقسم غير ثقة. والله أعلم» .
أقول فقول أبي نعيم: «أخبرنا الخلدي في كتابه» أراد به أن الخلدي كتب إليه بإجازته له جميع علومه فأما القصة فإنما سمعها من ابن مقسم عن الخلدي وابن مقسم غير ثقة، فهذا أشد ما يقدح به في أبي نعيم لكن لعله اغتر بما كان يظهره ابن مقسم من النسك والصلاح فظنه ثقة، فإن ابن مقسم وهو أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم ترجمته في (تاريخ بغداد) ج ٤ ص ٤٢٩ وفيها «حدثنا عنه أبو نعيم الحافظ ومحمد بن عمر وكان يظهر النسك والصلاح ولم يكن في الحديث بثقة» وقد تكلم الدارقطني وغيره في ابن مقسم. والله المستعان.
والحق أن أبا نعيم وضع من نفسه ومن كتبه فجزاؤه أن لا يعتد بشيء من مروياته إلا ما صرح فيه بالسماح الواضح كقوله في الحكاية المارة أول الترجمة «حدثنا أبو أحمد الغطريفي» بخلاف ما استدل به الأستاذ ص ١٠٧ وفيه عن أبي نعيم «أخبرني القاضي محمد بن عمر وأذن لي» فإن هذه الصيغة مما يستعمله أبو نعيم في الإجازة، ومع ذلك فالقاضي محمد بن عمر هو الجعابي متكلم فيه.
[ ١ / ٣١٤ ]
الاشارة إلى الاختلاف بين أبي نعيم وابن منده
٢٢- أحمد بن عبد الله الأصبهاني
ولكن كما أن لأبي نعيم إصلاحًا خاصًا في صيغة «أخبرنا» فكذلك للأستاذ اصطلاح خاص في كلمتي «العقل» و«التواتر» وإنما الفرق أن أبا نعيم بين اصطلاحه، والأستاذ لم يبين، بل يعامل ما يطلق عليه تينك الكلمتين كما ينبغي أن يعامل به العقل والتواتر بمعناها المعروف فيحتج بما يوافق ذلك وإن سنده ساقطًا ويرد ما يخالفه وإن بغاية القوة، فإذا رأى أن مخالفيه يظلمونه فلا يقبلون ذلك منه استحل أن يكيل لهم الكيل الذي كشفت عنه في (الطليعة) . والله المستعان.
وأما كلام ابن منده في أبي نعيم فقد مر بعضه وتبين حاله ولن يكن باقيه إلا طعنا في العقيدة أو من كلمات النفرة، والتنفير أو ما لا يتحصل منه - إذا نظر فيه كما ينبغي على ما سلف في القواعد - ما يثبت به الجرح، إذ قد عرف الناس أنه كان بين آل منده وأبي نعيم اختلاف في العقيدة، جر إلى عداوة شخصية شديدة، وعند الأستاذ أن الحق فيما اختلف فيه الفريقان مع أبي نعيم، وقد ذكر الذهبي في «التذكرة» ج ٣ ص ٣٧٧ عن السلفي «سمعت محمد بن عبد الجبار الفرساني حضرت مجلس أبي بكر بن أبي علي المعدل في صغري فلما فرغ من إملائه قال إنسان: من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم، وكان مهجورًا في ذلك الوقت بسبب المذهب وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع، فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد أن يقتل» .
والذهبي معروف بالميل إلى الحنابلة فهواه مع ابن منده فلم يكن للأستاذ أن ينسبه إلى عكس ذلك.
٢٢- أحمد بن عبد الله الأصبهاني. قال الأستاذ ص١٥١ في طعنه في عبد الله بن حنبل وستأتي ترجمته إن شاء الله: «مثله لا يصدق في أبي حنيفة وقد بلى فيه الكذب (!) وقد روى علي بن حمشاذ - وأنت تعرف منزلته في العلم - أنه سمع
[ ١ / ٣١٥ ]
أحمد بن عبد الله الأصبهاني يقول: أتيت عبد الله بن حنبل فقال: أين كنت؟ فقلت: في مجلس الكديمي، فقال: لا تذهب إلى ذاك فإنه كذاب، فلما كان في بعض الأيام مررت به فإذا عبد الله يكتب عنه فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قلت: لا تكتب عن هذا فإنه كذاب؟ قال: فأومأ بيده إلي فيه أن أسكت، فلما فرغ وقام من عنده قلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قلت: لا تكتب عنه؟ قال: إنما أردت بهذا أن لا يجيء الصبيان فيصيروا معنا في الإسناد واحدًا. اه.
وإن سعى الخطيب في إعلاله في ٣/ ٤٣٩ بأن يقول: إن أحمد بن عبد الله الأصبهاني مجهول، كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ مترجم في (تاريخ أصفهان) لأبي نعيم، ليس ابن حمشاذ الحافظ الثقة ممن يروي عن المجاهيل، ولا هو ممن يعول على من لا يعول عليه، وإن تجاهله الخطيب لحاجة في النفس فليس ذلك بضائره» .
أقول: في هذا الكلام أمور:
الأول: قوله في عبد الله بن أحمد: «وقد بلي فيه الكذب» ثم ساق القصة لإثبات ذلك وستعلم من الكاذب؟!
الثاني: قوله «قد روى علي بن حمشاذ» بصيغه الجزم والتحقيق مع أنه إنما أخذ الحكاية من (تاريخ الخطيب) وإنما قال الخطيب: «حُدّثت عن أبي نصر محمد ابن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي قال: سمعت علي بن حمشاذ يقول » فلم يذكر الخطيب من حدثه فكيف يجزم الأستاذ ويحقق؟ فإن قيل: إن الخطيب أعلّ القصة بالأصبهاني فدل ذلك على ثقة الخطيب بمن حدثه قلت: ليس هذا بلازم فقد لا يكون الخطيب وثق بمن حدثه حق الثقة ولكن رأى إعلال الحكاية بالأصبهاني كافيًا، ومع ذلك فقد ذكر الأستاذ ص ٥٦ قول الحماني: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق. فقال الأستاذ: «قول الراوي: سمعت الثقة، يعدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات» فهل يستثني الأستاذ أبا بكر الخطيب من هذا القاعدة ويزيد فيرى أنه إذا لم يسم شيخه وأشار إلى أنه لم
[ ١ / ٣١٦ ]
أخذ الكوثري ثقة أحمد بن عبد الله من مجرد رواية ابن حمشاذ عنه
يتهمه ثبت بذلك ثقة شيخه فتقوم الحجة بقول الخطيب: «حُدثت عن فلان» ولا تقوم بقول غيره: «حدثني عشرة كلهم ثقات»؟!
الثالث: قوله: «بأن يقول «الخطيب» إن أحمد بن عبد الله الأصبهاني مجهول» .
وإنما قال الخطيب: «قلت: كان عبد الله بن أحمد أتقى لله من أن يكذّب من هو عنده صادق ويحتج بما حكى عنه هذا الأصبهاني وفي هذه الحكاية نظر من جهته» وليس في العبارة كلمة «مجهول» ولا هي صريحة في معناها إذ يحتمل أن يكون الخطيب عرف الأصبهاني بالضعف ويحتمل انه لم يعرفه ولكن استدل بنكارة حكايته على ضعفه، ولا يلزم من عدم معرفته له أن يجزم بأنه مجهول فإن المتحري مثل الخطيب لا يطلق كلمة
«مجهول» إلا فيمن يئس من أن يعرفه هو أو غيره من أهل العلم في عصره، وإذا لم ييأس فإنما يقول: «لا أعرفه» ومن لم يراع هذا وقع فيما وقع فيه الأستاذ في مواضع تقدمت أمثلة منها في (الطليعة) ص ٨٦ - ٩٣.
الرابع: قوله: «كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ» لا أضايق الأستاذ في إطلاقه أن هذا الرجل من شيوخ ابن حمشاذ وإن لم يعرف لابن حمشاذ عنه إلا هذه الحكاية إن صح أن ابن حمشاذ حكاها، ولا في جزمه بذلك مع ما مر في الأمر الثاني، وإنما النظر في جزمه بأن هذا الرجل من الثقات فمن أين لك ذلك؟ أنقلًا؟ فلماذا لم يذكره؟ أم اجتهادًا؟ فما حجته؟ أم مجازفة؟ فالله حسيبه.
والذي يظهر - إن كان ابن حمشاذ حكى هذه الحكاية - أن الأصبهاني أصغر منه، فإن كان ابن حمشاذ كما يأتي يروي فيكثر عن عبد الله بن أحمد وعن الكُديمي، وسماعه منهما ببغداد كما هو ظاهر، فلو سمع الحكاية حين كان ببغداد أو قبل ذلك لكان الظاهر أن يستثبت عبد الله بن أحمد ولو فعل لحكى ذلك مع الحكاية فدل هذا على أنه إن كان حكاها فإنما سمعها بعد ذلك كأن هذا الأصبهاني زعم له أنه دخل بغداد بعده وجرى له ما حكاه.
الخامس: قوله: «مترجم في (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم» قد ذكرت هذا في
[ ١ / ٣١٧ ]
(الطليعة) ص ٩٢ - ٩٣ وقلت: هناك «كذا قال وقد فتشت (تاريخ أبي نعيم) فوجدت فيه مما يقال له: أحمد بن عبد الله - جماعة ليس في ترجمة واحد منهم ما يشعر بأنه هذا، وفوق ذلك فجميعهم غير مُوثَّقين» فتحامى الأستاذ في (الترحيب) التعرض لذاك الموضع البتة!
السادس: قوله: «وليس ابن حمشاذ ممن يروي عن المجاهيل ولا هو ممن يعول على من لا يعول عليه» .
إن أراد بالتعويل الاعتماد فمن أين عرف أن ابن حمشاذ اعتمد على تلك الحكاية وها نحن نجده يروي عن عبد الله بن أحمد وعن الكديمي، فمن روايته عن عبد الله في (المستدرك) ج ١ ص ٦٣ و٣٠١، و٤٥٣، وج ٢ ص ١٦٥، وج ٣ ص ٢٦٩، و٦١٢ وغيرها، ومن روايته عن الكديمي في (المستدرك) ج ١ ص ٦٨، ج٣ ص ٥٥٦، وج ٤ ص ١٣، وغير ذلك. وإن أراد بالتعويل مطلق الرواية أي أن ابن حمشاذ لا يروي إلا عن ثقة فمن أين عرف ذلك؟ وقد وجدنا ابن حمشاذ يروي عن جماعة ممن يكذبهم الأستاذ ظلمًا فمنهم أحمد بن علي الأبار كما في (المستدرك) ج ١ ص٣٣ و٢٢٧، ومنهم محمد بن عثمان بن أبي شيبة كما في (المستدرك) ج ٣ ص ١٤٦ و٣٩٥، وكذلك يروي عن جماعة تكلموا فيهم والعمل على التوثيق كالحارث بن أبي أسامة وإبراهيم بن ديزيل والحسن بن علي المعمري، وعن جماعة متكلم فيهم كالكديمي وقد مرَّ، ومحمد بن منده الأصبهاني كما في (المستدرك) ج١ ص٣٥٩ وج٢ ص٣١٥، وج٣ ص١٠٧ و٥٠٧، وج٤ ص٥٩٣، وقد كذبوا محمد بن منده هذا راجع (لسان الميزان) ج ٥ ص ٣٩٣، وعلي بن صقر السكري كما في (المستدرك) ج ١ ص ٢٤٠، وراجع (لسان الميزان) ج ٤ ص ٢٣٥، وعبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير كما في (المستدرك) ج ١ ص ١٨٧، وراجع (لسان الميزان) ج ٣ ص ٢٦٢، وهناك: (قال الدارقطني متروك» ولم يذكر في الترجمة ما يخالف ذلك، وإسحاق بن إبراهيم بن سنين كما في (المستدرك)
[ ١ / ٣١٨ ]
٢٣- أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن العكي
ج٣ ص ٢١٠ وراجع (لسان الميزان) ج ١ ص ٣٤٨، وجنيد بن حكيم الدقاق كما في (المستدرك) ج ٣ ص ٥٦١ ومحمد بن المغيرة السكري كما في (المستدرك) ج٢ ص٥٣، و١٨٩، و٣٣٠، ٤٨٣، ٥٤١، وراجع (لسان الميزان) ج ٥ ص ٣٨٦.
ولعل ابن حمشاذ قد روى عمن هو أضعف من هؤلاء فتجنب الحاكم الرواية عن ابن حمشاذ عنهم في (المستدرك) على (الصحيحين) فابن حمشاذ كغالب محدثي عصره يروي عن الثقات وعن الضعفاء الأحاديث النبوية فما بالك بالحكايات؟
السابع قوله: «وإن تجاهله الخطيب لحاجة في النفس فليس ذلك بضائره» .
الظاهر أنه يعني ابن حمشاذ، ولا أدري من أين أخذ أن الخطيب تجاهل ابن حمشاذ؟ إن كان أراد أن الخطيب تجاهل أن ابن حمشاذ لا يروي إلا ثقة فقد علمت ما فيه، وإن كان أراد أنه لم يورد له ترجمة في (التاريخ) فليس على شرطه وإنما التزم أن يذكر من الغرباء من دخل بغداد وحدث بها ولا دليل على أن ابن حمشاذ حدث ببغداد.
فليتدبر العاقل هل يسوغ لعالم يصفه أصحابه - أو قل يصف نفسه - بما في عنوان
(التأنيب) «الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة أن يقدم على تكذيب
عبد الله بن أحمد بن حنبل الإمام ابن الإمام في الحق حقًا، محتجًا في زعمه الحكاية، ثم يخلط هذا التخليط مع التخاليط الأخرى مما ترى الكشف عن بعضه في (الطليعة) وفي مواضع أخر في هذا الكتاب؟ أو أن يرمي مثل أبي بكر الخطيب في ما قاله في هذه الحكاية بأنه «لحاجة في النفس» ولا يلتفت إلى ما في نفسه؟!
٢٣- أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن العكي (؟) . في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٦ « الأبار حدثنا أحمد بن عبد الله العكي أبو عبد الرحمن - وسمعت منه بمرو- قال حدثنا مصعب بن خارجه بن مصعب سمعت حمادًا »
[ ١ / ٣١٩ ]
قال الأستاذ ص ١٢٧ «أحمد ابن عبد الله هو الفرياناني المروزي، قال أبو نعيم: مشهور بالوضع، وقال النسائي ليس بثقة، وقال ابن عدي: يروي عن الفضيل وعبد الله بن المبارك وغيرهما المناكير، وقال الدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس في حديثهم، وعن الأثبات ما لم يحدثوا به، وقال ابن السمعاني: وكان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم وكان محمد بن علي الحافظ سيئ الرأي فيه» ثم قال «الصواب: العتكي، كما في (أنساب ابن السمعاني)» .
أقول ذكره ابن السمعاني في (الفرياناني) ووقع في النسخة «العتكي الهاشمي» كذا والهاشمي لا يجتمع في حق النسب مع العتكي ولا مع العكي، وليس في (الميزان) ولا (اللسان) أنه هاشمي ولا عتكي ولا عكي، وليس فيهما ولا في «الأنساب» أنه يروي عن مصعب بن خارجه ولا أنه يروي عن الأبار، لكن لم أجد غيره يصلح أن يكون هو الواقع في السند، فالظاهر أنه هو. ومما قاله ابن السمعاني أن (فريانان) خربت قال: «وبقي قبر أبي عبد الرحمن بها يزوره الناس ويدورون حوله زرته غير مرة» قال «وسئل أحمد بن سيار عنه؟ فقال: لا سبيل إليه» .
وهذا يدل أن الرجل كان له شهرة وصيت في تلك الجهات (١) وقد روى عنه الحسن ابن سفيان وغيره كما في (الميزان)، وقال الذهبي «وقد رأيت البخاري يروي عنه في كتاب (الضعفاء) .
أقول في باب الإمام ينهض بالركعتين من (جامع الترمذي): «قال محمد بن إسماعيل «البخاري»: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا» والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله «لا أروي عنه» أي بواسطة، وقوله «وكل من كان
_________________
(١) قلت: ولذلك كان زوار قبره يدورون حوله، وهذه وتنبيه لا يرضاها الإسلام. والله المستعان. ن
[ ١ / ٣٢٠ ]
تحقيق أن البخاري لا يروي إلا عن صدوق يتميز صحيح حديثه من سقيمه
مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا» يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة، وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة فلأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى، لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيرًا ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة. وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يروعن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقًا في الأصل فإن الكذاب لا يمكن أن يعرف صحيح حديثه. فإن قيل قد يعرف بموافقته الثقات لروى عن ابن أبي ليلى ولم يقل فيه تلك الكلمة فإن ابن ليلى عند البخاري وغيره صدوق وقد وافق عليه الثقات في كثير من أحاديثه ولكنه عند البخاري كثير الغلط بحيث لا يؤمن غلطه حتى فبما وافق عليه الثقات، وقريب منه من عرف بقبول التلقين فأنه قد يلقن من أحاديث شيوخه ما حد ثوابه ولكنه لم يسمعه منهم، وهكذا من يحدث على التوهم فأنه قد يسمع من أقرأنه عن شيوخه ثم يتوهم أنه سمعها من شيوخه فيرويها عنهم.
فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الرواي من شيوخه بمجرد موافقة الثقات، وإنما يحصل بأحد أمرين إما أن يكون الراوي ثقة ثبتا فيعرف صحيح حديثه بتحديثه وإما أن يكون صدوقًا يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاصًا بجهة كيحيى بن عبد الله بكير روى عنه البخاري وقال في (التاريخ الصغير): ما روى يحيى «ابن عبد الله» بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني اتقيه» ونحو ذلك.
فإن قيل قضية الحكاية المذكورة أن يكون البخاري التزم أن لا يروي إلا ما هو عنده صحيح فأنه إن كان يروي مالا يرى صحته فأي فائدة في تركه الرواية عمن لا يدري صحيح حديثه من سقيمه؟ لكن كيف تصح هذه القضية مع أن في
[ ١ / ٣٢١ ]
وصف الكوثري لأحمد بن علي بن مسلم الأبار الحافظ بـ: "المأجور"
كتب البخاري غير الصحيح أحاديث غير صحيحة، وكثير منها يحكم هو نفسه بعدم صحتها؟ قلت: أما ما نبه على عدم صحته فالخطب فيه سهل وذلك بأن يحمل كونه لا يروي ما لا يصح على الرواية بقصد التحديث أو الاحتجاج فلا يشمل ذلك ما يذكره ليبين عدم صحته، ويبقى النظر فيما عدا ذلك، وقد يقال أنه إذا رأى أن الراوي لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه تركه البتة ليعرف الناس ضعفه مطلقًا، وإذ رأى أنه يمكن معرفة صحيح حديثه من سقيمه في باب دون باب ترك الرواية عنه في الباب الذي لا يعرف فيه كما في يحيى بن بكير، وأما غير ذلك فأنه يروي ما عرف صحته وما قاربه أو أشبهه مبينًا الواقع بالقول أو الحال. والله أعلم.
والمقصود هنا أن رواية البخاري عن الفرياناني تدل أنه كان عنده صدوقًا في الأصل، وقد لقيه البخاري فهو أعرف به ممن بعده وقد تأيد ذلك بأن الرجل كان مشهور في تلك الجهة بالخير والصلاح كما مر وأن أحمد بن سيار على جلالته لما سئل عنه قال «لا سبيل إليه» كأنه يريد أنه لا ينبغي الكلام فيه بمدح لضعفه في الرواية ولا قدح لصلاحه في نفسه على أن أكثر الذين تكلموا فيه لم يرموه بتعمد الكذب، فأما أبو نعيم فمتأخر وقد تتبعنا كلام من تقدمه فلم نجد فيه ما تحصل به النسبة إلى الوضع فكيف الشهرة؟
هذا والحكاية التي ذكرها الخطيب عن أحمد بن عبد الله ليست من طريق البخاري وإنما هي من طريق الأبار، والأبار ناقل لا ناقد، ولكن الأستاذ لم يقنع بتوهين تلك الحكاية بل قال «ومن يعول على الوضاع لا يكون إلا من طراز الأبار المأجور» ولا يبعد أن يكون أراد التعريض بالبخاري، وما أو هن رأيًا يضطر الجدل التحرير في الدفاع عنه إلى الطعن في مثل البخاري!!
فأما الأبار فهو أحمد بن علي بن مسلم حافظ تأتي ترجمته، وقول الأستاذ «المأجور» كلمة فاجرة مبنية على خيال كاذب، وسوء ظن صدقه الأستاذ على عادته، حاصل ذلك الخيال أن الأستاذ زعم أن الحافظ الفاضل دعلج بن أحمد السجزي - وسيأتي ترجمته - كان يصل الأبار بالمال الوافر فكان الأبار يجمع
[ ١ / ٣٢٢ ]
٢٤- أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود
الروايات الموافقة لهوى دعلج، وسيأتي في ترجمة الأبار ما يتضح به أنه ليس هناك أي دلالة على أن دعلجًا وصل الأبار بفلس واحد، وهب أنه ثبت أنه وصله بمال كثير، فمثل ذلك لا يسوغ اتهام ذينك الحافظين تهمة ما فضلًا عن هذه التهمة الخبيثة، كيف وقد ثبتت عدالتهما وفضلهما، وكانا من أول عمرهما إلى آخره على مذهب واحد وهو مذهب أهل الحديث المعروف.
أفرأيت إذا ثبت أن بعض تجار الحنفية يصل الأستاذ، أيحل لمخالفي الأستاذ أن يطلقوا عليه تلك الكلمة؟ هذا مع أن بين الرجلين بعد المشرقين وكذلك بين صنيعيهما فالأبار لم يزد على رواية ما سمع، والأستاذ يتصرف التصرفات التي ترى الكشف عن بعضها في (الطليعة) وهذا الكتاب، وإنما يحق أن يسمى مأجورًا من يأتي ما يرى أنه مخالف للدين والشرف والمروءة طمعًا في المال ونحوه. بلى إن الأبار لمأجور أجرًا عظيمًا إن شاء الله تعالى على صدقه وحسن قصده ونيل الكوثري من عرضه.
٢٤- أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود. ذكر الأستاذ ص ١٢٥ للخطيب من طريق عبد الله بن محمد بن جعفر وستأتي ترجمته، ثم قال: «وقد فعل مثل ذلك في أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي الذي كذبه هو » .
أقوله كذَّب الخطيب أحمد هذا وروى في غير ترجمة أبي حنيفة من طريقه حكايتين غير منكرتين ولا عيب في ذلك على الخطيب، فقد روى السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم من الأئمة عن الكلبي مع اشتهاره بالكذب، وفي ترجمته من (الميزان): «يعلى ابن عبيد قال، قال الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل: فإنك تروي عنه، قال أنا أعرف صدقه من كذبه» .
[ ١ / ٣٢٣ ]
٢٥- أحمد بن عبيد بن ناصح أبو عصيدة النحوي
٢٥- أحمد بن عبيد بن ناصح أبو عصيدة النحوي. في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٧٣ «أحمد بن عبيد ثنا طاهر بن محمد » قال الأستاذ ص ٤٢: «فلم يكن بعمدة كما ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من (الميزان)، وقال الخطيب ٢/ ٢٦٠: «قال ابن عدي يحدث بمناكير» وقال أبو أحمد «الحاكم الكبير»: لا يتابع في جل حديثه» .
أقول: لفظ ابن عدي على ما في (تهذيب التهذيب):
«حدث عن الأصمعي ومحمد بن مصعب بمناكير» قال ابن حجر «قال الحاكم أبو عبد الله هو إمام في النحو وقد سكت مشايخنا عن الرواية عنه» وقال ابن حبان في (الثقات): «ربما خالف» وقال ابن عدي: «هو عندي من أهل الصدق» .
أقول: كأن ابن حبان وابن عدي رأيا أنه لا يعتمد الكذب ولكن يخطئ ويهم، مع احتمال أن يكون البلاء في كثير من مناكيره من محمد بن مصعب، فأنه ضعيف يروي المناكير واتهمه بعضهم. فأما الأصمعي فثقة، ويأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته ذكر الحديث الذي أورده الأزدي من طريق أحمد بن عبيد هذا عن الأصمعي واستنكر هو وغيره فأجاب الذهبي بأن أحمد بن عبيد ليس بعمدة فأخذها الأستاذ هنا، وأعرض عنها عندما احتاج إلى الكلام في الأصمعي! والله المستعان.
٢٦- أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي مؤلف (تاريخ بغداد) (١)
قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٢٦٧: «كان أبو بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل فمال عليه أصحابنا «الحنابلة» لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه فانتقل إلى مذهب الشافعي» .
_________________
(١) اطلعت بعد كتابة هذه الترجمة وغيرها ببضع سنين على ترجمة الخطيب بقلم الدكتور يوسف العش أجاد فيها فاستفدت منها قائدتين سألحقهما في موضعهما وأنبه على ذلك.
[ ١ / ٣٢٤ ]
تحقيق أنه سلفي العقيدة وذكر فصل من كلامه في ذلك
أقول أقدم النظر في عقيدة الخطيب، زعم بعضهم أنه كان يذهب إلى مذهب الأشعري فرد الذهبي ذلك بقوله: «قلت مذهب الخطيب في الصفات أنها تمر كما جاءت صرح بذلك في تصانيفه» فاعترضه ابن السبكي في (طبقات الشافعية) ج ٣ ص١٣ بقوله: «قلت هذا مذهب الأشعري وللأشعري قول آخر بالتأويل» .
أقول: الذي شهره المتعمقون عن الأشعري التأويل وإن كان آخر مصنفاته (كتاب الإبانة) أعلن فيه اعتماده مذهب الإمام أحمد وأهل الحديث، فالقائل أن الخطيب كان يذهب مذهب الأشعري أوهم أنه كان من المتأولين، ولم يزد الذهبي على دفع هذا الإيهام، ولكن ابن السبكي لغلوه شديد العقوق لأستاذه الذهبي؛ وقد نقل الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٣١٩ فصلًا من كلام الخطيب في الاعتقاد ينفي عنه التأويل والتعطيل، قال الخطيب:
«أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية (١) والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا بذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والفصل إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين » .
ويظهر أن ابن الجوزي أميل إلى المبتدعة من الخطيب، قال شيخ الإسلام ابن تيميه في (شرح العقيدة الأصفهانية) ص ٦٨:
«وأما الانتساب فانتساب الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد خصوصًا وسائر أئمة الحديث عمومًا ظاهر مشهور في كتبهم كلها، وما في كتب الأشعري مما يوجد
_________________
(١) مراده كغيره نفي الكيفية المدركة بالعقول كما جاء عن ربيعه الرأي ومالك وغيرهما «الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول» وليس المراد نفي أن يكون في نفس الأمر كيفية، كيف وذلك من لوازم الوجود. المؤلف. قلت: وكلام الخطيب هذا محفوظ في بعض مجاميع الظاهرية. ن
[ ١ / ٣٢٥ ]
انتقاله من مذهب أحمد إلى مذهب الشافعي وبيان الباعث له على ذلك
مخالفًا للأمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي وصدقة بن الحسين وأمثالهم ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه» .
وإذ قد بان أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة فلننظر في انتقاله عن مذهب أحمد في الفروع الظاهر أن معنى أنه كان على مذهب أحمد أن والده وأهله كانوا على مذهب أحمد وأنه هو انتقل إلى مذهب الشافعي في صغره زمان طلبه العلم، فما الباعث له على الانتقال؟ يقول ابن الجوزي: إن ذلك لميل الحنابلة عليه وإيذائهم له، فلماذا آذوه؟ يقول ابن الجوزي: لما رأوا ميله إلى المبتدعة. قد تقدم إثبات أن عقيدة أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة وذلك ينفي أن يكون ميله إليهم رغبة في بدعتهم أو موافقة عليها، فما معنى الميل وما الباعث عليه؟
كان الحنابلة في ذاك العصر ينفرون بحق من كل من يقال أنه أشعري أو معتزلي وينفرون عن الحنفية والمالكية والشافعية لشيوع البدعة فيهم، وكان كثير من الحنابلة يبالغون في النفرة ممن نفروا عنه فلا يكادون يروون عنه إذا كان من أهل الرواية ولا يأخذون عنه غير ذلك من العلوم، وإذا رأوا الطالب الحنبلي يتردد إلى أو مالكي أو شافعي سخطوا عليه وقد ذكر ابن الجوزي نفسه في (المنتظم) ج ٩ ص ٢١٣ عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي قال «وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علمًا نافعًا» وتقدم في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي نعيم الأصبهاني ما لفظه «قال إنسان من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم فليفعل - وكان مهجورًا في ذلك الوقت بسبب المذهب وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع، فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد أن يقتل»، مع أن مجلس أبي نعيم إنما كان لسماع الحديث لا للدعوة إلى الأشعرية.
وقد قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٢٦٧ في وصف الخطيب:
[ ١ / ٣٢٦ ]
حرصه عل العلم وإيذاء العامة له
«كان حريصًا على علم الحديث وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه» وقال قبل ذلك بورقة «أول ما سمع الحديث في سنة ٤٠٣ وهو ابن إحدى عشرة سنة وأكثر من السماع من البغداديين ورحل إلى البصرة ثم إلى نيسابور ثم إلى أصبهان ودخل في طريقه همذان والجبال ثم عاد إلى بغداد وخرج إلى الشام وسمع بدمشق وصور ووصل إلى مكة وقرأ (صحيح البخاري) على كريمة في خمسة أيام» .
أقول فحرصه على تحصيل العلم وولوعه به هو الذي كان يحمله على أن يقصد كل من عرف بالعلم مهما كان مذهبه وعقيدته وكان الحنابلة إذ ذاك يخافون عليه بحق أن يقع في البدعة، وإذ كانت نهمته تضطره إلى الانطلاق في مخالفتهم وغيرتهم تضطرهم إلى المبالغة في كفه بلغ الأمر إلى الإيذاء وكان وهو حنبلي لا يرجو من غيرهم أن يعطف عليه ويحميه وينتصر له فاحتاج أن يتحول إلى مذهب الشافعي ليحميه الشافعيون ولا يعارضوه في الاختلاف إلى من شاء من أهل العلم مهما كان مذهبه وعقيدته لأن الشافعية لم يكونوا يضيقون في ذلك مع أنهم إنما استفادوا الخطيب فهم أشد مساحة، وهذا وإن نفعه من جهة الظفر بأنصار أقوياء يتمكن في حمايتهم من طلب العلم كيف شاء لكن من شأنه أن يزيد حنق الحنابلة عليه وغيظهم منه وكانت بغداد مقر الحنابلة وأكثر العامة معهم، والعامة كما لا يخفي إذا اتصل بهم السخط على رجل تسارعوا إلى إيذائه وبالغوا، قال الكوثري في (التأنيب) ص ١٢: «وفي حلقة الخطيب بجامع المنصور فناولوا حدثنا صبيح الوجه دينارًا وقالوا له قف بإزائه ساعة وناوله هذه الرقعة فناوله الصبي وإذا فيها - ما ذكره السبط مما لا حاجة إلى ذكره هنا. ثم قال: وكانوا يعطون السقاء قطعة يوم الجمعة فكان من بعيد يإزائه ويميل رأس القربة وبين يديه أجزاء فيبتل الجميع فتتلف الأجزاء. وكانوا يطينون عليه باب داره في الليل فربما احتاج إلى الغسل لصلاة الفجر فتفوته » .
[ ١ / ٣٢٧ ]
فصل: فيه ذكر حكاية النخشبي أن الخطيب كان يتهم بشرب الخمر وبيان علتها وبطلانها
قال الكوثري: «وفي ذلك عبر من ناحية الخطيب وأحوال الحنابلة في آن واحد» .
أقول: السبط ليس بعمدة كما يأتي وابن طاهر لم يدرك الخطيب لكن ما تضمنته القصة من تتبع أولئك العامة للخطيب وإيذائه يوافق في الجملة ما تقدم عن ابن الجوزي، وكذلك يوافق ما في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٣١٨ عن الحافظ المؤتمن الساجي «تحاملت الحنابلة على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه» وابن الجوزي نفسه يتألم آخر عمره من أصحابه الحنابلة حتى قال في (المنتظم) ج ١٠ ص ٢٥٣ بعد أن ذكر تسليم المدرسة إليه وحضور الأكابر وإلقاءه الدرس: «وكان يومًا مشهودًا لم ير مثله ودخل على قلوب أهل المذهب غم عظيم» وزاد سبطه في (المرآة) عنه: «لأنهم حسدوني» قال السبط «وكان جدي يقول: والله لولا أحمد الوزير ابن هبيرة لانتقلت عن المذهب فإني لو كنت حنفيًا أو شافعيًا لحملني القوم على رؤوسهم» . وليس السبط بعمدة لكن عبارة المنتظم تشعر بصحة الزيادة. هذا حال ابن الجوزي في آخر عمره، فأما الخطيب فأنه كان انتقاله في حداثته ليتمكن من طلب العلم لا ليحمل على الرؤوس، وكأن كلام ابن الجوزي هذا مما جرأ السبط على الانتقال إلى مذهب أبي حنيفة تقربًا إلى الملك عيسى ابن أبي بكر الأيوبي، وقد دافع عنه صاحب (الذيل) على كتابة (المرآة) كما في (لسان الميزان) بقوله «وعندي أنه لم ينتقل عن مذهبه إلا في الصورة الظاهرة» . وهذا العذر يدفع احتمال أن يكون انتقل تدينًا ويعين أنه إنما انتقل لأجل الدنيا.
فصل
قد علمت بعض ما كان يلقاه الخطيب من إيذاء العامة حتى في الجامع وقت إملاء الحديث وفي بيته، إذ كانوا يطينون عليه بابه فيحولون بينه وبين شهود الجماعة. عاش الخطيب في هذا الوسط إلى أن ناهز الستين من عمره، وأولئك المؤذون يتعاقبونه نهارًا وليلًا يتمنون أن يقفوا له على زلة، أو يعثروا له على عثرة،
[ ١ / ٣٢٨ ]
فيشيعوها ويذيعوها ويدونها خصومه في كتبهم وتواريخهم لكنه لم يكن من ذلك شيء، أفليس في هذا الدلالة القاطعة على نزاهة الخطيب وطهارة سيرته؟
اللَّهم إلا أن في (معجم الأدباء) لياقوت ج٤ ص٢٩ عن ابن السمعاني عن عبد العزيز النخشبي أنه في معجم شيوخه:
«ومنهم أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب حافظ فهم ولكنه كان يتهم بشرب الخمر، كنت كلما لقيته بدأني بالسلام فلقيته في بعض الأيام فلم يسلم علي ولقيته شبه المتغير، فلما جاز عني لحقني بعض أصحابنا وقال لي لقيت أبا بكر الخطيب سكران! فقلت له قد لقيته متغيرا واستنكرت حاله، ولم أعلم أنه سكران، ولعله قد تاب إن شاء الله تعالى» قال ابن السمعاني:
«ولم يذكر من الخطيب ﵀ هذا إلا النخشبي مع أبي لحقت جماعة كثيرة من أصحابه» .
أقول النخشبي لم يكن من أهل بغداد وإنما دخلها في رحلته وابن السمعاني دخل بغداد نخلًا، وجمع تاريخًا لها ولقي جماعة لا يحصون من موافقي الخطيب ومخالفيه وأصدقائه وأعدائه من المتثبتين والمجازفين، ومعروف في العادة أنه لا يشرب المسكر فيتغير ثم يخرج يجول في الشوارع إلا من صار شرب المسكر عادة له لا يبالي أن يطلع عليها الناس، وإذا صار عادة استمر زمانًا، فلو كانت هذه حال الخطيب لما خفيت على جميع أهل بغداد وفيهم من أعداء الخطيب جماعة يراقبون حركاته وسكناته ويطينون عليه باب داره بالليل، ويتعطشون إلى أن يظفروا له بعثرة ليذيعوها فيشتفوا بدلًا مما يسيئون به إلى أنفسهم وإلى من ينتسبون إليه أكثر من إساءتهم إلى الخطيب. وفي ذلك مع ظاهر سياق عبارة النخشعي أنه إنما أخذ التهمة من الفقيه التي حكاها وحاصلها أنه كان يعرف من عادة الخطيب أنه إذا لقيه بدأه بالسلام حتى
[ ١ / ٣٢٩ ]
فصل: خروج الخطيب من بغداد إلى دمشق ثم نفيه منها وبيان سبب ذلك
لقيه مرة فلم يبدأه بالسلام، والظاهر أن النخشبي بدأ هو بالسلام فرد عليه الخطيب ولم ينبسط إليه، فإن النخشبي من أهل العلم فلم يكن ليترك السلام معتذرًا أن الخطيب لم يبدأه مع أن الظاهر أن النخشبي أصغر من الخطيب وإن مات قبله، والسنة أن الأصغر أولى أن يبتدئ بالسلام ولو سلم الخطيب فلم يرد عليه لحكى ذلك فأنه أدل على مقصوده، فاستنكر النخشبي من الخطيب أنه لم يبدأه بالسلام ولا أنبسط إليه على أعادته فعد ذلك الشبه تغير، ومعلوم أن الإنسان قد يعرض له ما تضيق به نفسه من هم أو غم أو تفكير في حل مشكل أو تكدر خاطر من سماع مكروه أو إيذاء مؤذ فيقصر عما جرت به عادته من الانبساط وحسن الخلق. والنخشبي يقول «لحقني بعض أصحابنا وقال لي لقيت الخطيب سكران؟» أحسبه يعني بقوله (أصحابنا) الحنابلة فكأنه لقي الخطيب بعض العامة الذين يتعاقبون الخطيب ويأذونه كما سلف وكأنه آذى الخطيب واسمعه المكروه فأعرض الخطيب وتغافل متكدرًا وأسرع في المشي فمر بالنخشبي وهو حديث عهد بسماع المكروه من بعض أصحابه فلم ينبسط إليه، وكذلك صنع باللاحق فهذا هو شبه التغيير الذي أراه النخشبي وهو السكر الذي أطلقه ذلك اللاحق (١) هذا كله دفع لاحتمال فامن الثبوت الشرعي فلاحظ لتلك الحكاية فيه بحال (٢) .
فصل
بعد أن قضى الخطيب قريبا من ستين سنة على الحال التي تقدمت من الانهماك في
_________________
(١) هذا إذا كانت كلمتا «لقي» و«الحق» . في عبارة النخشبي على ظاهرهما وإلا فيحتمل أن ذلك اللاحق هو المؤذي نفسه.
(٢) ولا حاجة بنا هنا إلى نحو ما يأتي في ترجمة الحسن بن إبراهيم. (المؤلف) قلت: وذلك لأن الحكاية لم تثبت لأن مدارها على رجل لم يسن وهو بعض أصحاب النخشبي. ن.
[ ١ / ٣٣٠ ]
سبب آخر في ذاك وبيان علته
العلم ليلًا ونهارًا حتى كان يمشي في الطريق وبيده يطالعه وفي تلك الصيانة والنزاهة التي أعجز بها أولئك المؤذين فلم يعثروا له على عثرة خرج من بغداد في أيام الفتن وقصد دمشق وأقام بها، وكانت إذ ذاك تحت ولاية العبيديين الرافضة الباطنية، ولكن كانوا يتظاهرون بعدم التعرض لعلماء السنة فاستمر الخطيب على إعماله العلمية إلى أن بلغ عمره خمسًا وستين سنة، وحينئذ أمر أمير دمشق من جهة العبيديين الرافضة الباطنية بالقبض على الخطيب ونفيه عن دمشق، فأما مؤرخ دمشق الحافظ الثبت ابن عساكر فقال «سعى بالخطيب حسين الدميني إلى أمير الجيوش وقال هو ناصبي يروي فضائل الصحابة والعباس في جامع دمشق» .
فهذا سبب واضح لنفي الخطيب، فإن العبيديين رافضة باطنية يكفرون الصحابة والعباس ويسرفون في بغضهم، ويرون في نشر فضائل الصحابة والعباس على رؤوس الأشهاد بجامع دمشق تحديًا لهم وتنفيرًا عنهم ودعوة إلى الخروج عليهم ودعاية لخصومهم بني العباس الذين كانوا ينازعونهم الخلافة ويقاتلونهم عليها.
وأما ابن طاهر وما أدراك ما ابن طاهر؟ فحكى سببًا آخر وقبل أن اشرحه أذكر شيئًا من حال ابن طاهر، يقول ابن الجوزي في ترجمة ابن طاهر من (المنتظم) ج ٩ ص ١٧٨ « . فمن أثنى عليه فلأجل حفظه للحديث وإلا فالجرح أولى به، ذكره أبو سعد بن السمعاني وانتصر له بغير حجة بعد أن قال سألت شيخنا إسماعيل بن أحمد الطلحي عن محمد بن طاهر؟ فأساء الثناء عليه وكان سيئ الرأي فيه، وقال سمعت أبا الفضل محمد بن ناصر يقول محمد بن طاهر لا يحتج به صنف كتابًا في جواز النظر إلى المرد وأورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها، فقيل له تصلي عليها؟ فقال صلى الله عليها وعلى كل مليح - ثم قال: كان يذهب مذهب الإباحة. قال ابن السمعاني. وذكره أبو عبد الله محمد بن الواحد الدقاق الحافظ فأساء الثناء عليه جدًا ونسبة إلى أشياء. ثم انتصر له ابن السمعاني فقال: لعله قد تاب. فوا عجبًا ممن سيره قبيحة فيترك الذم لصاحبها لجواز أن يكون قد تاب، ما أبله هذا المنتصر. ويدل على
[ ١ / ٣٣١ ]
صحة ما قاله ابن ناصر من أنه كان يذهب مذهب الإباحة ما أنبانا به أبو المعمر المبارك بن أحمد النصارى قال أنشدنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي لنفسه:
دع التصوف والزهد الذي اشتغلت به جوارح أقوام من الناس
وعج على دير داريا فإن به الـ رهبان ما بين قسيس وشماس
فاشرب معتقة من كف كافرة تسقيك خمرين من لحظ ومن كاس
ثم استمع رنة الأوتار من رشأ مهفهف لحظة أمضى من الماس
وذكره الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ٤/ ٣٧ وذب عنه قال: «الرجل مسلم معظم للآثار وإنما كان يرى إباحة السماع «يعني سماع الغناء والملاهي» لا الإباحة المطلقة معلوم جواز النظر إلى الملاح عند الظاهرية فهو منهم» وذكر ثناء جماعة عليه، وله ترجمة في (لسان الميزان) والمقصود أن ابن طاهر كان له ولوع بالجمال وتعلق به وتسمح فيه وإن لم يخرجه إن شاء الله تعالى إلى ما يوجب الفسق. وإنما ذكرته هنا لأن له أثرًا على حكايته الآتية كما سترى.
في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٣١٨: «قال ابن طاهر في (المنثور) أخبرنا مكي الرملي «صوابه الرميلي» قال: كان سبب خروج الخطيب من دمشق أنه كان يختلف إليه صبي مليح فتكلم فيه الناس وكان أمير البلد رافضيًا متعصبًا، فجعل ذلك سببًا للفتك بالخطيب فأمر صاحب شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله وكان سنيًا فقصده تلك الليلة في جماعته فأخذه وقال له بما أمر به ثم قال: لا أجد لك حيلة إلا أنك تفر منا وتهجم دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي ففعل ذلك، فأرسل الأمير إلى الشريف أن يبعث به: فقال له: أيها الأمير ليس في قتله مصلحة أرى أن تخرجه من بلدك. فأمر بإخراجه، فذهب إلى (صور) وأقام بها مدة» .
وذكر ياقوت في (معجم الأدباء) ج ٤ ص ٣٤ عن ابن طاهر نحو ذلك وفيه « كان يختلف إليه صبي مليح الوجه قد مكي، وأنا نكبت عن ذكره» .
[ ١ / ٣٣٢ ]
أقول: قد عرفت ابن طاهر فأما مكي الرميلي الذي حكى ابن طاهر القصة عنه فحافظ فاضل شافعي كالخطيب ومن تلامذة الخطيب المعظمين له، ترجمته في (تذكرة الحفاظ) ج٤ ص ٢٢ و(الطبقات الشافعية) ج ٤ ص ٢٠ وذكروا أنه سمع من الخطيب بصور، ثم سمع منه ببغداد كما يعلم من (ترجمة الخطيب)، وكان مبجلًا للخطيب روى ابن عساكر عنه أنه رأى في المنام لما كانوا يقرؤون على الخطيب (تاريخه) ببغداد أنه حضر مجلس الخطيب القراءة التاريخ على العادة فرأى رجلًا لم يعرفه، فسأل عنه فقيل له هذا رسول الله ﷺ جاء ليسمع (التاريخ) . انظر الرؤيا مبسوطة في (طبقات الشافعية) ج ٣ ص١٥ وذكرها الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص٣٢١ قال: «قال غيث الأرمنازي قال مكي الرميلي: كنت ببغداد نائمًا في ليلة ثاني عشر في ربيع الأول ثلاث وستين فرأيت كأنا عند الخطيب لقراءة (تاريخه) على العادة » .
ويؤخذ مما تقدم أن الرميلي لم يلق الخطيب إلا بعد خروج الخطيب من دمشق فلم يحضر الرميلي ذلك الخروج فهل أخبره الخطيب بسبب إخراجه؟
قد عرفنا الخطيب وعرفنا الرميلي وعرفنا ابن طاهر فما الذي يتوقع من الخطيب بعد شيخوخته؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به عما جرى له؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به الرميلي عن أستاذه المبجل؟ وما الذي يتوقع من ابن طاهر؟
أما السؤال الأول فالعادة قاضية أن العالم الفاضل المستغرق في العلم الذي قضى عامة عمره في صيانة ونزاهة يمتنع أن يعرض له بعد شيخوخته داء العلاقة بالصبيان.
وأما الثاني: فمن عرف الخطيب ونزاهته وصيانته وعقله وتحفظه علم امتناع أن يخبر في شيخوخته بما يشينه شيئًا مزريًا.
وأما الثالث: فيبعد جدا أن يحكى الرميلي ما يشين أستاذه الذي يبجله ذاك التبجيل.
[ ١ / ٣٣٣ ]
شيء من ترجمة سبط ابن الجوزي وأنه كان رافضيا حنفيا
وأما الرابع: فقد طهر الله ابن طاهر من اختلاق الكذب، ولكن لا مانع أن يسمع حكاية لها علاقة ما بالجمال الذي كان مولعًا به متسمحًا في شأنه فتصطبغ في نفسه صبغة تناسب هواه فيحكيها بتلك الصبغة على وجه الرواية بالمعنى. فعسى أن يكون بعض أعداء الخطيب في دمشق لما سعوا به إلى ذاك الأمير الرافضي على ما تقدم عن ابن عساكر توقف لأن أكثر أهل الشام أهل سنة ويخشى أن يعلموا أنه تعرض للخطيب لأجل المذهب ففكر أولئك السعاة في حيلة، فرأوا في طلبه العلم الذين كانوا يختلفون إلى الخطيب فتى صبيحًا فتكلموا بين الناس بأن في اختلاف مثله إلى الخطيب ريبة وربما اختلقوا ما يوقع الريبة عند بعض الناس ثم قالوا للأمير تأخذ الخطيب على أنك إنما أخذته بهذه التهمة التي قد تحدث بها الناس.
فإذا كانت الواقعة هكذا فهي معقولة فقد يقع مثلها لأفضل الناس ويخبر بوقوعها له أعقل الناس وأحزمهم إذا كان يعلم أن معرفتهم بحاله تحجزهم عن أن يتخرصوا منها ما يكره، ويحكى وقوعها لأستاذه أبر الناس وأوفاهم، ولكن ابن طاهر لما سمعها اصطبغت في فهمه ثم في حفظه ثم في عبارته بميله وهواه ورأيه الذي ألف فيه ويؤيد هذا أن الرميلي لما حكى القصة سمى ذاك الفتى ولم ير في ذكر اسمه غضاضة عليه فلما حكاها ابن طاهر لم يسمه بل قال: «قد سماه مكي وأنا نكبت عن ذكره» لأن لونها عند ابن طاهر غير لونها عند مكي ولم يحتج ابن طاهر إلى تسميته كما احتاج إلى ذكر وقوع القصة للخطيب لتكون شاهدًا لابن طاهر على ما يميل إليه كما استشهد بما حكاه عن ابن معين من قصة الجارية.
فتدبر ما تقدم ثم استمع لسبط ابن الجوزي وتصرفه.
قال الذهبي في (الميزان): «يوسف بن فرغلي الواعظ المؤرخ شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي روى عن جده وطائفة، وألف (مرآة الزمان) فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله بل يجنف ويجازف، ثم أنه ترفض وله في ذلك مؤلف قال الشيخ محي الدين لما بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال لا ﵀ كان رافضيا. قلت كان بارعًا في الوعظ ومدرسًا للحنفية» .
[ ١ / ٣٣٤ ]
شيء من ترجمة الملك عيسى بن أبي أيوب
أقول قد تقدم أنه كان حنبليًا ثم تحنف في الصورة الظاهرة على ما قاله مذيل مرآته لأجل الحظوة عند الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب يلقيه الكوثري «عالم الملوك الملك المعظم» فإن هذا الملك كان أهله شافعية فتحنف وتعصب، قال فيه الملا علي القاري الحنفي، كما في (الفوائد البهية في مناقب الحنفية) ص ١٥٢:
«كان متغاليًا في التعصب لمذهب أبي حنيفة قال له والده يومًا كيف اخترت مذهب أبي حنيفة وأهلك كلهم شافعية؟ فقال أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم» ! وهذا الملك قد أثنى عليه خليله السبط في (المرآة) ومع ذلك ذكره في مواضع متفرقة بفظائع، وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون وذكرت المانع من تتبع هفواته. فأما السبط فقد مر عن الذهبي ما علمت ومن طالع (المرآة) علم صدق الذهبي فيما يتعلق بالحكايات المنكرة والمجازفات ولا سيما فيما فيه مدح لنفسه، ويظهر من (المرآة) ما يرافق قول صاحب (الذيل عليها) أنه إنما تحنف في الصورة الظاهرة، وكذلك لا يظهر منها أنه رافضي فكأنه إنما ألف كتابه في الترفض تقربًا إلى بعض الرافضة من أصحاب الدنيا. فهذا المجازف اتصل بالملك عيسى وقد عرفت بعض حاله في التعصب فتحنف السبط إرضاء له، وألف كل منهما ردًا على الخطيب كما مر في ترجمة أحمد بن الحسن ابن خيرون، وحاول السبط التقرب إلى عيسى بذم الخطيب وذكر حكاية ابن طاهر فزاد فيها، قال الأستاذ ص١٢ «قال سبط ابن الجوزي في (مرآة الزمان): قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها قدم دمشق فصحبه حدث صبيح الوجه كان يختلف إليه، فتكلم الناس فيه وأكثروا حتى بلغ والي المدينة وكان من قبل المصريين شيعيًا، فأمر صاحب الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله وكان صاحب الشرطة سنيًا فهجم عليه فرأى الصبي عنده وهما في خلوة فقال للخطيب قد أمر الوالي بقتلك وقد رحمتك فأخرجوه فمضى إلى صور واشتد غرامه بذلك الصبي، فقال
[ ١ / ٣٣٥ ]
شيء من ترجمة ابن كادش
فيه الأشعار فمن شعره » .
فيقال لهذا الجانف المجازف توفي ابن طاهر قبل أن يولد جدك فمن أين لك هذه الحكاية عنه على هذا اللون؟ قد حكاها غيرك عن ابن طاهر حتى ياقوت مع شدة غرامه بالحكايات الفاجرة حتى في ترجمة الكسائي فلم يذكروا ما ذكرت، بل نقلها خليلك الملك عيسى في رده على الخطيب ص ٢٧٧ من خط ابن طاهر كما قال ولم يذكر هذه الزيادة ولا ما يشير إليها. استنفدت هذه من ترجمة الخطيب للدكتور يوسف العش، وكانت القصة وابن طاهر في سن تسع سنين، ولم يكن بدمشق فمن سمع الحكاية؟ لم يسمعها على هذا الوجه من مكي الرميلي فإنه حكى ما سمعه من مكي علي غير هذا، وقد تقدم حال مكي بما يعلم أنه يمتنع أن يحكيها على هذا الوجه أو ما يقرب منه، مع أن مكيًا لم يشهد القصة فممن سمعها؟ وفي أقل من هذا ما يتضح به نكارة القصة على هذا الوجه وبطلانها، ولو كان السبط ثقة لاتجه الحمل على ابن طاهر وتثبيت مجازفته لكن حال السبط كما علمت وقد حكاها غيره عن ابن طاهر على وجه يغتفر في الجملة فالحمل على السبط.
أما الأشعار المنسوبة إلى الخطيب فلا أدري ما يصح منها وما وجد منها بخطه قد يكون لغيره وما عسى أن يكون له فذاك على عادة العلماء الذين أخذوا بحظ من الأدب يقول أحدهم الأبيات على طراز ما عرف من شعراء زمانه كما ينقل عن ابن سريج وغيره، وما في (معجم الأدباء) عن أبي العز ابن كادش لا يعبأ به، ترجمة ابن كادش في (لسان الميزان) ج١ ص٢١٨ وفيها عن ابن النجار «كان مخلطًا كذابًا لا يحتج بمثله»
وتكلم فيه ابن ناصر وغيره. وذكر ابن عساكر أن ابن كادش أخبره أنه وضع حديثًا في فضل أبي بكر وتبجح بذلك قائلا «بالله أليس فعلت جيدًا؟» !
فقد اتضح بحمد الله ﷿ سلامة الخطيب في عقيدته ونزاهته في سيرته وأن ما ظن غمزا في سيرته مع وضوح أنه ليس مما يعتد به شرعًا ليس مما يسوغ احتماله
[ ١ / ٣٣٦ ]
شيء من ترجمة الحسن بن زياد اللؤلؤي
تخرصًا بل تقضي القرائن وشواهد الأحوال وقضايا العادات ببطلانه.
ومن المضحك المبكي صنيع الأستاذ الكوثري يقول ص ١٠ في الخطيب «على سوء سلوك ينسب إليه ويجعله في عداد أمثال أبي نواس في هجر القول وسوء الفعل» ويقول ص ٥١ «إذًا فماذا يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في دمشق» ويورد عن سبط ابن الجوزي القصة محتجا بها وفي مقابل ذلك يري كلام الأئمة في الحسن بن زياد اللؤلؤي الذي كذبه ابن معين وابن نمير وأبو داود وأبو ثور ويعقوب بن سفيان وغيرهم وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة «ليس بشيء. لا هو محمود عند أصحابنا ولا عند أصحابهم يتهم بداء سوء وليس في الحديث بشيء» وفي (لسان الميزان) ج ٢ ص ٢٠٩ «قال أبو داود عن الحسن بن علي الحلواني رأيت اللؤلؤي قبل غلاما وهو ساجد، وقال أحمد بن سليمان الرهاوي «رأيته يومًا في الصلاة وغلام أمرد إلى جانبه في الصف فلما سجد مدَّ يده إلى خد الغلام فقرصه» وصالح والحلواني والرهاوي كلهم من الحفاظ الثقات الأثبات فيضج الأستاذ من هذا ويعج ويقول ص ١٨٨ «والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام الحجة فيه مع علمهم بحكم الله في القذفة ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل» يقول هذا ثم يرمي الخطيب بما رماه ويصرح أو يكاد مع أن القصة ولوكما حكاها سبط ابن الجوزي ليس فيها ما هو ظاهر في التقبيل فضلًا عن غيره ومع علمه بحال سبط ابن الجوزي وحال ابن طاهر وأن السبط لم يدرك ابن طاهر ولم يذكر سنده إليه وأن ابن طاهر لم يدرك القصة ولا ذكر في رواية السبط من أخبره بها وأن الرميلي الذي ذكر ابن طاهر القصة عنه على الوجه المذكور في (تذكره الحفاظ) لم يشهد القصة ولم يذكر عمن أخذها ومع طعن الأستاذ في الرميلي إذا قال ص ١٢١ «تجد بينهم من يجعل النبي صلى الله عليه واله وسلم يحضر مجلس إقراء الخطيب لتاريخه . ولا يكون منشأ ذلك إلا رقة الدين والنفاق الكمين» !!!
[ ١ / ٣٣٧ ]
فصل: فيه قول ابن الجوزي في كتب الخطيب من أين استفادها وجواب المصنف عليه
فليتدبر القارئ أيهما أولى بأن يكون قذفا شرعيا أكلمات الأستاذ بانيًا على ما ليس بشيء أم قول صالح بن محمد الحافظ المبني على ما سمعه من الناس من اتهامهم اللؤلؤي: «يتهم بداء سوء» وإخبار الحافظين الآخرين بما شاهداه من الؤلؤي في حال سجوده من التقبيل وقرص الخد وأيهما أولى بأن يكون استهانة بأمر القذف الشنيع فيما لا يتصور
قيام الحجة فيه مع العلم بحكم الله في القذفة؟! وأيهما أولى وأحق بأن يقال فيه: «لا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل»؟! وكذلك الرميلي الحافظ الفاضل ليس بترتيب على صدقه فيما حكى ما تقوم به حجة شرعية على أن تاريخ الخطيب كله حق، فأي حجة أو شبهة تبعد أن يكون صادقًا فيما حكى؟ فمن الأولى برقة الدين والنفاق الكمين؟!
فصل
قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٢٦٦ بعد أن عدد جملة من مصنفات الخطيب «فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هيأ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره وقد روي لنا عن أبي الحسن ابن الطيوري أنه قال أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصوري ابتدأ بها» قال ابن الجوزي «وقد يضع الإنسان طريقا فيسلك، وما قصر الخطيب على كل حال» .
أقول: لم يسم ابن الجوزي من حكى له ذاك القول عن ابن الطيوري، وابن الطيوري هذا هو المبارك عبد الجبار وثقه جماعة وكذبه المؤتمن الساجي الحافظ، والصوري هو محمد بن عبد الله الساحلي ترجمته في (التذكرة) ج ٣ ص ٢٩٣ وفيها أن مولده سنة ست أو سبع بعد السبعين وثلاثمائة ووفاته سنة ٤٤١ فهو أكبر من الخطيب بنحو خمس عشرة سنة، ومع حفظه ففي (التذكرة) ج٣ ص ٢٩٨ في ترجمة أبي نصر السجزي المتوفى سنة ٤٤٤ «قال ابن طاهر سألت الحافظ أبا إسحاق الحبال عن أبي نصر السجزي والصوري أيهما أحفظ؟ فقال:
[ ١ / ٣٣٨ ]
كان السجزي أحفظ من خمسين مثل الصوري» وفي (التذكرة) ج ١ ص ٣١٤: «قال ابن ماكولا كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظًا واتقانًا وضبطًا لحديث رسول الله ﵌ وتفننًا في علله وأسانيده وعلمًا بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره ومطروحه، ثم قال: ولَم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله، وسألت الصوري عن الخطيب وأبي نصر السجزي ففضل الخطيب تفضيلًا بينًا» وقد علمت أن الصوري توفي سنة ٤٤١ أي قبل وفاة الخطيب باثنتين وعشرين سنة، ووفاة السجزي سنة ٤٤٤ وابن طاهر لقي الحبال سنة ٤٧٠ كما في (التذكرة) ج ٣ ص ٣٦٣ فتفضيل الحبال بين السجزي والصوري كان بعد موتهما فهو بحسب ما انتهى إليه أمرهما ن وأما تفضيل الصوري بين الخطيب والسجزي ففي حياتهما لكن أحدهما وهو السجزي كان في أواخر عمره والآخر وهو الخطيب في وسط عمره لأن الصوري مات سنة ٤٤١ كما مر فالسؤال منه وجوابه يكون قبل ذلك فإذا فرضنا أنه قبل ذلك بشهر مثلًا حيث كان سن السائل وهو ابن ماكولا نحو عشرين سنة فإن مولده سنة ٤٢٢ كان قبل وفاة السجزي بنحو ثلاث سنين وقبل وفاة الخطيب بنحو اثنين وعشرين سنة، فيخرج مما تقدم أن الخطيب باعتراف الصوري كان قبل موته باثنتين وعشرين سنة بحيث يفضل تفضيلًا بينًا على من هو بحكم الحبال أحفظ من خمسين مثل الصوري فما عسى أن يكون بلغ بعد ذلك؟ وإذا كانت النسبة بينهما هي هذه فما معنى ما حكى عن ابن الطيوري؟ هل معناه أن الصوري ابتدأ في أكثر الكتب التي تنسب إلى الخطيب ولم يتم شيئًا منها؟ يقول ابن السمعاني أن مؤلفات الخطيب ستة وخمسون مصنفًا فهل ابتدأ الصوري في عمل ثلاثين مصنفًا أو نحوها ولم يتم شيئا منها؟ فإن كان أتم شيئًا شيئًا منها أو قارب أو على الأقل كتب منه كراسة مثلًا فقد كان ابن الطيوري من أخص الناس بالصوري كما يؤخذ من (لسان الميزان) ج٥ ص١٠ أفلم يكن عنده شيء من ابتداءات الصوري فيبرز للناس تصديقًا لقوله؟ ولعل أصل الحكاية على ما يؤخذ من (معجم الأدباء) أن الكتب التي كانت ملك الصوري صار جملة منها بعد موته إلى الخطيب فاستفاد منها
[ ١ / ٣٣٩ ]
فصل: فيه قول ابن الجوزي تعصب في كتبه على الحنابلة والرد عليه
الخطيب، لكن قد علمنا أن الخطيب لا يكاد يورد شيئًا إلا بأسانيده المعروفة، ومن تدبر مؤلفاته علم أنها من مشكاة واحدة أوائلها وأواخرها. هذا وفي رواية عن ابن الطيوري أن الصوري كان ترك كتبه عند أخت له بصور. وأن الخطيب أخذها عند خروجه إلى الشام (كأنه يعني عند دخوله صور وذلك بعد إقامته بدمشق) واحتج الدكتور بهذا على بطلان زعم ابن الطيوري من أصله لأن أكثر كتب الخطيب ثبت تأليفه لها قبل خروجه إلى الشام - وذكر دليل ذلك - وبأن الصوري إمام ببغداد نيفًا وعشرين سنة وبها مات فكيف يعقل أن لا يطلب كتبًا تركها عند أخته؟!
فصل
قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٢٦٧ بعد أن ذكر ميل الحنابلة على الخطيب حتى انتقل عن مذهبهم ما لفظه «وتعصب في تصانيفه عليهم فرمز إلى ذمهم وصرح بقدر ما أمكنه فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: «سيد المحدثين»، وفي ترجمة الشافعي: «تاج الفقهاء» فلم يذكر أحمد بالفقه. وقال في ترجمة حسين الكرابيسي أنه قال عن أحمد: أي شيء نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا لفظنا بالقرآن مخلوق، قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة، وله دسائس في ذمهم من ذلك أنه ذكر مهنأ بن يحيى ومال الخطيب على أبي الحسن «عبد العزيز بن الحارث» التميمي ومال الخطيب على أبي «عبد الله» عبيد الله بن «محمد بن» بطة ومال الخطيب على أبي علي «الحسن ابن علي» ابن المذهب. وكان في الخطيب شيئان: أحدهما الجري على عادة عوام المحدثين في الجرح والتعديل فإنهم يجرحون بما ليس بجرح، وذلك لقلة فهمهم، والثاني التعصب على مذهب أحمد وأصحابه » .
أقول: رحمك الله يا أبا الفرج! لا أدري أجاوزت الحد في غبطة الخطيب على مصنفاته التي أنت عيال عليها كما يظهر من مقابلة كتبك بكتبه، فدعتك نفسك إلى
[ ١ / ٣٤٠ ]
التشعيث منه والتجني عليه؟ أم أردت التقرب إلى أصحابك الذين دخل في قلوبهم من يومك المشهود الذي لم ير مثله غم عظيم؟ أم كنت أنت المتصف بما ترمي به المحدثين من قلة الفهم؟
أما ما قاله الخطيب في ترجمتي أحمد والشافعي فلفظه في المطبوع ج ٤ ص ٤١٢ في ترجمة أحمد « إمام المحدثين الناصر للدين والمناضل عن السنة والصابر في المحنة » وفي آخر الترجمة ج ٤ ص ٤٢٣ «قد ذكرنا مناقب أبي عبد الله أحمد بن حنبل مستقصاة في كتاب أفردناه لها فلذالك اقتصرنا في هذا الكتاب على ما أوردنا منها» وعبارته في ترجمة الشافعي ج ٢ ص ٥٦ « زين الفقهاء وتاج العلماء » فعلى هذا للشافعية أن يعاتبوا الخطيب قائلين: لم تذكر الشافعي بالحديث فإن كنت لا تراه محدثًا فقد سلبته أعظم الفضائل ولزم من ذلك سلبه الفقه والعلم الذي يعتد به، وإن كنت تراه محدثًا فقد جعلت أحمد إمامًا له أو سيدًا للمحدثين مطلقًا فشمل ذلك الفقهاء منهم فلزم أن يكون إمام الفقهاء أو سيدهم مطلقًا، ومع ذلك لم تذكر الشافعي بنصرة الدين ولا النضال عن السنة، فأما قولك «زين الفقهاء وتاج العلماء» فلا يدفع ما تقدم لأن المتزين أفضل من الزينة، ولا بس أفضل من التاج.
والصواب أن المناقشة في مثل هذا ليست من دأب المحصلين وإنما الحاصل أن المترجم يتحرى في صدر الترجمة أشهر الصفات فأحمد لتبحره الحديث وتجرده لنصر السنة كان أشهر بذلك منه بالفقه، والشافعي لتجرده للفقه كان أشهر به.
وأما قضية الكرابيسي فإن الخطيب روى بسنده في ترجمته ص ٨ ص ٦٤ عن يحيى بن معين أنه «قيل له أن حسينا الكرابيسي يتكلم في أحمد بن حنبل، قال ما أحوجه أن يضرب» وروي عن يحيى أيضا أنه قال «ومن حسين الكرابيسي لعنه الله » ثم ذكر القصة التي فيها تلك الكلمة ثم ذكر روايات عن أحمد في تبديع الكرابيسي والتحذير منه ثم ذكر قصة فيها غض الكرابيسي من فضل أمير المؤمنين
[ ١ / ٣٤١ ]
فصل: فيه انتقاد ابن الجوزي على الخطيب ذكره أحاديث في الجهر بالبسملة لا تصح وكذا في القنوت
علي بن أبي طالب، وأن رجلًا رأى النبي ﵌ يكذب الكرابيسي. فالخطيب ذكر تلك الكلمة لفائدتين.
الأولى: تفسير ما تقدم أجماله من أن الكرابيسي كان يتكلم في أحمد، ليتبين أنه كلام فارغ.
الثانية: زيادة التشنيع على الكرابيسي فمن توهم أن الخطيب حاول انتقاص أحمد فهو كمن يتوهم أن ذكره القصة التي فيها غض الكرابيسي من فضل علي بن أبي طالب، محاولة من الخطيب لانتقاص علي! وابن الجوزي يرمي الخطيب وعامة المحدثين بقلة الفهم وهذه حاله! وأما ما زعمه ابن الجوزي من ميل الخطيب على مهنأ والجماعة الذين سماهم فقد أفردت لكل منهم ترجمة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى وتتضح براءة الخطيب مما تخيله ابن الجوزي.
وقد وثق الخطيب جمعًا كثيرًا بل جمعًا غفيرًا من الحنابلة وأطاب الثناء عليهم. فإن ساغ أن يرمى بالتعصب على الحنابلة لذكره القدح في أفراد منهم فليسغ رميه بالتعصب لهم لتوثيقه أضعاف أضعاف أولئك، وليسغ رميه بالتعصب على الشافعية لذكره القدح في كثير منهم وقد من قريبًا ما ذكره في الكرابيسي وهكذا حال بقية المذاهب فهل يسوغ أن يقال إن الخطيب كان يتعصب لأهل مذهب وعليهم؟ فإن قيل بل ينظر في كلامه ن قلت فستراه في التراجم.
فصل
قال ابن الجوزي: «وقد ذكر في (كتاب الجهر) أحاديث يعلم أنها لا تصح، وفي
(كتاب القنوت) أيضًا، وذكر مسألة صوم في يوم الغيم حديثًا يدري أنه موضوع، فاحتج به ولم يذكر عليه شيئًا، وقد صح عن النبي ﵌ أنه قال: «من روى حديثًا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (١) . وذكر
_________________
(١) أخرجه مسلم في مقدمة (صحيحه) ن.
[ ١ / ٣٤٢ ]
الكوثري في (التأنيب) ص١٠ عبارات أخرى لابن الجوزي تشتمل على زيادة فذكر مما أخرجه الخطيب في
(كتاب الجهر بالبسملة) «مثل حديث عبد الله بن زياد بن سمعان وقد أجمعوا على ترك حديثه، قال مالك: كان كذابًا، ومثل حديث حفص بن سليمان (١)، قال أحمد: هو متروك الحديث» ومما يتعلق بـ (كتاب القنوت): «ما أخرجه عن دينار بن عبد الله عن أنس قال: ما زال رسول الله ﵌ يقنت في صلاة الصبح حتى مات، قال: وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاجه به وقاحة عظيمة، وعصبية باردة، وقلة دين، لأنه يعلم أنه باطل، قال ابن حبان: دينار يروي عن أنس آثارًا موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح فيه» .
أقول: الجواب من أوجه:
الأول: أن الخطيب إن كان قصد بجمع تلك الرسائل جمع ما ورد في الباب فلا احتجاج وإن كان قصد الاحتجاج فبمجموع ما أورده، بكل حديث على حدة.
الثاني: أننا عرفنا من ابن الجوزي تسرعه في الحكم بالوضع والبطلان وترى إنكار أهل العلم عليه في كتب المصطلح في بحث «الموضوع» .
الثالث: أن من جمة ما أورده في «الموضوعات» وحدها أكثر من ثلاثين حديثًا رواها الإمام أحمد في (مسنده) ولعله أورد في (الأحاديث الواهية) أضعاف ذلك، فيقال له: إن كنت ترى أنه خفي على الإمام أحمد ما علمته من كون تلك الأحاديث موضوعة أو باطلة فما نراك أحسنة الثناء عليه، وعلى ذلك فالخطيب
_________________
(١) هو أبو عمر البزاز الأسدي الكوفي القارئ، وهو متروك الحديث كما يأتي في التعليق. ن.
[ ١ / ٣٤٣ ]
تحقيق أن عبد الله بن سمعان لا يستشهد به خلافا للمصنف (تعليق)
أولى أن يخفى عليه، وإن كنت ترى أن الإمام أحمد علم أنها موضوعة أو باطلة ومع ذلك أثبتها في (مسنده) ولم ينبه عليها فكفى به أسوة الخطيب.
الرابع: لا يلزم من زعم ابن الجوزي أن الحديث موضوع باطل أن يكون الخطيب يرى مثل رأيه.
الخامس: قد يجوز أن يكون الحديث موضوعًا أو باطلًا ولم ينتبه الخطيب لذلك.
السادس: إذا روي الحديث بسند ساقط لكنه قد روي بسند آخر حسن أو صالح أو ضعيف ضعفًا لا يقتضي الحكم ببطلان المتن مطلقًا، ولا يدخل من رواه بالإسنادين معًا في حديث «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» لأنه لا يرى الحديث نفسه كذبًا، وقد يتوسع في هذا فيلحق به ما إذا كان المتن المروي بالسند الساقط ولم يرو بسند أقوى لكن قد روي معناه بسند أقوى، ويقوي هذا أن المفسدة إنما تعظم في نسبة الحكم إلى النبي صلى الله عيه وآله وسلم مع ظن أنه كذب لا في نسبة اللفظ وشاهد هذا جواز الرواية بالمعنى.
الأمر السابع: قوله في عبد الله بن زياد بن سمعان: «أجمعوا على ترك حديثه» فيه نظر فقد أكثر عنه ابن وهب ووثقه على ما في (مختصر كتاب العلم لابن عبد البر) ص١٩٩، ومجموع كلامهم فيه يدل أنه صدوق في الأصل فلا بأس بإيراد حديثه في المتابعات والشواهد (١) .
_________________
(١) قلت: بل الصواب فيه أنه ضعيف جدًا، لا يصلح للاستشهاد به، كما يشير إلى ذلك قول الذهبي في (الميزان): «تركوه قال خ: سكتوا عنه وقال أحمد: إبراهيم بن سعد يحلف أن ابن سمعان يكذب. وروى ابن القاسم عن مالك: كذاب» . وكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كذاب فهذا جرح مفسر، فتوثيق ابن وهب إياه إن ثبت عنه، غير مقبول، كما يقتضيه علم المصطلح، وبينه المصنف ﵀ في بحث (٢- التهمة بالكذب) (ص ٣٦ - ٤٢) . ن.
[ ١ / ٣٤٤ ]
تحقيق أن حفص بن سليمان القاري متروك الحديث
وأما حفص فروى عبد الله حنبل عن أحمد «متروك الحديث» وروى عبد الله أيضًا عن أبيه: «صالح»، وروى حنبل عن أحمد أيضًا «ما به بأس» فيأتي في حديثه نحو ما مرَّ (١)، وإنما ذكر الخطيب رواية هذين مع عدة روايات عن غيرهما، والروايات في ذلك معروفة تراها في (سنن الدراقطني) و(سنن البيهقي) وغيرهما، وفي ذلك آثار عن الصحابة منها صحيح فما دونه.
وحديث أنس النافي للهجر قد أعل بعدة علل كما ترى ذلك في بحث المعلل من) تدريب الراوي) (٢) وجمع الشيخ تقي الدين ابن تيمية بأن الأصل عدم الجهر ولكن
_________________
(١) قلت: بل يقال ما سبق آنفًا في ابن سمعان، فقد اتفقوا على تضعيفه أيضًا بل كذبه ابن معين في رواية وابن خراش، ولم يذكروا توثيقه إلا عن وكيع، وإلا ما ذكره المصنف عن أحمد من الروايتين عنه. ومثل هذا التوثيق مما لا يلتفت إليه بعد اتفاق الجمهور على تجريحه وتكذيب بعضهم له على أنه يمكن جمل التوثيق المذكور على راو آخر اسمه حفص بن سليمان أيضًا كما نبه على ذلك المصنف في (كيف البحث عن أحوال الرواة)، ويؤيده أن ابن شاهين حمل قول أحمد «صالح» على حفص بن سليمان المنقري التميمي البصري، كما في (التهذيب) ولكي لا يشتبه هذا بالأول قال ابن حبان «وليس هذا بحفص بن سليمان البزار أبي عمر القاري، ذاك ضعيف. وهذا ثبت» . ن.
(٢) قلت: إنما أعلّ حديث أنس من جهة ما جاء في بعض طرقه من الألفاظ التي تدل بظاهرها على نفي قراءة البسملة أصلًا، وهو ما رواه عن مسلم عن قتادة عنه: «صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ (الحمد لله رب العالمين) لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول قراءة ولا في ألفاضه الأخرى التي اتفقت على إثبات قراءتها، وفي بعضها سرًا. فليس معلولًا. هذا هو الذي انصب عليه كلام الحافظ السيوطي في الكتاب المذكور: (التدريب)، فراجعه متأملًا، على أن قوله. «يذكرون» يمكن تأويله بنفي ذكرها جهرًا كما كانوا يجهرون بالفاتحة، فلا ينافي حينئذ الألفاظ الأخرى، فعلى هذا فليس الحديث معلا أصلًا، وهو حجة في إثبات قراءتها سرًا، وهو الذي اعتمده الحافظ في (الفتح) فارجع إليه فإنه مهم. ن.
[ ١ / ٣٤٥ ]
تحقيق أن أحاديث الجهر على قسمين
كان النبي ﵌ ربما جهر ليعلم أصحابه وكذلك أصحابه كان أحدهم ربما جهر ليعلم من يسمعه، وفي (الصحيح) عن أبي قتادة «كان النبي ﵌ يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة يسمعنا الآية أحيانًا» وللنسائي عن البراء « فنسمع منه الآية بعد الآية » ولابن خزيمة عن أنس نحوه كما في (فتح الباري) فإسماعه إياهم البسملة في الجهرية آكد لأنه إذا أسرّ بها وجهر بما بعدها توهموا أنه تركها البتة. فمن لم يقع له هذا الجمع أو لم يقو عنده وقوي عنده ما ورد في الجهر فأخذ به مطلقًا كالشافعي فلا لوم عليه، ومن احتج من أتباعه بما ورد في الجهر بالأسانيد القوية وألحق بها م يوافقها مما في سنده نحو ابن سمعان وحفص بن سليمان فلا حرج عليه (١) .
_________________
(١) قلت: قد علمت من التعليق السابق رقم (١)، والذي قبله أن المذكورين واهيان جدًا، لا يستشهد بهما، وما أفاده المصنف ﵀ من ورود الجهر بالأسانيد القوية فيه نظر عندي، لأن البحث الدقيق في أحاديث الجهر قد دلَّ على أنها تنقسم إلى قسمين: الأول: صريح في الجهر، ولكن ليس فيها ما يصح إسناده أصلًا، وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموعة الفتاوى) (١/٧٦ - ٧٧ طبع كردي) اتفاق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس بالجهر بها حديث صريح، وإنما يوجد الجهر بها في أحاديث موضوعة يرويها من جمع هذا الباب كالدارقطني والخطيب وغيرهما، فإنهما جمعوا ما روي، وإذا سئلوا عن صحتها قالوا بموجب علمهم، كما قال الدارقطني لما دخل مصر وسئل أن يجمع أحاديث الجهر؟ فجمعها، فقيل له: هل فيها شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي ﷺ فلا، وأما الصحابة، فمنه صحيح منه ضعيف. وسئل أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك فذكر حديث معاوية لما صلى بالمدينة، وذكر الخطيب أنه أقوى ما يحتج به، وليس بحجة كما يأتي بيانه.» ثم أطال في بيان ضعف إسناده من وجوه فراجعها فيه. والقسم الآخر: أحاديث غير صريحة في الجهر، وأصح ما ورد فيه كما قال الحافظ في «الفتح» حديث أبي هريرة من رواية نعيم المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة فقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) ثم بأم القرآن ويقول: إني لأشبهكم صلاة برسول الله =
[ ١ / ٣٤٦ ]
نص مطلع رسالة ترك الجهر بالبسملة
حديث القنوت في الصبح وبيان أنه ضعيف
وأما حديث «ما زال رسول الله ﵌ يقنت في الصبح حتى مات» فقد ورد من وجهين آخرين أو أكثر عن أنس، صحح بعض الحفاظ بعضها (١) وجاء نحو معناه من وجوه أخرى راجع، «سنن الدارقطني» و«سنن
_________________
(١) = صلى الله عيه وسلم» . فهذا كما ترى ليس فيه ذكر الجهر، وقوله: «فقرأ» يحتمل أن يكون قرأها سرًا، ويكون نعيم علم بذلك بقربه منه، فإن قراءة السر إذا قويت يسمعها من يلي القارئ كما قال ابن تيمية. والخلاصة أنه لم يصح في الجهر بالبسملة في الصلاة ما تقوم به الحجة في الحديث والتفصيل لا يتسع له هذا المكان فليراجع من شاء (نصب الراية) ١/٣٣٥ - ٣٣٦، بلى قد صح الإسرار بها من حديث أنس كما سبقت لإشارة إلى ذلك في التعليق السابق. وللحافظ محمد بن طاهر المقدسي رسالة جيدة في هذه المسألة اختار فيها لإسرار قال في مطلعها: «أما بعد، فإن سائلًا سألني عن السبب الموجب لترك الجهر بقراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول الفاتحة بعد أن كنت أجهر بها؟ فكان الجواب: إنني لما نشأت، كنت على مذهب أخذته تقليدًا، إذ الصبي يكون مذهبه قبل التمييز مذهب أبويه وأهل بلده، فكنت على ذلك حينًا أعتقد صحته، جهلًا مني بطرق الأحاديث التي هي المرقاة المتوصل بها إلى معرفة ذلك، فلما رزقني الله تعالى من العلوم أجلها وأنفعها عاجلًا وآجلًا، دعاني ذلك إلى تناول الصحيح مما نقل عن صاحب الشريعة وترك ما سواه، وذلك أني تتبعت هذه المسألة وأحاديثها لفريقين فلم أجد في الجهر بها في الصلاة حديثًا صحيحًا يعتمد عليه أهل النقد » .
(٢) يشير المصنف رحمه الله تعالى إلى الحاكم فهو الذي صحح الحديث من غير طريق دينار، وتعقبه ابن القيم وابن حجر وغيرهما بأن فيه أبا جعفر الرازي وهو ضعيف سيئ الحفظ، وأما الوجوه الأخرى التي أشار إليها المصنف، فهي واهية جدًا لا تصلح للاستشهاد بها على أن بعضها ليس فيها ذكر القنوت في الصبح والمداومة عليها فليست شاهدًا تامًا لو ثبت، وتفصيل هذا في كتابنا «سلسلة الأحاديث الضعيفة» رقم (١٢٣٨) .
[ ١ / ٣٤٧ ]
فصل: فيه ذكر مناظرة الشافعي لمحمد بن الحسن في أي الإمامين أعلم بكتاب الله
البيهقي» وبمجموع ذلك يقوى الحديث. وقد جمع ابن القيم بينه وبين ما جاء في ترك القنوت، فإذا أخرج الخطيب الحديث من تلك الأوجه القوية ثم ألحق بها رواية دينار لم يلزمه أن يبين في ذاك الموضع حال دينار لما مرَّ في الوجه السادس على أنه قد بيّن الخطيب في موضع آخر حال دينار وبينه وغيره واشتهر ذلك، وقد بين الأئمة كالثوري وابن المبارك وغيرهما حال الكلبي ثم كانوا يروون عنه ما لا يرونه كذبًا ولا يذكرون حاله.
وأما النهي عن صوم يوم الشك فلم أعثر عليه (١) غير أن الأدلة على ذلك معروفة في (الصحيحين) وغيرهما وعن الإمام أحمد في صوم يوم الشك إذا كان غيم رواية أنه لا يصام واختاره بعض المحققين من أصحابه فعند الخطيب أن الحكم ثابت بأحاديث صحيحة وبقية الكلام يعلم مما مرّ.
وأما قول ابن الجوزي «وقاحة عظيمة وعصبية بارد وقلة دين» فابن الجوزي أحوج إلى أن يجيب عنها! غفر الله للجميع.
فصل
في (تاريخ بغداد) ٢/١٧٧ «أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: ثنا محمد بن إسماعيل التمار قال: حدثني الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدًا إلا تمعر وجهه ما خلا محمد بن الحسن. أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أنبأنا دعلج بن أحمد قال: أنبأنا أحمد بن علي الأبار قال: حدثني يونس - يعني ابن عبد الأعلى - قال سمعت الشافعي يقول: ناظرت محمد بن الحسن وعليه ثياب رقاق فجعل تنتفخ أوداجه ويصيح حتى لم يبق له
_________________
(١) قلت: الظاهر أنه حديث «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» فقد أورده الفتني في (تذكرة الموضوعات) عن (الخلاصة) وقال ص٧١: «هذا كلام عمار بن ياسر» . وهو ثابت عنه وقد خرجته في (الإرواء) .
[ ١ / ٣٤٨ ]
زر إلا انقطع قلت: (الصواب: قال) ما كان لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي أن يسكت، قال قلت له: نشدتك بالله هل تعلم أن صاحبي كان عالمًا بكتاب الله؟ قال: نعم، قال قلت: فهل كان عالمًا بحديث رسول الله ﵌؟ قال: نعم، قال قلت: أفما كان عاقلًا؟ قال: نعم، قلت: فهل كان صاحبك جاهلًا بكتاب الله؟ قال: نعم، قلت: وبما جاء عن رسول الله ﵌؟ قال: نعم، قلت: وكان عاقلًا؟ قال: نعم، قال: قلت: صاحبي فيه ثلاث خصال لا يستقيم لأحد أن يكون قاضيًا إلا بهن، - أو كلامًا هذا معناه» قال الأستاذ ص١٨٠ في جملة الكلام على الحكاية الثانية في شأن تغير محمد بن الحسن: «هذا خلاف ما صح عنه في () انتقاء ابن عبد البر ص٢٤ وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق أنه لم ير من لا يتغير عند المناظرة سواه» .
أقول: الذي في «الانتقاء» في تلك الصفحة «حدثنا خلف بن قاسم قال نا الحسن ابن رشيق قال نا محمد بن الربيع بن سليمان ومحمد بن سفيان بن سعيد قالا نا يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: ذاكرت محمد بن الحسن يومًا، فدار بيني وبينه كلام واختلاف، حتى جعلت أنظر إلى أوداجه تدور وتنقطع أزراره فكان فيما قلت له يومئذ: نشدتك الله هل تعلم أن صاحبنا - يعني مالكًا - كان عالمًا بكتاب الله؟ قال: اللهم نعم، قلت: وعالمًا باختلاف أصحاب رسول الله ﵌؟ قال: اللهم نعم» فالاختلاف بين الروايتين بالنسبة إلى تغير محمد اختلاف يسير لا تكاد تخلوا عن مثله حكاية تروى من وجهين مختلفين.
أما قول الأستاذ «وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق » فقد قدم الخطيب روايته في ذلك وفي سندها محمد بن إسماعيل التمار قال الأستاذ إنه غير موثق كما يأتي في ترجمته، ولا منافاة، بل معنى قوله «ما ناظرت أحدًا إلا تمعر وجهه» على العموم فيعم كل مناظر في كل مناظرة فلا ينافي ذلك أنه تغير في مناظرة واحدة مثلًا.
[ ١ / ٣٤٩ ]
نص الرواية الصحيحة في المناظرة المتقدمة والتي فاتت الكوثري
ثم ذكر الأستاذ بقية القصة ثم قال «لا أدري متى كان أبو حنيفة أو مالك قاضيًا » .
أقول هذا هين فإن من لازم أهلية القضاء أهلية الاجتهاد، ثم قال:
«وتلك العبارة لم ترد في رواية من الروايات أصلًا بل هذه تغير من الخطيب حتمًا وقد زاد في الآخر «أو كلامًا هذا معناه» ليتمكن من التملص من تبعة هذا التحريف الشنيع حينما يهتك ستر وجهه بأن قيل له استقصينا طرق تلك الحكاية من طريق يونس ابن عبد الأعلى وغيره استقصاء لا مزيد عليه فلم نجد تلك العبارة في شيء منها فتكون أنت غيرت وبدلت، فيجيب الخطيب قائلًا: ما ادعيت أن ما سبق ذكره هو نص عبارة الرواية بل هذا معناه، وكفى أن نقول لمثل هذا المحرف المنحرف أفليس في روايتك: ما كان لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي أن يسكت، فكيف تتصور أن يوجب محمد ابن الحسن الكلام والإفتاء على من هو جاهل بكتاب الله وسنة رسوله ويحرم ذلك على العالم بهما، فيكون مع الخبر ما يبطله على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن عَلِمَ عِلْمَ اليقين منزلة صاحبه عنده من معرفة الكتاب والسنة.
أقول قولك: «لم ترد في رواية من الروايات أصلًا» إن أردت الإطلاق فهذه مجازفة، فإن كثيرًا من كتب الحديث فضلًا عن كتب الحكايات منها ما قد فقد ومنها ما ليس في متناول الأيدي، وحسبك أنك ادعيت الاستقصاء الذي لا مزيد عليه ومع ذلك فاتك في كلامك أثبت الطرق، وهي رواية ابن أبي حاتم عن ابن عبد الحكم وهي في موضعين من كتاب (تقدمة الجرح والتعديل) الذي نقلت عنه في غير موضع منها ما مرّ في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحارث، وفي (تهذيب التهذيب) في ترجمة مالك التنبيه عليها وهو في متناول يدك كل وقت وفي لفظ ابن أبي حاتم: «حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم قال سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن أيهما أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن
[ ١ / ٣٥٠ ]
أنس، قلت على الإنصاف؟ قال نعم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبن أو صاحبكم؟ قال قال: صاحبكم، يعني مالك، قلت فأنشدك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﵌ والمتقدمين صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قال الشافعي فقلت: لم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على واحد من هذه الأشياء فمن لم يعرف الأصول فعلى أي شيء يقيس؟
فاتت الأستاذ مع زعمه أنه استقصى استقصاء لا مزيد عليه - هذه الرواية مع أن في ترجمة مالك من (تهذيب التهذيب): «وقال ابن أبي حاتم ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول » نعم نقل الأستاذ متن هذه الرواية عن كتاب لم تستند فيه ولا أشير إلى إسنادها فقال: «ولفظ ابن أبي إسحاق الشيرازي في (طبقات الفقهاء) ص ٤٢ بدون سند قال الشافعي -» وذكر الأستاذ رواية ابن عبد الحكم من وجهين آخرين.
الأول: عن ص ٢٣ من (انتقاء عبد البر) من طريق «إبراهيم بن نصر سمعت محمد ابن عبد الله بن الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ - يعني أبا حنيفة ومالكًا - وما كان على صاحبكم أن يتكلم وما كان على صاحبنا أن يسكت، قال: فغضبت وقلت: نشدتك الله من كان أعلم بسنة رسول الله - ﷺ - مالك أو أبو حنيفة؟ قال: مالك، لكن صاحبنا أقيس، فقلت: نعم، ومالك أعلم بكتاب الله وناسخه ومنسوخه وسنة رسول الله - ﷺ - من أبي حنيفة، فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أولى بالكلام» .
الثاني: عن (مناقب أحمد) لابن الجوزي ص ٤٩٨ من طريق «يحيى بن آدم الجوهري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ قلت: تريد المكابرة أم
[ ١ / ٣٥١ ]
الإنصاف؟ قال: بل الإنصاف، قلت: فما الحجة عندكم؟ قال: الكتاب والإجماع والسنة والقياس، قال: قلت: أنشدك أصاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ قال: إذ أنشدتني بالله فصاحبكم، قلت: فصاحبنا أعلم بسنة رسول الله - ﷺ - أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قلت: فبقي شيء غير القياس؟ قال: لا، قلت: فنحن ندعي القياس أكثر مما تدعونه وإنما يقاس على الأصول فيعرف القياس، قال: ويريد بصاحبه مالك بن أنس» .
ثم نقل عن (كتاب ذم الكلام) للهروي رواية أخرى من طريق الربيع عن الشافعي وبين الألفاظ اختلاف كما هو شأن الرواية بالمعنى، ومثل ذلك يكثر في رواية الأحاديث النبوية كما سترى أمثلته في «قسم الفقهيات» من هذا الكتاب، فما بالك بالحكايات؟
وأثبت هذه الروايات وأولاها بأن يكون متنها هو اللفظ الذي قاله الشافعي رواية ابن أبي حاتم لجلالته ولأنه أثبتها في موضعين من كتابه بلا فرق فدل ذلك أنه أثبتها في أصله عند تلقيها من ابن عبد الحكم ثم نقلها بأمانتها إلى كتابه المصنف. فأما بقية الروايات فلم تقيد في كتاب إلا بعد زمان بعد أن تداولها جماعة من الرواة وذلك مظنة بالتصرف على جهة الرواية بالمعنى، نعم رواية الخطيب من طريق الأبار عن يونس مقيدة في مصنف للأبار يرويه الخطيب بذاك السند لكن لم يقم دليل على أن الأبار أثبتها في أصله عند السماع إلا أن رواية ابن عبد البر دلت على ضبط الأبار، وإنما الظاهر أن يونس لم يكتب الحكاية عند سماعها من الشافعي ولم يتقن حفظها فاتسع في روايتها بالمعنى واحتاط.
وإيضاح ذلك أن القصة مبنية على المفاضلة، والمفاضلة قد يعبر عنها بالجمع كأن يقال: «أيهما أعلم» وقد يعبر عنها بالتفريق كأن يقال: «وأما كان فلان كذا» ثم يقال في الآخر: «فهل كان فلان كذا» على الوجه الذي يؤدي التفضيل فرواية ابن عبد الحكم من طرقها الثلاث، وكذا رواية الربيع سلكت طريق الجمع «أيهما أعلم» أما يونس فسلك طريق التفريق فوقع في روايته عند الخطيب وابن عبد البر: «هل
[ ١ / ٣٥٢ ]
تحقيق أن التغيير المشار إليه إنما هو من غير الخطيب
تعلم أن صاحبي - أو صاحبنا - عالم » فلزم من هذا بحسب الظاهر أن يقال في المقابل: «فهل كان صاحبك جاهلًا» فجرى الأمر على ذلك كما في رواية الخطيب، وكأن يونس أحس بالخلل في الظاهر فقال في رواية الخطيب «أو كلامًا هذا معناه» فأما في رواية ابن عبد البر فقد يكون الاقتصار من يونس لشعوره بعدم إتقانه للقصة، فكما أنه لأجل ذلك لما حدث الأبار واستوفى القصة، فكما أنه لأجل ذلك لما حدث الأبار واستوفى القصة قال: «أو كلامًا هذا معناه» فكذلك لما حدث الأبار واستوفى القصة قال: «أو كلامًا هذا معناه» فكذلك لما حدث محمد بن الربيع ومحمد بن سفيان اقتصر على أولها وترك ما يتبين به الخلل. وقد يكون - وهو الظاهر - الاقتصار من عبد البر، وذلك لأسباب:
الأول: أن بقية الحكاية ليس من مقصوده في الموضع الذي ذكرها فيه.
الثاني: أن ذكر بقيتها مناف لمقصوده في الانتقاء من الإجمال والمجاملة.
الثالث: أنه شعر أن في بقيتها خللًا بحسب الظاهر.
أما قولي بأن الخلل بحسب الظاهر فقط فلأن القرائن تدل أن المقصود بكلمة «جاهل» الجهل النسبي، وفي (فتح المغيث) ص١٦٢: «فقد يقولون: فلان ثقة، أو، ضعيف، ولا يريدون أنه ممن يحتج به ولا ممن يرد، إنما ذاك بالنسبة لمن قرن معه قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه فقال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف. فهذا لم يرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقًا بدليل قوله أنه لا بأس به، وإنما أراد أنه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبري.
وأما احتمال أن يكون الاقتصار من ابن عبد البر فمثل ذلك جائز عند الجمهور في الحديث النبوي فكيف الحكايات؟ وفي (تدريب الراوي): «قال البُلْقيني: يجوز حذف زيادة مشكوك فيها بلا خلاف وكان مالك يفعله كثيرًا تورعًا» .
وأما قولي: إن التغيير من يونس فلوجهين:
[ ١ / ٣٥٣ ]
الأول: أن رواية ابن عبد الحكم بطرقها الثلاث ورواية الربيع قد دلت أن القصة مطولة، وأن موضوعها المفاضلة بين مالك وأبي حنيفة، ورواية ابن عبد البر من طريق يونس لا تفي بذلك.
الثاني أن رواية ابن عبد البر قد وافقت رواية الخطيب في التغيير في ذكر مالك بلفظ «عالم» وذلك من يونس اتفاقًا، وهو مقتض كما تقدم أن يقال في مقابله «جاهل» فبان أن هذا أيضًا من يونس. ولولا رواية ابن عبد البر، لجاز أن يكون التغيير من الأبار بأن يكون لما سمع القصة لم يثبتها في أصله ولم يتقن حفظها، فلما احتاج إلى ذكرها في مصنفة رواها بالمعنى ولما أحس بالخلل بحسب الظاهر قال «أو كلامًا هذا معناه» .
فأما احتمال أن يكون التغيير من الخطيب خطأ فباطل لأوجه:
الأول: ما تقدم من الدلالة على أن التغيير من فوق.
الثاني: أن الخطيب إنما يروي بذلك السند من كتاب معروف للأبار.
الثالث: أن الخطيب لم يكن يتساهل في الرواية من حفظه، وفي (تذكرة الحفاظ): ج٤ ص٤ «قال الحميدي: ما راجعت الخطيب في شيء إلا أحالني على الكتاب، وقال: حتى أكشفه» وفي الصفحة التي تليها عن السلفي: «سألت أبا الغنائم النرسي عن الخطيب؟ فقال: جبل لا يسأل عن مثله، ما رأينا مثله، وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه» . وفيها ج٣ ص٣١٨ عن عبد الوارث الشيرازي: «كنا إذا سألنا عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألحنا عليه غضب، كانت له بادرة وحشة» .
الرابع: أن الخطيب يعلم عادة المحدثين في تتبع عثرات المحدث مع أنه قد أو غر قلوب كثير منهم فلو تساهل بالرواية من حفظه لما أخذه من مصنف معروف كما صنع الأستاذ ذلك في مواضع معتذرًا بما تقدم في ترجمة أحمد بن سلمان، لقالوا له:
[ ١ / ٣٥٤ ]
هذا كتاب معروف متداول وليس فيه كما ذكرت، إن قال: قد قلت: «أو كلامًا هذا معناه» قالوا: لم تبين أن هذا من عندك، ومع ذلك فعادتك التثبت الزائد حتى إذا سُئلت عن شيء أحلت على الكتاب فكيف يعقل أن تتساهل فيما تثبته في مصنفك.
هذا وقد علمنا أن الأئمة وثقوا الخطيب وثبتوه وبالغوا في إطرائه ولم يعثر له المتعنتون على أدنى خلل في الرواية وقد علمت محاولة ابن الجوزي الغض من الخطيب فلم يظفر بشيء من باب الرواية وإنما تعنت في أمور أخر قد مرّ ما فيها، فمحاولة الأستاذ أن ينسب التغيير إلى الخطيب وأنه تعمده تناوش من مكان بعيد.
قول الأستاذ «أليس في روايتك. ما كان لصاحبك أن يتكلم.. فكيف تتصور..» .
أقول قد يكون هذا من جملة التغيير ويكون الصواب ما في رواية ابن الجوزي من طريق ابن عبد الحكيم «ما كان على صاحبكم أن يتكلم» لكن في رواية الهروي من طريق الربيع «قد رأيت مالكًا وسألته عن أشياء فما كان يحل له أن يفتي» وقد مرّ بيان كلمة «جاهلًا» في رواية الخطيب المراد به الجهل النسبي وحاصله أنه دون مالك في العلم بالكتاب والسنة ومعروف عن أهل الرأي أنهم يؤكدون أمر الرأي والقياس ويقولون من كان عنده من العلم بالكتاب والسنة ما يكفيه وكان جيد النظر في الري والقياس كان عليه أن يفتي ومن كان ضعيف النظر في الرأي والقياس لم يكن له أن يفنى وإن كان أعلم من الأول بالكتاب والسنة. وقد أشار الشافعي في عدة مواضع من كتبه إلى زعم أهل العراق ضعف مالك في القياس ففي (الأم) ج٤ ص٦: «أرأيت من نسبتم إليه الضعف من أصحابنا وتعطيل النظر وقلتم: إنما يتخرص فيلقى ما جاء بلسانه..» وفيها ج٧ ص٢٥٧ «فسمعت بعض من يفتي منهم يحلف بالله ما كان لفلان أن يفتي لنقص عقله وجهالته وما كان ليحل فلان أن يسكت - آخر من هل العلم» على أن المحاجة والملاحة التي تبلغ بالحليم الوقور أن تنتفخ أوداجه وتنقطع أزراره مظنة للإسراف في القول.
[ ١ / ٣٥٥ ]
مغمز آخر للكوثري في المناظرة وذكره لها بلفظ معارض لسائر الروايات
قول الأستاذ «على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن » .
أقول: قد سلف أنه ليس في تلك الرواية ولا غيرها نفي محمد أن يكون لأبي حنيفة علم بالكتاب والسنة، وإنما في الروايات كلها أنه دون مالك في ذلك، فأما العلم بالسنة فيكفي في الشهادة لذلك الموازنة بين ما روى محمد عن أبي حنيفة وما روى عن مالك، وأما العلم بالكتاب فإن كان في كتب محمد ما ينافي اعترافه فالأستاذ أحوج إلى أن يجيب عن هذا جوابًا معقولًا، ولقائل أن يقول: إن محمدًا لما يضايقه الشافعي وسأله بالله ﷿ وناشده إياه وشرط عليه الإنصاف راجع نفسه فلم يسعه إلا الاعتراف، ولعله جرى في بعض كتبه على الاسترسال في الميل إلى أبي حنيفة، والحق إن شاء الله تعالى أنه ليس في كتب محمد ما هو صريح في منافاة اعترافه.
قال الأستاذ «ملازمة الشافعي لمالك إلى وفاته لم ترد إلا في خبر منكر والمعروف أنه صحبه إلى أن أتم سماع «الموطأ» منه في نحو ثمانية أشهر، وأما محمد بن الحسن فقد لازم مالكًا ما يزيد على ثلاث سنين فلا يتصور أن يسأل محمد بن الحسن عن الشافعي مبلغ علم أبي حنيفة، ومالك كما وقع في رواية الشيرازي، لأن أبا حنيفة لم يدركه الشافعي حتى يتحاكم في علمه إليه، وكذلك لم يلازم مالكًا أكثر من محمد بن الحسن، فالمفاضلة بين الإمامين بصيغة صاحبنا وصاحبكم هذه غير مستساغة» .
أقول الذي وقع في رواية الشيرازي هو الواقع في أثبت الروايات وهي رواية ابن أبي حاتم التي فاتت الأستاذ م زعمه أنه استقصى استقاء لا مزيد عليه. وكذلك هي في الوجهين الآخرين عن ابن عبد الحكيم، والشافعي حجازي فلعله عاد إلى المدينة بعد قراءته (الموطأ) وخروجه منها بل لعله تردد مرارًا، وكان الشافعي، وكان الشافعي يدين أو ّلًا بقول مالك ويذب عنه، فإن لم يكن تلقى جميع ذلك منه فقد تلقى بعضه منه وبعضه من أصحابه، ومعرفة الشافعي بمبلغ علم أبي حنيفة يكفي فيه نظرة في كتبه وكتب أصحابه، وسؤال محمد للشافعي ليس على وجه التحكيم بل على وجه
[ ١ / ٣٥٦ ]
فصل: فيه شرح معنى لفظة "المحفوظ" عند المحدثين
السؤال عن رأيه، والشافعي حجازي كمالك كان أولًا يدين بقوله ثم صار ربما خالفه مع انتسابه إليه، وحينئذ وقعت القصة، وإنما أكثر خلافه لمالك بعد دخوله مصر، وذلك بعد موت محمد ابن الحسن، ومحمد بن الحسن عراقي كأبي حنيفة ينتسب إليه ويتبعه في أصوله ويذب عن قوله غالبًا، فأي غبار على أن يقول محمد للشافعي «صاحبكم» يريد مالكًا و«صاحبنا» يريد أبا حنيفة؟
هذا وقد أشار الأستاذ في ما علقه على «الانتقاء» لابن عبد البر ص٢٤ إلى الروايات واختلافها ثم قال «والمخلص من ذلك النظر في الأسانيد والمقارنة بينها وضرب ما يروى بغير إسناد عرض الحائط» .
ثم حاول عبثًا الرجوع عن هذا القضاء العدل في (التأنيب) ١٨٣ إذ قال: «ولعل الصواب في الأمر هو ما حكاه القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد العامري في (مبسوطه) حيث قال في كتبه المذكور أن الشافعي سأل محمدًا: أيما أعلم مالك أو أبو حنيفة؟ فقال محمد: بماذا؟ قال: بكتاب الله، قال: أبو حنيفة، فقال: من أعلم بسنة رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أبو حنيفة أعلم بالمعاني ومالك أهدى للألفاظ» !
مُنى إن تكن حقًا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا
فصل
قال الخطيب (١٣/٣٦٩) بعد ذكر المناقب «قد سقنا عن أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبي بكر بن عياش وغيرهم من الأئمة أخبارًا كثيرة تتضمن تقريظ (١) أبي حنيفة والمدح له والثناء عليه، والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين وهؤلاء المذكورين منهم في أبي حنيفة خلاف ذلك» .
_________________
(١) الأصل (تقريض) والتصويب من «الخطيب» .
[ ١ / ٣٥٧ ]
٢٧- أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس الأبار
فأخذ الأستاذ يتكلم على الروايات ثم يقول «وهذا من المحفوظ عند الخطيب» ويشنع.
فأقول ابن حجر في (النخبة) وقرره السخاوي في (فتح المغيث) ص٨٢.
«فإن خولف - أي الراوي - بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له المحفوظ ومقابله وهو المرجوح يقال له الشاذ» .
فالمحفوظ عندهم ما كان أرجح من مقابله فنقد كلمة الخطيب إنما هي بالموازنة فإن بان رجحان ما ذكره أخيرًا صحَّ كلامه حتى على فرض أن يكون الثاني ضعيفًا فإن الضعيف أرجح من الأضعف، ولا يضره أن يكون فيما ذكره أخيرًا رواية ساقطة توافق أخرى قوية، أو تكون عمن لم يتقدم في المناقب عنه شيء، ولا يحتسب على الخطيب ولا له بما عند غيره ولا يؤاخذ في أحوال الرواة بخلاف اعتقاده واجتهاده فإن مدار صدق كلمته على الرجحان عنده. وقد كنت جمعت ما في الترجمة عن أيوب والسفيانين وأبي بكر بن عياش ونظرت فيها، ثم كرهت شرح ذلك هنا لطوله وإن كان فيها إظهار حجة الخطيب وتصديق كلمته.
وأقتصر في ترجمة الخطيب على هذا القدر وأدع الكلمات المفرقة في (التأنيب) وسينكشف حال غالبها إن شاء الله تعالى.
٢٧- أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس الأبار. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٢٥ «أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الخُتَّلي حدثنا أحمد ابن على الأبار » قال الأستاذ ص١٩ «والأبار من الرواة الذين كان دعلج التاجر يدر عليهم الرزق فيدونون ما يروقه للنكاية في مخالفيه في الفروع والأصول فللأبار قلم مأجور ولسان ذلق في الوقيعة في أئمة أهل الحق، وكفى ما يجده القارئ في روايات الخطيب عنه في النيل من أبي حنيفة وأصحابه لتعرف مبلغ عدواته وتعصبه، ورواية العدو المتعصب مردودة عند أهل
[ ١ / ٣٥٨ ]
النقد، كيف وهو يروي عن مجاهيل بل الكذابين في هذا الباب ما ستراه، فلا يحتاج القارئ الكريم في معرفة سقوط هذا الراوي إلى شيء سوى استعراض مروياته فيمن ثبتت إمامته وأمانته، فكفى الله المؤمنين القتال» .
أقول في (تذكرة الحفاظ) للذهبي ج٢ ص١٩٢ «الأبار الحافظ الإمام أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم محدث بغداد، يروي عن مسدد وعلي بن الجعد وشيبان بن فروخ وأمية بن بسطام ودُحيم وخلق كثير حدث عنه دعلج وأبو بكر النجاد وأبو سهل بن زياد والقطيعي وآخرون. قال الخطيب كان حافظًا متقنًا حسن المذهب، قال جعفر الخلدي: كان الأبار أزهد الناس استأذن أمّه في الرحلة إلى قتيبة فلم تأذن له فلما ماتت رحل إلى بلخ وقد مات قتيبة وكانوا يعزونه على هذا. قلت وله تاريخ وتصانيف مات يوم نصف شعبان سنة تسعين ومائتين» .
رأى الأستاذ في الرواة عن الأبار دعلج بن أحمد السجزي ورأى في ترجمة دعلج أنه كان تاجرًا كثير المال كثير الأفضال على أصحاب الحديث وغيرهم وأنه أخذ عن ابن خزيمة مصنفاته وكان يفتي بقوله، فاستنبط الأستاذ أن دعلجًا كان متعصبًا لابن خزيمة في الأصول يعني العقائد، وفي الفروع، وابن خزيمة عند الأستاذ مجسم، وأبو حنيفة عنده منزه، والتنزيه الذي يسميه خصومه تعطيلًا وتكذيبًا، فعلى هذا كان دعلج متعصبًا عند أبي حنيفة للعقيدة وللمذهب معًا! ثم استنبط الأستاذ في شأن الأبار أنه جمع ما جمعه في الغض من أبي حنيفة تقربًا إلى دعلج المثري المنفق، وأن دعلجًا كان يوسع العطاء للأبار لأجل ذلك!
فأقول: لا يخفى على عارف بالفقه والحديث أنه يكفي في رد هذه التهمة أن يبين أن الأبار ودعلجًا من الحفاظ المعروفين روى عنهما أئمة الحديث العارفون بالعدالة والرواية ووثقوهما وأثنوا عليهما، ولم يطعن أحد في عدالتهما ولا روايتهما، ولم يذكر أحد دعلجًا بتعصب بل كان فضله وأفضاله كلمة وفاق، ولم يذكر أحد الأبار يحرص على الدنيا كما ذكروا الحارث بن أبي أسامة وعلي بن عبد العزيز البغوي وغيرهما بل وصفه شيخ الزهاد ورواية أخبارهم جعفر بن محمد بن نصير
[ ١ / ٣٥٩ ]
الخلدي بأنه كان أزهد الناس كما سلف.
ومع هذا فالأبار كان ببغداد، وسكنى دعلج بها وحصول الثروة له وما عرف به من الإنفاق وتجرد ابن خزيمة للكلام في العقائد وأخذ دعلج كتبه وأتباعه له كل ذلك إنما كان بعد وفاة الأبار بمدة، إن أقدم من سمي من شيوخ الأبار مسدد المتوفى سنة ٢٢٨ فعلي بن الجعد المتوفى سنة ٢١٠ وتوفي سنة ٢٩٠ كما مرّ، ومولد دعلج سنة ٢٦٠ بسجستان وبها نشأ ثم كان يطوف البلدان لطلب العلم والتجارة ويظهر أن أول دخوله بغداد في أواخر سنة ٢٨٢ أو أوائل التي تليها، إن أعلى من سمع دعلج منه ببغداد كما يؤخذ من ترجمته في (تذكرة الحفاظ) محمد بن ربح البزاز ومحمد بن غالب تمتام وكانت وفاتهما سنة ٢٨٣ وقد كان ببغداد الحارث بن أبي أسامة وهو أسن منهما وأعلى إسنادًا وأشهر ذكرًا وتوفي يوم عرفة سنة ٢٨٢ ولم يذكروا لدعلج عنه رواية ولو أدركه ما فاته، فعلى هذا أول ما لقي دعلج الأبار سنة ٢٨٣ وسن الأبار يومئذ نحو سبعين سنة، وسن دعلج نحو ثلاث وعشرين سنة، ولم يكن دعلج حينئذ ذا ثروة ولا إنفاق لأنه أقام بعد ذلك بمكة زمنًا وسمع بها من الحافظ المعمر عالي الإسناد على بن عبد العزيز البغوي المتوفى سنة ٢٨٦، وكان البغوي بغاية الفقر حتى كان يضطر إلى أخذ الأجرة على الحديث ويقول كما في (تذكرة الحفاظ) ج٢ ص١٧٩ «يا قوم أنا بين الأخشبين وإذا ذهب الحجاج نادى أبو قبيس قعيقعان يقول من بقي؟ فيقول: المجاورون، فيقول: أطبق!!» وبقي من ذلك إلى أن مات إذ لو كف قبل موته لكان الظاهر أن يذكر ذلك تلامذته الأجلاء وهم كثير ولهم حرص على أن يدفعوا عن شيخهم ما عيب به فيقول واحد منهم أو أكثر: إنما كان يأخذ للضرورة ثم كف عن ذلك. ولو كان دعلج تلك المدة قد اتسعت ثروته وإنفاقه لكان جديرًا بأن يعطى شيخه ما يخلصه من انطباق الأخشبين والمشاحة على الدرهم والدرهمين. وفي (تاريخ بغداد) ج٨ ص٣٩٠ - قصة من سخاء دعلج وفي آخرها أنه
[ ١ / ٣٦٠ ]
سئل عن ثروته وإنفاقه فقال: «نشأت وحفظت القرآن وسمعت الحديث وكنت أتبزز فوافاني رجل من تجار البحر فقال لي: أنت دعلج بن أحمد؟ فقلت نعم، فقال: قد رغبت في تسليم مالي إليك لتتجر فيه، فما سهل الله من فائدة فهي بيننا، وما كان من جائحة كانت في أصل مالي، وسلم إليّ البرنامجات بألف ألف درهم ولم يزل يتردد إليّ سنة بعد سنة يحمل إليّ مثل هذا والبضاعة تنمى فلما كان في آخر سنة اجتمعنا فيها، قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر فإن قضى الله عليّ بما قضاه على خلقه فهذا المال لك على أتتصدق منه وتبني المساجد وتفعل الخير» .
ففي أي سن تر اشتهرت أمانة دعلج وديانته وحذقه بالتجارة حتى يأتمنه تاجر سمع به ولم يعرفه على مثل ذلك المال؟ ويكفيك النظر في عادات الناس تعلم أن الرجل لا يكاد يرسخ في التجارة ويتوفر رأس ماله وسخو نفسه بالإنفاق إلا بعد الأربعين من عمره، فكيف إذا لاحظت أن دعلجًا لم يكن متجردًا للتجارة، بل كان كثير التطواف سماع الحديث، والأبار توفي سنة ٢٩٠ أي وسن دعلج ثلاثون سنة، وعاش دعلج بعده فوق ستين سنة فإنه توفي سنة ٣٥١ والظاهر مما ذكروه من أنه أقام بمكة زمانًا أنه لم يسكن بغداد إلا بعد وفاة الأبار بمدة، فبالنظر فيما تقدم يتبين أنه ليس هناك أدنى قرينة أن يكون دعلج وصل الأبار بفلس واحد.
أما ابن خزيمة فإنه توفي سنة ٣١١ أي بعد وفاة الأبار بإحدى وعشرين سنة، وإنما تجرد للتأليف في العقائد في أواخر عمره وفي (تذكرة الحفاظ) ج٢ ص٢٦٢ عن الحاكم عن جماعة «لما بلغ ابن خزيمة من السن والرياسة والتفرد بهما ما بلغ، كان له أصحاب صاروا أنجم الدنيا.. فلما ورد منصور الطوسي كان يختلف إلى ابن خزيمة للسماع وهو معتزلي واجتمع مع أبي عبد الرحمن الواعظ وقالا: هذا إمام لا يسرع من الكلام وينهي عنه، وقد نبغ له أصحاب يخالفونه وهو لا يدري فإنهم إلى مذهب الكلامية » ثم ذكر كلامًا فيه أن ذلك الخلاف كان بعد ضيافة عملها ابن خزيمة «في جمادي الأولى سنة تسع» يعني سنة ٣٠٩ وكأن ذاك الخلاف هو الذي دعا ابن خزيمة إلى التأليف في العقائد، وعلى كل حال
[ ١ / ٣٦١ ]
٢٨- أحمد بن الفضل بن خزيمة
٢٩- أحمد بن كامل القاضي
فالظاهر البين أن أخذ دعلج كتب ابن خزيمة وإفتاءه بقوله إنما كان بعد وفاة الأبار بمدة.
وإنما الثابت أن الأبار كان ساخطًا على أبي حنيفة سخطًا ما كما يدل عليه جمعه ما جمع وذلك شأن أهل الحديث في عصره كالبخاري ويعقوب بن سفيان وزكريا الساجي والعقيلي وغيرهم، فإن صح أن يسمى ذلك عداوة وتعصبًا فهي عداوة دينية لا ترد بها الشهادة فكيف الرواية؟ وقد مر إيضاح ذلك في القواعد.
قول الأستاذ أن الأبار «يروي عن مجاهيل بل الكذاب» .
أقول: كل من تكلم فيه الأستاذ ممن روى عنهم الأبار ترى في هذا الكتاب فإن صح أن يكون منهم من هو مجهول أو كذاب فلا اعتداد بروايته ولا يضر الأبار ذلك شيئًا، فقد روى السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم عن محمد بن السائب، وهو من أشهر الناس بالكذب.
قول الأستاذ: «فلا يحتاج القارئ الكريم » .
أقول: الكريم من اتقى الله ﷿، وثبوت الإمامة والأمانة كان في عصر الأبار وقبله محل النِزاع كما يعلم الأستاذ. والله أعلم.
٢٨- أحمد بن الفضل بن خزيمة. راجع (الطليعة) ص ٩١ (معجم الأدباء) ج٤ ص٣٠ عن ابن السمعاني: «والخطيب في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار كيحيى بن معين وعلي ابن المديني.. وطبقتهم..» . وراجع ترجمة أحمد بن إبراهيم فيما مضى.
٢٩- أحمد بن كامل القاضي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٤: «أخبرنا ابن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب، وأخبرنا ابن الفضل أيضًا أخبرنا أحمد بن كامل القاضي حدثنا محمد بن موسى البربري حدثنا ابن الغلابي عن سليمان بن حرب..» قال الأستاذ ص ٤٣ «وأحمد بن كامل
[ ١ / ٣٦٢ ]
القاضي فيه يقول الدارقطني: أهلكه العجب كان متساهلًا في الرواية ربما حدث من حفظه بما ليس عنده، كما رواه الخطيب» .
أقول: ذكرت في (الطليعة) ص ٦٩ أن عبارة الدارقطني كما في (تاريخ بغداد) وغيره «.. بما ليس عنده في كتابه» وهذا القيد «في كتابه» يدفع القدح فإنه لا يلزم من عدم كون الحديث عند أحمد في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه» فلأمر ما حذف الأستاذ ذاك القيد! أجاب الأستاذ في (الترحيب) ص٥١ بقوله: «ليس عادة النقاد أن يقولوا لم ليس في كتاب الراوي أنه عنده، فلا يكون سقوط «في كتابه» مغيرًا للمعنى ولا مقصودًا، فهم الناقد «يعني المعلمي» أم لم يفهم» .
أقول: لا يخفى أن الظاهر من قولهم «عنده» يتناول ما في كتابه وما في حفظه وعادة النقاد جارية على هذا الظاهر، وتجد أمثلة من ذلك في (تهذيب التهذيب) ج١ ص١١٠ ولا حاجة إلى تتبع نظائر ذلك مادام هو الموافق للظاهر كما تقدم.
وكفى دليلًا على ذلك تقييد الدارقطني بقوله: «في كتابه» فأما القصد فالله أعلم، ولكن القرائن تدل عليه كما مر في ترجمة أحمد بن سليمان.
وعلى كل حال فقد ثبت كما اعترف به الأستاذ أن كلمة الدارقطني فيما حدث به أحمد بن كامل «وليس عنده في كتابه» لا تنفي أن يكون عنده في حفظه، بل قد تثبت ذلك بمقتضى دليل الخطاب، وبذلك ثبت أنه لا قدح، غاية الأمر أن الدارقطني رأى أنه كان الأحوط لأحمد بن كامل أن لا يحدث بما ليس في كتابه وإن كان يحفظه، وترك الراوي للأحوط لا يقدح فيه، بل إذا خاف أن يكون تركة رواية ما حفظه ولم يثبته في كتابه الأصل كتمانًا للعلم وتعريضًا وجب عليه أن يرويه. وراجع ما تقدم في ترجمة أحمد ابن جعفر بن حمدان.
وأما قول الدارقطني: «أهلكه العجب» ففسرها الدارقطني بقوله: «فإنه كان
[ ١ / ٣٦٣ ]
٣٠- أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروذي
يختار ولا يضع لأحد من الأئمة أصلًا» فقيل له: كان جريري المذهب؟ فقال «بل خالفه واختار لنفسه وأملى كتابًا في السنن وتكلم على الأخبار» .
فحاصل هذا أنه لم يلتزم مذهب إمام معين بل كان ينظر في الحجج ثم يختار قول من رجح قوله عنده.
أقول وهذا أيضًا ليس بجرح بل هو بالمدح أولى، وقد قال الخطيب:
«كان من العلماء بأيام الناس والأحكام وعلوم القرآن والنحو والشعر وتواريخ أصحاب الحديث، قال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله» .
أقول فيحق له أن ينشد:
إن أكن معجبًا فعجب عجيب لم يجد فوق نفسه من مزيد
٣٠- أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروذي. وفي (تاريخ بغداد) (١٣/ ٤١١) «أخبرنا البرقاني حدثني محمد بن العباس أبو عمر الخزندار حدثنا أبو الفضل جعفر ابن محمد الصندلي - وأثنى عليه أبو عمر - حدثني المروذي أبو بكر أحمد «بن محمد» بن الحجاج: سألت أبا عبد الله - وهو أحمد بن حنبل - عن أبي حنيفة وعمرو بن عبيد، قال: أبو حنيفة أشد على المسلمين من عمرو بن عبيد لأن له أصحابًا» . قال الأستاذ ص١٤١: « المروذي هو صاحب الدعوة إلى أن المقام المحمود هو إقعاد الرسول - ﷺ - على العرش في جنبه تعالى، تعالى الله عما يقول المجسمة علوًا كبيرًا.. فيا سبحان الله متى كان أحمد يقول إن عمرو بن عبيد لا أصحاب له وقد امتلأت البصرة وبغداد بأصحابه وأصحاب أصحابه، وهلم جرا حتى أوقعوا أحمد في تلك المحنة وكان أحمد يترحم على أبي حنيفة ويثني عليه كما سبق من الخطيب ص ٣٢٧» .
أقول: قد أفردت للاعتقاديات قسمًا من هذا الكتاب، والمقام المحمود قد
[ ١ / ٣٦٤ ]
اختلف السلف في تفسيره وروى ابن جرير في (تفسيره) ج١٥ص٩٢- «عن مجاهد قال: يجلسه معه على عرشه» ثم قال «ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدًا - ﷺ - على عرشه قول غير مدفوع صحته لا من جهة خبر ولا نظر..» وأطال في ذلك وأطاب، وقد أعطى الله ورسوله في ليلة الإسراء ما أعطى، وقال له ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ .
ولم يرد أحمد أن عمرو بن عبيد لا أصحاب له البتة وإنما أراد أنه ليس له أصحاب في مثل غلوه جادين في نشر شرهم، كان عمرو غاليًا جدًا كما أشرت إليه في الاعتقاديات، ولا أعرف أحدًا ممن لقيه وتأثر بكلامه كان غاليًا مثله، ولا أعرف أن عمرو بن عبيد تكلم إلا في القدر والوعيد، والمعتزلة الذين ينتسبون إليه لم يوافقوه في غلوه ولكنهم تابعوا جهمًا في مسائل لم يتكلم فيها عمرو، والذين دعوا إلى المحنة كبشر المريسي وابن أبي داود معروفون هم من أصحاب أبي حنيفة واشتهروا بأنهم جهمية، ومسألة القول بخلق القرآن ليست من مسائل عمرو بن عبيد بل هي من مسائل جهم، نعم إن المعتزلة المنتسبين إلى عمرو بن عبيد لأتباعهم له في الجملة وافقوا جهمًا فيها ولعل من يقول إن دعاة المحنة معتزلة اغتر بموافقتهم المعتزلة في تلك القضية وقضايا أخرى تتفرع عن قول جهم، والصواب أن ينظر في قولهم في القدر والوعيد فإن كانوا لا يوافقون المعتزلة فيهما وهذا وهذا هو الظاهر فهم جهمية ولا ينبغي أن يسموا معتزلة. وقد كان لهم من إعلان ضلالتهم والدعوة إليها إلى أن ما جرى ما جرى ما لم يكن للمنتسبين إلى عمرو بن عبيد ما يقاربه، وكانوا ينسبون جهميتهم إلى أبي حنيفة، وفي روايات غيرهم عنه اضطراب وقد روى الخطيب من طريق المروذي عن أحمد أنه لم يثبت عنده أن أبا حنيفة قال: إن القرآن مخلوق، فكأنه قوي عنده عند الثبوت فترحم إن صح ما رواه الخطيب ص٣٢٧ وقوي عنده الثبوت مرة فشدد والله أعلم. وعلى كل حال فصدق المروذي وأمانته وفضله كلمة وفاق قبل
[ ١ / ٣٦٥ ]
٣١- أحمد بن محمد بن الحسين الرازي
٣٢- أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني إمام أهل السنة
نفي الكوثري عنه الغوص في الفقه والتمحيص والرد عليه
الأستاذ كما يعلم من ترجمته في (تاريخ بغداد) وغيره.
٣١- أحمد بن محمد بن الحسين الرازي. يأتي مع محمود بن إسحاق إن شاء الله تعالى.
٣٢- أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني إمام أهل السنة. قال أحمد الدورقي «من سمعتموه يذكر أحمد بسوء فاتهموه على الإسلام» ومرّ في ترجمة الخطيب أن ابن معين بلغه أن الكرابيسي يتكلم في أحمد فقال «ومن حسين الكرابيسي لعنه الله » وعن سفيان بن وكيع قال: «أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد عندنا فهو فاسق» وقال ابن أعين:
وإذا سمعت لأحمد منتقصًا فاعلم بأن ستوره ستهتك
عرض الأستاذ في مواضع بالطعن في عقيدة الإمام أحمد وتتبع أصحابه وأصحابهم طاعنًا في عقيدتهم ليلجئ من يقرأ كتابه إلى اعتقاد الطعن في عقيدة أحمد نفسه، وقد أفردت البحث في العقائد بقسم خاص من هذا الكتاب وهو بمثابة تتمة لترجمة الإمام أحمد وأقتصر هنا على ما عدا ذلك.
قال الأستاذ ص٤ «من تابع أحمد بن حنبل وذكره بكثرة الحديث فله ذلك لكن كثرة الحديث بمجردها إذا لم تكن مقرونة بالتمحيص والغوص تكون قليلة الجدوى» .
أقول: نفيه عن أحمد التمحيص الغوص كذب مكشوف. فإن زعم الأستاذ أنه إنما أرادا أبا حنيفة كان أبلغ في ذلك. قلنا أما تمحيص الروايات لمعرفة الصحيح من السقيم والراجح من المرجوح والناسخ من المنسوخ فأحمد أرجح الأئمة في ذلك لأنه أو سعهم رواية وأعلمهم بأحوال الرواة وعلل الحديث وأعلمهم بآثار الصحابة والتابعين.
وأما تمحيص النصوص لمعرفة معانيها فأحمد من أحسن الأئمة معرفة لذلك،
[ ١ / ٣٦٦ ]
اتهامه إياه بالخطأ في اللغة والنحو والجواب عنه
وهب أن غيره قد يفوقه في هذا فإنما يمحص الإنسان ما يعرفه ويغوص فيما يجده فمن لم يبلغه النص فأي شيء يمحص وفي أي شيء يغوص؟ وقد تقدم في ترجمة الخطيب قول الشافعي لمحمد ابن الحسن بعد اعتراف محمد بأن مالكًا كان أعلم بالكتاب والسنة والآثار من أبي حنيفة: «لم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على واحد من هذه الأشياء ومن لم يعرف الأصول على أي شيء يقيس؟» وقد ذكر الأستاذ ص١٣٩ ما نقل عن الشافعي «أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها» نقل الأستاذ: « ولأبي حنيفة بعض أبواب الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلًا ففرع عليه المسائل فأصبحت فروع هذا الكتاب غير مقبولة حتى ردها صاحباه، وهكذا فعل في كتاب المزارعة حيث خذ بقول إبراهيم النخعي وجعله أصلًا ففرع عليه الفروع » .
أقول فلم ينفعه في تلك الكتب تمحيصه وغوصه إذ لم يطلع على ما ثبت من السنة وآثار الصحابة.
فصل
قال الأستاذ ص٢٦ «وأما أحمد فدونك (مسائل أبي داود) و(إسحاق بن منصور الكوسج) و(عبد الله بن أحمد) فيا ترى هل يمكنك أن تقرأ صفحة منها على صحة الأصول من غير أن تجابهك خطيئات في اللغة والنحو؟»
أقول أما أنا فلم أقف على نسخة من هذه المسائل فإن كان الأستاذ وقف عليها فهل ما وقف عليه هو بخطوط هؤلاء الذين سماهم؟ فإن لم تكن بخطوطهم ولا بخطوط تلامذتهم بل تداولها النساخ والرواة فمن أين يتجه أن يعد ما فيها من خطأ هو من أحمد نفسه؟! ونحن نرى النساخ يغلطون كثيرًا حتى في كتابة القرآن مع أنهم ينقلون من مصاحف واضحة الخط منقوطة الضبط. ولم أر أحدًا قبل الأستاذ
[ ١ / ٣٦٧ ]
فصل: زعمه أن تفقه أول ما تفقه على أبي يوسف وبيان ما فيه، وأنه كان يستخرج الأجوبة الدقيقة من كتب محمد بن الحسن
حاول الطعن في عربية أحمد ولا نسب إليه شيئًا من اللحن كما نُسب إلى غيره من الأئمة.
فصل
قال الأستاذ ص١٤١ «تفقه أول ما تفقه عل أبي يوسف القاضي وكتب عنه ثلاثة قماطر من العلم كما في أوائل (سيرة ابن سيد الناس) و(تاريخ الخطيب) ٣/١٧٧.
أقول الذي في (تاريخ الخطيب) في ذاك الموضع « إبراهيم بن جابر حدثني عبد الله ابن أحمد قال كتب أبي عن يوسف ومحمد ثلاثة قماطر، فقلت له كان ينظر فيها؟ قال كان ربما نظر فيها، وكان أكثر نظره في كتب الواقدي»، وهذا لا يُعطى أنه تفقه على أبي يوسف فأما الكتابة عنه وعن محمد إن صحت فالظاهر أنه إنما كتب عنهما مما يرويانه من الآثار ومع ذلك لم يروعن أحد منهما ولا بنى على رويته حكمًا. وفي الحكاية أنه كان قليل النظر في كتبهما كثير النظر في كتب الواقدي، هذا مع أنه من أسوأ الناس رأيًا في الواقدي فلم يكن ينظر في كتبه ليعتمد عليه، بل رجاء أن يرى فيها الشيء مما يهمه فيبحث عنه من غير طريق الواقدي على حد قول الله ﵎: ﴿إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فلم يأمر بإلغاء خبر الفاسق إذ لعله صادق، بل أمر بالتبين فخبر الفاسق يكون تنبيهًا يستدعي الالتفات إلى ما أخبر به والاستعداد له وعدم الاسترسال مع ما يقتضيه الأصل من عدمه حتى يبحث عنه فيتبين الحال.
فصل
قال الأستاذ: «وكان يستخرج الأجوبة الدقيقة من كتب محمد بن الحسن كما
[ ١ / ٣٦٨ ]
فصل: زعم الكوثري أن أحمد كان يعيب أبا حنيفة ومذهبه
روى عنه إبراهيم الحربي على ما في (تاريخ الخطيب) ٣/١٧٧.
أقول الراوي عن إبراهيم غير موثق، على أن محمدًا لمهارته في الحساب وشغفه بالدقة كان يفرض القضايا التي لا تكاد تقع مما يحتاج إلى دقيق الحساب فيضخم بها كتبه. ومن عرف النصوص الشرعية وفهمها وعلم الأحكام فهو الفقيه، فإن عرضت واقعة يحتاج إلى تفصيل الحكم فيها إلى حساب دقيق فاستعان بحاسب لم يكن في ذلك ما يتوهم منه أنه تعلم الفقه من الحاسب.
فصل
ثم ذكر الأستاذ رواية أن أحمد «كان يعيب أبا حنيفة ومذهبه» ثم قال: «يقول الملك المعظم: أنا أصدق هذا، لأن أصحاب أحمد إلى يومنا هذا لم يفهم أحد منهم (الجامع الكبير) ولا عرف ما فيه ومتى وقف على ما فيه فلا شك أنه ينكره فخل عنك باقي كتب أصحاب أبي حنيفة» ثم قال الأستاذ: «ومن جهل شيئًا «أنكره و» (١) عاداه» .
أقول هذا موضع المثل:
سألته عن أبيه؟ فقال: خالي شعيب!
لم يعب أحمد كل مسألة تكلم فيها أبو حنيفة ولا عاب المسائل الحسابية الدقيقة التي ضخم بها محمد كتبه، وإنما عاب ما يراه مخالفًا للسنة وهذا يتحقق عند أحمد سواء أفهم أتباعه (الجامع الكبير) لمحمد؟ وهل نظر فيه وتفهمه غيرهم من غير الحنفية؟ وقول الملك عيسى الذي تقدمت الإشارة إلى حاله في ترجمة الخطيب:
_________________
(١) سقطت من قلم المصنف رحمه الله تعالى، فاستدركتها من (التأنيب)، وقد سقطت منه في الموضع الآتي أيضًا، ولكنه تنبه لذلك هناك فاستدركه كما يدل عليه أثر الكشط، وفاته الاستدراك هنا.
[ ١ / ٣٦٩ ]
فصل: زعمه أن الإمام أحمد غير فقيه مع قول الشافعي فيه أنه أفقه أهل بغداد
«ومتى وقف على ما فيه فلا شك أن ينكره» مجازفة، نعم، ينكر ما فيه مما يراه مخالفًا للسنة، وعسى أن يتوقف بعضهم في بعض المسائل الدقيقة، وقول الأستاذ «ومن جهل شيئًا أنكره وعاداه» لا محل هنا فإن دعوى أن أحمد كان يجهل طريق استدلال أبي حنيفة في القضايا التي رد بها السنة دعوى باطلة، بل أكثر الناس يفهمون ذاك الاستدلال ويعرفون بطلانه كما ستراه في قسم الفقهيات وسترى هناك بعض ما يروى عن أبي حنيفة من مجابهة النصوص بتلك الكلمات التي تدل على ما تدل عليه إن صحت.
فصل
قال الأستاذ «وليس بقليل بين الفقهاء من لم يرض تدوين أقوال أحمد في عداد أقوال الفقه باعتبار أنه محدث غير فقيه عنده، وأنَّى لغير الفقيه إبداء رأي متزن في فقه الفقهاء.
أقول يشير بهذا إلى أن ابن جرير لم ينقل أقوال أحمد في كتابه الذي ألفه في «اختلاف الفقهاء»، ولأن يعاب بهذا ابن جرير أولى من أن يعاب به أحمد، ولكن عذره أمه كما يعلم من النظر في كتابه إنما قصد الفقهاء الذين كانت قد تأسست مذاهبهم ورتبت كتبهم، ولم يكن هذا قد اتضح في مذهب أحمد فإنه ﵀ لم يقصد أن يكون له مذاهب ولا أتباع يعكفون على قوله وإنما كان يفتي كما يفتي غيره من العلماء، ويكره أن يكتب كلامه، فكانت فتاواه عند موته مبعثرة بأيدي الطلبة والمستفتين وأدركها ابن جرير كذلك، وإنما رتبها وجمعها أبو بكر الخلال وهو أصغر من ابن جرير بعشر سنين.
وقول هذا الخائب: «وأنى لغير الفقيه » كلمة أدع جوابها إلى القارئ. وفقه أحمد أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى ذكر شهادات الأكابر، ويغني في ذلك قول الشافعي:
[ ١ / ٣٧٠ ]
فصل: فيه حكاية ما ذكره الكوثري عن الإمام من القول في أبي حنيفة وتحميله إياه من المعنى ما لا يحتمل والرد عليه من ثلاثة وجوه
«خرجت من بغداد وما خلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم من أحمد بن حنبل» .
هذا رأي الشافعي في أحمد قبل أن يموت أحمد بنيف وأربعين سنة.
فصل
ذكر الأستاذ ص١٤٣ ما روي من قل أحمد: «ما قول أبي حنيفة والبعر عندي إلا سواء» قال الأستاذ المصدر المضاف من ألفاظ العموم عند الفقهاء فيكون لذلك اللفظ خطورة بالغة لأن أبا حنيفة يعتقد في الله تعالى ما يكون خلافه كفرًا وبدعة شنيعة فيكون امتهان قوله في المسائل الاعتقادية والمسائل الفقهية التي م نازعه فيها أحد من المسلمين محض كفر لا يصدر عمن له دين» .
أقول هذه مخاطرة فاجرة ومحاولة خاسرة.
أولًا: لأن من المعلوم قطعًا أن أحمد لا يمتهن الحق، وإنما روى الناس امتهان الحق عن غيره كما ترى بعض ذلك في (قسم الفقهيات)، والعموم يخص بما هو دون هذه الدلالة بكثير.
ثانيًا: هبه سلم العموم فمعلوم أن م في تلك الكلمة إنما هو حكم على القول من حيث هو قول ذاك القائل فلا يتعداها إلى حيثية أخرى.
ثالثًا: عموم القول لا يستلزم عموم التسوية للصفات فإذا قيل: سواء زيد والأسد، لم يفهم منه إلا التسوية التي في بعض المعاني وه الشجاعة. فالتسوية بين القول والبعر إنما هي في عدم الاعتداد فمعنى تلك الكلمة إنما هو أن أحمد لا يعتد بقول أبي حنيفة دليلًا أو خلافًا كما لا يعتد بالبعر مالًا. فأما عدم اعتداده به دليلًا لا غبار عليه، ولا يقول أحد إن قول أبي حنيفة دليل شرعي يلزم من بعده من المجتهدين الأخذ به، وأما عدم الاعتداد به خلافًا فكما قاله بعضهم في قول داود
[ ١ / ٣٧١ ]
بعض النقول في ثناء الأئمة على الإمام أحمد
٣٣- أحمد بن سعيد بن عقدة
الظاهري، فلو كلف الأستاذ نفسه الاتزان لحمل الكلمة على عدم الاعتداد دليلًا، ثم يقول: فإن أراد عدم الاعتداد بقول أبي حنيفة خلافًا فغير مسلم له
هذا وقد ثبت عمن لا يحصى من الأئمة من عظيم الثناء على أحمد ما لم يثنوا به على أحد من الأئمة كما يعلم من كتاب ابن الجوزي و(تاريخ بغداد) وغيرهما وأكتفي ههنا ببعض ما في (تهذيب التهذيب):
قال إبراهيم بن شماس: سمعت وكيع بن الجراح وحفص بن غياث يقولان: ما قدم الكوفة مثل ذاك الفتى - يعنيان أحمد، وقال القطان: ما قدم عليّ مثل أحمد، وقال مرّة: حبر من أحبار الأمة، وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع، وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثمة أحد غيره يحسن الفقه، وقال يحيى بن آدم: أحمد إمامنا، وقول الشافعي (قد مرَّ)، وقال عبد الله «بن داود» الخُريبِي: كان أفضل زمانه ؛ وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا، وقال أبو عبيد: لست أعلم في الإسلام مثله، وقال العباس بن الوليد بن مزيد: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال لا، إلا شاب في ناحية المشرق، يعني أحمد، ، وقال بشر بن الحارث: أدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر، وقال الحجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل، وقال أحمد الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء فاتهموه على الإسلام» .
٣٣- أحمد بن سعيد بن عقدة. في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٨٧ « أحمد بن سعيد الكوفي حدثنا عن بشر بن مفضل قال: قلت: لأبي حنيفة: نافع عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. قال: هذا رجز. قلت: قتادة عن أنس أن يهوديًا رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ النبي ﷺ رأسه بين حجرين. قال: هذيان» .
وفيه (١٣/ ٤٠٣) عبد الله بن المبارك قال: من نظر في (كتاب الحيل) لأبي حنيفة أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله» قال الأستاذ ص ٧٨ «وأحمد بن
[ ١ / ٣٧٢ ]
سعيد في السند هو ابن عقدة الكوفي شيعي جلد وكلام الخطيب فيه شديد فيلزمه أن لا يعول عليه» وقال ص ١٢٢ «حاول بعض الكذابين رواية (كتاب الحيل) عن أبي حنيفة وهو أبو الطيب محمد بن الحسين وقد قال مُطيَّن إن محمد بن الحسين هذا كذاب ابن كذاب وأقره ابن عقدة وقد قوي ابن عدي أمر ابن عقدة ورد على الذين تكلموا فيه، بل قال السيوطي من كبار الحفاظ وثقة الناس وما ضعفه إلا عصري متعصب» .
أقول ما نقله عن السيوطي مجازفة، ولم أر في (الميزان) و(اللسان) ما نسبه إلى ابن عدي وابن عقدة لا نزاع في سعة حفظه ومعرفته، قال البرقاني «قلت للدارقطني أيش أكثر ما في نفسك من ابن عقدة؟ قال: الإكثار بالمناكير» . وفي (الميزان): «قرأت بخط يوسف بن أحمد الشيرازي: سئل الدارقطني عن ابن عقدة فقال لم يكن في الدين بالقوي، وأكذب من يتهمه بالوضع، إنما بلاؤه هذه الوجادات» وفيه «قال ابن عدي سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول: ابن عقدة لا يتدين بالحديث لأنه كان يحمل شيوخًا بالكوفة على الكذب يسوي لهم نسخًا ويأمرهم أن يرووها ثم يرويها عنهم»، وفي (اللسان): «وقال ابن عدي أيضًا سمعت أبا بكر الباغندي يقول كتب إلينا ابن عقدة: قد خرج شيخ بالكوفة عنده نسخ الكوفيين، فقدمنا عليه وقصدنا الشيخ فطالبناه بالأصول، فقال: ما عندي أصل وإنما جاءني ابن عقدة بهذه النسخ وقال لي: اروِ هذه يكون لك ذكر ويرحل إليك أهل بغداد، قال وسمعت ابن مكرم يقول لنا عند ابن عثمان ابن سعيد في بيت وقد وضع بين أيدينا كتب كثيرة فنَزع ابن عقدة سراويله وملأه منها سرًا من الشيخ ومنا فلما خرجنا قلنا ما هذا الذي تحمله؟ فقال: دعونا من ورعكم هذا» وفيه أيضًا «وقال ابن الهراوني (؟) أراد الحضرمي أبو جعفر يعني - مطينا - أن ينشر أن ابن عقدة كذاب ويصنف في ذلك فتوفي ﵀ قبل أن يفعل» .
أقول: الذي يتحرر من هذه النقول وغيرها أن ابن عقدة ليس بعمدة، وفي
[ ١ / ٣٧٣ ]
٣٤- أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحماني
سرقة الكتب والأمر بالكذب وبناء الرواية عليه ما يمنع الاعتماد على الرجل فيما ينفرد به. وانظر ما يأتي في ترجمتي محمد بن حسين بن حميد ومحمد بن عثمان.
٣٤- أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلِّس الحماني. وقد ينسب إلى جده وإلى أبي جده، ويقال له، أحمد بن عطية وغير ذلك أخرج الخطيب من طريقه في مناقب أبي حنيفة عدة حكايات ثم أخرج عنه (١٣/ ٤١٩) حكايتين:
الأولى: قوله «سمعت يحيى بن معين وهو يسأل عن أبي حنيفة: أثقة هو في الحديث؟
قال: نعم، ثقة ثقة، كان والله أورع من أن يكذب وهو أجل قدرًا من ذلك» .
الثانية: قوله «سئل يحيى بن معين: هل حدث سفيان عن أبي حنيفة؟ قال: نعم كان أبو حنيفة ثقة صدوقًا في الحديث والفقه مأمونًا على دين الله» . ثم قال الخطيب:
«أحمد بن الصلت هو أحمد بن عطية وكان غير ثقة» .
قال: الأستاذ ص١٦٥ «سبق أن تحدث عن أحمد بن الصلت هذا في هامش ص٣٥٣ من (تاريخ الخطيب) » .
أقول عبارته هناك «وعنه يقول ابن أبي خيثمة لابنه عبد الله: اكتب عن هذا الشيخ يا بني فإنه كان يكتب معنا في المجالس منذ سبعين سنة، وفي شيوخه كثرة وقد أخذ عنه أناس لا يحصون من الرواة وتحامل أبي عدي عليه كتحامله على البغوي، ولعل ذنبه كونه ألف في مناقب النعمان. وحديث ابن جزء لن ينفرد هو بروايته والكلام في حقه طويل الذيل، ومن الغريب أنه إذا طعن طاعن في رجل تجد أسرابًا من ورائه يرددون صدى الطاعن أيا كانت قيمة طعنه» .
أقول أما الحكاية عن ابن أبي خيثمة فأعادها الأستاذ في (التأنيب) ص ١٦٧ ثم اتبعها بقوله:
[ ١ / ٣٧٤ ]
«وهذا ما يغيظ الخطيب جدًا ويحمله على ركوب كل مركب للتخلص منه بدون جدوى» .
وقد نعيت على الأستاذ في (الطليعة) ص ٩٣ أنه «يتعارف المجاهيل ويحتج بروايته إذا كانت روايتهم توافق هواه» ص٩٣ أنه «يتعارف المجاهيل ويحتج بروايتهم إذا كانت روايتهم توافق هواه» ثم ذكرت ص٩٣ هذه الحكاية وقلت «كذا قال ثم لم يبين ما يعرف به أولئك الذين جهلهم الخطيب» .
فتعامى الأستاذ في (الترحيب) عن ذلك فلم يذكر فيه شيئًا. فلننظر في سند هذه الحكاية أصحيح هو؟ حتى يسوغ للأستاذ أن يجزم بقوله «يقول ابن أبي خيثمة» وماذا قال الخطيب في هذه الحكاية؟ أركب كل مركب للتخلص منها بدون جدوى؟ قال الخطيب ج٤ ص٢٠٩ «أخبرنا علي بن المحسن التنوخي: حدثني أبي: ثنا أبو بكر محمد ابن حمدان بن الصباح النيسابوري بالبصرة: حدثنا أبو علي الحسن بن محمد الرازي قال قال لي عبد الله بن أبي خيثمة قال لي أبي أحمد بن أبي خيثمة: أكتب عن هذا الشيخ يا بني فإنه يكتب معنا في المجالس منذ سبعين سنة - يعني أبي العباس أحمد بن الصلت المغلس الحماني»
قال الخطيب «قلت: لا أبعد أن تكون هذه الحكاية موضوعة، وفي إسنادها غير واحد من المجهولين، وحال أحمد بن الصلت أظهر من أن يقع فيها الريبة» .
فلندع الجملة الأولى والثالثة، ولننظر في الوسطى، هل جميع رجال السند معروفون ثقات حتى يسوغ للأستاذ أن يعول بدون جدوى، وأن يجزم بنسبة ذاك القوم إلى ابن أبي خيثمة. أما علي بن المحسن وأبوه معروفان، فمن أبو بكر محمد بن حمدان بن الصباح النيسابوري؟ ومن شيخه؟ وهل يعرف لابن أبي خيثمة ابن اسمه عبد الله؟ أما الأول ففي (لسان الميزان) ج ٥ ص ١٤٧ «محمد بن حمدان صباح بن النيسابوري عن الحسن بن محمد الرازي وعنه علي بن الحسن (صوابه: المحسن) التنوخي قال الخطيب مجهول» ولم يتعقبه بشيء، نعم عرفنا محمد بن حمدان هذا بأنه يروي فيكثر عن ابن الصلت صاحب هذه الترجمة وعنه التنوخي، أخرج
[ ١ / ٣٧٥ ]
الخطيب في مناقب أبي حنيفة بهذا الطريق عدة حكايات منها في ص٣٣٩ مرتين في ص٣٤٠ وص٤٤٣ وص٤٤٥ وص٣٤٦ وص٣٥٣ وص٣٥٨ وأكل الاستنتاج إلى القارئ.
أما الثاني ففي (لسان الميزان) ج٢ ص٢٥٣ «الحسن بن محمد بن نصر عثمان بن الوليد بن مدرك الرازي أبو محمد (كذا) المتطيب، قال: الحاكم قدم نيسابور سنة ٣٣٧ وكان يحدث عن الكديمي وأقرانه بعجائب فمنها » فذكر حكاية قال ابن حجر: «قلت هذا لا يحتمله الكديمي وأن كان ضعيفًا، وروى الخطيب في (تاريخه) عن علي بن الحسن (كذا) ابن علي التنوخي عن أبيه عن أبي بكر بن أحمد (كذا) النيسابوري عن الحسن بن محمد الرازي عن محمد (كذا) بن أحمد بن أبي خيثمة حكاية باطلة، وقال: في إسنادها غير واحد من المجهولين وعنى بذلك الحسن بن محمد الراوي عنه» .
أقول: وللحسن هذا عجائب في (مناقب أبي حنيفة) للموفق.
وأما الثالث فلم أر أحدا ذكر أن لأحمد بن أبي خيثمة ابنًا اسمه عبد الله وما سبق عن ابن حجر من جعله بدل عبد الله «محمد» فهل وقع في نسخته من تاريخ الخطيب «محمد»؟ أم وقع فيها «أبو عبد الله» وهي كنية محمد، أم وقع فيها كما في النسخ المطبوع عنها «عبد الله» ولكنه ظن أن الصواب «أبو عبد الله» وأن كلمة «أبو» سقطت من الناسخ، الأشبه هذا الثالث ولوتم هذا لنجا الثالث من الجاهلة والضعف فإن أبا عبد الله محمد بن أحمد بن أبي خيثمة معروف ثقة، لكن وجدت الحكاية في (تهذيب تاريخ ابن عساكر) ج٢ ص٥٧ وفيها «عبد الله» فضعف ما ظنه ابن حجر. هذا حال الإسناد فكيف ترى حال الأستاذ؟
وهب أن الحكاية صحت عن أحمد بن أبي خيثمة فأي شيء فيها؟ لم يعرف ابن أبي خيثمة بالتوقي عن الرواية عن الضعفاء فضلا عن الكتاب عنهم، بل عامة المحدثين يكتبون عن كل أحد إلا أن منهم أفرادًا كانوا يتقون أن يرووا إلا عن
[ ١ / ٣٧٦ ]
ثقة ويكتبون عن الضعفاء للمعرفة كما مر في ترجمة الإمام أحمد من نظره في كتب الواقدي. وأحمد بن أبي خيثمة وابنه محمد لو اتجه ظن ابن حجر كانا مشتغلين بجمع (التاريخ) والتاريخ يحتاج إلى مواد وتسامح في الرواية عن الضعفاء، فلو صحت القضية لما كان فيها إلا شهادة ابن أبي خيثمة لابن الصلت انه كان يكتب معهم من زمان طويل وبذلك علل «و» أمر ابنه بالكتابة عنه على ما جرت عادتهم من الحرص على الكتابة عن المعمر ولو كان ضعيفًا رغبة في العلو وعلى كل حال فليس فيها توثيق.
قول الأستاذ: «وفي شيوخه كثرة»
أقول سيأتي كلام الأئمة فيه وبه تعرف أن من كان في مثل حاله فالناس كلهم
شيوخه!
قوله «وقد أخذ عنه أناس لا يحصون» .
أقول أما الذكورون في ترجمته فقليل ومع ذلك فليس فيهم من عرف بأنه لا يروي عن الساقطين وهذا الكلبي أشهر الرواة بالكذب روى عنه السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم من الأئمة فلم ينفعه ذلك.
قوله «وتحامل عليه ابن عدي كتحامله على البغوي» .
أقول: لا سواء، البغوي وهو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز تأتي ترجمته، تحامل عليه ابن عدي بما ليس بجرح، ثم عاد فأثنى عليه، ووثقه الناس، وابن الصلت جرحه ابن عدي جرحًا صريحًا مفسرًا وجرحه الناس كما يأتي، ولم يثن عليه أحد، ومع ذلك فقد رجع الأستاذ حين احتاج إلى الكلام في البغوي فلم يعد كلام ابن عدي فيه تحاملًا بل بني على ذاك التحامل وهو ل، ورمى البغوي بالكذب!
قوله: «ولعل ذنبه كونه ألف في مناقب النعمان» .
أقول: لم يخب رجاء الأستاذ فإن من ذنب ابن الصلت عندهم أنه خلط في
[ ١ / ٣٧٧ ]
قول الكوثري إن حديث ابن جزء جاء بسند ليس فيه ابن الصلت
المناقب كما يأتي وذلك واضح لكل متدبر، وسيأتي أن أعلى الجارحين لابن الصلت حافظ حنفي!
قوله: «وحديث ابن جزء لم ينفرد هو بروايته» في (التأنيب) ص ١٦٦: «بل أخرجه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ج ١ ص ٤٥ بسند ليس فيه ابن الصلت» .
أقول: في الموضع المذكور من كتاب (العلم): «وأُخبِرنا أيضًا عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني المكي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي وأبو علي عبد الله بن جعفر الرازي ومحمد بن سماعة عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة ﵀ يقول: حججت مع أبي سنة ثلاث وتسعين ولي ست عشرة سنة..» ذكر القصة. فينظر في المخبر لابن عبد البر من هو؟ وفي الصيدلاني فإني لم أجد من وثقه، ومع هذا ففي بقية السند تحريف لم يشر إليه الأستاذ رجاء أن يغتر به من لا معرفة له، فإن الصيدلاني لم يدرك ابن سماعة والعقيلي لم يدرك أبا يوسف ولا ابن سماعة، وعبد الله ابن جعفر هذا قد جاء كما يأتي هذا الخبر عنه عن أبيه عن ابن سماعة، وعبد الله بن جعفر هذا قد جاء كما يأتي هذا الخبر عنه عن أبيه عن ابن سماعة. فصواب هذه العبارة كما يعلم من (الجواهر المضيئة في تراجم الحنفية) للقرشي ١/ ٢٧٣: « العقيلي ثنا أبو عبد الله بن جعفر الرازي ثنا (أو: عن) محمد بن سماعة..» ترجم القرشي عبد الله ابن جعفر هذا أخذًا من هذا الموضع في (كتاب العلم) فقط كما يتضح من مراجعة كلامه. ولما شعر أن عبد الله بن جعفر لا يدري من هو رأى حقا عليه أن يموه فخلع عليه لقب «الإمام» وفي (مناقب أبي حنيفة) للموفق ١/٢٥ عن الجعابي: «حدثني أبو علي عبد الله بن جعفر الرازي من كتاب فيه حديث أبي حنيفة حدثنا أبي عن محمد سماعة عن أبي يوسف قال: «حججت مع أبي سنة ست تسعين ولي ست عشرة سنة » وذكر القصة. زاد في السند كما مر، وقال: «سنة ست وتسعين» وفي كتاب (العلم) و(الجواهر المضيئة) عنه: «سنة ثلاث وتسعين» تارة حاول أن يقرب التاريخ من وفاة عبد الله بن الحارث، وتارة راعى المعروف من
[ ١ / ٣٧٨ ]
قوله أن الحديث المذكور يثبت أنا أبا حنيفة تابعي
مولد أبي حنيفة. وفي (لسان الميزان) و(ذيل اللآليء) للسيوطي من طريق أبي علي الحسن بن علي الدمشقي عن عبد العزيز بن حسن الطبري عن مكرم بن أحمد عن محمد بن أحمد بن سماعة عن بشر ابن الوليد عن أبي يوسف، فذكر القصة. قال في (اللسان): وهو باطل أيضًا.. وللحسن بن علي الدمشقي ترجمة في (لسان الميزان) ٢/٢٣٦ وفي (شرح مسند أبي حنيفة) لعلي قاري: «الأقرب ما ذكره أبو منصور البغدادي بإسناده عن بلال بن أبي العلاء عنه قال: حملني أبي على عاتقه وذهب إلى عبد الله بن الحارث »
ولا أدري ما ذاك السند؟ ومن بلال بن أبي العلاء؟ وربما كان عند القوم غير هذا!.
قال الأستاذ: «فثبت أنه لم ينفرد بروايته فيجب أن تزول نقمة الذهبي بزوال سببها» .
أقول: هذا إذا كان سند المتبعة مقبولًا، أما إذا كان ساقطًا فلا يدفع التهمة بل يقال بعضهم وضع، وبعضهم سرق أو وهم أو لقن أو أدخل عليه، على أنه إذا كان مقبولًا والمروي منكرًا فإن الراوي يبرأ وتلصق التهمة بمن فوقه، ومع ذلك فلا ينفع ابن الصلت زوال تبعة ذلك الحديث عنه إلى فقوه لأن له بلايا أخر لا تحصى.
قال الأستاذ: «ولكن لا يمكنهم أن يسامحوه لأنه بروايته الحديث المذكور بطريق أبي حنيفة يثبت أن أبا حنيفة من التابعين حتى عند من لا يكتفي بالمعاصرة أو الرؤية في ذلك وهذا مما لا يمكن مسامحته والصفح عنه » .
أقول: لخصمك أن يقول أنت أحق بالتهمة وأهلها، بل الأمر أو ضح من أن يسمى تهمة ومع ذلك لو جئت بحجة صحيحة لوجب قبولها، فكيف ترجو أن ترد حجج الأئمة باتهامك لهم؟ . وفي (التأنيب) ص١٦٥ بعد الإشارة إلى قول الذهبي في الحديث «هذا كذب فابن جزء مات بمصر ولأبي حنيفة ست
[ ١ / ٣٧٩ ]
سنين» قال الأستاذ «تغافل الذهبي عن أن في مواليد رجال الصدر الأول ووفياتهم اختلافًا كثيرًا لتقدمهم على تدوين كتب الوفيات بمدة كبيرة فلا يبت في أغلب الوفيات برواية أحد النقلة، وها هو أبي بن كعب ﵁ من أشهر الصحابة اختلفوا في وفاته من سنة ١٨ إلى سنة ٣٢ والذهبي يصر على أن وفاته سنة ٢٢ في كتبه جميعًا مع أن عاش إلى سنة ٣٢ وشارك جمع القرآن في عهد عثمان كما يظهر من طبقات ابن سعد وأين منْزلة ابن جزء من منْزلة أبي حتى يبت بوفاة تروي له عن ابن يونس وحده، وقد قال الحسن بن علي الغزنوي أن وفاته سنة ٩٦ كما في «شرح المسند» لعلي القاري، ولعل ذلك هو الصواب في وفاته» .
أقول الجواب من وجوه:
الأول: وقوع الاختلاف في ذلك في الجملة إنما هو بمنزلة وقوعه في أدلة الأحكام لا يبيح إلغاء الجميع جملة بل يؤخذ بما لا يخالف له وينظر في المتخالفين فيؤخذ بأرجحها، فإن لم يظهر الرجحان أخذ بما اتفقا عليه، مثال ذلك ما قيل في وفاة سعد بن أبي وقاص سنة ٥١، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٨، فإن لم يترجح أحدها أخذ بما دل عليه مجموعها أنه لم يعش بعد سنة ٥٨. فان جاءت رواية عن رجل أنه لقي سعد بمكة سنة ٦٥ مثلًا استنكرها أهل العلم، ثم ينظرون في السند فإذا وجدوا فيه من لم تثبت ثقة حملوا عليه. فابن جزء قيل في وفاته سنة ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٨٨، وأرجحها الثاني لأنه قول ابن يونس مؤرخ مصر وهي مع ذلك مجتمعة على أنه لم يعش بعد سنة ٨٨، فلما جاءت تلك الرواية أنه لقي بمكة سنة ٩٦ أو ٩٨ استنكرها أهل العلم ووجدوا أحق من يحمل عليه ابن الصلت، فأما قول الغزنوي المتأخر أن ابن جزء توفي سنة ٩٩ فهو من نمط ما في (المناقب) للموفق ج ١ ص ٢٦ روى من طريق الجعابي القصة وفيها أن اللقاء كان سنة ٩٦ ثم حكى عن الجعابي أن ابن جزء مات سنة ٩٧ فهذان القولان مع تأخر قائليهما إنما حاولا بهما تمشية القصة، رأيا أن فيها أن اللقاء كان بالموسم وأن المعروف في وفاة ابن جزء أنها بمصر بقرية يقال لها سفط القدور كما جاء عن
[ ١ / ٣٨٠ ]
الطحاوي وأن من شهد الموسم لا يمكن أن يصل إلى مصر إلا في السنة التالية فبنيا على ذلك ولم تمكنهما الزيادة على ذلك لئلا تفحش المخالفة لما نقل عن المؤرخين جدًا.
الوجه الثاني: ابن جزء أقرب إلى عصر تدوين الوفيات من أبي بن كعب ففي (فهرست ابن النديم) ص ٢٨١ أن لليث بن سعد تاريخًا، وتواريخ المحدثين مدارها على بيان الوفيات والليث ولد سنة ٩٤ ومات سنة ١٧٥ ومن أشهر شيوخه يزيد بن أبي حبيب المتوفى سنة ١٢٨وهو أشهر الرواة عن ابن جزء. وفي (تدريب الراوي) في شرح النوع الستين «وقال سفيان الثوري لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ» والثوري ولد سنة ٩٧ ومات سنة ١٦١ فيظهر أن البحث والسؤال عن الوفيات قد شرع فيه في حياة الرواة عن ابن جزء وهكذا غيره ممن تأخرت وفاته فلم يكن بين الباحث وبين الصحابي إلا رجل واحد فيخبره عما أدركه بخلاف الحال في متقدمي الوفاة كأُبيّ بن كعب.
الوجه الثالث: كان الصحابة في عهد أبي بن كعب متوافرين فلم يكن لطلبة العلم كبير حرص على لقائه لأنهم يجدون غيره من الصحابة ويرون أنه مات لم يفتهم شيء لبقاء كثير من الصحابة، وهو لعلمه بذلك لم يكن يبذل نفسه حتى نسب إلى شراسة الخلق فلعله لم يكن يتجشم لقاءه إلا ذوو الأسنان، فإذا نظرنا في الرواة عنه فلم نجد فيهم إلا من كان رجلًا في عهد عمر لم يكن في ذلك دلالة بينة على أنه توفي في عهد عمر، فأما ابن جزء فكان آخر الصحابة بمصر فطلبة العلم بغاية الحرص على السماع منه لأنهم يرون أنه إن مات لم يجدوا صحابيًا آخر وتزلوا طبقة عظيمة وهو لعلمه بذلك يبذل نفسه لتحديث من يريد أن يسمع منه، صغيرًا كان أم كبيرًا كما كان سهل بن سعد يقول: «لومت لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله - ﷺ - كما في ترجمته من (الاستيعاب)، يحرضهم بذلك والله أعلم على السماع منه. ولما مات أنس قال مورق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. قيل كيف ذاك؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا تعال إلى من سمعه من النبي صلى
[ ١ / ٣٨١ ]
الله عليه وآله وسلم. فالظن بمن كان من طلبة العلم بمصر أنه إذا بلغ سن الطلب في حياة ابن جزء كان أهم شيء عنده أن يلقاه ويسمع منه فلو عاش ابن جزء إلى سنة ٩٧ أو ٩٩ لكان في الرواة عنه من لم يبلغ سن الطلب إلا قبل ذلك بقليل، ولو كان فيهم من هو كذلك لأشتهر أمره لعلو سنده ولما خفي على مثل ابن يونس وغيره ممن ذكر وفاة ابن جزء، وقد تتبع الرواة عن ابن جزء فإذا أخرهم وفاة عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب توفي سنة ١٣١ وقد روى عبيد الله أيضًا عن ناعم مولى أم سلمة ووفاة ناعم سنة ٨٠ على ما قيل ولم يذكروا خلافه.
الوجه الرابع: لو حج ابن جزء سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين في الموسم واجتمع الناس حواليه كما تزعمه تلك الرواية لكان من حضر الموسم من أهل العلم وطلبة الحديث أحرص الناس على لقائه والسماع منه، أنه لم يبق حينئذ على وجه الأرض صحابي سمع من رسول الله ﵌ وحدث عنه إلا هو على فرض صحة الرواية، ثم لتناقلوا ما يسمعون منه وتنافسوا فيه لعلوه، ولا سيما ذاك الحديث المذكور في تلك الرواية «من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب» فإن فيه بشارة عظيمة لهم وفضيلة بينة وترغيبًا في طلب العلم، ولا يعرفونه من رواية غيره فما بالنا لا نجد لذلك أثرًا إلا ما تضمنته تلك القصة؟
الوجه الخامس: لو لم يكن فيما يدل على تأخر وفاة أُبيّ بن كعب إلا ما أشار إليه الأستاذ من الرواية التي عند ابن سعد لاستنكرها أهل العلم لكن لذلك شواهد وعواضد منها ما روي عن عبد الرحمن بن أبزي أنه قال: «قلت لأبي لما وقع الناس في أمر عثمان يا أبا المنذر -» ومنها ما روى عن زر بن حبيش أنه لقي أُبيًا في خلافة عثمان، ومنها ما روي عن الحسن البصري في قصة أن أُبيًا مات قبل مقتل عثمان بجمعة. فأما الرواية في لقى ابن جزء بمكة سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين فلا شاهد لها ولا عاضد. فإن قيل أرأيت لو وجد لها شواهد وعواضد قوية أتقبلونها؟ قلت أن صح سندها فنعم وأي شيء في هذا؟ أرأيت من قامت عليه
[ ١ / ٣٨٢ ]
النظر في قول الكوثري: نص ابن عبد البر على رؤية أبي حنيفة لأنس ﵁
البينة العادلة بما يوجب القتل أيدرأ عنه القتل أن يقال لو وجدت بينة عادلة بجرح الشهود لما كان عليه قتل؟.
الوجه السادس: متأخرو الوفاة من الصحابة قد يقع الاختلاف في تاريخ وفاتهم لكنه لا يكاد يكون التفاوت شديدًا فعبد الله بن أبي أوفى سنة ٨٦، ٨٧، ٨٨، وسهل بن سعد الساعدي سنة ٨٨، ٩١، وأنس سنة ٩١، ٩٣، ٩٥، وأشد ما رأيته من التفاوت ما قيل في وفاة السائب بن يزيد وذلك نادر مع أن النبي ﵌ توفي وللسائب نحو سبع سنين وعامة روايته عن الصحابة، وقد يرسل، أما ابن جزء فروى عن النبي - ﷺ - سماعًا ولم يذكروا له رواية عن غيره فالحرص على السماع من ابن جزء محقق بخلاف السائب.
ثم قال الأستاذ «على أن النبي ﵌ توفي عمن يزيد على مائة ألف من الصحابة ولم تحتو الكتب المؤلفة في الصحابة عشر معشار ذلك ولا مانع من اتفاق كثير منهم في الاسم واسم الأب والنسب لا سيما المقلين في الرواية» .
أقول حاصل هذا أنه يحتمل أن يكون هناك صحابي آخر وافق عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي في الاسم واسم الأب والنسب فيكون هو الذي جاء في تلك القصة أن أبا حنيفة لقيه بمكة سنة ٩٧ أو ٩٨، ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال لا يكفي لدفع الحكم مع أنه قد علم مما تقدم في الوجه الرابع وغيره ما يدفع هذا الاحتمال، فإن كان الأستاذ يشير بقوله «في الاسم واسم الأب والنسب» ولم يذكر اسم الجد - إلى عبد الله بن الحارث الزبيدي النجراني المكتب فذاك تابعي معروف.
ثم ذكر الأستاذ أن ابن عبد البر «نص على أبا حنيفة رأى أنس بن مالك وعبد الله ابن جزء الزبيدي رواية عن ابن سعد» .
أقول: يحكي الذهبي عن ابن سعد أنه روى عن سيف بن جابر عن أبي حنيفة أنه رأى أنسًا، ولم أر في (الطبقات) المطبوع لا ذا ولا ذاك فلا أدري أفي كتاب آخر
[ ١ / ٣٨٣ ]
فصل: حديث "طلب العلم فريضة" يرويه ابن الصلت بسنده عن أبي حنيفة
لابن سعد؟ أم حكاية مفردة رويت بسند، فإن كان الثاني فلا أدري ما حال ذاك السند وكيف وقعت لابن عبد البر زيادة «وعبد الله بن جزء الزبيدي» مع أني لم أعرف سيف بن جابر، وما دام الحال هكذا فلا تقوم بذلك حجة، مع أن صنيع ابن عبد البر في (الاستيعاب) يقتضي أنه لم يعتد بما حكاه في (كتاب العلم) من رؤية أبي حنيفة لابن جزء، فإنه قال في ترجمة أنس بعد أن ذكر أنه توفي سنة ٩١ و٩٢ و٩٣ «ولا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى رسول الله ﵌ إلا أبا الطفيل» وقال في ترجمة ابن جزء «كانت وفاته بعد الثمانين وقد قيل سنة ثمان أو سبع وثمانين سنة خمس وثمانين» .
فصل
في (تاريخ بغداد) ٤/٢٠٧ من طريق ابن الصلت «حدثنا بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف حدثنا أبو حنيفة قال سمعت أنس ابن مالك يقول قال رسول الله ﵌: طلب العلم فريضة على كل مسلم» ثم قال الخطيب: لم يروه عن بشر غير أحمد بن الصلت وليس بمحفوظ عن أبي يوسف، ولا يثبت لأبي حنيفة سماع من أنس بن مالك. والله أعلم. حدثني علي بن محمد بن نصر قال سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول سئل أبو الحسن الدارقطني وأنا أسمع عن سماع أبي حنيفة من أنس يصح؟ قال: لا ولا رؤيته، لم يلحق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة» أشار الأستاذ إلى هذا ثم قال: «مع أن أبا حنيفة كان أكبر سنًا من أقل سن التحمل عند المحدثين بكثير في جميع الروايات في وفاة أنس مع ثبوت قدومه إلى الكوفة قبل وفاته اتفاقًا» .
أقول: أما أنا فلم أعرف أن أنسًا قدم الكوفة في أواخر عمره فإن بنى هذا على ما اشتهر من تحديثه للحجاج بحديث العرنيين وإيذاء الحجاج له وكتابة أنس إلى
[ ١ / ٣٨٤ ]
عبد الملك يشكوه فهذا كان بالبصرة سنة ٧٥ على أن الحجاج انتقل من الكوفة إلى واسط سنة ٨٦ وفيها مات عبد الملك كما هو معروف في التاريخ. وإن بنى على ما حكى عن ابن سعد في رؤية أبي حنيفة لأنس فقد مر ما فيه. وإن بني على أن الدارقطني على ما في (تبييض الصحيفة) عن حمزة السهمي قال: «لم يلق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة إلا أنه رأى أنسًا بعينه ولم يسمع منه» كما نقله الأستاذ ص١٥ وأن جماعة ممن بعد الدارقطني ذكروا رؤية أبي حنيفة لأنس كما ذكره ص١٥ أيضًا فلا أرى في هذا حجة، أما ما حكاه السيوطي عن حمزة فقد عارضه ما مر عن الخطيب، والخطيب يروي في مواضع كثيرة من (تاريخه) عن علي بن محمد نصر عن حمزة سؤالات حمزة للدارقطني وغيره كما ترى شواهد ذلك في المقدمة (تاريخ جرجان) فيعلم مما ذكر مع النظر إلى عادة الخطيب وعادة أهل عصره التي أشرت إليها في (الطليعة) ص ١١٠، أنه كان عنده نسخة من كتاب حمزة وسمعها من علي بن محمد بن نصر فما روى عن علي بن محمد بن نصر عن حمزة من سؤالات الدارقطني فهو من ذاك الكتاب، فرواية الخطيب ثابتة. وأما حكاية السيوطي فان كان أخذها من نسخة من كتاب حمزة فنسخة الخطيب أثبت لقرب العهد وسماعه للكتاب بواسطة واحدة ولما عرف من تثبيت الخطيب، وإن كان أخذها من مأخذ آخر فلا ندري ما حاله؟ وزعم الأستاذ أن ما وقع في (التاريخ): «مما غيرته يد أثيمة وكم لمصحح الطبع من إجرام في الكتاب وكان أصل الكلام إلا رؤيته - فغيرته اليد الأثيمة إلى: ولا رؤيته» .
أقول الكتاب أي (تاريخ بغداد) طبع بمصر ولعل الأستاذ إن كان شك في تلك الكلمة قد راجع الأصل المطبوع عنه أو روجع له كما عرف من عادته في الحرص على تأييد قوله والتنديد بمخالفيه كالمصحح الذي عناه، فلو وجد في الأصل «إلا رؤيته» لصرح به، فإن عاد فحمل على الأصل نفسه فما باله يذكر مصحح الطبع؟ هل أذكرته كلمة «الطبع» قولهم: قيل للغراب لم تسرق الصابون؟ قال:
[ ١ / ٣٨٥ ]
فصل: فيه ذكر الخلاف في سنة ولادة أبي حنيفة والقول الراجح فيها
الأذى طبعي! . (١)
وعلى كلا الحالين ليس لخصمه أن يعارضه باتهام مصحح «تبييض الصحيفة» أو كاتب أصلها؟ ومع هذا فلا مانع من صحة الحكايتين معنًا بأن يقال كان الدارقطني استند فيما في «تبييض الصحيفة» من قوله «إلا أنه رأى أنسًا بعينه» إلى رواية لينة أو شهرة بين حنفية عصره تسمح بذلك لأن ذكر الروية وحدها «من باب المناقب الذي يتساهل فيه» كما قال الأستاذ ص ٢١ في قضية أخرى، فلما سئل في رواية الخطيب على الصحة نفاها، وقول الأستاذ ص ١٥ «ونفيه لسماعه بعد إثباته لرؤيته دعوى مجردة وشهادة على النفي» يرد عليه أن دعوى الرؤية دعوى مجردة أيضًا، فإن قيل الظاهر أنه لم يقل ذلك إلا عن حجة، قلنا هذا الظاهر لا يبلغ أن يكون حجة ولا سيما مع التساهل في المناقب، ومع هذا فكذلك الظاهر أنه لم ينفي السماع إلا عن حجة قد تكون بنفي خاص تقبل على مثله الشهادة.
فأما من ذكر الرؤية ممن بعد الدارقطني فبنوا على اشتهار ذلك بين متأخري الحنفية وأنه «من باب المناقب الذي يتساهل فيه» كما نص عليه الأستاذ.
فصل
قضية سماع أبي حنيفة ترتبط بقضية ميلاده فلا بأس فيها هنا. في «تاريخ بغداد» (١٣/٣٣٠) من طريق ابن عقدة بسنده إلى «مزاحم بن داود بن علية يذكر عن أبيه أو غيره قال: ولد أبو حنيفة سنة إحدى وستين » قال الخطيب «لا أعلم لصاحب هذا القول متابعًا» . قال الأستاذ ص ١٩:
_________________
(١) وعاد الأستاذ فعلق على ص ١٦٧ قوله «وما نسب إلى الدارقطني في (٤ / ٢٠٨) من نفي رؤيته لأنس من تصرف مصحح الطبع كما سبق تحقيقه في صدر الردود على الخطيب » كذا يجازف هذا الرجل هذه المجازفة ثم يضج ويعج إذا نسب إلى بعض ذلك.
[ ١ / ٣٨٦ ]
«ألف في رواية أبي حنيفة الأحاديث عن جملة من الصحابة مباشرة جماعة من القدماء من أمثال أبي حامد محمد بن هارون الحضرمي وإلى هذه الرواية في ميلاده يكون ميل هؤلاء وإلا ما ساغت روايته من بعض تلك الأحاديث في عداد مسموعاته » .
أقول ابن عقدة هو أحمد بن محمد بن سعيد تقدمت ترجمته، ومزاحم وأبوه ضعيفان على أنه لم يدر أعن أبيه أم عن غيره؟ فأما الذين ألفوا في رواية أبي حنيفة عن جملة من الصحابة فليسوا متقدمين على عصر الخطيب ولا هم ممن يعتد به في هذا الشأن، بلغهم شيء فرووه ووكلوا النقد إلى أهله.
ثم ذكر الأستاذ أنه رأى في نسخة قلمية من (ضعفاء ابن حبان) تاريخ ميلاد أبي حنيفة سنة سبعين وأن بعض المطالعين صحح في الهامش: سنة ثمانين، وأن في «أنساب ابن سمعاني» المطبوع بالزنكوغراف في مادة «الخزاز»: سنة سبعين، وفي موضع آخر من الكتاب سنة ثمانين، وأن في «ملخصه» لابن الأثير وفي مادة «الخزاز»: سنة ثمانين، وأن أبا القاسم السمعاني عصري الخطيب ذكر قولين: سبعين، ثمانين، وأن صاحب
«الجواهر المضيئة» ذكر ثلاث روايات: ٦١، ٦٣، ٨٠، وأن العيني ذكر في «تاريخه» ثلاثًا أيضًا: ٦١، ٧٠، ٨٠، أقول أما رواية ٦١ فقد مر ما فيها. وأما رواية ٦٣ فتفرد بذكرها في جملة ما قيل صاحب «الجواهر المضيئة» المتوفى سنة ٧٧٥ ولم يذكر من قالها. وأما رواية ٧٠ فحكاها السمعاني عصري الخطيب ولم ينسبها إلى قائل ووقعت في نسخة من (الضعفاء) لابن حبان وفي موضع من نسخة من (الأنساب) كما مر عن الأستاذ مع ما فيه، فغاية الأمر انه قيل بها في القرن الرابع.
وأما سنة ثمانين فثبتت من طرق في «انتقاء ابن عبد البر» ص ١٢٢- ١٢٣ و«تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣٠) عن أبي نعيم الفضل بن دكين وهو إمام جليل كوفي كأبي حنيفة سمع منه وروى عنه، وكذلك في «تاريخ بغداد) عن زفر بن
[ ١ / ٣٨٧ ]
الهذيل صاحب أبي حنيفة، وفيه أيضًا ص ٣٢٥- ٣٢٦ عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة «ولد جدي في سنة ثمانين وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب » وفي السند نظر لكن الأستاذ أحتج بتلك الرواية في تعليقه على «مناقب أبي حنيفة» الذهبي ص ٧ وقال «صح عن إسماعيل بن حماد » وكذلك في «الانتقاء» عن يحيى بن نصر بن حاجب وهو حنفي توفي سنة ٢١٥، وفي «الانتقاء» آخر ص ١٢٣ من طريق أبي يعقوب يوسف ابن أحمد بن يوسف المكي الذي يكثر الأستاذ من ذكر كتابه والثناء عليه يعبر عنه بابن الدخيل تلميذ العقيلي قال «سمعت القاضي أبي الحسن أحمد بن محمد النيسابوري قال: وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده أنه ولد سنة ثمانين » والنيسابوري هذا متقدم على الذين ذكروا سنة سبعين، ومن العجب أن الأستاذ قال ص ٢٠ «قول ابن عبد البر: وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده ، يدل على أنه لم يطلع على تلك الروايات، وعذره انه لم يرحل إلى الشرق » ولا أدري أغلط هذا أم مخالطة، فأن ابن عبد البر لم يقل ذلك من عند نفسه، وإنما رواه عن شرقي متقدم كما رأيت. وعلى كل حال فتاريخ المورد لم يثبت ببعض ما ذكر فضلًا عن جميعه ولم يعارض ذلك ما يستحق أن يلتفت إليه. ولا يبعد أن تكون الأقوال الأخرى. إنما بنيت على رواية على بعض تلك الأحاديث الواهية دفعًا لوضوح البطلان عنها كما تقدم في قول من قال: أن وفاة عبد الله ابن الحارث بن جزء سنة ٩٧ أو ٩٩ ثم أخذها بعض من لم ينظر فيها! ومن عجيب شأن التعصب أنه يبلغ بصاحبه من العمى أن يسعى جاهدًا في الإضرار بمن يتعصب له متوهمًا أنه أنما يسعى في نفعه، لو كان مولد أبي حنيفة متقدمًا كما زعموا بحيث أدرك جماعة من الصحابة وأكابر التابعين كان الذي ينبغي له يتحرى له أنه السماع منهم لأحاديث كثيرة يحتج بها في كتبه ويرويها عنه أصحابه كأبي يوسف ومحمد في كتبهم الثابتة عنهم، فلو ثبت مع ذلك أحاديث عن أولئك لكنها قليلة وكان معظم روايته عمن سنه قريب من سنه كحماد ابن أبي سليمان لكانت شُنْعَةً عليه أن يتشاغل عن الاستكثار من أولئك حتى يبلغ عمره ثلاثين أو
[ ١ / ٣٨٨ ]
أربعين سنة أو أكثر بالمخاصمة في الإرجاء والقدر كما يأتي، وسيأتي في ترجمة أبي العطوف جراح بن منهال عن سلمة بن سليمان أحد ثقات أصحاب ابن المبارك قال: «قال على لابن المبارك هل كان أبو حنيفة عالمًا؟ قال: لا ما كان خليقًا لذاك، ترك عطاء وأقبل على أبي العطوف» وقد نازع الأستاذ في صحة هذه الحكاية عن ابن المبارك بما فيه ما فيه، وهب أنها لم تصح عن ابن المبارك فالشنعة بحالها، ولذلك حاول الأستاذ أن يثبت أن أبا حنيفة استكثر من عطاء، وربما أنظر في ذلك في ترجمة أبي العطوف، وعلى كل حال فهذه الشنعة أخف بكثير من عدم الاستكثار من الصحابة وكبار التابعين، فكيف إذا لم تثبت عنه رواية واحدة عن صحابي أو تابعي كبير؟! فأولئك المساكين والأستاذ معهم يركبون - كما يعبر به الأستاذ - كل مركب لمحاولة إثبات أن أبا أدرك عدة من الصحابة ويحتمل أن يكون قد سمع منهم. وفي ذلك عبرة!
قال الأستاذ «والاختلاف شديد في مواليد رجال الصدر الأول» .
أقول: قد مر ما فيه، وهو على كل حال لا يسوغ التشكك فيما قامت عليه الحجة من ذلك.
قال: «والأكثرون على أن أبا حنيفة ولد سنة ٨٠ ترجيحا منهم لأحدث التواريخ المروية في المواليد وأقدمها في الوفيات أخذًا بالأحوط في الحكم بالاتصال أو الانقطاع» .
أقول: لا أثر ههنا للاحتياط المذكور بل القطع بسنة ثمانين أخذًا بالحجة الواضحة التي لم يعارضها ما يستحق أن يلتفت إليه.
قال الأستاذ: «هنا أمور تخدش ما اختاره الأكثرون» .
أقول: فلننظر فيها واحدًا واحدًا.
قال: «منها ما فعله أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار المتوفى سنة ٣٣١
[ ١ / ٣٨٩ ]
في جزئه الذي سماه: (ما رواه الأكابر عن مالك) حيث عد حماد بن أبي حنيفة من هؤلاء الأكابر، فساق حديثًا بطريق حماد بن أبي حنيفة عن مالك، وحماد هذا وإن توفي قبل مالك بنحو ثلاث سنين لكن عدة من الأكابر لا يتم إلا إذا كان ميلاده قبل ميلاد مالك أيضًا فيجب أن يكون ميلاد أبي حنيفة قبل سنة ٨٠ بمدة لا تقل عن عشر سنين وابن مخلد من الحفاظ البارعين من شيوخ الدارقطني فلا يحيل عن التحقيق فيما يكتب وجزؤه المذكور محفوظ بظاهرية دمشق في قسم المجاميع رقم ٩٨ وعليه تسميعات وبخطوط كثيرة من حملة الرواية» .
أقول: يكفي لحل هذه الشبهة أن الأستاذ نفسه قال في تعليقه على (الانتفاء) لابن عبد البر: «وفي هذا الجزء رواية الزهري والثوري وحماد بن زيد، وإبراهيم ابن طهمان، وورقاء وغيرهم» .
ومولد مالك سنة ٩٣، والثوري سنة ٩٧، وحماد بن زيد سنة ٩٨، ولعل في الجزء من ولد بعد ذلك (١) وإبراهيم بن طهمان لم يذكروا ميلاده ويظهر من أسامي شيوخه أنه اصغر من حماد بن زيد لكنه صار من الأكابر في حياة مالك ومات قبله فإن مالكًا عمر، فإذا كان مولد أبي حنيفة أول سنة ٨٠ فإنه يبلغ سنة آخر سنة ٩٨ وهي السنة التي ولد فيها حماد بن زيد تسع عشر سنة فأي مانع من أن يولد له في هذه السنة أو قبلها، والأقرب أن ابن مخلد - إن صح ما في ذاك الجزء - إنما نظر إلى حماد بن أبي حنيفة بلغ مبلغ الأكابر في حياة مالك ومات قبله ولم يدقق في ميلاده لأنه غير معروف، وبالنظر إلى سن أبيه يحتمل أن يكون ولد سنة ٩٧ كالثوري أو سنة ٩٨ كحماد بن زيد أو قريبًا من ذلك.
فاتضح أنه ليس فيما وقع في ذلك الجزء ما يخدش فيما قامت عليه الحجة الواضحة أن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين.
_________________
(١) قلت: صدق ظن المؤلف رحمه الله تعالى، ففي الجزء المذكور رواية عبد الله بن وهب عن مالك في عدة مواضع منه (ق ٢٠٥/ ٢ - ٢٠٧ و٢/ و٢٠٨ / ٢) ومولد ابن وهب سنة ١٢٥، وفيه (ق ٢٠٦/ ٢) رواية أشهب وهو ابن عبد العزيز عنه، ومولده ١٤٥. ن
[ ١ / ٣٩٠ ]
رواية حماد بن أبي حنيفة عن مالك (تعليق)
هذا كله إذا بنينا على صحة ما وقع في ذلك الجزء، وإلا فالغالب على الظن خلاف ذلك فإن ذاك الحديث وقع في ذاك الجزء هكذا: «نا أبو محمد القاسم بن هارون، نا عمران، نا بكار بن الحسن الأصبهاني، نا حماد بن أبي حنيفة ثنا (١)
_________________
(١) كذا هو في تعليق الكوثري على (الانتقاء) ص ١٣، ولعله خطأ غير مقصود من الكوثري لغرض في نفسه، فإن الذي في الجزء المذكور من النسخة التي أثار إليها الكوثري نفسه (ق ٢٠٤ / ٢) « عن مالك » ليس فيها تصريح حماد بالتحديث، وكذلك هو في نسخة أخرى محفوظة أيضًا في ظاهرية دمشق وعليها سماعات كثيرة (ق ٣٨ / ٢)، وإسناد الرواية فيهما هكذا: ثنا أبو محمد القاسم ابن = =هارون بن جمهور بن منصور الأصبهاني، ثنا حماد بن أبي حنيفة عن مالك بن أنس » فتأمل كيف تعمد الكوثري أن يسقط من السند نسب عمران «بن عبد الرحيم الباهلي» مع ثبوت ذلك في النسختين من الجزء، وما ذلك - والله أعلم - إلا تعمية لحاله، وتمشية لحال إسناد روايته ليتم له الاستدلال بها على ما رمي إليه من إثبات رواية حماد بن أبي حنيفة عن مالك، التي حاول أن يستنبط منها أن ميلاده كان قبل ميلاد مالك وأن ميلاد أبي حنيفة كان قبل سنة ٨٠! وهيهات هيهات، فإنها ظلمات بعضها فوق بعض، فقد كشف المؤلف رحمه الله تعالى أن عمران هذا هو ابن عبد الرحيم كما جاء في السند، وأنه متهم بالوضع، وأن ما استلزمه الكوثري من روايته - على فرض ثبوتها - غير لازم. وأزيد عليه فأقول: إن حماد بن أبي حنيفة نفسه ليس بحجة في الرواية، فقد ضعفه ابن عذب وغيره من قبل حفظه، ولهذا أورده الذهبي في كتاب (الضعفاء) وقال (ق ٣٥ / ١): «مقل ضعيف الحديث» . ثم إن ما استظهره المصنف رحمه الله تعالى من أصل الجزء المذكور إنما هو «حماد بن أبي حنيفة عن أبي حنيفة » وأن الناسخ زاغ نظره من «أبي حنيفة » لا يساعد عليه، أن النسخة الأخرى متفقة مع الأول في عدم ذكر أبي حنيفة، زد على =
[ ١ / ٣٩١ ]
حكاية نقلها الكوثري ساكتا عليها ليثبت بها أن أبا حنيفة أدرك جماعة من الصحابة وبيان أنها لا تصح
مالك » كما نقله الأستاذ فيما علقه على (الانتقاء)، وذكر هو أن ذاك الحديث قد رواه الدارقطني في (غرائب مالك) وابن شاهين عن «محمد بن مخزوم عن جده محمد بن الضحاك ثنا عمران بن عبد الرحيم الأصبهاني ثنا بكار بن الحسن، ثنا حماد بن أبي حنيفة عن أبي حنيفة عن مالك » فعمران في سند ابن مخلد هو عمران بن عبد الرحيم في سند الدارقطني وابن شاهين، وفي ترجمته من (الميزان) عن السليماني: «هو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك» .
فابن مخلد لم يشترط في ذاك الجزء الصحة وإنما اكتفى بما روي فلو وقع في روايته من طريق عمران بسقوط أبي حنيفة لكان الظاهر أن يذكر الرواية الأخرى فإنه لا بد أن يكون عند تأليفه ذاك الجزء تتبع ما يصلح أن يذكر فيه ويبعد أن لا يظفر بالرواية المشهورة عن عمران أن بثبوت أبي حنيفة عن أبي حنيفة ثنا مالك» فزاغ نظر ناسخ ذاك الجزء من (حنيفة) الأولى إلى الثانية، ولا يدفع ذلك ما على الجزء من التسميعات، وقد رأينا عدة من الأصول القديمة عليها كثير من التسميات والتصحيحات وبقي فيها مثل هذا الخلل أو أشد منه، راجع (التاريخ الكبير) للبخاري (ج ١ قسم ١) (ص ٧٠، ٧٩، ٨٠، ١٠١، ١٠٥، ١٥٤، ١٥٧) .
ومن غرائب الأستاذ أن يحاول تثبيت ما وقع في الجزء المذكور مع احتماله كما رأيت، ثم يحاول في (التأنيب) أن يخفي اصطلاح ابن مخلد في «الأكابر» ويثبت أنه إنما يعني بهم الذين ولدوا قبل مالك، ثم يبالغ في الثناء على ابن مخلد ليخدش بصنيعه المزعوم في نصوص المتقدين الصريحة، كل ذلك ليثبت أن أبا حنيفة أدرك
_________________
(١) = ذلك أنه قد كتب ناسخ الأولى على الوجه منها وتحت اسم الكتاب أكثر أسماء الرواة عن مالك، وفيهم حماد بن أبي حنيفة دون أبي حنيفة، فهذا وذاك يرجح أن لا زوغ من الناسخ، وأن الرواية هكذا وقعت لابن مخلد. والله أعلم. ن «ولكن الزوغان والروغان من الكوثري. زهير»
[ ١ / ٣٩٢ ]
شدة إبراهيم النخعي على المرجئة وبعض أقواله في ذلك
جماعة من الصحابة وأكابر التابعين ويحتمل أن يكون سمع منهم مع علمه أنه لا تثبت عن أبي حنيفة رواية واحدة عن واحد منهم، ويغفل عن النتيجة التي سلفت الإشارة إليها.
قال الأستاذ: «ومنها أن العقيلي روى في ترجمة حماد بن أبي سليمان ما يفيد أن إبراهيم بن يزيد النخعي لما مات اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة فجمعوا نحو أربعين آلف درهم ثم أعطوه حماد بن أبي سليمات ليستعين به ويتفرغ لرياسة الجماعة في العلم وكانت وفاة إبراهيم النخعي سنة ٩٥ ولو كان ميلاد أبي حنيفة سنة ثمانين لكان سنة عند وفاة النخعي خمس عشرة سنة، ومن يكون في مثل السن لا يتصور أن يهتم هذا الاهتمام بمن يخلف النخعي » .
أقول قال الأستاذ نفسه فيما علقه على (مناقب أبي حنيفة) الذهبي ص ٧ «قال العقيلي في الضعفاء) حدثنا أحمد بن محمد الهروي، قال: حدثنا محمد بن المغيرة البلخي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن سليمان الأصفهاني، قال: لما مات إبراهيم اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة فجمعوا أربعين ألف درهم وجاءوا إلى الحكم بن عتيبة فقالوا: أنا قد جمعنا أربعين آلف درهم نأتيك بها وتكون رئيسنا في الأرجاء فأبى عليهما الحكم فأتوا حماد بن أبي سليمان فقالوا له فأجابهم وأخذ الأربعين ألف درهم» !
لا أناقش الأستاذ في تمويهه، وإنما أنظر في الحكاية فالهروي والبلخي لم أجدها وإسماعيل لم يتضح لي من هو، وابن الأصبهاني متكلم فيه، قال أبو حاتم: «لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به» وأخرج له النسائي حديثًا ثم قال «هذا خطأ، ابن الأصبهاني ضعيف» وقال ابن عدي «مضطرب الحديث قليل الحديث مقدار ماله قد أخطأ في غير شيء» .
وكانت وفاته سنة ١٨١، ويظهر من وفيات شيوخه أنه لم يدرك موت إبراهيم، فإن صح سند الحكاية إليه، فممن سمع القصة؟ وما عسى أن يكون أخطأ في سياقها؟ ثم أي شيء فيها؟! كان إبراهيم شديدًا على المرجئة وفي ترجمته من (طبقات ابن سعد) عدة حكايات في ذلك منها عن الحارث العكلي عن إبراهيم قال: «إياكم وهذا الرأي المحدث يعني المرجئة» وعن مجل بن محرز عن
[ ١ / ٣٩٣ ]
إبراهيم قال: «كان رجل يجالس إبراهيم يقال له محمد، فبلغ إبراهيم أنه يتكلم في الإرجاء فقال له إبراهيم لا تجالسنا» وعن محل أيضًا «قال لنا إبراهيم: «لا تجالسوهم يعني المرجئة» وعن حكيم بن جبير عن إبراهيم قال: «لأنا على هذه الأمة من المرجئة أخوف عليهم من عدتهم من الأزارقة» وعن غالب بن أبي الهديل أنه كان عند إبراهيم فدخل عليه قوم من المرجأة قال فكلموه فغضب وقال: «إن كان هذا كلامكم فلا تدخلوا علي» .
وفي (تهذيب التهذيب) في ترجمة ذر بن عبد الله المرهبي «قال أبو داود: كان مرجئًا وهجرة إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير للإرجاء» وفيه ترجمة محمد بن السائب الكلبي «وقال ابن فضيل عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال لمحمد بن السائب: ما دمت على هذا الرأي لا تقربنا، وكان مرجئًا» .
فكأنهم كانوا مقموعين في حياته فلما مات خلالهم الجو واستعانوا بالمال، وفي ترجمة إبراهيم من «تهذيب التهذيب»: «روى عنه الأعمش ومنصور وابن عون وزبيد اليامي وحماد بن أبي سليمان ومغيرة بن مقسم الظبي وخلق» وهؤلاء سوى حماد منكرين للأرجاء ولما دخل فيه حماد أنكروا عليه، وفي (تهذيب التهذيب) في ترجمة حماد: «قال أبو حذيفة: ثنا الثوري قال: كان الأعمش يلقي حمادًا حين تكلم في الأرجاء فلم يكن يسلم عليه، وقال شعبة: كنت مع زبيد فمررنا بحماد فقال: تنح عن هذا فأنه قد أحدث» وفيه في ترجمة عمر بن مرة «قال جرير عن مغيرة: لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو في الإرجاء فتهافت الناس فيه» .
وعلى فرض صحة سند الحكاية إلى ابن الأصبهاني وأنه سمع من ثقة، فالظاهر أنها تأخرت عهن موت إبراهيم مدة، وفي كتاب ابن أبي حاتم ج ٢ قسم ٢ ص
[ ١ / ٣٩٤ ]
١٤٦: «أنا أحمد بن سنان الواسطي أنا أبو عبد الرحمن المقرئ نا ورقاء عن المغيرة قال: لما مات إبراهيم دلس الحكم وأصحابه إلى حماد حتى أحدث ما أحدث. قال المقرئ يعني
الأرجاء» . ورجاله ثقات.
وعلى صحة تلك الحكاية وأنها على ظاهرها في أن القضية وقعت عقب موت إبراهيم فقد يكون ذكر أبي حنيفة مدرجًا أو قع فيه اشتهاره بالأرجاء مقرونة بعمر بن قيس الماصر كم قرنًا في البيتين الذين في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٠ و(التأنيب) ص ٥٩، وبعد التيار والتي فإبراهيم توفي في أوائل سنة ٩٧ وذلك أن أبا نعيم الفضل بن دكين قال سنة ٩٦، وقال ابن حبان: «مات بعد الحجاج بأربعة أشهر»، والحجاج هلك في شوال سنة ٩٥، وقيل في رمضان منها، فإذا كان أبو حنيفة ولد أول سنة ثمانين فأنه يتم له عند وفاة إبراهيم ست عشر سنة ومن كان في هذا السن وهو جلد ذكي لا يمتنع أن يستعين به أصدقاء أبيه في جمع المال ونحوه ولا سيما إذا كان أبوه مرجئا فانه ينشا متحمسًا لأري أبيه جاهدًا فيه.
قال الأستاذ: «ومنها أنه قد تظافرت الروايات على أن أبا حنيفة قبل انصرافه إلى الفقه كان جدليًا يشتغل بعلم الكلام حتى هبط البصرة نحو عشرين مرة ليناظر القدرية وغيرهم، ثم انصرف إلى الفقه، ومن تكون سنة عند وفاة النخعي كما ذكرناه لا يمكن له الاشتغال الطويل بجدل قبل انصرافه إلى الفقه» .
أقول: ما تظافرت الروايات بل تنافرت، ففي (تاريخ بغداد) ١٣/٣٣١ من طريق
«محمد بن شجاع الثلجي ثنا الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لم أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها قلت: فإن نظرت في الكلام ما يكون آخره؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشنعات الكلام فيرما بالزندقة.. قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل ونفتي الناس وتطلب للقضاء وأن كنت شابًا قلت: ليس في العلوم شيئًا أنفع من هذا فلزمت الثقة وتعلمت» وروايات المخالفة لهذه والموافقة لها يعلم بما فيها بالنظر في أسانيده، وهب أنه صح أن أبا حنيفة كان جديدًا ثم أنصرف إلى الفقه، فمتى أنصرف؟
[ ١ / ٣٩٥ ]
فصل: فيه عودة ابن الصلت وحديث "طلب العلم فريضة" وتضعيف الأئمة له
إن قيل: قد جاء عنه أنه لازم حمادًا ثمانية عشر سنة، قلت: أن صح ذلك فلعله لازمه أولًا بالأرجاء، فان حمادًا كان يقول به في الجملة كما مر، ثم أكمل المدة للفقه فأن صح هبوطه البصرة نحو عشرين مرة للمخاصمة القدرية فليس من لازم انصرافه إلى الفقه هجره الكلام في القدر البتة، ولا من لازمة ملازمته حمادًا أن لا يغيب عنه في السنة الأسبوع والأسبوعين والشهر والشهرين بالحجج والحاجة. على أن حمادًا توفي سنة ١٢٠ كما قال أبو بكر ابن أبي شيبة. وحكى ابن سعد إجماعهم عليه، وقول البخاري وتبعه ابن حبان سنة ١١٩ متأخر عن هذا الإجماع، وملازمة أبي حنيفة حدادًا ثمانية عشر سنة معناه إذا كان مولد أبي حنيفة أول سنة ١٨٠ أنه ابتدأ في الملازمة وسنة نحو ثلاث وعشرين سنة فلا مانع أن يكون قد مهر في مسائل الكلام المعروفة حينئذ كالأرجاء والقدر، وهذا ابن سينا يزعم أنه أحكم المنطق وإقليدس والمجسطي والطبيعي والإلهي والطب وألف فيها أو في أكثرها وكان مع ذلك يلتقي الفقه ويناظر فيه، وأخذ الأدب، كل ذلك وعمر إحدى وعشرين سنة، ولذلك نظائر.
وبالجملة فلم يأتي الأستاذ بعد اللتيا والتي بما يصح أن يعد معارضًا لما ثبت من أن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين، ولم يستفد إلا تضيع وقته ووقت من يعقبه، والسعي فيما لو صح لأنتج نقيض مقصودة كما سلف. والله المستعان.
فصل
ولنعطف على ابن الصلت، هب أن أبا حنيفة ولد سنة ٦١ أو قبلها وأنه سمع من أنس وروى عنه عدة أحاديث، فان هذا لا يدفع أمثال الخطيب ذلك الحديث على ابن الصلت، من جهة أنه لم يروه غيره عن بشر، ولا يحفظ عن أبي يوسف ولا يثبت عن أبي حنيفة، وهذا الحديث مما توفر الدواعي على كثرت روايته واشتهاره، فلو كان عند أبي حنيفة لكثر تحديثه به لعلو السند، واثبات السماع من الصحابي،
[ ١ / ٣٩٦ ]
فصل: فيه رواية أخرى لابن الصلت عن ابن عيينة في فضل أبي حنيفة
والترغيب فيما كان يدعوا إليه من طلب والعلم، لو حدث به لكثر التحديث تلاميذه به وإثباته في كتبهم، فلو قال قائل: لو كان عنده لتواتر عنه، لما أبعد. وأهل العلم من قديم يلهجون بمتن هذا الحديث ويتطلبون له إسنادًا صحيحًا فلا يجدونه، ولأجل ذلك وقع كثير من الناس في روايته بأسانيد مركبة أو مدلسة أو نحو ذلك واحتاج أهل العلم إلى نقله من وجوه ضعيفة، ذكره ابن عبد البر في أوائل (كتاب العلم) ثم قال:
«هذا حديث يروى عن أنس بن مالك عن النبي ﵌ من وجوه كثيرة كلها معلولة ولا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد» .
ثم ذكر عن إسحاق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ «أنه كان يقول: طلب العلم واجب ولم يصح في الخبر» وقال ابن عبد البر «يريد إسحاق - والله أعلم - أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكنه معناه صحيح عندهم..»
فصل
ثم روى الخطيب من طريق ابن الصلت: «حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر بن الحارث قال: سمعت ابن عيينة قال: العلماء ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وأبو حنيفة في زمانه» قال الخطيب: قلت: ذكر أبي حنيفة في هذه الحكاية زياد من الحماني (ابن الصلت)، والمحفوظ ما أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المقرئ الحذاء أخبرنا أحمد بن جعفر بن سالم (صوابه: سلم) الختلي حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق حدثنا أبو بكر المروزي «صوابه: المروذي» حدثني محمد بن أبي محمد (صوابه: محمد بن أبي عمر، كما قاله الأستاذ) عن سفيان بن عيينة قال: علماء الأزمنة الثلاثة، ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه»
[ ١ / ٣٩٧ ]
ثم قال: «فإن قيل ما أنكرت أن تكون رواية الحماني صحيحة، والرواية الثابتة فيها ذكر أبي حنيفة، وحذفه بعض النقلة، قلت: منع من ذلك أمران، أحدهما أن عبد الرزاق بن هارون يروي عن ابن عيينة مثل هذا القول الثاني سواء، والأمر الآخر أن المحفوظ عن أبي عيينة سوء القول في أبي حنيفة. من ذلك ما أخبرنا محمد بن عبد الله الحنائي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق المروزي: حدثنا أحمد بن محمد المنكدر: حدثنا محمد ابن أبي عمر قال: سمعت ابن عيينة يقول (ح) وأخبرنا ابن الفضل: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثني محمد بن أبي عمر - يعني العدني - قال: قال سفيان: ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة. وهكذا روى الحميدي عن ابن عيينة. ولسفيان بن عيينة في أبي حنيفة كلام غير هذا كثير شبهه في المعنى. ثم ذكرناه في أخبار أبي حنيفة» .
إشارة الأستاذ ص ١٦٦ إلى رواية ابن الصلت عن محمد بن المثنى صاحب بشر بن الحارث بقوله « وبأنه روى عن ابن محمد بن المثنى عن ابن عيينة » وأشار إلى رواية ابن أبي عمر وقال في الحاشية:
«الفرق بين الروايتين عن ابن عيينة فرق ما بين محمد بن المثنى ومحمد بن عمر العدلي، نسأل الله المعافاة، فبهذا أطلعت على جلية صنيع الخطيب هناك أيضًا» .
أقول: لا يكاد الأستاذ يقول «نسأل الله الصون» أو: السلامة، أو: المعافاة، إلا حيث يكون قد فعل إحدى الفعلات، والفعلة هنا أنه لم يسرق السند وفيه: عن ابن الصلت «حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر بن الحارث» واقتصر في الأصل (التأنيب) وفي حاشيته في ذكره شيخ ابن الصلت عن قوله «محمد بن المثنى» فلم يكن «صاحب بشر بن الحارث» وإشارة إلى رجحان محمد بن المثنى على محمد بن يحيى بن أبي عمر يريد إيهام أنه محمد بن المثنى بن عبيد ابن قيس بن دينار العنزي أبو موسى البصري الحافظ المعروف بالزمن، أنه هو الذي يفهم عند إطلاق «محمد بن المثنى» وليس
[ ١ / ٣٩٨ ]
في كتب أسماء الرجال المتداولة من يقال له «محمد بن مثنى» غير وقد سمع من ابن عيينة وأدرك ابن الصلت، فعلم الأستاذ أن من يطالع (التأنيب) ولا يقف على «تاريخ الخطيب)، أولًا يراجعه في ذاك الموضوع لا يقع إلا على هذا الحافظ. والواقع أن الذي في السند «محمد بن مثنى صاحب بشر بن الحارث» كما مضى، وهذا رجل آخر، ترجمته في «تاريخ بغداد» ج ٤ ص ٢٨٦ «محمد بن المثنى بن زياد أبو جعفر السمسار كان أحد الصالحين صحب بشر بن الحارث وحفظ عنه وحدث عن نوح بن يزيد وعفان بن مسلم وغيرهم » ثم ذكر قول ابن أبي حاتم: «كتبة عنه مع أبي وهو صدوق» وأنه «مات سنة ٢٦٠» وهذا دون ابن أبي عمر بكثير ولم يخرج له أحد من الستة وابن أبي عمر روى عنه مسلم في صحيحه مائتي حديث وستة عشر حديثًا على ما في «التهذيب» عن كتاب «الزهرة» وستأتي ترجمته والنظر في كلام الأستاذ فيه. وفوق ذلك فالسمسار يظهر أنه لم يدرك ابن عيينة وان ابن الصلت افتضح في روايته عنه انه قال «سمعت ابن عيينة» فان ابن عيينة مات سنة ٩٨ والمسلمون من شيوخ السمسار ماتوا بعد ذلك بزمان، فبشر ابن الحارث سنة ٢٢٧ وعفان ٢٢٠، ونوح بن يزيد قريبًا من ذلك، ولم اظفر بتاريخ وفاته ولكن ذكروا في الرواة عن أحمد بن سعد بن إبراهيم أبا إبراهيم الزهري الذي ولد سنة ١٩٨ كما في «تاريخ بغداد» ج ٤ ص ١٨١، وأحمد بن علي بن الفضيل أبا جعفر الخراز المقرئ المتوفى سنة ٢٨٦ كما في «تاريخ بغداد» ج٤ ص٣٠٣ فظهر بذلك أن وفاة كانت سنة بضع عشرة ومائتين أو بعد ذلك. أضف إلى ذلك آن من عادتهم أنهم يحرصون على أن يذكروا في ترجمة الرجل أقدم شيوخه واجلهم فلو عرف لسمسار سماعًا من ابن عيينة أو أحد أقرانه أو من قرب منه لكن أولى أن يذكروه في شيوخه من نوح وعثمان.
فإن قيل: أن كان ابن الصلت أراد الكذب فما الذي منعه أن يسمى شيخًا أشهر من السمسار واثبت لا يشك في سماعه من ابن عيينة؟ قلت منعه علمه بان الكذب على المشاهير سرعان ما يفتضح لإحاطة أهل العلم بما رووه بخلاف المغمورين الذين لم يرغب
[ ١ / ٣٩٩ ]
أهل العلم في استقصاء ما رووه.
ومع ما تقدم فلا معنى للموازنة بين شيخ ابن الصلت وبين ابن أبي عمر ما دام ابن الصلت فيه ما فيه ومع ذلك فقد عضد الخطيب رواية ابن أبي عمر برواية عبد الرزاق بن هارون وهي عنده في ترجمة سفيان من (التاريخ) ج ٩ ص ١٥٤ من وجهين بنحو رواية ابن أبي عمر، وقريب منها رواية العباس بن يزيد البحراني في (تاريخ بغداد) ج ٣ ص ٢٢٧.
فقد اتضح جدا صحة قول الخطيب أن المحفوظ عنده اقتصار ابن عيينة على الثلاثة لم يذكر أبا حنيفة، فإن المحفوظ عندهم هو الطرف الراجح كما مر في ترجمة الخطيب ولا يخفى على عارف اطلع على ترجمة ابن الصلت أن روايته بالنسبة إلى ما قال الخطيب أنه المحفوظ عنده نسبة الوهم إلى الظن.
وأما قول الخطيب: «الأمر الآخر إن المحفوظ عن ابن عيينة » فالحكاية التي ذكرها ساقها بسندين في أحدهما المنكدري وفي الآخر ابن درستويه وستأتي ترجمتهما وحاصل الكلام فيهما أن المنكدري ليس بعمدة ولكنه أحسن حالا من ابن الصلت بكثير وأن ابن درستويه موثق لا يضره ما قيل فيه مع أن رواية الخطيب من طريقة عن يعقوب بن سفيان إنما يأخذهما من (تاريخ يعقوب بن سفيان) فرجحان هذه الرواية وحدها على رواية واضح جدا فقول الأستاذ: «أفبمثل هذين الإسنادين يكون الخبر محفوظا؟» لا وجه له على أن الخطيب ضم إلى ذلك رواية الحميدي وهي عنده في (التاريخ) ج ١٣ ص ٣٩٩ من وجهين رجال كل منها ثقات وإن تكلم الأستاذ في بعضهم بما بينت حاله في تراجمهم والحميدي إمام وان كره الأستاذ. ثم أشار الخطيب إلى الكلمات الأخرى وهي معروفة.
ومن تأمل ما تقدم وعرف ابن الصلت معرفة جيدة ولم يعمه الهوى لم يرتب في صحة حكم الخطيب على ابن الصلت بأنه زاد تلك الزيادة من عنده، على أن
[ ١ / ٤٠٠ ]
المدار في هذه الأمور على غلبة الظن فلا يلتفت إلى الاحتمالات البعيدة. بل من تدبر ما يرويه ابن الصلت في المناقب وقارن ذلك بما رواه الثقات فيها وفي غيرها عرف تزيده في غير موضع. والله المستعان.
ثم قال الأستاذ «فكان ابن الصلت كفر في نظر الخطيب بذكره أبا حنيفة في عدد هؤلاء الثلاثة وهذا هو محض الإجحاف، أبو حنيفة الذي ملأ ما بين الخافقين علما إذا ذكر في صف هؤلاء الثلاثة يكون ذلك من أبرز الحجج على كذب ابن الصلت كذبًا بينًا، هذا ما لا يقوله إلا من اعتل اعتلالًا لا دواء له » .
أقول: هذا ديدن الأستاذ إذا أعوزته الحجة لجأ إلى التهويل على العامة، قد ذكر الخطيب حجته كما تقدم شرحه، وأئمة الحديث كثيرا ما يطعنون مثل ذاك الطعن بنحو تلك الحجة، وإن كان المروي فضيلة للنبي ﵌ أو لأحد كبار أصحابه كما تراه في كتب الموضوعات وكتب الضعفاء، فهل يرد كلامهم بمثل هذا التهويل؟ فلينظر الأستاذ أو غيره من العارفين في (دلائل النبوة) لأبي نعيم أو في (الخصائص الكبرى) للسيوطي، وليراجع نفسه فيما يستنكر وعم نشأ استنكاره أعن اعتقاد نقصًا في النبي ﵌ أو بغض له أو حرص على غمط فضله؟ فالخطيب لم يجعل زيادة ابن الصلت من أبرز الحجج على كذبه من جهة أنها منقبة لأبي حنيفة بل من الوجهين اللذين نص عليهما مع ما عرف من حال ابن الصلت بغير هذه الحجة وماذا يغني الضجيج أمام الحجة إلا كما قيل:
أوسعتهم سبًا وأودوا بالإبل!
أو كما قال الآخر:
فلا تكثروا فيها الضجاج فإنه محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
[ ١ / ٤٠١ ]
فصل: فيه تقدير سنة ولادة ابن الصلت وأنه روى عن جماعة لم يدركهم
فصل
ثم ختم الأستاذ كلامه بقوله ص ١٦٨ «ومن الغريب أنه طعن طاعن في رجل تجد أسرابا من الرواة يركضون وراءه يرددون صدى الطاعن أيا كانت قيمة طعنه ولهم موقف يوم القيامة رهيب لا يغبطون عليه» .
أقول مات ابن الصلت سنة ٣٠٨ ولم يذكروا مولده لكن قال ابن عدي «رأيته سنة ٢٩٧ فقدّرت أن له سبعين أو أكثر» فلنجعل الزيادة المحتملة سبعًا فيكون مولده سنة ٢٢٠ لكنه يروي عمن مات سنة ٢٢٨ كمسدد ويحيى الحماني، وسنة ٢٢٧ كبشر بن الحارث وسعيد بن منصور وأحمد بن يونس، وسنة ٢٢٦ كإسماعيل بن إبراهيم، وسنة ٢٢١ كالقعنبي وعاصم بن علي، وسنة ٢٢٠ كعفان، وسنة ٢١٩ كأبي نعيم وأبي غسان، وسنة ٢١٥ كثابت بن محمد الزاهد ومن هؤلاء من لم يكن بالكوفة منشأ ابن الصلت، فلو كان أدركهم وطبقتهم وسمع منهم لكان مولده تقريبًا على رأس المائتين فيكون بلغ من العمر مائة سنة وثماني سنين، ولو صح ذلك أو احتمل الصحة عند محدثي عصره لفتنوا به كعادتهم في الحرص على الإسناد، ولو كان في الشيخ لين، وقد تشبث الأستاذ بذلك في كلامه في عبد الله بن محمد بن عبد العزيز أنه لم يدرك أولئك القدماء الذين يحدث عنهم، وقد صرحوا بذلك كما يأتي، وليس بيد الأستاذ إلا تلك الحكاية عن ابن أبي خيثمة وقد علمت حالها. فأما الطاعنون فوقفت على جماعة منهم:
الأول: حافظ الحنفية عبد الباقي بن قانع البغدادي (ولد سنة ٢٦٥ أو في التي تليها ومات سنة ٣٥١) وكان مع ابن الصلت في بغداد ولما بلغ أوان الطلب كان ابن الصلت على فرض صحة سماعه من أولئك القدماء في نحو ثمانين سنة من عمره
[ ١ / ٤٠٢ ]
فلا بد أن يكون ابن قانع قد قصده وجالسه وسمع منه طلبا للسماع مع علو السند والموافقة في المذهب، ولكنه بعد اختباره لابن الصلت قال فيه: «ليس بثقة» فهل كان ذنب ابن الصلت عند ابن قانع الحنفي ما قاله الأستاذ ص ١٦٧: «لكن ذنب الرجل أنه ألف كتابا في مناقب أبي حنيفة»؟!
الثاني: أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ الشافعي (٢٧٧- ٣٦٥) ينظر تمام كلامه في ابن الصلت في (كامله) والمنقول منه في (لسان الميزان): «رأيته سنة سبع وتسعين وثلاثمائة ما رأيت في الكذابين أقل حياء منه كان يترك (؟) الوراقين فيحمل من عندهم رزم الكتب ويحدث عمن اسمه فيها ولا يبالي متى مات وهل مات قبل أن يولد أو لا» قال ابن حجر: «ثم ذكر له أحاديث» يعني مما يبين كذبه.
الثالث: أبو حاتم محمد بن حبان البستي الحافظ (قبل ٢٨٠ - ٣٥٤) قال في ابن الصلت «راودني أصحابنا على أن أذهب إليه فأسمع منه، فأخذت جزءًا لانتخب فيه، فرأيته قد حدث عن يحيى بن سليمان بن نضلة عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «رد دانق من حرام أفضل من مائة ألف في سبيل الله» . ورأيته حدث عن هناد عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: «لرد دانق من حرام أفضل عند الله من سبعين حجة مبرورة» . فعلمت أنه يضع الحديث فلم أذهب إليه، ورأيته يروي عن جماعة ما أحسبه رآهم» .
وابن عدي دخل بغداد سنة ٢٩٧ وابن حبان دخلها سنة ٣٠٠ وكان أحمد بن علي الأبار قد توفي سنة ٢٩٠ ولكن الأستاذ يقول: «ذنب الرجل أنه ألف كتابا في مناقب أبي حنيفة حينما كان خصوم أبي حنيفة يتمنون أن يصفوا الجو للأبار الذين كانوا حملوه على تدوين مثالب أبي حنيفة إفكًا وزورًا فتحاملوا على الحماني هذا ليسقطوا رواياته» !
[ ١ / ٤٠٣ ]
الرابع: أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني الحافظ (٣٠٦ - ٣٨٥) قال في ابن الصلت: «يروي عن ثابت الزاهد وإسماعيل بن أبي أويس وأبي عبيد القاسم بن سلام ومن بعدهم، يضع الحديث» هكذا في (تاريخ بغداد) (ج ٥ ص ١٠٤) وفيه (ج٤ ص ٢٠٩) «حدثني أبو القاسم الزهري قال: سئل أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني وأنا اسمع عن جمع مكرم بن أحمد فضائل أبي حنيفة فقال: موضوع كله كذب وضعه أحمد ابن المغلس الحماني» .
وراجع (الطليعة) ص ٩٦ - ٩٧.
الخامس: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم صاحب (المستدرك) (٣٢١-٤٠٣) قال «روى ابن الصلت عن القعنبي ومسدد وابن أويس وبشر بن الوليد أحاديث وضعها وقد وضع أيضا المتون مع كذبه في لقي هؤلاء» وبشر بن الوليد مات سنة ٢٣٨ فإن صح فرضناه من مولد ابن الصلت فقد أدرك بشرًا، وعن بشر روى حديث «طلب العلم فريضة» كما تقدم.
السادس: أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني الحافظ (٣٣٣ - ٤٢٥) عد ابن الصلت فيمن وافق الدارقطني عليه من المتروكين.
السابع: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ (٣٣٦ - ٤٣٠) قال في ابن الصلت «روى عن شيوخ لم يلقهم، بالمشاهير والمناكير» .
الثامن: أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ (٣٣٨ - ٤١٢) قال في ابن الصلت: «كان يضع» هكذا في (تاريخ بغداد)، وفي (الميزان) و(اللسان): «كان يضع الحديث» .
التاسع: أبو بكر بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ (٣٩٢ - ٤٦٣) قال في ابن الصلت: «حدث عن ثابت بن محمد الزاهد وأبي نعيم أحاديث أكثر باطلة هو وضعها، وحكى أيضًا عن بشر بن الحارث ويحيى بن معين وعلى ابن المديني أخبارًا جمعها بعد أن صنفها «في (اللسان): وضعها» في مناقب أبي حنيفة» .
[ ١ / ٤٠٤ ]
وذكر المثالين السابقين حديث طلب العلم والزيادة في الحكاية عن ابن عيينة.
العاشر: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨) قال في ابن الصلت مرة «هالك» ومرة «وضاع» ومرة «كذاب» وأورد له الحكاية في أبي حنيفة لعبد الله بن الحارث بن جزء وقد مر ذلك.
الحادي عشر: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢) ذكر في (لسان الميزان) كلام الأئمة في ابن الصلت ثم قال: «ومن مناكيره روايته عن بشر الحافي عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه: أزهد في الدنيا يحبك الله - الحديث وهذا الحديث بهذا الأستاذ بهذا باطل» .
فهؤلاء أحد إمامًا طعنوا في ابن الصلت وجرحوه جرحًا مفسرًا مشروحًا ولو تتبعنا لوجدنا معهم عيرهم كابن عساكر وابن السمعاني وآخرين ولكن الأستاذ الذي جاء بعدهم بقرون يأتي إلا أن يجعلهم أسرابا يركضون وراء يرددون صدى الطاعن أيًا كانت قيمة طعنه ولهم موقف يوم القيامة رهيب لا يغبطون عليه» مع أنه عرف حججهم ولم يجد ما يصح أن يعد مخالفًا لهم، وينسى موقفه يوم القيامة كأنه مرفوع عنه القلم دونهم، ويذكرون في ابن درستويه ما هو بالنسبة إلى ما في ابن الصلت كالهباءة بالنسبة إلى الجبل العظيم ثم يقول: «وتضعف كواهل الخطيب وأذنابه عن حمل أثقال التهم التي ركبت على أكتاف هذا الأخباري الهاذي» ولكن لا تضعف كواهله عما على ابن الصلت كأن الخطيب وغيره من أئمة الحديث كما قال حسان:
لو يدب الحولي من ولد الذر عليها لندبتها الكلوم
لكنه هو (ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل) ولو اكتفى بقوله ص ١٦٥ «متكلم فيه ولسنا بحاجة إلى رواياته في مناقب أبي حنيفة وعندنا بطرق رجال لم يتكلم فيهم روايات كثيرة بمعنى ما رواه» لاستراح وأراح، لكنه عاد فدل على وثوقه بدعواه. وخير للحنفية أن يغسلوا أيديهم من ابن الصلت فإن المدافعة عن
[ ١ / ٤٠٥ ]
٣٥- أحمد بن محمد بن عبد الكريم أبو طلحة الفزاري الوساوسي
٣٦- أحمد بن محمد بن عمر
مثله شهادة من المدافع عن نفسه بماذا؟
٣٥- أحمد بن محمد بن عبد الكريم أبو طلحة الفزاري الوساوسي. في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٠٩) « حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمد بن عبد الكريم الوساوسي حدثنا عبد الله » قال الأستاذ ص ٥٨ «تكلموا فيه فلا يلتفت إلى وساويسه» .
أقول: سأل عن الدارقطني فقال: «تكلموا فيه» وقال الخطيب في «التاريخ» ج٥ ص ٥٨ «سألت البرقاني عن أبي طلحة الفزاري فقال: ثقة» فكلمة «تكلموا فيه» ليست يجرح إذا لا يدري من المتكلم وما الكلام؟ والتوثيق صريح في العمل عليه.
٣٦- أحمد بن محمد بن عمر. تقدم (١) في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت رواية المنكدري، بمتابعة يعقوب بن سفيان، أشار إليها الأستاذ ص ١٦٦ وقال: «أما المنكدري فكثير الانفراد والأغراب، وقال الإدريس: في حديثه المناكير، وأنكر عليه أيضا أبو جعفر الأرزناني، وقال الحاكم كان له إفرادات وعجائب قال السمعاني: يقع في حديثه المناكير والعجائب والأفرادات» . أقول الذي فيه «الميزان» و«اللسان» عن الإدريس: «يقع في حديثه المناكير ومثله إن شاء الله لا يعتمد الكذب سألت محمد ابن أبي سعيد السمرقندي الحافظ فرأيته حسن الرأي فيه وسمعته يقول سمعت المنكدري يقول: أناظر في ثلاثمائة ألف حديث فقلت هل رأيت بعد ابن عقدة أحفظ من المنكدري؟ قال: لا» ومن يضاهي ابن عقدة في الحفظ والإكثار فلا بد أن يقع في حديثه الأفراد والغرائب وإن كان أوثق الناس فأما المناكير فقد يكون الحمل فيها على من فوقه وعلى كل
_________________
(١) ص ١٩٢.
[ ١ / ٤٠٦ ]
٣٧- أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست أبو عبد الله العلاف
حال فلم يذكروا فيه جرحا صريحا ولا توثيقا صريحا لكنهم قد أنكروا عليه في الجملة فالظاهر أنه ليس بعمدة فلا يحتج بما ينفرد به. والله أعلم.
٣٧- أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست أبو عبد الله العلاف. في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٤١٤) «أخبرنا الحسن بن أبي طالب أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف حدثنا محمد بن جعفر المطيري » قال الأستاذ ص ١٥٠ «تكلم محمد بن أبي الفوارس في روايته عن المطيري وطعن فيه. وقال الأزهري: ابن دوست ضعيف رأيت كتبه كلها طرية، قيل: إنه كان يكتب الأجزاء ويتربها ليظن أنها عتق. والكلام فيه طويل راجع (تاريخ الخطيب) ج ٥ ص ١٢٥» .
أقول: ذكر الخطيب ما حكاه الأستاذ عن أبي الفوارس روى عن عيسى بن أحمد ابن عثمان الهمداني كلامًا يتعلق بابن دوست وفيه من قول عيسى: «كان محمد بن أبي الفوارس ينكر علينا مضينا إليه وسماعنا منه، ثم جاء بعد ذلك وسمع منه» فكأن ابن الفوارس تكلم أولًا في سماع ابن دوست من المطيري لأنه كان عند موت المطري ابن اثنتي عشرة سنة، ثم كأنه تبين لابن أبي الفوارس صحة السماع فعاد فقصد ابن دوست وسمع منه، وذلك أن والد ابن دوست كان من أهل العلم والصلاح والرواية والثقة ترجمته في (تاريخ بغداد) ج ٣ ص ٤٠٩ ووفاته ستة ٣٨١ ومولد أحمد سنة ٣٢٣ فقد ورد له في شبابه فكأنه اعتنى به فبكر به لسماع وقيد سماعه وضبطه له على عادة أهل العلم في ذاك العصر وقد صحح المحدثون سماع الصغير المميز. وأما الأزهري فتمام عبارته « وكان يذكر أن أصوله العتق غرقت فستدرك نسخها» . فالتضعيف مفسر يما بعده، وأعلم أن المتقدمين كان يعتمدون على الحفظ فكأن النقاد يعتمدون في النقد عدالة الراوي واستقامة حديثه، فمن ظهرت عدالته وكان حديث مستقيمًا وثقوه. ثم صاروا يعتمدون الكتابة عند السماع فكان النقاد إذا استنكروا شيئًا من حديث الراوي طالبوه بالأصل. ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقيد السماع فشدد النقاد
[ ١ / ٤٠٧ ]
فكان أكثرهم لا يسمعون من الشيخ حتى يشاهدوا أصله القديم الموثوق به المقيد سمعه فيه، فإذا لم يكن للشيخ أصلًا لم يعتمدوا عليه وربما صرح بعضهم بتضعيفه، فإذا ادعى السماع ممن يستبعدون سماعه منه كان الأمر أشد. ولا ريب أن في هذا الحالة الثالثة احتياطًا بالغة، ولكن إذا عرفت عدالة الرجل وضبطه وصدقه في كلامه، وأدعى سماع محتملًا ممكن، ولن يبزر به أصلًا وأعتذر بعمل محتمل قريب ولم يأتي بما ينكر فبأي حجة يرد خبره؟ وقد قال الخطيب «حدثني ابن عبد الله الصوري قال: قال لي حمزة بن محمد بن طاهر: قلت لخالي أبي عبد الله بن دوست: أراك تملي المجالس من حفظك فلم لا تملي من كتابة؟ فقال لي: أنظر فيما أمليه فأن كان لك فيه زلل أو خطأ لم أملي من حفظي، وأن كان جميعه صوابًا وما الحاجة إلى الكتاب؟ أو كما قال» فيظهر أن والده لم يكتف بتسميعه بل أعتني بتحفيظه ما سمع، فإذا كانت أصوله بعد حفظه ما فيها غرقت فابتلت وخيف تقطع الورق وبقية الكتابة تقرأ فستنسخ منها، أو ذهبت فنسخ من حفظه، أو من كتبت قد كانت قوبلت على أصوله، أو لم تقابل ولكنه أعتبرها بحفظه فأي حرج في ذلك؟ وإذا كان اعتماده على حفظه فهب أنه لم يكن له أصول البتة، أو كانت فتلفت ولم يستدرك نسخها إلا يكون له أن يروي من حفظه؟ أو لا تقوم الحجة بخبره إذا كان عدلًا ضابطًا؟ وأما قضية التتريب فهي في عبارة للبرقاني قال الخطيب «سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست؟ فقال كان يسرد الحديث من حفظة، وتكلموا فيه، وقيل: إنه كان يكتب الجزاء ويرتبها ليظن أنها عتق» فقوله تعنت بعض الطلبة وكان إذا سئل يبين الواقع كما في بقية عبارة الأزهري التي تركها الأستاذ وأما قول البرقاني «تكلموا فيه» وما في الترجمة أن الدارقطني تكلم فيه فمحصول على ما صرحوا به مما مر، ومر ما فيه.
وبعد فقد وصفوا ابن دوست بالحفظ والمعرفة قال الخطيب «كان مكثرًا من الحديث عارفًا به حافظًا له، مكث مدة يملي في جامع المنصور بعد وفاة أبي طاهر
[ ١ / ٤٠٨ ]
٣٨ - أحمد بن المعذل
المخلص ثم انقطع عن الخروج ولزم بيته، كتب عن الحسن بن محمد الخلال وحمزة بن محمد بن طاهر الدقاق وأبو القاسم الأزهري وهبة الله بن الحسين الطبري وعامة أصحابنا، وسمعت منه جزءًا وأحداثه ولم يغمزوه في دينه بشيء، ولا استنكروا له حديثًا واحدًا، فلا أرى أمره إلا قويًا والله أعلم.
٣٨ - أحمد بن المعذل (١) في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٩٣) «أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصيمري لأحمد بن المذل: إن كنت كاذبة الذي حدثني » قال الأستاذ ص ٩٥ «هو أول من قام بنشر مذهب مالك بالبصرة بعد أن تفقه على عبد الملك ابن الماجشون، وشيخه هذا حينما رحل إلى العراق من المدينة المنورة رحل ومعه من يغنيه فزهد فيه أهل العلم وهو الذي كان أخوه عبد الصمد بن المعذل يقول فيه:
أضاع الفريضة والسنة فتاه على الإنس والجنه « الأبيات» .
أقول: أما البيت فالرواية فيه «أطاع الفريضة » كما شرحته في (الطليعة) ص٦٣ فتجلد الأستاذ وقال في (الترحيب) ص ٤٥: «هذا تمحل لو كان مراده هذا لقال: أقام،.. وإنما الطاعة لله ولرسوله ولا للعمل، وهذا ظاهر» كذا قال ولو لم يوجد هذا الشعر إلا في كتاب واحد وفيه «أطاع» ولم يكن في السياق وغيره ما يدل على صحة ذلك ما ساغ لعالم تغييره لأن العربية لا تضيق بمن «أطاع الفريضة» بل يمكن تخريجها على عدة أوجه كالمجاز والتضمين وغير ذلك فكيف بالتغيير إلى أضاع مع إبطال الأدلة المعنوية كعجز البيت، والبيت الثاني وسبب قول ذلك الشعر وما هو معلوم من حال أحمد. هذا كله توضيح للواضح، وقابل هذا
_________________
(١) بفتح الذال المعجمة المشددة كما في (المشتبه) للذهبي، وقال: «من أئمة المالكية » . ولم ترد هذه النسبة في (أنساب السمعاني)، ووقع في (تاريخ الخطيب): «ابن المعدل» بالدال المهملة، وهو تصحيف. ن
[ ١ / ٤٠٩ ]
٣٩- أحمد بن موسى النجار
٤٠- أحمد بن يونس
بما يأتي في ترجمة الشافعي في الكلام على ما وقع في (مختصر المزني): «وليست الأذنان من الوجه فيغسلان» .
وأما عبد الملك فلم يزهدوا فيه لاستجازته الغناء فقد سبقه إليه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوق المجمع على توثيقه، وإنما زهدوا في عبد الملك لمنكراته في روايته ولاتهامه برأي جهم كما ترى في ترجمته من (التهذيب)، وأحمد بن المعذل لم يطعن أحد في روايته ولا عقيدته ولا عرف بالترخيص في الغناء فيما علمت وقد وثق، ولا يضر العالم آن يكون في شيوخه مطعون فيه، ومن شيوخ أحمد من أصحاب مالك محمد بن مسلمة الذي تجاهله الأستاذ في (التأنيب) ونبهت عليه في (الطليعة) ص٨٧- ٨٩ فاعترف الأستاذ في (الترحيب)، وسمع أحمد أيضًا من بشر بن عمر وإسماعيل بن أبي أويس وغيرهما من أصحاب مالك.
وذكر الأستاذ ما يتعلق بمذهب مالك من الأخذ بالقياس، وسألم بذلك في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى.
٣٩- أحمد بن موسى النجار. قال الأستاذ ص ١٧ في ذكر أبي نعيم الأصبهاني: «أخرج رحلة بسند أحمد بن موسى النجار وعبد الله بن محمد البلوى وهما كذابان معروفان» .
أقول: البلاء من البلوى وهو الكذاب المعروف فأما النجار فلم يعرف (١)
٤٠- أحمد بن يونس. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٩ من طريق «عباس بن عبد العظيم حدثنا أحمد بن يونس، قال: اجتمع ابن أبي ليلى وأبو حنيفة عند عيسى العباسي والي الكوفة » قال الأستاذ ص ٥٦: «إن كان أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي المتوفى سنة ٢٢٧ قلم يكن في عهد عيسى بن موسى والي الكوفة في سن تمكنه من الحضور في مثل تلك المجالس فيكون الخبر مقطوعًا، وأن كان أحمد بن يونس، فإنه غالبًا ينسب إلى جده ولا يفهم عند
_________________
(١) أحمد بن نصر الذراع - يأتي في ترجمة محمد بن جعفر الراشدي.
[ ١ / ٤١٠ ]
٤١- الأحوص الجواب أبو الجواب
٤٢- إسحاق بن إبراهيم الحنيني
إطلاق أحمد بن يونس في تلك الطبقة غيره ومولده سنة ١٣٣ أو في التي تليها وقد صح عنه أنه قال: «مات الأعمش وأنا أربع عشرة سنة ورأيت أبا حنيفة ومسعرًا، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الحيض» ومات الأعمش سنة ١٤٧ وقيل في التي تليها، ومات ابن أبي ليلى سنة ١٤٨ وعمر أحمد خمس عشرة على المشهور من وفاة الأعمش، وقد يبرز الأمير للناس أو يأذن عامًا أو يدخل عليه ابن الغلام ابن أربع سنة مع أبيه عمه مثلًا. والله أعلم.
٤١- الأحوص الجَوَّاب أبو الجواب. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٧ من طريق إسحاق بن إبراهيم البغوي: «حدثنا أبو الجواب » قال الأستاذ ص ١٣٣: «لم يكن بالقوي عند ابن معين» .
أقول: في (تهذيب التهذيب): «قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس بذاك القوي» وهذا إنما يعطي أنه ليس غاية في الاتفاق فكأن ابن حبان فسر ذلك إذ قال في (الثقات): «كان متقنًا ربما وهم» وهذا إنما يظهر آثره عند ما يخالف من وثقوه مطلقًا، والأحوص من رجال مسلم في (صحيحه) .
٤٢- إسحاق بن إبراهيم الحنيني. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٦ من طريق «الحسن ابن الصباح، حدثنا إسحاق بن الحنيني قال: قال مالك..» قال الأستاذ ص ١٠٥: «كره ابن الجوزي في (الضعفاء)، وقال الذهبي: صاحب أوابد، وقال البخاري: في حديثه نظر - وهو من أشد كلمات الجرح عنده -، وقال الحاكم أبو أحمد: «في حديثه بعض المناكير، وقال البزار»: كف بصره فاضطرب حديثه، وقال أبو حاتم: لم يرضه أحمد بن صالح، وقال النسائي: ليس بثقة» .
أقول: وقال الذهبي في (الميزان): «كان ذا عبادة وصلاح، وقال عبد الله بن يوسف التنيسي: كان مالك يعظم الحنيني» وفي (تهذيب التهذيب): «قال ابن حبان في (الثقات): كان يخطئ، وقال عبد الله بن يوسف: كان مالك يعظمه ويكرمه وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: صالح، يعني في دينه لا في حديثه»
[ ١ / ٤١١ ]
٤٣- إسحاق بن إبراهيم الموصلي
وذكروا أن البخاري يقول: «فيه نظر» أو «سكتوا عنه» فيمن هو عنده ضعيف جدًا، قال السخاوي في (فتح المغيث) ص ١٦١ «وكثيرًا ما يعبر البخاري بهاتين فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها» ولم يقل البخاري في الحنيني: «فيه نظر» إنما قال: «في حديثه نظر» وبينها فرق فقوله: «فيه نظر» تقتضي الطعن في صدقه وقوله: «في حديثه نظر» تشعر بأنه صالح في نفسه وإنما الخلل في حديثه لغفلة أو سوء حفظ ولعل الأستاذ يقول: هذا تمحل فيقال له: ألم تقل ص ٤٨ «وأما قوله في (تاريخه الكبير):كان مرجئا سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه فبيان لسبب إعراض عنه» وقد علمت أن «سكتوا عنه» هي أخت «فيه نظر» بل هي الكبرى. والمقصود هنا أن الحنيني كان صالحا في نفسه وقد سقنا شواهد ذلك فأما حديثه فكلمة البخاري تقتضي أنه مطرح لا يصلح حتى للاعتبار وكذلك كلمة النسائي وصنيع ابن حبان يقتضي انه يعتبر به وكذا كلمة الحاكم أبي أحمد ويوافقهما قول ابن عدي: «ضعيف ومع ضعفه يكتب حديثه» وكلمة البزار تقتضي أن حديثيه كان قبل عماه مستقيما فينظر متى عمي؟ ومتى سمع منه الحسن بن الصباح؟ وهل روايته التي ساقها الخطيب من مظان الغلط؟
٤٣- إسحاق بن إبراهيم الموصلي. في (تاريخ بغداد) ١٤/٢٤٩ من طريق «محمد ابن أبي الأزهر حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي حدثني » قال الأستاذ: ص ١٧٦: «حماد إسحاق الموصلي هو وأبوه من رجال الأغاني » .
أقول: تراجع ترجمتاهما في (تاريخ بغداد) وزعم الأستاذ أن في القصة غضاضة على أبي يوسف وليس ذلك بظاهر وفيما هو منقول عن الحنفية من الحيل المباحة عندهم ما هو أقرب إلى الإيحاش منها. أما الخطيب فلعله إنما قصد بإيراد تلك الحكاية الظريفة تزيين (التاريخ) .
[ ١ / ٤١٢ ]
٤٤ - إسحاق بن عبد الرحمن
٤٥ - إسحاق بن عبد الرحمن [آخر]
٤٦- أسد بن موسى بن إبراهيم المرواني الأموي
٤٤ - إسحاق بن عبد الرحمن. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٨ من طريق «جعفر ابن محمد الصندلي حدثنا إسحاق بن إبراهيم «بن عبد الرحمن البغوي» ابن عم ابن منيع: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن حدثنا حسن بن أبي مالك » قال الأستاذ ص ٥٢: «وإسحاق بن عبد الرحمن لا يعلم» .
أقول: شيخ الصندلي قديم يروي عن إسماعيل بن عليه المتوفى سنة ١٩٣ وعنه البخاري في (الصحيح) وغيره والحسن بن أبي مالك توفي سنة ٢٠٤ فلو كان للأستاذ غرض في تصحيح تلك الرواية لربما جزم بأن لفظ «حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن» كان بهامش أصل قديم على أنها بدل «حدثنا إسحاق بن إبراهيم» وذلك بنسبة إسحاق إلى جده، فتوهم الناسخ أن تلك الحاشية لحق فأدرجها في المتن، ولذلك نظائر في النسخ الخطية.
٤٥ - إسحاق بن عبد الرحمن. ذكر الأستاذ ص ١٨٤ رواية أبي نعيم الأصبهاني عن أبي الشيخ عن عبد الرحمن بن داود عن عبيد بن خلف عن إسحاق بن عبد الرحمن عن الحسين الكرابيسي فذكر قصة. قال الأستاذ «إسحاق بن عبد الرحمن مجهول فلا يجدي تكلف التاج ابن السبكي في ترقيع السند» .
أقول: إنما قال ابن السبكي في (طبقات الشافعية) ج١ ص٢٥٣ «كذا في السند: عبيد عن إسحاق. وعبيد صاحب الكرابيسي ولا يمتنع أن يسمع عنه كما سمع منه» فأين الترقيع؟.
٤٦- أسد بن موسى بن إبراهيم المرواني الأموي، يقال له: أسد السنة. في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٨٣) من طريق «الربيع بن سليمان يقول: سمعت أسد بن موسى، قال » قال الأستاذ ص ٦٥ «منكر الحديث عند ابن حزم» أقول قد قال البخاري: «مشهور الحديث» وهذا بحسب الظاهر يبطل قول ابن حزم، لكن يجمع بينهما قول ابن يونس «حدث بأحاديث منكرة وأحسب الآفة من غيره» وقول النسائي «ثقة ولو لم يصنف كان خيرًا له» وذلك أنه لما صنف احتاج
[ ١ / ٤١٣ ]
٤٧- إسماعيل بن إبراهيم بن معمر أبو الهذلي الهروي الكوفي
إلى الرواية عن الضعفاء فجاءت في ذلك مناكير، فحمل ابن حزم على أسد، ورأى ابن يونس أن أحاديثه عن الثقات معروفة، وحقق البخاري فقال «حديثه مشهور» يريد والله أعلم مشهور عمن روى عنهم فما كان فيه من إنكار فمن قبله، وقد قال ابن يونس أيضًا والبزار وابن قانع حافظ الحنفية: ثقة، وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وفي (الميزان): «استشهد به البخاري، واحتج به النسائي وأبو داود وما علمت به بأسًا» .
وقد أساء الأستاذ إلى نفسه جدًا إذ يقتصر على كلمة ابن حزم في صدد الطعن، مع علمه بحقيقة الحال ولكن!
٤٧- إسماعيل بن إبراهيم بن معمر أبو الهذلي الهروي الكوفي. في (تاريخ بغداد) (١٣/٤٠٠) من طريق إبراهيم بن عبد الرحيم ثم من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال كل منهما «حدثني أبو معمر » قال الأستاذ ص ١١٤ «هو ممن أجاب في المحنة وقال: كفرنا وخرجنا، ويقال إن ابن معين قال: خرج الهذلي هذا إلى الرقة وحدث خمسة آلاف حديث أخطأ في ثلاثة آلف منها» .
أقول: قال الله ﵎: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فأبو معمر ممن أكره والأستاذ يعلم من هو الذي شرح صدره بتلك المقالة. وأما ما جاء عن الإمام أحمد أنه كان ينهى عن الكتابة عن الذين أجابوا في المحنة فليس ذلك على معنى جرح من أجاب مكرها، بل أراد بذلك تثبيت أهل العلم والعامة، أما أهل العلم فخشية أن يبادروا بالإجابة قبل تحقق الإكراه، وأما العامة فخشية أن يتوهموا أن الذين أجابوا أجابوا عن الشراح صدر، فإن كان مغزى الأستاذ الطعن على أبي معمر لإيمانه بأن القرآن غير مخلوق، وقوله إن القول بأنه مخلوق
[ ١ / ٤١٤ ]
٤٨- إسماعيل بن بشر بن منصور السليمي أبو بشر البصري
كفر، فتلك شكاة ظاهر عنك عارها. وأما الحكاية عن ابن معين فقد أنكرها الخطيب وغيره من أئمة الحديث ولكن الأستاذ، فإنه مع إظهاره أنه متهالك في القاع عنه، يكثر من التشبث بالأشياء المردودة والباطلة، ويلجأ إلى المغالطة والتهويلات الفارغة، وذلك يلجئ الناظر إلى ما يلجئه، فيقول لولا أن تلك المطاعن أو أكثرها حق لما اضطر مثل الكوثري في سعة اطلاعه وقوة عارضته إلى ما أضطر إليه في الإجابة عنه والمعروف عن ابن معين توثيق أبي معمر، قال عباس الدوري
«سأل يحيى بن معين عن أبي معمر وهارون بن معروف فقال: أبو معمر أكيس» هذا مع قوله هو وغيره في هارون «ثقة» وقال ابن سعد في أبي معمر «هو من هذيل أنفسهم صاحب سنة وفضل وهو ثقة ثبت» وقال ابن قانع حافظ الحنفية «ثقة ثبت» وروى عنه البخاري ومسلم في «الصحيحين» .
٤٨- إسماعيل بن بشر بن منصور السليمي أبو بشر البصري. في (تاريخ بغداد) (١٣/ ٣٩٦) من طريق «عبد الله بن أحمد الجصاص حدثنا إسماعيل بن بشر قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول » قال الأستاذ ص ١٠٧ «قدري يعادي مثبتي القدر، فلا يثبت بسند فيه مثله ومثل أبي المفضل عزوا هذا القول إلى أبي المهدي كما لا يثبت ما يعزوا إليه أبو نعيم في «الحلية» بطريق رسته لما سيأتي في رسته» .
أقول: قد تقدم في القواعد أن العداوة الدينية لا ترد بها الشهادة فكيف الرواية؟ ولم يكن إسماعيل داعية وقد قال أبو داود «صدوق» وروى عنه في «سننه» ولا يروي إلا عن ثقة كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم وكذلك روى عنه ابن خزيمة مع تثبته وأخرج له النسائي في «السنن» وذكره ابن حبان في «الثقات» ورسته هو عبد الرحمن بن عمر تأتي ترجمته.
[ ١ / ٤١٥ ]
٤٩- إسماعيل بن أبي الحكم
٥٠- إسماعيل بن حمدويه
٥١- إسماعيل بن عرعرة
٤٩- إسماعيل بن أبي الحكم. في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٨٠) من طريق «الأثرم حدثني هارون بن إسحاق قال سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر ابن عبيد » قال الأستاذ ص ٥٨ «فيكون إسماعيل هذا مجهولًا» .
أقول ذكره المزي في شيوخ هارون، وفي كتاب ابن أبي حاتم «إسماعيل بن أبي الحكم الثقفي روى عن عمران بن عيينة وعيسى بن يونس، روى عنه أبو زرعة، سئل أبي عنه فقال: شيخ» وفي «لسان الميزان» ج ٣ ص ٤١٦ «فمن عاد أبي زرعه أن لا يروي إلا عن ثقة» .
٥٠- إسماعيل بن حمدويه. ذكرته في «الطليعة» ص ٩٠ وذكرت هناك أنه وقع في النسخة «الثقات» «الإسكندرية» . ثم وقفت على نسخة أخرى أصح من الأولى محفوظة في المكتبة السعدية بحيدر أباد دكن وفيها «البيكندي» على الصواب.
٥١- إسماعيل بن عرعرة. قال الأستاذ ص ٤٨ «وأما قول أبي عبد الله بن الجعفي «البخاري صاحب الصحيح» في «تاريخه الصغير»: سمعت إسماعيل بن عرعرة يقول: قال أبو حنيفة: جاءت امرأة جهم إلينا فأدبت نسائنا. فليس بأحسن حالًا من سابقه بالنظر إلى تأخر طبقة إسماعيل بن عرعرة، فبينة وبين أبي حنيفة انقطاع، وإسماعيل بن عرعرة هذا مجهول الصفة لم يذكره أحد من أصحاب التواريخ التي اطلعنا عليها حتى البخاري نعم له ذكر في كتابة «السنة» لعبد الله بن أحمد في ص ٢٧ و١٥٤ بما يدل أنه بصري معاصر لعباس عبد العظيم العنبري، وليس في هذا أدنى غناء بعد أن أعلم أنه لم يرو أحد من أصحاب الأصول الستة عن ابن عرعرة هذا» .
أقول: في «إكمال بن ماكولا» «برند» أنه لعروة بن البرند البصري ابنًا اسمه إسماعيل، وعروة ولد سنة ١١٠ ومات سنة ١٩٣ فلا مانع أن يكون له ابن أدرك أبا حنيفة ثم عاش حتمًا حتى أدركه البخاري، وقد مر في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو
[ ١ / ٤١٦ ]
٥٢- إسماعيل بن عياش الحمصي
٥٣- إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي
٥٤- الأسود بن سالم
عبد الرحمن أن البخاري لا يروي أي عن صدوق يتميز صحيح حديثه من سقيمه، وقد يكون الرجل ثقة مقلا من الرواية إنما لا يروي قليلًا من الحكايات فلا يعتني به أهل التواريخ ولا يحتاج إليه في الأمهات الست، وراجع ما مر في ترجمة إبراهيم بن شماس.
٥٢- إسماعيل بن عياش الحمصي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٤ من طريق «محمد ابن عوف: حدثنا إسماعيل بن عباس الحمصي حدثنا هشام بن عروة » قال الأستاذ ص١٠٠ «الصواب: إسماعيل بن عياش وروايته عن غير الشاميين مردودة عن أهل النقد» .
أقول: إسماعيل ثقة في نفسه لكن عن غير الشاميين تخليط كثير فحده إذا روى عن غير الشاميين أن يصلح في المتابعات والشواهد. تلك الحكاية تابعه عليها سفيان بن عيينة وغيره كما يأتي في ترجمة هشام، وراجع ص ٩.
٥٣- إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي. في «تاريخ بغداد» ١٣ / ٣٨٧ من طريق «عبد السلام بن عبد الرحمن حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي قال: حدثني أبو إسحاق الفزاري » قال الأستاذ ص ٧٧: «إسماعيل بن عيسى من المجاهيل» .
أقول: الصواب أن يقول: «لم أعرفه» فأن عدم معرفة مثل الأستاذ بالرجل لا يستلزم أن يكون مجهولًا، راجع «الطليعة» ص ٨٦ - ٩٨.
٥٤- الأسود بن سالم. في «تاريخ بغداد» ١٣ / ٤٠٩) من طريق أبو عبيد: «كنت جالسًا مع الأسود بن سالم في مسجد الجامع بالرصافة فتذكروا مسألة فقلت: أن أبا حنيفة يقول: فيها كيت وكيت، فقال لي الأسود تذكر أبا حنيفة في المسجد؟ فلم يكلمني حتى مات» . قال الأستاذ ص ١٣٤: «أين الأسود بن سالم من أبي عبيد الإمام في كل علم؟ وكان الأسود بن سالم بن العباد المتقشفين المقبلين على الله، ولم يكن له سعة في العلم ولا الالتفات إلى الفقه، كان يصعب عليه أن
[ ١ / ٤١٧ ]
٥٥- أصبغ بن خليل القرطبي
يشتغل في المسجد بغير ذكر الله غير شاعر بأن مذاكرة الفقه من ذكر الله، وله رأيه وللأهل العلم رأيهم، ولم يكن هو ممن يحتج بقوله في هذا الموضع، ولا أدري لماذا تكلف الخطيب الرواية عنه وحاله معلوم مما رواه الخطيب نفسه في ج٧ ص٣٦ حيث قال: أخبرنا سمعت حبش بن برد يقول رأى أسود بن سالم يغسل وجهه من غدوة إلى نصف النهار فقيل له أيش خبرك؟ قال: رأيت اليوم مبتدعًا فان أغسل وجهي منذ رأيته وإلى الساعة وأنا أظنه لا ينفي» !
أقول: وأنا ما أدري لماذا تكلف الأستاذ بالتأويل المستكره؟ فأنه لا يخفي أن الأسود لم ينكر المذاكرة من حيث هي، ولو كان كذلك لنكرها عليهم عند شريعتهم فيها ولما كان لذكر أبي حنيفة وجه ولما حكى أبو عبيد الإمام في كل فن القصة على ما حكاها فأما قصة غسل الوجه فالذي في «التاريخ» حبش بن الورد، فكأن حبش بن أبي الورد المترجم في «التاريخ» أيضًا باسم محمد بن الورد ولقبه حبش وهو من المذكورين بالعبادة والزهد يروي الحكايات ولم يوثق. والأستاذ يعد قول الراوي «قيل لفلان» أو سئل فلان» منقطعًا للجهل بالقائل أو السائل، وقد رددت عليه ذلك في القواعد وغيرها، وقول حبش «رئي أسود» ظاهر في الانقطاع بخلاف «قيل» و«سئل» فإن الراوي قد يحضر الواقعة ويكون القائل أو السائل غيره دونه فأما أن يحضرها ويكون الرائي غيره دونه فلا إلا أن يكون أعمى. فليبحث الأستاذ لعله يجد نصا على أن حبشًا كان أعمى فيصير قوله «رئي أسود» بمنزلة قول غيره «قيل لفلان» و«سئل فلان» ونحو ذلك كقول سلمة «قال رجل لابن المبارك» ! فإن صحت القصة بالأسود أنه إنما قصد تنقير الناس عن البدع وأهلها!
٥٥- أصبغ بن خليل القرطبي. قال الأستاذ ص ١٠٥: «روى الحافظ أبو الوليد بن الفرضي عن أبي القاسم أصبغ بن خليل القرطبي الذي دارت عليه الفتوى في مذهب مالك خمسين عامًا وتوفي سنة ٢٧٣ أنه قال: لأن يكون في تابوتي رأس خنزير أحب إلي من أن يكون فيه (مصنف ابن شيبة)» !
[ ١ / ٤١٨ ]
٥٦- أنس بن مالك صاحب النبي - ﷺ -
أقول: (مصنف ابن أبي شيبة) مشتمل مع أحاديث صحاح على ضعاف وعلى أقوال مختلفة محكية عن بعض الصحابة وبعض التابعين وبعض من بعدهم، والظن بأصبغ أنه لم يقصد ذم الأحاديث، كيف وكان هو يروي (الموطأ) وغيره؟ وبعد، فماذا على المالكية من أصبغ هذا وقد كذبه أجلتهم كالقاسم بن أصبغ وابن الفرضي وعياض، ودوران الفتوى عليه إنما هو نتيجة أن العامة كانوا حريصين على الجمود على أقوال ابن القاسم صاحب مالك، والدولة موافقة لهم على ذلك، وكان هو عارفا بها جامدًا عليها. وفي المالكية من حفاظ الحديث والمتبعين له إذا خالفه المنقول في مذهبهم عدد غير قليل، لعلهم يفضلون بذلك على بعض أصحاب المذاهب الأخرى!
ومن تأمل حال كثير من علماء المذاهب رأى أن كثيرًا منهم قد تكون حالهم عند التحقيق شرًا من حال أصبغ وذلك أنهم يظهرون التدين بقبول الحديث وتعظيم (الصحيحين) ويزيد بعضهم حتى من أهل عصرنا هذا فيقول: إن الحديث إذا كان في (الصحيحين) أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، فإذا جاءوا إلى حديث مخالف لمذهبهم حرفوه أقبح تحريف، فالرد الصريح أخف ضررًا على المسلمين وأهو ن مؤنة على أهل «العلم والدين من إثارة الشبه والتطويل والتهويل الذي يغتر به كثير من الناس ويضطر العالم» إلى صرف وقته في كشف ذلك. والله المستعان.
٥٦- أنس بن مالك صاحب النبي - ﷺ -. تقدم ما يتعلق به في (الطليعة) ص ٩٨- ١٠٦، وفي الفصلين الثاني والخامس من أوائل هذا الكتاب، وذكرت ص ١٠٠- ١٠١ من (الطليعة) بعض المعمرين من ثقات التابعين المحتج بهم مطلقًا إجماعًا، ويزاد عليهم مغرور ابن سويد وزر بن حبيش وأبو عثمان النهدي بلغ الأول مائة وعشرين سنة، والثاني مائة وسبعًا وعشرين سنة، والثالث مائة وثلاثين - وقيل: أربعين - سنة. وذكرت في ص ١٠٣ من (الطليعة) شاهدًا لرواية أنس في أبوال الإبل ثم رأيت في (تفسير ابن جرير) ج ٦ ص ١١٩ - ١٣٠ «حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا أبو حمزة عن عبد الكريم بن مالك الجزري وسئل عن أبوال الإبل؟
[ ١ / ٤١٩ ]
٥٧- أيوب بن إسحاق بن سافري
٥٨- بشر بن السري
فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين فقال: كان ناس أتوا النبي ﵌ ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة. فقال النبي ﵌: هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح فاشربوا أبوالها وألبانها» فذكر القصة وسياقها مخالف لسياق رواية أنس وفي آخرها الإشارة إلى حديث أنس وذلك يدل أن سعيد بن جبير تلقاها من غير أنس من الصحابة. والحديث مرسل صحيح رجاله ثقات كلهم وتأتي ترجمة محمد بن علي وترجمة أبي حمزة محمد بن ميمون السكري.
وعلي بن الحسن بن شقيق من متقدمي أصحاب أبي حمزة أن يظهر أن سماعه منه كان قبل أن يعمى أبو حمزة وعلي من المتثبتين وفي ترجمته من (تهذيب التهذيب) أنه قيل له: «سمعت (كتاب الصلاة) من أبي حمزة السكري؟» فقال: «نعم سمعت ولكن نهق حمار يومًا فاشتبه علي حديث فلا أدري أي حديث هو فتركت الكتاب كله» وكلام الأستاذ في (الترحيب) في العنعنة تقدم ما فيه في الفصل التاسع من أوائل الكتاب. والله الموفق.
٥٧- أيوب بن إسحاق بن سافري. راجع (الطليعة) ص ٥٩ -٦٠ أشار الأستاذ إلى ذلك في ص ٤٤ من (الترحيب) فلم يأت بشيء بل حاول الطعن في مهذب (تاريخ ابن عساكر)، وذلك لا يغني عنه شيئًا، ثم قال: «لم يكن السافري إلا داعرًا سافر الوجه، أصبحت الدعارة خلقًا فيه وملكه عنده رغم أنف هذا الناقد» .
أقول: أرغم الله أنف من يكابر، ويدفع الحق بالباطل، وانظر (طبقات أبي يعلى) ١/ ١٧١. (١)
٥٨- بشر بن السري. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩١ من طريق «رجاء بن السندي سمعت بشر بن السري قال: أتيت أبا عوانة..» قال الأستاذ (ص٩٢):
_________________
(١) بشار بن قيراط. يأتي في ترجمة أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم.
[ ١ / ٤٢٠ ]
٥٩- بقية بن الوليد
«يقول عنه الحميدي جهمي لا يحل أن يكتب عنه» .
أقول: ثبته عبد الرحمن بن مهدي جدًا، وقال أحمد: «حدثنا بشر السري وكان متقنًا للحديث عجبًا» ووثقه ابن معين وغيره، واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة. فأما التهجم فقال ابن معين في بشر: «رأيته يستقبل البيت يدعو على قوم يرمونه برأي جهم ويقول: معاذ الله أن أكون جهميًا» وقال أحمد: «سمعنا منه ثم ذكر حديث ﴿نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فقال: ما أدري ما هذا، إيش هذا؟ . فوثب به الحميدي وأهل مكة، فاعتذر فلم يقبل منه وزهد الناس فيه، فلما قدمت المرة الثانية كان يجيء إلينا فلم نكتب عنه» .
أقول: لم ينصفوه فلعله إنما كان سمع ما صح عن مجاهد من تفسيره «ناظرة» في الآية بقوله: «تنتظر الثواب» فلما سمع الوجه الآخر استنكره من جهة كونه تفسيرًا للآية لا من جهة إنكار الرؤية، أما ما زاده محمد بن حميد في الحكاية عن مجاهد: «لا يراه من خلقه شيء.» فمحمد بن حميد متهم. فإن كان بشرًا استنكر الرؤية فقد كان حقهم أن يينوا له النصوص في إثباتها، فإذا أقر تبين أنه كان معذورًا فيما فرط منه، وإن أصر هجروه عن بينة. على أن الإجماع انعقد بعد ذلك على عذره والاحتجاج بروايته.
٥٩- بقية بن الوليد. في (تاريخ بغداد) ٢ / ١٧٩ من طريق «بقية يقول: قيل لإسماعيل بن عياش » قال الأستاذ ص ١٨٦: «حاله يقل سمعت رد روايته عند الجميع» .
أقول: بقية يدلس عن الضعفاء، فإذا لم يصرح بالسماع وجب التوقف لاحتمال أنه إنما سمع من ضعيف.
٦٠- تمام بن محمد بن عبد الله الأذني. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٩
[ ١ / ٤٢١ ]
٦١- ثعلبة بن سهيل التميمي الطهوي
٦٢- جراح بن منهال أبو العطوف
«أخبرنا العتيقي حدثنا تمام بن محمد بن عبد الله الأذني بدمشق أخبرنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجلي » ذكر الأستاذ ص ١٦٤ بلفظ «تمام بن محمد بن عبد الله الرازي» وكتب في الحاشية: «وقع بدله (الأذني) في الطبعات الثلاث وهو تحريف، ومبلغ تعصب تمام وشيخه معلوم عند من عرف أحوالهما» .
أقول ترجمتاهما في (تاريخ دمشق) ولتمام ترجمة في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٢٤٣، ولم أر من نسيهما ولا أحدهما إلى تعصب، ولا عرفت من أحوالهما ما يدل على ذلك. والمخالفة للمذهب لا تستلزم التعصب. وقد تقدم الكلام في التعصب في القواعد.
٦١- ثعلبة بن سهيل التميمي الطهوي. راجع (الطليعة) ص ٧٨ - ٨١، وما ذكرته هناك من أن ابن معين قد يطلق كلمة «ليس بشيء» لا يريد بها التضعيف وإنما يريد قلة الحديث ترى مستنده في ترجمة عبد العزيز بن المختار من (مقدمة الفتح) وترجمة كثير بن شنظير من (تهذيب التهذيب) ويعترف به الأستاذ كما ستراه في الترجمة الآتية.
٦٢- جراح بن منهال أبو العطوف. في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٤٠٦) من طريق «سلمة بن سليمان يقول قال رجل لابن المبارك سلمة بن سليمان يقول: قال رجل لابن المبارك: أكان أبو حنيفة عالما؟ قال: لا ما كان بخليق لذاك ترك عطاء وأقبل على أبي العطوف» قال الأستاذ ص ١٢٨ «فيه انقطاع ومجهول لأنه لم يبين أنه سمع الرجل يقول وأنه حضر القصة كما لم يبين من هو هذا الرجل ثم من الغريب أن يزعم زاعم مع أنه ما من مسند من المسانيد السبعة عشر المؤلفة في أحاديث أبي حنيفة إلا وفيه روايته عن عطاء بكثرة وأما أبو العطوف فهو متأخر الوفاة عن أبي حنيفة بنحو ثماني عشر سنة وقد قلت رواية أبي حنيفة عنه جدا ولا مانع من الرواية عنه قبل طروء الغفلة، وقد ذكره أحمد بالغفلة فقط وقال ابن معين: ليس بشيء وهو كثيرا ما يقول هذا فيمن قل
[ ١ / ٤٢٢ ]
حديثه ومن ظن بأبي حنيفة أنه لا يميز بين من به غفلة أو تهمة فقد ظن باطلا وأبو حنيفة يكثر جدا عن عطاء . بل ليس بين شيوخه بعد حماد بن أبي سليمان من يكثر عنه قدر إكثاره عن عطاء. وأما أبو العطوف فرواياته عنه كلها لا تزيد على نحو خمس روايات » .
أقول: أما الانقطاع والمجهول فقد تقدم النظر فيه في القواعد. وأما قوله: «ما من مسند من المسانيد السبعة عشر إلا وفيه روايته عن عطاء بكثرة» وقوله «وأبو حنيفة يكثر جدا عن عطاء» ففيه نظر ظاهر لأن غالب الجامعين لتلك المسانيد متأخرون وجماعة منهم متهمون بالكذب ومن لم يكن منهم متهما يكثر آن يكون في أسانيده إلى أبي حنيفة من لا يعتد بروايته ومع ذلك فقد تصحفت (جامع المسانيد) فلم أجد فيه عن أبي حنيفة عن عطاء إلا نحو ثلاثين رواية لعله لا يصح منها عن أبي حنيفة خمس أو ست فأين الكثرة؟ فضلا عن الإكثار جدا. على أن الحميدي قد قال: «حدثنا وكيع قال حدثنا أبو حنيفة انه سمع عطاء إن كان سمعه أخرجه الخطيب ورواه ابن أبي حاتم في كتابه (تقدمة الجرح والتعديل) في باب «ما ذكر من معرفة وكيع بن الجراح بناقلة الأخبار ورواة الآثار وكلامه فيهم» رواه عن أبيه عن الحميدي وذكره الأستاذ ص١٣٠ فزعم أن كلمة «إن كان سمعه» من قول الحميدي. ولم يضع الأستاذ شيئا هي من قول وكيع لكن ليس المقصود بها كما ذكر الأستاذ الشك في سماع أبي حنيفة مطلقا وإنما المقصود الشك في سماع خبر معين ذكره وكيع ولم يذكره الحميدي إذ كان قصد الحميدي إنما هو حكاية تلك الكلمة عن وكيع. وقد يحتمل أن الشك ليس من وكيع وإنما هو من أبي حنيفة نفسه كان يكون قال في ذلك الخبر: سمعت عطاء - إن كنت سمعته.. فعبر وكيع بما تقدم فإن كان هذا هو الواقع فليس فيه طعن من وكيع في أبي حنيفة كما فهموه. والله أعلم.
قوله «ولا مانع من الرواية عنه قبل طروء الغفلة» هذه دعوى مجردة فلم يذكر أحد قبل الأستاذ أن أبا العطوف طرأت عليه الغفلة، بل قدحوا فيه على الإطلاق
[ ١ / ٤٢٣ ]
٦٣- جرير بن عبد الحميد
كما ترى بعض ذلك في (الطليعة) ص٨٠ ولو كان إنما بليته الغفلة وكانت طرأت عليه بعد أن سمع أبو حنيفة أو غيره لما طعنوا فيه بل كانوا يعدونه في جملة المختلطين الذين يوثقهم أهل العلم ويحتجون بما سمع منهم قبل الاختلاط. فأما قوله «ذكره أحمد بالغفلة فقط» فأحمد إمام ورع إذا كفاه غيره الكلام في رجل ورأى الناس قد تركوا حديثه لم يستحسن أن يشيع الكلام فيه، ومع ذلك فلم يشر أحمد إلى أن الغفلة طرأت كما زعم الأستاذ بل قضية كلامه أن الرجل لم يزل كذلك. وأما قول ابن معين «ليس بشيء» فلا ريب أنه يقولها في الراوي بمعنى قلة ما رواه جدًا، يعني أنه لم يسند من الحديث ما يشتغل به كما مرت الإشارة إليه في ترجمة ثعلبة، فأما أنه كثيرًا ما يقول هذا فيمن قل حديثه» فهذه مبالغة الأستاذ! وعلى ذلك فقد مضى تحقيق ذلك في ترجمة ثعلبة من (الطليعة) . وحاصله أن الظاهر المتبادر من هذه الكلمة الجرح فلا يعدل عنه إلا بحجة فلما كان ابن معين قد وثق ثعلبة ولم يقدح فيه غيره وثعلبة قليل الحديث جدًا تبين أن مراد ابن معين بتلك الكلمة لو ثبتت قلة الحديث، وأبو العطوف لم يوثقه ابن معين ولا غيره بل أو سعوه جرحًا وحديثه غير قليل فقد ذكر له الأستاذ خمسة، وفي (لسان الميزان) ثلاثة أخرى لو لم يكن له غيرها لما كانت من القلة بحيث يصح أن يقال: إنها ليست بشيء ولولا أنهم تركوه ولم يكتبوا حديثه لوجدنا له غير ما ذكر، ولعله لولا أن جامعي المسانيد السبعة عشر علموا أن أبا العطوف تالف لوجدنا له في تلك المسانيد عشرات الأحاديث، فمن الواضح أن قول ابن معين في أبي العطوف «ليس بشيء» إنما محملها الجرح الشديد، فمحاولة الأستاذ أن يعكس القضية قلب للحقائق.
٦٣- جرير بن عبد الحميد. راجع (الطليعة) ص ٤٣ - ٤٦ وص ٨٣، واقتصر الأستاذ في (الترحيب) ص ٤٠ على أنه ليس فيما ذكرته ما يجدر التحدث عنه، كذا قال!
[ ١ / ٤٢٤ ]
وقال في (التأنيب) ص١١٠ «مضطرب الحديث وكان سيئ الحفظ انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع، والكلام فيه طويل الذيل وليس هو ممن يساق خبره في صدد سرد المحفوظ عند النقلة إلا في مذهب الخطيب» .
أقول: أما قوله «مضطرب الحديث» فكلمه لم يقلها أحد قبل الأستاذ، وليس هو ممن يقبل منه مثل هذا غاية الأمر أن تعد دعوى، فما البينة؟ ليس بيده إلا قصة طلاق الأخرس وعليه في ذلك أمران:
الأول: أن القصة تفرد بها سليمان بن داود الشاذكوني وليس بثقة، قال البخاري: «فيه نظر» وهذه من أشد كلمات الجرح في اصطلاح البخاري كما مر في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنيني، وقال أبو حاتم «متروك الحديث» وقال النسائي «ليس بثقة» وقال صالح بن محمد الحافظ «كان يكذب في الحديث» والكلام فيه كثير، وفي القصة ما ينكر. فإن الشاذكوني قال «قدمت على جرير فأعجب بحفظي وكان لي مكرمًا فقدم يحيى بن معين والبغداديون الذين معه وأنا ثَمَّ، فرأوا موضعي منه، فقال بعضهم: إن هذا بعثه ابن القطان وعبد الرحمن ليفسد حديثك » وابن القطان وعبد الرحمن هما إماما مصرهما يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن الممتنع أن يكذب يحيي بن معين ورفقته عليهما هذا الكذب الفاحش.
الأمر الثاني: أن القصة لا تفيد اضطرابًا وإنما تفيد تدليسًا، زعم الشاذكوني أن جريرًا ذكر أولًا عن مغيرة عن أيراهم في طلاق الخرس، ثم ذكره ثانيًا عن سفيان عن مغيرة، ثم ثالثًا عن ابن المبارك عن سفيان، ثم قال «حدثنيه رجل خرساني عن ابن المبارك» فلو صحت القصة لما كان فيها إلا التدليس، بإسقاط ثلاثة، ثم بإسقاط اثنين، ثم بإسقاط واحد، ثم ذكره على وجهه، ولهذا قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب): «إن صحت حكاية الشاذكوني فجرير كان يدلس» ولم يذكره في طبقات المدلسين لأن القصة لم تصح ذكر وقد ذكر أبو خيثمة جريرًا فقال: «لم يكن يدلس» .
[ ١ / ٤٢٥ ]
وقول الأستاذ: «كان سيئ الحفظ لم يقلها أحد قبله أيضًا، وإنما المعروف أن جريرًا كان لا يحدث من حفظه إلا نادرًا، وإنما يحدث من كتبه، ولم ينكروا عليه شيئًا حدث به من حفظه، وأثنوا على كتبه بالصحة، فأما ما حكاه العقيلي عن أحمد أنه قال «لم يكن بالذكي اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول حتى قدم عليه بهز فعرفه» فقد ذكر هذا لابن معين فقال: «ألا تراه قد بينها» يعني أن جريرًا بين لمن بروي عنه أن حديث أشعث وعاصم اختلط عليه حتى ميز له بهز ذلك، وعلى هذا فلم يحدث عنهما حتى ميز له بهز فكان يحدث عنهما ويبين الحال، وهذا هو محض الصدق والنصيحة والضبط والإتقان، فإنه لا يطلب من المحدث أن لا يشك في شيء وإنما المطلوب منه أن لا يحدث إلا بما يتقنه فإن حدث بما لا يتقنه بين الحال، فإذا فعل ذلك فقد أمنا من غلطة وحصل بذلك المقصود من الضبط.
فإن قيل فإنه يؤخذ من كلامهم أنه لم يكن يحفظ وإنما اعتماده على كتبه.
قلت: هذا لا يعطي ما زعمه الأستاذ «أنه كان سيئ الحفظ» فان هذه الكلمة إنما تطلق في صدد القدح فيمن لا يكون جيد الحفظ ومع ذلك يحدث من حفظة فيخطئ، فأما من لا يحدث من حفظه إلا بما أجاد حفظه كجرير فلا معنى للقدح فيه بأنه لم يكن جيد الحفظ.
وأما قول الأستاذ: «انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع» فهذا تقليد من الأستاذ للشاذ كوني فانه هو الذي حكم على ذلك الخبر بأنه موضوع، والشاذ كوني قد عرفت حاله، فأما الخبر فإنما حدث به جرير عن مغيرة قوله كما في (الميزان) عن عثمان ابن أبي شيبة، وليس بموضوع ولا ضعيف، سواء أتوبع عليه جرير أم لم يتابع، فإنه لا ينكر لمثل جرير أن يتفرد بحديث مرفوع، فضلًا عن شيء من قول مغيرة بن مقسم.
وأما قول الأستاذ «والكلام فيه طويل الذيل» . فلم يبق إلا كلام الموثقين! قال الإمام أحمد «جرير أقل سقطًا من شريك، وشريك كان يخطئ» وقال ابن معين
[ ١ / ٤٢٦ ]
٦٤- جعفر بن محمد بن شاكر
٦٥- جعفر بن محمد الصندلي
نحوه. وقال العجلي والنسائي «ثقة» وقال ابن أبي حاتم «سألت أبي عن أبي الأحوص وجرير في حديث حصين، فقال: كان جريرًا أكيس الرجلين، وجرير أحب إلي، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، جرير ثقة، وهو أحب إلي في هشام بن عروة من يونس بن بكير» وقال ابن عمار «حجة كانت كتبه صحاحًا» وقال أبو أحمد الحاكم «هو عندهم ثقة» وقال الخليلي «ثقة متفق عليه» وقال اللالكائي «مجمع على ثقته» وقال قتيبة «ثنا جرير الحافظ المقدم لكني سمعته يشتم معاوية علانية» .
أقول: لم يبين ما هو الشتم؟ ولم يضره ذلك في روايته، بل أجمعوا على توثيقه كما رأيت واحتج به صاحبا (الصحيحين) وبقية الستة والناس.
قول الأستاذ «وليس هو ممن يساق خبره في صدد سرد المحفوظ عند النقلة إلا في مذهب الخطيب» .
أقول: ومذهب أهل العلم كافة كما رأيت!
٦٤- جعفر بن محمد بن شاكر. راجع (الطليعة) ص ١٠٩. قال الأستاذ في (الترحيب) «لا أريد التكلم عن ابن المنادي، وحاله معروف» .
أقول: نعم بالثقة والأمانة ومعه عصره أبو بكر الخطيب.
٦٥- جعفر بن محمد الصندلي. راجع «الطليعة» ص ٩١ - ٩٣ ذكر الأستاذ في «الترحيب» أن الخطيب لا يحتج به فيما هو مهتم فيه.
أقول: الخطيب ثقة مأمون إمام قد تقدمت ترجمته، وذكر ابن السمعاني أنه من نظراء يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبي خيثمة وطبقتهم، كما تراه في ترجمة من «معجم الأدباء» لياقوت، والكلام في التهمة قد تقدم في القواعد، ومع الخطيب جماعة كما في «الطليعة» .
[ ١ / ٤٢٧ ]
٦٦- جعفر بن محمد الفريابي
٦٧- حاجب بن أحمد الطوسي
٦٦- جعفر بن محمد الفريابي. في «تاريخ بغداد» «١٣ / ٤١٨» من طريق العقيلي «ثنا سليمان بن داود العقيلي قال: سمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول «قال الخطيب ح» وأخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ حدثنا عثمان بن جعفر بن محمد السبيعي حدثنا الفريابي جعفر بن محمد حدثني أحمد بن الحسن والترمذي قال سمعت أحمد ابن حنبل » قال الأستاذ ص ١٦٣ «جعفر بن محمد الفريابي كان يجتمع عليه في مجلس تحديثه ثلاثون ألف رجل بينهم نحو عشرة آلاف أصحاب محابر، فعدلا روى مثله شيئًا يسير به الركبان، وهو الذي آذن على أذن مجنون على مل الأشهاد فنادى الجني هاربًا بحيث يسمع الجماعة: من بشوم محمد مكو. على لسان المجنون بمعنى: أنا أنصرف ولا تقل محمد. كما في «تاريخ الخطيب»، ومثل هذا الراوي لا نستطيع أن نقول فيه شيء، والله من وراءهم محيط» .
أقول هذا الرجل من كبار الحفاظ والأثبات. فأما قصة التأذين في أذن المصاب فقد كان النبي ﵌ يرقي ويأمر بالرقية، وكثيرًا ما تظهر فائدة ذلك حالًا. ومن المعروف بين الناس سلفًا وخلفًا أن المصاب يتكلم بكلام كأنه كلام شخص آخر، فيقول الناس أن ذاك كلام الجني على لسان المصاب. هذا وذاك الكلام أنه سمع من المصاب والقائل أنه كلام الجني هو راوي القصة ولم يقع من الفريابي إلا التأذين في أذن المصاب أتباعًا لما ورد في الأثر، فأي شيء في ذلك؟
٦٧- حاجب بن أحمد الطوسي. في (تاريخ بغداد) (١٣/٤٠١) «أنبأنا القاضي أحمد بن الحسن الحرشي أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي حدثنا عبد الرحيم قال: قال عفان » قال الأستاذ ص ١١٧ «قال الحاكم: لم يسمع حديثًا قط لكنه كان له عم قد سمع فجاء البلاذري إليه فقال: هل كنت تحضر مع عمك في المجلس؟ قال: بلا، فأنتخب له من كتب عمه. ويقال: أنه كان ابن مائة وثماني سنين كما ذكره الذهبي، ولفظ عبد الرحيم لفظ الانقطاع» .
أقول: تتمة الترجمة في «الميزان» بعد قوله «من كتب عمه»: «تلك الأجزاء الخمسة، قال الحاكم في (تاريخه): بلغني أن شيخنا أبا محمد أبا البلاذري كان يشهد له
[ ١ / ٤٢٨ ]
٦٨- الحارث بن عمير البصري
بلقي هؤلاء وكان يزعم أنه ابن مائة وثمانين سنين، سمعت منه ولم يصل إلي منه ما سمعته » فظهر بهذا أن قوله أولًا: «لم يسمع حديثًا قط» إنما أراد به أنه لم يتصد للسماع بنفسه وإنما كان عمه يحضره معه مجالس السماع والبلاذري حافظ أثنى عليه الحاكم، أنظر ترجمته في «تذكرة الحفاظ» ج ٣ ص ١٠١، ولم يغمزوا حاجبًا في عدالته ولا أنكروا عليه شيئًا من مروياته، ويأخذ مما تقدم أنه أنما كان يروي تلك الأجزاء التي أنتخبها له البلاذري من أصول عمه ولم يتعده وأحاديثه في «سنن البيهقي» أحاديث معروفة تتدل على صدقه وأمانته، وقد روى عنه ابن منده والقاضي أحمد بن الحسن الحرشي الراوي هذه الحكاية وهما من الثقات الإثبات. وعبد الرحيم ثقة غير مدلس فقوله «قال عفان» حكمه الاتصال كما سلف في القواعد.
٦٨- الحارث بن عمير البصري نزيل مكة في «تاريخ بغداد» «١٣/ ٣٧٠» من طريق «الحميدي حدثنا حمزة بن الحارث عن عمير عن أبيه قال سمعت رجل يسأل أبا حنفية في المسجد الحرام » قال الأستاذ ص ٣٦ «مختلف فيه والجرح مقدم، قال الذهبي «الميزان»: وما أراه إلا بين الضعف، فإن ابن حبان قال في «الضعفاء»: روى عن الإثبات والموضوعات. وقال الحاكم: روى عن حميد وجعفر الصادق أحاديث موضوعة. وفي «تهذيب التهذيب»: قال الأزدي: منكر الحديث. ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عمير كذاب» .
أقول الحارث بن عمير وثقة أهل عصره والكبار قال أبو حاتم عن سليمان بن حرب «كان حماد بن زيد يقدم الحارث بم عمير ويثني عليه» زاد غيره «ونظر إليه مرة فقال: هذا من ثقات أيوب» وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وقد قال الأكرم عن أحمد: «إذا حدث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة» وقال ابن معين والعجلي وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: «ثقة» زاد أبو زرعة «رجل صالح» وفي «اللآلي المصنوعة» ص ١١٨ - ١١٩ عن الحافظ بن حجر في ذكر الحارث «استشهد به البخاري في «صحيحه» وروى عنه من الأئمة عبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن عيينة واحتج به أصحاب السنن» وفيها بعد ذلك
[ ١ / ٤٢٩ ]
تحقيق أن ابن الجوزي كثير الأوهام
«قال الحافظ ابن حجر في أماليه أثنى عليه حماد بن زيد وأخرج له البخاري تعليقًا » ولم يتكلم فيه أحد من المتقدمين، والعدالة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا بحجة وبينة واضحة كما سلف في القواعد. فلننظر في المتكلمين فيه وكلامه:
أما الأزدي: فقد تكلموا فيه حتى اتهموه في الوضع راجع ترجمته في (لسان الميزان) ج ٥ رقم ٤٦٤ مع الرقم الذي يليه من «قال الخطيب» إلى آخر الترجمة فإنه كله متعلق بالأزدي، وقال ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب في الفصل التاسع مع «مقدمة الفتح»: «لا عبرة بقول الأزدي لأنه هو ضعيف فكيف يعتمد في تضعيف الثقات» وذكر نحو ذلك في ترجمة خثيم بن عراك وغيرها فقال في ترجمة علي بن أبي هاشم «قدمت غير مرة أن الأزدي لا يعتبر تجريحه لضعفه هو» على أن الأزدي أستند إلى ما أستند إليه ابن حبان وسيأتي ما فيه.
وأما ابن خزيمة فلا تثبت تلك الكلمة عنه بحكاية ابن الجوزي المعضلة، ولا نعلم ابن الجوزي التزم الصحة فيما يحكيه بغير سند، ولو التزم لكان في صحة الاعتماد على نقله نظر لأنه كثير الأوهام، وقد أثنى عليه الذهبي في (تذكرة الحفاظ) كثيرًا ثم حكى عن بعض أهل العلم أنه قال في ابن الجوزي: «كان كثير الغلط فيما يصنفه فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره» .
قال الذهبي: «نعم له وهم كثير في تواليفه يدخل عليه الداخل من العجلة والتحويل إلى مصنف آخر ومن أجل أن علمه من كتب صحف ما مارس فيها أرباب العلم كما ينبغي» وذكر ابن حجر في (لسان الميزان) ج٣ ص٨٤ حكاية عن ابن الجوزي ثم قال: «دلت هذه القصة على أن ابن الجوزي حاطب ليل لا ينقد ما يحدث به» .
وقد وقفت أنا على جملة من أو هامه منها أنه حكى عن أبي زرعه وأبي حاتم أنهما قالا في داود بن عمر بن زهير: «منكر الحديث» وإنما قالا ذلك في داود بن عطاء المدني، راجع التعليق على (تاريخ البخاري) ج ٢ قسم ١ ص ٢١٥. ومنها أنه حكى في إسحاق بن ناصح عن الإمام أحمد كلامًا إنما قاله أحمد في إسحاق بن
[ ١ / ٤٣٠ ]
نجيح راجع (لسان الميزان) ج١ ص٣٧٦. ومنها أنه قال في الربيع بن عبد الله بن خطاف: «كان يحيى بن سعيد يثني عليه، وقال ابن مهدي لا تروعنه شيئًا» وهذا مقلوب كما في ترجمة الربيع من (التهذيب) . ومنها أنه حكى في سوار بن عبد الله بن سوار أن الثوري قال فيه: «ليس بشيء» مع أن سوارًا هذا إنما ولد بعد موت الثوري وإنما قال الثوري تلك الكلمة في جده سوار بن عبد الله كما في (التهذيب) . ومنها أنه حكى في صخر بن عبد الله بن حرملة الحجازي أن ابن عدي وابن حبان اتهمته بالوضع، وإنما اتهما صخر بن محمد، ويقال ابن عبد الله الحاجي المروزي، راجع (التهذيب) و(اللسان) . ومنها أنه حكى في جعفر ابن حبان أبي الشهب البصري كلامًا عن الأئمة قالوه في جعفر بن الحارث أبي الأشهب الواسطي. راجع (التهذيب) ومنها أنه ذكر معاوية بن هشام فقال: وقيل هو معاوية بن أبي العباس روى ما ليس من سماعه فتركوه. كذا قال ومعاوية بن هشام من الثقات لم يروما ليس من سماعه ولم يتركه أحد، وإنما روى مروان بن معاوية الفزاري عن معاوية ابن أبي العباس أحاديث عن شيوخ الثوري وهي معروفة من حديث الثوري فقال ابن نمير، وأخذه عنه أبو زرعة وغيره: إن معاوية بن أبي العباس رجل متروك كان جارًا للثوري فلما مات الثوري أخذ معاوية كتبه فرواها عن شيوخه فسمعوا منه، ثم فطنوا لصنيعه فافتضح وتركوه، وبقي مروان يروي عنه. ورأى بعض الحفاظ أن معاوية بن هشام روى تلك الأحاديث عن الثوري، فسمعها منه مروان ثم دلس مروان اسمه وأسقط الثوري من السند فدلس مروان «تدليس» تسوية بعد تدليسه الاسم، وهذا القول على وهنة كما بينته في تعليقي على (الموضح) لا يفيد أن معاوية بن هشام روى ما لم يسمع ولا أنهم تركوه بني على أنه ذكر في موضوعاته حديثًا رواه الطبراني قال: حدثنا أحمد حدثنا إسحاق بن وهب العلاف حدثنا بشر بن عبيد الفارسي » ثم قال ابن
[ ١ / ٤٣١ ]
ترجمة محمد بن زنبور
الجوزي «إسحاق كذاب » قال السيوطي في (اللآلي) ١ / ٢٠٦: «إنما الكذاب إسحاق بن وهب الطهرمسي فالتبس على المؤلف » يعني ابن الجوزي وصدق السيوطي، العلاف موثق وهو من شيوخ البخاري في (صحيحه) . والطهرمسي كذبوه إلى غير ذلك من أوهامه.
وأما الحاكم فأحسبه تبع ابن حبان، فان ابن حبان ذكر الحارث في (الضعفاء) وذكر ما أنكره من حديثه، والذي يستنكر من حديث الحارث حديثان: الأول رواه محمد بن زنبور المكي عن الحارث عن حميد، والثاني رواه ابن زنبور أيضًا عن الحارث عم جعفر بن محمد، فاستنكرها ابن حبان وكان عنده أن ابن زنبور ثقة فجعل الحمل على الحارث، وخالفه آخرون فجعلوا الحمل على ابن زنبور، قال مسلمة في ابن زنبور: «تكلم فيه لأنه روى عن الحارث بن عمير مناكير لا أصول لها وهو ثقة» وقال الحاكم أبو أحمد في ابن زنبور «ليس بالمتين عندهم تركه محمد بن إسحاق بن خزيمة» وهذا مما يدل على وهم ابن الجوزي.
وساق الخطيب في (الموضح) فصلًا في ابن زنبور فذكر أن الرواة عنه غيروا اسمه على سبعة أوجه وهذا يشعر بان الناس كانوا يستضعفونه لذلك كان الرواة عنه يدلسونه. وقال ابن حجر في ترجمة الحارث من (التهذيب): «قال ابن حبان كان ممن يروي عن الإثبات الأشياء الموضوعات لا أصل له» ثم ساقه ابن حجر بسنده إلى محمد بن أبي الأزهر عن الحارث. وكذلك ذكره السيوطي في (اللآلي المصنوعة) ج١ ص١١٨ وابن الأزهر هو ابن زنبور وأسند الخطيب في (الموضح) هذا الحديث في ترجمة ابن زنبور. ثم قال ابن حجر: «والذي يظهر لي أن العلة فيه ممن دون الحارث» يعني من ابن زنبور، وخالفهم جميعًا النسائي فوثق الحارث، ووثق ابن زنبور أيضًا وقال مرة: «ليس به بأس» .
قال المعلمي: لو كان لا بد من جرح أحد الرجلين لكان ابن زنبور أحق بالجرح، لأن عدالة الحارث أثبت جدًا وأقدم، ولكن التحقيق ما اقتضاه صنيع
[ ١ / ٤٣٢ ]
ذكر جماعة من الثقات مضعفون في شيوخ معينين
النسائي من توثيق الرجلين، ويحمل الإنكار في بعض حديث ابن زنبور عن الحارث على خطأ ابن زنبور، وقد قال فيه ابن حبان نفسه في (الثقات): «ربما أخطأ» . والظاهر أنه كان صغيرًا عند سماعه من الحارث كما يعلم من تأمل ترجمتها، وقد يقدم في ترجمة جرير، فكأن ابن زنبور في أوائل طلبه كتب أحاديث عن الحارث ثم سمع من رجل آخر أحاديث كتبها في تلك الورقة ولم يسم الشيخ، ثقة بأنه لن يلتبس عليه، ثم غفل عن ذاك الكتاب مدة ثم نظر فيه فظن أن تلك الأحاديث كلها مما سمعه من الحارث. وقد وثق الأئمة جماعة من الرواة ومع ذلك ضعفوهم فيما يروونه عن شيوخ معينين منهم عبد الكريم الجزري فيما يرويه عن عطاء، ومنهم عثمان بن غياث وعمرو بن أبي عمرو وداود ابن الحصين فيما يروونه عن عكرمة، ومنهم عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد، ومنهم هشيم فيما يرويه عن عكرمة، ومنهم عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد، ومنهم هشيم فيما يرويه عن الزهري، ومنهم ورقاء فيما يرويه عن منصور بن المعتز، ومنهم الوليد بن مسلم فيما يرويه عن مالك. فهكذا ينبغي مع توثقاه ابن زنبور تضعيفه فيما يرويه عن الحارث بن عمير.
فإن قيل: فأين أنت عما في (الميزان) «ابن حبان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمود بن غيلان أنبأنا أبو أسامة ثنا الحارث بن عمير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. قال العباس: لأعلمن ما بقاء رسول الله ﵌ فينا، فاتاه فقال يا رسول الله لو اتخذنا لك مكانًا تكلم الناس منه، قال بل اصبر عليهم ينازعوني ردائي ويطأون عقبي ويصيبني غبارهم حتى يكون الله هو يريحني منهم. رواه حماد بن زيد عن أيوب فأرسله أو أن ابن عباس قاله - شك» فهذا الحديث لا شأن لابن زنبور فيه، وليس في سنده من يتجه الحمل عليه غير الحارث.
قلت: ليس في هذا الحديث ما ينكر وقد رواه حماد بن زيد غير أنه شك في إسناده وقد قال يعقوب بن شيبة «حماد بن زيد أثبت من ابن سلمة وكلّ ثقة غير أن ابن زيد
[ ١ / ٤٣٣ ]
٦٩- حبيب بن أبي حبين كاتب مالك
٧٠- الحجاج بن أرطاة
معروف بأنه يقصر في الأسانيد ويوقف المرفوع، كثير الشك بتوقيه وكان جليلًا لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه» فأي مانع من أن يكون هذا مما قصر فيه حماد، حفظه الحارث، وقد كان حماد نفسه يثني على الحارث ويقدمه كما مر. فإن شدد مشدد فغاية الأمر أن يكون الخطأ في وصله، وهل الخطأ من الحارث أو ممن بعده؟ وعلى فرض أنه من الحارث فليس ذلك مما يوجب الجرح، ومثل هذا الخطأ وأظهر منه قد يقع للأكابر كما لك والثوري، والحكم المجمع عليه في ذلك أن من وقع منه ذلك قليلًا لم يضره بل يحتج به مطلقًا إلا فيما قامت الحجة على أنه أخطأ فيه، فالحارث بن عمير ثقة حتمًا. والحمد لله رب العالمين.
٦٩- حبيب بن أبي حبين كاتب مالك. في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٩٦) من طريق «الأبار حدثنا أبو الأزهر النيسابوري حدثنا حبيب كاتب مالك بن أنس عن مالك » . قال الأستاذ ص ١٠٦ يقول عنه داود: من أكذب الناس، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها موضوعة، وقال أحمد: ليس بثقة، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات» . أقول: اتفقوا على جرحه فلا معنى للرواية عنه ولو في المتابعات.
٧٠- الحجاج بن أرطاة. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٥ من طريق «حماد بن زيد يقول: سمعت الحجاج بن أرطاة يقول: من أبو حنيفة؟! » قال الأستاذ ص١٥٥: «من فقهاء الكوفة ومحدثيها ويتكلم النقاد في حديثه» .
أقول: ليس له هنا رواية إنما هو شيء من قوله، وحاصل كلامهم في حديثه أنه صدوق مدلس يروي بالمعنى، وقد لخص ذلك محمد بن نصر المروزي قال: «والغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ» فإذا صرح بالسماع فقد أمنا تدليسه وهو فقيه عارف لا يخشى من روايته بالمعنى لكن إذا خالفه في اللفظ ثقة يتحرى الرواية
باللفظ، وكان بين اللفظيين اختلاف ما في المعنى قدم فيما اختلافا فيه لفظ الثقة الآخر. فأما محل الحجاج في علمه فقال ابن عيينة: «سمعت
[ ١ / ٤٣٤ ]
٧١- الحجاج بن محمد الأعور
ابن أبي نجيح يقول: ما جاءنا منكم (يعني أهل الكوفة) مثله - يعني الحجاج بن أرطاة» وقال سفيان الثوري: «عليكم به فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه» وقال حماد بن زيد: «قدم علينا جرير بن حازم من المدينة فكان يقول: حدثنا قيس بن سعد عن الحجاج بن أرطاة، فلبثنا ما شاء الله ثم قدم علينا الحجاج ابن ثلاثين أو إحدى وثلاثين فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على بن أبي سليمان، رأيت عنده داود بن أبي هند ويونس بن عبيد ومطر الوراق جثاة على أرجلهم يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟» .
٧١- الحجاج بن محمد الأعور. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٥ من طريق سُنَيد بن داود حدثنا حجاج قال: سألت قيس بن الربيع عن أبي حنيفة قال: أنا أعلم الناس به » قال الأستاذ ص ١٢٦: «سنيد إنما روى عن الحجاج بعد أن اختلط اختلاطًا شديدًا، وقد رآه أهل العلم يلقن الحجاج فيتلقن منه، والملقن في السقوط عند أهل الفقه، وقال النسائي (في سنيد): «غير ثقة» .
أقول: أما سنيد فستأتي ترجمته، وأما الحجاج فمدار الكلام فيه على الاختلاط والتلقن وههنا مباحث:
الأول: هل اختلط حجاج؟ وإن كان اختلط فهل حدث بعد اختلاطه؟
قال ابن سعد: «كان قد تغير في آخر عمره حين رجع إلى بغداد» وقال إبراهيم الحربي: أخبرني صديق لي قال: لما قدم حجاج الأعور آخر قدمة إلى بغداد خلط فرأيت يحيى بن معين عنده فرآه يحيى خلط فقال لابنه: لا تدخل عليه أحدًا، قال: فلما كان بالعشي دخل الناس فأعطوه كتاب شعبة فقال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عيسى بن مريم عن خيثمة! فقال يحيى لابنه: قد قلت لك» فكلمة ابن سعد ليست بصريحة في الاختلاط لأن التغيير أعم من الاختلاط، وحكاية إبراهيم الحربي صريحة في الاختلاط لكن لا ندري من هو صديقه؟ وسكوت الحفاظ الأيقاظ كابن معين وأحمد وأبي خيثمة وكلهم بغداديون عن نقل اختلاط حجاج وبيان
[ ١ / ٤٣٥ ]
التحقيق في سماع سنيد بن داود من الحجاج
تاريخه وبيان من سمع منه فيه مع إطلاقهم توثيق حجاج وتوثيق كثيرين ممن روى عن حجاج يدل حتمًا على أحد أمرين: إما أن لا يكون حجاج اختلط، وإنما تغير تغيرًا يسيرًا لا يضر، وإما أن لا يكون سمع منه أحد في مدة اختلاطه، والثاني أقرب فكأن يحيى بن عشي ذاك اليوم في الوقت الذي جرت العادة بالدخول فيه على القادم للسماع منه خشية أن لا يعمل ابن حجاج بما أمره به، فوجد الأمر كذلك أذن لهم الابن فدخلوا ويحيى معهم قطعوا المجلس وحجبوا حجابًا حتى مات فلم يسمع منه أحد في الاختلاط. فلما وثق يحيى وبقية أهل العلم بذلك لم يروا ضرورة إلى أن يشيعوا اختلاط حجاج وبيان تاريخه، بل كانوا يوثقونه ويوثقون كثيرًا من الذين سمعوا منه
مطلقًا، لعلهم أن ما بأيدي الناس من روايته كله كان في حال تمام ضبطه. وفي ترجمة حجاج من (مقدمة الفتح): «أجمعوا إلى توثيقه وذكره أبو العرب الصقلي في (الضعفاء) بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط، لكن ما ضره الاختلاط فان إبراهيم الحربي حكى أن يحيى بن معين منع ابنه أن يدخل عليه بعد اختلاطه أحدًا» فأما قوله في (التهذيب): «وسيأتي في ترجمة سنيد بن داود عن الحلال » فستعلم ما فيه قريبًا.
المبحث الثاني متى سمع سنيد من الحجاج؟
روى الأثرم وهو ثقة عن الإمام أحمد انه قال: «سنيد لزم حجاجًا قديمًا، قد رأيت حجاجًا يملي عليه، وأرجوا، لا يكون حدث آلا بالصدق» وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: «رأيت سنيدا عند حجاج بن محمد وهو يسمع منه كتاب (الجامع لابن جريج) «وفيه» أخبرت عن الزهري. وأخبرت عن صفوان بن سليم. وغير ذلك. قال فجعل سنيد يقول لحجاج: يا أبا محمد قل: ابن جريج عن الزهري. وابن جريج عن صفوان بن سليم. قال فكان يقول له هكذا» قال عبد الله: «ولم
[ ١ / ٤٣٦ ]
يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج وذمة على ذلك قال أبي: وبعض تلك الأحاديث التي كان يرسلها ابن جرير أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي ممن آخذها» حكى هذا في (تهذيب التهذيب) ثم قال «وحكى الخلال عن الأثرم نحو ذلك ثم قال الخلال وروى (؟ ونرى) أن حجاجًا كان هذا منه في وقت تغيره، ويرى (؟ ونرى) أن أحاديث الناس عن حجاج صحاح إلا ما روى سنيد» . أقول: هذا حدس يرده نص الإمام أحمد كما تقدم، ومبنى هذا الحدس على توهم أن القصة ما يخدش في تثبيت حجاج، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان إذا قيل: ابن جريج عن فلان. يحمل عللا سماع ابن جريج من فلان، وليس الأمر كذلك لأن ابن جريج مشهور بالتدليس، فإذا قيل: ابن جريج عن الزهري. ولم يجيء بيان السماع من وجه آخر، فأنه لا يحكم بالاتصال، بل يبنى على أو هن الاحتمالين وهو أن بين ابن جريج وبين الزهري واسطة، وذلك لاشتهار ابن جريج بالتدليس، وعلى هذا فسيان قيل: ابن جريج أخبرت عن الزهري. و: ابن جريج عن الزهري. ولهذا قال الإمام أحمد: أرجو أن لا يكون حدث إلا بالصدق. وإنما ذكر في رواية عبد الله كراهيته لذلك لأنه رآه خلاف الكمال في الأمانة. وفي (الكفاية) ص١٨٧ من طريق «عبد الله بن أحمد قال: كان إذا مر بأبي لحن فاحش غيره، وإذا كان لحنًا سهلًا تركه، وقال: كذا قال الشيخ» فأنت ترى أحمد يمتنع من تغيير اللحن فما ظنك بما يقدم؟.
فإن قيل فما الحامل لسنيد على التماس ذلك من حجاج؟ قلت: طلب الاختصار والتزيين الصوري.
فتدبر ما تقدم يتبين لك أنه ليس في الحكاية ما يشعر بوهن في تثبيت حجاج حتى يقوي الحدس بأنها كانت في وقت تغيره، ويتضح لك أن ما تقدم من الدليل على أن حجاجًا لم يحدث في وقت تغيره هو على إطلاقه.
المبحث الثالث في التلقين:
[ ١ / ٤٣٧ ]
ثناء الأئمة على الحجاج
٧٢- حرب بن إسماعيل الكرماني السيرجاني
التلقين القادح في الملقن هو أن يوقع الشيخ في الكذب ولا يبين، فإن كان إنما فعل ذلك امتحانًا للشيخ وبين ذلك في المجلس لن يضره، وأما الشيخ فإن قبل التلقين وكثر ذلك منه فإنه يسقط. دخل حفص بن غياث ويحيى بن سعيد القطان على موسى بن دينار المكي فوجدا عنده أبا شيخ جارية بن هرم الفقيمي فجعل حفص يقول لموسى امتحانًا: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة بكذا؟ وحدثك القاسم بن محمد عن عائشة بكذا؟ وحدثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بكذا؟ ويذكر أحاديث قد علم أن موسى لم يسمعها ممن ذكر فأجابه موسى بالإثبات، وكان أبو شيخ مغفلًا فكتبها فلما فرغ حفص مد يده إلى ما منبه أبو شيخ فمحاه وبين له الواقع. راجع ترجمة موسى وجارية في (لسان الميزان) .
وما وقع من سنيد ليس بتلقين الكذب وإنما غايته أن يكون تلقينًا لتدليس التسوية، وتدليس التسوية أن يترك الراوي واسطة بعد شيخه كما يحكى عن الوليد بن مسلم أنه كان عنده أحاديث سمعها من الأوزاعي عن رجل عن الزهري، وأحاديث سمعها من الأوزاعي عن رجل عن نافع، فكان يقول فيها: حدثني الأوزاعي عن الزهري، وحدثني الأوزاعي عن نافع! وهذا تدليس قبيح، لكنه في قصة سنيد وحجاج لا محذور فيه لاشتهار ابن جريج بالتدليس كما مر.
وبذلك يتبين أن حجاجًا لم يتلقن غفلة ولا خيانة وإنما أجاب سنيدًا إلى ما التمسه لعلمه أنه لا محذور فيه، وكره أحمد ذلك لما تقدم.
ومن ثناء الأئمة على الحجاج: قال الإمام أحمد «ما كان اضبطه وأشد تعاهده للحروف» وقال المعلي الرازي «قد رأيت أصحاب ابن جريج ما رأيت فيهم أثبت من حجاج» وقال علي ابن المديني والنسائي «ثقة» وكذا وثقه مسلم والعجلي وابن قانع ومسلمة بن قاسم وغيرهم واحتج به الجماعة.
٧٢- حرب بن إسماعيل الكرماني السيرجاني. لم ينقم عليه الأستاذ رواية. ولكنه علم أنه من أصحاب الإمام أحمد، فتناوله من بعد يسر حسوًا في ارتغاء! قال
[ ١ / ٤٣٨ ]
٧٣- الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان أبو علي بن أبي بكر
ص ١١٥ في ابن أبي حاتم «أفسده حرب بن إسماعيل السيرجاني في المعتقد حتى أصبح ينطوي على العداء لمتكلمي أهل الحق» .
وقال السها يا شمس أنت خفية وقال الدجى يا صبح لونك حائل
وقد أفردت المعتقد بقسم. وحرب من ثقات أصحاب أحمد لم يتكلم فيه أحد (١) .
٧٣- الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان أبو علي بن أبي بكر. في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٩٩) «أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا حامد بن محمد الهروي » قال الأستاذ ص ١١٣ «يقول عنه الخطيب: إنه كان يشرب النبيذ» .
أقول: قال الخطيب ج ٧ ص ٢٧٩ «كتبنا عنه وكان صدوقًا صحيح الكتاب وكان يفهم الكلام على مذهب الأشعري وكان مشتهرًا بشرب النبيذ إلى أن تركه بأخرة كتب عنه جماعة من شيوخنا كأبي بكر البرقاني سمعت أبا الحسن بن رزقويه يقول أبو علي ابن شاذان من أوثق من برأ الله في الحديث، وسماعي منه أحب إلي من السماع من غيره، أو كما قال» . فسماع البرقاني وغيره منه يدل انه كان على مذهب العراقيين في الترخيص في النبيذ ومثل ذلك لا يجرح به اتفاقًا، ومع ذلك فقد ترك ذلك بأخرة وسماع الخطيب منه متأخر، وغالب السماع أو جمعية في ذاك العصر من الكتب، وقد قال الخطيب: «كان صدوقًا صحيح الكتاب» . (٢)
_________________
(١) حديث بن عبد الرحمن أبو عمرو، يأتي مع محمود بن إسحاق.
(٢) أقول: من المعروف عن أبي حنيفة ﵀ أنه كان يرخص في شرب النبيذ، فيكون هو سلف أبي علي في ذلك فكيف يجعل الكوثري ذلك طعنًا في أبي علي، ثم ينسى أنه يصيب به إمامه؟ ! ن
[ ١ / ٤٣٩ ]
٧٤- الحسن بن الحسين بن العباس بن دوما النعالي
٧٤- الحسن بن الحسين بن العباس بن دوما النعَّالي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٤: «أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم حدثنا أحمد ابن علي الأبار حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن أبيه قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء. أخبرنا ابن رزق أخبرنا جعفر الخلدي حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد » بمثله وزاد فيه «فأبيت» قال الأستاذ ص ٤٦: «النعالي هو ابن دوما المزور، قال عنه الخطيب نفسه: أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم يكن عليها سماعه فكيف تكون رواية مثله في عداد المحفوظ عند النقلة؟ هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب، وكأن الخطيب استشعر تداعي هذا السند حتى ساق شاهدًا فيه ابن رزق والحضرمي، ولكن نعترف للخطيب ونقول له: قد يصدق الكذوب، ولا مانع من أن يكون أبو حنفية داعيا إلى الإرجاء الذي سبق» .
أقول: ابن رزق هو محمد بن أحمد بن رزق ثقة تأتي ترجمته، والحضرمي حافظ جليل تأتي ترجمته، فالسند الثاني لا غبار عليه، وإذا كان المتن محفوظًا بسند صحيح لم يزده سوقه مع ذلك بسند فيه مقال إلا تأكيدا على أن المقال في ابن دوما لا يضر ههنا، فإن كان الخطيب إنما يروي بذاك السند ما يأخذه من مصنف الأبار والعمدة في ذلك على أن تكون النسخة موثوقًا بها كما لو روى أحدنا بسند له من طريق البخاري مطعون فيه، وقد شرحت هذا في (الطليعة) وغيرها، والأبار هو الحافظ أحمد بن علي بن مسلم تقدمت ترجمته، والخطيب معروف بشدة التثبيت بل قد يبلغ به الأمر إلى التعنت فلم يكن ليروي عن مصنف الأبار إلا عن نسخة موثوق بها بعد معرفته صحة سماع ابن دوما. وفوق ذلك فالطعن في ابن دوما فيه نظر، ذكره الخطيب فقال «كان كثير السماع إلا أنه أفسد نفسه » العبارة التي حكاها الأستاذ، ثم قال الخطيب: «وذكرت للصوري جزءا من حديث الشافعي حدثنا ابن دوما فقال لي: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء وفيه سماع ابن دوما الأكبر وليس فيه سماع أبي علي ثم سمع أبو علي فيه لنفسه وألحق اسمه مع اسم أخيه» فمن الجائز
[ ١ / ٤٤٠ ]
٧٥- الحسن بن الربيع أبو علي البجلي الكوفي
أنهم كانوا يحضرونه مع أخيه ولم يكتبوا إسماعه لصغره فرأى أنه كان مميزًا وأن له الحق الرواية بذلك، فإن كان كتب سماعه في المجلس فهذا تدليس قبيح قد يكون استجازه بناء على ما يقوله الفقهاء في مسألة الظفر ونحوها بعلة أنه لا يصل إلى حقه إلا بذلك. وعلى كل حال فكما أن الخطيب لم يرو عنه الجزء الذي ذكره من حديث أبي بكر الشافعي فكذلك لم يرو عنه الخطيب شيئا إلا مما ثبت عنده صحة سماعه له مع الوثوق بالنسخة.
٧٥- الحسن بن الربيع أبو علي البجلي الكوفي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٤ من طريق «أبي بكر العين عن الحسن بن الربيع قال: ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة» قال الأستاذ ص ١٥١: «يقول فيه ابن معين: لو كان يتقي الله لم يكن يحدث بالمغازي، ما كان يحسن يقرؤها. ومع ذلك لفظه لفظ انقطاع» .
أقول: لم تصح هذه الكلمة عن ابن معين، راجع (الطليعة) ص ٧٨، ولذلك لم تذكر في (التهذيب) ولا ذكر الحسن في (الميزان) ولا ذكر ابن حجر في (مقدمة الفتح) فيمن فيه كلام من رجال البخاري، ومع ذلك فقد أجاب عنها الخطيب. وفي (التهذيب): قال ابن شاهين في (الثقات): قال عثمان بن أبي شيبة: «الحسن بن الربيع صدوق وليس بحجة» وهذه الحكاية منقطعة فيما يحكيه في (ثقاته) عمن لم يدركه. وعثمان على قلة كلامه في الرجال يتعنت وكلمة «ليس بحجة» لا تنافي الثقة فقد قال عثمان نفسه في أحمد بن عبد الله بن يونس الثقة المأمون: «ثقة وليس بحجة» وراجع (فتح المغيث) ص ١٥٧. والحسن قد وثقه الناس قال أبو حاتم تشدده: «كان من أوثق أصحاب ابن إدريس» وقال العجلي: «كوفي ثقة صالح متعبد» وقال ابن خراش: «موفي ثقة» وروى عنه البخاري ومسلم في (الصحيحين) وأبو داود في (السنن) وهو لا يروي إلا عن ثقة كما مر في ترجمة أحمد
[ ١ / ٤٤١ ]
٧٦- الحسن بن الصباح أبو علي البزار الواسطي
٧٧- الحسن بن علي بن محمد الحلواني نزيل مكة
بن سعد بن أبي مريم، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ وأخرج له بقية الستة بواسطة، وقال ابن حبان في (الثقات): «هو الذي غمض ابن المبارك ودفنه» وليس بمدلس، فقوله: «ضرب ابن المبارك» محكوم له بالاتصال كما سلف في القواعد (١) .
٧٦- الحسن بن الصباح أبو علي البزار الواسطي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٦ من طريق «يعقوب بن سفيان حدثني الحسن بن الصباح حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني » .
قال الأستاذ ص ١٠٥: «ليس بقوي عند النسائي» .
أقول: عبارة النسائي: «ليس بالقوي» وبين العبارتين فرق لا أراه يخفي على الأستاذ ولا على عارف بالعربية، فكلمة «ليس بقوي» تنفي القوة مطلقًا وأن لم تثبت الضعف مطلقًا، وكلمة «ليس بالقوي» إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة، والنسائي يراعي هذا الفرق فقد قال هذه الكلمة في جماعة أقوياء منهم عبد ربه بن نافع وعبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل فبين ابن حجر في ترجمتيها من (مقدمة الفتح) أن المقصود بذلك أنهما ليسا في درجة الأكابر من أقراهما، وقال في ترجمة الحسن بن الصباح:
«وثقه أحمد وأبو حاتم، وقال النسائي: صالح، وقال في الكنى: ليس بالقوي. قلت: هذا تليين هين، وقد روى عنه البخاري وأصحاب (السنن) إلا ابن ماجة ولم يكثر عنه البخاري» .
٧٧- الحسن بن علي بن محمد الحلواني نزيل مكة. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٨ من طريق «الأبار حدثنا الحسن بن علي ابن توبة » قال الأستاذ ص ١٠٩: «لم يكن أحمد يحمده كما ذكره الخطيب» .
أقول: إنما لم يحمده أحمد لأنه بلغه عنه أنه مع قوله (٠ القرآن كلام الله غير مخلوق ما نعرف غير هذا» أمتنع من إطلاق الكفر على القائلين بخلق القرآن فكأن أحمد
_________________
(١) الحسن بن زياد اللؤلؤي، يأتي في ترجمة محمد بن سعد العوفي.
[ ١ / ٤٤٢ ]
٧٨- الحسن بن علي بن محمد أبو علي المذهب التميمي
رأى أن امتناع العالم في ذاك العصر من إطلاق الكفر عليهم يكون ذريعة لانتشار تلك البدعة التي جَدَّ أهلها والدولة معهم في نشرها وحمل الناس عليها، ولعل الحلواني لم ينتبه لهذا، وعارض ذلك عنده ما يراه مفسدة أعظم. فأما قول أحمد: «لا أعرفه بطلب الحديث ولا رأيته يطلبه» فحق وصدق، أحمد في بلد والحلواني في بلد آخر، وقد قال يحيى القطان في عبد الواحد بن زياد: «ما رأيته طلب حديثًا قط» ولم يعدوا هذا تضعيفًا، والحلواني قال فيه يعقوب بن شيبة: «كان ثقة ثبتًا» وقال النسائي: «ثقة» وقال الترمذي: «كان حافظًا) . وروى عنه البخاري ومسلم في (صحيحهما) وأبو داود مع أنه لا يروي إلا عن ثقة ومع شدة متابعة لأحمد (١) .
٧٨- الحسن بن علي بن محمد أبو علي المذهب التميمي. له ذكر في ترجمة الخطيب وتكلم فيه الأستاذ في موضع آخر، وحاصل الكلام أن الخطيب قال في (التاريخ) ج ٧ ص٣٩٠: «كان يروي عن ابن مالك القطيعي (مسند أحمد بن حنبل) بأسره، وكان سماعه صحيحًا إلا لأجزاء منه فانه ألحق اسمه فيها وكذلك فعل في أجزاء من (فوائد ابن مالك) . وكان يروي عن ابن مالك أيضًا كتاب (الزاهد) لأحمد بن حنبل ولم يكن له به أصل عتيق وإنما كانت النسخة بخطه كتبها باخرة. وليس بمحل للحجة. حدثنا ابن المذهب ثنا ابن مالك وأبو سعيد الحرقي قالا ثنا أبو شعيب الحراني ثنا البابلتي وجميع ما كان عند ابن مالك عن أبي شعيب جزء واحد وليس هذا الحديث فيه. حدثني ابن المذهب حدثنا محمد بن إسماعيل الوراق وعلي بن عمر والحافظ وأبو عمر بن مهدي قالوا حدثنا الحسين بن إسماعيل فأنكرته عليه وأعلمته أن هذا الحديث لم يكن عند أبي عمر بن
_________________
(١) قلت: وأورده الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ٢ / ٩٤ ووصفه ب «الإمام محدث مكة.. ورحل إلى عبد الرزاق فأكثر وصنف وتعب في هذا العلم، قال إبراهيم بن أرومة: بقي اليوم في الدنيا ثلاثة: الدهلي بخراسان، وابن الفرات بأصبهان، والحلواني بمكة» . ن
[ ١ / ٤٤٣ ]
مهدي فأخذ القلم وضرب على اسم ابن مهدي؛ وكان كثيرًا يعرض عليّ أحاديث في أسانيدها أسماء قوم غير منسوبين ويسألني عنهم فاذكر له أنسابهم، فليحقها في تلك الأحاديث ويزيدها في أصوله موصولة بالأسماء، وكنت أنكر عليه هذا الفعل فلا يثني عنه» .
أقول: أما الأمر الأول، وهو إلحاق السماع فأجاب ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ١٥٥ بقوله «هذا لا يوجب القدح لأنه إذا تبين سماعه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطه؛ والعجب من عوام المحدثين كيف يجيزون قول الرجل أخبرني فلان ويمنعون أن يكتب سماعه بخط نفسه أو إلحاق سماعه بما يتقنه» .
أقول: جرت عادتهم بكتابة السماع وأسماء السامعين في كل مجلس فمن لم يسمع له في بعض المجالس دل ذلك على أنه فاته فلم يسمعه، فإذا أدعى بعد ذلك سمعه أنه ارتابوا فيه لأنه خلاف الظاهر فإذا زاد فألحق اسمه أو تسمعيه بخط كاتب التسميع الأول قالوا: زوَّر. والظاهر أن هذا لم يقع من ابن المذهب، ولو كان وقع لبالغ الخطيب في التشنيع، وإنما ألحق ما ألحق بخطه الواضح، ولا ريب أن من استيقن أنه سمع جاز له أن يخبر أو يكتب أنه سمع، وأن من تثبيت عدالته وأمانته ثم ادعى سماعًا ولا معارض له، أو يعارضه ما مر ولكن له عذر قريب كأن يقول فاتني أولًا ذلك المجلس وكان الشيخ يعتني بي فأعاده لي وحدي ولم يحضر كاتب التسميع، فإنه يقبل منه، ولعل هذا هو الواقع، فقد دل اعتماد الخطيب عليه في كتاب (الزهد) كما يأتي واقتصاره في الحكم على قوله «ليس بمحل للحجة» أنه كان عنده صدوقًا، وذكر ابن نقطة كما في (الميزان) أن مسندي فضالة ابن عبيد وعوف بن مالك وأحاديث من مسند جابر لم تكن في كتاب ابن المذهب وهي ثابتة في رواية غيره عن شيخه قال: «ولو كان يلحق اسمه كما زعم الخطيب لألحق ما ذكرناه» يعني لو كان يلحق اسمه فيما لم يسمع، والخطيب لم يقل ذلك، وإنما أطلق أنه الحق اسمه لأن ثبوت السماع بمجرد الدعوى مع الصدق ليس في درجة ثبوته بالبينة، وقد قال الخطيب في (الكفاية) ص ١٠٩ «ومذاهب النقاد
[ ١ / ٤٤٤ ]
للرجال غامضة دقيقة وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره رجاء إن كان الراوي حيا أن يحمله ذلك على التحفظ وإن كان ميتًا أن ينزله من ينقل عنه منزلته فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز » وقال شجاع الذهلي: «كان شيخًا عسرًا في الرواية وسمع الكثير ولم يكن ممن يعتمد عليه في الرواية كأنه خلط في شيء من سماعه» وقال السلفي: «كان مع عسره متكلمًا فيه » والعسر في الرواية هو الذي يمتنع من تحديث الناس إلا بعد الجهد وهذه الصفة تنافي التزيّد ودعوى سماع ما لم يسمع، إنما يدعي سماع ما لم يسمع من شهو ة شديدة في ازدحام الناس عليه وتكاثرهم حوله، ومن كان هكذا كان من شأنه أن يتعرض للناس يدعوهم إلى السماع منه ويرغبهم في ذلك، فأما من يأبى التحديث بما سمع إلا بعد جهد فأي داع له إلى التزيّد؟
وأما الأمر الثاني وهو قضية كتاب (الزهد) فقد قال السلفي عقب ما مر عنه «حدث بكتاب الزهد بعد ما عدم أصله من غير أصله» فدل هذا على أنه كان لابن المذهب أصل بكتاب (الزهد) ولكن عدمه وبقيت عنده نسخة بخطه فلعله كان قد عارضها بأصله أو أصل آخر علم مطابقته لأصله. ويقوي ذلك أن الخطيب نفسه سمع منه كتاب (الزهد) وروى منه أشياء.
وأما الأمر الثالث وهو قول الخطيب «وليس بمحل للحجة» فحاصله أنها لا تقوم الحجة بما يتفرد به، وهذا لا يدفع أن يعتمد عليه في الرواية عنه من مصنف معروف: (المسند) و(الزهد) وسيأتي في ترجمة عبد العزيز بن الحارث طعنهم فيه وتشنيعهم عليه وتشهيرهم به بسبب حديثين نسبهما إلى (المسند) وهم يرون أنهما ليسا منه، ولم يغمزوا ابن المذهب بشيء ما من هذا القبيل، وذلك يدل أوضح دلالة على علمهم بمطابقة نسختيه اللتين كان يروي منهما (المسند) و(الزهد) لسائر النسخ الصحيحة فالكلام فيه وفي شيخه لا يقتضي أدنى خدش في صحة (المسند) و(الزهد)، فليخسأ أعداء السنة.
[ ١ / ٤٤٥ ]
٧٩- الحسن بن الفضل البوصرائي
وأما الخبران اللذان ذكرهما الخطيب، فالذي يظهر لي أن ابن المذهب كان يتعاطى التخريج من أصول بعض الأحاديث فيكتب الحديث من طريق شيخ من شيوخه ثم يتصفح أصوله فإذا وجد ذاك الحديث قد سمعه من شيخ آخر بذاك السند كتب اسم ذاك الشيخ مع اسم الشيخ الأول في تخريجه وهكذا وهذا الصنيع مظنة للغلط كان يريد أن يكتب اسم الشيخ على حديث فيخطئ فيكتبه على حديث آخر، أو يرى السند متفقًا فيتوهم أن المتن متفق، وإنما هو متن آخر، وأشباه ذلك وقد قال ابن معين «من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح» وقال يعقوب بن سفيان في سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي «كان صحيح الكتاب إلا أنه كان يحول، فإن وقع فيه شيء فمن النقل وسليمان ثقة» والمراد بأصناف حماد وتحويل سليمان نحو ما ذكرت من التخريج، وكأن ابن المذهب شعر بهذا من نفسه ولذلك ضرب على الاسم.
وأما إلحاقه ما كان يذكر له الخطيب من أساب غير المنسوبين فتساهل لا يوجب الجرح ولكنه يدل على أن ابن المذهب لم يكن بمتقن وأنه كان فيه سلامة وحسن ظن بالخطيب ومعرفته، ولا نشك أن الخطيب لم يكن يذكر له من الأنساب إلا ما يستفتيه فالخطب إن شاء الله تعالى سهل؛ وعلى كل حال فلم ينصف ابن الجوزي إذ ينقم على الخطيب ما ذكره في ابن المذهب، ويزعم أن هذه الأمور كلها ليس فيها ما يستحق الذكر في ترجمة الراوي وأن الخطيب إنما جرى على عادة عوام المحدثين يجرحون بما ليس بجرح مع ميل من الخطيب على الحنابلة؛ كذا قال! فهو لا يتهم الخطيب فيما حكاه، وإنما يتهمه في اعتداده بهذه الأمور.
ومن عرف وأنصف علم أن الخطيب لم يخرج عن طريق أئمة النقاد، وأنه مع ذلك لم يعتد بهذه الأمور مسقطًا للرواية البتة، وإنما قال «ليس بمحل للحجة» وقد قدمت ما يبين ذلك ويهو نه. والله المستعان.
٧٩- الحسن بن الفضل البوصرائي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٧: «أخبرنا البرقاني أخبرنا محمد بن الحسن السراجي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم
[ ١ / ٤٤٦ ]
٨٠- الحسين بن أحمد الهروي الصفار
الراوي حدثني أبي قال: سمعت محمد بن كثير العبدي يقول » فذكر حكاية ثم أردف ذلك بقوله «أخبرنا محمد ابن الحسين بن محمد المتوثي أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار حدثنا الحسن ابن الفضل البوصرائي قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي » فذكر نحوه. قال الأستاذ ص ١٦١ «قال ابن المنادي: أكثر الناس عنه ثم انكشف أمره فتركوه وخرقوا حديثه؛ قاله الذهبي، ومثله في كتاب الخطيب نفسه، وهكذا المحفوظ عنده» .
أقول: قد روى عن البوصرائي جماعة من الأكابر كابن صامد والصفار، وكلام ابن المنادي غير مفسر، وقد كانوا ربما يغضبون على التحدث، ويخرقون حديثه لغير موجب كما مر في (الطليعة) ص ٤٩ وكما تراه في ترجمة محمد بن بشر الزنبري من (لسان الميزان) والحكاية ثابتة بالسند الأول عن ابن حاتم، وقد أتثبتها في كتابة (الجرح والتعديل)، وفي المعنى المقصود منها روايات أخرى كثيرة وبذلك يثبت أنه هو المحفوظ، فأما رواية البوصرائي فان لم تؤكد ذلك لم توهنه، فلا وجه لقول الأستاذ: «هكذا المحفوظ عنده» .
٨٠- الحسين بن أحمد الهروي الصفار. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٢٣: «أخبرنا محمد بن عمير بن بكير المقرئ أخبرنا الحسين بن أحمد الهروي الصفار » قال الأستاذ ص١٧٠: «قال البرقاني عندي عنه رزمة ولا أخرج عنه في الصحيح حرفًا واحدًا، سمع من أبي القاسم البغوي ثلاثة أحاديث أو أربعة أحاديث، ثم حدث عنه بشيء كثير، كتبت عنه ثم بان لي أنه ليس بحجة. وقال الحاكم: كذاب لا يشتغل به، فبرئت بذلك ذمة الثوري من مثل تلك الكلمة الساقطة وركبت على أكتاف الخطيب الذي يعلم كل ذلك» .
أقول: الهروي هذا له مستخرج على (صحيح مسلم) وروايته عن البغوي ما لم يسمعه منه قد تكون عملًا بالإجازة أو إعلام الشيخ، وعبارة البرقاني إنما فيها أن الرجل ليس بحجة ولا يخرج عنه في الصحيح وهذا يشعر بأنه يروى عنه في غير الصحيح للاعتبار، فأما قول الحاكم «كذاب» فبناها على ظاهر روايته عن البغوي
[ ١ / ٤٤٧ ]
٨١- الحسين بن إدريس الهروي
ما لم يسمعه منه وقد مر ما في ذلك، ثم قال الحاكم: « انصرف الرجل من الحج ورفض الحشمة وحدث بالمناكير» والتحديث بالمناكير إنما يضره إذا كانت النكارة من جهته، والمقصود هنا أنه لا يثبت بما ذكر تعمد الهروي للكذب المسقط وهو على ما اقتضاه كلام البرقاني ممن يكتب حديثه ويروى عنه للاعتبار، وتلك الكلمة التي في حكايته توجد لها في الترجمة عند الخطيب عدة أخوات عن الثوري توافقها في المعنى الذي ادعاه الخطيب بقوله «والمحفوظ » أقربها إليها حكايتان قبلها عن أبي عاصم عن الثوري، وأبو عاصم هذا هو النبيل الثقة المأمون، وحاول الأستاذ أن يجعله العباداني المجروح كما شرحته في (الطليعة) ص ٢٩- ٣٠.
٨١- الحسين بن إدريس الهروي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٨: «أخبرنا البرقاني أخبرنا محمد بن عبد الله بن خميرويه أخبرنا الحسين بن إدريس قال: قال ابن عمار » قال الأستاذ ص ١٣٣ «يقول عنه ابن أبي حاتم بعد أن ذكر له أحاديث باطلة: لا أدري البلاء منه أم من خالد بن هياج. والهروي وخالد مذكوران في (ثقات ابن حبان) جهلًا منه بحالههما وتساهله في التوثيق مردود عند أهل النقد» .
أقول: الحسين بن إدريس يروي عن سعيد بن منصور وعثمان بن أبي شيبة وداود بن رشيد وهشام بن عمار - وابن عمار وهو محمد بن عبد الله بن عمار - وخلق منهم خالد بن هياج.
وخالد بن هياج يروي عن جماعة منهم أبوه هياج بن بسطام، وهياج قال فيه الإمام أحمد «متروك الحديث» وقال يحيى بن معين: «ضعيف الحديث ليس بشيء» وقال أبو داود: «تركوا حديثه» وألان أبو حاتم القول فيه قال: «يكتب حديثه ولا يحتج به» . وخالد ابن هياج يروي عن أبيه مناكير كثيرة روى عنه الحسين بن إدريس عدة منها، فتلك الأحاديث التي أنكرها ابن أبي حاتم يجوز أن يكون البلاء فيها من هياج ويبرأ منها خالد والحسين، ويجوز أن تكون من خالد ويبرأ منها هياج والحسين، ويجوز أن تكون من الحسين ويبرأ منها هياج وخالد، فأما ابن أبي
[ ١ / ٤٤٨ ]
حاتم فيمن هو عنده عن أبيه أن هياجًا «يكتب حديثه ولا يحتج به» وهذه الكلمة يقولها أبو حاتم فيمن هو عنده صدوق ليس بحافظ يحدث بما لا يتقن حفظه فيغلظ ويضطرب كما صرح بذلك في ترجمة إبراهيم بن المهاجر. فرأي ابن أبي حاتم أن تلك المناكير التي رآها فيما كتب به إليه الحسين لا يحتملها هياج، ولم يكن يعرف خالدًا ولا الحسين فجعل الآمر دائرًا بينهما. ومقتضى كلام الأمام أحمد ويحيى ابن معين وأبي غير خالد من الثقات عن هياج، وما رواه خالد عن الثقات غير هياج، وما رواه الحسين عن الثقات غير خالد م وبذلك يتبين الحال، لذا وجدنا غير خالد من الثقات قد رووا عن هياج مناكير يتجه الحمل عليه، ووجدنا خالدا قد روى عن غير هياج من الثقات أحاديث عديدة كلها مستقيمة، ووجدنا الحسين قد روى عن الثقات غير خالد أحاديث كثيرة كلها مستقيمة، وسقط هياج وبرئ خالد والحسين، وهذا هو الذي تبين لابن حبان فذكر هياجًا في (الضعفاء) وقال: «كان مرجئًا يروي الموضوعات عن الثقات»، وذكر خالدًا في (الثقات) وكذلك ذكر الحسين وقال: «كان ركنًا من أركان السنة في بلده» واخرج له في (صحيحه) وقد عرفه حق المعرفة، وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حق المعرفة من اثبت التوثيق كما يأتي في ترجمة ابن حبان (١) وقد وافقه غيره على توثيق الحسين فوثقه الدارقطني. وقال ابن مأكولا: «كان من الحفاظ المكثرين» وقال ابن عساكر عقب كلمة ابن أبي حاتم: «البلاء في الأحاديث المذكورة من خالد بلا شك» فإما أن يكون ابن عساكر يبرئ هياجًا أيضًا ويجعل الحمل على خالد كما فعل الحاكم ويحيى بن أحمد بن زياد الهروي، وإما أن يكون مراده تبرئة الحسين ويكون الأمر دائرًا بين وهياج، فالحسين ثقة اتفاقًا، وأما خالد والهياج فالأشبه صنيع ابن حبان فإن كبار الأئمة طعنوا في هياج كما مر، وفي ترجمة من (الميزان) أحاديث انتقدت عليه رواها غير خالد عنه ولم يذكروا لخالد شيئًا من
_________________
(١) انظر ترجمة «محمد بن حبان» .
[ ١ / ٤٤٩ ]
٨٢- الحسين بن حميد بن الربيع
المناكير رواه عن غير هياج. والمقصود هنا بيان حال الحسين وقد اتضح بحمد الله تعالى أنه ثقة.
٨٢- الحسين بن حميد بن الربيع. ذكر الأستاذ ص ١٢٢: محمدًا ولد الحسين هذا فقال: «الكذاب ابن الكذاب وقد قال مطين أن محمد بن الحسين هذا كذاب ابن كذاب، واقره ابن عقدة، ثم اقر ابن عدي وأبو أحمد الحاكم ابن عقدة في ذلك» .
أقول: الحكاية عن مطين تفرد بها أحمد بن سعيد بن عقدة، وقد تقدم في ترجمة أنه ليس بعمدة، لكن ابن عدي قوى الحكاية فيما يتعلق بالحسين بقوله: «سمعت عبدان يقول سمعت حسين بن حميد بن الربيع يقول: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يتكلم في يحيى بن معين يقول: من أين له حديث حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: من أقال نادمًا عثرته. هو ذا كتب حفص بن غياث عندنا، وكتب ابنه عمر بن حفص ليس فيها من ذا شيء» وقال ابن عدي: «هذه الحكاية لم يحكها عن أبي بكر غير حسين هذا، وهو متهم فيها، ويحيى أجل من أن فيه مثل هذا، وهذا الحديث قد رواه زكريا بن عدي عن حفص بن غياث » ثم ذكر أنه قد رواه عن الأعمش أيضًا مالك بن سعير (١) ثم قال: «الحسين متهم عندي كما قال مطين» .
أقول: كلمة مطين لم تثبت، وقد كان يحيى بن معين ينتقد على الرواة ما يراهم تفردوا به، وربما شدد فلعله بلغ أبا بكر بعض ذلك فرآه تشديدًا في غير محله فذكر ما حكاه الحسين عنه يريد انه كما تفرد يحيى بهذا وليس ليحيى أن يشدد في مثل ذلك على من عرفت ثقته وأمانته؛ وعلى هذا لا يكون المقصود الطعن في يحيى كما فهمه الحسين وابن عدي، وبنى عليه ابن عدي استنكار الحكاية واتهام الحسين، لكن ابن
_________________
(١) في (اللسان) «قد رواه الأعمش أيضًا عن مالك بن سعير» خطأ.
[ ١ / ٤٥٠ ]
٨٣- الحسين بن عبد الأول
عدي علم أن يحيى تكلم في حميد ابن الربيع كلامًا شديدًا، قال مرة: «أخزى الله ذاك ومن يسأل عنه» وقال أخرى: «أو يكتب عن ذاك؟ ! خبيث غير ثقة ولا مأمون يشرب الخمر ويأخذ دراهم الناس ويكابرهم عليها حتى يصالحوه» فوقع في نفس ابن عدي أن الحسين أراد الانتقام لأبيه من يحيى. وأقول: هذا وحده لا يوجب اتهام الحسين باختلاق الحكاية، بل يكفي اتهامه بأنه أبرزها في ذاك المعرض «يتكلم في يحيى بن معين» وليس هذا بالكذب المسقط على أنه قد يكون فهم ذلك ولم يتنبه لمقصود أبي بكر، والحسين مكثر، عارف قال الخطيب: «روى عن أبي نعيم ومسلم بن إبراهيم ومحمد بن طريف البجلي وأحمد بن يونس وغيرهم وكان فهمًا عرفًا له كتاب مصنف في التاريخ» . فإذا كانت هذه حاله ولم ينكر عليه شيء إلا تلك الحكاية، فلا أرى اتهامه بالكذب لأجلها إلا ظلمًا. والله أعلم.
٨٣- الحسين بن عبد الأول. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٩ من طريقة «أخبرني إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: هو قول أبي حنيفة: القرآن مخلوق» . قال الأستاذ ص ٥٦: «قال أبو زرعة: لا أحدث عنه. وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه. وقال الذهبي: كذبه ابن معين» .
أقول: ذكر الخطيب هذه الحكاية في إثناء الروايات عن أبي حنيفة في تلك المسألة فذكر أولا: روايات تبرئ أبا حنيفة عن تلك المقالة ثم قال: «ذكر الروايات عمن حكى عن أبي حنيفة القول بخلق القرآن » فساق روايات هذه واحدة منها فلم يعتمد الخطيب على رواية الحسين هذه، ولا جزم بما تضمنته هي والروايات القوية التي معها، بل قدم الروايات في نفي ذلك على أن نسبة إسماعيل هذه المقالة إلى جده مشهورة انظر ترجمته في (تاريخ بغداد) و(لسان الميزان) . والأستاذ وإن طعن في الراوي فإنه يثبت المروي ويتبجح به.
٨٤- الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي. قال الأستاذ ص ١٨٤: «متكلم فيه» .
[ ١ / ٤٥١ ]
٨٥- حماد بن سلمة بن دينار
أقول: تكلموا فيه لخوضه في طرف من الكلام واستخفافه بالإمام أحمد بن حنبل كما مر في ترجمة الخطيب، وأما الرواية فلم أر من غمزه فيها بل قال ابن حبان في (الثقات): «كان ممن جمع وصنف ممن يحسن الفقه والحديث، أفسده قلة عقله» . (١) (٢)
٨٥- حماد بن سلمة بن دينار. في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٩٠) عنه «أبو حنيفة هذا يستقبل السنة يردها برأيه» وفيه (١٣/٤٠٦) من طريق فهد بن عوف «سمعت حماد بن سلمه يكني أبا حنيفة أبا جيفة» قال الأستاذ ص ٩١ «حماد بن سلمة ليس ممن يفرق بين من يأخذ بالسنة ومن يردها، وهو راوي تلك الطامات في الصفات منها رؤية الله في صورة شاب ومثله يجب أن يسكت عن الأئمة حتى يسكت الناس عن تخليطه، وقال ص ١٣٩ «يروي تلك الطامات المدونة في كتب (الموضوعات) وقد أدخل في كتبه ربيباه ما شاء من المخازي كما قال ابن الجوزي، وتحاماه البخاري ولم يذكر مسلم من أحاديثه إلا ما سلم من التخليط من رواياته قبل أن يختلط، وكان المسكين على براعته في العربية وصيته الطيب مبدأ أمره، ساءت سمعته وأصبح أداة صماء بأيدي الحشوية في أواخر عمره »
أقول: الكلام في حماد يعود إلى أربعة أوجه:
الأول: أنه سيئ الحفظ يغلط. وهذا قد ذكره الأئمة، إلا أنهم خصوه بما يرويه عن غير ثابت وحميد واتفق أئمة عصرهم على أنه اثبت الناس في ثابت، وقال أحمد «أثبتهم في ثابت حماد بن سلمة» وقال أيضًا: «حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد وأصح حديثًا» .
وقال في موضع آخر: «هو أثبت الناس في حميد الطويل » وقال ابن معين: «من خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد»، وقال أيضًا من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن
_________________
(١) حسين بن محمد بن أيوب الذارع. أنظر ترجمة عبد الله بن محمد العتكي.
(٢) حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي. مر في ترجمة أبيه.
[ ١ / ٤٥٢ ]
سمع منه نسخًا فهو صحيح» يعني أن الخطأ كان يعرض له عندما يحول من أصوله إلى مصنفاته التي يجمع فيها من هنا وهنا، فأما النسخ فصحاح، وقال علي ابن المديني: «لم يكن في أصحاب ثابت اثبت من حماد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد وهي صحاح» .
الوجه الثاني: أنه تغير باخرة. وهذا لم يذكره إلا البيهقي، والبيهقي أرعبته شقاشق أستاذه ابن فورك المتجهم الذي حذا حذو ابن الثلجي في كتابه الذي صنفه في تحريف أحاديث الصفات والطعن فيها، وإنما قال البيهقي: «هو أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد» .
أقول: أما التغير فلا مستند له ونصوص الأئمة تبين أن حمادًا أثبت الناس في ثابت وحميد مطلقًا، وكأنه كان قد أتقن حفظ حديثهما، فأما حديثه عن غيرهما فلم يكن يحفظه، فكان يقع له فيه الخطأ إذا حدث من حفظه أو حين يحول إلى الأصناف التي جملها كما مر. ولم يتركه البخاري بل استشهد به في المواضع من (الصحيح) فأما عدم إخراجه له في الأصول فلا يوجب أن يكون عنده غير أهل لذلك، ولذلك نظائر، هذا سليمان بن المغيرة الذي تقدم أنه من أثبت الناس في ثابت وأنه أثبت فيه من حماد بن زيد وقد ثبته الأئمة جدًا، قال أحمد: «ثبت ثبت» وقال ابن معين «ثقة ثقة» والثناء عليه كثير ولم يغمزه أحد، ومع ذلك ذكروا أن البخاري لم يحتج به ولم يخرج له إلا حديثًا واحدًا مقرونا بغيره. وقد عتب ابن حبان على البخاري في شأن حماد بن سلمة وذكر أنه قد أخرج في غير الشواهد لمن هو دون حماد بكثير كأبي بكر بن عياش وفليح وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك بكلام شريف قال: «حماد بن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة وأطنبوا، لما تكلم بعض منتحلي الصنعة (كما يأتي)
[ ١ / ٤٥٣ ]
أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج عنه البخاري معتمدًا عليه، بل استشهد به في مواضع ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه كشعبة وحماد بن زيد وأبي عوانة وغيرهم. ومسلم اعتمد عليه لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا وساهد مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته» .
الوجه الثالث: زعم بعضهم انه كان له ربيب يدخل في كتبه وقيل ربيبان وصحف بعضهم «ربيب حماد» إلى «زيد بن حماد» راجع (لسان الميزان) ج ٢ ص ٥٠٦. ومدار هذه التهمة الفاجرة على ما يأتي، وقال الذهبي في (الميزان): «الدولابي حدثنا محمد بن شجاع ابن الثلجي حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث - يعني التي في الصفات - حتى خرج مرة إلى (عبادان) فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر فألقاها إليه. قال ابن الثلجي: فسمعت عباد بن صهيب يقول إن حمادًا كان لا يحفظ، وكانوا يقولون إنها دست في كتبه، وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه» قال الذهبي: «قلت: ابن الثلجي ليس بمصدق على حماد وأمثاله وقد اتهم. نسأل الله السلامة» .
أقول: الدولابي حافظ حنفي له ترجمة في (لسان الميزان) ج ٥ ص٤١ وهو بريء من هذه الحكاية إن شاء الله إلا في قبوله لها من ابن الثلجي وروايتها عنه. كان ابن الثلجي من إتباع بشر المريسي جهميًا داعية عدوًا للسنة وأهلها، قال مرة: «عند أحمد ابن حنبل كتب الزندقة، وأوصى أن لا يعطي من وصيته إلا من يقول: القرآن مخلوق. ولم أر من وثقه، بل اتهموه وكذبوه قال ابن عدي «كان يضع أحاديث في التشبيه وينسبها إلى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك» وذكر ما رواه عن حبان بن هلال، وحبان ثقة، عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعا «إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها» وكذبه أيضًا الساجي والأزدي وموسى بن القاسم الأشيب. فأما ما نسب غليه من التوسع في الفقه
[ ١ / ٤٥٤ ]
وإظهار التعبد فلا يدفع ما تقدم. وحكايته هذه يلوح عليها الكذب، إبراهيم بن عبد الرحمن ابن مهدي ولد أبوه سنة ١٣٥ فمتى ترى ولد إبراهيم؟ ومولد ابن الثلجي كما ذكر عن نفسه سنة ١٨١ فمتى تراه سمع من إبراهيم؟ وفي ترجمة قيس بن الربيع من (التهذيب) شيء من رواية ابن المديني عن إبراهيم وهذا يشعر بأنه عاش بعد أبيه، وأبوه مات سنة ١٩٨ فإذا كان إبراهيم مات سنة ٢٠٠ فمتى تراه ولد؟ وقد قال الخليلي: «مات وهو شاب لا يعرف له إلا أحاديث دون العشرة يروي عنه الهاشمي جعفر بن عبد الواحد أحاديث أنكروها على الهاشمي وهو من الضعفاء» وحماد بن سلمة توفي سنة ١٦٧.
ومقتضى ما تقدم أن يكون إبراهيم حينئذ إما صبيًا صغيرًا وإما لم يولد فمتى صحب حماد بن سلمة حتى عرف حديثه وعرف أنه لم يكن يروي تلك الأحاديث حتى خرج إلى «عبادان» وكيف عرف هذا الأمر العظيم ولم يعرفه أبوه وكبار الأئمة من أقران حماد وأصحابه؟ وكلهم أبلغوا في الثناء على حماد كما يأتي، ولا داعي إلى الحمل على إبراهيم لأنه لم يوثقه أحد، وذكر ابن حبان له في (الثقات) لا يجدي لأنه لم يثبت عنه أحاديث كثيرة يعرف باعتبارها أثقة هو أم لا؟ ولا إلى أن يقال لعل إبراهيم سمع ذلك من بعض الهلكى بل الحمل على ابن الثلجي كما ذكر الذهبي؛ وكذلك ما ذكره عن عباد بن صهيب مع أن عبادًا متروك، وقال عبدان: لم يكذبه الناس وإنما لقنه صهيب بن محمد بن صهيب أحاديث في آخر الأمر» فعلى هذا فعباد وهو المبتلى بابن أخيه يدخل عليه في حديثه، وفي (الميزان) أحاديث من مناكيره.
الوجه الرابع: أن حمادًا روى أحاديث سماها الكوثري: طامات، وأشار إلى أن أشدها حديث رؤية الله في صورة شاب.
والجواب: أن لهذا الحديث طرقًا معروفة في بعضها ما يشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرح بذلك، فإن كان كذلك اندفع الاستنكار رأسًا، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف، وفي (اللآلئ المصنوعة) أن محقق الحنفية
[ ١ / ٤٥٥ ]
٨٦- حنبل بن إسحاق
ابن الهمام سئل عن الحديث فأجاب بان حجاب الصورة، وبقية الأحاديث إذا كانت من رواية حماد عن ثابت أو حميد أو مما حدث به أصوله فهي كما قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ الأنعام - ٨٩.
وأختم بطرف من ثناء الأئمة على حماد في حياته وبعد وفاته ليتبين هل ساءت سمعته في أواخر عمره كما زعم الأستاذ؟ !:
قال ابن المبارك: «دخلت البصرة فما رأيت أحدًا أشبه بمسالك الأول من حماد بن سلمة» وقال عفان: «قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواضبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حماد بن سلمة» وقال رجل لعفان: أحدثك عن حماد؟ قال: من حماد ويلك؟ قال: ابن سلمة. قال: ألا تقول: أمير المؤمنين؟ (وقال عبد الرحمن بن مهدي - والد إبراهيم الذي نسب إليه ابن الثلجي ما نسب -: «لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا» وقال أيضًا: «حماد بن سلمة صحيح السماع، حسن اللقي، أدرك الناس، لم يتهم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسن ملكه نفسه ولسانه ولم يطلقه على أحد فسلم حتى مات» وقال حماد بن زيد: «ما كنا نرى أحدًا يتعلم بنية غير حماد ابن سلمة، وما نرى ألبوم من يعلم بنية غيره» وقال إسحاق بن الطباع: قال لي أبن عيينة: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبالعلم، وعالم بالله ليس بعالم بالعلم، وعالم بالعلم ليس بعالم بالله. قال ابن الطباع: «الأول كحماد بن سلمة » وقال علي بن المديني: «من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين» .
٨٦- حنبل بن إسحاق. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧١ من طريقه «حدثنا الحميدي حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: اشهد أن الكعبة حق، ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال: مؤمن حقًا. وسأله عن رجل قال: أشهد أن
[ ١ / ٤٥٦ ]
٨٧- خالد بن عبد الله القسري
محمد بن عبد الله نبي، ولكن لا أدري هو الذي قبره بالمدينة أم؟ فقال: مؤمن حقًا » .
وفيه ١٣ / ٣٨١ من طريقه «حدثنا الحميدي قال: سمعت سفيان قال: كنت في جنازة أم خصيب بالكوفة فسأل رجل أبا حنيفة عن مسالة من الصرف؟ فأفناه، فقلت يا أبا حنيفة إن أصحاب محمد ﷺ قد اختلفوا في هذه فغضب وقال للذي استفتاه: أذهب فاعمل بها فما كان فيها من إثم فهو علي» قال الأستاذ ص٣٦: «يتكلم فيه بعض أهل مذهبه ويرميه ابن شاقلا بالغلط في روايته كما ذكره ابن تيمية في تفسير سورة القلم، لكن لا نلتفت إلى كلامهم ونعده ثقة مأمونا كما يقول ابن نقطة في (التقييد)» وقال ص ٨٤: «غالط غير مرضي عند بعض أهل مذهبه» .
أقول: قال الدارقطني: «كان صدوقا» وقال الخطيب: «كان ثقة ثبتا» وتخطئته في حكاية إنما تدل على اعتقاد أنه لم يكن معصوما من الخطأ وليس هذا مما يوهن الثقة المكثر كحنبل وقد خطا أهل العلم جماعة من اجله الصحابة بل قالوا: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يخطئون في أمور الدنيا بل قال بعضهم: قد يعرض لهم الخطأ في شيء من أمر الدين ولكن ينبهو ن في الحال لمكان العصمة في التبليغ وقد تعرضت لذلك في قسم الاعتقاديات. والمقرر عند أهل العلم جميعا أن الثقة الثبت قد يخطئ فإن ثبت خطؤه في شيء فإنما يترك ذاك الشيء فأما بقية روايته فهي على الصواب ومن ادعى الخطأ في شيء فعليه البيان والأستاذ يعلم ذلك كله ولكن والله المستعان.
٨٧- خالد بن عبد الله القسري. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨١ من طريق «محمد بن فليح المدني عن أخيه سليمان وكان علامة بالناس أن الذي استتاب أبا حنيفة خالد القسري..» قال الأستاذ ص ٦٢: «هو الذي بنى كنيسة لأمه تتعبد فيها وهو الذي يقال عنه انه ذبح الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى أضحية عنه ما كان العلماء ليسكتوا في ذلك العهد أمام استخفافه لشعيرة من شعائر
[ ١ / ٤٥٧ ]
الدين وسفك دم من وجب قتله شيء وذبحه على أن يكون أضحية شيء آخر وكانت سيرة خالد وصمة عار في تاريخ الإسلام» .
أقول: كان خالد أميرا مسلما خلط عملا صالحا كإقامة الحدود وآخر سيئا الله أعلم ما يصح عنه منه. وقد جاء عن جماعة من الأئمة كما في (التأنيب) نفسه أن أبا حنيفة استتيب في الكفر مرتين فإن كان خالد هو الذي استتابه في أحدهما وقد شهد أولئك الأئمة أنها استتابة عن الكفر فأي معنى للطعن في خالد؟ هبه كان كافرا! أيجوز أن يحنق عليه مسلم لأنه رفع إليه إنسان يقول قولا شهد علماء المسلمين أنه كفر فاستتابه منه؟ وكان خالد يماني النسب وكان له منافسون على الإمارة من المضريين وأعداء كثيرون يحرصون على إساءة سمعته، وكان القصاصون ولا سيما بعد أن نكب خالد يتقربون إلى أعدائه بوضع الحكايات الشنيعة في ثلبه ولا ندري ما يصح من ذلك؟ وقضية الكنيسة إن صح فيها شيء فقد يكون بر أمه بمال فبنى لها وكيلها كنيسة فإنها كانت نصرانية وليس في هذا ما يعاب به خالد فقد أحل الله ﷿ نكاح الكتابيات والتسري بهن ونهى عن إكراههن على الإسلام وأمر بإقرارهن على دينهن وأمر ببر الأمهات. فأما قضية الجعد فإن أهل العلم والدين شكروا خالد عليها ولا يزالون شاكرين له إلى يوم القيامة ومغالطة الأستاذ في قضية التضحية مما يضحك ويبكي يضحك لتعجرفه ويبكي لوقوعه من رجل ينعته أصحابه أو ينعت نفسه «الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير » لا يخفي على أحد أن الضحية الشرعية هي ذبح شاه أو بقرة أو بدنة بصفة مخصوصة في أيام الأضحى تقربا إلى الله تعالى بإراقة دمها، وليأكل منها المضحي وأهله ويهدي من لحمها إلى أصحابه ويتصدق على المساكين، وأن خالدًا لم يذبح الجعد ليأكل من لحمه ويهدي ويتصدق، وإنما سماه تضحية لأنه إراقة دم يوم الضحى تقربًا إلى الله تعالى فشبهه بالضحية المشروعة من هذا الوجه كما سمى بعض الصحابة وغيرهم قتل عثمان ﵁ تضحية لأنه وقع في أيام الضحى.
[ ١ / ٤٥٨ ]
٨٨- خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك
فقال حسان:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا
وقال أيمن بن خريم:
ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ضحى وأي ذبح حرام ويلهم ذبحوا
وقال القاسم بن أمية:
لعمري ليئس الذبح ضحيتم به وختم رسول الله في قتل صاحبه
فان قيل: لكن يظهر من القصة أن خالدا لم يضح، بل اجتزأ بذبح الجعد. قلت: ليس ذلك بواضح، وكان خالد يذبح كل يوم عدة ذبائح وهب أنه لم يضح ذاك اليوم، فغاية الأمر أن يكون اجتزأ بإقامة ذلك الحد من جهة كونه قربه إلى الله ﷿ وإقامة حد من حدود، والضحية عند جمهور أهل العلم ليست بواجبه، فلا إثم على من تركها، فإن كان مع تركه لها قد قام بقربه عظمية ورأى أن ما يفوته من اجر الضحية وإقامة الشعائر بما يجبره ما يرجوه على تلك القربة الأخرى فهو أبعد عن الإثم، ولو ضحى الرجل ألف أضحية لما بلغ من أجرها وإقامة الشعائر بها أن توازن إقامة الحد على الجعد، وإماتة فتنته.
٨٨- خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك. في (تاريخ بغداد) (١٣/٤١٢) عنه قال: «أحل أبو حنيفة » قال الأستاذ ص ١٤٥ «يقول عنه ابن معين: بالشام كتاب ينبغي أن يدفن، (كتاب الديات) لخالد بن يزيد بن أبي مالك، لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة. قال ابن أبي الحواري: سمعت هذا الكتاب من خالد ثم أعطيته للعطار فأعطى الناس فيه حوائج. قال النسائي: غير ثقة. وقال أحمد: ليس بشيء» .
أقول: إنما ذكر خالد في هذه الحكاية مسائل فقهية انتقدت على أبي حنيفة قد نظرت فيها في قسم الفقهيات - ومع ذلك فقد وثقه أحمد بن صالح المصري والعجلي
[ ١ / ٤٥٩ ]
٨٩- داود بن الحجر
وبلديه وأبو زرعة الدمشقي وقال ابن عدي «لم أر من أحاديث خالد هذا إلا كل ما يحتمل في الرواية أو يرويه ضعيف عنه فيكون البلاء من الضعيف لا منه» وكتاب الديات قد يكون ما فيه مما استنكره ابن معين أخذه خالد عن الضعفاء فأؤصله. والله أعلم. (١)
٨٩- داود بن الحجر. في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٩٢ - ٣٩٣) عدة روايات تتعلق بالمحرم إذا لم يجد إزارًا فلبس سراويل، أو لم يجد نعلا فلبس خفين - وقد ذكرت المسالة في الفقهيات - تكلم الأستاذ ص ٩٤ في الروايات إلى أن قال «وأما ما رواه ابن عبد البر في (الانتقاء) ص ١٤٠ من أنه لما قيل لأبي حنيفة قال لم يصح في هذا عندي وينتهي كل امرئ إلى ما سمع. فغير ثابت عنه لأن في سنده داود بن المحبر متروك باتفاق.. بل حديث إباحة لبس الخفين مخرج في (مسانيد أبي حنيفة)، قفي (مسند أبي محمد البخاري الحارثي) عن أبي سعيد بن جعفر عن أحمد بن سعيد الثقفي عن المغيرة بن عبد الله عن أبي حنيفة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن
عباس ، فهذا الحديث بهذا السند يرد على من يقول انه لم يبلغه حديث في هذا الباب فينهار بهذا البيان جميع تلك المزاعم هكذا يفضح الله الأفاكين» .
أقول: داود وثقة ابن معين وقال أبو داود «ثقة شبه الضعيف، بلغني عن يحيى فيه كلام أنه يوثقه» وبهذا يعلم ما في قول الأستاذ «متروك باتفاق» وإن كان الصواب ما عليه الجمهور أن داود ساقط. ومع رد الأستاذ ذاك الخبر هنا فقد احتج به ص ٧٤ غذ قال «وأبو حنيفة الذي يقول: لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ ، كما في (الانتقاء) لابن عبد البر ص ١٤١ كيف يخالف حديثًا صح عن الرسول ﵊؟ ومن زعم ذلك فقد أبعد في البهت نسأل الله
_________________
(١) خلف بن بيان يأتي في ترجمة محمد بن الحسين بن حميد.
[ ١ / ٤٦٠ ]
ترجمة الحارثي رواي مسند أبي حنيفة وبيان أنه وضاع
الصون» وقوله «لعن الله » قطعة من خبر داود الذي رده الأستاذ هنا. وغرض الأستاذ في الموضعين واحد وهو رد الروايات القوية فانه احتج به في ص ٧٤ على رد روايات قوية متعددة وختم بقوله «نسأل الله الصون» ورده ص ٩٤ ليرد روايات قوية ثم احتج على الرد بما هو أسقط من خبر داود وهو خبر الحارثي بذاك الإسناد والحارثي في (لسان الميزان) ج١ ص ٢٧ وفيها: «قال له ذكر في ترجمة علي بن جرير وترجمة الحارثي في (لسان الميزان) ج ١ ص ٢٧ وفيها: «قال ابن الجوزي قال أبو سعيد الرواس: يتهم بوضع الحديث. وقال أحمد السليماني: كان الخليلي له معرفة بهذا الشأن وهو لين، ضعفوه، حدثنا عنه الملاحمي وأحمد بن محمد البصير بعجائب» وسترى ما يكشف بعض حاله في ترجمة علي بن جرير. وشيخه أبو سعيد بن جعفر هو أبّا بن جعفر ترجمته في (لسان الميزان) ج ١ ص ٢٧ وفيها «قال ابن حبان كان يقعد يوم الجمعة بحذاء مجلس الساجي ذهبت إلى بيته للاختبار فرأيته قد وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث ما حدث بها أبو حنيفة قط » قال ابن حجر «وقال حمزة (السهمي الحافظ) عن الحسن بن علي ابن غلام الزهري (الحافظ): أبا بن جعفر كان يضع الحديث وحدث بنسخة نحو المائة عن شيخ له مجهولا زعم أن اسمه أحمد بن سعيد بن عمرو المطوعي عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن أنس، وفيها مناكير لا تعرف. وقد أكثر عنه أبو «محمد» الحارثي في «مسند أبي حنيفة» . وشيخه هنا أحمد بن سعيد الثقفي لا يعرف أو لم يخلق، وهكذا المغيرة بن عبد الله ومن العجائب أن صاحب «جامع المسانيد» زعم أن المغيرة بن عبد الله اليشكري الذي يروى عن المغيرة بن شعبة المتوفى سنة خمسين!! وأعجب من ذلك قول الأستاذ «فهذا الحديث بهذا السند يرد » وهذه سخريه من الأستاذ لا أدري أبالعلم أم بنفسه أم بالذين يرى أنهم سيتلقون كلامه بالقبول الإعجاب؟ ثم ختم الأستاذ بقوله «هكذا يفضح الله الأفاكين» ولا يخفى أين موضع هذه الكلمة! والله المستعان.
[ ١ / ٤٦١ ]
٩٠- دعلج بن أحمد السجزي
٩٠- دعلج بن أحمد السجزي. في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٧٩) من طريقه «أخبرنا أحمد بن علي الأبار حدثنا سفيان بن وكيع قال جاء عمر بن حماد » قال الأستاذ ص٥٧ «فدعلج تاجر مثرٍ كان عنده قفاف مملوءة ذهبا تبهر عيون من يبيت عنده من الرواة وتسلب ألبابهم، يتعانى الرواية ويواسي الرواة من أهل مذهبه في التشبيه وكان عنده تعصب وتغفل وكان الرواة الأظناء يبيتون عنده ويدخلون في كتبه أشياء فيرويها بسلامة باطن وذكر الذهبي من الوضاعين الذين كانوا يدخلون في كتبه اثنين أحدهما علي ابن الحسين الرصافي وقد قال عنه: يضع الحديث ويفتري على الله قال الدارقطني: لا يوصف ما أدخل هذا على الشيوخ ثم عمل محضر بأحاديث ادخلها على دعلج. وكذا أدخل أبو الحسين العطار المخرمي أحاديث على دعلج أيضا كما ذكره الذهبي ويجعلها ابن حجر شخصا واحدا بدون حجة»
أقول: قد سلف في ترجمة أحمد بن علي الأبار أن دعلج سجستاني كان يطوف البلاد لسماع العلم وللتجارة ودخل بغداد وسنة نيف وعشرون سنة وسن الأبار فوق السبعين فسمع منه ومن غيره ومات الأبار بعد ذلك بسنوات وبقي دعلج في تطوافه ثم سكن مكة مدة ثم تحول إلى بغداد وأقام بها إلى أن مات سنة ٣٥١ وذلك بعد وفاة الأبار بإحدى وستين سنة. وتقدم أيضا أن دعلجا إنما أثرى بعد موت الأبار بدهر.
فأما مطاعن الأستاذ في دعلج فأولها: أنه كان يعتقد التشبيه! وإنما أخذ الأستاذ ذلك من ذكرهم أن دعلجا أخذ عن ابن خزيمة كتبه وكان يفتى بقوله وابن خزيمة عند الأستاذ مشبه! وهبه ثبت أن دعلجا كان على عقيدة ابن خزيمة. وعقيدة ابن خزيمة هي في الجملة عقيدة أئمة الحديث وهي محض الأيمان وقد أفردت الاعتقاديات بقسم.
وثانيها: أنه كان متعصبا! وهذا تخرص من الأستاذ فأما ما جاء من طريقة من الروايات فشيء سمعه فرواه وقد عاش دعلج ببغداد عشرات السنين كان الثناء عليه كله وفاق بينهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وثالثها: أن الرواة الأظناء كانوا يبيتون عنده ويدخلون في كتبه (١) وهذا تخرص أيضا نعم حكي عن رجل غير ظنين أنه بات عنده واراه ماله ولم يقل إن كتبه كانت مطروحة له ولا لغيره ممن يخشى منه العبث بها فأما إدخال بعضهم عليه أحاديث فذلك لا يقتضي الإدخال في كتبه بل إذا استخرج الشيخ أو غيره من أصوله أحاديث وسلمها إلى رجل ليرتبها وينسخها فذهب الرجل ونسخها وأدخل فيها أحاديث ليست حديث الشيخ وجاء بالنسخة فدفعها إليه ليحدث بها صدق انه أدخل عليه أحاديث ثم إذا كان الشيخ يقظا فاعتبر تلك النسخة بحفظه أو بمراجعة أصوله أو دفعها إلى ثقة مأمون عارف كالدارقطني فاعتبرها فأخرج تلك الزيارة ولم يحدث بها الشيخ لم يكن عليه في هذا باس ولعله هكذا جرى فقد قال الخطيب في دعلج «كان ثقة ثبتا قبل الحكام شهادته واثبتوا عدالته وكان أبو الحسن الدارقطني هو الناظر في أصوله والمصنف له كتبه فحدثني أبو العلاء الواسطي عن الدارقطني قال صنفت لدعلج (المسند الكبير) فكان إذا شك في حديث ضرب عليه ولم أر في مشايخنا اثبت منه حمزة بن يوسف السهمي يقول: سئل أبو الحسن الدارقطني عن دعلج بن أحمد؟ فقال: كان ثقة مأمون - وذكر له قصة في أمانته وفضله ونبله» وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٩٢ «دعلج بن أحمد بن دعلج الإمام الفقيه محدث بغداد . روى عنه الدارقطني والحاكم وابن رزقويه وأبو إسحاق الأسفرائني وأبو القاسم بن بشران وعدد كثير.
وقال الحاكم: سمعت الدارقطني يقول: صنف الدعلج (المسند الكبير) ولم أر في مشايخنا أثبت منه » وجعل الأستاذ المدخلين جماعة من أمانيه والمعروف رجل واحد ترجمته في (تاريخ بغداد) ج ١١ ص ٣٨٥ «على بن الحسين بن جعفر أبو الحسين البزاز يعرف بابن كرنيب وبابن العطار المخرمي بلغني عن الحاكم أبي عبد الله محمد ابن عبد النيسابوري قال: ذكر الدارقطني ابن العطار فذكر من إدخاله على المشايخ شيئا فوق الوصف وأنه اشهد عليه واتخذ
_________________
(١) وقد شاهدنا من الكوثري وتلامذته في كتب السيد أحمد خيري التي آلت إلى جامعة محمد بن سعود. زهير
[ ١ / ٤٦٣ ]
٩١- الربيع بن سليمان المرادي
محضرا بإدخاله أحاديث على دعلج» وذكر الذهبي في (الميزان) واقتصر على قوله «أدخل على دعلج أحاديث قاله الدارقطني» ثم ذكر «علي بن الحسين الرصافي» وقال «قال الدارقطني لا يوصف ما أدخل على الشيوخ ثم عمل محضر عليه بأحاديث أدخلها على دعلج» فقال ابن حجر في (اللسان) هذه صفة علي بن الحسين بن كرنيب وقد مر» وحجته في ذلك أن القصة متفقة والاسم متفق واسم الأب متقارب فإن اسم «الحسن» و«الحسين» يكثر تحرف أحدهما إلى الآخر وليس في (تاريخ بغداد) إلا رجل واحد، والمخرم والرصافة محلتان ببغداد وقد يكون مسكن الرجل بينهما فينسب إلى هذه وإلى هذه وابن حجر مطلع على مأخذ الذهبي ولم يقف في شيء منها إلا على رجل واحد؛ وهذه الأمور إن لم تكف للجزم بأنه رجل واحد فلا ريب أنها تكفي للتوقف عن الجزم بأنها اثنان. وهب أنهما اثنان أو عشرة فإن ذلك لا يضر دعلجًا وروايته ما لم يثبت أن كان على وجه يتمناه الأستاذ هو الإمام أبو الحسن الدارقطني وهو الذي كان الناظر في أمور دعلج والمصنف له كتبه وهو الذي وثقه أثبت توثيق كما سلف، وفي ذلك ما يقطع نزاع من يخضع للحق، فأما المعاند فلا يقطعه إلا أن تشهد عليه أعضاؤه!
٩١- الربيع بن سليمان المرادي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٠ عنه «سمعت الشافعي يقول: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب عليها» قال الأستاذ ص١٣٩ «الربيع المرادي الذي يقول فيه أبو يزيد القراطيسي ما يقول» .
أقول في ترجمته من (التهذيب): «قال أبو الحسين الرازي الحافظ والد تمام أخبرنا على ابن محمد بن أبي حسان الزيادي بحمص: سمعت أبا يزيد القراطيسي يوسف بن يزيد يقول: سماع الربيع بن سليمان من الشافعي ليس بالثبت وإنما أخذ أكثر الكتب من آل البويطي بعد موت البويطي؛ قال أبو الحسين: هذا لا يقبل من أبي يزيد، بل البويطي كان يقول: الربيع أثبت مني، وقد سمع أبو زرعة الرازي
[ ١ / ٤٦٤ ]
٩٢- رجاء بن السندي
كتب الشافعي كلها من الربيع قبل موت البويطي بأربع سنين» وقول القراطيسي: ليس بالثبت إنما مفاده نفي أن يكون غاية في الثبت ويفهم من ذلك انه ثبت في الجملة كما شرحته في ترجمة الحسن بن الصباح. ويوضح ذلك هنا ما بعده وحاصله أنه لم يكن للربيع في بعض مسموعاته من الشافعي أصول خاصة محفوظة عنده لأنه إنما أخذ أكثر الكتب من ورثة البويطي. وهذا تشدد من أبي يزيد في غير محله فقد يكون للربيع أصول خاصة محفوظة عنده ولا يمنعه ذلك من أخذ غيرها من ورثة البويطي ليحفظها، وعلى فرض انه لم يكن له ببعض الكتب أصول خاصة، وإنما كان سماع الربيع لها ثابت وقد عرف الكتب وأتقنها فإذا وثق بأنها لم تزل محفوظة في بيت البويطي حق الحفظ حتى أخذها فأي شيء في ذلك؟ . وقد قال الخليلي في الربيع «ثقة متفق عليه، والمزني مع جلالته استعان على ما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع» ووثقه آخرون واعتمد الأئمة عليه في كتب الشافعي وغيرها. ومع هذا كله فالحكاية التي يحاول الأستاذ بمضمونها كما يأتي في ترجمة الشافعي، وقد روى الربيع عن البويطي عن الشافعي أشياء كما تراه بهامش (الأم) ج ٦ ص ٥٧ وكان عمر القراطيسي حين مات الشافعي ثماني عشرة سنة ولم يأخذ عن الشافعي وإنما رآه رؤية فلا خبرة له بما سمعه الربيع وإنما بني على الحدس كما سلف.
٩٢- رجاء بن السندي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩١ عنه «سمعت بشر بن السري قال أتيت أبا عوانة » قال الأستاذ ص ٩٢ «طويل اللسان وقد اعرض عنه أصحاب الأصول الستة» .
أقول: أوهم الأستاذ بهذه العبارة أن رجاء كان بذيئًا وأن أصحاب الأصول لم يرضوه، وليس الأمر كذلك ولكن كان فصيحًا، قال بكر بن خلف: «ما رأيت أفصح منه» فهذا طول لسانه في اصطلاح الأستاذ الذي يقصد به الإيهام، فعل ذلك في مواضع! وتوفي رجاء سنة ٢٢١ فلم يدركه الترمذي والنسائي وابن ماجة
[ ١ / ٤٦٥ ]
٩٣- رقبة بن مصقلة
وأدركوا من أقرانه ومن هو أكبر منه من هو مثله أو أعلى إسنادًا منه فلم يحتاجوه إلى الرواية عن رجل عنه لإيثارهم العلو، وأدركه أبو داود في (الجملة) لأنه مات وسن أبي داود نحو تسع عشرة سنة ولكنه في بلد غير بلده، فالظاهر أنه لم يلقه. فأما مسلم فإنه كان له حين مات رجاء لائقًا بأن يعتمده في (الصحيح) ويمكن أن يكون مسلم تشاغل أول عمره بالسماع ممن هو أسن من رجاء وأعلى إسنادًا ففاته رجاء، وأما البخاري فقد ذكر الكمال انه روى عنه لكن قال المزي: «لم أجد له ذكرًا في الصحيح» فقد لا يكون البخاري لقيه، وقد يكون لقيه مرة فلم يسمع منه إلا شيئًا عن شيوخه الذين أدرك البخاري أقرانهم فلم يحتج إلى النزول بالرواية عن رجاء. فتحصل من هذا أنهم إنما لم يخرجوا عنه إيثارًا للعلو من غير طريقه، على النزول من طريقه. وراجع ترجمة محمد بن أعين، وروى عنه أيضًا غبارهم بن موسى وأبو حاتم وقال: «صدوق» . وقال الحاكم «ركن من أركان الحديث» .
٩٣- رقبة بن مصقلة. في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٤١٦) عن أبي أسامة «مر رجل على رقبة فقال من أين أقبلت؟ قال؟ من عند أبي حنيفة. قال: يمكنك من رأى ما مضغت وترجع إلى أهلك بغير ثقة» قال الأستاذ ص ١٥٨ «ليس من رجال الجرح والتعديل، وإنما هو من رجالات العرب الذين يحبون التنكيت والتندر وهو الذي استلقى على ظهره في المسجد، وهو يتقلب ويقول لمن يسائله عما به: إني صريع الفالوذج. يعني أنه متخوم بأكله، أو مصروع بالتشوق إليه. ومثل هذا الكلام موضعه كتب النوادر والمحاضرات..»
أقول رقبة عن أنس فيما قيل وعن أبي إسحاق وعطاء ونافع وعبد العزيز بن صهيب وثابت البناني وطلحة بن مصرف وغيرهم، وعنه جرير بن عبد الحميد وأبو عوانة وابن عيينة وغيرهم؛ قال الإمام أحمد: «شيخ ثقة من الثقات مأمون»
[ ١ / ٤٦٦ ]
٩٤- زكريا بن يحيى الساجي
وقال ابن معين والعجلي والنسائي «ثقة» واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وغيرهما. ومثله لو جرح أو عدَّل لقبل منه، فأما الدعابة فلم تبلغ به بحمد الله ﷿ ما يخدش في دينه وأمانته، وقصة الفالوذج إن صحت إنما فيها أنه أكل فالوذجا فتأذى به فقال ما قال تلطفًا ونصيحة لغيره فكان ماذا؟ ومع هذا كله فليس في كلمته التي ذكرها الخطيب جرح لأبي حنيفة. وقوله «ترجع إلى أهلك بغير ثقة» يعني بالرأي لأنه قد يرجع أبو حنيفة عنه بعد ساعة وقد قال حفص بن غياث «كنت أجلس إلى أبي حنيفة فاسمعه يسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتي فيها بخمسة أقاويل فلما رأيت ذلك تركته وأقبلت على الحديث» ذكره الأستاذ ص ١٢٣. وقال زفر صاحب أبي حنيفة «كنا نختلف إلى أبي حنيفة فقال يوما أبو حنيفة لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب كل ما تسمعه مني فإني قد أرى الرأي اليوم فأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا فأتركه بعد غد» ذكره الأستاذ ص ١١٨.
٩٤- زكريا بن يحيى الساجي. في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٢٥) عنه «سمعت محمد ابن معاوية الزبادي يقول سمعت أبا جعفر يقول: كان أبو حنيفة اسمه عتيك بن زوطرة فسمى نفسه النعمان وسمى أباه ثابتًا» قال الأستاذ ص١٨ «شيخ المتعصبين كان وقاعًا، ينفرد بمناكير عن مجاهيل وتجد في (تاريخ بغداد) نماذج من انفراداته عن مجاهيل بأمور منكرة، ونضال الذهبي عنه من تجاهل العارف، وقال أبو الحسن ابن القطان: مختلف فيه في الحديث وثقه قوم وضعفه آخرون. وقال أبو بكر الرازي بعد أن ساق الحديث بطريقه: انفرد به الساجي ولم يكن مأمونًا، وكفى في معرفة تعصب الرجال الاطلاع على أوائل كتاب (العلل) له» .
أقول: أما التعصب فقد مر حكمه في القواعد في القواعد، وبينا أنه إذا ثبتت ثقة الرجل وأمانته لم يقدح ما يسميه الأستاذ تعصبًا في روايته ولكن ينبغي التروي فيما يقوله برأيه لا اتهامًا له بتعمد الكذب والحكم بالباطل، بل لاحتمال أن الحنق حال بينه
[ ١ / ٤٦٧ ]
وبين التثبت، وبهذه القاعدة نفسها نعامل ما حكاه الأستاذ عن أبي بكر الرازي إن كان ممن ثبتت ثقته وأمانته فلا نقبلها منه بغير مستند مع مخالفته لمن هو أثبت منه وأعلم بالحديث ورجاله، ولأمر ما ستر الأستاذ على نفسه وعلى الرازي فلم يذكر الحديث ولا بين موضعه.
فأما قوله: «كان وقاعًا» فمن تصدى للجرح والتعديل والتنديد بمن يخالف السنة احتاج إلى ما يسميه الأستاذ وقيعة، وإنما المذموم أن يقع الرجل في الناس بما لا يراه حقًا أو بما لا يعذر في جهل أنه باطل.
وأما الانفراد بمناكير عن مجاهيل إن صح فلا يضره، وإنما الحمل على أولئك المجاهيل ولا يترتب على ذلك مفسدة، ومثل ذلك ما يرويه عن الضعفاء، وكالحديث الذي في ترجمته في (لسان الميزان) سمعه من الساجي أبو داود وعبدان والبزار وغيرهم، رواه الساجي عن عبد الله ابن هارون بن أبي علقمة الفروي، وعبد الله هذا يقال له: «أبو علقمة الصغير» له ترجمة في (تهذيب التهذيب) ج ١٢ ص ١٧٢ وفيها: «قال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث وقال ابن عدي: له مناكير وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: يخطئ ويخالف وقال الدارقطني في غرائب مالك: متروك الحديث» فإن كان ذاك الحديث منكرًا فالحمل فيه إلى الفروي، كالأحاديث الأخرى التي أنكرت عليه.
وأما كلمة ابن قطان فلم يبين من هم الذين ضعفوه وماهر التضعيف وما وجهه، ومثل هذا النقل المرسل على عواهنه لا يلتفت إليه أمام التوثيق المحقق، وأخشى أن يكون اشتبه على ابن قطان بغيره ممن يقال له: «زكريا بن يحيى» وهم جماعة، وابن القطان ربما يأخذ من الصحف فيصحف فقد وقع له في موضع تصحيف في ثلاثة أسماء متوالية. راجع (لسان الميزان) ج ٢ ص ٢٠١- ٢٠٢ قد قال ابن حجر في (اللسان» متعقبًا كلمة ابن القطان «ولا يغتر أحد بقول ابن القطان، وقد جازف بهذه المقالة، وما ضعف زكريا الساجي هذا أحد قط وذكره ابن أبي حاتم فقال: كان ثقة يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف آلفها وأحكام القرآن وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة» . والذهبي إنما قال
[ ١ / ٤٦٨ ]
٩٦- سعيد بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي الأمير
في (الميزان): «أحد الأثبات ما علمت فيه جرحًا أصلًا. قال أبو الحسن بن القطان » فما الذي تجاهله الذهبي؟ أما كلمة ابن القطان فقد ذكرها.
وأما ما حكاه الأستاذ عن الرازي، فليس الرازي ممن يذكر في هذا الشأن حتى يتتبع الذهبي وغيره كلامه، فيسوغ أن يظن بالذهبي أنه وقف على كلمته وأعرض عنا لمخالفتها هواه كما يتوهمه أو يوهمه الأستاذ!
٩٥- سالم بن عصام. وذكرته في (الطليعة) ص ٥٠ - ٥١ فأشار إلى ذلك في
(الترحيب) ص ٤٠ - ٤١ وتعرض لأبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان وستأتي ترجمته، وهو ثقة جبل وإن كره الأستاذ، وذكر أن كلمة «صدوق» دون كلمة «ثقة» وصدق في ذلك، ولكن أبا الشيخ أردفها بقوله «صاحب كتاب» وصاحب الكتاب يكفيه كونه في نفسه صدوقًا وكون كتابه صحيحًا. وقد توبع سالم كما ذكرته في (الطليعة) .
٩٦- سعيد بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي الأمير. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٥ عنه «قلت لأبي يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئًا؟ ! قال: نعم، قلت: أكان جهميًا؟ قال نعم، قلت: فأين أنت منه؟ قال: إنما كان أبو حنيفة مدرسًا فما كان من قوله حسنًا قبلناه، وما كان قبيحًا تركناه» . قال الأستاذ ص ٤٦ «عامل أرمينية في عهد الرشيد وقد حاق بالمسلمين ما حاق من البلايا هناك من سوء تصريف هذا العامل شيءون الحكم وابتعاده في الحكم عن الحكمة والسداد كما في (تاريخ ابن جرير) وغيره، وليس هو ممن يقبل له قول في مثل هذه المسائل» .
أقول حسن السياسة شيء، والصدق في الرواية شيء آخر، ولسعيد ترجمة في (تاريخ بغداد) ج٩ ص٧٤ وفيها « قال العباس بن مصعب قدم مرو زمان المأمون وكان عالما بالحديث والعربية إلا أنه كان لا يبذل نفسه للناس» ولو قال الأستاذ: لم يوثق. لكفاه.
[ ١ / ٤٦٩ ]
٩٧ - سعيد بن عامر الضبعي
٩٨- سفيان بن سعيد الثوري
٩٧ - سعيد بن عامر الضبعي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٧ عنه «حدثنا سلام أبي مطيع قال: كان أيوب قاعدًا في المسجد الحرام فرآه أبو حنيفة فأقبل نحوه، فلما رآه أيوب قد أقبل نحوه، قال لصحابه: لا يعدنا بجربه، وقوموا. فتفرقوا» قال الأستاذ ص١٠٩ «في حديثه بعض الغلط كما قال ابن أبي حاتم» .
أقول: إنما حكى ذلك ابن حاتم عن أبيه قال: «كان رجلًا صالحًا، وكان في حديثه بعض الغلط» وقد وقفت لسعيد على خطأ في إسناد حديث أو حديثين وذلك لا يضره وإنما حده أنه إذا خالف من هو أثبت منه ترجح قول الأثبت، وقد أثنى عليه الإمامان ابن مهدي والقطان، وقال ابن معين: «ثنا سعيد بن عامر الثقة المأمون» ووثقه أيضًا ابن سعد والعجلي وابن قانع حافظ الحنفية، وروى عنه الأئمة ابن المبارك وأحمد ويحيى وإسحاق وأبو خيثمة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وغيرهم.
٩٨- سفيان بن سعيد الثوري. في (تاريخ بغداد) في ترجمة أبي حنيفة عدة كلمات منسوبة إلى الثوري فيها غض من أبي حنيفة تعقبها الأستاذ في (التأنيب) بما تعقبها وفي بعض ذلك ما يؤول إلى الطعن في الثوري، فمن ذلك ما يتعلق بالإرجاء، وقد ذكرته في قسم الاعتقاديات، ومن ذلك الروايات في أن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين، جاءت تلك الروايات عن الثوري وجماعة فتكلم الأستاذ في الروايات بما لا شأن لنا به هنا، وقال ص ٦٥: «روى ابن عبد البر بسنده عن عبد الله داود الخريبي الحافظ تكذيب استتابته مطلقا. فليراجع (الانتقاء)»
أقول: تلك الرواية في (الانتقاء) ص ١٥٠ وهي من طريق محمد بن يونس الكديمي وقد قال الأستاذ ص ٦٠: «الكديمي متكلم فيه راجع (ميزان الاعتدال)» .
أقول: وارجع أيضًا (تهذيب التهذيب)، وحاصل ذلك أن الكديمي ليس بثقة،
[ ١ / ٤٧٠ ]
غمز الكوثري من مذهب الإمامين الثوري والأوزاعي
وقد كذبه جماعة.
وقال الأستاذ ص ٦٦: «وهناك رواية أخرى وذلك ما حدثه ابن أبي العوام الحافظ (؟) عن الحسن بن حماد سجادة قال، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم البصري » ثم قال الأستاذ: «وفي ذلك القول الفصل لأن أبا القاسم بن أبي العوام الحافظ (؟) صاحب النسائي وسجادة وأبو قطن كلهم من الثقات الإثبات» .
أقول ابن العوام ذكرته في (الطليعة) ص ٢٧ - ٢٨ فراجعها، ولم يتعقب الأستاذ في (الترحيب) ذلك بشيء وأي قيمة لتوثيق الكوثري؟! ومع ذلك فلم يدرك سجادة، لأن سجادة توفى سنة ٢٤١ والنسائي نفسه يروي عن رجل عنه ويظهر أنه إنما وقع في كتاب ابن أبي العوام «حدثت عن الحسن بن حماد سجادة» فقول الأستاذ «وذلك ما حدثه» حقها أن تقرأ هكذا بالبناء للمجهول فعلى هذا لا يدري من شيخ ابن أبي العوام إن كان له شيخ غير نفسه وصح الخبر عنه.
ومن ذلك أن الخطيب ساق عدة روايات عن الثوري والأوزاعي قال: «ما ولد في الإسلام مولود أشأم على هذه الأمة من أبي حنيفة» فقال الأستاذ ص ٧٢: «لو كان هذا الخبر ثبت عن الثوري والأوزاعي لسقطا بتلك الكلمة وحدها في هو ة الهوى والمجازفة كما سقط مذهباهما بعدهما سقوطا لا نهو ض لهما أمام الفقه الناضج وقد ورد: لا شؤم في الإسلام. وعلى فرض أن الشؤم يوجد في غير الثلاث الواردة في السنة وأن صاحبنا مشؤوم فمن أين لهما معرفة أنه في أعلى درجات المشؤمين .»
أقول: لم يريدا الشؤم الذي نفاه الشرع وإنما أرادا الشؤم الذي يثبته الشرع والعقل، إذا كان في أخلاق الإنسان وأقواله وأفعاله ما من شأنه ديانة وعادة وقوع الضرر والمصائب بمن يصحبه ويتبعه ويتعدى ذلك إلى غيرهم ووقع ذلك ولم يزل ينتشر ودلت الحال على أنه لن يزال في انتشار صح أن يقال إنه مشيءوم وإذا ظن أن ما يلحق الأمة من الضرر بسبب رجل آخر صح أن يقال: إنه لم يولد مولود
[ ١ / ٤٧١ ]
أشأم على الأمة منه. كان الثوري والأوزاعي كجمهور الأئمة قبلها وفي عصرهما يريان الإرجاء ورد السنة بالرأي والقول ببعض مقالات الجهمية كل ذلك ضلالة من شأنها أن يشتد ضررها على الأمة في دينها ودنياها ورأيا صاحبكم وأتباعه مخطئين أو مصيبين جادين في نشر ذلك ولا تزال مقالاتهم تنتشر وتجر إلى ما هو شر منها حتى جرت قوما إلى القول بأن أخبار الآحاد مردودة مطلقا وآخرين إلى رد الأخبار مطلقا كما ذكره الشافعي ثم جرت إلى القول بأن النصوص الشرعية لا يحتج بها في العقائد! ثم إلى نسبه الكذب إلى أنبياء الله ﷿ وإليه سبحانه كما شرحته في قسم الاعتقاديات.
شاهد الثوري والأوزاعي طرفا من ذلك ودلتهما الحال على ما سيصير إليه الأمر فكان كما ظنا وهل كانت المحنة في زمن المأمون والمعتصم والواثق إلا على يدي أصحابكم ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم؟ وفي كتاب (قضاة مصر) طرف من وصف ذلك. وهل جر إلى استفحال تلك المقالات إلا تلك المحنة؟ وأي ضر نزل بالأمة أشد من هذه المقالات؟
فأما سقوط مذهبيهما، فخيرة اختارها الله ﵎ لهما، فإن المجتهد قد يخطئ خطأ لا يخلو عن تقصير، وقد يقصر في زجر أتباعه عن تقليده هذا التقليد الذي نرى عليه كثيرًا من الناس منذ زمان طويل، الذي يتعسر أو يتعذر الفرق بينه وبين اتخاذ الإجبار والرهبان أربابًا من دون الله، فقد يلحق المجتهد كفل من تلك التبعات، فسلم الله تعالى الثوري والأوازعي من ذلك، فأما ما يرجى من الأجر على الإتباع في الحق فلهما من ذلك النصيب الأوفر بما نشراه من السند علمًا وعملًا، وهذه الأمهات الست المتداولة بين الناس حافلة بالأحاديث المروية من طريقهما وليس فيها لصاحبكم ومشاهير أصحابه حديث واحد! وقد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في (تاريخه الكبير) في ترجمة الثوري «قال لنا عبدان عن ابن المبارك: كنت إذا شئت رأيت سفيان مصليًا، وإذا شئت رأيته محدثًا، وإذا شئت رأيته في غامض الفقه. ومجلس شهد (في التاريخ الصغير ص ١٨٧: شهدته)
[ ١ / ٤٧٢ ]
كيف انتشر مذهب الحنفية وعلى يد من كانت المحنة
ما صلي فيه على النبي - ﷺ -. يعني مجلس النعمان» ولهذه الحكاية طرف في (تاريخ بغداد) و(تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم وغيرهما.
وقد علمنا كيف انتشر مذهبكم، أولًا: أولع الناس به لما فيه من تقريب الحصول على الرئاسة بدون تعب في تعب في طلب الأحاديث وسماعهما وحفظهما والبحث عن رواتها وعللها وغير ذلك، إذ رأوا أنه يكفي الرجل يحصل له طرف يسير من ذلك من ثم يتصرف برأيه، فإذا به قد صار رئيسًا!
ثانيًا: ولي أصحابكم قضاء القضاة فكانوا يحرصون على أن لا يولوا قاضيًا في بلد من بلدان الإسلام إلا على رأيهم، فرغب الناس فيه ليتولوا القضاة، ثم كان القضاة يسعون في نشر المذهب في جميع البلدان.
ثالثًا: كانت المحنة على يدي أصحابكم واستمرت خلافة المأمون وخلافة المعتصم وخلافة الواثق، وكانت قوى الدولة كلها تحت إشارتهم فسعوا في نشر مذهبهم في الاعتقاد وفي الفقه في جميع القطار، وعمدوا إلى من يخالفهم في الفقه فقصدوه بأنواع الذي ولذلك تعمدوا أبا مسهر الأعلى بن مسهر عالم الشام وارث فقه الأوزاعي (١) والإمام أحمد بن حنبل حامل راية فقه الحديث (٢) وأبا يعقوب البويطي خليفة الشافعي (٣) وابن عبد الحكيم وغيره من المالكية بمصر، وفي كتاب (قضاة مصر) طرف مما صنعوه بمصر وفي ذلك يقول الشاعر يمدح قاضيكم بمصر:
ولقد بجست العلم في طلابه وفجرت منه منابعًا لم تفجر
فحميت قول أبي حنيفة بالهدى ومحمد واليوسفي الأذكر
_________________
(١) يأتي ترجمته وقد حصل إلى العراق وهدد بالقتل ثم أودع السجن حتى مات.
(٢) قصته معروفة.
(٣) حمل من مصر في القيود والأغلال ثم أودع السجن مقيدًا إلى أصاف ساقيه مغلولة يداه إلى عنقه إلى أن مات.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وفتى أبي ليلى وقول قريعهم زفر القياس أخى الحجاج الأنظر
وحطمت قول الشافعي وصحبه ومقالة ابن علية لم تصحر
ألزقت قولهم الحصير فلم يجز عرض الحصير فإن بدا لك فاشبر
والمالكية بعد ذكر شائع أخملتها فكأنها لم تذكر
ثم ذكر إكراه علماء مصر على القول بخلق القرآن وغير ذلك، راجع كتاب (قضاة مصر) ص ٤٥٢.
رابعًا: غلبت الأعاجم على الدولة فتعصبوا لمذهبكم لعلة في سبيلها وما فيه من التوسع في الرخص والحيل!
خامسًا: تتابعت دول من الأعاجم كانوا على هذه الوتيرة.
سادسًا: قام أصحابكم بدعاية لا نظير لها واستحلوا في سبيلها الكذب حتى على النبي - ﷺ -، كما نراه في كتب المناقب.
سابعًا: تمموا ذلك بالمغالطات التي ضرب فيها الكوثري المثل الأقصى في (التأنيب) كما شرحت أمثلة من ذلك في (الطليعة) وفي هذا الكتاب، ومر بعضها في هذه الترجمة نفسها.
فأما النضج الذي يدعيه الأستاذ فيظهر نموذج منه في قسم الفقهيات، بل في المسألة الأولى منها!
وقد كان خيرًا للأستاذ ولأصحابه ولنا وللمسلمين أن يطوى الثوب على غزة ويقر الطير على مكناتها ويدع ما في (تاريخ بغداد) مدفونًا فيه ويذر النزاع الضئيل بين مسلمي الهند مقصورا عليهم ويتمثل قول زهير:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وماهر عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضر إذا أضريتموها فتضرم
[ ١ / ٤٧٤ ]
طرف من فضائل الإمامين
٩٩- سفيان بن عيينة
فتعرككم عرك الرحى بثفالها وتلقح كشحا ثم تنتج فتتم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها قرى بالعراق من قفيز ودرهم
وقد جرني الغضب للسنة وأئمتها إلى طرف مما أكره، وأعوذ بالله من شر نفسي وسيء عملي، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
ومن أحب الوقوف على فضائل الثوري والأوزاعي فليراجع تراجمهما في (تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم، و(تهذيب التهذيب) وغير ذلك، ولنتبرك بذكر طرف منها: قال شعبة وابن عيينة وابن معين وغير واحد من الأئمة: «سفيان أمير المؤمنين في الحديث» وقال عبد الله بن المبارك: «كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان»، ثم قال: «ما رأيت من سفيان» . وقال عبد الله بن داود الخريبي: «ما رأيت أفقه من سفيان» .
وقال أبو إسحاق الفزاري: «ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي والثوري ولو خيرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي.. وكان والله إمامًا إذ لا نصيب اليوم إماما» . وقال ابن المبارك: «لو قيل لي أختر لهذه الأمة لاخترت الثوري والأوزاعي، ثم لاخترت الأوزاعي لأنه أرفق الرجلين» وقال الخريبي: «كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه» .
٩٩- سفيان بن عيينة. شارك الثوري في بعض الكلمات التي نقمها الأستاذ، ولا حاجة لذكر ذلك هنا ولعلك ترى طرفا منه في مواضعه، وأكتفي بالنظر فيما ذكره الأستاذ في (الترحيب) ص ٢٧ قال: «لم أذكر في (التأنيب) أن سفيان بن عيينة نفسه كان قد اختلط قبل وفاته بسنة أو أكثر فيمكن أن يقع منه هذا التخليط في عام الاختلاط» .
[ ١ / ٤٧٥ ]
أقول: قال الذهبي في (الميزان): «روى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن يحيى بن سعيد القطان قال: أشهد أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة فمن سمع منه فيها فسماعه لاشيء قلت: سمع منه فيها محمد بت عاصم صاحب ذاك الجزء العالي، ويغلب على ظني أن سائر شيوخ أئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع، وأما سنة ثمان وتسعين ففيها مات ولم يلقه أحد فيها لأنه توفي قبل قدوم الحاج بأربعة أشهر؛ وأنا استبعد هذا الكلام من القطان وأعده غلطًا من ابن عمار، فإن القطان مات في صفر من سنة ثمان وتسعين وقت قدوم الحاج، ووقت تحدثيهم عن أخبار الحجاز، فمتى يمكن يحيى بن سعيد من أن يسمع اختلاط سفيان ثم يشهد عليه بذلك والموت قد نزل به؟ فلعله بلغه ذلك في أثناء سنة سبع مع أن يحيى متعنت جدًا في الرجال، وسفيان فثقته مطلقا والله أعلم» . قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب): «ابن عمار من الإثبات المتقين وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة ممن حج في تلك السنة واعتمد قولهم وكانوا كثيرًا فشهد على استفاضتهم؟ وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئًا يصلح أن يكون سببًا لما نقله عن ابن عمار في حق ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعيد ابن السمعاني في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن من (ذيل تاريخ بغداد) بسند له قوي إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث وتحدث اليوم وتزيد في إسناده أو تنقص منه؟ فقال: عليك بالسماع الأول فإني قد سئمت. وقد ذكر أبو معين الرازي في زيادة (كتاب الإيمان) لأحمد أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره باخرة، وإن سليمان بن حرب قال له: إن ابن عيينة أخطأ في عامة حديثه عن أيوب» .
أقول: كان ابن عيينة بمكة والقطان بالبصرة ولم يحج القطان سنة فلعله حج سنة ست فرأى ابن عيينة قد ضعف حفظه قليلا فربما أخطأ في بعض مظان الخطأ من الأسانيد وحينئذ سأله فأجابه كما أخبر بذلك عبد الرحمن بن بشر ثم كأنه بلغ القطان في أثناء سنة سبع أو أوائل سنة ثمان أن ابن عيينة اخطأ في حديثين فعد
[ ١ / ٤٧٦ ]
١٠٠- سفيان بن وكيع
ذلك تغيرا أطلق كلمة «اختلط» على عادته في التشديد.
وقد كان ابن عيينة أشهر من نار على علم فلو اختلط الاختلاط الاصطلاحي لسارت بذلك الركبان وتناقله كثير من أهل العلم وشاع وذاع وهذا (جزء محمد بن عاصم) سمعه من ابن عيينة في سنة سبع ولا نعلمهم انتقدوا منه حرفا واحدا فالحق أن ابن عيينة لم يختلط ولكن كبر سنه فلم يبق حفظه على ما كان عليه فصار ربما يخطئ في الأسانيد التي لم يكن قد بالغ في إتقانها كحديثه عن أيوب والذي يظهر أن ذلك خطأ هين ولهذا لم يعبا به أكثر الأئمة ووثقوا ابن عيينة مطلقا.
ومع هذا فالحكاية التي تكلم فيها الأستاذ هي واقعة جرت لابن عيينة أخبر بها وليس ذلك من مظان الغلط وراويها عنه إبراهيم بن بشار الرمادي من قدماء أصحابه قال أبو عوانة في (صحيحه) ج ١ ص ٣٦٥: «كان ثقة من كبار أصحاب سفيان وممن سمع قديما منه» .
ومناقب ابن عيينة في الكتب المشار إليها في ترجمة الثوري وغيرها ومن ذلك قال ابن وهب صاحب الإمام مالك: «ما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله من ابن عيينة» وقال الشافعي: «ما رأيت أحدا من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة وما رأيت أحدا أكف عن الفتيا منه» وقال أحمد: «ما رأيت أحدا علم بالقرآن والسنن منه» .
١٠٠- سفيان بن وكيع. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٩ عنه قال: «جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا فقال: سمعت أبي حماد يقول بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة فسأله عن القرآن فقال: مخلوق .» قال الأستاذ ص ٥٧ «كان وراقه كذبا يدخل في كتبه ما شاء من الأكاذيب فيرويها هو فنبهو هـ على ذلك وأشاروا عليه أن يغير وراقه فلم يفعل فسقط عن مرتبة الاحتجاج عند النقد» .
أقول: حسن الترمذي بعض أحاديثه وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال:
[ ١ / ٤٧٧ ]
١٠١- سلام بن أبي مطيع
١٠٢- سلامة بن محمود القيسي
«كان شيخا فاضلا صدوقا إلا إنه ابتلى بوراق سوء وهو من الضرب الذين لأن يخر أحدهم من السماء أحب إليهم من أن يكذبوا على رسول الله ﷺ» . وذكر له ابن عدي خمسة أحاديث معروفة إلا أن في أسانيدها خللا ثم قال: «إنما بلاؤه أنه كان يتلقن، يقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه أو مرسل يوصله أو يبدل رجلا برجل» والحكاية التي ساقها الخطيب ليست من مظنة التلقين ولا من مظنة الإدخال في الكتب فإذا صح أن هذا الرجل صدوق في نفسه لم يكن في الطعن فيه بقصة الوراق فائدة هنا واكبر ما في الحكاية قول أبي حنيفة المقالة المذكورة والأستاذ يثبت ذلك ويتبجح به.
١٠١- سلام بن أبي مطيع. مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة سعيد بن عامر. قال الأستاذ ص ١٠٩: «قال ابن حبان لا يجوز أن يحتج بما ينفرد به. وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة وسوء الحفظ» .
أقول هذا الرجل من رجال (الصحيحين) منسوب إلى العقل لا إلى الغفلة فكأن الحاكم صحف، قال أبو داود: «كان يقال هو أعقل أهل البصرة» وقال البزار: «كان من خيار الناس وعقلائهم» وقال أحمد وأبو داود: «ثقة» . وقال ابن عدي: «لم أر أحدًا من المتقدمين نسبة إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة وهو مع ذلك كله لا بأس به» .
فكأن ابن حبان رأى بعض حديثه عن قتادة غريبًا فأطلق، وروايته هنا هنا ليست عن قتادة، وإنما هي قصة جرت لأيوب شهدها سلام وليس ذلك من مظنة الغلط. راجع ص٩.
١٠٢- سلامة بن محمود القيسي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٤ عنه «حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو قال سمعت أبا مسهر يقول كان أبو حنيفة رأس المرجئة» قال الأستاذ ص ٤٤٥ «من الزهاد المستثنين في كل شيء إلا في مثل هذا» !
[ ١ / ٤٧٨ ]
١٠٣- سلمة بن كلثوم
١٠٤- سليمان بن عبد الله
أقول: يعني أن الرجل منهم كان إذا قال: أنا مؤمن. قال: إن شاء الله. وليس هذا بقادح، وقد ذكرت هذه المسألة في قسم الاعتقاديات (١) .
١٠٣- سلمة بن كلثوم. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٧ من طريق أبي توبة «حدثنا سلمة بن كلثوم وكان من العابدين في أصحاب الأوزاعي أحيا منه قال: قال الأوزاعي لما مات أبو حنيفة: الحمد لله إن كان لينقض الإسلام عروة عروة» قال الأستاذ ص ١٠٩: «يقول عنه الدارقطني: كثير الوهم» .
أقول عبارة الدارقطني على ما في (التهذيب) «يهم كثيرًا» وليست حكايته هذه مظنة للوهم، وقد توبع عليها. وراجع ص ٩. وقال أبو اليمان «كان يقاس بالأوزاعي» . (٢)
١٠٤- سليمان بن عبد الله. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٢ من طريق «أحمد بن مهدي حدثنا أحمد إبراهيم حدثني سلم (وفي طبعة الهند: سليمان) بن عبد الله حدثتا جرير عن ثعلبة » وفيه (١٣ / ٣٩٨) مثل هذا السند وفيه «سليمان بن عبد الله» باتفاق النسخ، قال الأستاذ ص ٦٥: «واه إن كان سلم بن عبد الله الزاهد، وليس بشيء إن كان سليمان ابن عبد الله الراقي، وإن كان غيرهما فمجهول» وقال ص ١١٠: «هو أبو وليد الرقي قال ابن معين: ليس بشيء» .
أقول ذكر الذهبي في (الميزان) سليمان بن عبيد الله أبا أيوب الرقي، وذكر قول ابن معين «سليمان بن عبيد الله الرقي ليس بشيء» وذكر قبله بتراجم «سليمان بن عبد الله أبو الوليد القي قال ابن معين: ليس بشيء تعقبه ابن حجر في (اللسان) في هذا فقال: «ما أعلم أن هذا غير أبي أيوب أم لا؟ بل لعله هو فقد ذكر المؤلف
_________________
(١) سلم بن الباهلي. لم أجده - سلم بن عبد الله - يأتي في سليمان بن عبد الله.
(٢) سليم بن عيسى راجع (الطليعة) ص ٨٣ - ٨٥. سليمان بن حسان الحلي. راجع (الطليعة) ص ٧٤.
[ ١ / ٤٧٩ ]
في ترجمته قول ابن معين هذا» . وابن حجر واسع الإطلاع وقد استدرك على الذهبي عدة أو هام، ويظهر أن الذهبي كان إذا ظفر باسم في مطالعاته قيده في مذكراته ليلحقه في موضعه من (الميزان) فقد يقع التصحيف والوهم إما من المأخذ نقل عنه الذهبي وغما من سرعة كتابة الذهبي في مذكرته.
وعلى كل حال فقد جازف الأستاذ بجزمه أن الواقع في السند هو هذا الذي ذكره الذهبي لأنه إن كان هذا الذي ذكره الذهبي لا وجود له فواضح، وإن كان موجودًا فلا يدري في أي عصر كان، وعمن روى، ومن روى عنه، وليس هو من بلد أحمد بن إبراهيم، ولا من بلد جرير، وهذا الاسم «سليمان بن عبد الله» ليس بغريب حتى يقل الاشتراك فيه. أرأيت لو قال قائل: بل المذكور في السند هو سليمان بن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله ابن محمد بن سليمان أبي داود الحراني لأنه موجود قطعًا وكان في تلك الطبقة قطعا ألا يكون هذا أقرب من قول أبي داود الحراني لأنه موجود قطعًا وكان في تلك الطبقة قطعًا ألا يكون هذا أقرب من قول الأستاذ ويقول: هذا سعي في تصحيح المثالب التي يأبى العقل صحتها. فنقول له إن كان العقل الذي يعرفه الناس فلا يضرك معه أن يكون هذا الواقع في السند هو الحراني أو هو أثبت منه لأن الخبر المخالف للعقل لا يقبل ولو من الثقة كما ذكرته أنت في (الترحيب)، وإذا تفرد الثقة بما لا يقبل حمل على الخطأ واسترحت منه. وإن كان المراد بالعقل ما يسميه الناس الهوى فليس لك أن تتبعه، فإن لم تستطع إلا اتباعه فعلى الأقل لا ترم بدائك من هو أقرب إلى الحق منك، فإن صح أن له هوى مضادا لهو اك وتنكر على من خالفك أن تجحده بقلبك وإن جحدته بلسانك، كأن يقال إن المتنين المرويين بهذا السند قد رويا وما في معناهما من طرق أخرى قوية قد ذكرتها أنت أو بعضها في (تأنيبك) . بل لعل أحدهما متواتر التواتر في اصطلاح أهل العلم لا في اصطلاحك الخاص إن أحسنا الظن بك، فإنك تطلق كلمة «متواتر» على ما يشتهر في كتب المناقب وإن كان أصله مما لا تقوم به الحجة!
[ ١ / ٤٨٠ ]
١٠٥- سليمان بن عبد الحميد البهراني
١٠٦- سليمان بن فليح
١٠٥- سليمان بن عبد الحميد البهراني. ذكر الخطيب من طريقة حكاية في ترجمة محمد بن الحسن فقال الأستاذ ص ١٨٦ «مختلف فيه يقول النسائي عنه: كذاب ليس بثقة» .
أقول: قد أحسن الأستاذ بقوله «مختلف فيه» فإن سليمان هذا وثقه مسلمة وقال ابن أبي حاتم: «هو صديق أبي كتب عنه، وسمعت منه بحمص وهو صدوق» وروى عنه أبو داود وهو لا يروى إلا عن ثقة عنده كما مر في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم. وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «كان ممن يحفظ الحديث ويتنصب» والنسائي ﵀ نسب إلى طرف من التشيع وهو ضد التنصب فلعله سمع سليمان يحكي بعض الكلمات الباطلة التي كان يتناقلها أهل الشام في تلك البدعة التي كانت رائجة عندهم وهي النصب. وقد قال الأستاذ ص ٤٦٣: «فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب. ما لم يفسر وجه كذبه » !
١٠٦- سليمان بن فليح. تقدمت من طريقة حكاية في ترجمة خالد القسري. وفي (تاريخ بغداد) ١٤ / ٢٥٦، من طريق «هارون بن موسى الفروي حدثني أخي عمران بن موسى قال حدثني عمي سليمان بن فليح قال حضرت مجلس هارون الرشيد » قال الأستاذ ص ٦٢: «قال أبو زرعة: لا أعرفه ولا أعرف لفليح ولدًا غير محمد ويحيى» وذكر نحو ذلك ص ١٧٥ وزاد «قلت وله أيضًا موسى إلا أنه في عداد المجاهيل، وأما ما يقوله ابن حجر في (اللسان) من احتمال كون الاسم مقلوبًا عن فليح بن سليمان فبعيد عن القبول والاحتمال فسليمان ابن فليح مجهول على كل حال فمجرد تصور شخص يغشى مجلس الرشيد ويرد على مثل أبي يوسف ولا تكون شخصيته معلومة عند أهل العلم سلفا وخلفا كاف في معرفة أن الخبر مختلق، والسند مركب» .
أقول في (الأغاني) ج ١٨ ص٧٣ من طريق «أبي محمد اليزيدي قال كان الرشيد جالسا في مجلسه فأتى بأسير من الروم فقال لذفافة العبسي: قم فاضرب عنقه
[ ١ / ٤٨١ ]
١٠٧- سنيد بن داود
فضرب فنبا سيفه. فقال لابن فليح المدني: قم فاضرب عنقه. فضربه فنبا سيفه أيضًا. فقال: أصلح الله أمير المؤمنين تقدمتني ضربة عبسية » وفيها ج١٤ ص٥٩ «أخبرني الحرمي ابن أبي العلاء ثنا الزبير بن بكار عن عمه عن فليح بن سليمان المشهور توفي سنة ١٦٨ قبل ولاية الرشيد الخلافة، ولا أحسبه دخل بغداد، ولو دخلها لما كان له شأن بمروره مع خالصة في موكبها؛ ومع ذلك فليس هو من آل أبي فروة وهارون وعمران ابنا موسى لم أعرفهما؛ والأشبه والله أعلم أنه كان لفليح بن سليمان المعروف أربعة أبناء محمد ويحيى وموسى وسليمان وجهل أبو زرعة سليمان كما جهل موسى؛ ثم كان لموسى ابنان هارون وهو ابن فليح الذي ذكره اليزيدي وهو الواقع في رواية (الأغاني) الثانية باسم «فليح بن سليمان» أما أن يكون انقلب، وإما أن يكون الأصل «ابن فليح بن سليمان» فسقطت كلمة «ابن» . ولم يكن لسليمان هذا اعتناء برواية الحديث فيعرفه أهل الحديث وإنما كان كما قال أخوه «علامة بالناس» يعني بأخبارهم، ويشهد لذلك قوله في رواية اليزيدي «تقدمتني ضربة عبسية» يشير إلى قصة ورقاء بن زهير العبسي التي ذكرها الفرزدق في قوله:
فسيف بني عبس وقد ضربوا به تبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
وكان منقطعًا إلى خدمة الرشيد وآله، وكثير من هذا الضرب وممن هو أولى بالاشتهار منه لا نكاد نعرف عنهم شيئًا كما يأتي في ترجمة أبي جزي، ومثل هذا لا مانع أن تكون له دالة تجرئه على الكلام في مجلس الرشيد. وعلى كل حال فليس هو ممن يثبت بروايته خبر فان كان هناك ما يدفع صحة خبره كما يقول الأستاذ فالحمل عليه، ولا مسوغ للحكم على السند بأنه مركب، كما زعم الأستاذ. وراجع (الطليعة) ص ٢٧- ٢٨ و٩٣ - ٦٤.
١٠٧- سنيد بن داود. مرت حكايته وكلام الأستاذ فيه والجواب عن بعضه
[ ١ / ٤٨٢ ]
١٠٨- شريك بن عبد الله النخعي القاضي
في ترجمة حجاج بن محمد وبقي قول النسائي: غير ثقة» وقول أبي داود: «لم يكن بذلك» وقول أبي حاتم: «ضعيف» كذا في كتاب ابنه، وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في. لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ وقال الخطيب: «كان له معرفة بالحديث، وما أدري أي سيئ غمضوا عليه، وقد ذكره أبو حاتم في شيوخه الذين يروي عنهم فقال: بغدادي صدوق» . قال الخطيب: «كان له معرفة بالحديث وضبط» .
أقول: ما أراهم غمضوا عليه إلا ما تقدم في ترجمة حجاج، ولعل من شدد لم يتدبر القصة وقد تقدم الجواب الواضح عنها وكفى بقول حاكيها نفسه وهو الإمام أحمد: «كان سنيد لزم حجاجًا قديما، وقد رأيت حجاجًا يملي عليه، وأرجو أن لا يكون حدث إلا بالصدق» .
١٠٨- شريك بن عبد الله النخعي القاضي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٢ عمه: «كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى » وفيه ١٣ / ٣٨١ عن أحمد بن إبراهيم قال: «قيل لشريك استتيب أبو حنيفة؟ وقال: قد علم ذلك العوائق في خدورهن»، وعن يحيى ابن آدم: «سمعت شريكًا يقول: استتيب من الزندقة مرتين» وعن أبي معمر (إسماعيل بن آبارهم معمر) قال: «قيل لشريك: مم استتبتم أبا حنيفة؟ قال: من الكفر» وفيه ٣/٣٩٧ عن شريك «لو كان في كل ريع من أرباع الكوفة خمار يبيع الخمر كان خيرًا من أن يكون فيه من يقول بقول أبي حنيفة» قال الأستاذ ص ٤٠: «معروف أن شريكا كان له لسان ذلق لا واخذه الله وتشنيعه هذا تشنيع من لا يفرق بين مدلولي أو المعتزلة من حيث لا يعلم» وقال ص ٦١: «والتحقيق أن شريكا ثقة في الحديث لكنه طويل اللسان في الناس» وقال ص ٦٤: «الخبر كذب ملفق وخاصة بهذا اللفظ (استتبت أبا حنيفة) لأن شريكا إنما ولي القضاء بعد وفاة أبي
[ ١ / ٤٨٣ ]
حنيفة بخمس سنين» وقال بعد ذلك: «كان يكون ممن لا يعرف ما هي الزندقة؟» وقال ص ١٠٨: «ولو فرضنا أن شريكا قال هذا لكان آذى نفسه لأن أبا حنيفة وأصحابه على قولهم المعروف في الأشربة غير الخمر كانوا يمنعون الناس من احتسائها بخلاف شريك فيكون شريك كأنه ما كان يعجبه منع أصحاب أبي حنيفة من احتساء النبيذ حتى نتمنى أن يكون في كل حي من الأحياء خمار لينتشي كما يشاء وشريك ممن عرف بطول اللسان وقد اضطربت أقواله في أبي حنيفة بين مدح وقدح، وقول أهل النقد فيه معروف، وحسابه على الله» .
أقول: أما القضية الأولى وهي في الارجاء فقد ذكرت المسألة في قسم الاعتقاديات. وأما حال شريك في نفسه فمن أجلة العلماء وأكابر النبلاء، فأما في الرواية فكثير الخطأ والغلط والاضطراب فلا يحتج بما ينفرد به أو يخالف، ونسبه الدارقطني وابن القطان وعبد الحق إلى التدليس. وأما قوله: «استتبت أبا حنيفة» وقولهم له «استتبتم أبا حنيفة؟» فلا مانع من صحته، وقد جاء نحو ذلك سفيان الثوري. وحقيقة الاستتابة أن يقال للرجل «تب» فقد يقول العالم وإن لم يكن قاضيا ولا أميرًا ذلك لغيره، وقد يجتمع عالمان أو أكثر على واحد فيقولون له: «تب» وقد يهددونه بأنه إذا لم يتب رفعوه إلى الحاكم، وقد يحضر الحاكم بعض العلماء ويناورهم في رجل فيستتيبونه بحضرته. وهذا واضح جدًا.
وأما ما قاله الأستاذ في قضية الأشربة فعبث ومقصود شريك واحد والنبيذ عند أهل العراق الذين يرخصون فيه ليس بخمر عندهم، وشريك إنما ذكر الخمار لا النباذ. ولو ذكر الأستاذ ما عنده عن شريك في المدح كما أشار إليه لكان أولى من ما ذكره هنا، بشرط أن يكون في روايته بعض القوة، ولكن الأستاذ يعرف بضاعته!
١٠٩- صالح بن أحمد. راجع (الطليعة) ص ١٢ - ١٨. ووقع في آخر
[ ١ / ٤٨٤ ]
السطر السابع من صفحة ١٣ «أن» والصواب «ألاّ» ويزاد بعد السطر الثالث عشر هذه العبارة «والظاهر أنه جيء به إلى بغداد طفلا أو ولد بها فإن في ترجمته من (تاريخ بغداد) ذكر جماعة من شيوخه وكلهم عراقيون من أهل بغداد والبصرة ونواحيها أو ممن ورد على بغداد، وسماعه منهم قديم فمن شيوخه البغداديين يعقوب الدورقي المتوفى سنة ٢٠٢ ويوسف بن موسى القطان المتوفى سنة ٢٥٣، ومن البصريين محمد بن يحيى بن أبي حزم القطعي المتوفى سنة ٢٥٣ وصرح الخطيب في ترجمة فضلك الرازي بأن أبي مقاتل بغدادي، فلا شأن له من جهة السماع بهمذان ولا بهراة» ويبدل السطر الرابع من صفحة ١٥ بكلمة «بست وأربعين» فإن محمد بن عيسى بن عبد العزيز قتل سنة ٤٣٠ كما في ترجمته من (تاريخ بغداد) ج ٢ ص٤٠٦ وسقط هناك لفظ «عبد» خطأ كما لا يخفى وإن حاول الأستاذ أن يشكك فيه لإفلاسه، وفي (تاريخ بغداد) ١ / ٢١٤ «أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزار بهمذان قال سمعت أبا الفضل صالح بن أحمد بن محمد التميمي الحافظ يقول » . ووقعت في الترجمة من (الطليعة) أخطأ مطبعية لا بأس بأن أشير إليها هنا.
ص ١٢ س ٤: ١، و٢٠. ص ١٠: ابن أبي مقاتل. س ١٤: بصره كما قاله س ١٦: بمثل السند.
ص ١٣ س ٤: همذاني - همذانيان. س ٧: العادة إلا. س ١٢: همذاني.
ص ١٤ س ١١: أبو الفضل. س ١٤ عنها) وكان. س ١٥: ثبتا »
ص ١٥ س ١. ٥٩٢. س ٣: بست وأربعين.
ص ١٦ س ٥: الحذاء روى عنه. س ٦: الحافظ قال.
ص ١٧ س ١١: باثنتين.
[ ١ / ٤٨٥ ]
هذا ولما كانت قضية صالح بن أحمد معها أول انتقاد أتى في (الطليعة) رأى الأستاذ أنه لا يجدر به السكوت عليها مهما كلفه الكلام من التعسف والتعجرف. وكنت ذكرت في (الطليعة) سبعة أوجه تبين أن صالح بن أحمد في السند هو أبو الفضل التميمي الهمذاني الحافظ الثقة المأمون لا ابن أبي مقاتل القيراطي المطعون فيه، فحاول الأستاذ في (الترحيب) الاعتراض على الثلاثة الأوجه الأولى بما حاصله أن كلًا منها لا يقتضي البت.
فأقول: ما منها إلا ما لو بنيت الحكم عليه وحده لصح، وراجع (فتح المغيث) للسخاوي ص ٤٤٩ طبعة الهند فكيف بسبعة أوجه لعل تلك الثلاثة أضعفها، وقد قدمت هنا ما يؤيد تلك الأوجه. هذا وشيوخ القيراطي قدماء كما مر، وهو مرمي بسرقة الحديث، والباعث على سرقة الحديث هو الغرام بدعوى العلو، فمن حملة غرامه بالعلو على الكذب فكيف بعد سماعه من الذين توفوا سنة ٢٥٢ ينزل إلى الرواية عمن كان في تلك السنة طفلًا أو لم يولد؟ وهو القاسم بن أبي صالح المتوفى سنة ٣٣٨ فإن أقدم من سمي من شيوخ القاسم أبو حاتم الرازي المتوفى سنة ٢٧٧، بل لو روى القيراطي عن محمد بن أيوب شيخ القاسم في تلك الحكاية لكان نزولًا فإن محمد بن أيوب توفي سنة ٢٩٤.
ثم ذكر الأستاذ في (الترحيب) ص ٢٦ أنه قد سبقه إلى القول بأن صالح بن أحمد الواقع في السند هو القيراطي، الملك عيسى واللجنة الأزهرية التي علقت على الطبعة الثانية للمجلد الثالث عشر من (تاريخ بغداد) .
فأقول أما أنا فلم أكن وقفت على ذلك. وليس للأستاذ في ذلك عذر، إذ ليس هو ممن يقلد مثل من ذكره في هذه المواضع، وكلامه يدل على أنه لم يقلد، بل بحث ونظر، فغاية الأمر، أن يكون جرأه الغلط على التغالط، فيلحق ذلك بنظائره في (الطليعة) ص٥٢ -٦٦. وقد رد على عيسى واللجنة حيث لم يكن له هوى في الموافقة وذلك قوله ص ٥٦ من (التأنيب): «وأبو مسدد قطن بن
[ ١ / ٤٨٦ ]
إبراهيم وليس المراد قطن بن نسير كما ظن ذلك الملك المعظم، وما وقع في كتاب الملك المعظم المطبوع من ذكر (بشير) بدل (نسير) تصحيف آخر ومتابعة للواهم في (قطن)» .
ثم قال الأستاذ في (الترحيب) ص ٢٨: «ومع هذا لا مانع من قبول تحقيق الأستاذ اليماني في عد صالح بن أحمد في السند هو الموثق مقدارًا بحثه » ثم عاد فأقام الحجة على أن في نفسه مانعًا فقال: «على أن صالح بن أحمد المضعف » وذكر في ص٢٩ أنه لا يبعد أن يكون بين محمد بن عيسى وبين صالح بن أحمد اسم راو سقط من الأصل. يعني فيكون محمد بن عيسى روى عن رجل عن صالح بن أحمد وسقط اسم الرجل.
أقول: هذا التجويز يدل على مبلغ اضطرار الأستاذ. وإنني لأعجب من عقليته الجبارة كيف يجمع بين هذا وأمثاله وبين التألم مما فهمه من (الطليعة) من نسبته إلى تعمد المغالطة؟! على أن هذا التجويز الذي استروح إليه لا يقتصر الحال على أنه لا دليل عليه، بل الدلائل قائمة على خلافة كما يعلم بتدبر ما في (الطليعة) وما هنا.
وتعرض الأستاذ لما ذكرته في (الطليعة) ص ١٩ - ٢٠ من أن الحكاية ثابتة أيضا من وجه آخر عن إبراهيم بن بشار يعرفه الأستاذ، فقال ص ٢٥ من (الترحيب): «ولم يدر المسكين أن ذلك الخبر في السقوط بحيث لا يمكن أن يقوم على قدم فضلًا عن قدمين لاستحالة المتن» . كأن القيام على قدم أيسر عند الأستاذ من القيام على قدمين، وثبوت الخبر بسند أقوى من ثبوته بسندين!!! أما الاستحالة فقد مرَّ الكلام عليها في الفصل الثاني من المقدمة، وتقدم الإشارة إليها قريبًا في ترجمة سليمان بن عبد الله.
ثم ذكر أن ابن أبي خيثمة نسب إلى القدر وكان مختصًا بعلي بن عيسى، وأن إبراهيم بن بشار متكلم فيه، وأن سفيان عيينة اختلط بأخرة.
[ ١ / ٤٨٧ ]
فأقول: أما إبراهيم وسفيان فقد تقدمت ترجمتاهما، وأما ابن أبي خيثمة فقال الدارقطني «ثقة مأمون» وقال الخطيب: «كان ثقة عالما متقنًا حافظًا» هكذا في (تذكرة الحفاظ) و(لسان الميزان) ووقع في (تاريخ بغداد): «متفقا» بدل متقنًا» وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ): «الحافظ الحجة الأمام» فأما القدر فلو ثبت عنه لم يضره كما سلف في القواعد فكيف وهو غير ثابت إذ لا يدري من الناس الذين نسبوه إليه؟ وما مستندهم في تلك النسبة؟ وقد قال الأستاذ ص ٥٦ في قول الحماني: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق. فقال الأستاذ: «قول الراوي: سمعت الثقة يعد كرواية عن مجهول وكذا الثقات» . (١)
وأما اختصاصه بعلي بن عيسى فالظاهر أن الفرغاني لم يذكرها على جهة الذم إذ ليس فيها ما يقتضيه فإن علي بن عيسى الوزير كان من خيار الوزراء مع مشاركته في العلم وعنايته بالعلماء واختصاص ابن أبي خيثمة إنما كان لعلقة العلم.
بعونه تعالى وتوفيقه تم الجزء الأول من «التنكيل»
ويليه الجزء الثاني، وأوله ١١٠
_________________
(١) قلت: في هذا العطف نظر، وأظنه من عنديات الكوثري ككثير غيره مما سبق! فقد قال الحافظ السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص ٣٩٢ رقم الحديث ١٠٤٤) وقد ساقه من طريق عدة من أبناء أصحاب رسول الله عن آبائهم دنية عن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم قال: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو فأنا خصمه يوم القيامة» . قال الحافظ: «وسنده لا بأس به ولا يضره جهالة من لم يسمع من أبناء الصحابة، فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم» . ومع ذلك فلا يزال اعتراض المؤلف على الكوثري قائمًا في قوله: «وما مستندهم في تلك النسبة؟» . ن.
[ ١ / ٤٨٨ ]
التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل
تأليف: العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٦٨)
الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
مع تخريجات وتعليقات
محمد ناصر الدين الألباني - زهير الشاويش - عبد الرزاق حمزة