المكتب الإسلامي
[ ٢ / ٤٨٩ ]
تابع: القسم الثاني: التراجم
١١٠- صالح بن محمد التميمي الحافظ الملقب: «جزرة»
بسم الله الرحمن الرحيم
١١٠- صالح بن محمد التميمي الحافظ الملقب: «جزرة» ذكر الأستاذ ص ١٨٧ قول صالح في الحسن بن زياد اللؤلؤي: «ليس بشيء لا هو محمود عند أصحابنا ولا عندهم يتهم بداء سوء وليس هو في الحديث بشيء» فقال الأستاذ: «جزرة على سعة علمه في الحديث كان بذيء اللسان مداعبا أسوأ مداعبة وهو القائل لمن رأى سوأته قد انكشفت: لا ترمد عيناك أبدًا. بدل أن يخجل ويستتر. وقد قال مرة لمن سأله عن الثوري: كذاب. فكتب السائل قوله، فخاطبة أحد جلسائه مستنكرًا صنيعه: لا يحل لك هذا فالرجل يأخذه على الحقيقة فيحكيه عنك. فقال: أما أعجبك من يسأل مثلي عن مثل سفيان الثوري يفكر فيه أنه يحكى أو لا يحكى. كما في (تاريخ الخطيب) ٩/٤٢٦ و٤٢٧. فيفيد جوابه هذا أنه ممن لا يقبل قوله لضياع كلامه بين الهزل والجد. والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام الحجة مع علمهم بحكم الله في القذفة. ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل» .
أقول: قوله «بذيء اللسان» كلمة شنيعة لا مبرر لها. وقوله «مداعبًا أسوأ مداعبة» إسراف لا مسوغ له، وقد ذكر أشهر ما يحكى من مداعبة صالح فليزنها القارئ وليحكم أهي مما يسوغ لمثل الكوثري أن يقول في هذا الرجل الجليل «بذيء اللسان مداعبًا أسوا مداعبة»؟ ولفظ القصة «كنا نقرأ على صالح جزرة وهو عليل فتحرك فبدت عورته فأشار إليه بعض أهل المجلس بأن يجمع عليه ثيابه، فقال: رأيته؟ لا ترمد عيناك أبدًا» فلا يشك عاقل أنه بادر فاستتر،
[ ٢ / ٤٩١ ]
ولوضوح ذلك لم يحتج الراوي إلى ذكره، فأما الخجل فهو حال نفسية ليس في القصة دليل على عدمه، على أن الذين حضروا وثقلوا عليه في مرضه بطلب السماع أولى بأن يخجلوا، فأما هو فمريض معذور.
وأما قوله لمن سأله عن الثوري فكان السائل كما في القصة «من أهل الرستاق» وفي ذلك مع جواب صالح ما يعلم منه أن السائل كان جاهلًا مغفلًا وثقل على صالح بالسؤال عن المحدثين حتى بلغ من جهله أن يسأل عن سفيان الثوري المجمع على إمامته وجلالته إجماعًا صادقا لا يخفى عن طالب العلم في تلك الأزمنة، وكان الحاضرون غير ذاك الجاهل يعرفون عادة صالح في التنكيت، ويشاهدون جهل السائل وتثقيله، ويعرفون اعتقاد صالح في الثوري، فتجوز صالح في تلك الكلمة عالما بأن الحاضرون سينهبون السائل على الحقيقة، ولو لم ينبهوه لنبهه صالح في المجلس، وما وقع في القصة «أما أعجبك» صوابه «ما أعجبك!» كما يوضحه السياق وقوله «من يسأل مثلي» يريد به أن الرجل مغفل فلو فرض أنه لم ينبه في المجلس وذهب يحكي عن صالح أنه قال لما سأله عن الثوري «كذاب» لما قبل منه ذلك أحد ولا التفتوا إليه لظهور تغفيله عن العلم بحال الثوري وعقيدة صالح فيه.
قول الأستاذ «فيفيد جوابه هذا أنه ممن لا يقبل قوله في الأئمة» .
إن أراد به أنه حكى بعض المغفلين عن صالح مثل تلك الكلمة أنه قالها في مثل الثوري فيما تقدم لم يلتفت إلى تلك الحكاية فحق، وإن كنا لا نعلم شيئًا من هذا القبيل غير ما تضمنته تلك الحكاية.
قوله «لضياع قوله بين الهزل والجد» باطل وأي شيء له من الهزل في هذا الباب غير تلك الحكاية الفذة التي مر توجيهها؟ أما جده في هذا الباب أعني كلامه في
[ ٢ / ٤٩٢ ]
الرواة جرحًا وتعديلًا فأكثر من أن يحصى وهو في قبول ذلك منه كغيره من أئمة الحديث بإجماع أهل العلم.
قوله «والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار » إن أراد به قول صالح في الحسن ابن زياد يتهم بداء سوء» فليس بقذف كما لا يخفى على ذي فقه.
أولًا: لأن صالحًا يثبت، وإنما ذكر أن الحسن يتهم، أي يتهمه بعض الناس، وفي كتب الحنفية أنفسهم «إن قال قد أخبرت بأنك زان لم يكن فيه حد» .
ثانيًا: لأنه لم يثبت الفعل وإنما أثبت اتهام بعض الناس.
ثالثًا: لم يذكر صريح الزنا، وإنما قال «بداء سوء» وأدواء السوء كثيرة بل لعل تلك الكلمة لا تعريض فيها بموجب الحد، وإنما المراد بداء السوء ما دون الفاحشة ولم تقتصر حال اللؤلؤي على التهمة بما دون الفاحشة بل شهد عليه الأئمة الإثبات بفعله في الصلاة كما سلف في ترجمة الخطيب، وتراه في ترجمة اللؤلؤي من (لسان الميزان) وغيره. وصالح مكلف شرعًا بإخبار سائله عن اللؤلؤي بحاله في ما يقتضي عدالته أو جرحه، وقد نص جماعة من أهل العلم على أن قاصد الجرح إذا قال في المسئول عنه «هو زان» لم يكن قذفًا محرمًا وإنما هو شهادة وجب عليه أداؤها. فتدبر ما تقدم ثم انظر هل هناك كلمة يؤدي بها صالح ما وجب عليه أعف وأطهر من قوله «يتهم بداء سوء»؟ وقد حكى الحنفية أنفسهم عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة كلمة شنيعة قالها وليس في ترجمة الخطيب كلمات الكوثري في حقه، فالأستاذ يستحل لنفسه ولأصحابه ما لا يكاد يحل لمن رفع عنه القلم، ويحاول التشنيع على هذا الحافظ المجمع على ثقته وأمانته بكلمة هي أعف وأطهر ما يمكنه أن يؤدي بها ما أوجب الله تعالى عليه، ثم يضج ويعج من مخالفيه إذا نسبوه إلى تعمد المغالطة. وستأتي شيء من حال اللؤلؤي في الرواية في ترجمة محمد بن سعد العوفي.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
١١١- الصقر بن عبد الرحمن بن مالك بن مغول
١١٢- ضرار بن صرد
١١١- الصقر بن عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٣٢ «أخبرني البرقاني أخبرنا محمد بن العباس الخزاز حدثنا عمر بن سعد حدثنا عبد الله بن محمد حدثني أبو مالك بن أبي بهز البجلي عن عبد الله بن صالح بن أبي يوسف » قال الأستاذ ص٢٩: «أبو مالك هو محمد بن الصقر بن عبد الرحمن ابن بنت مالك بن مغول المعروف بابن مالك بن مغول فالصقر وعبد الرحمن من الكذابين المعروفين »
أقول الصقر وعبد الرحمن لا شأن لهما بهذه الحكاية، ولا تزر وازرة وزر أخرى، والصقر ذكره أبو حاتم فقال «صدوق» وذكره ابن حبان في (الثقات) في موضعين سماه في الأول «سقر» وقال «يخطئ ويخالف» وسماه في الثاني «صقر» وقال «في قلبي من حديثه ما حدثنا أبو يعلى ثنا الصقر » فذكر حديثًا قد أنكره غيره على الصقر حتى رماه بعضهم لأجله بالكذب ووضع الحديث، وذاك الحديث رواه الصقر ابن عبد الله بن إدريس أحد الثقات الأثبات عن المختار بن فلفل. قال ابن حجر في (لسان الميزان): «لم ينفرد الصقر بهذا فقد رواه إبراهيم بن زياد السكوني عن بكر بن المختار بن فلفل عن أبيه، وتقدم في ترجمة بكر ورواه ابن أبي خيثمة في (تاريخه) عن عبد الأعلى بن أبي المساور عن المختار بن فلفل - مثله، لكن ابن أبي المساور واهٍ فالظاهر أن الصقر سمعه من عبد الأعلى وأبو بكر فجعله عن عبد الله بن إدريس ليروج له، أو سها» أقول قد بان بصنيع أبي حاتم الرازي وأبي حاتم ابن حبان أنه لم ينكر على الصقر إلا هذا الحديث، وأن بقية أحاديثه مستقيمة، فالحمل على السهو والغلط هو الأقرب وكم من رجل وثقوه وقد وقع له ما يشبه هذا، فأما عبد الرحمن بن مالك بن مغول فتالف. والله أعلم.
١١٢- ضرار بن صرد. في (تاريخ بغداد ١٣/٣٨٠ من طريق «محمد بن يونس ثنا ضرار بن صرد قال حدثني سليم » فذكر الحكاية، ومن طريق «عبد الأعلى بن واصل: ثنا أبو نعيم ضرار بن صرد قال سمعت سليم بن عيسى »
[ ٢ / ٤٩٤ ]
فذكرها. وقال البخاري في ترجمة سليم من (التاريخ الكبير) «قال لي ضرار بن صرد حدثنا سليم سمع سفيان: قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا حنيفة المشرك أني برئ منه. وقال وكان يقول: القرآن مخلوق» وفي رواية الخطيب الثانية «قال سليم كان يزعم أن القرآن مخلوق» وفي الرواية الأولى « إني برئ منه حتى يرجع عن قوله في القرآن» وكأن ذلك من تخليط محمد يونس الكديمي. قال الأستاذ ص٦٠ «ضرار بن صرد هو أبو نعيم الطحان الذي يقول عنه ابن معين: كذاب »
أقول: قال علي بن الحسن الهسنجاني عن ابن معين: «بالكوفة كذابان أبو نعيم النخعي وأبو نعيم ضرار بن صرد» وظاهر هذا تعمد الكذب لكن قال الأستاذ ص١٦٣ «الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم فمن غلط أو وهم في شيء يمكن عده كاذبًا على هذا الرأي فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب. ما لَم يفسر وجه كذبه ولذا عد عند كثير من أهل النقد قول القائل: كذب فلان. من الجرح غير المفسر » أقول وقد قال ابن معين لشجاع بن الوليد أبي بدر السكوني: يا كذاب وقد قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين «شجاع بن الوليد ثقة» وثقه غيره ولكنه يهم ويغلط. فلننظر كلام غير ابن معين في أبي نعيم النخعي واسمه عبد الرحمن بن هانئ. ثم في أبي نعيم ضرار بن صرد. فأما النخعي فقد قال العجلي «ثقة» وقال أبو حاتم «لا بأس به يكتب حديثه» وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج٢ ص٤١٦. وقال البخاري «فيه نظر» معدودة من أشد الجرح في اصطلاح البخاري لكن تعقيبه هنا بقوله «وهو في الأصل صدوق» يخفف من وطأتها. وأما ضرار فروى عنه أبو زرعة أيضًا، وقال البخاري والنسائي «متروك الحديث» لكن البخاري روى عنه وهو لا يروي إلا عن ثقة كما صرح به الشيخ تقي الدين ابن تيمية ومر النظر في ذلك في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن. والظاهر التوسط وهو أن البخاري
[ ٢ / ٤٩٥ ]
١١٣- طريف بن عبيد الله
لا يروي إلا عمن هو صدوق في الأصل يتميز صحيح حديثه من سقيمه كما صرح به في رواية الترمذي عنه كما تقدم في تلك الترجمة. فقوله في ضرار «متروك الحديث» محمول على أنه كثير الخطأ والوهم لا ينافي ذلك أن يكون صدوقًا في الأصل يمكن لمثل البخاري تمييز بعض حديثه. وقال أبو حاتم في ضرار: «صدوق صاحب قرآن وفرائض يكتب حديثه ولا يحتج به، روى حديثًا عن معتمر عن أبيه عن الحسن عن أنس عن النبيﷺ - في فضيلة بع الصحابة ينكره أهل المعرفة بالحديث» .
أقول: متنه: «قال لعلي: أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي» أخرجه الحاكم في (المستدرك) ج٣ ص١٢٢، وقال: «صحيح على شرط الشيخين» قال الذهبي: «بل هو فيما أعتقده من وضع ضرار قال ابن معين: كذاب» .
أقول: لا ذا ولا ذاك، والصواب ما أشار إليه أبو حاتم، فإنه أعرف بضرار وبالحديث وعلله. فكأن ضرارًا لقن أو أدخل عليه الحديث أو وهم، فالذي يظهر أن ضرارًا صدوق في الأصل لكنه ليس بعمدة فلا يحتج بما رواه عنه من لم يعرف بالإتقان ويبقى النظر فيما رواه عنه مثل أبي زرعة أو أبي حاتم أو البخاري. والله أعلم. ولضرار رواية في (مناقب أبي حنيفة) كما في (تاريخ بغداد) . (١)
١١٣- طريف بن عبيد الله. في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١٣ عنه «سمعت ابن أبي شيبة » قال الأستاذ ص١٤٧: «ضعيف عنده مناكير، قال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو زكريا يزيد بن محمد بن إياس الموصلي في (تاريخه) لم يكن من أهل الحديث، توفي سنة ٣٠٤» .
أقول: لم يتهموه بتعمد الكذب، ولكن يظهر أنه كان مغفلًا يحدث على التوهم. والله أعلم.
_________________
(١) طاهر بن محمد. راجع (الطليعة) ص٧٩.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
١١٤- طلق بن حبيب
١١٤- طلق بن حبيب. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٤ من طريقين عن «سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال: جلست إلى أبي حنيفة فذكر سعيد بن جبير فانتحله في الإرجاء، فقلت: يا أبا حنيفة من حدثك؟ قال: سالم الأفطس. قال: قلت: سالم الأفطس كان مرجئًا، ولكن حدثني أيوب قال: رآني سعيد بن جبير جلست إلى طلق فقال: ألم أرك جلست إلى طلق؟ لا تجالسه. قال حماد: وكان طلق يرى الإرجاء. قال: فقال رجل لأبي حنيفة: ما كان رأي طلق؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم قال: ويحك كان يرى العدل» قال الأستاذ ص٤٣: «وقع في الطبعات الثلاث: العدل. وهو مصحف من: القدر. وتصويبه من (الجواهر المضيئة) ولفظ ابن أبي العوام: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر الإمام قال: حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان الحمال قال: حدثنا سليمان بن حرب بن حماد بن زيد قال: جلست إلى أبي حنيفة بمكة فقلت له: حدثنا أيوب قال: رآني سعيد بن جبير قد جلست إلى طلق بن حبيب فقال لي: ألم أرك جلست إلى طلق؟ لا تجالسه. قال أبو حنيفة: كان طلق يرى القدر وطلق بن حبيب بصري من أصحاب ابن عباس والإرجاء الذي يقول هو به بالمعنى الذي قال به جمهور أهل الحق، وقد أحسن أبو حنيفة صنعًا في تَرَوّيه في نسبته إلى شيء من البدع الممقوتة على تقدير صحة المحادثة لأن الجواب على مثله في مثله عدم التسرع، ولما اضطر إلى الجواب بتكرير السؤال أجاب بأنه بصري كان ينسب إلى القدر كغالب أهل البصرة، فيكون هذا هو السبب لقول سعيد بن جبير السابق لا الإرجاء الذي كان يقول به فإنه رأي مشترك بينهم، وأبو حنيفة أعرف بمذهب سعيد بن جبير لأنه من أهل الكوفة وقد أدركه بخلاف حماد بن زيد فإنه بصري متأخر» .
أقول: (تاريخ بغداد) مطبوع عن أصلين عتيقين جيدين بتصحيح جيد وقد دل اتفاق الثلاث الطبع (!) على أن الكلمة فيها الكلمة فيها «العدل»، ومن عرف حرص الأستاذ على تقوية ما يقوله يكاد يجزم بأنه قد راجع الأصلين أو روجعا له. واقتصار الأستاذ على قوله: «وتصويبه من (الجواهر المضيئة)» يجعلنا نشك في الواقع في
[ ٢ / ٤٩٧ ]
أصل كتاب ابن أبي العوام، فإن كان وقع فيه «القدر» كما قال الأستاذ فالواقع في (تاريخ بغداد) أثبت، وحال ابن أبي العوام قد أشرت إليها في (الطليعة) ص٢٧-٢٨. ومؤلف (الجواهر المضيئة) من أهل القرن الثامن ولم يشتهر بالضبط والإتقان، ولا بين مأخذه، وإنما ذكر أن أبا حنيفة قد تكلم في الجرح والتعديل فأوردت كلمات منها أنه قال: «كان طلق يرى القدر» وقد يكون أخذ من كتاب ابن أبي العوام وأصل كتاب
(الجواهر المضيئة) وتصحيحه لا يوازي أصلي (تاريخ بغداد) وتصحيحه وتحريف كلمة «العدل» إلى «القدر» هو الجاري على طريقة التصحيف والتحريف فإن القارئ أو الناسخ إنما يعدل عما لا يعرفه إلى ما يعرفه وقد شرحت طرفًا من ذلك في قسم الفقهيات في مسألة سهمان الخيل من الغنيمة وقد يفهم بعضهم من قول أبي حنيفة: «كان يرى العدل» أنه أراد بالعدل القدر لأن القدرية يسمون أنفسهم أهل العدل فأبدلها ذاك الفاهم بكلمة «القدر» لأنه يرى المعنى واحدًا وكلمة «القدر» أو ضح. وإنما أراد: القول العدل، أي: الحق في زعمه يعني الإرجاء. ومن عرف أبا حنيفة وقوة عارضته جزم أو كاد بأنه لو كان عنده أن طلقًا كان قدريًا وأن سعيد بن جبير إنما نهى عن مجالسته لذلك لبادر إلى ذكر ذلك دفعًا لحجة خصمه، والتروي الذي ذكره الأستاذ لا وجه له، بل ربما يقال: لو كان أبو حنيفة إنما قال بعد أن ألجئ إلى الجواب «كان يرى القدر» لكان هذا أطلق للسان من يعيبه فإن طلقًا لم يصفه أحد بالقدر وقد وصفوه بالإرجاء وهو كالمضاد للقدر. وصف طلقًا بالإرجاء حماد بن زيد وأبو حاتم وابن سعد وقال البخاري في (تاريخه الكبير) ج٢ قسم ٢ ص٣٦٠: «حدثنا مسدد ثنا حماد بن زيد عن أيوب: «ما رأيت أحد أعبد من طلق بن حبيب، فرآني سعيد بن جبير جالسًا معه، فقال: ألم أرك مع طق؟ لا تجالس طلقًا، وكان يرى الإرجاء» . وهذا السند بغاية الصحة، ويبعد أن لا يبين سعيد لأيوب سبب المنع إلا وهو يرى أنه لا يعرفه، وكذلك الحال في أيوب وحماد. والذي كان يعرفه حماد أن السبب هو الإرجاء وشدة أيوب على المرجئة معروفة، وفي (تذكرة الحفاظ) ج٢
[ ٢ / ٤٩٨ ]
ص٧٦ من طريق: «عبد الرحمن بن مهدي عن سلام بن أبي مطيع سمعت أيوب وعنده رجل من المرجئة، فقال الرجل: أرأيت قوله ﷿ ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، أمؤمنون أم كفار؟ قال: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية فيه ذكر النفاق، فإني أخاف على نفسي» .
قول الأستاذ: «قال به جمهور أهل الحق» .
قد كشفت حاله في الاعتقاديات وقد هجر سعيد بن جبير بن عبد الله المرهبي لأجل الإرجاء كما في ترجمة ذر. (التهذيب) .
قوله: «بصري كان ينسب إلى القدر كغالب أهل البصرة»، مردود عليه فإن القدر إنما فشا في البصرة بعد سعيد بن جبير بمدة ومع ذلك، فلم يبلغ أن يكون هو الغالب، وقد ذكر إبراهيم الحربي أبا قطن عمرو بن الهيثم ثم قال: «ثنا عنه أحمد يومًا فقال له رجل إن هذا تكلم بعدكم في القدر. فقال أحمد إن ثلث أهل البصرة قدرية» هكذا في ترجمة أبي قطن من (التهذيب) مع أن كلمة أحمد محتملة للمبالغة لأن المقام يقتضيها.
قَوْله: «أبو حنيفة أعرف بمذهب سعيد بن جبير » مردود عليه أيضًا فإن سعيد أُخرج من الكوفة عقب وقعة ابن الأشعث، وعمر أبي حنيفة سنتان أو ثلاث، وأيوب صحب سعيدًاُ مرة فكيف لا يكون أعرف به؟ وحماد أعرف الناس بأيوب، وهما أعرف بطلق، فإنه بصري مثلهما وقد جالسه أيوب.
هذا وقد عرف من القصة أنه لم يكن لأبي حنيفة حجة على نسبة الإرجاء إلى سعيد ابن جبير إلا ما ذكر أن سالمًا الأفطس حدثه. ولا ندري ما قال سالم عن سعيد، وما الذي سمعه من سعيد فظنه إرجاء، والمرجئة يتمسكون بآيات وأحاديث
[ ٢ / ٤٩٩ ]
١١٥- عامر بن إسماعيل أبو معاذ البغدادي
١١٦- عباد بن كثير
يحملونها على معاني يخالفهم أهل السنة فيها، فلعل سالمًا سمع من سعيد كلامًا حمله على الإرجاء، ولو نقله بنصه لبان على خلاف ما حمله عليه، وسالم وثقه جماعة ونسبوه إلى الإرجاء، وقال بعضهم إنه كان داعية، وقال ابن حبان: «كان ممن يرى الإرجاء، ويقلب الأخبار، وينفرد بالمعضلات اتهم بأمر سوء، فقتل صبرًا» . قيل اتهم بالممالأة على قتل إبراهيم الإمام.
١١٥- عامر بن إسماعيل أبو معاذ البغدادي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧١ من طريقه عن مؤمل بن إسماعيل عن سفيان الثوري عن عباد بن كثير حكاية قال الأستاذ ص٣٨: «مجهول الحال، ولم يخرج له أحد من أصحاب الأصول الستة» .
أقول: هو مقل واغترب عن بغداد، وقد أدرك الأئمة الستة شيوخه ومن هو أكبر منهم، وقد روى الخطيب نحو حكايته من وجه آخر» وراجع ترجمة إبراهيم بن شماس.
١١٦- عباد بن كثير. تقدم قريبًا الإشارة إلى حكايته. قال الأستاذ ص٣٨ «هو الثقفي البصري كان الثوري يكذبه ويحذر الناس من الرواية عنه فكيف يتصور أن يروي الثوري عن مثله؟»
أقول هناك عباد بن كثير آخر، هو الرملي وثقه ابن معين وغيره ووهنه الأكثرون ولم يتبين لي أيهما الواقع في السند؟ وتحذير الثوري من الثقفي معروف، فأما تكذيبه له إنما حكاه الحاكم وأبو نعيم الأصبهاني، ولا أدري من أين أخذاه، فإن صح إنما أراد الوهم والغلط، وقد أثنى على الثقفي بالصلاح جماعة منهم ابن المبارك وأحمد وابن معين وأبو زرعة والعجلي ووصفوه مع ذلك بأنه ليس بشيء في الحديث، وأنه يحدث بما لم يسمع لبلهه وغفلته، فانظر هل يتناول ذلك حكايته المذكور، وهي قَوْله: «قلت لأبي حنيفة » فذكر سؤالًا وجوابًا، وقد تقدم أن الخطيب روى نحوها من وجه آخر. وعلى كل حال فلا مانع أن يحكي الثوري عن
[ ٢ / ٥٠٠ ]
١١٧- عبد الله بن أبي القاضي
عباد ما يظهر له صحته، وفي ترجمة محمد بن السائب الكلبي من (الميزان) «يعلى بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي. فقيل: فإنك تروي عنه. قال: أنا أعرف صدقه من كذبه» .
١١٧- عبد الله بن أبي القاضي. في (تاريخ بغداد) من طريقه «سمعت محمد بن حماد يقول رأيت النبي - ﷺ - في المنام » قال الأستاذ ص١٢١: «لم نر أحدًا وثقه من رجال هذا الشأن وإن روى البخاري عنه في (الضعفاء)، وأما من ظن أنه روى عنه في (الصحيح) فقد وهم وليس هو من شرطه ولم يخرج عنه أحد من أصحاب الأصول الستة» .
أقول: ذكره الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج٢ ص ٢٠٦ قال: «عبد الله بن أبي الخوارزمي الحافظ قاضي خوارزم رحّال جوّال مفضال لحق أحمد بن يونس اليربوعي وسعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وسليمان ابن بنت شرحبيل وإسحاق بن راهويه وطبقتهم، حدث عنه الإمام أبو عبد الله البخاري في (كتاب الضعفاء) و وقد روى البخاري في (صحيحه): أنا عبد الله عن سليمان بن عبد الرحمن (وهو ابن بنت شرحبيل)، فقيل: إنه هو، مات سنة نيف وتسعين ومائتين عن سن عالية التقارب التسعين » وفي ترجمته من (التهذيب) ذكر الحديث المذكور قال: «فقيل إنه ابن حماد الآمُلي، ويحتمل أن يكون هذا فإنه قد روى (البخاري) في (الضعفاء) عدة أحاديث عنه عن سليمان بن عبد الرحمن وغيره سماعًا وتعليقًا» وأشار المزي إلى ذلك في ترجمة عبد الله بن حماد فذكر ابن حجر عن جماعة أنهم جزموا بأنه ابن حماد وأنه وقع في بعض النسخ منسوبًا كذلك. وفي هذا أمران:
الأول: أن البخاري قد روى عنه في (كتاب الضعفاء) عدة أحاديث سماعًا وتعليقًا وذلك يقضي بأنه عنده ثقة أو صدوق كما سلف في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن.
الثاني: أن المزي والذهبي اتفقا على أنه يحتمل أن يكون هو الذي روى عنه في (الصحيح) وهذا يقضي بأن عندهما أهل لأن يخرج عنه البخاري في (صحيحه)
[ ٢ / ٥٠١ ]
١١٨- عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني
وأقرهما ابن حجر على ذلك، غير أنه رجح أن الواقع في (الصحيح) لأنه قد جاء منسوبًا في بعض النسخ وجزم به جماعة. فأما عدم إخراج البخاري له في (الصحيح) إن صح أن راوي ذاك الحديث غيره فهذا لا يدل على أنه ليس على شرط الصحيح لاحتمال أن البخاري إنما لم يخرج له في (الصحيح) بنزول، وقد سمع البخاري من شيوخ هذا الرجل وممن هو أكبر منهم بكثير.
فأما بقية الستة فإنما لم يرووا عنه لأنه من أقرانهم، وأصغر من بعضهم، وقد سمعوا من شيوخه وممن هو أكبر من شيوخه وبلده بعيد فلم يحتاجوا إلى الرحلة إليه والرواية عنه بنزول. [راجع ترجمة إبراهيم بن شماس] .
١١٨- عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني. في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١٤ من طريقه عن أبي بكر الأعين الحكاية التي تقدمت في ترجمة الحسن بن الربيع. قال الأستاذ ص١٥١: «وعبد الله بن أحمد صاحب (كتاب السنة)، وما حواه كتابه هذا كاف في معرفة الرجل، ومثله لا يصدق في أبي حنيفة وقد بلي فيه الكذب » إلى آخر ما مرّ في ترجمة أحمد بن عبد الأصبهاني.
أقول: أما (كتاب السنة) فهو من صفات المحدثين التي لم يلتزم بها صحة كل خبر على حدة، فقد يقع فيه ما في سنده ضعف، وما يكون في الأدلة الثابتة عند أئمة السنة ما يخصصه أو يقيده أو يبينه أو نحو ذلك، وبحسب هذا يكون اعتقاد جامعه وما يريد تثبيته. ومع هذا فلا اعتداد باستنكار من استقى عقيدته من مستنقعات مقالات الراغبين على الصراط المستقيم إلى غيره فإن هؤلاء يستنكرون معاني القرآن نفسه وقد أشبعت الكلام في ذلك في قسم الاعتقاديات، وأما قوله: «لا يصدق في أبي حنيفة» فمن أماني الأستاذ. وأما قَوْله: «وقد بلي فيه بالكذب» فإن كان المراد أنه قد بلي في أبي حنيفة بالكذب، يعني أن الناس قد كذبوا في شأنه، فجوابه أنه قد بلي فيه الصدق أيضًا، والحق إنما هو تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فأما ما سلكه الأستاذ من تصديق الكذابين كأحمد بن محمد
[ ٢ / ٥٠٢ ]
١١٩- عبد الله بن جعفر بن درستويه
بن الصلت ابن المغلس الحماني، وتكذيب الصادقين كأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وأضرابه كعبد الله بن أحمد فهذا طريق لا يرضاه مؤمن. وإن أراد أنه قد بلي في عبد الله بن أحمد الكذب، أي أنه قد جرب عليه أن يكذب، فهذا من قبيل تكذيب الصديقين وقد تقدم الكلام في تلك الحاكية في ترجمة أحمد بن عبد الله الأصبهاني واتضح هناك من هو الكاذب! وقد كنت أشرت إلى طرف من ذلك في (الطليعة) ص٩٢-٩٣ فلم يعرض الكوثري لما في (الترحيب) بشيء. وعبد الله قد أثنى عليه أبوه ووثقه النسائي وابن أبي حاتم والدارقطني والخطيب وغيرهم وأجمع أهل العلم على الاحتجاج به. والله الموفق.
١١٩- عبد الله بن جعفر بن درستويه. كان يروي (تاريخ يعقوب بن سفيان) فرواه عن جماعة، ويروي الخطيب عن رجل عنه فيأخذ الخطيب الحكاية من (تاريخ يعقوب) ولا ينص على ذلك بل يسوقها بالسند عن شيخه عن ابن درستويه عن يعقوب الخ على ما جرت به عادة محدثي عصره كما ترى في (سنن البيهقي) يأخذ من سنن أبي داود وسنن الدراقطني ومؤلفات أخرى كثيرة فيسوق الحديث بسنده إلى أبي داود ثم يصله بسند أبي داود، ويكرر ذلك في كل حديث، وقد قرر أهل العلم أن جل الاعتماد في مثل هذا على الوثوق بصحة النسخة، فلا يضر أن يكون مع ذلك في الوسائط التي دون مؤلف الكتاب رجل فيه كلام، لأنه واسطة سندية فقط، والاعتماد على صحة النسخة، وهذا كما لو أحب إنسان منا أن يسوق بسند له إلى البخاري ثم يصله بسند البخاري لبعض الأحاديث في (صحيحه)، فإنه بعد ظهور أنه إنما يروي بذلك السند من (صحيح البخاري) لا يكون هناك معنى لأن يعترض عليه بأن في سنده إلى البخاري رجلًا فيه كلام. والأئمة الإثبات كالبيهقي والخطيب قد عرف عنهم كمال التحري والتثبت في صحة النسخ، وتأكد ذلك بأن من كان من أهل العلم والنقد في عصرهم وما بعده لم ينكروا عليهم شيئًا مما رووه من تلك الكتب مع وجود نسخ أخرى عندهم، وكانوا بغاية الحرص على أن يجدوا للمحدث زلة أو تساهلًا فيشيعوا ذلك ويذيعوه نصيحة
[ ٢ / ٥٠٣ ]
للدين من وجه، وحبًا للسمعة وللشهرة من وجه آخر، ولما قد يكون في صدر بعضهم من الحنق على الرجل أو الحسد له من وجه ثالث، وقد كان القدماء كسعيد بن أبي عروبة ووكيع وغيرهما يروون من حفظهم وتكون لأحدهم كتب ومصنفات لا تحيط بحديثه فكثيرًا ما يحدث من حفظه بما ليس في كتبه، مع ذلك كان الرجل إذا روى عن أحد هؤلاء ما ليس في كتبه أنكر الناس عليه ذلك قائلين: ليس هذا في كتب ابن أبي عروبة، ليس هذا في كتب وكيع، حتى تناول بعضهم يحيى بن معين إذا روى عن حفص بن غياث حديثًا لم يوجد في كتب حفص كما تقدم في ترجمة حسين بن حميد، فما بالك بالمتأخرين الذين إنما يروون من الكتب، فما بالك بمثل الخطيب الذي قد عرف أنه إنما يروي بذاك السند من كتاب يعقوب، فإذا لم يطعن أحد في شيء يرويه الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب ولا قال أحد: هذه الحكاية ليست في (تاريخ يعقوب) . ولا هذا السياق مخالف لما في (تاريخ يعقوب) بزيادة أو نقص أو تغيير، فقد ثبت بذلك وبغيره صحة نسخة الخطيب وثبوت ذلك عن يعقوب، وهكذا لم يطعن أحد في شيء رواه ابن درستويه عن يعقوب بأنه ليس في كتاب يعقوب إما البتة وإما بذلك السياق، فظهر بذلك أن كل ما رواه ابن درستويه عن يعقوب فهو ثابت في كتاب يعقوب، وبهذا يتبين أن محاولة القدح في كل الحكايات التي يرويها الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب بمحاولة الطعن في ابن درستويه تعب لا يجدي ولا يفيد، ولا يبدئ ولا يعيد. ومع ذلك فلننظر في حال ابن درستويه.
قال الأستاذ ص ٣٥ «كان يحدث عمن لم يدركه لأجل دريهمات يأخذها، فادفع إليه درهمًا يصطنع لك ما شيءت من الأكاذيب، وروايته عن الدوري ويعقوب خاصة منكرة، وقول البرقاني واللالكائي فيه معروف، وتضعف كواهل الخطيب وأذنابه عن حمل أثقال التهم التي ركبت على أكتاف هذا الإخباري الهاذي، وقد أكثر الخطيب عن عبد الله بن جعفر هذا جد الإكثار» .
أقول: قَوْله «يحدث عمن لم يدركه» فرية كما سترى، وَقَوْلُه «لأجل دريهمات يأخذها» فرية أخرى، وصار الأستاذ يكررها في مواضع وينبز هذا الرجل بقوله:
[ ٢ / ٥٠٤ ]
«الدراهمي» ويسيء القول فيه في عدة مواضع. وحقيقة الحال أن هذا الرجل كان يروي عن عباس الدوري أحاديث، ويروي عن يعقوب بن سفيان (تاريخه)، وغير ذلك، وكانت ولادة هذا الرجل سنة ٢٧١ ووفاة يعقوب سنة ٢٧٧ فقد أدركهما قطعًا، وكان سنه لما مات عباس ثلاث عشرة سنة. وقد ذكر الخطيب أن جعفر بن درستويه والد عبد الله هذا كان «من كبار المحدثين وفهمائهم وعنده عن علي بن المديني وطبقته فلا يستنكر أن يكون بكر بابنه في السماع» أقول بل هذا هو الظاهر كما جرت عليه عادة المحدثين في ذاك العصر من التبكير بأبنائهم للسماع من المعتمرين على أمل أن يعيش الابن فيكون سنده عليًا فيكون له بذلك صيت وشهرة ويرحل الناس إليه، وتلك مرتبة يحرص المحدث أن ينالها ابنه. وقد ولد أبو حنيفة سنة ٨٠ بالكوفة ونشأ بها ولم يعرف والده بشيء من العلم، ونشأ هو غير معنيّ بطلب الحديث كما يدل عليه النظر في وفيات شيوخه الذين تثبت روايته عنهم، وعاش أنس ﵁ بالبصرة إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وقيل بعدها بسنة وقيل بسنتين. أي وعمر أبي حنيفة ما بين إحدى عشرة إلى ثلاث عشرة ولم يكن عادة الناس في ذاك العصر بالتبكير بالسماع. وفي (الكفاية) ص٥٤ «قل من كان يثبت (وفي نسخة: يكتب) الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكراتهم وسؤالهم، وقيل: إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة» . ثم روي بعد ذلك حكايات منها «أنه قيل لموسى بن إسحاق: كيف لم تكتب عن أبي نعيم؟ قال: كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث صغارًا حتى يستكملوا عشرين سنة» . وروى الخطيب في (التاريخ) من طريق حمزة السهمي قال «سئل الدارقطني عن سماع أبي حنيفة من أنس هل يصح؟ قال: لا ولا رؤيته» فذكر الأستاذ ذلك ص١٥ ونازع في ذلك بما نظرت فيه في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت، وضج الأستاذ في ص١٩٦ من إنكار سماع بي حنيفة من أنس، قال «مع أن أبا
[ ٢ / ٥٠٥ ]
حنيفة كان أكبر سنًا من أقل سن التحمل عند المحدثين بكثير في جميع الروايات في وفاة أنس» . هذا كله مع أن أسطورة الدراهم والتحديث عمن لم يدركه، إنما أخذها الأستاذ من قول الخطيب «سمعت هبة الدين الحسين الطبري (اللالكائي) ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: بلغني أنه قيل له حدث عن عباس الدوري حديثًا ونحن نعطيك درهمًا ففعل، ولم يكن سمع من عباس» قال الخطيب «وهذه الحكاية باطلة لأن أبا محمد بن درستويه كان أرفع قدرًا من أن يكذب لأجل العرض الكثير فكيف لأجل التافه الحقير وقد حدثنا عنه ابن رزقويه بآمالي أملاها في جامع المدينة وفيها عن عباس الدوري أحاديث عدة» أقول واللالكائي توفي سنة ٤١٨ وقد قال الخطيب في ترجمته «عاجلته المنية فلم ينشر عنه كبير شيء» فهذا يدل أن مولد اللالكائي كان بعد وفاة ابن درستويه بمدة فإن وفاته كانت سنة ٣٤٧. وَقَوْلُه «بلغني » لا يدري من الذي بلغه، ومثل هذا لا يثبت به حكم ما، وقد قال الحماني «سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق» فرده الأستاذ ص٥٦ بقوله «قول الراوي سمعت الثقة. يعد كرواية عن مجهول وكذا الثقات» ثم تراه يبني على قول اللالكائي «بلغني » القصور والعلالي جازمًا بذلك مكررًا نبز ابن درستويه بقوله «الدراهمي» وغير ذلك، ومع أن المبلغ اللالكائي إنما قال: «ولم يكن سمع من عباس» فلم يقنع الأستاذ «الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير صاحب الفضيلة مولانا الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقًا» كما نعته صاحبه على لوح (التأنيب) أو كما نعت نفسه، ولم يقنع بذلك بل قال: «كان يحدث عمن لم يدركه لأجل دريهمات يأخذها»، ثم مع هذا وأمثاله وكثرة ذلك يضج ويعج ويرغى ويزيد إذا نُسب إلى المغالطة، وليت شعري كيف يمكننا إحسان الظن به وحمله على الغلط والوهم من (١) أن تلك الزلات الكثيرة كلها فيما يؤيد به هواه، ولا أذكر له زلة واحدة فيما يخالف هواه.
_________________
(١) كذا الأصل ولعل الصواب (مع) . ن
[ ٢ / ٥٠٦ ]
هذا ولم ينكروا على ابن درستويه حديثًا واحدًا مما حدث به عن الدوري فدل ذلك على أن تلك الأحاديث ثابتة عن الدوري حتمًا، وإنما زعم من لا يُدرى من هو أن ابن درستويه لم يسمع من الدوري، وقد علمت إمكان سماعه منه، فإن ثبت أن ابن درستويه ثقة - وسنثبته إن شاء الله تعالى - ثبت السماع.
أما ما شأنه مع يعقوب بن سفيان فقد علم بما مرّ أنه لما توفي يعقوب كان سن ابن درستويه نحو عشرين سنة لكن قال الخطيب: «سألت البرقاني عن ابن درستويه فقال. ضعفوه لأنه لما روى (التاريخ) عن يعقوب بن سفيان أنكروا عليه ذلك وقالوا له: إنما حدث يعقوب بهذا الكتاب قديمًا فمتى سمعته؟ !» . ولم يبينوا تاريخ تحديث يعقوب بـ (التاريخ) فقد يكون حين كان سن ابن درستويه اثنتي عشرة سنة أو نحوها واستبعدوا أن يكون سمع حينئذ لصغره، وعلى هذا يدل قول الخطيب عقب ما حكاه عن البرقاني، قال: «في هذا القول نظر لأن جعفر بن درستويه من كبار المحدثين فلا يستنكر أن يكون بكر بابنه في السماع من يعقوب بن سفيان» ثم استأصل الخطيب الشأفة واقتلع الجرثومة بقوله «مع أن أبا القاسم الأزهري حدثني قال رأيت أصل كتاب ابن درستويه بتاريخ يعقوب بن سفيان لما بيع في ميراث ابن الآبنوسي (١) فرأيته أصلًا حسنًا ووجدت سماعه فيه صحيحًا»، والأزهري من أهل المعرفة والتيقظ والثقة والأمانة ترجمته عند (الخطيب) ج١٠ ص٣٨٥. فثبت السماع وبطل النزاع.
فأما حال ابن درستويه فتضعيف اللالكائي له قد بين وجهه، وهو قَوْله «بلغني » وقد علمت أنه ليس في ذلك حجة، وقول البرقاني «ضعفوه» قد بين وجهه، وهو استبعادهم أن يكون سمع (التاريخ)، وقد ثبت سماعه له فزال سبب التضعيف. على أنه لو لم يتبين أن ذلك هو وجه التضعيف لكان تضعيفًا مجردًا وهو جرح غير مفسر، وقد ثبت التوثيق. قال الخطيب: «سألت أبا سعد الحسين بن
_________________
(١) بمد الألف وفتح الباء الموحدة أو سكونها وضم النون نسبة إلى (آبنوس) نوع من الخشب البحري. ن
[ ٢ / ٥٠٧ ]
عثمان الشيرازي عن ابن درستويه؟ فقال: ثقة ثقة، حدثنا عنه أبو عبيد الله «الصواب: أبو عبد الله. كما في (لسان الميزان) وهو الحافظ محمد بن إسحاق بن منده من شيوخ الشيرازي هذا كما في ترجمته من (التاريخ) ج٨ ص٨٤» ابن منده الحافظ بغير شيء وسألته عنه، فأثنى عليه ووثقه» وقال الخطيب في ترجمة الشيرازي هذا «كتبنا عنه وكان صدوقًا متنبهًا» وقد تقدم ثناء الخطيب على ابن درستويه.
وذكر الأستاذ ص١٠٥ ما رواه الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب عن الحسن بن الصباح عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: «قال مالك ما ولد في الإسلام مولود أضر على الإسلام من أبي حنيفة. وكان (مالك) يعيب الرأي. ويقول: قبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل » فذكر الأستاذ أن ابن عبد البر ذكر في (كتاب العلم) عن (تهذيب الآثار) للطبري عن الحسن بن الصباح عن الحنيني أن مالكًا قال «قبض رسول الله ﷺ » ولم يذكر ما قبله، قال الأستاذ «فيكون ابن درستويه الدراهمي هو الذي زاد في أول الخبر ما شاءه» .
أقول: ليس هذا بشيء وإنما اقتصر ابن جرير أو ابن عبد البر على موضع الحجة، وقد جرت عادتهم بتقطيع الأحاديث النبوية كما فعله البخاري في (صحيحه) وغيره فما بالك بمثل هذا؟
وقال الخطيب في ترجمة ابن درستويه: «حمل عنه من علوم الأدب كتب عدة صنفها منها (تفسير كتاب الجرمي)، ومنها كتاب في النحو الذي يدعى (الإرشاد)، ومنها كتابه في الهجاء وهو من أحسن كتبه، وروى عنه محمد بن المظفر والدارقطني وابن شاهين حدثنا عنه أبو الحسن بن رزقويه وأبو الحسين بن الفضل وأبو علي بن شاذان » وفي (تاريخ ابن خلكان): «تصانيفه في غاية الجودة والإتقان، منها » وزاد على ما ذكره الخطيب (شرح الفصيح)، (الرد على المفضل الضبي في الرد على الخليل)، (كتاب الهداية)، (كتاب المقصور
[ ٢ / ٥٠٨ ]
١٢٠- عبد الله بن خبيق
١٢١- عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي
والممدود)، (كتاب غريب الحديث)، (كتاب معانيي الشعر)، (كتاب الحي والميت)، (كتاب التوسط بين الأخفش وثعلب في تفسير القرآن)، (كتاب خبر قس بن ساعدة)، (كتاب الأعداد)، (كتاب أخبار النحويين)، (كتاب الرد على الفراء) في المعاني.
١٢٠- عبد الله بن خُبَيْق. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٠ من طريقه «حدثنا أبو صالح الفراء » قال الأستاذ ص٨٥ «صالح، غير صالح لتلقي شيء منه غير القراءة» .
أقول: أما صلاحه فمشهور، وأما روايته فلم يغمزه فيها أحد، وقد ذكره ابن أبي حاتم فقال: «كتب إلى أبي بجزء من حديثه» .
١٢١- عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي. تقدمت الإشارة إلى بعض حكاياته في ترجمة الحارث بن عمير وغيرها. قال الأستاذ ص ٣٦ «الحميدي كذبه عبد الله بن عبد الحكيم - في كلامه في الناس. راجع (طبقات السبكي) ج١ ص٢٢٤ وهو شديد التعصب وقّاع مضطرب يروي مرة عن حمزة بن الحارث ومرة عن الحارث مباشرة» .
أقول: أما التعصب فحقيقته هنا نفرة دينية وقد مر حكمها في القواعد. وأما الوقيعة ففيمن يراه من أهل البدع. قال يعقوب بن سفيان «ثنا الحميدي وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه» وأما الاضطراب في تلك الحكاية فقد أشار الخطيب إلى أن الصواب عن الحميدي ثنا حمزة، وقول محمد بن محمد الباغندي عن أبيه عن الحميدي: حدثني الحارث. وهم من ابن الباغندي أو أبيه، وقد طعن الأستاذ فيهما كما سيأتي في موضعه. وأما قصته مع ابن عبد الحكم فهذه عبارة ابن السبكي التي استند إليها الأستاذ جازمًا بقوله «كذبه في كلامه في الناس» ! قال ابن السبكي «قال ابن خزيمة فيما رواه الحاكم عن الحافظ حسينك التميمي عنه: كان ابن عبد الحكم من أصحاب الشافعي فوقعت بينه وبين البويطي وحشة في مرض الشافعي فحدثني أبو جعفر السكري صديق الربيع قال: لما مرض الشافعي جاء ابن عبد الحكم ينازع
[ ٢ / ٥٠٩ ]
البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك. فجاء الحميدي وكان بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من البويطي، وليس أحد من أصحابي أعلم منه. فقال له ابن عبد الحكم: كذبت. فقال له الحميدي: كذبت أنت وأبوك وأمك. وغضب ابن عبد الحكم فترك مذهب الشافعي. فحدثني ابن عبد الحكم قال: كان الحميدي معي في الدار نحوًا من سنة، وأعطاني كتاب ابن عيينة، ثم أبوا إلا أن يوقعوا بيننا ما وقع» .
فأول ما يجب البحث عنه هنا هو النظر في أبي جعفر السكري حاكي القصة أثقة هو أم لا؟ أما الأستاذ فلم يهمه هذا إذ كان في القصة ما يوافق هواه، وأما أنا فقد فتشت عنه فلم أعرفه، ورأيت القصة في (تاريخ بغداد) ج١٤ ص٣٠١ وفيها «صديق للربيع» وهذا يشعر أنه ليس بالمعروف. فعلى هذا لا تثبت القصة، وإن دلت الشواهد على أن لها أصلًا في الجملة، فإن ذلك لا يُثبت من تفاصيلها ما لا شاهد له. وفي (توالي التأسيس) ص٨٤ عن الربيع صاحب الشافعي قال: «وجه الشافعي الحميدي إلى الحلقة، فقال: الحلقة لأبي يعقوب البويطي فمن شاء فليجلس ومن شاء فليذهب» وكان البويطي أسن أصحاب الشافعي وأفقههم حتى كان الشافعي يعتمده في الفتيا ويحيل عليه إذا جاءته مسألة كما في (الطبقات الشافعية) وكان ابن عبد الحكم حينئذ فتى ابن إحدى وعشرين سنة فلم يكن قد استحكم علمه ولا عقله، فمنازعته للبويطي طيشة من طيشات الشباب. وكان الحميدي أعلمهم بالحديث وأقدمهم صحبة للشافعي، لأنه قدم معه من الحجاز إلى مصر، والباقون إنما صحبوه بمصر، والحميدي قرشي مكي كما أن الشافعي كذلك فهو أقربهم إلى الشافعي وألصقهم به، ولذلك والله أعلم لما ذهب أصحاب الشافعي في مرضه إلى الجامع تخلف الحميدي عنده ثم خشي الشافعي أن يتنازعوا الحلقة فأرسل الحميدي إليهم ليبلغهم عنه، فلو شك ابن الحكم في خبر الحميدي لكان حقه أن يذهب ليراجع الشافعي لكنه عرف صدقه فاضطرم في نفسه اليأس والحزن والغضب وإن بدرت منه تلك الكلمة فهي من فلتات الغضب كما لا يخفى فلا يتشبث بمثلها في الطعن في مثل الحميدي إلا مثل الأستاذ! وقد قال هو نفسه في حاشية
[ ٢ / ٥١٠ ]
تكهنه بأن الشافعي استصحب الحميدي إلى مصر فطمع الحميدي أن يخلفه بعد وفاته
ص٩٩: «وأهل العلم قد تبدر منهم بادرة فيتكلمون في أقرانهم بما لا يقبل فلا يتخذ ذلك حجة» .
وقد أسلفت تحقيق هذا المعنى في القاعدة الرابعة من قسم القواعد، والأستاذ يقصر عن الحق تارة، ويتعداه أخرى!
صعدة نابتة في حائر أينما الريح تميّلها تمل
وهكذا إن كان الحميدي لما استقبله صديقه الفتى الطياش بتلك الكلمة غلبه الغضب فأجاب بما أجاب، وحق للحميدي أن ينشق غضبًا فإنه لو جاء بذاك الخبر أكذب الناس لما ساغ لعاقل أن يكذبه فيه لأن الشافعي حي يرزق بالقرب منهم، تمكن مراجعته بالسهو لة، فمن الذي يجترئ أن يكذب عليه مع علم الحميدي (١) بصدقه وأمانته وأنه لا هوى له، بل لو كان له هوى لكان مع ابن الحكم صديقه الذي أضافه في بيتهم نحوًا من سنة كما نص على ذلك ابن عبد الحكم نفسه. وعلى كل حال فذاك الجواب فلتة غضب أيضًا كما لا يخفى، ولا عتب على الأستاذ في تشبثه به أيضًا لما احتاج إلى الكلام في ابن عبد الحكم كما يأتي في ترجمته!
ولم يبق الأستاذ على نفسه بل أخذ يتكهن فقال في ص ١٣٠ في الحميدي: «لما استصحبه الشافعي إلى مصر باعتبار أنه رواية ابن عيينة أخذ يطمع أن يخلف الشافعي بعد وفاته، ولما علم أن أصحابه لا يرضونه لبعده عن الفقه، حكى الشافعي أن أحق جماعته بمقامه هو البويطي، فكذبه محمد بن الحكم، ولم يكن مثل الإمام الشافعي ليسر إلى آحاد الآفاقيين بما يكتمه عن جماعته، ولو كان رأيه أن يكون البويطي خلفًا له لجاهر بذلك أمام جماعته لئلا يختلفوا بعده، وقد غرم البويطي ألف دينار والألف كثير إلى أن يصلح قلوب الجماعة كما حكى الحافظ ابن حجر في (توالي التأسيس)، وللبراطيل أفاعيل، وكان هوى الحميدي مع البويطي
_________________
(١) كذا الأصل، ولعله سبق قلم المؤلف، والصواب ابن عبد الحكم، كما يدل عليه السياق. ن
[ ٢ / ٥١١ ]
لتقاربهما في المنزع، وبعدهما عن الغوص على دقائق الفقه، بخلاف المزني وابن عبد الحكم ولولا أن كان راويه ابن عيينة لكان الناس استغنوا عنه وعن حديثه لبذاءة لسانه» .
أقول: الحميدي هو الذي اعتمد صحبة الشافعي وفي كتاب ابن أبي حاتم ج٣ قسم ٢ ص ٢٠٢ عن الحميدي أنه يقول: «كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة فقال لي ذات يوم: ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة. قلت: ومن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي. وكان أحمد بن حنبل قد جالسه في العراق. فلم يزل حتى اجترني إليه ودارت مسائل، فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان؟ فوقع كلامه في قلبي فجالسته فغلبتهم عليه وخرجت مع الشافعي إلى مصر» وكان الشافعي قد استكثر من ابن عيينة فلم يكن به حاجة إلى الحميدي ولا غيره، وزعم طمع الحميدي أن يخلف الشافعي بمصر من مخلوقات الأستاذ ليس عليه أدنى شبهة بل كان الحميدي مكينًا بمكة مؤثرًا لها، وإنما فارقها تلك المدة إلى مصر إيثارًا لصحبة الشافعي، فكان أقصى همه أن يعود إليها ودعوى بعده عن الفقه مخلق آخر. إنما كان الغالب على الحميدي الحديث، وقد صحب ابن عيينة وأخذ من أخلاقه، وقد تقدم قول الشافعي في ابن عيينة: «ما رأيت أحدًا من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحدًا أكف عن الفتيا منه» ولعل هذين الأمرين إيثاره الرجوع إلى مكة، وعدم التبسط في الفتوى، من الأسباب التي منعت ترشيحه لخلافة الشافعي.
وحكايته عن الشافعي أن البويطي أحق الجماعة كانت برسالة من الشافعي وهو حي بالقرب منهم يمكنهم مراجعته كما تقدم في القصة نفسها، ومحاولة الأستاذ أن يري القارئ أن الحميدي إنما أخبر بذلك بعد وفاة الشافعي مخلوق آخر من مخلوقاته! وتكذيب ابن عبد الحكم له إن صح طيشة فتى غر محنق كما سلف،
[ ٢ / ٥١٢ ]
والشافعي لم يسرَّ إليه، وإنما كان عنده وبقية الأصحاب بالجامع فأرسله إليهم وهم بحيث تمكنهم مراجعته. وقد جاء عن الربيع قال: «دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبويطي والمزني وابن عبد الحكم، فنظر إلينا الشافعي فأطال، ثم التفت إلينا فقال: أما أنت يا يعقوب فستموت في حديدك، وأما أنت يا مزني فسيكون لك بمصر هنات وهنات، ولتدركن زمانًاُ تكون أقيس أهل زمانك، وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهب أبيك وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قال الربيع: «فكان كما قال» ترى القصة بسندها في (توالي التأسيس) ص٨٥.
والحميدي وإن لم يكن مصريًا فقد كان أعلم الجماعة بالحديث وأقدمهم صحبة للشافعي، ورفيقه في سفره، وكان قرشيًا مكيًا كالشافعي، فأخصيته به واضحة. والمجاهرة قد وقعت. وذاك الاختلاف كان في حياة الشافعي كما هو صريح في القصة. وغرامة البويطي ألف دينار لا شأن للحميدي بها، ولا لاختلاف الأصحاب، فإن الأستاذ إنما أخذ مما في (توالي التأسيس): «قال زكريا الساجي: سمعت إبراهيم بن زياد يقول سمعت البويطي يقول: لما مات الشافعي اجتمعنا في موضعه جماعة من أصحابه فجعل أصحاب مالك يسعون بنا عند السلطان حتى بقيت أنا ومولى الشافعي، ثم صرنا بعد نجتمع ونتألف ثم يسعون بنا حتى نتفرق، فلقد غرمت نحوًا من ألف دينار حتى تراجع أصحابنا وتألفنا» . فغرامة الألف كانت للسعي في إنقاذه من تحبسه الأمراء أو تنفيه من الأصحاب، فإن كان هناك برطيل فللأمراء وأشياعهم. وزعم أن البويطي رشا الحميدي حتى شهد له زورًا بهتانًا عظيم لا يضر في الدنيا والآخرة غلا مختلقه. وزعم أن هوى الحميدي كان مع البويطي مخلوق آخر ولو كان للهوى مدخل لكان هواه مع ابن عبد الحكم صديقه ومضيفه، وكان آل عبد الحكم أهل الكلمة والمكانة والثروة بمصر، لا يكاد يذكر البويطي في ذلك بالنسبة إليهم. وزعم التقارب في المنزع خلاف الواقع فإن الحميدي كان محدثًا قبل كل شيء والبويطي كان فقيهًا قبل كل شيء وبُعد
[ ٢ / ٥١٣ ]
ذكر الوحشة التي كانت بين أبي يوسف ومحمد نقلا من مصدر من مصدر حنفي
البويطي عن الغوص مخلوق آخر فقد كان الشافعي يحيل عليه بالفتوى في حياته وإن كان أقل مخالفة له من المزني، والمزني لم يكن عند وفاة الشافعي يحيل عليه بالفتوى في حياته وإن كان أل مخالفة له من المزني، والمزني لم يكن عند وفاة الشافعي في حد أن يصلح لخلافته كما يعلم من قول الشافعي له: «وليأتين عليك زمان » وكانت سنه عند وفاة الشافعي دون الثلاثين وكأنه إنما صحب الشافعي بأخرة فإنه استعان على ما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع كما مر في ترجمة الشافعي. فأما ابن عبد الحكم فكان دون ذلك بكثير كما يعلم مما مر.
ولم ير الأستاذ في تخرصاته بعد عنائه الطويل ما يغتر به عاقل فأردف ذلك بحاشية علقها على ص ١٣١ أعاد فيها بعض ما تقدم وحاول الاستنساخ على ذلك الأسلوب فلا أطيل بذكر ذلك وما عليه، لكن زاد فيها ما قيل: أن البويطي لما حبس قال: «بريء الناس من دمي إلا ثلاثة حرملة والمزني وآخر» . وقال بعضهم أنه أراد بالآخر ابن الشافعي. فالحكاية ذكرها السبكي بقوله: «قال أبو جعفر الترمذي فحدثني الثقة عن البويطي أنه قال » ولا أدري كيف سندها إلى أبي جعفر ومن شيخ أبي جعفر أثقة كان حقًا أم لا، أسمع من البويطي أم بلغه عنه، والحكاية منكرة، لأن ألئك الثلاثة إن كانوا سعوا به كما قيل فالمباشر لترحيله من مصر وتقييده وحبسه غيرهم فكيف يبرئ المباشرين لظلمه دون الساعين؟ وأيضًا فلا موضع للسعي لأن قضاة مصر الحنفية الجهمية كانوا يتبعون كل من عرف بعلم أو فقه فيكرهو نه على القول بخلق القرآن وشمل ذلك جميع علماء الشافعية والمالكية بمصر. وأشبه ما تحمل عليه الحكاية إن صحة هو أن يكون الجهمية حينئذ إنما كانوا يتعرضون لمن جاهر بالإنكار عليهم وأعلن منابذتهم وتضليلهم، وكان البويطي يؤثر عدم المجاهرة فجاهر أولئك الثلاثة فأدى ذلك إلى قبض الجهمية على البويطي باعتبار أنه رئيس الجماعة والمعروف عن أولئك الثلاثة عقيدة أهل السنة.
وكأن الأستاذ يقيس أصحاب الشافعي على أصحاب أبي حنيفة إذا كذب أبو يوسف محمدًا تكذيبًا صريحًا فيما يرويه عنه ما في كتب الحنفية كـ (شرح السير الكبير) ج ١ ص٣ إذ ذكر الوحشة التي كانت بين أبي يوسف ومحمد ثم قال: «وسببها الخاص ما يحكى أنه جرى ذكر محمد ﵀ في مجلس الخليفة فأثنى عليه
[ ٢ / ٥١٤ ]
من ثناء الأئمة على الحميدي وسبب شدته على أبي حنيفة
الخليفة فخاف أبو يوسف أن يقربه فخلا به وقال: أترغب في قضاء مصر؟ فقال محمد: ما غرضك في هذا؟ فقال: قد ظهر علمنا بالعراق وأحب أن يظهر بمصر. فقال محمد: حتى أنظر. وشاور في ذلك أصحابه فقالوا له: ليس غرضه قضاؤك ولكن يريد أن ينحيك عن باب الخليفة. ثم أمر الخليفة أبا يوسف أن يحضره مجلسه، فقال أبو يوسف: إن به داءً لا يصلح معه لمجلس أمير المؤمنين. فقال: وما ذاك؟ قال: به سلس البول بحيث لا يمكنه استدامة الجلوس. فقال الخليفة: فأذن له بالقيام عند حاجته. ثم خلا بمحمد ﵀ وقال: إن أمير المؤمنين يدعوك، وهو رجل ملول فلا تطل الجلوس عنده، وإذا أشرت إليك فقم ولما مات أبو يوسف ﵀ لم يخرج محمد ﵀ في جنازته» .
لكن الفرق يا أستاذ واضح كان إمام أبي يوسف ومحمد مجلس الرشيد وملاذ الدنيا وبدر الدنانير وتخوت الثياب وغير ذلك، ولم يكن أمام البويطي شيء من ذلك، إنما أمامه مخالفة المالكية والجهمية والدولة واحتاج أن ينفق من صلب ماله وقوت عياله حتى ختم الله له على أيدي أصحابك بالحسنى وزيادة.
من ثناء الأئمة على الحميدي قال الإمام أحمد «الحميدي إمام» وقال أبو حاتم: «هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام» وقال يعقوب بن سفيان: «ثنا الحميدي وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه» .
فأما شدة الحميدي على أبي حنيفة فاضطره إليها ما بلغه عنه مما ذكر بعضه في الترجمة وقد صرح الأستاذ نفسه ص ٣٦ في بعضها أنه كفر صرخ، وتلك الحكاية سمعها الحميدي من حمزة بن الحارث بن عمير يرويها عن أبيه أنه سمعها من أبي حنيفة. وقد روى رجاء بن السندي - وقد تقدمت ترجمته - عن حمزة بن الحارث عن أبيه نحوها كما في الترجمة، وحمزة ثقة عندهم وكذلك أبوه عند القدماء كما تقدم في ترجمته فكان ثقة عند الحميدي، فكان عند الحميدي أن الحكاية صحيحة. وسمع الحميدي أبا صالح الفراء وهو محبوب بن موسى يحدث عن الفزاري وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث قال: قال أبو حنيفة: «إيمان آدم وإيمان إبليس واحد » وقد قال عثمان بن سعيد الدارمي: ثنا محبوب بن
[ ٢ / ٥١٥ ]
١٢٢- عبد الله بن سعيد
١٢٣- عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر بن أبي داود السجستاني
النظر في سند رواية تكذيب أبيه له
موسى الأنطاكي قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: «إيمان أبي بكر الصديق وإيمان أبي بكر واحد » وقد مرت ترجمة الفزاري، وتأتي ترجمة عثمان وحبوب. وكان عند الحميدي أن هذه الحكاية صحيحة أيضًا. ومن تدبر الترجمة علم أنه كان عند الحميدي حكايات أخرى قد سمعها ممن هو عنده ثقة وبهذا يتبين للعالم العاقل أن الحميدي إن كان مخطئًا فهو معذور مأجور إن شاء الله تعالى. وقد عذر أهل السنة بعض من قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وجاهر بسبه ولعنه، فإن كان الحميدي مخطئًا فهو أولى وأجدر بأن يعذر ويؤجر.
فإن قيل فكذلك ينبغي أن تعذروا الكوثري وإن اعتقدتم خطأه.
قلت: أما في خطئه الذي يعذر به فحبًا وكرامة، وأما ما زاد على ذلك، فقد جعل الله لكل شيء قدر!
١٢٢- عبد الله بن سعيد. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٠ من طريق أبي بكر الشافعي «حدثني عمر بن الهيثم البزاز أخبرنا عبد الله بن سعيد - بقصر ابن هبيرة - حدثني أبي أن أباه أخبره أن ابن أبي ليلى كان يتمثل » قال الأستاذ ص ٦٠ «إن كان أبا عباد المقبري وإن كان أبا سعيد الأشج.. وإن كان غيرهما كان مجهولًا هو وأبوه وجده» .
أقول: ما هو بأحدهما. والله أعلم.
١٢٣- عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر بن أبي داود السجستاني. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٣ عنه أنه قال لأصحابه «ما تقولون في مسألة » قال الأستاذ ص٦٨ «كذبه أبوه وابن صاعد وإبراهيم ابن الأصبهاني وابن جرير وهو ناصبي مجسم خبيث روى أخلوقة التسلق عن الزهري كذبًا وزورًا، وقد شهد عليه بذلك شهود عدول هم الحفاظ محمد بن العباس الأخرم وأحمد بن علي بن الجارود ومحمد بن يحيى بن منده وكاد أن يراق دمه في أصبهان بيد أميرها أبي ليلى لولا سعي بعض الوجهاء ممن كان يجل أباه في استنقاذه بالطعن في أمثال هؤلاء
[ ٢ / ٥١٦ ]
الشهود. وهذا حاله وإن راج على من لم يعرف دخائله. وكان هو في صف أبي عبد الله الجصاص المكشوف الأمر ضد ابن جرير» .
أقول: أما كلام أبيه فقال ابن عدي على ما في (الميزان) و(لسانه): «حدثنا علي بن عبد الله الداهري سمعت أحمد بن محمد بن عمر بن كركرة (وفي (تذكرة الحفاظ): محمد بن أحمد بن عمرو) بن كركرة (١) سمعت علي بن الحسين بن الجنيد سمعت أبا داود يقول: ابني عبد الله كذاب قال ابن صاعد: كفانا ما قال أبوه فيه» .
الداهري وابن كركرة لم أجد لهما ذكرًا في غير هذا الموضع وقول ابن صاعد: «ما قال أبوه فيه» إن أراد هذه الكلمة، فإن كانت بلغته بهذا السند فلا نعلمه ثابتًا، وإن كان له مستند آخر فما هو؟ وإن أراد كلمة أخرى فما هي؟ وقد ارتاب الذهبي في الحكاية فقال في (تذكرة الحفاظ) ج٢ ص٣٠٢ بعد ذكر الحكاية بسندها: «وأما قول أبيه فيه فالظاهر أنه إن صح عنه فقد عنى أنه كذاب في كلامه لا في الحديث النبوي وكأنه قال هذا وعبد الله شاب طري ثم كبر وساد» . وقال ابن عدي - مع حشره كلما قيل في عبد الله - قال: كما في (الميزان) «ولولا ما شرطنا (يعني من ذكر كل من تكلم فيه وإن كان الكلام فيه غير قادح) (٢) لما ذكرته وهو معروف بالطلب وعامة ما كتب مع أبيه، هو مقبول عند أصحاب الحديث، وأما كلام أبيه فما أدري أيش تبين منه» .
أقول لم تثبت الكلمة، وقال ابن عدي: «سمعت عبدان يقول: سمعت أبا داود
_________________
(١) وفي مخطوطة الظاهرية من «كامل ابن عدي» (٢٢٨/٢): « سمعت أحمد بن محمد بن عمرو بن عيسى كركرة يقول: سمعت علي بن الحسين » . وهي نسخة جيدة عتيقة لولا أن فيها خرما. ن
(٢) ما بين القوسين من كلام المصنف ﵀ كبيان لعبارة ابن عدي التي اختصرها الذهبي، وقد كاد المصنف أن يوافق عبارة ابن عدي فإن لفظها في (الكامل): «ولولا شرطنا في أول الكتاب أن كل من تكلم فيه متكلم ذكرته في كتابي هذا » . ن
[ ٢ / ٥١٧ ]
السجستاني يقول: ومن البلاء أن عبد الله يطلب القضاء» . كان أبو داود على طريقة كبار الأئمة من التباعد عن ولاية القضاء، فلما طلبه ابنه كره ذلك ومن الجائز إن صح أنه قال: «كذاب» أن يكون إنما أراد الكذب في دعوى التأهل للقضاء والقيام بحقوقه. ومن عادة الأب الشفيق إذا رأى من ابنه تقصيرًا أن يبالغ في تقريعه. وقد قال الأستاذ ص١٦٣. «الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب. ما لم يفسر وجه كذبه» .
وأما ابن صاعد وابن جرير فلم أجد لهما كلامًا غير قول الأول: «كفانا ما قال أبوه فيه» وقد تقدم. وقول الثاني لما قيل له: إن ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي بن أبي طالب: «تكبيرة من حارس» وهذا ليس بجرح إنما مقصوده أنه كما أن الحارس قد يقول رافعًا صوته: الله أكبر، لا ينوي ذكر الله ﷿ وإنما يقصد أن يسمع السراق صوته فيعرفوا أنه موجود يقظان فلا يقدموا على السرقة، فكذلك قد يكون بن أبي داود يروي فضائل علي ليدفع عن نفسه ما رماه بعض الناس من النصب وهو بغض علي ﵁. وقد قال الذهبي في (التذكرة): «لا ينبغي سماع قول ابن صاعد فيه، كما لم يعتد تكذيبه لابن صاعد، وكذا لا يسمع قول ابن جرير فيه، فإن هؤلاء بينهم عداوة بينة» .
أقول وقد قدمت تحقيق هذا البحث في القواعد.
وأما ابن الأصبهاني، فقال ابن عدي: «سمعت موسى بن القاسم الأشيب يقول: حدثني أبو بكر سمعت إبراهيم الأصبهاني يقول: أبو بكر بن أبي داود كذاب، أبو بكر شيخ الأشيب يحتمل أن يكون هو ابن أبي الدنيا لأنه ممن يروي عن إبراهيم وممن يروي عنه الأشيب، ويحتمل أن يكون غيره لأن أصحاب هذه الكنية في ذاك العصر ببغداد كثيرون ولم يشتهر ابن أبي الدنيا بهذه الكنية بحيث إذا ذكرت وحدها في تلك الطبقة ظهر أنه المراد، فعلى هذا لا يتبين ثبوت هذه الكلمة عن ابن الأصبهاني. وابن أبي داود إن كان سنة عند وفاة الأصبهاني سنة ٢٦٦ فوق
[ ٢ / ٥١٨ ]
ثناء الحافظ صالح بن أحمد على ابن أبي داود
الثلاثين فلم يكن قد تصدى للرواية في زمانه. قال الخطيب: «أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى الهمذاني حدثنا أبو الفضل صالح بن أحمد الحافظ قال: أبو بكر عبد الله بن سليمان إمام أهل العراق وعلم العلم في الأمصار نصب السلطان المنبر فحدث عليه لفظه ومعرفته، وحدث قديمًا قبل التسعين ومائتين، قدم همذان سنة نيف وثمانين ومائتين وكتب عنه عامة مشايخ بلدنا ذلك الوقت وكان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو» . بلى كان يذاكر وربما يتعرض لأكابر الحفاظ يذاكرهم فيتفق أن يكون عنده حديث ليس عندهم فتعجبه نفسه ويتكلم بما يعد جرأة منه وسوء أدب فيغضبهم كما فعل مع أبي زرعة. قال «قلت لأبي زرعة «ألق عليَّ حديثًا غريبًا من حديث مالك. فألقى عليَّ حديث وهب بن كيسان عن أسماء: لا تحصي فيحصى عليك. رواه لي عن عبد الرحمن بن شيبة - وهو ضعيف. فقلت له: يجب أن تكتبه عني عن أحمد بن صالح عن عبد الله بن نافع بن مالك. فغضب وشكاني إلى بي وقال: انظر إلى م يقول لي أبو بكر» هكذا في (تهذيب تاريخ ابن عساكر) وغيره. فلعله كان يتعرض بمثل هذا لابن الأصبهاني، فاتفق أن وهم ولجّ فقال ابن الأصبهاني ما قال، إن صحت الحكاية عنه.
فأما بعد أن تصدى للحديث فإن الناس أكثروا السماع منه وكان كثير من الحفاظ يعادونه ويتعطشون إلى أن يقفوا له على زلة في الرواية فلم يظفروا بشيء، ولم ينكر أحد عليه حديثًا واحدًا، وكانوا كلما استغربوا شيئًا من حديثه أبرز أصله بسماعه من أبيه وهو القائل:
إذا تشاجر أهل العلم في خبر فليطلب البعض من بعض أصولهم
إخراجك الأصل فعل الصادقين فإن لم تخرج الأصل لم تسلك سبيلهم
فاصدع بعلم ولا تردد نصيحتهم وأظهر أصولك إن الفرع متهم
وأما النصب فقال ابن عدي على ما في (تذكرة الحفاظ): «نسب في الابتداء إلى شيء من النصب ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط ثم رده علي بن عيسى
[ ٢ / ٥١٩ ]
أخلوقة التسلق وإساءة ابن أبي داود بروايتها دون أن يصرح ببطلانها
فحدث وأظهر فضائل علي ثم تحنبل فصار شيخًا منهم، وهو مقبول عند أصحاب الحديث» ولم يتحقق من الذي نسبه إلى النصب وما حجته في ذلك، وكان الرجل شكس الأخلاق تياهًا وله أعداء. فإن كان شيء فقد تاب وأناب، قال أحمد يوسف الأزرق: «سمعت أبا بكر بن أبي داود غير مرة يقول: كل من بيني وبينه شيء - أو قال: كل من ذكرني بشيء - فهو في حل إلا من رماني ببغض علي بن أبي طالب» .
وأما أخلوقة التسلق فقال ابن عدي: «سمعت محمد بن الضحاك بن عمرو بن أبي عاصم يقول: أشهد على محمد بن يحيى بن منده بين يدي الله قال: أشهد على أبي بكر بن أبي داود بين يدي الله أنه قال: روى الزهري عن عروة قال: حفيت أظافر فلان من كثرة ما كان يتسلق على أزواج النبي - ﷺ -» محمد بن الضحاك هذا له ترجمة في (تاريخ بغداد) ج٥ ص٣٧٦ لم يذكر فيه توثيقًا ولا جرحًا.
وابن منده هو أحد الذين شهدوا بأصبهان فجرحوا، وقد ذكر الحافظان الأصبهانيان الجليلان أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان وأبو نعيم في كتابيهما في (تاريخ علماء أصبهان والواردين عليها) أبا بكر بن أبي داود وأثنيا عليه ولم يتعرضا في ترجمته للقصة، لكن ذكراها في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن بن حفص فقال أبو الشيخ: «كان ورد أصبهان أبو بكر بن أبي داود السجستاني وكان من العلماء الكبار فكان يجتمع معه حفاظ أهل البلد وعلماؤهم فجرى منهم يومًا ذكر علي بن بي طلب رضوان الله عليه فقال ابن أبي داود: إن الناصبة يروون عليه أن أظفاره حفيت من كثرة تسلقه على أم سلمة. فنسبوا الحكاية إليه وألغوا ذكر الناصبة وألبوا عليه جعفر بن شريك وأولاده » وساق أبو نعيم القصة بأتم من ذلك قال: «محمد بن عبد الله بن الحسن بن حفص الهمذاني وهو الذي عمل وسعى في خلاص عبد الله بن أبي داود لما أمر أبو ليلى الحارث بن عبد العزيز بضرب عنقه لما تقولوا عليه وكان ﵀ احتسب في أمر عبد الله بن أبي
[ ٢ / ٥٢٠ ]
داود السجستاني لما امتحن، وتشمر في استنقاذه من القتل، وذلك أن أبا بكر بن أبي داود قدم أصبهان وكان من المتبحرين في العلم والحفظ والذكاء والفهم، فيحسده جماعة من الناس، وأجرى يومًا في مذاكرته ما قالت الناصبة في أمير المؤمنين علي ﵁، فإن الخوارج والنواصب نسبوه إلى أن أظافيره قد حفيت من كثرة تسلقه على زوج أم سلمة زوج النبي - ﷺ -. ونسبوا الحكاية إليه وتقولوا عليه وحرضوا عليه جعفر بن محمد بن شريك وأقاموا بعض العلوية خصمًا له، فأحضر مجلس أبي ليلى الحارث بن عبد العزيز وأقاموا عليه الشهادة فيما ذكر محمد بن يحيى بن منده وأحمد بن علي بن الجارود ومحمد بن العباس الأخرم، فأمر الوالي أبو ليلى بضرب عنقه، واتصل الخبر بمحمد بن عبد الله بن الحسن فحضر الوالي أبا ليلى، وجرح الشهود فنسب محمد بن يحيى إلى العقوق وأنه كان عاقًا لوالده، ونسب ابن الجارود إلى أنه مُربي يأكل الربا ويؤكل الناس، ونسب الأخرم إلى أنه مفتري غير صدوق، وأخذ بيد عبد الله بن أبي داود فأخرجه وخلصه من القتل، فكان عبد الله بن أبي داود يدعوا لمحمد بن عبد الله طول حياته ويدعوا على الذين شهدوا عليه فاستجيب له فيهم وأصابت كل واحد منهم دعوته، فمنهم من احترف، (!) ومنهم من خلط وفقد عقله» . فهذان حافظان جليلان من أهل البلد الذي جرت القضية فيه، وهما أعرف بالقصة والشهود. وبعد أن قضى الحاكم ببراءة ابن أبي داود فلم يبق وجه للطعن فيه بما برأه منه الحكم، وقد شهد ثلاثة خير من هؤلاء على المغيرة بن شعبة وتلكأ الرابع فحد الصحابة الشهود ونجا المغيرة (١) ثم اتفق أهل السنة على أنه ليس لأحد أن يطعن في المغيرة بما برأه منه الحكم. فإن كان أهل العلم بعد ذلك عدلوا الثلاثة الذين شهدوا على ابن أبي داود فليس في ذلك ما ينفي أن يكونوا كانوا حين الشهادة مجروحين بما جرحوا به في مجلس الحكم. بل يقال: تابوا مما جرحوا به
_________________
(١) قد ثبتت هذه القصة من طرق ذكرت أكثرها في «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل» رقم
(٢) وقد أو شك على التمام، يسر الله إتمامه بمنه وكرمه. ن
[ ٢ / ٥٢١ ]
فلذلك عدلهم أهل العلم.
وبعد فقد كانت أم سلمة ﵂ أتم أمهات المؤمنين ولاء لفاطمة ﵍ وللحسن والحسين وأبيهما، وكان علي ﵁ يثق بعظم ولائها وبعقلها ورأيها ودينها فكان يستنصحها ويستشيرها، فقد يكون بعض الناس روى أن عليًا كان يتردد عليها ذلك فأخذ بعض أعداء الله تلك الحكاية وغيرها ذاك التغيير الفاجر، كما غير بعضهم حديث «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» فجعل بدل هارون قارون كما تراه في ترجمة حريز بن عثمان. وكان من عادة المحدثين التباهي بالإغراب يحرص كل منهم على أن يكون عنده من الروايات ما ليس عند الآخرين لتظهر مزيته عليهم وكانوا يعتنون شديدًا لتحصيل الغرائب ويحرصون على التفرد بها كما ترى في ترجمة الحسن بن علي المعمري من (لسان الميزان) وغيره، وكانوا إذا اجتمعوا تذاكروا فيحرص كل واحد منهم على أن يذكر شيئًا يغرب به على أصحابه بأن يكون عنده دونهم، فإذا ظفر بذلك افتخر به عليهم واشتد سروره وإعجابه وانكسارهم. وقد حكى ابن فارس عن الوزير أبي الفضل ابن العميد قال: «ما كنت أظن في الدنيا كحلاوة الوزارة والرياسة التي أنا فيها حتى شاهدت مذاكرة الطبراني وأبي بكر الجعابي » فذكر القصة وفيها غلبة الطبراني قال ابن العميد «فخجل الجعابي، فوددت أن الوزارة لمتكن وكنت أنا الطبراني وفرحت كفرحه» راجع (تذكرة الحفاظ) ج٣ ص١٢١. ولم يكونوا يبالغون في سبيل إظهار المزية والغلبة أكان الخبر عن ثقة أو غيره، صحيحًا أو غير صحيح؟ وقد كان عند زكريا الساجي حديث عن رجل واه ومع ذلك لما لم يوجد ذاك الحديث إلا عند الساجي صار له به شأن. وفي (لسان الميزان): «قال الساجي: كتب عني هذا الحديث البزاز وعبدان وأبو داود وغيرهم من المحدثين. قال القراب: هذا حديث الساجي الذي كان يسأل عنه» . وكانت طريقتهم في المذاكرة أن يشير أحدهم إلى الخبر الذي يرجو أنه ليس
[ ٢ / ٥٢٢ ]
عند صاحبه ثم يطالبه بما يدل على أنه قد عرفه، كان يقول الأول: مالك عن نافع قال ، فإن عرفه الآخر قال: حدثناه فلان عن فلان عن مالك. وقد يذكر ما يعلم أنه لا يصح أو أنه باطل كأن يقول: المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: «أبغض الكلام إلى الله الفارسية» . أو يقول: أبو هريرة مرفوعًا: «خلق الله الفرس» الخ. وقد تقدم في ترجمة حماد بن سلمة.
وكان ابن أبي داود صلفًا تياهًا حريصًا على الغلبة فكأنه سمع من بعض النواصب يروي بسند فيه واحد أو أكثر من الدجالين إلى الزهري أنه قال: قال عروة فحفظ ابن أبي داود الحكاية مع علمه واعتقاده بطلانها لكن كان يعدها للأغراب عند المذاكرة ولما دخل أصبهان ضايق محدثيها في بلدهم فتجمعوا عليه وذاكروه فأعوزه أن يغرب عليهم ففزع إلى تلك الحكاية فقال: الزهري عن عروة فاستفظع الجماعة الحكاية ثم بدا لهم أن يتخذوها ذريعة إلى التخلص من ذلك التياه الذي ضايقهم في بلدهم، فاستقر رأيهم على أن يرفعوا ذلك إلى الوالي ليأمر بنفي ابن أبي داود فيستريحوا منه، إذ لا يرون في القضية م يوجب القتل فلما مر أبو ليلى بما أمر سقط في أيديهم، رأوا أنهم إن راجعوه عاد الشر عليهم فقيظ (١) الله ﵎ ذلك السّري الفاضل محمد بن عبد الله بن الحسن فخلصهم جميعًا. ومن الجائز أن يكون ابن أبي دود قبل نفيه من بغداد وقعت له مثل هذه الواقعة ولكن كان أهل بغداد أعقل من أهل أصبهان فاقتصروا على نسبته إلى النصب ونفيه من بغداد. وعلى كل حال فقد أساء جد الإساءة بتعرضه لهذه الحكاية من دون أن يقرنها بما يصرح ببطلانها، ولا يكفيه من العذر أن يقال قد جرت عادتهم في المذاكرة بأن يذكر أحدهم من يرجوا أن يغرب به على الآخرين بدون التزام أن يكون حقًا أم باطلًا. لكن الرجل قد تاب وأناب كما تقدم والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولو كان الذنب كفرًا صريحًا. وبعد التوبة لا يجوز الطعن في الرجل بما قد تاب منه ولو كان كفرًا. والذين كانوا يشنعون على أبي حنيفة بأنه
_________________
(١) كذا الأصل، وهو لغة في جعل الضاد ظاء وخاصة في الشعر. ن
[ ٢ / ٥٢٣ ]
١٢٤- عبد الله بن صالح
استتيب من الكفر مرتين إنما كانوا يستروحون إلى أن عوده إلى ما استتيب منه حتى استتيب ثانيًا كأنه يريب في صحة توبته الأولى، وأنه بقي عنده ما يناسب ما استتيب منه وإن لم يكن كفرًا، وهذا تعنت سوغه عندهم أنهم احتاجوا إليه للتنفير عن أتباع أبي حنيفة فيما لم يرجع عنه مما يرونه أخطأ فيه.
وبعد فقد أطبق أهل العلم على السماع من ابن أبي داود وتوثيقه والاحتجاج به ولم يبق معنى للطعن فيه بتلك الحكاية وغيرها مما مرّ، فروى عنه الحاكم أبو أحمد والدارقطني وابن المظفر وابن شاهين وعبد الباقي بن قانع حافظ الحنفية وأبو بكر بن مجاهد المقري، وخلق لا يحصون، وتقدم قول بي الفضل صالح بن أحمد التميمي الهمذاني الحافظ فيه: «إمام العراق وعلم العلم في الأمصار » وتقدم أيضًا ثناء أبي الشيخ وأبي نعيم، وذكر السلمي أنه سأل الدارقطني عنه؟ فقال: «ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث» وقال الخليلي «حافظ إمام وقته عالم متفق عليه واحتج به من صنف الصحيح أبو علي النيسابوري وابن حمزة الأصبهاني. وكان يقال: أئمة ثلاثة في زمن واحد ابن أبي داود وابن خزيمة وابن أبي حاتم» وقد طعن لأستاذ في هؤلاء الثلاثة كلهم وعدهم مجسمين يعني أنهم على عقيدة أئمة الحديث، وقد ذكرت ما يتعلق بذلك في قسم الاعتقاديات. وقال محمد بن عبد الله بن الشخير في ابن أبي داود «كان زاهدًا عالمًا ناسكًا ﵁ وأسكنه الجنة برحمته» .
١٢٤- عبد الله بن صالح. مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة الصقر قال الأستاذ ص٢٩ «كتب الليث المختلط» .
أقول: لم يتبين لي أهو هو أم عبد الله بن صالح العجلي أحد الثقات أم غيرهما؟ وكاتب الليث لم يختلط، ولكن أدخلت عليه أحاديث وترى شرح ذلك والفصل فيه في (مقدمة فتح الباري) . (١)
١٢٥- عبد الله بن عدي أبو أحمد الجرجاني الحافظ مؤلف (الكامل) وغيره.
_________________
(١) عبد الله بن عثمان. الصواب عبد الله بن عمر. يأتي
[ ٢ / ٥٢٤ ]
١٢٦- عبد الله بن عمر بن الرماح
تعرض له الأستاذ ص١٦٩ قال: كان ابن عدي عل بعده من الفقه والنظر والعلوم العربية طويل اللسان في أبي حنيفة وأصحابه» .
أقول: أبو أحمد إمام في الحديث ورجاله وعلله، واشتغاله بذلك عن التبسط في الفقه والنظر، لا يدل على بعده عن التأهل لذلك، وكان عنده من معرفة اللسان ما يكفيه، وأما طول لسانه فذلك مقتضى مقامه وله في ذلك أسوة بأكابر أئمة السنة. (١)
١٢٦- عبد الله بن عمر بن الرماح. راجع (الطليعة) ص٦٠ - ٦١. وفي (تهذيب التهذيب) ج٧ ص٤٤٧ وص١٦٠: أنه يقال لعمر بن ميمون بن بحر بن الرماح والد عبد الله هذا «عمر بن الرماح» ينسب إلى جده الأعلى، وهكذا وقع في (سنن الترمذي) في «باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر» ومن لازم هذا أن يقال لعبد الله هذا: «عبد الله بن عمر بن الرماح» فزعم الأستاذ في (الترحيب) ص٤٤ - ٤٥ أنني أنا تزيدت في نسبه ما شيءت من الأسماء. تهمة باطلة، إنما بينت ما قام عليه الدليل، فأما تصحيف «عمر» إلى عثمان كعكسه فكثير في الكتب، وقد ذكرت في (الطليعة) شاهده من كلام الأستاذ نفسه. وإذا ذكر صاحب العلم أنه وقع في العبارة تصحيف أو نسبة للرجل إلى جده أو غير ذلك، فالمدار على الدليل فإن كان معه دليل فحقه أن يشكر، وإلا فحقه أن يعاب ويزجر، ولا سيما إذا كان الدليل يدفع ما ذكره. فلا يكفي الأستاذ في دفع ما انتقدته عليه من هذا القبيل مما يخالف الدليل أن ينتقد علي ما وقع مني من ذاك القبيل حيث يقتضيه الدليل!.
بقي أن الأستاذ زعم أن عبد الله زعم أن عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرماح مجهول الصفة. فأقول: قال ابن حبان في (الثقات): «عبد الله بن عمر بن ميمون بن الرماح السعدي أبو عبد الرحمن البلخي قاضي نيسابور روى عن مالك ووكيع وأهل
_________________
(١) عبد الله بن علي المديني. راجع (الطليعة) ص ٦٩ - ٧٠.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
١٢٧- عبد الله بن عمرو أبو معمر المنقري
العراق، حدثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاري وعبد الله بن محمد الأزدي: مستقيم الحديث إذا حدث عن الثقات، وقد قيل: كنيته أبو محمد، وكان مرجئًا، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين» . وهذا من ابن حبان توثيق مقبول كما يأتي في ترجمته.
قال الأستاذ: «فلا يناهض ما تواتر » .
أقول: أجل، لا يناهض ما صح تواتره، بل لا يناهض ما هو أثبت منه وإن لم يتواتر، فإن كان الذي يناقض خبر عبد الله هذا متواترًا حقًا أو أثبت من خبر عبد الله على الأقل، اندفع خبر عبد الله، وليس هذا موضع النظر في ذلك، وقد عرفنا الأستاذ ودعاويه. والله الموفق.
١٢٧- عبد الله بن عمرو أبو معمر المنقري. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٢ من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: «حدثني أبو معمر قال: قيل لشريك » قال الأستاذ ص٦٤: «فإن كان عبد الله بن عمرو المنقري البصري فهو قدري لا تقبل روايته في حق مخالفه في المذهب، وإن كان الهروي فقد سبق. على أن لفظ أبي معمر لفظ انقطاع» .
أقول: هو الهروي حتمًا واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن معمر تقدمت ترجمته، وفي ترجمته من (تهذيب التهذيب): « نزيل بغداد روى عن شريك وعنه البخاري ومسلم وعبد الله بن أحمد قال عبد الله بن أحمد سمعت أبا معمر يقول: من زعم أن الله لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر - وذكر أشياء من الصفات - فهو كافر بالله مات سنة ٢٣٦» فأما المنقري فبصري معقد توفي سنة ٢٢٤ وعبد الله بن أحمد ولد ببغداد سنة ٢١٣ وليس في ترجمته من (التهذيب) ذكر روايته عن شريك ولا رواية لعبد الله بن أحمد عنه، وهو مع ذلك ثقة جليل. وما ذكر به من القدر لا يقدح فيه، وقول الأستاذ: «لا تقبل روايته في حق مخالفه» وقد تقدم النظر في ذلك في القواعد، وكذلك النظر فيما يتعلق بقوله: «لفظ انقطاع» . وكلا الرجلين أعني: المنقري، والهروي غير مدلس. والله الموفق.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
١٢٨- عبد الله بن محمد بن حميد أبو بكر بن أبي الأسود
١٢٨- عبد الله بن محمد بن حميد أبو بكر بن أبي الأسود. في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٨٧ -) عنه «عن بشر بن مفضل قال قلت لأبي حنيفة » قال الأستاذ ص٧٨: قال ابن أبي خيثمة: كان ابن معين سيء الرأي في أبي بكر بن أبي الأسود» .
أقول هذا مجمل وقد جاء عن ابن معين أنه قال: «ما أرى به بأسًا» وجاء عنه أيضًا أنه قال: «لا بأس به ولكنه سمع من أبي عوانة وهو صغير وقد يطلب الحديث» فهذا يفسر رواية ابن أبي خيثمة. وقال ابن المديني: «بيني وبين أبي الأسود ستة أشهر ومات وأبو عوانة وأنا في الكتاب» ومولد ابن المديني سنة ١٦١ وذكر هو أن وفاة أبي عوانة سنة ١٧٥ وقال غيره سنة ١٧٦. فعلى ذلك يكون سن ابن أبي الأسود حين وفاة أبي عوانة خمس عشرة سنة أو أكثر وكان ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي فقد يكون ساعده هو أو غيره في الضبط، وقد صح الجمهور السماع في مثل تلك السن وفيما دونها. نعم يؤخذ من كلام بعضهم أن أبا عوانة توفي سنة ٢٧٠ ووقع في (تاريخ جرجان) لحمزة السهمي حكاية ذلك عن بعض الحفاظ كما يأتي في ترجمة أبي عوانة فعلى هذا يكون سن ابن أبي الأسود نحو تسع سنين لكن ذلك القول شاذ ومع ذلك فابن تسع سنين قد يصح سماعه عندهم. والذي يرفع النزاع من أصله أنه ليس في سماع الرجل وهو صغير ما يوجب الطعن فيه، وإنما يتوجب الطعن فيه، وإنما يتوجه الطعن إذا كان السماع غير صحيح، ومع ذلك كان الرجل يبني عليه ويروي بدون أن يبين وهذا منتف ها هنا، أما أو ّلًا فلأن احتمال صحة سماعه من أبي عوانة ظاهر ولا سيما على المعروف من أن وفاة أبي عوانة كانت سنة خمس أو ست وسبعين ومائة. وأما ثانيًا فلأن البخاري وأبا داود والترمذي أخرجوا لابن أبي الأسود ولم يذكروا شيئًا من روايته عن أبي عوانة وذلك يدل على أحد أمرين: إما أن يكون ابن أبي الأسود لم يروعن أبي عوانة شيئًا، وإما أن يكون ربما روى عنه مع بيان الواقع. وعلى هذا فيكون كلام ابن معين وابن المديني إنما هو على
[ ٢ / ٥٢٧ ]
١٢٩- عبد الله بن محمد بم جعفر بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني الحافظ
سبيل الاحتياط علمًا أنه سمع من أبي عوانة وهو صغير فخشيا أن يعتمد على ذلك فيروي من غير بيان. فأما حاله في نفسه وفي روايته عن غير أبي عوانة فلا مطعن فيه، وقد روى عنه البخاري في (صحيحه) وروى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده كما في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وقال الخطيب: «كان حافظًا متقنًا» . وحكايته المتقدمة أول الترجمة من روايته عن بشر بن المفضل المتوفى سنة ١٨٧، أي حين كان سن ابن أبي الأسود ستا وعشرين سنة أو أزيد. والله الموفق.
١٢٩- عبد الله بن محمد بم جعفر بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني الحافظ. قال الأستاذ ص٤٩: «صاحب (كتاب العظمة) و(كتاب السنة) وفيهما من الأخبار التالفة مالا آخر له، وقد ضعفه بلديه الحافظ العسال بحق» .
أقول: أما ما في كتبه من الأخبار الواهية فهو كغيره من حفاظ عصره وغيرهم قال ابن حجر في (لسان الميزان) ج٣ ص٧٥ في ترجمة الطبراني: «عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث الأفراد مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات وهذا أمر لا يختص به الطبراني بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته» وقد مر النظر في ذلك في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني.
فأما العسال فهو أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان الأصبهاني، له أيضًا كما في ترجمته من (تذكرة الحفاظ) ج٣ ص٩٧ (كتاب العظمة)، و(كتاب المعرفة في السنة)، و(كتاب الرؤية) وغيرها ولعل فيها نحو ما في كتب أبي الشيخ. وما زعم الأستاذ أن العسال ضعف أبا الشيخ فلم أظفر بذلك، إلا أني أذكر أنني قبل مدة وقفت على قصته في كتاب لا أذكر الآن أي كتاب هو؟ جرت ببن عالمين، فإن كانا هما العسال وأبا الشيخ فحاصل القصة على ما أذكر أن
[ ٢ / ٥٢٨ ]
١٣٠- عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني
أبا الشيخ كان عنده حكاية يرى العسال أنه خطأ من بعض الرواة أو أن فيه مقالة رجع عنها صاحبها، وذكر العسال أنه سيهجر أبا الشيخ حتى يخرج الحكاية من كتابه، وليس في هذا تضعيف، ولا أذكر في القصة ما يصح أن يعد تضعيفًا، وعلى العالم أن لا يُعمي مصدره فيتعب الناس ويرتابوا فيه. بل ينبغي له أن ينص على مصدره اللهم إلا أن يكون على طرف التمام كأن يقول في راوٍ: ضعفه فلان، وذلك موجود في ترجمة الرجل من (الميزان) مثلًا فهذا لا حرج فيه. فأما من يعمي مصدره ولا سيما في عصرنا هذا، فإنما يدل على أنه لأمر م يكره أن يعرفه الناس والكتب التي بأيدينا ليس فيها إلا لثناء على أبي الشيخ وتوثيقه وإطراؤه فلم يذكر الذهبي في (الميزان) ولا ابن حجر في (اللسان) ولا أشار الذهبي إلى تليين له في
(تذكرة الحفاظ) وهكذا عدة كتب أخرى توجد فيها ترجمته وذلك م تعمية الأستاذ لمصدره كافٍ في الدلالة على أن ما زعمه لأستاذ غير صحيح، إما لعدم صحة إسناده، وإما لأنه ليس ما وقع بتضعيف، وإما لغير ذلك.
هذا وقد كنت كتبت إلى بعض أهل العلم أسألهم، فلم أحصل على خبر إلا أن أحدهم أخبرني أنه اجتمع بالأستاذ الكوثري نفسه (١) .
١٣٠- عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني. في (تاريخ بغداد) (١٣/٤٠٤): أخبرني أبو نصر أحمد بن الحسين القاضي بالدينور أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني الحافظ قال: حدثني عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا هارون بن إسحاق سمعت محمد بن عبد الوهاب القناد يقول: حضرت مجلس أبي حنيفة فرأيت مجلس لغو لا وقار فيه، وحضرت مجلس سفيان الثوري فكان الوقار والسكينة والعلم فلزمته» . قال الأستاذ ص١٢٥: «ليس أبا الشيخ ابن حيان لأنه لم يدرك هارون بن إسحاق الهمذاني المتوفى سنة ٢٥٨ بل هو القاضي القزويني الكذاب
_________________
(١) كذا الأصل، والظاهر أن المصنف لم يتذكر جيدًا نتيجة الاجتماع، فأحب التأكد منها بسؤال المخبر فلم يتيسر له ذلك، حتى جاءه الموت. رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
المشهور الذي وضع على لسان الشافعي نحو مائتي حديث ولم يرو الشافعي شيئًا من ذلك أصلًا، لكن الخطيب لا يتورع أن يروي بطريقه في مثالب أبي حنيفة كما لا يتحرج أن يروي بطريقه في مناقب الشافعي ولولا مثل هذه الأمور المكشوفة لما كانت السهام المصوبة إلى نحر الخطيب لتصيب المقتل منه» .
أقول: أما الجزم بأنه ليس أبا الشيخ ففي محله، وأما الجزم بأنه القزويني فليس بجيد لأنهم لم ينصوا على أنه يروي عن هارون ولا على أن ابن السني يروي عنه، وكتب الرجال التي بين أيدينا لم تستوعب الرواة، نعم يظهر من كلام الذهبي في خطبة (الميزان) أنه استوعب المتكلم فيهم، أن من لم يذكره فهو إما ثقة وإما مستور، ومعلوم أن ذلك بحسب ما وقف عليه ولم يغفل عنه، وقد استدرك عليه من بعده جماعة ووقفت أنا في الكتب الأخرى على أفراد مضعفين لم يذكروا في (لسان الميزان) . وحاول جماعة استيعاب الثقات. والموجود بين أيدينا من كتاب ابن حبان وهو مختص بالقدماء هارون ابن إسحاق وطبقته من قبلهم، وكثيرًا ما يوجد في أسانيد كتب الحديث التي لم يعتن أهل العلم باستيعاب رواتها وكتب التاريخ وغيرها مما تذكر فيه الأخبار بأسانيدها أسماء رواة لا نجدهم في الكتب التي بأيدينا ومنها أسماء تشبه الموجودين في الكتب ولكن تقوم القرائن على أن المذكور في السند رجل آخر، فإن فرضنا أن الخطيب التزم أن لا يروي في (تاريخه) شيئًا عن مثل القزويني فهذه قرينة على أنه كان يرى أن هذا الرجل غير القزويني، وإن كان الخطيب لم يلتزم ذلك وفرضنا أن هذا الرجل هو القزويني وأن الخطيب عرف ذلك فعذر الخطيب واضح وهو أنه لم يلتزم أن لا يروي عن مثله مثل تينك الحكايتين.
أما الحكاية التي في (مناقب الشافعي) فإنما هي رؤيا لا تضع حكمًا ولا ترفعه، والمناقب مما يتسامح فيها وقد تسامح الحنفية في رواية الأكاذيب المكشوفة والأحاديث الموضوعة في مناقب إمامهم كما يأتي في ترجمة محمد بن سعيد البورقي مع أمثلة أخرى لا تحصى، وتبعهم الخطيب نفسه فروى في مناقب أبي حنيفة كثيرًا من
[ ٢ / ٥٣٠ ]
١٣١- عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بصاحب الخان بأرمية
ذلك، بل تسامح الحنفية في الكتب التي يسميها الأستاذ «المسانيد السبعة عشر»، وزاد عليهم الأستاذ فاحتج أشياء من ذلك.
وأما الحكاية التي في صدر هذه الترجمة فما يتعلق منها بالثوري ثابت من غير وجه كما يعلم من مراجعة ترجمته في (تقدمة الجرح التعديل) لكتاب ابن أبي حاتم و(تاريخ بغداد) وغيرهما «حتى كان الرجل يجئ إلى المكان الذي فيه الثوري وأصحابه فيقرب من المكان فيحسبه خاليًا فإذا فتح الباب وجده غاصًا بالناس» . وما يتعلق بأبي حنيفة إنما المراد باللغو رفع الأصوات في المناظرة وبالرأي والمراد بالوقار خفض الأصوات. وعلى هذا فمعنى ذلك ثابت أيضًا بروايات أخرى. ومع هذا فالقزويني إنما خلط في آخر عمره فإن كان هو الواقع في السند وعرف الخطيب ذلك فلعله علم أن سماع بن السني من القزويني قديم. قال مسلمة بن قاسم في القزويني: «كان كثير الحديث والرواية وكان فيه بأوٌ (١) شديد وإعجاب، وكان لا يرضى إذا عورض في الحديث أن يخرج لهم أصوله ويقول: هم أهو ن من ذلك. قال: فحدثني أبو بكر المأمون وهو من أهل العلم العارفين بوجوهه قال: ناظرته يومًا وقلت له: ما عليك لو خرجت لهم أصلًا من أصولك؟ فقال: لا ولا كرامة ثم قام فأخرجها، وعرض عليّ كل حديث اتهموه فيه مثبتًا في أصوله» وقال ابن يونس: «كان محمودًا في القضاء وكانت له حلقة بمصر وكان يظهر عبادة وورعًا، وثقل سمعه جدًا، وكان يفهم الحديث ويحفظ ويُملي ويجتمع إليه الخلق فخلط في الآخر ووضع أحاديث » ثم قال: «مات بعد أن افتضح بيسير» .
١٣١- عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بصاحب الخان بأرمية. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٨ «أخبرنا أبو نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي بسادة حدثنا عبد الله (كذا) محمد بن جعفر المعروف بصاحب الخان بأرمية قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي » قال الأستاذ ص١١١ «والله أعلم بحال من لا يعرف إلا بصاحب الخان بأرمية» .
_________________
(١) أي تكبر وتفاخر - زهير
[ ٢ / ٥٣١ ]
١٣٢- عبد الله بن محمد بن سيار الفرهياني ويقال الفرهاذاني
أقول: وأنا لم أعرفه ولا أدري ما الساقط أكلمة «بن» بعد عبد الله أم كلمة «أبو» قبلها؟
١٣٢- عبد الله بن محمد بن سيار الفرهياني ويقال الفرهاذاني. في (تاريخ بغداد) الأئمة تلعن أبا فلان على هذا المنبر - وأشار إلى منبر دمشق. قال الفرهياني: وهو أبو حنيفة» قال الأستاذ ص١٤٥ «من شيوخ ابن عدي ومحمد بن الحسن النقاش ومن طرازهما في المعتقد فلا يوثقه إلا مثله» قال قبل ذلك: «لعن شخص معين لا يكون فيه نص في الشرع على أنه من أهل النار يعد ذنبًا عظيمًا في هذا الدين الحنيف على أن في رواية أبي مسهر كانت الأئمة تلعن أبا فلان فجعل الفراهيناني (١) الخبيث أبا فلان أبا حنيفة من غير دليل »
أقول: قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ج٢ ص٢٥ «الحافظ الإمام الثقة روى عنه محمد بن الحسن النقاش المقرئ وأبو أحمد بن عدي وأبو بكر الإسماعيلي وبشر بن أحمد الأسفرائني وأبو عمرو بن حمدان وغيرهم قال ابن عدي: كان رفيق النسائي وكان ذا بصر بالرجال وكان من الأثبات، سألته أن يملي عليّ عن حرملة؟ فقال: حرملة ضعيف.
ثم أملى عليّ ثلاثة أحاديث ولم يزدني» وقد حاول الأستاذ ص٦٦ أن يجعل ابن أبي العوام من الثقات الأثبات لأنه روعن النسائي، مع أن رواية عن مثل النسائي أو من هو خير منه لا تدل على إسلام الراوي فكيف عدالته؟ فكيف أن يكون من الثقات الأثبات. فأما مرافقة مثل النسائي في العلم وطلبه فدلالتها على حسن حال المرافق ظاهرة؛ وابن عدي من أجلة
_________________
(١) كذا قال الأستاذ، وقال: «وقع في الطبعات الثلاث بدل (الفراهيناني) (الفرهياني) وهو غلط» كذا قال، وفراهينان من قرى مرو ليس منها هذا الرجل، وإنما هو من فرهاذان فيقال له: «الفرهاذاني» على الأصل و«الفرهياني» على التغيير كما في (معجم البلدان) . (المؤلف) قلت: ونحوه في «اللباب» وذلك مما يؤكد غلط الكوثري. ن
[ ٢ / ٥٣٢ ]
١٣٣- عبد الله بن محمد بن عبد العزيز أبو القاسم البغوي
أئمة الفن وإن كره الأستاذ. ومعتقده هو السنة بل هو الإسلام وإن رغم الجهمية! وقد تقدم الإشارة إلى هذا في قسم القواعد وبسطت الكلام في العقائد في قسم الاعتقاديات.
وأما لعن المعين فالخلاف فيه مشهور. ولعل من شدد في المنع منه إنما ذهب إلى سد الذريعة لئلا يتوصل إلى لعن بعض الصحابة. على أنه قد كان يبلغ علماء دمشق عن أبي حنيفة كلمات يرونها كفرًا وبعضها مسطر في (التأنيب) نفسه، وظاهر أسانيدها الصحة، فلا مانع أن يبنوا على ظاهر ذلك ومن بنى على الظاهر فأخطأ فهو معذور. وقول الفرهياني «وهو أبو حنيفة» لم يقلها بغير دليل وقد مرّ في (الترجمة) نفسها من (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٨ من طريق أبي مسهر نفسه «قال سلمة بن عمرو القاضي على المنبر: لا رحم الله أبا حنيفة فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق» والدعاء بعدم الرحمة هو معنى الدعاء بالإبعاد عنها وهو معنى اللعن. فأما قول الأستاذ: «الخبيث» فأدع حسابها إلى الله ﷿.
١٣٣- عبد الله بن محمد بن عبد العزيز أبو القاسم البغوي ابن بنت حمد بن منيع. و: ابن منيع. و: المنيعي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٨: «أخبرنا العتيقي أخبرنا جعفر ابن محمد بن الطاهري حدثنا أبو القاسم البغوي حدثنا زياد بن أيوب حدثني حسن بن أبي مالك وكان من خيار عباد الله قال: قلت لأبي يوسف القاضي: ما كان أبو حنيفة يقول في القرآن؟ قال فقال: كان يقول: القرآن مخلوق. قال قلت: فأنت يا أبا يوسف؟ فقال: لا. قال أبو القاسم: فحدثت بهذا الحديث القاضي البرتي، فقال لي: وأي حسن كان، وأي حسن كان؟ يعني: الحسن بن أبي مالك. قال أبو القاسم: فقلت للبرتي: هذا قول أبي حنيفة؟ قال: نعم المشيءوم، قال جعل يقول: أحدث بخلقي» قال الأستاذ ص٥٤: «هذه كذبة متراكبة على ألسنة أبي يوسف وابن أبي مالك وأحمد بن القاسم البرتي وثلاثتهم من أغير أهل العلم على مذهب بي حنيفة، وأرطبهم لسانًا في الثناء على أبي حنيفة. ولا أتهم بهذه الرواية السخيفة سوى أبي القاسم البغوي - إن كان الخطيب سمعها من العتيقي،
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وقد قال ابن عدي عن حاله عند أهل بغداد: وجدت الناس أهل العلم والمشايخ مجمعين على ضعفه. وتجد بعد هذا الإجماع من يروي عنه. وكم أوقع الرواة تطلب العلو في الرواية عن الضعفاء والهلكى، لولا أن البغوي الحنبلي عاش وعلت سنه لما كان يروي عن أحد ممن له شأن لظهور مبدأ أمره كما سبق» .
أقول: أما غيرة أولئك الثلاثة على مذهب أبي حنيفة وثناؤهم عليه فلم يصح من ذلك أن يخالفوه في تلك المقالة كما خالفه أبو يوسف في مسائل لا تحصى، ولا مانع من أن يخبر بعضهم بعضًا بها، ولا أن يخبرها الحسن زيادًا ليعلمه براءة أبي يوسف من تلك المقالة، ولا سيما إذا علم أنه مستفيضة عن أبي حنيفة، وكان حفيده إسماعيل بن حماد يصرخ بها صراخًا أيام المحنة وأنها دين أبيه وجده، وجاء عن الحِمَّاني أنه حدثه عشرة كلهم ثقات أنهم سمعوا أبا حنيفة يقول هذه المقالة. الأستاذ وإن تكلم في الرواة فهو يعترف بل يتبجح بأن أبا حنيفة كان يقول ذلك. وكذلك لا مانع أن يخبر البرتي البغوي لعلمه بأنه قد علم ذلك وليعلمه براءته، مع أن الحسن والبرتي كانا من لاعتدال والاستقامة وحب السنة بمكان، ولذلك أطاب أهل الحديث أنفسهم الثناء عليهما.
وأما البغوي فإن أهل العلم بعده أجمعوا على توثيقه، هذا ابن عدي بعد أن حط عليه بما لا يوجب جرحًا لم ينكر عليه إلا حديثًا واحدًا أشار إلى أنه غلط في إسناده فأثبت ابن حجر في (لسان الميزان) أن الغلط من شيخ البغوي، وأن البغوي بعد اطلاعه على أنه غلط كف عن روايته ثم عاد ابن عدي فأنصف وقال: «ولولا أني شرطت أن كل من تُكُلِّمَ فيه (يعني ولو بكلام يسير لا يقدح) أذكره أذكره وإلا كنت لا أذكره» . وأعرض الخطيب عن كلام ابن عدي رأسًا، وذكره ابن الجوزي في (المنتظم) ج٦ ص٢٢٩ وذكر بعض كلام ابن عدي وأجاب عنه وقال: «هذا كلام لا يخفى أنه صادر عن تعصب» وقال الذهبي في (الميزان): «تكلم فيه ابن عدي بكلام فيه تحامل ثم في أثناء الترجمة أنصف ورجع عن الحط عليه» . وإنما كان البغوي عالي الإسناد حديد اللسان يفتخر على المحدثين في عهده في
[ ٢ / ٥٣٤ ]
عبد الله بن محمد بن عثمان المزني الحافظ: ابن السقاء (تعليق)
١٣٤- عبد الله بن محمد العتكي
١٣٥- عبد الله بن محمود
بلده ويتكلم فيهم فيتكلمون فيه بم ليس بموجب جرحًا، وروى الخطيب أن ابن أبي حاتم سئل البغوي فقال: «لا شك أنه يدخل في الصحيح» وعن الدارقطني أنه سئل عن البغوي فقال: «ثقة جبل إمام من الأئمة ثبت أقل المشايخ خطأ» وعن موسى بن هارون أنه سئل عن البغوي؟ فقال: «ثقة صدوق لو جاز أن يقال لإنسان إنه فوق الثقة لقيل له» . وقال الخطيب في أول ترجمته «كان ثقة ثبتًا مكثرًا فهمًا عارفًا» . وقال الذهبي في (التذكرة): «واحتج به عامة من خرج الصحيح كالإسماعيلي والدارقطني والبرقاني وقال أبو يعلى الخليلي: البغوي شيخ معمر حافظ عارف صنف مسند عمه وقد حسدوه في آخر عمره فتكلموا فيه بشيء لا يقدح فيه» . ووثقه أيضًا مسلمة بن قاسم كما في (لسان الميزان) فهذا هو الإجماع يا أستاذ! وهل يضر البغوي بعد ذلك أن يتهمه مثلك؟
وأما الخطيب فقد ترجمته وأنت تعرف صدقه وثبته حق المعرفة وإن أظهرت التشكك. والله المستعان. (١)
١٣٤- عبد الله بن محمد العتكي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٢٥ من طريق «الأبار حدثنا عبد الله بن محمد العتكي البصري حدثنا محمد بن أيوب الذراع قال: سمعت يزيد بن زُريع » قال الأستاذ ص١٦: «العتكي والذراع مجهولان» .
أقول: لم أعرفهما بعد وفي الرواة حسين بن محمد بن أيوب الذراع يروي عن يزيد بن زريع وغيره كما في ترجمته من (التهذيب) وهو بصري ثقة. فالله أعلم.
١٣٥- عبد الله بن محمود. راجع (الطليعة) ص٨٦ - ٨٧. زعم الأستاذ في (الترحيب) أنه لم يوثقه أحد من أهل عصره (٢) وأن الحاكم متأخر عنه، مع أن الحاكم
_________________
(١) عبد الله بن محمد بن عثمان المزني الحافظ المعروف بابن السقاء راجع (الطليعة) ص٤٨-٤٩ وراجع (تذكرة الحفاظ) ج٣ ص٢٣١.
(٢) انظر ما يأتي في ترجمة عبيد الله بن عبد الكريم.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
١٣٦- عبد الله بن معمر
١٣٧- عبد الأعلى بن مسهر أبو مسهر الدمشقي
لا يعتد به. فأما الذهبي فمتابع للحاكم. ثم أومأ الأستاذ إلى أن بعض أهل عصره وثقه، وأنني إذا فتشت وجدته.
فأقول: لا حاجة إلى التفتيش، والحاكم أقرب إلى عبد الله بن محمود من ابن معين إلى أبي حنيفة! فضلًا عن التابعين وأتباعهم الذين يوثقهم ابن معين وعمل أهل العلم بتوثيقه لهم، والحاكم إمام مقبول القول في الجرح والتعديل ما لم يخالفه من يرجح عليه وستأتي ترجمته. ولم يقتصر الذهبي على حكاية كلمة الحاكم بل قال من عنده: «الحافظ الثقة»، وفوق ذلك فعبد الله من شيوخ ابن خزيمة كما في (تذكرة الحفاظ) ولعله روى عنه في صحيحه. ومن شيوخ ابن حبان كما في معجم البلدان (بُسْت) وذكره في (ثقاته) وذكر تاريخ وفاته، وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حق المعرفة من أثبت التوثيق كما يأتي في ترجمته.
١٣٦- عبد الله بن معمر. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٢ من طريق أحمد بن مهدي حدثنا عبد الله بن معمر حدثنا مؤمّل بن إسماعيل » قال الأستاذ ص٦٥: «متروك كما في (الميزان)» .
أقول: الذي في (الميزان) لا يتبين أهذا هو أم غيره. والحكاية التي ساقها الخطيب لما عنده عدة طرق أخرى.
١٣٧- عبد الأعلى بن مسهر أبو مسهر الدمشقي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٢ من طريق «يعقوب بن سفيان حدثني علي بن عثمان بن نفيل حدثن أبو مسهر حدثني يحيى بن حمزة » قال الأستاذ ص٣٩: «ممن أجاب في المحنة، فترد الرواية مطلقًا عند من يرد رواية من أجاب في المحنة» .
أقول: هذا إمام جليل من الشهداء في سبيل السنة ومن فرائس الحنفية الجهمية لمخالفته لهم في الفقه والعقيدة ولم يجب بحمد الله تعالى، ومن زعم أنه أجاب فقد صرح بأن ذلك بعد تحقق الإكراه، قال ابن سعد: «أشخص من دمشق إلى المأمون في المحنة فسئل عن القرآن فقال: كلام الله. فدعي له بالسيف ليضرب عنقه، فلما
[ ٢ / ٥٣٦ ]
١٣٨- عبد الرحمن بن بشير بن سلمان
رأى ذلك فقال: مخلوق. فأمر بإشخاصه إلى بغداد فحبس بها فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات» وقال أبو داود: «كان من ثقات الناس، لقد كان من الإسلام بمكان حمل على المحنة فأبى، وحمل على السيف فمد رأسه وجرد السيف فأبى أن يجيب، فلما رأوا ذلك منه حمل إلى السجن فمات» . وأبو داود أثبت من عدد مثل ابن سعد، والظاهر أنه لم يحضر الواقعة واحد منهما ولكن بعض الحاضرين لها من الجهمية أخبر بما ذكر ابن سعد، وبعض الحاضرين من أهل السنة أخبر بما ذكر أبو داود. والمشدِّد على الذين أجابوا في المحنة هو الإمام أحمد ومع ذلك لم يقل لا تقبل روايتهم، وإنما كره الكتابة عنهم. وقد سلف بيان الوجه في ذلك في ترجمة إسماعيل بن إبراهيم بن معمر، ثم الظاهر أن ذاك خاص بمن أجاب قبل تحقق الإكراه. فأما أبو مسهر فإن كان أجاب فبعد تحقق الإكراه وقد أثنى عليه بعد موته الإمام أحمد نفسه قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: رحم الله أبا مسهر ما كان أثبته» .
١٣٨- عبد الرحمن بن بشير بن سلمان. في (تاريخ بغداد) (١٣/١٨١) من طريق «علي بن ياسر حدثني عبد الرحمن بن الحكم بن شتر (؟ بشير) بن سلمان عن أبيه أو غيره وأكبر ظني أنه من غير أبيه قال: كنت عند حماد بن أبي سليمان » قال الأستاذ ص ٦١: «ولم أر من وثقه» .
أقول: ذكر ابن أبي حاتم في جملة من روى عن عبد الرحمن هذا أبا زرعة ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ص ٤١٦. وذكر ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن موسى قال: ما رأيت أحدًا أفهم لمشيخة أبي إسحاق الهمداني من عبد الرحمن بن الحكم» قال ابن أبي حاتم: «سمعت محمد بن مسلم (بن وارة) يقول: كان عبد الرحمن بن الحكم أعلم الناس بشيوخ الكوفيين» . ورأيت ابن أبي حاتم ينقل أشياء من كلامه جرحًا وتعديلًا وهذا يقتضي أنه عنده ممن يقبل منه ذلك (١) .
_________________
(١) عبد الرحمن بن داود بن منصور. راجع (الطليعة) ص ٩٠ - ٩١: عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد أبو الميمون البجلي تقدم في ترجمة تمام.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
١٣٩- عبد الرحمن بن عمر الزهري أبو الحسن الأصبهاني الأزرق المعروف برسته
١٣٩- عبد الرحمن بن عمر الزهري أبو الحسن الأصبهاني الأزرق المعروف برسته. في (تاريخ بغداد) (١٣/٤١٠) عنه عن جبر وهو عصام بن يزيد الأصبهاني «سمعت سفيان الثوري يقول: أبو حنيفة ضال مضل» قال الأستاذ ص١٣٦: «رسته أصبهاني ميلاده سنة ١٨٨ في رواية ابن أخيه قبل وفاة ابن مهدي بعشر سنين فقط ويستبعد أن يجهل ابن أخيه ميلاده، ومع هذا يقال: إنه روى عن ابن مهدي ثلاثين ألف حديث فلا يتصور هذا لإكثار لابن عشر وقد انفرد ابن ماجه من أصحب الأصول الستة بالرواية عنه. قال أبو موسى المديني: تكلم فيه أبو مسعود - وهو الحافظ البارع أحمد بن الفرات الرازي - كتب إلى أهل الري وينهاهم عن الرواية عنه. ويكثر الغريب في حديثه، وقال أبو محمد بن حيان غرائب حديثه تكثر» .
أقول في (تهذيب التهذيب): «قال محمد بن عبد الله بن عمر بن مزيد: ولد عمي عبد الرحمن سنة ١٨٨ ومات سنة ٢٥٥ وقال أبو الشيخ: مات سنة ٢٤٦ ويقال سنة ٥٠» قال ابن حجر «في صحة ما ذكر من مولده نظر. فإن أبا نعيم في (تاريخ أصبهان) وصفه بأنه كان رواية يحيى القطان وابن مهدي وابن مهدي مات سنة١٩٨ ويحيى القطان مات أيضًا في أوائل سنة ٩٨» أقول: وقفت على نسخة قلمية من (كتاب أبي الشيخ) ونسخة قلمية من (تاريخ أبي نعيم) وفي كل واحد منهما أنه مات سنة ٣٤٦ ويقال سنة ٥٠ (١) ولم يذكروا خلاف ذلك ولا ذكرا مولده ولم أجد فيهما ترجمة لابن أخيه. وذكرا أخاه عبد الله وأنه أيضًا رواية لابن مهدي والقطان وأنه توفي سنة ٢٥٢ زاد أبو نعيم: «ولد سنة سبع وثمانين ومائتين» كذا، وفي المطبوعة: سبع وثمانين ومائة. وذكر أبو نعيم أخاهما محمد بن عمر وقال: «توفي سنة ثلاث وستين ومائتين وله اثنان وسبعون سنة وكان أصغر الأخوة» ! وكنت أخشى أن يكون في العبارة تصحيفًا، لكن في النسخة المطبوعة ١/١٨٧ ما يوافقها، ولفظه: «توفي سنة ثلاث وستين ومائتين في الوباء وله اثنان وتسعون
_________________
(١) قلت: وكذلك في مخططة الظاهرية من (طبقات المحدثين بأصبهان» (ق ٧٣/٢) .
[ ٢ / ٥٣٨ ]
سنة»؛ فعلى هذا سكون مولده سنة ١٧١ فعلى أقل تقدير يكون مولد عبد الرحمن سنة ١٧٠. وذكر أبو الشيخ وأبو نعيم ترجمة لابن عبد الرحمن وهو الحسن بن عبد الرحمن بن عمر وأنه سمع من عثمان بن الهيثم، وعثمان بن الهيثم توفي سنة ٢٢٠. وروى أبو نعيم من طريق الحسن: «نا العلاء بن عبد الجبار» والعلاء توفي سنة ٢١٢ وهو بصري نزل مكة فسمع الحديث، كل هذا وعمر عبد الرحمن نحو أربع وعشرين سنة. وروى أبو الشيخ عن إبراهيم بن محمد بن الحارث عن أحمد بن حنبل قال: «ما ذهبت يومًا إلى عبد الرحمن بن مهدي إلا وجدت الأخوين لأزرقين عنده، يعني عبد الرحمن وأخاه» ولإبراهيم هذا عند أبي الشيخ وأبي نعيم ترجمة حسنة وإن لم يصرحا بتوثيقه.
وفي (التهذيب) في ترجمة عبد الرحمن هذا: «قال أحمد: ما ذهبت إلى ابن مهدي إلا وجدته عنده» وابن مهدي قدم بغداد سنة ثمانين ومائة وفي التي تليها وأخذ أحمد يتردد إليه من حينئذ. وربما كان الصواب في عمر محمد «اثنان وسبعون سنة» فلا يلزم أن يكون مولد عبد الرحمن على أقل تقدير سنة ١٧٠ كما مرّ. ومع ذلك فكلمة الإمام أحمد وما تقدم من رواية الحسن بن عبد الرحمن: حدثنا العلاء بن عبد الجبار. يدفع أن يكون مولد عبد الرحمن سنة ١٨٨ ولولا ذلك لقلت: لعله ولد أول سنة ١٨٨ وكان أخوه عبد الله أكبر منه بسنة فوردا بغداد في سنة ١٩٦ وأحد هما في التاسعة والآخر في العاشرة وكان الوارد بهما رجل ثقة ثبت ذو جاه فحظي عند ابن مهدي والقطان فأقبلا على الإملاء على الغلامين بحضرة كل منهما وضبط لهما سماعهما في أصول محققة، فاطلع أبو زرعة وأبو حاتم وابن وارة على تلك الأصول فوجدوها مثبتة محققة فاعتمدوا عبد الرحمن. والله أعلم بحقيقة الحال.
وقال أبو موسى المديني: «تكلم فيه أبو مسعود، وخرج إلى الري فكتب إليهم فيه فلم يبالوا بكتابه وحضر مجلسه أبو حاتم وأبو زرعة وابن وارة» . وقال ابن أبي
[ ٢ / ٥٣٩ ]
١٤٠- عبد الرحمن بن محمد بن إدريس أبو محمد بن أبي حاتم الرازي
حاتم: «روى عن عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان روى عنه أبي وأبو زرعة سئل أبي عنه فقال: صدوق» . ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج٢ ص٤١٦. وكل من أبي زرعة وأبي حاتم وابن وارة أجل من أبي مسعود وأثبت وأيقظ وأعرف، فما رووا عن هذا الرجل عن ابن مهدي والقطان إلا وقد عرفوا صحة سماعه منهما.
وأما الغرائب، فمن كثر حديثه كثرت غرائبه، وليس ذلك بقدح ما لم تكن منا كير الحمل فيها عليه، وليس الأمر هنا كذلك، وقد قال أبو الشيخ في أبي مسعود: «وغرائب حديثه وما ينفرد به كثير» ويقول نحو هذا في تراجم آخرين وثقهم هو وغيره. وذكر ابن حبان عبد الرحمن هذا في (الثقات) . وفي ترجمة جبّر من (كتاب أبي الشيخ) من طريق سفيان صالح بن مهران عن جبر عن الثوري كلمة أخرى أشد مما رواه عبد الرحمن فهي في معنى المتابعة له. والله أعلم. (١)
١٤٠- عبد الرحمن بن محمد بن إدريس أبو محمد بن أبي حاتم الرازي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٠ عنه «حدثنا أبي حدثنا ابن أبي سريج قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك بن أنس، وقيل له تعرف أبا حنيفة؟ فقال: نعم، ما ظنكم برجل لو قال هذه السارية ذهب لقام دونها حتى يجعلها من ذهب أو فضة وهي من خشب أو حجارة!. قال أبو محمد: يعني أنه كان يثبت على الخطأ ولا يرجع إلى الصواب إذا بان له» تكلم الأستاذ في هذا ص ١١٤ - ١١٦ وهو كلام طويل، فلنلخص مقاصده:
الأول: أن المعروف في الحكاية «لقام بحجته» بدل «لقام دونها » كذلك في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٣٥ و(المنتظم) لابن الجوزي وكذلك في رواية أبي الشيخ عن أبي العباس الجمال عن أبي سريج ومثلها في (طبقات الفقهاء) للشيرازي.
الثاني: أن مقصود مالك مدح أبي حنيفة بقوة العارضة، وقد روى ابن عبد البر
_________________
(١) عبد الرحمن بن مالك بن مغول. تقدم في ترجمة الصقر.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
من طريق «أحمد بن خالد الخلال: سمعت الشافعي يقول: سئل مالك قيل له: فأبو حنيفة؟ قال: لو جاء إلى أساطينكم هذه - يعني السواري - فقايسكم على أنها من خشب لظننتم أنها خشب» .
الثالث: أن ابن أبي حاتم مع اعترافه بأنه يجهل علم الكلام كما في (الأسماء والصفات) ص٢٩٦ يدخل في مضايق علم أصول الدين مباعدًا التفويض والتنزيه كما يعلم من كتابه (الرد على الجهمية) ويقول: بأن قول «لفظي بالقرآن مخلوق» كفر مخرج عن الملة.
الرابع: أنه روى عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ما فيه غض من أبي حنيفة مع علمه بانحراف الجوزجاني من أهل الكوفة.
الخامس: قال الأستاذ: «لو كشفنا الستار عما ينطوي ابن أبي حاتم عليه من الاعتقاد الرديء الحامل له على أعداء أهل الحق لطال بنا الكلام فلنكتف بهذه الإشارة، ليعلم أنه لا يؤخذ منه إلا فنه فيما لا يكون مثار تعصبه» .
أقول: أما حكاية ابن أبي سريج عن الشافعي عن مالك فرواية ابن أبي حاتم أثبت إسنادًا فإنه حافظ ثقة ثبت قيدها في كتاب مصنف وأبوه إمام، أما رواية الخطيب التي أشار إليها الأستاذ فرواها عن البرقاني هو على اصطلاح الأستاذ مجهول الصفة إنما ذكروا أن البرقاني سمع منه في أول أمره، ومحمد بن أيوب في تلك الطبقة وذاك البلد اثنان أحدهما: محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس الحافظ الثقة، والثاني محمد بن أيوب بن هشام، كذبه أبو حاتم ولا تعرف لواحد منهما رواية عن ابن أبي سريج ولا عن واحد منهما رواية لابن حمدان. وقد روى الخطيب (١٣/٣٩٤) من طريق القاسم بن أبي صالح حدثنا محمد بن أيوب بن هشام الرازي كذبه أبو حاتم» هذا مع أن ابن هشام هذا لا تعرف له رواية عن
[ ٢ / ٥٤١ ]
إبراهيم، وإنما الذي يروي عن إبراهيم هو محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس كما في ترجمة إبراهيم من (تهذيب المزي) فإن أحب الأستاذ فليعترف بأن محمد بن أيوب هناك هو ابن يحيى بن الضريس فنعترف له بأن الظاهر هنا أنه هو أيضًا، وإن لم نعرف له رواية عن ابن أبي سريج، لكن هو المشهور في تلك الطبقة والمتبادر عند الإطلاق ويبقى النظر في ابن حمدان. فأما رواية أبي الشيخ فلم أقف عليها، فإن ثبتت عنه بقي النظر في حال أبي العباس الجمال، وقد ذكره أبو الشيخ وأبو نعيم فوصفاه بالعلم، ولم يوثقاه. فأما ما في (المنتظم) فمأخوذ من رواية الخطيب وكذلك ما في (طبقات الفقهاء) مأخوذ من رواية أبي الشيخ، فابن حمدان والجمال على اصطلاح الأستاذ مجهول الصفة فأين هما من ابن أبي حاتم؟ ومحمد بن أيوب بن يحيى الضريس وإن كان ثقة ثبتًا إلا أنه دون أبي حاتم، مع أن هناك احتمالًا أن محمد بن أيوب هو ابن هشام وهذا الاحتمال وإن كان خلاف الظاهر لكنة لا يهدر عند الحاجة إلى الترجيح. فأما رواية ابن عبد البر ففي سندها أحمد بن الفضل وهو كما قال لأستاذ «الدَيْنَوري» له ترجمة في (لسان الميزان) ج١ ص٢٤٦ وفيها عن الحافظ ابن الفرضي « وكان عنده مناكير وقد تسهل فيه الناس وسمعوا منه كثيرًا وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى: لقد كان بمصر يلعب به الأحداث ويسرقون كتبه وما كان ممن يكتب عنه» وفيها عن أبي عمرو الداني أنه بلغه أن أبا سعيد ابن الأعرابي كان يضعف أحمد بن الفضل هذا ويتهمه ومع ذلك فليست هذه الرواية من طريق ابن أبي سريج.
فقد أتضح أن رواية ابن أبي حاتم هي الثابتة.
وأما ما هو مقصود مالك فالله أعلم، فقوله في رواية ابن أبي حاتم: «حتى يجعلها ذهبًا» يحتمل معاني:
الأول: أن تكون «حتى» بمعنى إلى و«يجعل على حقيقته. أي لقام دونها وبقي على دعواه ومناظرته إلى أن يصير السارية ذهبًا، وذلك ما لا يكون فالمعنى: أنه لا يرجع عن دعواه ومجادلته أبدًا، كما قال الله ﷿: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ
[ ٢ / ٥٤٢ ]
فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ .
المعنى الثاني: أن تكون حتى بمعنى إلى أيضًا و«يجعل » بمعنى يجعل في ظن السامع أي لا يزال يورد الشبهات إلى أن يخيل للسامع أن السارية ذهب.
المعنى الثالث: أن تكون «حتى» بمعنى كي و«يجعل » بمعنى يجعل في ظن السامع أي لقام يستدل على أنها ذهب لكي يخيل إلى السامع ذلك. والمعنى الأول هو الذي فهمه ابن أبي حاتم وهو ذم؛ والمعنى الثاني وصف بقوة العارضة والقدرة على الجدل. والمعنى الثالث وصف باستمرار الموصوف على ما سبق أن قاله، ومحاولة أن يخيل للسامع صحته. وقوله في الرواية الأخرى «لقام حجته» ظاهر في المعنى الثاني فإنه لا يمكن أن تكون هناك حجة حقيقة على أن الحجر أو الخشب ذهب وإنما قد يمكن أن تورد شبهة يتوهم السمع أنها حجة. وهذا المعنى كما تقدم وصف بقوة العارضة والقدرة على الجدل، وهو فيما بين الناس مدح، فأما بالنظر إلى الأحكام الشرعية فيحتمل المدح بأن يكون المقصود أن أبا حنيفة كان من القدرة على بيان الحق وإقامة الحجة عليه غاية بحيث لو فرض أنه ادعى الباطل لأمكنه أن يخيل لسامع أنه حق فما بالك بالحق؟ ويحتمل الذم بأن يكون المقصود أنه كان ماهرًا في الجدل والمخاصمة بحيث يُرى الباطل حقًا والحق باطلًا.
وزعم الأستاذ أن ابن أبي حاتم إنما سمع الحكاية بلفظ «لقام بحجته» فغيرها إلى ما وقع في روايته ليصرفها إلى الذم، تهمة باطلة وفرية كاذبة وبهتان عظيم.
أولًا: لما ثبت من ديانة ابن أبي حاتم وأمانته وصدقه وورعه.
ثانيًا: لأن اللفظ الواقع في روايته يحتمل ن يكون مدحًا كما مر فلو كان ممن يستحل التغيير لغير إلى لفظ صريح في الذم واستغنى عن التفسير الذي يمكن أن
[ ٢ / ٥٤٣ ]
تحقيق أنه لا يلزم من كون الشيء كفرا أن يحكم على كل من وقع منه بالكفر
ينازع فيه.
ثالثًا: لفظ «لقام حجته» يحتمل أن يكون ذمًا أيضًا كما مر فلو كان ابن أبي حاتم حريصًا على أن يحمل الحكاية على الذم لأمكنه أن يفسر هذا اللفظ بما يقتضي الذم ويحتج بقول الله ﷿ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وبعد أحاديث معروفة، فما الذي يلجئ ابن أبي حاتم إلى أن يضحي بأمانته في النقل وهي رأس مال مثله لأجل غرض يمكنه تحصيله بدون تلك التضحية؟
ولو فرضنا أن الحكاية رويت عن ابن أبي سريج من عدة أوجه صحيحة وثيقة يجب ترجيحها على رواية ابن بي حاتم لما ساغ أن يتهم، بل يحمل على أنه سمع الحكاية، ففهم منها المعنى الذي ظهر من اللفظ الذي عبر به ولم يكتبها، ثم مضت عليها مدة فاحتاج إلى أن يذكر الحكاية فلم يتذكر لفظها فعبر عنها بما يراه يؤدي ذلك المعنى الذي فهمه. واحتاط فلم يأت بلفظ صريح، بل أتى بلفظ محتمل، ثم فسره بالمعنى الذي فهمه. ومثل هذا أو أشد منه قد يتفق في الأحاديث النبوية لمن هو أجل من ابن أبي حاتم ثم لا يكون موجبًا وهنًا ما في الراوي.
أما الأمر لثالث فقد أجبت عنه في قسم الاعتقاديات وإن صح عن ابن أبي حاتم إطلاق إن قول «لفظي بالقرآن مخلوق» كفر مخرج عن الملة، فمراده بذلك، قول تلك الكلمة معنيًا بها أن القرآن مخلوق، وأهل العلم قد يحكمون على الأمر بأنه كفر ولا يحكمون بأن كل من وقع منه خارج عن الملة، لأن شرط ذلك أن لا يكون له عذر مقبول. ويأتي مثل هذا في الزنا والربا وغيرهما، وقد جاء في الحديث تعريف الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره، (١) وقد يذكر المؤمن أخاه بما يكره غير شاعر بأنه يكرهه بل ظانًا أنه يحبه. فلا يلحقه الإثم وإن صح أن يسمى ما وقع منه غيبة، وصح أن يقال: الغيبة حرام يأثم صاحبها، وقد قال الله ﵎ ﴿مَنْ
_________________
(١) أخرجه مسلم في (صحيحه) من حديث أبي هريرة مرفوعًا. ن
[ ٢ / ٥٤٤ ]
كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النحل - ١٠٦.
المختار من معنى الآية أن التقدير: «من كفر بالله بعد إيمانه فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان»، فحذف هذا الجواب وهو قولنا «فعليهم غضب » لدلالة ما بعد ذلك عليه. فدل الاستثناء على أن من أكره فأظهر الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فقد كفر من بعد إيمانه وإن كان لا غضب عليه ولا عذاب. ومع هذا فقد يكون أطلق في القرآن في مواضع كثيرة ترتب العقوبة على الكفر. فعلم بذلك جواز ذاك الإطلاق وإن كان الحكم مختصًا بغير المكره لأنه قد قام الدليل على إخراج المكروه فلا محذور في الإطلاق. فكذلك هنا لا حرج في إطلاق أن قول تلك الكلمة كفر مخرج عن الملة. وإن كان هذا الحكم مختصًا بمن ذكرنا.
وأما الأمر الرابع فقد سلف الجواب عنه في ترجمة الجوزجاني.
وأما الأمر الخامس فجابه في قسم الاعتقاديات وفي القاعدة الثالثة من قسم القواعد.
أما قوله: «لا يؤخذ منه إلا فنه فبما لا يكون مثار تعصبه» إن أراد به رد ما يرويه ابن أبي حاتم مما فيه غض من أبي حنيفة وأصحابه فقد أبطل، وأتى بما لا يستحق أن يذكر، فكيف أن يقبل؟! وإن أراد رد رأي ابن أبي حاتم كقوله في تفسير تلك الكلمة: «يعني أنه كان يثبت على الخطأ » فلا وجه للرد ولكن ينبغي التثبت والتدبر، فإن تبين خطأ ابن أبي حاتم رد عليه خطؤه كما يرد على غيره، وإن تبين صوابه وجب القبول، وإن لم يظهر ذا ولا ذا نظرنا فإن كان ذاك حكمًا منه في جرح أو تعديل كقوله: «فلان ثقة» أو «فلان ضعيف» وجب قبوله إلا أن يعارضه ما هو أولى بالقبول منه. وراجع ترجمة ابن أبي حاتم في (تذكرة الحفاظ)
[ ٢ / ٥٤٥ ]
١٤١- عبد الرزاق بن عمر البزيعي
١٤٢- عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي
ج٣ ص٤٦. وفي مقدمتي لكتابه «الجرح والتعديل» (١) .
١٤١- عبد الرزاق بن عمر البَزيعي. في ترجمة أبي يوسف من (تاريخ بغداد) (١٤/٢٥٦) حكاية من طريقه عن ابن المبارك. قال الأستاذ ص١٧٨: «ليس في ترجمة أبي يوسف عند الخطيب كلمة تعزى إلى ابن المبارك إلا في سندها من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل وعبد الرزاق بن عمر» .
أقول: قال الراوي عنه محمد بن عبيد بن عتبة الكندي: «كان من خيار الناس» وذكره ابن حبان في (الثقات) .
١٤٢- عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٧ من طريقه «حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي قال: حدثني أبو إسحاق الفزاري قال: كنت آتي أبا حنيفة أساله عن الشيء من أمر الغزو، فسألته عن مسألة فأجاب فيها » قال الأستاذ ص٧٧: «عزله يحيى بن أكثم لسبب لا بد أن يكون غير ضعفه في الفقه ثم أعاده الحشوية إلى القضاء حينما قامت لهم سوق» .
أقول: روى عنه مسلم في مقدمة (صحيحه) وأبو داود في (سننه)، وأبو داود لا يروي إلا عن ثقة كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد، وذكره ابن حبان في (الثقات) . وفي (التهذيب): «قال أبو علي بن خاقان أحسن أحمد القول فيه قال: ما بلغني إلا خير. وقال أحمد بن كامل: كان عفيفًا، قال: وبلغني أن المتوكل قال ليحيى: لم عزلته؟ قال: أراه ضعيفًا في الفقه. قال: فكتب المتوكل إلى أهل بغداد كتابًا وكتب عهدًا ولم يسم القاضي وأمر أن يسأل عن الوابصي فإن رضوا به وقع اسمه في العهد فأجمعوا على الرضا به. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: «كان جميل الطريقة»، كان الوابصي سنيًا فكأن الجهمية ألحوا على يحيى بن أكثم في عزله فعزله اتقاء لشرهم فلما كان في خلافة المتوكل بعد ارتفاع المحنة كانوا ربما يسألون الإمام أحمد عمن يريدون توليته القضاء فسألوه عن محمد بن شجاع ابن الثلجي الجهمي
_________________
(١) عبد الرحمن بن هانئ أبو نعيم البجلي. في ترجمة ضرار بن صرد.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
١٤٣- عبد السلام بن محمد الحضرمي
١٤٤- عبد العزيز بن الحارث أبو الحسن التميمي
الذي تقدم شيء من حاله في ترجمة حماد ابن سلمة، فقال أحمد: لا ولا على حارس. وكأنه سئل عن الوابصي فقال: ما علمت إلا خيرًا. فقال المتوكل ليحيى بن أكثم: لم عزلته؟ فكأنه خاف أن يقول: إرضاءً للجهمية، فأجاب بما تقدم. فكأن الأستاذ أشار إلى هذا، كأنه أراد أن الوابصي - كما يقول - من الحشوية. وأراد بالحشوية أهل السنة الإمام أحمد وأصحابه وموافقيه. ولا أجازي الأستاذ على هذا ولكني أقول: الموفق حقًا ومن وفق لمعرفة الحق وأتباعه ومحبته، والمحروم من حرم ذلك كله، فما بالك بمن وقع في التنفير من الحق وعيب أهله؟!
١٤٣- عبد السلام بن محمد الحضرمي. مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة بقية. قال الأستاذ ص١٨٦: «يقول عنه أبو حاتم: صدوق. إلا أن هذا اللفظ مصطلح عنده فيمن يجب النظر في أمره، فيكون مردود الرواية إذا لم يتابع. ولم يتابع» .
أقول: أبو حاتم ﵀ معروف بالتشدد، قلما وجدته يقول في رجل «هو
صدوق» إلا وقد وثقه غيره، وعبد السلام هذا ذكره ابن حبان في (الثقات) وتفرده بتلك الحكاية لا يضره. والله الموفق.
١٤٤- عبد العزيز بن الحارث أبو الحسن التميمي. مر في ترجمة الخطيب أحمد بن علي بن ثابت تجني ابن الجوزي على الخطيب أنه مال على أبي الحسن ووعدت أن أفرد له ترجمة أو ضح فيها ما ظهر لي أن الخطيب إما مصيب مشكور وإما مخطئ معذور.
ترجمة أبي الحسن في (تاريخ بغداد) ١٠/٤٦١ وذكر فيه أمرين وذكر في ترجمة ابنه عبد الوهاب ١١/٣٣ ثالثًا، وهي هذه
الأول: قال: «حدثني الأزهري قال: قال لي أبو الحسن بن رزقويه: وضع أبو الحسن التميمي في مسند أحمد بن حنبل حديثين فأنكر أصحاب الحديث عليه ذلك وكتبوا محضرًا أثبتوا فيه خطوطهم بشرح حاله. قال الأزهري: ورأيت المحضر عند ابن رزقويه، وفيه خط الدارقطني وابن شاهين وغيرهما» .
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الثاني: قال الخطيب: حدثني أبو القاسم عبد الواحد بن علي العكبري قال: حدثني الحسن بن شهاب عن عمر بن المسلم قال حضرت مع عبد العزيز بن الحارث الحنبلي بعض المجالس فسئل عن فتح مكة أكان صلحًا أو عنوة؟ فقال: عنوة. فقيل: ما الحجة في ذلك؟ فقال: ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الصواف حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق عن مالك - أو معمر: قال عبد الواحد: أنا أشك - عن الزهري عن أنس أن أصحاب رسول الله - ﷺ - اختلفوا في فتح مكة أكان صلحًا أو عنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: عنوة. قال ابن المسلم: فلما خرجنا من المجلس قلت له: ما هذا الحديث؟ قال: ليس بشيء وإنما صنعته في الحال لأدفع به الخصم» .
الثالث: قال الخطيب في ترجمة عبد الوهاب: «حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكنية بن عبد الله التميمي قال سمعت أبي يقول » فساق السند مسلسلًا بالآباء إلى أكنية «يقول سمعت عليًا وسئل عن الحنان المنان » وساق الذهبي في ترجمة أبي الحسن من (الميزان) بالسند إليه قال «سمعت أبي » بسلسلة الآباء إلى «أكنية يقول سمعت أبي الهيثم يقول سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما اجتمع قوم على ذكر إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة» قال الذهبي: «المتهم به أبو الحسن وأكثر أجداده لا ذكر لهم في تاريخ ولا في أسماء رجال» .
فأما الأمر الأول، فأجاب عنه ابن الجوزي في (المنتظم) ج٧ ص١١٠ بقوله: «يجوز أن يكون قد كتب في بعض المسانيد من مسند آخر، ومن مسموعاته من غير ذلك المسند، متى كان الشيء محتملًا لم يجز أن يقطع على صاحبه بالكذب، نعوذ بالله من الأغراض الفاسدة على أنها تحول عن صاحبها» .
أقول: يقع في بعض مسانيد الصحابة من (المسند) أحاديث لصحابي آخر ففي مسند ابن عباس من (المسند) ج١ ص٢٥٨ حديث من رواية أبي هريرة مرفوعًا وفي الصفحة التي تليها حديث من رواية أنس مرفوعًا، ولذلك نظائر فكأن مقصود
[ ٢ / ٥٤٨ ]
ابن الجوزي أنه يجوز أن يكون أبو الحسن حول الحديثين المذكورين مثلًا فألحق الأول في مسند أبي هريرة والثاني في مسند أنس. ولا يخفى بُعد هذا الاحتمال إذ لو كان هذا هو الواقع لما كان هناك ما يدعو الحفاظ الأثبات كالدارقطني وابن شاهين إلى شدة الإنكار وكتابه المحضر، ولما عبر ابن رزقويه بقوله: «وضع أبو الحسن» فأما قول ابن الجوزي «ومن مسموعاته» فكأنها راد به أنه إن لم يكون ذانك الحديثان من (المسند) فيجوز أن يكون سمعها من أبو الحسن خارج (المسند) بسند (المسند) كأن يكون (المسند) عنده من روايته عن ابن الصواف عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، وسمع بهذا السند نفسه حديثين مفردين فألحقهما في (المسند) . وهذا الاحتمال أقرب من الأول، وعليه فلم فلم يكن من أبي الحسن وضع ولا افتراء. ويبقى النظر في صورة إلحاقه، فإن كان أنهما علقهما في الحاشية على سبيل الفائدة الزائدة لا على إيهام أنهما منه، فقد أساء، إلا أنه لا يكون ذلك وضعًا للحديث وافتراءً له. وإنكار الحفاظ وكتابة المحضر وقول ابن رزقويه «وضع في (مسند أحمد)» يدل أن الواقع لم يقتصر على الكتابة في الحاشية بدون إيهام.
وقد وقع التقصير من الجانبين، قصر الأزهري عن تفصيل القضية فلم يذكر ما هما الحديثان وما قال الحفاظ، وقصر محدثوا الحنابلة فلم يراجعوا عند كتابة المحضر ولم ينقلوا بيان الحال إن كان كان الواقع على وجه لا يضر صاحبهم أبا الحسن. فلو ساغ لابن الجوزي أن يتهم الخطيب بالميل لساغ لمن يدافع عن الخطيب أن يقول: لو كان هناك ميل لتداركه محدثوا الحنابلة في عصر الخطيب عندما سمعوا ما ذكره الخطيب في (تاريخه)، ولعلهم كانوا قد علموا بالقضية أو سألوا عنها فعرفوها ورأوا أن السكوت عنها أولى، لأن ذكرها مفصلة لا ينفع صاحبهم بل لعله يكون أضر عليه. وقد كان ابن الجوزي قريبًا من عصر الواقعة فإن لم يعتن بالبحث عنها والسؤال فقد قصر، وإن بحث وسأل فعرفها فما باله اقتصر على التجويزات البعيدة والتجني على الخطيب؟ ولا يظن به أنه بحث وسأل فلم يجد خبرًا ولا أثرًا إلا ما ذكره الخطيب، لأنه لو كان الأمر
[ ٢ / ٥٤٩ ]
هكذا لكان الظاهر أن يذكره ابن الجوزي فإنه أقوى للدفاع مما اقتصر عليه. وبعد فالأسلم للجانبين والأحقن لدم الأخوين أن يقال: لعل أبا الحسن سمع ذينك الحديثين مفردين ليسا من (المسند) ولكنهما بسنده فألحقهما في الحاشية أو بين السطور غير قاصد الإيهام، ولكن كانت صورة الإلحاق موهمة فأبو الحسن معذور لعدم قصده، والمنكرون معذورون لبنائهم على الظاهر. والله أعلم.
وأما الأمر الثاني، فأجاب عنه بأن عبد الواحد «لا يعول على قَوْله » وستأتي ترجمة عبد الواحد، فلا هو بالذي تقوم الحجة بما ينفرد به ولا هو بمن يظنه أن يختلق مثل هذه القصة اختلاقًا. وإذا كان الأمر كذلك فلا مانع منه أبدًا. احتمال يخف به الاستبعاد كأن يقال لعل صاحب القصة رجل آخر غير أبي الحسن ويكون ابن المسلم لم يسمعه بل قال مثلًا «بعض الفقهاء» أو «بعض الشيوخ» ولعله ذكر مذهبه، فظن عبد الواحد أنه أبو الحسن فسماه.
وأما الأمر الثالث، فلم يذكره الخطيب في ترجمة عبد العزيز، وإنما الذي اهتم به عبد العزيز هو الذهبي، ولا حجة للذهبي على ذلك إلا أن عبد الوهاب موثق وعبد العزيز قد قيل فيه ما تقدم في الأمرين السابقين، وقد علمت أن الأمر الثاني لم يثبت ولا قارب، وأن الأمر الأول لا يخلوا عن احتمال، فالأولى في هذا الأمر الثالث الحمل على أحد الآباء المجاهيل.
ومع أن ابن الجوزي دافع عن أبي الحسن فلم يذكر أن أحدًا من حفاظ الحنابلة أو غيرهم وثقه، ولا وثقه هو، بل اقتصر على أنه لا يجوز القطع عليه بالكذب، وإنما ذكر قول أبي يعلى ابن الفراء الحنبلي «رجل جليل القدر وله كلام في مسائل الخلاف وتصنيف في الأصول والفرائض» .
والذي يتحصل هنا أنه لم يثبت ما يقطع به أبي الحسن أنه وضع الحديث لكنه مع ذلك لم يثبت على قواعد الرواية ما يقتضي أن تجب الحجة برواية ينفرد بها. فأم الخطيب فمن أنصف علم بأنه لم يعتد ما يوجبه عليه فنه ومقامه. والله أعلم.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
١٤٥- عبد الله بن حبيب القرطبي أحد مشاهير المالكية
١٤٦- عبد الملك بن قريب الأصمعي
اتهام الكوثري له بالكذب وهو ثقة والرد عليه
١٤٥- عبد الله بن حبيب القرطبي أحد مشاهير المالكية. ذكر الأستاذ ص٦ عن الباجي «روى عبد الملك بن حبيب أخبرني مطرف أنهم سألوا مالكًا عن تفسير الداء العضال » وفيه قول الباجي «وعندي أن هذه الرواية غير صحيحة » قال الأستاذ ص٨ «ووجه حكمه يظهر من ترجمة مطرف وعبد الملك في كتب الضعفاء» .
أقول: كان ابن حبيب فقيهًا جليلًا نبيلًا صالحًا في نفسه لكن لم تكن الرواية من شأنه كان يتساهل في الأخذ ويروي على التوهم. هذا محصل ما ذكروه في ترجمته وقد توبع في هذه الحكاية كما يأتي في ترجمة مطرف.
١٤٦- عبد الملك بن قريب الأصمعي. ذكر الأستاذ ص ٢٤ ما حكى عن الأصمعي في قول العبي «لا تعقل العاقلة » وأن الأصمعي قال: «كلمت أبا يوسف بحضرة الرشيد فلم يفرق بين عقلته وعقلت عنه حتى فهمته» فقال الأستاذ ص ٢٥: «لا نقيم لكلامه وزنا فان كنت لا تكفي بما في الكتب المؤلفة في الضعفاء من قول مثل أبي زيد الأنصاري فيه: فعليك بكتاب التنبيهات على أغاليط الرواة لأبي القاسم علي بن حمزة البصري لتطلع على أغلاط هذا المتقعر وكلام الناس في أمانته في النقل» وذكر الأستاذ ص ٥٤ عن (تاريخ بغداد) حكاية من طريق الأصمعي فقال: «كذبه أبو زيد الأنصاري وذكر علي بن حمزة . ورماه بأمور تؤيد رأي أبي زيد فيه وليس بقليل ما ذكره الخطيب من نوادره ومن جملة نوادره أن الأصمعي لما توفي سنة ٢١٥ قال أبو قلابة الجرمي في جنازته: » فذكر البيتين.
أقول: أما الحكاية الأولى فمسألة لغوية قد ذكرتها في الفقهيات. والحكاية الثانية لم ينفرد بها الأصمعي ومعناها مشهور إن لم يكن متواترا.
وأما ما روى عن أبي زيد فلم يصح. كما أوضحته في (الطليعة) ص ٨٢ - ٨٣. ولو صح لما أو جب جرحا لأنه لم يفسر ويحتمل أن يراد به النسبة إلى الخطأ والغلط كما ذكره الأستاذ ص ١٦٣ ويؤيده أنه كان بين أبي والأصمعي منافسة دنيوية
[ ٢ / ٥٥١ ]
ثناء الأئمة على الأصمعي
واختلاف في الاعتقاد مع أن بعض أئمة الحديث تكلم في أبي زيد كما تراه في ترجمته من (التهذيب) والأصمعي وثقه الأئمة كما يأتي. وقال الأستاذ في (الترحيب): «وأما الأصمعي فقد وثقه غير واحد في الحديث وأما أخباره ونوادره المدونة في الكتب ففيها كثير مما يرفض وقد قال أبن أخي الأصمعي عبد الرحمن بن عبد الله وقد سئل عن عمه: هو جالس يكذب على العرب. وقال أبو رياش: كان الأصمعي مع نصبه كذبا. وقال: سأله الرشيد: لم قطع علي يد جدك أصمع؟ فقال: ظلما يا أمير المؤمنين. وكذب عدو الله. إنما قطعه في سرقة. وأطال أبو القاسم علي بن حمزة . ومما قال: كان مجبرا شديد البغض لعلي كرم الله وجهه. وتكذيبه ليس بمنحصر فيما يروي عن أبي زيد الأنصاري» .
أقول: كان الأستاذ يحسب الكلام في الأصمعي كما قالت الأعراب:
قد هدم اليربوع بيت الفاره فجاءت الزغب من الوباره
وكلها يشتد بالحجارة
من عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي يا أستاذ؟! وهل عرفه الناس إلا بكلمات يرويها عن الأصمعي؟ ولعلها إن صحت الكلمة عنه كلمة قالها في صباه وهو يلعب مع الأطفال فاستظرفت من ذاك الصبي فنقلت. وأما أبو رياش فمن أبو رياش؟ اذكروه بأكثر من أنه كان حفظه للأشعار؟ أو أنه كان يتشيع أو أنه كان وسخا دنسا إلى الغاية وهل يحتج بكلامه في أصمعي عاقل؟ ولمعرفتنا بحاله لا نطالبك بتصحيح النقل عنه وكان بعد الأصمعي بزمان طويل.
أما علي بن حمزة فمعدود من علماء اللغة بينه وبين ًالأصمعي زمان طويل حده أن يقبل منه تخطئة من قبله إذا أقام الحجة. وقوله: «إن الأصمعي كان مجبرا» دليل على أنه هو كان قدريا والقدرية تسمى أهل السنة «مجبرة» وقوله: «شديد البغض لعلي كرم الله وجهه» قول لا حجة عليه ولا نعلم عن الأصمعي شيئا يثبت عنه يسوغ أن ينسب لأجله إلى النصب.
ودونك ثناء الأئمة على الأصمعي قال الأمام الشافعي بعد أن فارق بغداد: «ما
[ ٢ / ٥٥٢ ]
كثير مما يحكى عن الأصمعي من النوادر منحول
رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي» فتدبر هذه الكلمة وأنظر من كان ببغداد من الأكابر الذين رآهم الشافعي بها.
وقال أبو أمية الطرطوسي: «سمعت أحمد ويحيى يثنيان على الأصمعي في السنة. قال: وسمعت على بن المديني يثني عليه» وقال عباس الدوري: قلت لابن معين: أريد الخروج إلى البصرة فعمن أكتب؟ قال: عن الأصمعي فهو صدوق» وقال أبو داود: «صدوق» وقال نصر بن علي: «كان الأصمعي يقول لعفان ك اتق الله ولا تغير حديث رسول الله ﷺ بقولي» قال نصر بن علي: «كان الأصمعي يتقي أن يفسر حديث رسول الله ﷺ كما يتقي أن يفسر القرآن» وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «ليس فيما يروي عن الثقات تخليط إذا كان دونه ثقة» .
أقول: وتجد في كتب اللغة ومعاني الشعر مواضع كثيرة يتوقف عنها الأصمعي وذلك يدل على توقيه وتثبته. وكأن ابن جني أشار إلى كلام علي بن حمزة إذا قال في (الخصائص):
«وهذا الأصمعي وهو صناجة الرواة والنقلة وإليه محط الأعباء والثقلة، ومنه يجنى الفقر والملح، وهو ريحان كل مغتبق ومصطبح، كانت مشيخة القراء وأماثلهم تحضره وهو حدث لأخذ قراءة نافع عنه، ومعلوم قدر ما حذق من اللغة فلم يثبته لأنه لم يقو عنده غذ لم يسمعه فأما إسفاف من لا علم له وقول من تمسك به أن الأصمعي كان يزيد في كلام العرب ويفعل كذا ويقول كذا، فكلام معفو عنه غير معبوء به ولا متقدم في مثله حتى كأنه لم يتأد إليه توقفه عن تفسير القرآن وحديث الرسول ﷺ وتحرزه من الكلام في الأنواء» .
وأما ما يحكى عن الأصمعي من النوادر فقد نحله الناس حكايات كثيرة جدا وكل من أراد أن يضع حكاية نسبها إلى الأصمعي فلا يلتفت من ذلك إلا إلى ما صح سنده ولن يوجد في ذلك إلا ما هو حق وصدق، أو يكون الحمل منه على من فوق الأصمعي؛ ومحاولة الأستاذ التفرقة بين الحديث والحكايات محاولة فاشلة، والصدق الذي يثنى به على الراوي شيء واحد إما أن يثبت للأصمعي كله، وهو الواقع كما صرحت به كلمة الشافعي السابقة، واقتضته كلمات غيره، وإما أن يسقط كله. وقد
[ ٢ / ٥٥٣ ]
١٤٧- عبد الملك بن محمد أبو قلابة الرقاشي
تقدم شرح ذلك في القواعد.
وأما قول الأستاذ: «ومن جملة نوادره أن الأصمعي لما توفي..» فهذا من العجائب كيف تكون من نوادره وقد مات؟ ! أو لم يستطع الأستاذ تخلصًا إلى ذينك البيتين اللذين هجي بهما الأصمعي بعد موته لتعطش الأستاذ إلى ذكرهما؟ والحكاية من رواية أبي العيناء وحاله معروف يأتي له ذكر في ترجمة الإمام مالك مع أن تمام الحكاية:
«قال أبو العيناء: وجذبني من الجانب الآخر أبو العالية الشامي فأنشدني:
لله در بنات الدهر إذ فجعت بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى في الناس منه ولا من علمه خلقا»
لم أورد هذه التتمة منكرًا على الأستاذ إعراضه عنها. ولكن كان الأجدر به وهو يعلم أن هذه تمام الحكاية أن يعرض عن أو لها يكون - أو لئلا يقال أنه - ممن يرضيه القول والزور الفاجر ويسخطه القول الصادق البار. هذا وقد كان الأصمعي أوائل أمره يخالط الخلفاء والأمراء ثم انقطع عن ذلك ولزم بيته ومسجده حتى أن المأمون الخليفة حرص جهده على أن يصير الأصمعي إليه فأبى، فكان المأمون يجمع المسائل ثم يبعث بها إلى الأصمعي بالبصرة ليجيب عنها. وليس للأصمعي ذنب إلا أنه من أهل السنة. والله المستعان.
١٤٧- عبد الملك بن محمد أبو قلابة الرقاشي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٢٣ من طريق الأصم «حدثنا أبو قلابة الرقاشي حدثنا أبو عاصم قال: سمعت سفيان الثوري بمكة وقيل له: مات أبو حنيفة. فقال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من الناس» ومن طريق الأصم أيضًا: «حدثنا محمد بن علي الوراق حدثنا مسدد قال: سمعت أبا عاصم يقول: ذكر عند سفيان موت أبي حنيفة فما سمعته يقول: ﵀، ولا شيئًا، قال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به» . قال الأستاذ ص ١٦٩: «أبو قلابة الرقاشي كثير الخطأ في الأسانيد والمتون على ما نقله الخطيب عن الدارقطني» .
أقول: قال الدارقطني: «لا يحتج بما تفرد به، بلغني عن شيخنا أبي القاسم ابن بنت
[ ٢ / ٥٥٤ ]
١٤٨- عبد المؤمن بن خلف أبو يعلى التميمي النسفي الحافظ
منيع (هو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي تقدمت ترجمته) أنه قال: عندي عن أبي قلابة عشرة أجزاء ما منها حديث مسلم، إما في الإسناد وإما في المتن ن كان يحدث من حفظه فكثرت الأوهام فيه» ولا حاجة بنا ولله الحمد إلى مضايقة الأستاذ بأن نقول: أنت لا تثق بالبغوي فليس لك أن تعول عليه هنا. بل نقول: قال ابن جرير: «ما رأيت أحفظ منه» .
وقال مسلمة بن قاسم عن ابن الأعرابي: « ما رأيت أحفظ منه وكان من الثقات » .
قال مسلمة: «وكان رواية للحديث مثقفًا ثقة » وقال أبو داود: «رجل صدق أمين مأمون كتبت عنه بالبصرة» وقال ابن خزيمة: «ثنا أبو قلابة بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد» .
فاتضح أن أبا قلابة كان ثقة متقنًا إلا أنه تغير بعد أن تحول إلى بغداد، وفيها سمع منه البغوي. فإن كان الأصم منه بالبصرة ثبتت الحكاية، وإلا فقد تابعه عليها جبل من الجبال كما رأيت (١) قال البخاري في (صحيحه) في «باب من أين يخرج من مكة»: «كان يقال: هو مسدد كاسمه سمعت يحيى بن معين يقول ك سمعت يحيى بن سعيد يقول: لو أن مسددًا أتيته في بيته لاستحق ذلك، وما أبالي كتبي كانت عندي أو عند مسدد» .
١٤٨- عبد المؤمن بن خلف أبو يعلى التميمي النسفي الحافظ. ذكر الأستاذ ص ١٨٧ أن الخطيب روى من طريقة عن صالح بن محمد بن جزرة الحافظ كلامًا في الحسن بن زياد اللؤلؤي فقال الأستاذ: «عبد المؤمن ليس ممن يصدق فيه لأنه كان ظاهريًا طويل اللسان على أهل القياس» .
أقول: قد سلف في القواعد أن المخالفة في المذهب لا ترد بها الرواية، كالشهادة، وهذا ما لا أرى عالمًا يشك فيه. ومن حكم له أهل العلم بالصدق والأمانة والثقة فقد اندفع عنه أن يقال: «لا يصدق في كذا» اللهم إلا أن تقام الحجة الواضحة على أنه تعمد كذبًا صريحًا فيزول عنه اسم الصدق والأمانة البتة،
_________________
(١) يعني مسددًا وهو ابن مسر هد. ن.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
١٤٩ - عبد الواحد بن برهان العكبري
والأستاذ يمر بالجبال الرواسي فينفخ ويخيل لنفسه وللجهال أنه أزالها أو جعلها هباء. والذي جرأه على ذلك كثرة الأتباع وغربة العلم وما لا أحب ذكره. والله المستعان.
١٤٩ - عبد الواحد بن برهان العكبري، هذا الرجل روى عن الخطيب أشياء تتعلق برواة الحديث، ومن جملة ذلك ما تقدم في ترجمة عبد العزيز بن الحارث أبي الحسن التميمي وما يأتي في ترجمة عبيد الله بن محمد بن بطة العبكري. فاعترضه ابن الجوزي فقال في ترجمة أبي الحسن: «هذا العبكري لا يعول على قوله فإنه لم يكن من أهل الحديث والعلم، إنما كان يعرف شيئًا من الحديث. وكذلك ذكر عنه الخطيب، وكان أيضا معتزليًا يقول: إن الكفار لا يخلدون في النار» وذكر نحو ذلك في ترجمة ابن بطة ثم قال: فمن كان اعتقاده يخالف إجماع المسلمين فهو خارج عن الإسلام فكيف يقبل جرحه؟ وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني كان ابن برهان يميل إلى المرد ويقبلهم» وقال في ترجمة عبد الواحد من (المنتظم) ج ٨ ص ٢٣٦ «كان مجودا في النحو، وكان لا يغطي رأسه، وذكر محمد بن عبد الملك: كان ابن برهان يميل إلى المرد الصباح ويقبلهم من غير ريبة. وقوله: من غير ريبة. أقبح من القبيل، لأن النظر إليهم ممنوع منه إذا كان بشهو ة فهل يكون التقبيل بغير شهو ة؟ » وفي (لسان الميزان) ج ٣ ص ٨٢: «قال ابن ماكولا: كان فقيهًا حنفيًا قرأ اللغة واخذ الكلام من أبي الحسين البصري. قلت: وقد بالغ محمد بن عبد الملك الهمذاني في (تاريخه) فقال: كان يمشي مكشوف الرأس وكان يميل إلى المردان من غير ريبة، ووقف مرة على مكتب عند خروجهم فاستدعى واحدًا واحدًا فيقبله ويدعو له ويسبح الله فرآه ابن الصباغ فدس له واحدًا قبيح الوجه فأعرض عنه وقال: يا أبا نصر لو غيرك فعل بنا هذا» وفي ترجمة عبد الواحد من (تاريخ بغداد) ج ١١ ص ١٧: «كان يذكر أنه سمع من أبي عبد الله ابن بطة وغيره إلا أنه لم يرو شيئًا وكان مضطلعًا بعلوم كثيرة منها النحو واللغة ومعرفة النسب
[ ٢ / ٥٥٦ ]
والحفظ لأيام العرب وأخبار المتقدمين وله إنس شديد بعلم الحديث» .
أقول: فقد كان ابن برهان على بدعته من أهل العلم والزهد والمنزلة بين العلماء ومحمد بن عبد الملك الهمذاني لا أعرف ما حاله؟ وقد ذكر ابن حجر أنه بالغ. وقد تصرف ابن الجوزي في عبارة الهمذاني ففي موضع زاد فيها «ويقبلهم» وحذف «من غير ريبة» وفي موضع زاد «الصباح فيقبلهم» وإنما أخذ الصباحة والتقبيل من قصة المكتب، وقد كان ببغداد في ذاك العصر عدد كثير من مشاهير العلماء ما منهم إلا من يخالف عبد الواحد في العقيدة والمذهب أو أحدهما، وكان عبد الواحد على غاية الصيانة ذكروا أنه «لما ورد الوزير عميد الدين إلى بغداد استحضر فأعجبه كلامه فعرض عليه مالًا فلم يقبله فأعطاه مصحفًا بخط ابن البواب وعكازة حملت إليه من الروم فأخذهما فقال له أبو علي ابن الوليد المتكلم: أنت تحفظ القرآن وبيدك عصا تتوكأ عليها فلم تأخذ شيئًا فيه شبهة؟ فنهض ابن برهان في الحال قاضي القضاة ابن الدامغاني وقال له: لقد كدت أهلك حتى نبهني أبو علي ابن الوليد وهو أصغر سنًا إليه» فما كان في ذاك الجم الغفير من أهل العلم من ينكر علي ابن برهان ما نسبه ابن الجوزي إليه؟ !
وما كان فيهم من يعيبه بذلك الشاذة من ذاك الهمذاني؟ وليس المقصود رد كلمة الهمذاني وإنما المقصود تجريدها عما فيها من المبالغة التي أشار إليها ابن حجر.
فأقول: كانت المكاتب في ذاك العصر خاصة بالأطفال إنما هي لتعليم القراءة والكتابة فأما ما زاد عن ذلك من العلم فكان محله الجوامع والمساجد ومجالس العلماء في بيوتهم والمدارس الكبيرة، فمر على ما يقول الهمذاني ابن برهان مع جماعة من أهل العلم وغيرهم فيهم الإمام أبو نصر الصباغ الشافعي بمكتب من مكاتب الأطفال فصادف وقت خروجهم فأخذ ابن برهان يقبلهم ويدعو لهم تنشيطًا لهم ورجاء أن يصيروا رجالًا صالحين فمازحه ابن الصباغ بأن قدم إليه واحدا منهم قبيح
[ ٢ / ٥٥٧ ]
١٥٠- عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة التنوري
الصورة فأعرض عنه ابن برهان علكًا بأنه لا مجال هناك لأدنى ريبة ولو كان هناك مجال لريبة لكان الظاهر أن يقبل ذاك القبيح كغيره. وأي عقل يميز أن يكون فيما جرى شيء من الريبة ويقره الحاضرون من أهل العلم وغيرهم ويقتصر ابن الصباغ على تلك الملاطفة؟ فأما أهل بغداد المخالفون لابن برهان في العقيدة أو المذهب أو كليهما فلم يروا فيما جرى ما يسوغ أن يعاب به ابن برهان. وأما ذلك الهمذاني فدعته نفرته عن ابن برهان لمخالفته في العقيدة والمذهب إلى أن عبر بقوله: «يميل إلى المردان» فنازعه واعظ الله تعالى في قلبه فدافعه بقوله: «من غير ريبة» وذكروا قصة المكتب فجاء ابن الجوزي فصنع ما تقدم، ولا أدري ما صنع سبطه، فإنه كثير التصرف في مثل هذا، فوقع التزيد في الحكاية كما تراه في (بغية الوعاة) وغيرها.
أما العقيدة فذكروا أن ابن برهان كان معتزليًا ولا أدري ما الذي كان يوافق فيه المعتزلة، فأما قوله بأن الكفار لا يخلدون في العذاب، فهي مسألة مشهورة ولو رأى علماء بغداد أن قول ابن برهان فيها مخرج عن الإسلام لسعوا في إقامة الحد عليه فما بالهم أعرضوا عن ذلك وكانوا يجلون ابن برهان ويحترمونه؟
نعم. ابن برهان لم يوثقه أحد فيما نعلم، ومن المحتمل أنه كان يهم فيما يرويه من الحكايات أو يبنى على الظن، فحقه آن لا تقوم الحجة بما ينفرد به ولكنه يذكر في المتابعات والشواهد كما صنع الخطيب. والله الموفق.
١٥٠- عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة التنوري. في (تاريخ بغداد) (١٣ / ٣٨٨) عنه حكايتان في رد أبي حنيفة حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» بقوله: «هذا سجع» ورده قولًا لعمر بن الخطاب في الولاء بقوله «هذا قول شيطان» بقوله: «هذا سجع» ورده قولًا لعمر بن الخطاب في الولاء بقوله: «هذا قول شيطان» قال الأستاذ في حاشية ص ٨١: «قدري كما ذكره الخطيب في (الكفاية) وقدرية البصرة في غاية من الانحراف عن أبي حنفية لكثرة هبوطه البصرة للرد عليهم في مبدأ أمره»؛ أقول: هبوط أبي حنيفة البصرة للمخاصمة في القدر لم يثبت، وقول عبد الوارث بالقدر في ثبوته نظر، قال ابنه عبد الصمد وهو من
[ ٢ / ٥٥٨ ]
١٥١- عبد بن أحمد أبو ذر الهروي
الثقات الأثبات: «إنه لمكذوب على أبي، وما سمعت منه يقول قط في القدر وكلام عمرو بن عبيد» فإن كان في نفسه منه شيء فلم يكن يرى خلافة ضلالة فيعادي مخالفيه وإلا لكان أهم شيء عنده أن يدعو ولده. وقد شهد له ابن المبارك أنه لم يكن داعية ذكره الذهبي في ترجته من (تذكرة الحفاظ) ج ١ ص ٢٣٧. فليس هنا ما يتشبث به دفع رواية عبد الوارث وهو مجمع على ثقته وجلالته.
١٥١- عبد بن أحمد أبو ذر الهروي. تأتي له حكاية في ترجمة عبيد الله بن محمد ابن بطة فقال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٧ ص ١٩٤: «كان من الأشاعرة المبغضين وهو أول من أدخل الحرم مذهب الأشعري ولا يقبل جرحه لحنبلي يعتقد كفره» .
أقول: قال ابن الجوزي نفسه في ترجمة أبي ذر من (المنتظم) نفسه ج ٨ ص ١١٥: «كان ثقة ضابطًا فاضلًا وقيل: إنه كان يميل إلى مذهب الشعري» ويظهر من هذه العبارة الأخيرة أن الميل لم يثبت، فإن ثبت فما مقداره؟ وقد كان ابن الجوزي نفسه مائلًا بل يوجد في كلامه وكلام كثير من الحنابلة ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من كلام الأشعري وأصحابه. هكذا قاله أعرف الناس بهم وهو رجل منهم (١) كما تقدم في ترجمة الخطيب. هب أن أبا ذر أشعريًا فما تفصيل ذلك؟ والنقل عن الشعري مختلف وأصحابه مختلفون.
وعلى كل حال فلا يكفرون الحنابلة. نعم قد يبد عونهم. ولكن عقلاءهم ولا سيما العارفين بالرواية منهم كالبيهقي لا يرون ذلك موهنا للرواية ولا مسوغا للبغض والعداوة وقد مرت الإشارة إلى ذلك في القواعد، وأشبعت القول في قسم الاعتقاديات. فالحق الذي لا معدل عنه أن أبا ذر ثقة تقبل روايته ويرد عليه من قوله ورأيه ما أخطأ فيه الحق. (٢)
_________________
(١) هو شيخ ابن تيمية راجع ص ١٢٧
(٢) عبدة بن عبد الله الخراساني «يأتي في «عبيدة» .
[ ٢ / ٥٥٩ ]
١٥٢- عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي
١٥٢- عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي. حكى الأستاذ ص ٤٢ عن كتاب ابن أبي العوام «حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي قال: حدثنا عبد الواحد بن أحمد الرازي بمكة قال: أنبأنا بشار بن قيراط عن أبي حنيفة » وعلق الأستاذ في الحاشية على بشار بن قيراط: «مقبول عند الحنفية بنيسابور كما قال الخليلي في الإرشاد وإن طال لسان أبي زرعه فيه لكونه من أهل الرأي» .
أقول: ابن أبي العوام قد تعرضت له في (الطليعة) ص ٢٧ - ٢٨. فأعرض الأستاذ في (الترحيب) عن ذلك، ولنا أن نسأله: من إبراهيم بن أحمد في السند؟ ومن شيخه؟ فما بال الأستاذ أعرض عن ذلك كله وتناول بشارًا؟ أليوهم أن بقية السند ثقات إجماعًا؟ أم ليتوصل إلى الغض من أبي زرعة؟
بشار قديم من أبي حنيفة المتوفى سنة ١٥٠، كذبه أبو زرعة الذي ولد سنة ٢٠٠ وقال أبو حاتم الذي ولد سنة ١٩٥ «هو نيسابوري قدم الري مضطرب الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به» وقال ابن عدي المولود سنة ٢٧٧: «روى أحاديث غير محفوظة وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق» وقال الخليلي المولود بعد ذلك بزمان فإنه توفي سنة ٤٤٦: «كان يتفقه على رأي أبي حنيفة رضيته الحنفية بخراسان، ولم يتفق عليه حفاظ خراسان» .
وقد سبق في ترجمة عبد الله بن محمود، ذكر ما زعمه الأستاذ من أن من لم يوثقه أهل عصره يكون مجهول الصفة، وتراه هنا يرد جرح المتقدمين لبشار ويتشبث بقول المتأخر عنه بقريب من مائتي سنة «رضيته الحنفية بخراسان» ويزيد الأستاذ فيزعم أن أبا زرعة إنما كذبه لأنه مخالف له في المذهب. وقد علم مما سلف في القواعد أن من شهد له أهل العلم أنه «صدوق» لا يقبل من أحد أن يقول: إنه تعمد الكذب أو الحكم بالباطل إلا لأن يقيم على ذلك حجة صارمة، فما بالك بمن شهدوا له بأنه ثقة؟ فما بالك بمثل أبي زرعة في إمامته وجلالته وتثبته؟ والخليلي متأخر جدًا عن زمن بشار كما مر. ولا ندري إلى ماذا استند في قوله: «رضيته الحنفية بخراسان» وهبه ثبت الرضا، فمن حنفية خراسان في ذلك الزمان؟ وقد
[ ٢ / ٥٦٠ ]
١٥٣- عبيد الله بن محمد بن حمدان أبو عبد الله ابن بطة العكبري
يكونون رضوه في رأيه ولا يدرون ما حاله في الحديث. كما رضي أهل المغرب أصبغ بن خليل وقد مرت ترجمته. وقد كان يمكن الأستاذ أن يقول: ذكروا أن أبا زرعة الرازي كذبه ولا ندري ما الذي اعتمده في تكذيبه، ولا كلام أبي حاتم يعطي أن بشارًا صدوق إلا أنه مضطرب الحديث، ويقوى ذلك رضا حنفية خراسان به والتصديق يقدم على التكذيب المبهم. والله أعلم.
لكن الأستاذ لا يرى لأئمة السنة حقًا ولا حرمة، ولا يرقب فيهم إلا ولا ذمة لا يرعى تقوى ولا تقية، ولا يرى أن في أهل الحق بقية، فيدع بقية، فلندعه يصرح أو يكني، وعلى أهلها براقش تجني!
١٥٣- عبيد الله بن محمد بن حمدان أبو عبد الله ابن بطة العكبري. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٣ عنه: «حدثنا محمد بن أيوب بن المعافى البزار قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: وضع أبو حنيفة أشياء في العلم مضغ الماء أحسن منها. وعرضت يومًا شيئًا من مسائله على أحمد بن حنبل فجعل يتعجب منها. ثم قال: كأنه هو يبتدئ الإسلام» قال الأستاذ ص ١٤٨ «من أجلاد الحشوية له مقام عندهم إلا أنه لا يساوي فلسًا، وهو الذي روى حديث ابن مسعود (كلم الله تعالى موسى ﵇ يوم كلمه وعليه حبة صوف، وكساء صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي) فزاد فيه: (فقال: من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة؟ قال: أنا الله) . والتهمة لاصقه به لا محالة لانفراده الزيادة كما يظهر من طرق الحديث في (لسان الميزان) وغيره، وما فعل إلا ليلقى في روع السامع أن كلام الله تعالى من قبيل كلام البشر بحيث يلتبس على السامع كلامه تعالى بكلام غيره. تعالى الله عن مزاعم المشبهة في إثبات الحرف والصوت له تعالى. وكتبه من شر الكتب وله طامات» .
أقول: أما ذاك الحديث فيظهر أن ابن بطة لم يذكر تلك الزيادة على أنها من الحديث، وإنما ذكرها على جهة الاستنباط والتفسير أخذًا من الحديث ومن قول الله ﵎ في شأن موسى «فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي
[ ٢ / ٥٦١ ]
الحديث المشهور اصطلاحا والكشف عن علة حديث "كلم الله موسى وعليه جبة صوف" (تعاليق)
الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» (القصص:٣٠) وقوله ﷿ «فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (*) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (النمل ٨-٩)
وابن بطة كغيره من أئمة السنة بحق يعتقدون أن الله ﵎ يتكلم بحرف وصوت، وقد نقل بعض الحنفية اتفاق الأشاعرة والماتريدية على أن الله تعالى كلم موسى بحرف وصوت كما نقلته في قسم الاعتقاديات. وذكر الحنفية في كتابهم المنسوب إلى أبي حنيفة باسم (الفقه الأكبر) ما لفظه: «وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى» قال المغنيساوي في شرحه: «والله تعالى قادر أن يكلم المخلوق من الجهات أو الجهة الواحدة بلا آلة ويسمعه بالآلة كالحرف والصوت لاحتياجه إليها في فهمه كلامه الأزلي فإنه على ذلك قدير لأنه على كل شيء قدير» .
وكما يحتاج موسى إلى الحرف والصوت يحتاج إلى أن يكون بلغته وان يكون على وجه يأنس به. فعلى كل حال قد دل الكتاب والسنة كالآيات المتقدمة وسياق الحديث على أن الله تعالى كلم موسى بحرف وصوت، وظهر بما تقدم أنه كلمه بلسانه العبراني على الوجه الذي يأنس به. ودلت الآية الثالثة على أن موسى سمع الكلام فقال في نفسه إن لم يقل بلسانه: «من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة» فأجيب بقول الله تعالى: «إنه (١) أنا الله العزيز الحكيم» فذكر ابن بطة ذلك على وجه الاستنباط والتفسير، واعتمد في رفع الالتباس على قرينة حالية مع علمه بأن الحديث مشهور (٢) فجاء من بعده فنوهم أنه ذكر الكلام على أنه جزء
_________________
(١) الأصل (إني) .
(٢) قلت: الحديث المشهور اصطلاحًا يشمل الصحيح والضعيف وما لا أصل له، فليس في وصف الحديث بالشهرة ويعطي حديث ثابت، وهذا الحديث نفسه الذي رواء ابن بطة وزاد فيه ما زاده لا يثبت من أصله. فقد قال فيه الأمام أحمد: «منكر ليس =
[ ٢ / ٥٦٢ ]
النظر في ابن بطة من حيث الرواية
من الحديث. ولابن بطة أسوة فيمن اتفق له مثل من الصحابة وغيرهم كقول ابن مسعود مع حديث الطيرة «وما منا إلا» ومع حديث التشهد «إذا قلت هذا » ومع حديث آخر «ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» وأمثال هذا كثير، قد أفردت بالتأليف كما تراه في الكلام على قسم المدرج من (تدريب الراوي) وغيره.
قول الأستاذ: «تعالى الله عن مزاعم المشبهة في إثبات الحرف والصوت له تعالى» .
جوابه: بل تعالى الله عن العجز والكذب، وتفصيل هذا في قسم الاعتقاديات قوله: «وكتبه من شر الكتب» .
جوابه بل شر الكتب ما تضمن تكذيب خبر الله تعالى وخبر رسوله كذلك.
قوله: «وله طامات» .
إن كان يريد ما يتعلق بالعقائد فقد علم جوابه مما مر، وإن أراد ما يتعلق بالرواية فدونك النظر فيه:
ذكر الخطيب في (تاريخه) ابن بطة وحكى أشياء انتقدت عليه في الرواية فتعقبه ابن الجوزي في (المنتظم) وأنحى باللائمة على الخطيب. قال الخطيب في أول الترجمة: «كان أحد الفقهاء على مذهب أحمد بن حنبل أخبرني الحسن بن شهاب بن الحسن العكبري (بها) حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان ابن بطة حدثنا أبو القاسم
_________________
(١) = بصحيح» . وضعفه أيضًا العقيلي وابن عدي وغيرهما، وذكروا أنه تفرد به حميد الأعرج، وهو ضعيف جدًا، كما بينته في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (١٢٤٠)، فلو أن ابن بطة كان من علماء هذا الشأن لكان الأولى به أن يبين ضعف الحديث كما فعل إمامه، بدل أن يزيد فيه تلك الزيادة التي جرأت عليه الكوثري وغيره من ذوي الأهواء فاتهموه ظلمًا بالوضع. والله المستعان.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ذكر أمور تسعة انتقدت عليه فيما يتعلق بالرواية
حفص بن عمر بن الخليل بأردبيل حدثنا رجاء بن مرجي بسمرقند » ثم حكى عن عبد الواحد بن علي بن برهان وقد مرت ترجمته «قال: لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا في غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة» ثم حكى عن أبي حامد أحمد بن محمد الدلوي وهو أشعري «قال: لما رجع أبو عبد الله ابن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة فلم ير خارجًا منه في سوق ولا رئي مفطرًا إلا في يوم الأضحى والفطر، وكان أمارًا بالمعروف ولم يبلغه خبر منكر إلا غيره - أو كما قال» وفي أواخر الترجمة «أخبرنا العتيقي قال سنة ٣٨٧ فيها توفى بعكبرا أبو عبد الله ابن بطة في المحرم وكان شيخًا صالحًا مستجاب الدعوة» .
وذكر الخطيب أمورًا انتقدت على ابن بطة فيما يتعلق بالرواية.
الأول: أنه روى عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجي (كتاب السنن) له فذكر الخطيب أن أبا ذر عبد بن أحمد الهروي كتب إليه من مكة أنه سمع نصر الأندلسي.
قال: وكان يحفظ ويفهم فذكر قصة حاصلها أنه سمع من ابن بطة (كتاب السنن) لرجاء بن مرجى من ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء فذكر ذلك للدارقطني، قال: «هذا محال دخل رجاء بن مرجى بغداد سنة أربعين ودخل حفص بن عمر الأردبيلي سنة سبعين ومائتين فكيف سمع منه؟» وذكر الخطيب عن ابن برهان قصة حاصلها أن ابن بطة ورد بغداد فحدث عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجئ (كتاب السنن) قال: «فأنكر ذلك أبو الحسن الدارقطني وزعم أن حفصًا ليس عنده عن رجاء وأنه يصغر عن السماع منه، فابردوا بريدًا إلى (أردبيل) وكان ابن حفص بن عمر حيًا هناك وكتبوا غليه يستخبرونه عن هذا الكتاب، فعاد جوابه بأن أباه لم يرو عن رجاء بن مرجى ولا رآه قط وأن مولده كان بعد موته بسنين» قال ابن برهان: «فتتبع ابن بطة النسخ التي كتبت عنه وغير الرواية وجعلها عن ابن الراجيان عن (فتح بن) شحرف (١) عن رجاء.
أجاب ابن الجوزي بأن أبا ذر أشعري وأن ابن برهان مبتدع على ما تقدم في
_________________
(١) كذا الأصل بالحاء المهملة، وفي «التاريخ» (١٠ / ٣٧) بالمعجمة.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
ترجمتيهما، ولا يخفي سقوط هذا الجواب فإن أبا ذر ثقة كما مر، وابن برهان يدل سياقه للحكاية على أنه صادق فيها، ورواية ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء ثابتة كما تقدم أن الخطيب روى عن الحسن ابن شهاب عن ابن بطة بهذا السند والحسن بن شهاب حنبلي ثقة. ورجاء توفي ببغداد وكان قد أقام بها آخر عمره مدة والأردبيلي توفي سنة ٣٣٩ وبين وفاتيهما تسعون سنة يضاف إليها مدة إقامة رجاء ببغداد آخر لأن الأردبيلي إنما سمع منه إن كان سمع بسمرقند على ما رواه الخطيب عن الحسن ين شهاب، وأضف إلى ذلك مقدار سن الأردبيلي الذي مكنه أن يرحل من بلده إلى سمرقند حيث سمع رجاء، وهذان المقداران يمكن حزرهما بعشرين أو ثلاثين سنة تضاف إلى التسعين التي بين الوفاتين، وعلى هذا يكون الأردبيلي بلغ من العمر مائة وبضع عشرة سنة على الأقل فيكون مولده قريبًا من سنة ٢٢٠ على الأقل باطل حتمًا وبيانه أن عادة الذهبي في «تذكرة الحفاظ) أن يذكر من مشايخ الرجل أقدمهم وإنما قال في ترجمة الأردبيلي «سمع أبا حاتم الرازي ويحيى بت أبي طالب وعبد الملك بن محمد الرقاشي وإبراهيم بن ديزيل» وهؤلاء كلهم ماتوا بعد سنة ٢٧٤ فهل رحل الأردبيلي وسمع سنة ٢٣٠ فسمع من رجاء بسمرقند ثم رقد بعد ذلك أربعين سنة ثم استيقظ فسمع من الذين سماهم الذهبي؟ فالوهم لازم لابن بطة حتمًا وسببه انه ساح في أول عمره فكان يسمع ولا يكتب ولم يكن يؤمل أن يحتاج آخر عمره إلى أن يروي الحديث ولهذا لم تكن له أصول، وفي (لسان الميزان): «قال أبو ذر الهروي: جهدت على أن يخرج لي شيئًا من الأصول فلم يفعل، فزهدت فيه» وبعد رجوعه من سياحته انقطع في بيته مدة ثم احتاج الناس إلى أن يسمعوا منه فكان يتذكر ويروي على حسب ظنه فيهم، وكأنه سمع (سنن رجاء بم مرجى) من الأردبيلي عن رجل فتوهم بآخره أن الأردبيلي رواها عن رجاء نفسه، وقد رجع ابن بطة عن هذا السند لما تبين له أنه وهم. والله أعلم.
الأمر الثاني: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: «قال لي الحسن بن شهاب
[ ٢ / ٥٦٥ ]
سألت أبا عبد الله ابن بطة: أسمعت من البغوي حديث علي بن الجعد؟ فقال: لا» قال ابن برهان: «وكنت قد رأيت في كتب ابن بطة نسخة بحديث علي بن الجعد قد حككها وكتب بخطه سماعه عليها» .
أقول: تفرد بهذا ابن برهان ولم يرو ابن بطة حديث علي بن الجعد عن البغوي، وابن برهان لا يقبل منه ما تفرد به، ولعله وهم كأن كان الخط غير خط ابن بطة فاشتبه على ابن برهان، وكأن يكون ابن بطة إنما كتب «هذا الكتاب من مسموعاتي» أو نحو ذلك يعني أنه سمعه من غير البغوي فوهم ابن برهان.
الثالث: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: وروى ابن بطة عن أحمد بن سلمان النجاد عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي نحوًا من مائة وخمسين حديثًا فأنكر ذلك عليه بن محمد بن ينال وأساء القول فيه وقال: إن النجاد لم يسمع من العطاردي شيئًا حتى همت العامة أن توقع بابن ينال واختفى. قال: وكان ابن بطة قد خرج تلك الأحاديث تلك الأحاديث في تصانيفه وضرب على أكثرها وبقي بقيتها على حاله» .
أقول: قد مر الكلام في ابن برهان ولكن دخول الوهم عليه في هذا بعيد والنجاد يقال إنه ولد سنة ٢٥٣ وسمع من الحسن بن مكرم المتوفى سنة ٢٧٤ ورحل إلى البصرة وسمع بها من أبي داود المتوفى سنة ٢٧٥ ووفاة العطاردي سنة ٢٧٢ فلا مانع من أن يكون النجاد قد سمع من العطاردي فإن قبلنا ما حكاه ابن برهان عن ابن ينال فلا مانع من أن يكون للنجاد إجازة من العطاردي ولابن بطة إجازة من النجاد فروى ابن بطة تلك الأحاديث بحق ألا جازة فكان ماذا؟ فأما حكه لبعضها فلعله وجدها أو ما يغني عنها بالسماع من وجه آخر فحك ما رواه بالإجازة وأثبت السماع.
الرابع: قال الخطيب: «حدثني أحمد بن الحسن بن خيرون قال: رأيت كتاب ابن بطة ب (معجم البغوي) في نسخة كانت لغيره وقد حكك اسم صاحبها وكتب اسمه عليها» وفي (لسان الميزان» عن ابن عساكر قال: «وقد أراني شيخنا أبو
[ ٢ / ٥٦٦ ]
القاسم السمرقندي بعض نسخة ابن بطة بـ (معجم البغوي) فوجدت سماعه فيه مصلحًا بعد الحك كما حكاه الخطيب عن ابن خيرون» .
أجاب ابن الجوزي بقوله ك «أتراه إذا حصلت للإنسان نسخة فحك اسم صاحبها وكتب سماع نفسه وهي سماعه أن يوجب هذا طعنا؟» .
أقول: هذا بمقتضى العادة يدل أنه لم يكن لابن بطة أصل بسماعه (المعجم) من البغوي فإنه لو كان له اصل به لكان اسمه كتب وقت السماع فإن كان سمع في ذاك الأصل مع آخر فإنه يكتب سماعها معًا فما الحاجة إلى الحك ثم الكتابة مرة أخرى؟ وقد قال الخطيب: «قال لي أبو القاسم الأزهري ك ابن بطة ضعيف ضعيف ليس بحجة، عندي عنه (معجم البغوي) ولا أخرج عنه في الصحيح شيئًا. قلت: له ك كيف كان كتابه ب (المعجم)؟ فقال: لم نر له أصلًا وإنما دفع غلينا نسخة طرية بخط ابن شهاب فنسخنا منها وقرأنا عليه» . وتقدم عن أبي ذر الهروي أنه جهد أن له ابن بطة شيئًا من أصوله فلم يفعل. وذكر ابن بطة فيما رواه أبن الجوزي قصة سماعه (المعجم) من البغوي وفيها: «ثم قرأنا عليه (المعجم) في نفر خاص في مدة عشر أيام أو أقل أو أكثر وذلك في سنة خمس عشر أو ست عشرة» والظاهر أنه لو كان أصل سماعه عنده لكان التاريخ مقيدا فيه فلا يحتاج إلى الشك. فأما قول أبن الجوزي: «قرأت بخط أبي القاسم ابن الفراء قابلت أصل ابن بطة (المعجم) فرأيت سماعة في كل جزء إلا أني لم أر الجزء الثالث أصلا» . فذاك هو السماع الملحق الذي ذكره ابن خيرون وابن عساكر.
فالذي يتحصل أنه لم يكن عند ابن بطة أصل سماعه ب (المعجم) فإما إن يكون كان له أصل فضاع أو تلف وإما أن يكون سمع في نسخة لغيره لم تصر إليه وكأنه ظفر بنسخة أخرى وثق بصحتها فتسمح في الرواية عنها. والله أعلم.
الخامس: ذكر الخطيب عن أبي القاسم التنوخي عن أبي عبد الله بن بكير قال:
«لبن بطة لم يسمع (المعجم) من البغوي وذلك أن البغوي حدث به دفعتين،
[ ٢ / ٥٦٧ ]
الأولى منها قبل سنة ثلاثمائة (قبل مولد ابن بطة) في مجلس عام والأخرى بعد سنة ثلاثمائة في مجلس خاص لعلي بن عيسى (الوزير) وأولاده» قال الخطيب: «وفي هذا القول نظر لأن محمد بن عبد الله بن الشخير قد روى عن البغوي (المعجم) وكان سماعه بعد الثلاثمائة بسنين عدة ولعل ابن بكير أراد بالمرتين قبل سنة عشر وثلاثمائة وبعدها ومما يدل على ذلك أن أبا حفص أبن شاهين كان من المكثرين عن الغوي وكذلك أبو عمر حيوية وابن شاذان ولم يكن عند أحد منهم (المعجم) فهذا يدل على أن رواية العامة كانت قبل العشر بسنين عدة» .
أجاب ابن الجوزي بأن التنوخي كان معتزليا يميل إلى الرفض.
أقول: هو صدوق ولكن قد دل ما ذكره الخطيب أن سماع ابن الشخير كان بعد الثلاثمائة بسنين عدة على أن البغوي حدث ب (المعجم) دفعة ثالثة ولعلها كانت لنفر خاص فلم يقف عليها ابن بكير ولم يحضرها ابن شاهين وابن حيوية ابن شاذان. وقد تكون هناك دفعة رابعة خاصة أيضا. وقد ذكر ابن بطة فيما رواه ابن الجوزي قصة حاصلها أن أباه بعثه وهو صغير مع شريك له من أهل بغداد فأدخله على البغوي واسترضوه أن يحدثهم ب (المعجم) في نفر خاص قال: «ثم قرأنا عليه المعجم » إلى آخر ما تقدم آنفا. وفي القصة: «وأذكره وقد قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني سنة ٢٤٤ فقال المستملي خذوا هذا قبل أن يولد كل محدث على وجه الأرض. وسمعت المستملي وهو أبو عبد الله بن مهران يقول له: من ذكريات يا ثلث الإسلام» والظاهر أن هذا كان في مجلس عام حدث فيه الغوي بأحاديث غير المعجم الذي أختص به ابن بطة ومن معه ويشهد لذلك أن ابن بطة قد روى عن البغوي أحاديث ليست في (المعجم) كما يأتي. والله أعلم.
السادس: قال الخطيب: شاهدت عند حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق نسخة بكتاب محمد ابن عزيز في (غريب القرآن) وعليها سماع ابن السوسنجردي من ابن بطة عن ابن عزيز فسألت حمزة عن ذلك؟ فأنكر أن يكون ابن بطة سمع الكتاب من ابن عزيز وقال: ادعى سماعه ورواه» .
[ ٢ / ٥٦٨ ]
أقول: ليس هناك ما يدفع دعواه فقد أدرك ابن عزيز إدرار كأبينا.
السابع: قال الخطيب: «قلت: وكذلك أدعى سماع كتب أبي محمد بن قتيبة ورواها عن شيخ سماه: ابن أبي مريم. وزعم أنه دينوري حدثه عن ابن قتيبة. وابن أبي مريم هذا لا يعرفه أحد من أهل العلم ولا ذكره سوى ابن بطة. والله أعلم» .
أقول: كأن ابن بطة لقي في سياحته رجلا دينوريا ذكر له أنه سمع كتب ابن قتيبة ويكون هذا الدينوري سياحا لم يتصد للرواية وإنما اتفق أن لقيه ابن بطة في سياحته.
الثامن: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: «قال لي محمد بن أبي الفوارس: روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم» . قال الخطيب: «قلت: هذا الحديث باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب ومن حديث البغوي عن مصعب وهو موضوع بهذا الإسناد والحمل فيه على ابن بطة» . (١)
أقول: تقدم أن ابن برهان ليس بعمدة ولعله سمع من أبي الفوارس يقول: بلغني عن ابن بطة أو نحو ذلك. ولو روى ابن بطة هذا الحديث لكان الظاهر أن يشتهر عنه وينتشر. ولو صح عنه لحمل على الوهم فإنه سمع من البغوي. وهو صغير ولم يكن له أصول إنما كان يحمل على حفظه فيهم فيحتمل أن يكون سمع الحديث من البغوي بسند آخر وسمع منه حديثا أو أكثر بهذا السند فوهم. (٢) .
التاسع: قال الخطيب: «حدثني أحمد بن محمد العتيقي بلفظه من أصل كتابه وكتبه لي بخطه قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان الفقيه (ابن بطة) بعكبرا
_________________
(١) قلت: قال الذهبي في (سير النبلاء) ١٠ / ٢٨٠/ ١ عقب عبارة الخطيب هذه: «قلت: أفحص العبارة وحاشى الرجل من التعمد لكنه غلط ودخل عليه إسناد في إسناد» . ن
(٢) قلت: وهو الذي جزم به الحافظ الذهبي كما تقدم آنفا. ن
[ ٢ / ٥٦٩ ]
حدثنا عبد الله بن محمد البغوي حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري حدثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا» الحديث.
وهذا الحديث أيضا باطل من رواية البغوي عن مصعب. ولم أره عن مصعب عن مالك أصلا، والله أعلم» .
أقول: الحديث في (الصحيحين) وغيرهما من رواية جماعة عن مالك ولا يبعد أن يكون عند مصعب أيضا فلا يرويه عنه إلا البغوي لكن يبعد جدا أن يكون الحديث كان عند الغوي من هذا الوجه العالي فلا يرويه عنه إلا ابن بطة الذي حمل إليه وهو صغير ولم يطل مقامه عنده فالحكم بوهم ابن بطة في هذا واضح. (١)
ولنعم ما قال الذهبي في (الميزان): «إمام ذو أو هام ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية كان إمامًا في السنة، إمامًا في الفقه، صاحب أحوال وإجابة ودعوة ﵁» (٢) .
وعليك أن لا تقصر نظرك على هذه الأمور فترى في اجتماعها واستضعافك لبعض الأجوبة ما يحملك على سوء الظن بابن بطة، بل ينبغي لك أن تنظر أيضًا إلى حاله في نفسه، وقدم قول ابن برهان المعتزلي نفسه: «لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة» . وقول أبي حامد الدلوي الأشعري: « ولا رئي مفطرًا إلا في يوم الأضحى والفطر (٣) وكان أمارًا بالمعروف، ولم يبلغه خبر منكر إلا غيره» . وقول العتيقي: « كان شيخًا صالحًا مستجاب الدعوة» . وقال أبو الفتح بن القواس: «ذكرت لأبي سعد الإسماعيلي ابن بطة وعلمه وزهده، فخرج غليه، فلما عاد قال: هو فوق الوصف» . وقال ابن الجوزي في
_________________
(١) قلت: ولذلك قال الذهبي عقب الحديث من (الميزان): «وهو بهذا الإسناد باطل» . ن
(٢) وقال في «السير»: «قلت: لابن بطة مع فضله أوهام وغلط» . وقال في (الغلو للعلي الغفار) ص ١٤١ طبع الأنصار: «صدوق في نفسه، وتكلموا في إتقانه» .
(٣) قلت: هذا صوم الدهر فلا يشرع، ولحديث «لا صام ولا أفطر» فلا يمدح به! ن
[ ٢ / ٥٧٠ ]
١٥٤- عبيدة الخراساني
١٥٥- عثمان بن أحمد أبو عمرو بن السماك الدقاق
(المنتظم) ج ٧ ص ١٦٤: «أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي عن أبي محمد الحسن بن علي الجوهري قال: سمعت أخي عبد الله الحسين بن علي يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله قد اختلفت علينا المذاهب فبمن نقتدي؟ فقال لي عليك بأبي عبد الله ابن بطة. فلما أصبحت لبست ثيابي وأصعدت إلى عكبرا فدخلت إليه، فلما رآني تبسم وقال: صدق رسول الله. صدق رسول الله. صدق رسول الله. يقولها ثلاثًا» .
فالذي يتحصل أن ابن بطة مع علمه وزهده وفضله وصلاحه البارع كثير الوهم في الرواية فلا يتهم بما ينافي ما تواتر من صلاحه ولا يحتج بما ينفرد بروايته، ولا يشنع على الخطيب فيما صنعه وفاء بواجب فنه وإظهارًا لمقتضى نضره. والله الموفق.
١٥٤- عبيدة الخراساني. في (تاريخ بغداد) ١٤ / ٢٥٧: «أبو داود سليمان بن الأشعث ثنا عبده بن عبد الله الخراساني قال: قال رجل لابن المبارك » . قال الأستاذ ص ١٧٨: « من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل وعبيدة الخراساني » .
أقول: في الرواة عن ابن المبارك «عتبه بن عبد الله» و«عبدة بن سليمان» وكلاهما مروزيان. ومرو من خراسان، وهما ثقتان فإن كان هذا غيرهما فقد تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم أن أبا داود لا يروي إلا عن ثقة. (١)
١٥٥- عثمان بن أحمد أبو عمرو بن السماك الدقاق. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٢٨٩ من طريقه «حدثنا حنبل بن إسحاق » مرت الحكاية في ترجمة حنبل. قال الأستاذ ص ٨٤: «والمغموز عند الذهبي برواية الفاضحات» .
أقول: عبارة الذهبي في (الميزان): «صدوق في نفسه لكن روايته لتلك البلايا
_________________
(١) قلت: ليس في كتب الرجال «عبيدة الخراساني» فقول الكوثري فيه: «لا يجوز الاحتجاج به» أو «غير ثقة» من عندياته! والذي في سند الخطيب «عبدة بن عبد الله الخراساني» وهذا أيضًا ليس له ذكر في الكتب، كما يشير إليه كلام المصنف. ن
[ ٢ / ٥٧١ ]
١٥٦- عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ
عن الطيور كوصية أبي هريرة، فالآفة من بعده (يعني في سياق السند) أما هو فوثقه الدارقطني وينبغي أن يغمز ابن السماك بروايته لهذه الفضائح» . قال ابن حجر في (اللسان): «لو فتح المؤلف على نفسه ذكر من روى خبرًا كذبًا آفته من غيره ما سلم معه سوى القليل من المتقدمين فضلًا عن المتأخرين، وأني لكثير التألم من ذكره لهذا الرجل الثقة في هذا الكتاب بغير مستند وقد عظمه الدارقطني ووصفه بكثرة الكتابة والجد في الطلب، وأطراه جدًا. وقال الحاكم في (المستدرك) حدثنا أبو عمرو ابن السماك الزاهد حقًا »
وأقول: نعم ينبغي أن يغمز بما يناسب حاله ن فلا يركن إلى ما يرويه بدون النظر في رجاله كما يركن إلى ما يرويه يحيى بن سعيد القطان مثلًا، وأنت إذا نظرت إلى سنده في هذه الحكاية وجدتهم ثقات.
١٥٦- عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٢٤ من طريقة «سمعت محبوب بن موسى يقول: سمعت ابن أسباط يقول: ولد أبو حنيفة وأبوه نصراني» .
قال الأستاذ ص ١٦: «صاحب (النقض) مجسم مكشوف الأمر يعادي أئمة التنزيه، ويصرح بإثبات القيام والقعود والحركة والثقل والاستقرار المكاني والحد ونحو ذلك لله تعالى، ومثله يكون جاهلًا بالله سبحانه، بعيدًا عن أن تقبل روايته» .
أقول: كان الدارمي من أئمة السنة الذين يصدقون الله تعالى في كل ما أخبر به عن نفسه ويصدقون رسوله في كل ما أخبر به عن ربه يدون تكييف ومع إثبات انه سبحانه ليس كمثله شيء، وذلك الإيمان وإن سماه المكذبون جهلًا وتجسيمًا (١)،
_________________
(١) أقول: لا شك في حفظ الدارمي وإمامته في السنة، ولكن يبدو من كتابه «الرد على المريسي» أنه مغال في الإثبات فقد ذكر فيه ما عزاه الكوثري إليه من القعود والحركة والثقل ونحوه، وذلك مما لم يرد به حديث صحيح، وصفاته تعالى توقيفية فلا تثبت له صفة، بطريق اللزوم مثلا، كأن يقال: يلزم من ثبوت مجيئه تعالى ونزوله ثبوت الحركة، فان هذا إن صح بالنسبة للمخلوق، فالله ليس كمثله شيء فتأمل. ن
[ ٢ / ٥٧٢ ]
١٥٧- علي بن أبي الحسن المعروف بابن طيبة الرزاز
١٥٨- علي بن إسحاق بن عيسى بن زاطيا
١٥٩- علي بن جرير الباوردي
وقد بسطت الكلام في قسم الاعتقاديات، ومر في القواعد أن مثل هذا الاعتقاد ليس مما يقدح في الرواية، وكذلك مر فيها ما يتعلق بما يرويه الرجل مما فيه غض من مخالفه في الاعتقاد أو المذهب. وهذه الحكاية منقطعة لأن يوسف بن أسباط أصغر من أبي حنيفة بأربعين سنة، ولا ندري ممن سمعها.
١٥٧- علي بن أبي الحسن المعروف بابن طيبة الرزاز. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٥ «أخبرني علي بن أحمد الرزاز اخبرنا علي بن محمد بن سعيد الموصلي قال: حدثنا الحسن بن الوضاح المؤدب » فذكر حكاية قد جاءت من غير هذا الوجه. قال الأستاذ ص ٧٢: «كان له ابن أدخل في أصوله تسميعات طرية على ما حكاه الخطيب فكيف يعول الآن على روايته» .
أقول: قال الخطيب في ترجمة الرزاز: شاهدت أنا جزءًا من أصول الرزاز بخط أبيه ثم رأيته قد غير فيه بعد وقت وكان الرزاز مع هذا كثير السماع كثير الشيوخ وإلى الصدق ما هو» فهذه الحكاية مما رآه الخطيب في أصول الرزاز الموثوق بها كما هو معروف من تحري الخطيب وتثبيته.
١٥٨- علي بن إسحاق بن عيسى بن زاطيا. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨١ من طريقه «حدثنا أبو معمر القطيعي .» قال الأستاذ: ص ٦٣ «لم يكن بالمحمود كما أقر به الخطيب» .
أقول: حكى الخطيب هذه الكلمة عن ابن المنادي وهذه الكلمة تشعر بأنه محمود في الجملة كما مر نظيره في ترجمة الحسن بن الصباح فإن عدت جرحا فهو غير مفسر وقد قال ابن السني: «لا بأس به» .
١٥٩- علي بن جرير الباوردي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٣ من طريق محمد بن المهلب السرخسي «حدثنا علي بن جرير قال: كنت في الكوفة فقدمت البصرة وبها ابن المبارك فقال لي: كيف تركت الناس؟ قال قلت تركت بالكوفة قومًا يزعمون أن أبا حنيفة أعلم من رسول الله ﷺ » ومن طريق محمد بن أبي عتاب الأعين «حدثنا علي بن جرير الأبيوردي قال: قدمت على ابن
[ ٢ / ٥٧٣ ]
المبارك فقال له رجل: إن رجلين تماريا عندنا في مسألة فقال أحدهما: قال أبو حنيفة، وقال الآخر: قال رسول الله ﷺ، قال الأول: كان أبو حنيفة أعلم بالقضاء » قال الأستاذ ص ١٤٨: «لا نجد لعلي بن جرير رواية مطلقًا عن ابن المبارك في غير هذين الخبرين وعلي بن جرير البارودي هذا زائغ لم يستطيع ابن حاتم أن يذكر شيخًا له ولا راويًا عنه، وجعله بمنزلة من يكتب حديثه وينظر فيه - رواية عن أبيه - لا في عداد من يحتج به ونحن قد نظرنا فيه فوجدنا باهتا » .
أقول: ذكره ابن حبان في (الثقات) قال: «علي بن جرير من أهل (أبيورد) يروي عن حماد بن سلمة وابن المبارك وكان يخضب لحيته روى عنه أحمد بن سيار. سمعت محمد بن محمود ابن عدي يقول: سمعت (محمد بن عبد الله) بن قهزاز يقول: سمعت علي بن جرير يقول: قلت لابن المبارك: رجل يزعم أن أبا حنيفة أعلم بالقضاة من رسول الله ﷺ. فقال عبد الله: هذا كفر. قلت: يا أبا عبد نفذ الكفر، قالوا: رويت فروى الناس. قال: ابتليت به. ودمعت عيناه» .
فقد روى علي بن جرير عن إمامين عنه أربعة من الثقات. وفي ترجمة عمر بن صبح من (التهذيب) «قال البخاري في (التاريخ الأوسط): حدثني يحيى اليشكري عن علي بن جرير » فهذا خامس. وقال أبو حاتم: «صدوق» ولم يكن ليقول ذلك حتى يعرفه كما ينبغي، وأبو حاتم معروف بالتشدد، وقد لا تقل كلمة «صدوق» منه عن كلمة «ثقة» من غيره، فإنك لا تكاد تجده أطلق كلمة «صدوق» في رجل إلا وتجد غيره قد وثقه هذا هو الغالب، ثم ذكره ابن حبان في (الثقات) وأورد له تلك الحكاية التي يستنكرها الأستاذ ولا يضره بعد ذلك أن لا يعرفه ابن أبي حاتم. وما أكثر الذين لم يعرفهم وقد عرفهم غيره. فأما قول الأستاذ «فوجدناه باهتا» فأطال في محاولة توجيهه بما أشعر أنه يمتنع أن يقول أن أبا حنيفة أعلم بالقضاء من النبي ﷺ، فإن أقدم جاهل على امتنع أن لا يرفع إلى الحاكم ليقيم عليه حكم الشرع.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
فأقول: أما امتناع القول، فإن كان المراد أن قائل ذلك لا يبقى مسلمًا فهذا لا يدفع هذه الحكاية، وإن كان المراد امتناع أن يقول ذلك إنسان ينتحل الإسلام فهذا لا وجه له، فقد غلا كثيرا من منتحلي الإسلام في أفراد فادعوا لهم العصمة أو النبوة أو الألوهية، وذلك معروف مشهور. وقد حكيت عن أبي حنيفة كلمات لا يبعد أن يسمعها بعض جهلة معظميه فيتوهم أن الحكام التي مردها إلى القضاة بمنزلة الرأي في مصالح الدنيا كتدبير الحروب والمعايش وقد قال الله ﵎ لرسوله: «وشاورهم في الأمر» وجاء عنه ﷺ أنه قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (١) وأنه ربما كان يرى الرأي في تدبير الحرب فيخبره بعض أصحابه بأن غيره أولى فيرجع إلى قوله، فمن تلك الكلمات ما حكى عنه في تلقيه من يذكر له حديثا يخالف قوله بمثل «من أصحابي من يبول قلتين، هذا حديث خرافة، لا آخذ به، دعنا من هذا. هذا رجز. هذا سجع. هذيان. حك هذا بذنب خنزير» وما عزي إليه من قوله: «لو أدركني النبي (في رواية: رسول الله) ﷺ لأخذ بكثير من قولي» زاد في رواية «وهل الدين إلا الرأي الحسن؟» وقد ذكرها الأستاذ ص ٧٥ و٨٥. وهذه الكلمة قد يكون أريد بها أن كثيرًا مما أقوله باجتهادي موافق للحق فلو كنت في عهد النبي ﷺ لعلم صحة كثير من قولي وصوبه وحكم بما يوافقه كما يُروى من موافقات عمر أنه قد كان يرى الرأي أو يقول القول فينزل القرآن بموافقته. فأما قوله: «وهل الدين إلا الرأي الحسن» فالرأي الحسن حقًا هو المطابق للحكمة الحقة حق المطابقة وكذلك الدين. وقد زعم بعضهم أن أبا حنيفة إنما قال: «لو أدركني البتي » فصحف بعضهم فقال: «النبي» ثم رواها بعضهم بالمعنى فقال: «رسول الله» وجرى الأستاذ على هذا ولا بأس بالنظر فيه، قال الأستاذ: «وأما أصل الحكاية » فذكر طرفًا مما في (مناقب أبى حنيفة) للموفق المكي ج ٢ ص ١٠١ - ١٠٩ والرواية هناك من طريق عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي
_________________
(١) قلت: أخرجه مسلم في «صحيحه» من حديث عائشة وأنس ﵄. ن.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
قال: «حدثني أبو طالب سعيد بن محمد البرذعي بن قتيبة أبنا هلال بن يحيى الرأي البصري سمعت يوسف بن خالد السمتي قال: اختلفت إلى عثمان البتي فقيه أهل البصرة وكان يذهب مذهب الحسن وابن سيرين ومذهب البصريين فأخذت من مذاهبهم وناظرت عليها ثم استأذنته في الخروج إلى الكوفة فأذن لي فلما قدمت الموفية فإذا أنا بكهل قد أقبل وخلفه غلام أشبه الناس به فتوسمت أنه أبو حنيفة فقال: كنت من المختلفة إلى البتي؟ قلت: نعم، قال: لو أدركني البتي لترك كثيرًا من قوله » إلى أن قال يوسف: «كنت أختلف إلى أبي حنيفة فكنت أمر بنادي قوم فمن كثرة مروري بهم صاروا لي أصدقاء ثم انقرضوا فصار أولادهم لي أصدقاء ثم استأذنت بالخروج إلى البصرة » وفي القصة عجائب. وقد ذكر الأستاذ البتي والسمتي في ص ١١٣ قال: «عثمان بن مسلم البتي هو فقيه البصرة توفي سنة ١٤٣ كما سبق وكانت تجري بينه وبين أبي حنيفة مراسلات وكان يوسف بن خالد السمتي بعد أن تفقه على أبي حنيفة رجع إلى البصرة وأخذ يجابه البتي وأصحابه حتى ثاروا ضده ولكن لما حل زفر بالبصرة جرى على الحكمة في مناظرتهم » .
يشير الأستاذ إلى ما في كتاب ابن أبي العوام عن الطحاوي بسنده كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤٧٧ «قدم زفر بن الهذيل البصرة فكان يأتي حلقة عثمان البتي فلم يلبث أن تحولت الحلقة إليه وبقي عثمان البتي وحده» فقد اتضح أن البتي أدرك أبا حنيفة، ويقول الأستاذ أنه كانت تجري بينهما مراسلات، وصرحت القصة نفسها أن البتي كان حيا يرزق حين لقي يوسف السمتي أبا حنيفة وقال له أبو حنيفة كما تزعم القصة «له أدركني البتي » ويعلم من كلام الأستاذ أن البتي عاش بعد ذلك إلى أن أكمل السمتي تفقهه ورجع إلى البصرة ثم إلى أن ظهر إخفاق السمتي وورد زفر البصرة فليتدبر القارئ هل يقول أبو حنيفة والبتي حي يرزق يراسله ويكاتبه: «لو أدركني البتي »؟ ثم ليحرز ما أقل ما يحتمل بحسب العادة أن يكون عمر السمتي حين استأذن البتي وذلك بعد اختلاف السمتي إليه وأخذه من
[ ٢ / ٥٧٦ ]
مذاهبهم ومناظرته عليها؟ ثم ليحرز ما عسى أن يكون عمر أبي حنيفة وعمر ولده حماد حين رآهما السمتي؟ والقصة تقول: «فإذا أنا بكهل قد أقبل وخلفه غلام أشبه الناس به» ثم تصرح بعد ذلك بأن الكهل أبو حنيفة وأن الغلام ابنه حماد. ثم ليحرز ما عسى أن تكون مدة عكوف السمتي على الأخذ من أبي حنيفة والقصة تقول: «أمر بنادي قوم فمن كثرة مروري بهم صاروا لي أصدقاء ثم انقرضوا فصار أولادهم لي أصدقاء ثم استأذنت » فكم المدة إلى أن استأذن في العود إلى البصرة واحتفل له أبو حنيفة بتلك الوصية الطويلة العريضة؟ ثم ليحرز ما عسى أن تكون مدة بقاء السمتي بالبصرة حتى تبين إخفاقه إلى أن ورد زفر فسحر أهل البصرة وبقي البتي وحده؟ ثم ليعرض النتائج على الحقائق التاريخية، مولد السمتي سنة ٣٣٠ كما في (طبقات ابن سعد) ج ٧ قسم ٢ ص ٤٧، أو بعد ذلك بسنتين على ما في (التهذيب) عن ابن سعد، ومولد أبي حنيفة سنة ثمانين على الأصح وسنة سبعين أو ستين على رأي الأستاذ كما تقدم في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت. ومولد حماد حول سنة ١٠٠ على ما يظهر وعلى رأي الأستاذ مولد حماد قبل مولد مالك، ومالك ولد سنة ثلاث وتسعين وقيل قبل ذلك، ووفاة البتي سنة ١٤٣ كما تقدم. والقصة تقول: أن السمتي الذي ولد سنة عشرين ومائة أو سنة عشرين ومائة أو سنة اثنتين وعشرين ومائة كان يختلف إلى البتي ويأخذ من مذاهبهم حتى صار يناظر عليها ثم قدم الكوفة فلقي الأعمش وجرت بينهما محاورة ثم لقي أبا حنيفة وجرت بينهما محاورة، فلنفرض أن ذلك كان وعمر السمتي دون عشرين سنة فليكن حول سنة أربعين ومائة وعمر أبي حنيفة حينئذ على قولنا ستون سنة وعلى رأي الأستاذ سبعون أو ثمانون. وعمر حماد على ما يظهر أربعون سنة وعلى رأي الأستاذ خمسون سنة، لكن القصة ذكرتهما بقولها: «فإذا أنا بكهل قد أقبل وخلفه غلام أشبه الناس به» !! ثم لا أدري كم نفرض بقاء السمتي مع أبي حنيفة وهي مدة كان أولًا يمر بقوم فصاروا له أصدقاء ثم انقرضوا فصار أبناؤهم له أصدقاء ثم رجع إلى البصرة فوجد البتي حيًا إلى آخر ما ذكر الأستاذ، وقد علمت متى توفي البتي!! وأدع البقية إلى القارئ وإن أحب فليراجع القصة ليزداد بصيرة. والأستاذ عافانا الله وإياه يعمد إلى أمور نسبتها إلى هذه نسبة الخيال إلى
[ ٢ / ٥٧٧ ]
الحقيقة فيرد بها روايات الثقات الأثبات ومنها ما يروى من وجهين أو أكثر ومنها ما هو متواتر على الحقيقة فأما هذه الحكاية فتفرد بها الحارثي وهو تالف مرمي بالوضع راجع ترجمته في (لسان الميزان) ج ٣ ص ٣٤٨ - وشيخه لا يذكر إلا في هذه الحكاية وقد ذكره صاحب (الجواهر المضيئة في تراجم الحنفية) ص ٢٤٩ بما يؤخذ من هذه الحكاية فقط فإما أن يكون اسمًا اختلقه الحارثي، وإما أن يكون رجلًا مغمورًا هلك فاختلق الحارثي هذه الحكاية ونسبها إليه فإن القصة تدل على اطلاع وتفيهق وهذه صفة الحارثي يمتنع أن يكون شيخه بهذه الصفة ثم لا يذكر إلا في هذه الحكاية، فأما الطحاوي فبريء منها حتمًا ولو كان عنده شيء منها لما فات ابن أبي العوام. والظاهر أن الحارثي سمع ما حكى عن أبي حنيفة من قوله: «لو أدركني النبي » فحاول أن يعالجها فوقع فيه. وكأن الأستاذ شعر بذلك فحاول التأويل فزعم أن معنى قول أبي حنيفة «لأخذ بكثير من قولي» لأخذني أي للامني ووبخني! ولا يخفى حال هذا التأويل، على أنه ناقصة بما أجاب به عن قوله: «وهل الدين إلا الرأي الحسن» فزعم أن كلمة «الدين» محرفة عن «أرى» وأن الأصل «وهل أرى إلا الرأي الحسن» ولنقتصر على هذا القدر.
فأما امتناع أن يقول قائل: «أبو حنيفة أعلم » ولا يرفع إلى الحاكم ليقيم عليه حكم الشرع، فإنما يتجه إذا قاله على رؤوس الأشهاد، وليس فيما رواه علي بن جرير ما يقتضي ذلك. وقد مر علي بن جرير بالكوفة غريبًا فإذا سمع يقول ذلك ولم يكن هناك جمع كثير رأى أنه لا فائدة في الذهاب إلى القاضي غذ لعله لو قال للقائل تعال معي إلى القاضي امتنع، فان ذهب علي إلى القاضي قال له القاضي: ومن القائل؟ فلا يعرفه، فإن عرفه فلعل القائل يجحد، بل لعلهم يعكسون القضية على ذاك الغريب ويؤذونه!
بقي ما وقع من اختلاف ألفاظ الحكاية.
فأقول: ذاك من جهة الرواية بالمعنى ومثله كثير، وفي (صحيح مسلم) في أحاديث لا تقضي الحائض الصلاة، من طريق «يزيد الرشك عن معاذة أن امرأة سألت عائشة » ومن طريق «عاصم عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت »
[ ٢ / ٥٧٨ ]
١٦١- علي بن صدقة
١٦٢- علي بن عاصم
ولهذا نظائر. فأما قول الأستاذ في علي بن جرير «زائغ السفيه. الخبيث. النذل. الخبيث» فحاسبها إلى الله ﷿.
١٦٠ - علي بن زيد الفرائضي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٨ من طريقه قال:
«حدثنا علي بن صدقة قال: سمعت محمد بن كثير قال: سمعت الأوزاعي » قال الأستاذ ص ١١١: «تكلموا فيه» .
أقول: كذا قال ابن يونس ولم يبين من المتكلم ولا ما هو الكلام، وقد قال مسلمة بن قاسم: «ثقة» والتوثيق، مقدم على مثل هذا الجرح كما لا يخفى.
١٦١- علي بن صدقة. تقدم الإشارة إلى روايته في الذي قبله. قال الأستاذ ص ١١١: «كثير الإغراب» .
أقول ذكره ابن حبان في «الثقاة» وقال: «يغرب» . وابن حبان قد يقول مثل هذا لمن يستغرب له حديثًا واحدًا أو زيادة في حديث فقول الأستاذ: «كثير الإغراب» من تصرفاته، والحكاية التي ذكرها الخطيب بهذا السند معروفة جاءت من عدة طرق.
١٦٢- علي بن عاصم. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٧ عنه قال: «حدثنا أبا حنيفة بحديث عن النبي - ﷺ -. فقال لا آخذ به. فقلت: عن النبي - ﷺ -. قال: لا آخذ به»
قال الأستاذ ص ٧٨: «أبو حنيفة كغيره من أهل العلم في عدم الأخذ بحديث علي بن عاصم الذي يكتبه الوراقون ويحدث هو به بدون سماع ولا مقابلة بأصل صحيح، والكلام فيه طويل الذيل في كتب الضعفاء فتبًا لمن يقيم نفسه مقام الرسول - ﷺ - ويجعل الرد عليه ردًا على المصطفى صلوات الله وسلامه عليه. وأبو حنيفة الذي يقول: لعن الله من يخالف رسول الله - ﷺ - به أكرمنا الله وبه استنقذنا كما في (الانتقاء) لابن عبد البر ص ١٤١ كيف يخالف حديثًا صح عن الرسول ﵊. ومن زعم فقد أبعد في البهت نسأل الله الصون» .
أقول: أما ما في (الانتقاء) فطرف من حكاية ردها الأستاذ نفسه ص ٩٤؛
[ ٢ / ٥٧٩ ]
١٦٣- علي بن عبد الله بن المديني
وقال في حاكيها داود بن المحبر «متروك باتفاق» فكيف يستند إليها هنا جازمًا بقوله «الذي يقول»؟ وظاهر قول علي بن عاصم «حدثنا أبا حنيفة » إنه وافقه غيره على التحديث، وهبه لم يوافقه أحد أفما كان ينبغي أن يجيبه أبو حنيفة بقوله: «من روى هذا معك؟» أو نحو ذلك، وهبه علم تفرده، أفما كان الأولى أن يجيبه بقوله: «لم يثبت عندي» أو نحو ذلك، بل لو قال له: لا أثق بروايتك لكان أولى من قوله: «لا آخذ به» .
فأما علي بن عاصم فالذي يظهر من مجموع كلامه فيه أنه خلط في أول أمره ثم تحسنت حاله، وبقي كثرة الغلط والوهم، فما حدث به أخيرًا ولم يكن مظنة الغلط فهو جيد.
١٦٣- علي بن عبد الله بن المديني. تقدم في ترجمة إبراهيم بن بشار الرمادي متابعة ابن المديني له في حكايته عن ابن عيينة. أشار الأستاذ ص ٨٢ إلى ذلك ثم قال: «لو فكر ابن المديني في مسايرته لابن أبي داود وسعى في إعداد الجواب لكان أحسن له ونحسن أنه لم يعد ولن يعد » . وفي (تاريخ بغداد) ١٣/٤٢٠ من طريق عبد الله بن علي بن المديني أنه سأل أباه عن أبي حنيفة؟ «فضعفه جدًا، وقال: لو كان بين يدي ما سألته عن شيء، وروى خمسين حديثًا أخطأ فيها» قال الأستاذ ص ١٦٨: «إن كان ابن المديني كما نهش الخطيب عرضه في (١١/٤٥٩) وابن الجوزي في (مناقب أحمد) لا يكون لكلامه قيمة» ثم أشار الأستاذ إلى أن ابن المديني تناقض قال: «ينافي ما ذكره أبو الفتح الأزدي في (كتاب الضعفاء) وحيث قال: قال علي ابن المديني أبو حنيفة روى عنه وهو ثقة لا بأس به» ثم قال الأستاذ: «نسأل الله السلامة» وفي (تاريخ بغداد) (١٣/٤٢٣) عنه: «قال لي بشر بن أبي الأزهر النيسابوري رأيت في المنام » قال الأستاذ ص ١٧٠: «ليس بقليل ما ذكره الخطيب عن ابن المديني في (تاريخه) ومن جملة ذلك صلته الوثيقة بأحمد ابن أبي داود في محنة أهل الحديث وقد ترك أبو زرعة وأحمد الرواية عنه بعد المحنة وبشر بن «أبي» الأزهر من أخص أصحاب أبي
[ ٢ / ٥٨٠ ]
يوسف ومن أتبع أهل العلم لأبي حنيفة وأرعاهم لجانبه فلا أشك أن هذه الرواية مختلقة» .
أقول: أما مسايرته لابن أبي داود فقد أجاب عنها مرارًا بأنه مكره وكان في أيام المحنة إذا خلا بمن يثق به من أهل السنة ذكر له ذلك وأنه يرى أن الجهمية كفار، جاء ذلك من طرق. فإن قيل: لم يكن الدعاة يكرهو ن أحدًا أن يكون معهم وإنما كانوا يكرهو ن على قول مثل مقالتهم كما فعلوا بيحيى بن معين وغيره، فكيف أكرهو اابن المديني على مسايرتهم؟ قلت: كان الدعاة يرون أنه لا غنى لهم عن أن يكون بجانبهم من يعارضون به الإمام أحمد ولم يكن هناك إلا ابن المديني أو يحيى بن معين، فأما ابن معين فإنه وإن كان أضعف صبرًا وأقل ثباتًا من أحمد بحيث أنه أجاب عند الإكراه إلى إجراء تلك المقالة على لسانه، فلم يكن من الضعف بحيث إذا هددوه وخوفوه على أن يسايرهم ليجيبهم إلى ذلك، ولعلهم قد حاولوا ذلك منه فأخفقوا، فما بقي إلا ابن المديني، وكان هو نفسه شهد على نفسه بالضعف قال: «قوي أحمد على السوط ولم أقو» وقال لابن عمار: «خفت أن أقتل وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطًا واحدًا لمت» أو نحو هذا. وقال لأبي يوسف القلوسي لما عاتبه: «ما أهو ن عليك السيف» . وقال لعلي بن الحسين: «بلغ قومك عني أن الجهمية كفار ولم أجد بدًا من متابعتهم لأني حبست في بيت مظلم وفي رجلي قيد حتى خفت على نفسي» وذكر عند يحيى بن معين فقال:
«رجل خاف» . وإنما أنكر عليه في طول مسايرته للجهمية ما جرى في حديث الوليد بن مسلم، كان الوليد يروي عن الأوزاعي عن الزهري عن أنس عن عمر أنه قرأ قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فتردد في معنى الأب ثم قال: «أيها الناس خذوا بما بين لكم فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى عالمه» فأخطأ الوليد مرة فقال: «إلى خالقه» . كأنه جعل الضمير للأب ونحوه مما ذكره الله ﷿ من مخلوقاته، فكان أهل العلم يروونه عن الوليد على الصواب وربما ذكروا أنه أخطأ فقال: «إلى خالقه» ورواه ابن
[ ٢ / ٥٨١ ]
المديني بالبصرة: «إلى عالمه» ونبه على الخطأ فيما يظهر، ثم كأن الجهمية عرفوا ذلك فألزموا ابن المديني أن يرويه بلفظ «إلى خالقه» قائلين: إنك قد سمعت مرة كذلك، فإذا رويته كذلك لم يكن فيه كذب. فاضطر إلى إجابتهم، فسأله عباس العنبري فأجابه بقوله: «قد حدثتكم بالبصرة» وذكر أن الوليد أخطأ فيه. فذكروا للإمام أحمد أن ابن المديني روى بلفظ «إلى خالقه»، فقال: «كذب» يريد أحمد أن ابن المديني يعلم أن الصواب «إلى عالمه» وأن كلمة: «إلى خالقه» كذب وقع من الوليد خطأ. وفي الحديث الصحيح: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، فقيل لأحمد: «إن عباسًا العنبري قال لما حدث به علي بـ (العسكر) قلت: إن الناس أنكروه عليك، فقال: قد حدثتكم به بالبصرة. وذكر أن الوليد أخطأ فيه» فغضب أحمد وقال: «نعم، قد علم أن الوليد أخطأ فلمَ أراد أن يحدثهم به؟ يعطيهم الخطأ» وعذره في هذا ما قدمناه.
فأما ترك أحمد وأبي زرعة الرواية عن علي بعد أن وقعت المحنة فقد تقدم الجواب عنه في ترجمة إسماعيل بن إبراهيم بن معمر. وأما قول الأستاذ: «ونحسب أنه لم يعد ولن يعد» فكأنه يشير إلى أن الدعاة كانوا على حق وأن ابن المديني سايرهم عارفًا أنهم على حق والحق لا يحتاج الإنسان إلى أن يعد عن اختياره له جوابًا. فإن كان هذا مغزى الأستاذ فالكلام فيه مشروح في قسم الاعتقاديات.
وأما ما ذكره الأزدي، فالأزدي نفسه متهم، ولا ندري مع ذلك ما سنده إلى ابن المديني، وهل أن ذلك صح فلا يدفع رواية ولد ابن المديني عن أبيه، فإن كثيرًا من الأئمة تختلف أقوالهم في الرجال توثيقًا وجرحًا، إما لتغيير الاجتهاد، وإما لأن إحدى الكلمتين أريد بها خلاف ما يظهر منها، وإما لغير ذلك، كأنه يقال هنا: كان دعاة المحنة حنفية، وكانوا ينسبون مقالتهم التي امتحنوا الناس فيها إلى أبي حنيفة ويدعون إلى مذهبه في الفقه كما مرت الإشارة إلى طرف منه في ترجمة سفيان الثوري، فكأنهم استكرهو اابن المديني على أن يثني على أبي حنيفة ويوثقه فاضطر إلى أن يوافقه وقد يكون ورَّى فقصد بكلمة: «ثقة» معنى أنه لم يكن
[ ٢ / ٥٨٢ ]
١٦٤- علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني
التوفيق بين قول الدارقطني في أبي يوسف "أعور بين عيمان" وقوله فيه "إنه أقوى من محمد"
يكذب، ثم لما سأله ابنه أخبره بما يعتقده.
وأما استبعاد أن يخبر بشر وهو من أتباع أبي حنيفة في الفقه بتلك الرؤيا فلا يكفي لدفع الرواية إذا صح سندها، فقد يعترف الرجل على نفسه، فإذا أخبر بذلك عنه ثقة قبل، فما الظن بما يخبر به عن أستاذه أو أستاذ أستاذه، وقد يكون بشر مع متابعته لأبي حنيفة في الفقه يخالف في بعض العقائد كما روي عن أبي يوسف أنه قال: «إنما كان مدرسًا فما كان من قوله حسنًا قبلناه، وما كان قبيحًا تركناه» تراه في (التأنيب) ص ٤٦. وقد يكون بشر يرى أن تلك الرؤيا أضغاث أحلام فلا يقيم لها وزنًا وإنما أخبر بها تعجبًا. وقد يكون يرى أن لها تأويلًا تكون بحسبه فضيلة وبشارة لأبي حنيفة وأصحابه. فيتأول السواد بالسؤدد، وصحبة القسيسين بالإشارة إلى قول الله ﵎:
(ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) المائدة: ٨٢ - ٨٥.
ولو قيل: إن الخطيب إنما ختم ترجمة أبي حنيفة بهذه الرؤيا نظرًا إلى هذا التأويل كعادته في ختم التراجم بالرؤيا التي فيها بشارة لأصحابها كما فعل في ترجمة محمد بن الحسن وغيرها لكان أقوى بكثير من كثير من دعاوي الأستاذ. والله الموفق.
١٦٤- علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني. ذكر الأستاذ ص ١٦٧ ما روي عن الدارقطني من نفيه سماع أبي حنيفة من أنس ثم قال: «وهو الذي يستبيح أن يقول: إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة ثلاثتهم ضعفاء. وأين هو من محمد بن عبد الله الأنصاري الذي يقول في إسماعيل: ما ولي القضاء من لدن عمر بن الخطاب إلى اليوم أعلم من إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. يعني بالبصرة. وأين هو أيضًا من محمد بن مخلد العطار الحافظ الذي ذكر حماد بن أبي حنيفة في عداد الأكابر الذين رووا عن مالك. وأين هو أيضًا من هؤلاء الذين
[ ٢ / ٥٨٣ ]
أثنوا على أبي حنيفة والدارقطني هو الذي يهذي في أبي يوسف بقوله: أعور بين عميان. وهو الأعمى المسكين بين عور حيث ضل في المعتقد وتابع الهوى في الكلام على الأحاديث واضطراب» وقال ص ١٧٨: «ومن طرائف صنيع الخطيب أيضًا روايته عن الدارقطني أنه قال عن أبي يوسف: أعور بين عميان. بعد أن ذكر عنه من رواية البرقاني أنه قال: هو أقوى من محمد بن الحسن. والدارقطني هو الذي يذكر محمد بن الحسن في عداد الثقات الحفاظ حيث يقول في
(غرائب مالك) عن حديث الرفع عند الركوع: حدث به عشرون نفرًا من الثقات الحفاظ منهم محمد بن الحسن الشيباني. كما تجد نص هذا النقل منه في (نصب الراية) ١ / ٤٠٨ كما سبق وقد اعترف الدارقطني في رواية البرقاني بأن أبا يوسف أقوى من محمد فيكون أبو يوسف حافظًا ثقةً وفوق الثقة عنده فإذا قال في بعض المجالس في حق مثله: أعور بين عميان كما حكى الخطيب يكون قوله هذيانًا بحتًا وسفهًا صرفًا، فلو عارضه أحد أصحابنا قائلًا: بل هو الأعمى بين عور. ما بعد عن الصواب، لأن الله سبحانه أعمى بصيرة هذا المتسافه في صفات الله سبحانه حتى دون في صفات الله سبحانه ما لا يدونه إلا مجسم وهو حديث الشاب الجعد القطط، وحديث الإقعاد الذي يلهج هو به، كما أعمى بصيرة كثير من زملائه وهو معهم في الفروع، فإذن هو فاقد البصر في المعتقد كما أنه فاقد البصر في الفروع ومن يكون فاقد البصرين يكون هو الأعمى بين أناس عور لم يفقدوا إلا إحداهما بفقدهم التبصر في بعض الفروع فقط. راجع ما ذكره المحدث البارع الشيخ عبد العزيز الفنجابي الهندي مؤلف (نبراس الساري في أطراف البخاري) في حاشيته على (نصب الراية) ٣ / ٨ لتطلع على جلية أمر الدارقطني في الثقة والأمانة، نسأل الله السلامة» .
والذي في تلك الحاشية مع إصلاح بعض الأخطاء «من مارس كتابه علم أنه قلما يتكلم على الأحاديث إلا حديثًا خالف الشافعي فيظهر عواره، أو وافقه فيصححه إن وجد إليه سبيلًا، لا أقول: أنه يفعل ذلك بهوى النفس ولكن إذا كان ثقة ضعفه بعضهم، أو ضعيفًا فيه كلام لبعضهم، أو ضعيفًا وثقه بعضهم، أو وجد مجهولًا لا يترقب، ويظهر طرفه الموافق لإمامه وهذا محمد بن عبد الرحمن بن أبي
[ ٢ / ٥٨٤ ]
ليلى القاضي رجل واحد يوثقه في حديث طهارة المني ص ٤٦ ويقول: ثقة في حفظه شيء. ويشدد القول فيه في حديث شفع الإقامة ص ٨٩ ويقول: ضعيف سيء الحفظ. وفي حديث القارن يسعى سعيين ص ٢٧٣ يقول: رديء الحفظ كثير الوهم كأنه عليه غضبان وله غائض»
أقول: أما استباحة أبي الحسن قوله: «ثلاثتهم ضعفاء» فلم ينفرد بها والكلام في أبي حنيفة أشهر من أن نحتاج إلى ذكره (١) . وحماد ترجمته في (لسان الميزان) ج٢ ص ٣٤٦ ودعوى أن ابن مخلد ذكره في الأكابر الذين رووا عن مالك فيها نظر كما مر في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت، فإن ثبت ذلك فكبر العمر لا يستلزم الثقة في الرواية، وذاك الحديث باطل لم يروه حماد ولا أبوه فإن كان خفي على ابن مخلد بطلانه دل ذلك على ضعف نقده، وإن كان عرف ذلك وتسامح فلأن يتسامح في ذكر حماد أقرب. وكذلك إسماعيل ترجمته في (اللسان) ج١ ص ٣٩٨. وقد زعم مصححه الحنفي أنه أخرج له أبو داود والترمذي كأنه يزعم أنه هو إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان! وهذا من عجائب هؤلاء القوم، والأنصاري إن صح أنه قال تلك الكلمة تغير تغيرًا شديدًا في آخر عمره فلعله قال تلك الكلمة حين تغيره، على أنه كان مضطربًا في ميله إلى الرأي كان يتعصب له حتى يلي القضاء فإذا أو لي القضاء قضى بالحديث، وكان بينه وبين معاذ بن معاذ نفرة، ذكروا له قضية لمعاذ بن معاذ فأفتى بخلافها فلما ولي القضاء قضى بقول معاذ فقيل له في ذلك فقال: «كنت أنظر في كتب أبي حنيفة فإذا جاء دخول الجنة والنار لم نجد القول إلا ما قال معاذ» .
وأخرج الدارقطني في (السنن) ص٢١٤ حديث من طريق محمد بن موسى الحارثي (الإصطخري) عن إسماعيل بن يحيى ين بحر الكرماني عن الليث بن حماد الإصطخري عن أبي يوسف عن غورك بسنده. قال الدارقطني: «تفرد به غورك عن
_________________
(١) قلت: راجع كلمات الأئمة فيه مجموعة في كتابنا «الأحاديث الموضوعة» (ج ٥ ص ٨٦ رقم الحديث (٤٥٨) بما لا تجده مجموعًا في كتاب آخر. ن
[ ٢ / ٥٨٥ ]
قول المحدث "رواه جماعة ثقات حفاظ" لا يقتضي أن يكون كل من ذكره ثقة حافظ
جعفر وهو ضعيف جدًا ومن دونه ضعفاء» فروى الخطيب عن بعضهم أنه لما كانت (السنن) تقرأ على الدارقطني بلغ هذا الموضع فقيل له: إن فيهم أبا يوسف فقال: «أعور بين عميان» يريد أن أبا يوسف وإن كان فيه ضعف ما فهو أحسن حالًا من غورك والليث بن حماد ومن معهما في السند من الضعفاء. فأما قوله مرة أخرى إن أبا يوسف أقوى من محمد فذلك والله أعلم بالنظر إلى حال محمد مطلقًا فإن من الأئمة من يتكلم في محمد ومنهم من قواه في روايته عن مالك خاصة كما قاله الذهبي في (الميزان) فمحمد قوي في روايته (الموطأ) عن مالك خاصة، فأما في بقية حديثه فيرى الدارقطني أن أبا يوسف أقوى منه. وأما ما حكاه الزيلعي عن كتاب (غرائب الرواة عن مالك) من قوله: «حدث به عشرون نفرًا من الثقاة الحفاظ منهم محمد بن الحسن » فالجواب عنه من وجهين:
الأول: ما تقدم أن محمد قوي عندهم فيما يرويه في (الموطأ) عن مالك ولين فيما عدى ذلك، فلا مانع أن يعده الدارقطني في ذاك الحديث الذي هو عنده في (الموطأ) عن مالك من جملة الثقات الحفاظ، ثم يلينه في سائر شيوخه، ويقول: إن أبا يوسف أقوى منه مع لين أبي يوسف عنده غاية الأمر أن كلمات الدارقطني تحتاج إلى تقييد بعضها ببعض وليس في ذلك ما يضره فإن النصوص الشرعية أنفسها قد تحتاج إلى تقييد بعضها ببعض، على أن سياق كلامه في (الغرائب) يدل على التقييد ولعله كان مع كلمته الأخرى ما يدل على ذلك.
الوجه الثاني: أن قول المحدث «رواه جماعة ثقات حفاظ» ثم يعدهم لا يقتضي أن يكون كل من ذكره بحيث لو سئل عنه ذاك المحدث وحده لقال: «ثقة حافظ» هذا ابن حبان قصد أن يجمع الثقات في كتابه ثم قد يذكر فيهم من يلينه هو نفسه بالكتاب نفسه (١)، وهذا الدارقطني نفسه ذكر في (السنن) ص٣٥ حديثًا فيه مسح
_________________
(١) قلت: وذلك أنه يصف بعض من يورده في «الثقات» بصفة تدل على أنه ضعيف من قبل حفظه كقوله في عبيد الله بن الأخنس: «يخطئ كثيرًا» . وقوله في عبيد الله بن =
[ ٢ / ٥٨٦ ]
الرأس ثلاثًا وهو موافق لقول أصحابه الشافعية ثم قال: «خالفه جماعة من الحفاظ الثقات » فعدهم وذكر فيهم شريكا القاضي، وأبا الأشهب جعفر بن الحارث، والحجاج بن أرطأة، وجعفر الأحمر. مع أنه قال ص ١٣٢ «شريك ليس بالقوي فيما يتفرد به» وجعفر بن الحارث لم أر له كلاما فيه ولكن تكلم فيه غيره من الأئمة كابن معين والنسائي، وحجاج بن أرطأة. قال الدارقطني نفسه في مواضع من (السنن): «لا يحتج به» وفي بعض المواضع «ضعيف»، وجعفر الأحمر اختلفوا فيه. وقال الدارقطني كما في (التهذيب): «يعتبر به» وهذا تليين كما لا يخفى.
ونحو هذا قول المصنف: «شيوخي كلهم ثقات» أو «شيوخ فلان كلهم ثقات» فلا يلزم من هذا أن كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الإطلاق «هو ثقة» وإنما إذا ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم ثقات فاللازم أنه ثقة في الجملة أي له حظ من الثقة وقد تقدم في القواعد أنهم ربما يتجوزون في كلمة «ثقة» فيطلقونها على من هو صالح في دينه وإن كان ضعيف الحديث أو نحو ذلك. وهكذا قد يذكرون الرجل في الجملة من أطلقوا أنهم ضعفاء وإنما اللازم أن له خطأ ما من الضعف كما تجدهم يذكرون في كتب الضعفاء كثيرا من الثقات الذين تكلم فيهم أيسر كلام.
هذا كله مع أن الدارقطني لو تناقضت بعض كلماته البتة لم يكن في ذلك ما يبيح سوء الظن به، فإن غيره من الأئمة اتفق لهم ذلك وما أكثر ما تجده من التناقض في كلمات ابن معين كما تقدم في القواعد.
وأما الفنجابي الذي يخلع عليه الأستاذ لقب (المحدث البارع) وينوه بكتابه
_________________
(١) = سعيد بن مسلم وغيره: «يخطئ»، وهما عنده بمعنى واحد، فإنه أورد ابن مسلم هذا في «الضعفاء» أيضًا فقال: «كثير الخطأ فاحش الوهم » وكقوله في علي بن هاشم بن البريد « وروى المناكير عن المشاهير» . وقد يقول في بعض (ثقاته): «يخطئ أحيانًا، يعتبر حديثه » كما سيأتي في ترجمة (قطن) من الكتاب رقمها (١٨١) . ن
[ ٢ / ٥٨٧ ]
كلام المحدث في الراوي على وجهين وبيان أنه لا تعارض بينهما
«نبراس الساري» الذي لا أجحد إفادته وإن كان يتمكن من ترتيبه الطالب العادي فما يظهر من كلامه أن الدارقطني إنما يصحح ما يوافق مذهب الشافعي (١) وذكر ص ٤٢ خبرا فيه الأمر بغسل الإناء من ولوغ الهر فصححه وهو خلاف مذهب الشافعي، ولذلك نظائر لا أرى حاجة لتتبعها.
وأما ما ذكر من اختلاف الظاهر كلامه في ابن أبي ليلى فذلك لاختلاف مقتضى الحال. ينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على الوجهين:
الأول: أن يسأل عنه في فيحيل فكره في حاله في نفسه وروايته ثم يستخلص من المجموع ذلك معنى يحكم به.
الثاني: أن يستقر في نفسه هذا المعنى ثم يتكلم في ذاك الراوي في صدد النظر في الحديث الخاص من روايته، فالأول هو الحكم المطلق الذي لا يخالفه حكم آخر مثله إلا لتغيير الاجتهاد. وأما الثاني فإنه كثيرًا ما ينحي به نحو حال الراوي في ذاك الحديث، فإذا كان المحدث يرى أن الحكم المطلق في الراوي أنه صدوق كثير الوهم ثم تكلم فيه في صدد حديث من روايته ثم في صدد حديث آخر وهكذا، فإنه كثيرًا يتراءى اختلاف ما بين كلماته، فمن هذا أن الحجاج بن أرطأة عند الدارقطني صدوق يخطئ فلا يحتج بما ينفرد به واختلفت كلماته فيه في (السنن) فذكره ص ٣٥ في صدد الحديث وافق فيه جماعة من الثقات فعده الدارقطني في جملة «الحفاظ الثقات» كما مر، وذكره ص ٥٣١ في صدد حديث أخطأ فيه وخالف مسعرًا وشريكًا فقال الدارقطني: «حجاج ضعيف» وذكره في مواضع أخرى فأكثر ما يقول: «لا يحتج به» وعلى هذا ينزل كلامه في ابن أبي ليلى فإنه عنده صدوق سيء الحفظ، ففي
_________________
(١) قلت: وهو الصحيح، لأن للحديث شواهد يتقوى بها، خرجتها في «إرواء الغليل
[ ٢ / ٥٨٨ ]
ص ٤٦ ذكر حديثًا رواه إسحاق الأزرق عن شريك عن ابن أبي ليلى، عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا في طهارة المني. وذكر أن وكيعًا رواه عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس من قوله. وقد رواه الشافعي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار وابن جريج كلاهما عن عطاء عن ابن عباس من قوله. فالحديث صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد رواه وكيع وهو من الثقات الأثبات عن ابن أبي ليلى كذلك، ورواه شريك عن ابن أبي ليلى فرفعه، فحال ابن أبي ليلى في هذا الحديث جيدة لأنه في أثبت الروايتين عنه وافق الأثبات، وفي رواية الأزرق عن شريك عنه رفعه، وقد يحتمل أن يكون الخطأ من الأزرق أو من شريك، فان الأزرق ربما غلط، وشريكًا كثير الخطأ أيضًا، وقد رواه وكيع عن ابن أبي ليلى على الصواب فهذا اقتصر الدارقطني على قوله: (لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك، محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى ثقة في حفظه شيء) . وفي ص ٨٩ ذكر حديثًا رواه الجبلان سفيان وشعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا، وخالفهما محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فرواه موصولًا، فحاله في هذا الحديث رديئة، فظهر أثر ذلك في كلمة الدارقطني فقال: (ضعيف سيئ الحفظ) وفي ص ٢٧٣ ذكر أحاديث في القارن يطوف طوافًا واحدًا ويسعى سعيًا واحدًا، وهناك روايات عن علي وابن مسعود أنهما قالا طوافين وسعيين. ثم ذكر من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي أنه (جمع بين الحج والعمرة فطاف لهم طواف واحد (كذا) وسعى لهما سعيين ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - فعل) . ولا يخفي ما في هذا من التخليط فهذا هو الذي أغضب الدارقطني وغلظه أستاذ ! فلذلك قال: (رديء الحفظ كثبر الوهم) . فأين إتباع الهوى وأين الاضطراب؟ وماذا أفادتكم الحذلقة والانتحال؟
وأما حديث الشاب الجعد القطط فقد تقدم الجواب عنه في ترجمة حماد بن سلمة. وحديث الإقعاد تقدم الجواب عنه في ترجمة أحمد بن محمد بن الحجاج.
وأما ما زعم الأستاذ من ضلال الدارقطني وأئمة الحديث في المعتقد وعمي البصيرة فيه عمي بصيرة المخالفين لأبي حنيفة في الفروع فيعلم ما فيه من قسم الاعتقاديات
[ ٢ / ٥٨٩ ]
١٦٥- على بن عمر بن محمد
وقسم الفقهيات، وأدع ما بقي موفورًا على الأستاذ!
١٦٥- على بن عمر بن محمد. في (تاريخ بغداد) (١٣/٣٧٣): «أخبرني الخلال حدثنا على بن عمر بن محمد المشتري حدثنا محمد بن جعفر الأدمي » قال الأستاذ ص ٤٢: «علي بن عمر بن محمد المشتري لم أجد من وثقه» .
أقول: أما أنا فلم أجده إلا أن يكون هو علي بن عمر بن محمد الحميري يقال له: السكري، والصيرفي، والكيال، والختلي، والحربي، ترجمته في (تاريخ بغداد) (١٢/٤٠) وذكر في الرواة عنه الخلال، وذكر عن البرقاني أنه قال فيه: «لا يساوي شيئًا» وعن الأزهري قال: «صدوق كان سماعه في كتب أخيه لكن بعض أصحاب الحديث قرأ عليه شيئًا منها لم يكن فيه سماعه وألحق فيه السماع، وجاء آخرون فحكوا الإلحاق وأنكروه، وأما الشيخ فكان في نفسه ثقة» وعن عبد العزيز الأزجي: «كان صحيح السماع ولما أضر قرأ عليه بعض طلبة الحديث شيئًا لم يكن فيه سماعه ولا ذنب له في ذلك» وعن العتيقي «حدث قديمًا وأملى في جامع المنصور وذهب بصره في آخر عمره وكان ثقة مأمونًا» .
أقول: فحاصل القصة أن الرجل لم يكن يحفظ وكان سماعه مقيدًا في كتب أخيه وكان من الكتب ما لم يقيد سماعه فيه فلما عمى كان يخرج الكتب فينظر المحتاطون ما سماعه فيه فيقرؤونه عليه فاتفق أن جاء بعض من لا خير فيه فطلب إخراج الكتب فاتفق أن رأى جزأً ليس عليه سماع الشيخ، فعلم أنه لم يروه قبل ذلك فألحق فيه سماعًا للشيخ، والشيخ لا يدري، وقال للشيخ: أحب أن أقرأ عليك هذا الجزء فإن سماعك فيه. فظنه الشيخ صادقًا فقال: اقرأ؛ ثم عثر أهل الحديث على ذاك الجزء، فمنهم من لم يحقق كالبرقاني ظن أن ذلك الإلحاق برضا الشيخ فتكلم فيه، ومنهم من حقق، فعلم أن الشيخ بريء من ذلك كما رأيت. فالقول فيه أن ما سمعه منه قبل عماه الصحيح، فأما بعد عماه فما رواه عنه المحتاطون كالخلال، أو سمع منه بحضرة واحد من المحتاطين فهو صحيح. والله أعلم.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
١٦٦- علي بن محمد بن سعيد الموصلي
١٦٧- علي بن محمد بن مهران السواق
١٦٦- علي بن محمد بن سعيد الموصلي. تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة علي بن أحمد الرزاز. قال الأستاذ ص ٧٢: «كذبه أبو نعيم وقال ابن الفرات: مخلط غير محمود» .
أقول تَسَمَّحَ الخطيب فروى من طريقه ما جاء من طريق أخرى قوية. والله المستعان.
١٦٧- علي بن محمد بن مهران السواق. تقدم له ذكر في (الطليعة) ص ١٠٩ فأشار الأستاذ في (الترحيب) ص ٣٩ وص ٦٠ إلى أني جعلت السواق الصواف، وصدق الأستاذ، وهو الذي سبقني إلى ذلك! وذلك أنه وقع في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١٦: «أخبرنا الخلال حدثنا أحمد بن إبراهيم شاذان أخبرنا علي بن محمد بن مهران السواق حدثنا محمد بن حماد المقرئ » فقال الأستاذ ص ١٥٦: «علي بن محمد بن مهران السواق من الضعفاء شيوخ الدارقطني» مع إنه لا ذكر للدارقطني في السند ففتشت عن علي بن محمد بن مهران فلم أجد، إلا أنني وجدت في (تاريخ بغداد) ١٢/٧١ «علي بن محمد بن يحيى بن مهران أبو الحسن الصواف الضرير حدث عن أحمد بن محمد السكوني روى عنه الدارقطني وكان ثقة» فحدست أن الأستاذ يرى أن المذكور في السند هو هذا ومن عادتهم في الأسانيد أن يختصروا فيحذفوا بعض الأسماء في النسب كما يقولون أحمد بن حنبل، ثم يقولون في ابنه «عبد الله بن أحمد بن حنبل» مثل هذا كثير. بقى أن الذي في السند «السواق» والذي في الترجمة «الصواف» فراجعة ترجمة السكوني هي في (تاريخ بغداد) ٥/٥٩ فإذا فيها «روي عنه وعلي بن محمد بن يحيى السواق» فقوي الظن. ثم راجعت (سنن الدارقطني) فوجدت فيها ص ٢٥٥ «نا علي بن محمد بن مهران السواق» وفيها ص ٤٠٩ «نا علي بن محمد بن مهران السواق» فوضح الأمر وبان أن الواقع في سند الخطيب هو صاحب تلك الترجمة الذي قيل فيه «روى عنه الدارقطني وكان ثقة» وأن ما وقع في الترجمة
[ ٢ / ٥٩١ ]
١٦٨- علي بن مهران الرازي
١٦٩- عمار بن زريق
«الصواف» تحريف والصواب «السواق» وأن ذكر الأستاذ أن الواقع في السند من شيوخ الدارقطني كان عن تحقيق، فأما زعمه أنه من ضعفائهم فمن عنده!
١٦٨- علي بن مهران الرازي. في (تاريخ بغداد) ١٤/٢٥٧ من طريقه «ثنا ابن المبارك » قال الأستاذ ص ١٧٨ « وفي سندها من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل سليم بن سالم وعلي بن مهران» .
أقول: قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: «كان رديء المذهب غير ثقة» وقد تقدمة ترجمة الجوزجاني وتبين أنه يميل إلى النصب، ويطلق هذه الكلمة «رديء المذهب» ونحوها على من يراه متشيعًا وإن كان تشيعه خفيفًا، وتحقق في ترجمته في القواعد أنه إذا جرح رجلًا ولم يذكر حجة وخالفه من هو مثله أو فوقه فوثق ذلك الرجل فالعمل على التفريق، وعلى هذا ذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال ابن عدي: «لا أعلم فيه إلا خيرًا ولا أرى فيه منكرًا وقد كان روايته لسلمة بن الفضل» .
١٦٩- عمار بن زريق. في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٧ من طريق أبي الجواب قال: «قال لي عمار بن زريق: خالف أبا حنيفة فإنك نصيب» . قال الأستاذ ص ١٣٣: «يقول السليماني عنه: إنه كان من الرافضة» .
أقول: هذا حكاه الذهبي في (الميزان) قال: (ثقة، ما رأيت لأحد فيه تليينًا إلا قول السليماني أنه من الرافضة. والله أعلم) .
ولم يذكر المزي ولا ابن الحجر هذه الكلمة في ترجمة عمار بن زريق، والسليماني مع تأخره وإنزوائه في (بيكند) مما ينسب المتقدمين إلى نحو هذا. وفي (لسان الميزان) ج٣ص٤٣٣ عنه أنه قال: قال: «ذكر أسامي ألشيعة من المتحدثين الأعمش، النعمان بن ثابت، شعبة بن الحجاج » والمتقدمون الذين هم أعرف بعمار اعتمدوه ووثقوه ولم يعيبوه بشيء. قال الإمام أحمد: «كان من الأثبات»، ووثقه ابن معين وابن المديني وأبو زرعة وغيرهم وأخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
١٧٠- عمر بن الحسن أبو الحسين الشيباني القاضي المعروف بابن الأشناني
١٧٠- عمر بن الحسن أبو الحسين الشيباني القاضي المعروف بابن الأشناني. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٧٨: «أخبرني الحسن بن محمد الخلال قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن حدثنا عمر بن الحسن القاضي » قال الأستاذ ص ٥٤: «عمر بن الحسن الأشناني القاضي متكلم فيه وقد ضعفه الدارقطني وكذبه الحاكم وكان يساوي بين السماع الإجازة» .
أقول: حكي الخطيب عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه سأل الدارقطني عن هذا الرجل فقال: «ضعيف» وعن الخلال أنه قال: «ضعيف تكلموا فيه»، فأما السلمي فأراهم يحتملون حكاياته عن الدارقطني مع أنه يدي عدل، راجع ترجمته في (لسان الميزان) ج٥ص ١٤٠ ومع ذلك لم يفسر السبب وكذلك كلمة الخلال. وقال الخطيب: «بلغني عن الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني يذكر أبقن الأشناني فقلت: سألت عنه أبا على الحافظ فذكر أنه ثقة. فقال: بئس ما قال شيخنا أبو علي، دخلت عليه وبين يديه كتاب (الشفعة) فنظرت فيه فإذا فيه: عن عبد العزيز بن معاوية عن أبي عاصم عن مالك عم الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في الشفعة، وبجنبه عن أبي إسماعيل الترمذي عن أبي صالح عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون عن مالك عن الزهري. وذلك أنه بلغه أن الماجشون جوده فتوهمه أنه عبد العزيز. قال: فقلت له: قطع الله يد من كتب هذا ومن حدث به، ما حدث به أبو إسماعيل ولا أبو صالح ولا الماجشون وما زال يداريني ورأيت في كتابه عن أحمد بن سعيد الجمال عن قبيصة عن الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: نهى عن بيع الولاء، وكان يكذب» ولم يذكر الخطيب من بلغه عن الحاكم. وقال الذهبي في (الميزان): «ويروى عن الدارقطني أنه كذاب، ولم يصح هذا» والظاهر إن الذهبي عنى هذه الحكاية وأنها لم تصح للجهالة بمن بلغ الخطيب. أما ابن الحجر فقال في (اللسان): «قال الحاكم: قلت للدارقطني: سألت أبا على الحافظ عنه؟ فذكر أنه ثقة. فقال: بئس ما ما قال شيخنا أبو علي» كذا جزم مع أن من عادته أن لا يجزم بما لا يصح. ثم قال ابن حجر: «وقال أيضًا: دخلت عليه - يعني الأشناني -
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وبين يديه كتاب الشفعة » ساق القصة التي مضت؛ وقوله: «وقال أيضًا» يوهم سياق أن مراده: «وقال الحاكم» .
وعلى ذلك بني الأستاذ قوله: كذبه الحاكم» وقد علمت أن الذي في (تاريخ بغداد) إنها من جملة ما بلغ الخطيب عن الحاكم عن الدارقطني، ومع جزم ابن حجر هنا فإنه قال في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي «قال موسى بن هارون »، فجزم مع أن راوي تلك الكلمة عن موسى هو ابن الأشناني هذا كما في (تاريخ بغداد)، وكذلك قال الذهبي في ترجمة محمد بن محمد بن سليمان الباغندي من (الميزان) وأقره ابن الحجر في للسان «قال محمد بن أحمد بن أبي خثيمة » مع أن الخطيب إنما أسند تلك الكلمة من طريق ابن الأشناني فجزم ابن حجر في هذين الموضعين يقتضي بمقتضى التزامه توثيق ابن الأشناني، والذي يتجه هنا هو ما أشار إليه الذهبي أن الحكاية التي قال فيها الخطيب: «بلغني عن الحاكم » لأتثبت الجهالة من بلغ الخطيب ويزيدها وهنًا أن الدارقطني يروي عن ابن الأشناني هذا كما يأتي، وأن الخطيب يعتمد عليه في مواضع، وذكر في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حكاية فيها ذكر موسى بن هارون ثم قال: «والمحفوظ » فذكر حكاية من طريق ابن الأشناني. وهب أنها تثبت فما فيها من قوله: «بئس ما قاله شيخنا أبوعلي» وقوله «وكان يكذب» مبني على ما ظهر له من حال ذنيك الحديثين حديث الشفعة وحديث الولاء وسيأتي الجواب عنهما. وقال الخطيب أيضًا: «أخبرني محمد بن نعيم الضبي (هو الحاكم) قال: سمعت أبا علي الهروي يحدث عن عمر بن الحسن الشيباني القاضي فسألته عنه فقال: صدوق. قلت: أني رأيت أصحابنا ببغداد يتكلمون فيه فقال: ما سمعنا أحدًا يقول فيه أكثر من أنه يرى الإجازة سماعًا، وكان لا يحدث إلا من أصوله» .
أقول: هذه الحكاية مسندة صحيحة، وقوله: «يرى الإجازة سماعًا»، يريد به الإجازة الخاصة بدليل قوله: «وكان يحدث إلا من أصوله» وهي قوية فإن كان معنى أنه يراها سماعًا هو أنه يعتد بها ويروي ما أجيز له عمن أجازه فليس في هذا
[ ٢ / ٥٩٤ ]
حديث الولاء متواتر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر
إلا أنه يصحح الإجازة الخاصة وهو قول أكثر أهل العلم وإن كان معناه أنه يروي ما أجيز له بلفظ «حدثنا» فاصطلاح له قد عرف ولا محذور فيه، وقوله أبي علي «وكان لا يحدث إلا من أصوله» عظيم القيمة كما سترى؛ فأما حديث الشفعة فهو في (الموطأ) مرسل، ورواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد والماجشون عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله عن مالك فوصلاه بذكر أبي هريرة، وفي تلك الحكاية أنه رئي في كتاب الأشناني من طريق أبي عاصم فعرف ذلك ولم ينكر، ورئي إلى جنبه عن أبي إسماعيل الترمذي عن أبي صالح عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون عن مالك، فاستنكر هذا، وحدس المستنكر أن ابن الأشناني بلغه أن الماجشون وافق أبا عاصم في تجويده أي وصله فظن أن الماجشون هذا هو عبد العزيز فركب السند إليه. والجواب أنه قد روى غيره هذا الحديث عن أبي إسماعيل الترمذي عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي قتيلة عن مالك فذكره موصولًا كما في (سنن البيهقي) ج٦ص١٠٣ فمن المحتمل أن يكون ابن الأشناني سمع هذا من الترمذي في جملة ما سمع، ولم يكتبه أو كتبه ولم يهتد إلى موضعه من كتبه وبقى عالقًا بذهنه أنه سمع الحديث من الترمذي من الطريق أخرى غير طريق أبي عاصم فلما بلغه أن الماجشون رواه موصولًا ظن أنه عبد العزيز وكان قد سمع من الترمذي عن أبي صالح عن عبد العزيز أحاديث فحدس هذا الحديث منها فكتبه كذلك ليتذكره ثم يبحث في أصوله لعله يجده ولم يكن من نيته أن يرويه قبل أن يجده في أصوله، فقد تقدم أنه كان «لا يحدث إلا من أصوله» وليس في هذا ما يغمز به عل أنه لو كان كتبه في بعض مسوداته وهو يعلم بطلانه فإنه لا يلزمه اسم الكذب حتى يحدث به، وإذا علم بأن من عادته أن لا يحدث إلا من أصوله فقد علم أنه لم يكن يريد أن يحدث بذلك الذي كتبه فكانت كتابته له ضربًا من العبث.
وأما حديث الولاء فهو متواتر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رواه الثوري وعبد الله بن عمر وجمع كثير من عبد الله بن دينار. ثم رواه يحيى بن سليم الطائفي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر فظنوا أنه وهم، لكن رواه أبو ضمرة ويحيى بن سعيد
[ ٢ / ٥٩٥ ]
الأموي عن عبيد الله عن عبد الله بن دينار ونافع معًا عن ابن عمر وعلى ما في الحكاية رئي في كتاب ابن الأشناني عن أحمد بن سعيد الجمال عن قبيصة عن الثوري عن عبيد الله عن نافع، فاستنكر هذا لأنه لم يعرف رواه عن الثوري كذلك. والجواب أنه يحتمل أن يكون الوهم من أحمد بن سعيد الجمال فقد عرف له شبيه ذلك ففي ترجمته في (تاريخ بغداد) ج ٤ص ١٧٠ عن قبيصة عن الثوري عن عبد الله بن دينا عن ابن عمر مرفوعًا: «من أريد ماله بغير حق فقاتل دونه فهو شهيد» . وذكر الخطيب أن المحفوظ عن الثوري عن عبد الله بن الحسن عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن عمر بن وقاص مرفوعًا. وقال الذهبي في (الميزان): «أحمد بن سعيد الجمال البغدادي الصدوق تفرد بحديث منكر رواه عنه أحمد بن كامل وغيره: حدثنا أبو نعيم ثنا هشيم حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة مرفوعًا ابن السبيل أول شارب - يعني من زمزم» وهذا أخرجه الطبراني في (الصغير) ص ٥٠ «ثنا إبراهيم بن علي الواسطي المستملي ببغداد ثنا أحمد بن سعيد الجمال ثنا أبو نعيم » قال الطبراني: «لم يروه عن عوف إلا هشيم ولا عن هشيم إلا أبو نعيم تفرد به أحمد بن سعيد الجمال» فإذا قد عرف للجمال مثل هذا فالأولى حمل حديث الولاء عليه، وابن الأشناني مكثر لا يستنكر لمثله التفرد عن الجمال هذا. وذكر الذهبي لابن الأشناني حديثًا ثالثًا قال: «قال الدارقطني حدثنا عمرو بن الحسن بن علي ثنا محمد بن هشام المروزي هو ابن أبي الدميك الموثق - ثنا محمد بن حبيب الجارودي ثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس » قال الذهبي: «فآفة هذا هو عمر، ولقد أثم الدارقطني بسكوته عنه فإنه بهذا الإسناد باطل ما رواه ابن عيينة قط » تعقبه ابن حجر في (اللسان) فقال: «لم ينفرد بهذا، تابعه عليه
في (المستدرك) الحاكم ولقد عجبت من قول المؤلف ما رواه ابن عيينة قط مع أنه رواه عنه الحديدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم من أصحابه إلا أنهم وقفوه على مجاهد لم يذكروا ابن عباس فيه فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهم في رفعه (١) .
_________________
(١) قلت: في تعقب الحافظ على الذهبي نظر عندي من وجوه: الأول: قوله تابعه الحاكم. وهم صوابه «شيخ الحاكم» فإنه عنده (١/٣٧٣) هكذا =
[ ٢ / ٥٩٦ ]
١٧١- عمر بن قيس المكي
وذكر الخطيب في ترجمة ابن الأشناني تحديثه في حياة إبراهيم الحربي ثم قال: تحديث أبن الأشناني في الحياة إبراهيم الحربي له فيه أعظم الفخر وأكبر الشرف وفيه دليل على أنه كان في أعين الناس عظيمًا ومحله كان عندهم جليلًا. أخبرنا على بن الحسن أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قال واستقصى في هذا اليوم أبا الحسين المعروف بابن الأشناني وهذا رجل من جلة الناس ومن أصحاب الحديث المجودين وأحد الحفاظ له وحسن المذاكرة بالأخبار وقد حدث كثيرًا وحمل الناس عنه قديمًا وحديثًا» .
أقول: ولم ينكر عليه مما حدث به وسمعه الناس منه خبر واحد فلا أراه إلا قويًا. والله أعلم.
١٧١- عمر بن قيس المكي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٧ من طريق مؤمل بن إسماعيل قال: قال عمرو بن قيس: من أراد الحق فليأت الكوفة فلينظر ما قال أبو حنيفة وأصحابه فليخالفهم» . قال الأستاذ ص ١٣٣: «منكر الحديث ساقط على ما ذكره غير واحد من النقاد» .
_________________
(١) = حدثنا علي بن «حمشاذ» العدل ثنا عبد بن محمد بن هشام المروزي وعلي بن «حمشاذ» (*) مضى في الكتاب ذكره. الثاني: ليس في حديث الحاكم: «وهي هزمة جبريل » . الثالث: تعجبه من قول الذهبي: «ما رواه ابن عيينة قط» ليس في محله، لأن ما جزم الذهبي بنفيه إنما هو رفع الحديث عن طريق ابن عباس. ومن ذكرهم الحافظ إنما رووه مقطوعًا موقوفًا على مجاهد بل إن هذا ليؤيد قول الذهبي ولا يخالفه لأدنى تأمل. على أن قول الذهبي: «أثم الدارقطني » خطأ بين، لأنه مجتهد، وتأثيمه إنما يجوز لو علم الذهبي أنه موافق له في أن الحديث باطل حين سكت عليه، ودون معرفة ذلك خرط القتاد، والأمر في الحديث كما قال الذهبي، وإن لم تكن الآفة من الأشناني فممن فوقه، مع العلم أن متابعته ليست تامة، كما سبق. وهو مخرج في «الإرواء» (١١١١) . ن.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
١٧٢- عمر بن محمد بن عمر بن الفياض
١٧٣- عمر بن محمد بن عيسى السذابي الجوهري
١٧٤- عمر بن علي بن البحر أبو حفص الفلاس
أقول: صدق الأستاذ ولم يحسن الخطيب بذكر هذه الحكاية.
١٧٢- عمر بن محمد بن عمر بن الفياض. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٠ حكاية من طريقه قد توبع على أكثر ما فيها قال الأستاذ ص ٨٥: «غير موثق» .
١٧٣- عمر بن محمد بن عيسى السذابي الجوهري. في ترجمة أبو حنيفة من (تاريخ بغداد) حكايات من طريقه عن الأثرم منها ص ٣٨٠ و٣٨٤ و٤٠٥ و٤١٧ قال الأستاذ ص ٥٨: قال الذهبي: في حديثه بعض النكرة. تفرد برواية ذاك الحديث الموضوع: القرآن كلامي ومني خرج » .
أقول: روى السذابي هذا الحديث عن الحسن بن عرفة فقد يكون رواه من حفظه فوهم أو أدخله عليه بعض الجهال. فأما روايته من الأثرم فالظاهر أنها من كتاب مؤلف، والاعتماد في ذلك على صحة النسخة كما مر في ترجمة عبد الله بن جعفر وغيرها ولذلك تجد تلك الحكايات مستقيمة قد توبع عليها (١) .
١٧٤- عمر بن علي بن البحر أبو حفص الفلاس. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٢ من طريق إبراهيم عن سعيد الجوهري، ثم من طريق عمر بن علي يقول كل منهما: سمعت معاذ بن معاذ يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: استتبت أبا حنيفة من الكفر مرتين» قال الأستاذ ص ٦٥: «شديد التعصب وشديد الانحراف عن أهل الكوفة» .
أقول: لا أعرفه بالتعصب، ولو عرف به ما كان ذلك خادشًا في روايته مع ما ثبت من ثقته وأمانته (٢) والحكاية مشهورة بل متواترة حقًا.
_________________
(١) عمر بن مطرف أبو الوزير. راجع (الطليعة) ص ٣١-٣٤ وستأتي ترجمة محمد بن أعين.
(٢) قلت: هو من الحفاظ الثقات الأثبات. أورده الذهبي في (التذكرة) ووصفه بالقول: « الحافظ الإمام الثبت أحد الأعلام سمع يزيد بن زريع و فأكثر وأتقن وجود وأحسن، حدث عنه الستة » . وقال الحافظ في (التقريب): «ثقة حافظ» . ن.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
١٧٥- عمران بن موسى الطائي
١٧٦- عنبسة بن خالد
١٧٥- عمران بن موسى الطائي. في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٩ من طريق سلامة بن محمود القيسي: حدثنا عمر بن موسى الطائي حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي » قال الأستاذ ص ٨٢ في الحاشية: قد أعل الدارقطني حديثًا في (السنن) لانفراد هذا الطائي به وعده منكرًا راجع (سنن الدارقطني) ج ١ص ٢٢٥» .
أقول: الذي في ذاك الموضع من (سنن الدارقطني): «حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الأشقر أبو بكر ثنا عمران بن موسى الطائي بمكة ثنا إسماعيل بن سعيد الخراساني ثنا إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله كم وزن صاع النبي - ﷺ -؟ قال: خمسة أرطال وثلث بالعراقي أنا حررته، قلت: يا أبا عبد الله خالفت شيخ القوم. قال من هو؟ قلت: أبو حنيفة يقول: ثمانية أرطال. فغضب غضبًا شديدًا وقال: قاتله الله ما أجرأه على الله، ثم قال لبعض جلسائه: يا فلان هات صاع جدك، ويا فلان هات صاع عمك، ويا فلان هات صاع جدتك. قال إسحاق فاجتمعت آصع » ولم يتكلم الدارقطني عليه بشيء. وإنما في الحاشية: «قال صاحب التنقيح: إسناده مظلم وبعض رجاله غير مشهور » وفي كتاب ابن أبي حاتم ج ٣ قسم ١ ص ٣٠٦ «عمران بن موسى الطرسوسي وهو أبو موسى روى عن رواد (١) بن الجراح وفيض بن إسحاق وعبد الصمد بن يزيد خادم الفضيل روى عنه أبي سئل أبي عنه فقال: صدوق ثقة» ربما يكون هذا وقد توبع على الحكاية التي ذكرها الخطيب رواها ابن أبي خيثمة في (تاريخه) عن إبراهيم بن بشار الرمادي شيخ عمران وزاد في آخرها «قال سفيان: هل سمعتم بشر من هذا؟» . نقله ابن عبد البر في (الانتقاء) ص ١٤٩.
١٧٦- عنبسة بن خالد. قال الأستاذ ص ١٧٣ في الحاشية: «قال ابن أبي حاتم عنه أنه كان على خراج مصر وكان يعلق النساء بثديهن، وقال ابن القطان: كفى
_________________
(١) هكذا في نسخة مصورة عن نسخة كوبريلي ووقع في المطبوع «داود» خطأ.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
بهذا في تجريحه، وكان أحمد يقول: مالنا ولعنبسة هل روى عنه غير أحمد بن صالح؟ وقال يحيى بن بكير: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق لم يكن بموضع للكتابة عنه» .
أقول: الذي في كتاب ابن أبي حاتم ج ٣ قسم ١ ص ٤٠٢: «سألت أبي عن عنبسة بن خالد فقال: كان على خراج وكان يعلق النساء بثديهن» وأبو حاتم ولد سنة ١٩٥ وأول طلبه الحديث سنة ٢٠٩ وإنما دخل مصر بعد ذلك بمدة فلم يدرك عنبسة ولا ولايته الخراج لأن عنبسة توفي سنة ١٩٨ ولا يدرى من أخبر أبا حاتم بذلك؟ فلا يثبت ذلك ولا ما يترتب عليه من الجرح وقال ابن أبي حاتم: «سمعت محمد بن مسلم (ابن وارة) يقول: روى ابن وهب عن عنبسة بن خالد. قلت لمحمد بن مسلم: فعنبسة بن خالد أحب إليك أو وهب الله بن راشد؟ فقال: سبحان الله ومن يكون عنبسة إلى وهب الله؟ ما سمعت بوهب الله إلى الآن منكم» فقد روى عن عنبسة أحمد بن صالح على إتقانه وعبد بن وهب على جلالته وتقدمه وكل منهما أعقل وأفضل من مائة مثل يحيى بن بكير وروى عنه محمد بن مهدي الإخميمي وغيرهم كما في (التهذيب) . فأما الإمام أحمد فكأنه سمع بأن عنبسة كان يجبي الخراج فكرهه لذلك وليس في ذلك ما يثبت به الجرح وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) وأخرج له البخاري في (الصحيح) مقرونًا بغيره، وأخرج له أبو داود في (السنن) وقال الآجري عن أبي داود: «عنبسة أحب إلينا من الليث بن سعد سمعت أحمد بن صالح يقول عنبسة صدوق»، كنت استعظمت هذه الكلمة للاتفاق على جلالة الليث وإمامته ثم تبين لي كما يرشد إليه السياق أن مراده تفضيل عنبسة على الليث في أمر خاص وهو روايتهما عن يونس بن يزيد الأيلي. فإن أصول يونس كانت صحيحة كما قاله ابن المبارك وغيره وكان إذا حدث من غيرها ربما يخطئ وكان الليث سمع من يونس من غير أصوله وعنبسة سمع من عمه يونس من أصوله وكانت أصوله عند عنبسة ويدل على هذا أن أبا داود قال عقب كلمته تلك: «سألت أحمد بن صالح قلت: كانت أصول يونس أو نسخها؟ قال: بعضها أصول وبعضها نسخة» فعنبسة يروي عنه ابن وهب ويصدقه أحمد بن صالح، ويثني
[ ٢ / ٦٠٠ ]
١٧٧- فهد بن عوف أبو ربيعة، اسمه زيد ولقبه فهد
عليه ابن وارة ويثبته أبو داود، ويستشهد به البخاري، ويوثقه ابن حبان (١) .
١٧٧- فهد بن عوف أبو ربيعة، اسمه زيد ولقبه فهد. في (تاريخ بغداد) ١٣/٤٠٦ من طريق «إبراهيم بن راشد الأدمي قال: سمعت أبا ربيعة محمد (؟) بن عوف يقول: سمعت حماد بن سلمة » . قال الأستاذ ص ١٢٩: «وأبو ربيعة فهد بن عوف، وقد كذبه ابن المديني» .
أقول: قال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: ما رأيت بالبصرة أكيس ولا أحلى من أبي ربيعة فهد بن عوف وكان ابن المديني يتكلم فيه قيل لأبي: ما تقول فيه؟ فقال: تعرف وتنكر، وحرك يده» . ثم ذكر عن أبي زرعة قصة حاصلها: أن أبا إسحاق الطالقاني ورد البصرة فحدث من حديث ابن المبارك بحديثين غريبين أحدهما عن وهيب بسنده، والآخر عن حماد بن سلمة بسنده فبعد مدة يسيرة حدث فهد بالحديث الأول عن وهيب بن خالد بذاك السند، والثاني عن حماد بن سلمة بسنده، فرموا فهدًا بسرقة الحديثين وأنه إنما سمعهما من الطالقاني عن ابن المبارك عن وهيب وعن حماد فحدث بهما عن وهيب وعن حماد، وغلط مع ذلك فروى الأول عن وهيب بن خالد، وإنما وهيب شيخ ابن المبارك وهيب بن الورد. والحجة في رميه بسرقة الحديث الثاني أنه حديث غريب لم يكن في كتب حماد بن سلمة ولا رواه عنه غير ابن المبارك حتى حدث به الطالقاني عن ابن المبارك فوثب عليه فهد. وقد يحتمل في هذا أن يكون فهد قد سمعه من حماد بن سلمة ثم غفل عنه فلما حدث به الطالقاني واستفاده الناس وأعجبوا به فتش فهد في كتبه فوجده عنده عن حماد بن سلمة ولكن في هذا الاحتمال بعد. فأما الحديث الأول فالتهمة فيه أشد لأنه ليس من حديث وهيب بن خالد أصلًا وإنما هو من حديث وهيب بن الورد. ولا يخفى أنه ليس من الممتنع أن يكون الحديث عند وهيب بن خالد أيضًا ولم يسمعه منه إلا فهد، لكن في هذا من البعد ما فيه. فالظاهر أن هذين الحديثين هما، ولا سيما الأول بلية هذا الرجل ولأجل ذلك
_________________
(١) عيسى بن عامر. يأتي في ترجمة محمد بن الفضل.
[ ٢ / ٦٠١ ]
١٧٨- القاسم بن حبيب
كذبه ابن المديني وتكلم فيه غيره لكن يظهر من كلمة أبي حاتم أنه متوقف، وقال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي زرعة: يكتب حديثه؟ فقال: أصحاب الحديث ربما أراهم يكتبونه» وأسند إلى ابن معين أنه سأل عنه فقال: «ليس لي به علم، لا أعرفه، لم أكتب عنه» وقد يبعد أن لا تكون القصة بلغت ابن معين، ومع ذلك توقف. وقال العجلي: «لا بأس به» . وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «مات يوم الاثنين لأربع خلون من المحرم سنة تسع عشرة ومائتين» . والذي يتجه أنه إن كان صرح في الحديث الأول بسماعه من وهيب بن خالد فقد لزمته التهمة وإن لم يصرح وإنما رواه بصيغة تحتمل التدليس، فقد يقال: لعله دلسه، ولكن يبقى أنهم لم يذكروه بالتدليس، والمدلس إنما يسلم من الجرح بالتدليس إذا كان قد عرف عنه أنه يدلس، فإن ذلك يكون قرينة تخلصه من أن يكون تدليسه كذبًا، وقد يقال: كان جازمًا بصحة الخبرين عن وهيب وحماد فاستجاز تدليسهما وإن لم يكن قد عرف بالتدليس. وفي هذا نظر. والله أعلم.
١٧٨- القاسم بن حبيب. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٣ من طريق «ابن فضيل عن القاسم بن حبيب قال: وضعت نعلي في الحصى ثم قلت لأبي حنيفة: أرأيت رجلا صلى لهذه النعل حتى مات إلا أنه يعرف الله بقلبه؟ فقال: مؤمن» قال الأستاذ ص ٣٩: «هو راوي حديث ذم القدرية والمرجئة عند الترمذي وقال ابن معين: ليس بشيء ولفظ لبن أبي حاتم: ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: القاسم بن حبيب الذي يحدث عن نزار بن حبان لا شيء أهم يعني حديث المرجئة والقدرية عند الترمذي وتوثيق ابن حبان لا يناهضه بل الجرح مقدم» .
أقول: أفاد الأستاذ أن كلمة ابن معين مدارها على حديث المرجئة والقدرية وكلمة ابن معين تحتمل أوجها:
الأول: أن يكون قوله: «الذي » قصد به تميز هذا الرجل عن آخر يقال له: القاسم بن حبيب أيضا. وهذا بعيد لأننا لا نعرف آخر يقال له: «القاسم بن حبيب» .
[ ٢ / ٦٠٢ ]
الثاني: أن يكون أراد بقوله: «الذي» الحديث كأنه قال: «حديثه الذي يحدث به » وهذا كأن فيه بعدا عن الظاهر.
الثالث: أن يكون ذلك إيحاء إلى العلة كأنه قال: «لا شيء لأجله حديثه الذي حدث به عن نزار» .
وقول الأستاذ: «يعني حديث المرجئة والقدرية عند الترمذي» .
ظاهرة أنه يحمل كلمة ابن معين على الوجه الثاني وأيا ما كان فالمدار على ذاك الحديث فإذا تبين أن القاسم بريء من عهدته أو معذور فيه تبين أنه لا مطعن فيه فإنه يروي عن جماعة منهم عكرمة ومحمد بن كعب القرظي وسلمة بن كهيل وغيرهم، ولم ينكر عليه خبر واحد إلا ذاك الخبر الذي رواه عن نزار وحينئذ يصفو له توثيق ابن حبان فلننظر في ذلك نزار بن حبان لم يوثقه أحد وذكره ابن حبان في (الضعفاء) وقال: «يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه حتى يسبق إلى القلب أنه المعتمد لذلك» . والقاسم إنما روى هذا الحديث عن نزار عن عكرمة فكان ابن حبان يشير إليه. والقاسم قد روى عن عكرمة كما مر فلو أراد الكذب لروى ذاك الحديث عن عكرمة رأسا وربح العلو وشهادة نزار له. وقد تابع القاسم على رواية هذا الحديث عن نزار ابنه علي بن نزار وقال ابن معين في علي بن نزار: «ليس حديثه بشيء» لعله أراد هذا الحديث وعلي بن نزار قد روى عن عكرمة فلو أراد الكذب لروى هذا الحديث عن عكرمة رأسا ويربح العلو والشهادة لأبيه. وقال ابن عدي في ترجمة علي في هذا الحديث «أنكروه على علي وعلى والده» . ويؤخذ من (الميزان) أن بعضهم رواه عن فضيل عن نزار وابنه عنه عكرمة ولكن أشار الذهبي إلى أن المحفوظ: «عن ابن فضيل عن القاسم بن حبيب وعلي بن نزار» يعني كلاهما عن نزار عن عكرمة كما في (سنن الترمذي) فالذي يتجه اتجاها واضحا أن الحمل في هذا الحديث على نزار له غنمه وعليه غرمه وقد قال الترمذي بعد أن رواه من طريق القاسم بن حبيب وعلي بن نزار عن نزار عن عكرمة: «وفي الباب عن عمر وابن عمر ورافع بن خديج وهذا حديث غريب حسن صحيح» ثم قال عقبه: «حدثنا محمود
[ ٢ / ٦٠٣ ]
١٧٩- القاسم بن عثمان
ابن رافع حدثنا محمد بن بشر حدثنا سلام بن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عيه وسلم ونحوه»، فهذا سلام بن أبي عمرة قد تابع نزار لكن تكلموا في سلام فقال ابن معين: «ليس بشيء» وقال ابن حبان: «يروي عن الثقات المقلوبات لا يجوز الاحتجاج بخبره وهو الذي روى عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية» والترمذي يقول: إن الحديث «حسن صحيح» كما مر.
والذي يهمنا هنا شأن القاسم بن حبيب وقد تبين براءته من تبعه هذا الحديث فارتفعت عنه كلمة ابن معين وصفا له توثيق ابن حبان. ومع هذا فحكايته التي حكاها عن أبي حنيفة قد روى نحوها يحيى بن حمزة وهو ثقة وستأتي ترجمته ولفظه: «إن أبا حنيفة قال: لو أن رجلا عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأسا» ذكره الأستاذ ص ٣٩ أيضا وهناك كلمات أخرى تلاقي هذا في المعنى وقد أشرت إلى الجواب الذي يرفع معرة تلك الكلمات عن أبي حنيفة في موضع آخر. والله المستعان (١) .
١٧٩- القاسم بن عثمان. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٣: «حدثنا أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب الدسكري لفظا بحلوان أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم السهمي بجرجان حدثنا أبو شافع معبد بن جمعة الروياني حدثنا أحمد بن هشام بن طويل قال: سمعت القاسم بن عثمان يقول: مر أبو حنيفة بسكران يبول قائما فقال أبو حنيفة: لو بلت جالسا. قال: فنظر في وجهه وقال: ألا تمر يا مرجئ؟ قال أبو حنيفة: هذا جزائي منك صيرت إيمانك كإيمان جبريل» . قال الأستاذ ص ٤١: «صيغة القاسم بن عثمان الرحال صيغة انقطاع وعنه يقول العقيلي: لا يتابع «على» (٢) حديثه ومعبد بن جمعة كذبه أبو زرعة الكشي، وفي
_________________
(١) القاسم بن أبي صالح راجع (الطليعة) ص ١٣ - ١٤
(٢) سقطت من الكوثري لا المصنف، واستدركتها من (الضعفاء) للعقيلي (٣٦٣) وكذلك هو في (الميزان) . ن.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
١٨٠- القاسم بن محمد بن حميد المعمري
السند رجال مجاهيل هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب ! والذي أخرجه الحافظ أبو بشر الدولابي عن إبراهيم بن جنيد عن داود بن أمية المروزي قال: سمعت عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد يقول: جاء رجل إلى أبي حنيفة وهو سكران فقال له: يا مرجئ فقال له أبو حنيفة: لولا أني أثبت لمثلك الإيمان ما نسبتني إلى الأرجاء ولولا أن الأرجاء بدعة ما باليت أن أنسب إليه. اهـ. رواه ابن أبي العوام عن الدولابي » .
أقول: قوله «الرحال» تبع فيه ابن حجر في (اللسان) والمعروف أن القاسم الرحال آخر اسم أبيه يزيد له ترجمة في (اللسان) أيضا وكلاهما يروي عن أنس وذكرهما ابن حبان في (الثقات) والقاسم بن عثمان الذي في (اللسان) تكلم فيه البخاري والدارقطني ولم يتبين أنه هو الواقع في سند الحكاية ومعبد بن جمعة لم يكذبه الكشي بل وثقه كما يأتي في ترجمة. ويوسف بن إبراهيم السهمي موثق والحكاية التي ذكرها الأستاذ في كتاب ابن أبي العوام قد نظرت في بعض رجالها في (الطليعة) ص ٢٧ - ٢٨ وعبد المجيد مرجئ متكلم فيه ومع ذلك لا تنافي بين الحكايتين وقد جاء عن أبي حنيفة أشد من ذلك والحنفية والأستاذ في أخرهم يعترفون بأن أبا حنيفة يقول: إن الأيمان لا يزيد ولا ينقص فإذا أثبت لذلك السكران الأيمان فقد أثبت له أن إيمانه كإيمان جبريل وهم لا ينكرون هذا فأي وجه لإنكار الحكاية؟
١٨٠- القاسم بن محمد بن حميد العمري (*) . ذكر الأستاذ ص ٦٢ ما روي في ذبح الجعد بن درهم ثم قال: «والخبر على شيوعه وانتشاره وذيوعه غير ثابت لانفراد القاسم بن محمد بن حميد المعمري وبروايته ويقول عنه ابن معين: كذاب خبيث كما في (ميزان الذهبي)» .
أقول: عبارة (الميزان): «وثقه قتيبة وقال يحيى بن معين: كذاب خبيث.
قال عثمان الدارمي: ليس هو كما قال يحيى وأنا أدركته ببغداد» وفي (التهذيب): قال عثمان بن سعيد: سمعت ابن معين يقول: قاسم المعمري كذاب خبيث. قال
_________________
(١) (*) وقع في الأصل "المعمري" وهو خطأ مطبعي (صفحة ٩٧٣)
[ ٢ / ٦٠٥ ]
١٨١- قطن بن إبراهيم
عثمان: وليس كما قال يحيى. ثم ذكر توثيق قتيبة له ثم قال: «وذكره ابن حبان في (الثقات)» وذكره ابن أبي حاتم في كتاب ج ٣ قسم ٢ ص ١١٩ وذكر مقالة عثمان: «سمعت يحيى بن معين يقول: قاسم المعمري خبيث كذاب. قال عثمان: وقد أدركت قاسما المعمري وليس كما قال يحيى» وذكره البخاري في (تاريخه) ج٤ قسم ١ص ١٥٨ فقال: «سمع عبد الرحمن بن محمد بن حبيب روى عنه قتيبة» وأخرج القصة من طريقه في كتاب (خلق أفعال العباد) ورواية البخاري من تقويه كما مر في ترجمة أحمد بن الله أبو عبد الرحمن. وأحسب ابن معين لم يتكلم في هذا وإنما تكلم في قاسم المعمري ولكن الدارمي خَطْرَفَ الكتابة أولا ثم صحف ثم رجع يخالف كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة.
ولعل الأستاذ يحرص على أن لا تصح قصة الجعد لتتوفر عليه الأولية مع أنه لا منافاة! والله المستعان.
١٨١- قطن بن إبراهيم. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٩ من طريق «مسدد بن قطن يقول: سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن عبد الحميد » قال الأستاذ ص ٥٦: «حدث بحديث إبراهيم بن طهمان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر في الدباغ فطالبوه بالأصل فأخرجه وقد كتبه على الحاشية فتركه مسلم بعد أن صار إليه وكتب عنه جملة وهو متهم بسرقة حديث حفص عن محمد بن عقيل» .
أقول: هو حديث واحد رواه محمد بن عقيل عن حفص عن عبد الله السلمي عن إبراهيم بن طهمان.
وكان قطن قد سمع من حفص كثيرا. ثم ذكر محمد بن عقيل أن قطنا سأله: أي حديث عندك من حديث إبراهيم بن طهمان أغرب؟ فذكر له هذا الحديث. فذهب قطن فحدث به بالعراق عن حفص فبلغ محمد بن عقيل فأنكر ذلك وقال: «لم يكن حفظ هذا الحديث - يعني عن حفص - إلا أنا ومحمود أخو خشتام» وأتهم قطنا أنه سرقه منه ثم حدث به قطن بنيسابور فطالبوه بالأصل فدافعهم ثم أخرجه فرأوا الحديث مكتوبا على الحاشية فأنكروا ذلك. هذا حاصل
[ ٢ / ٦٠٦ ]
١٨٢- قيس بن الربيع
١٨٣- مالك بن أنس الأصبحي الإمام
حديث "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل " وترجيح أن المراد به الإمام مالك
القصة. وقطن مكثر عن حفص وغيره وقد قال الحاكم أبو أحمد: «حدث بحديثين لم يتابع عليها ويقال: دخل له حديث في حديث وكان أحد الثقات النبلاء» وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «يخطئ أحيانا يعتبر حديثه إذا حدث من كتابه» وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة ومن عادة أبو زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ وقال النسائي: «فيه نظر» ثم روى عنه في (السنن) . وقال الذهبي في (الميزان): «صدوق» . فإذا كانت هذه حالة ولم ينقم عليه مع إكثاره إلا ذاك الحديث فلعل الأولى أن يحمل على العذر فلا يمتنع أن يكون قد سمع الحديث من حفص ثم نسيه أو خفي عليه أنه غريب أو طمع أن يدله محمد بن عقيل على حديث غريب آخر ثم ذكره وتنبه لفريته فرواه وقد يكون كتبه بعد أن سمعه في الحاشية أو لا يكون أو لا ثم لما ذكر أنه سمعه أو عرف أنه غريب ألحقه في الحاشية وكان مع حفص في بلد واحد فلا مانع أن يكون سمع منه الحديث في غير المجلس الذي سمع فيه محمد بن عقيل وصاحبه. وأهل الحديث جزاهم الله خيرا ربنا يشددون على الرجل وهم يرون أن له عذرا خشية أن يتساهل غيره طمعا في أن يعذروه كما عذروا ذاك. والله أعلم.
١٨٢- قيس بن الربيع. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٥ « . سئل قيس بن الربيع عن أبي حنيفة فقال: من أجهل الناس بما كان وأعلمه بما لم يكن» ومن وجه آخر «أنا من أعلم الناس به كان أعلم الناس بما لم يكن وأجهلهم بما كان» قال الأستاذ ص ١٢٦: «تركه غير واحد وكان أبنه يأخذ أحاديث الناس فيدخلها في كتابه فيرويها أبو قيس بسلامة باطن» .
أقول: وثقه جماعة منهم سفيان الثوري وشعبة وأثنوا عليه بالعلم والفضل وتكلموا في روايته وليس ما هنا من روايته حتى ننظر فيها.
١٨٣- مالك بن أنس الأصبحي الإمام. قال الأستاذ ص ١٠٠ عند ذكر الموالي: «حتى إن مالكا منهم عند الزهري ومحمد بن إسحاق» وفي الحاشية «حيث قال البخاري بسنده إلى ابن شهاب الزهري: حدثني ابن أبي أنس مولى التيميين.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وابن أبي أنس مالك هذا عم مالك بن أنس ﵁» .
أقول: كلمة «مولى» تطلق في لسان العرب على معاني مختلفة منها الحليف وذلك معروف مشهور في كلامهم وأشعارهم وهو المراد هنا كما بينه مالك وغيره وابن أبي أنس الذي روى عنه الزهري هو نافع بن مالك بن أبي عامر وقال البخاري في (تاريخه) في ترجمة نافع هذا: «الأصبحي حليف بني تيم من قريش» وقال في ترجمة أبيه مالك بن أبي عامر: «الأصبحي حليف عثمان بن عبيد الله التيمي» وهكذا قال في ترجمة مالك الإمام. فأما ابن إسحاق فيظهر أنه إنما كان يطلق أن مالكا مولى يريد أنه حليف ولكن يحب أن يوهم خلاف ذلك لكدورة كانت بينه وبين مالك.
ولا نلوم الأستاذ في التشبت بالشبهات فإنه أقام نفسه مقاما يضطره إلى ذلك ولكننا كنا نود لو أعرض عن الشبهات التي قد سبق إليها فحلت وانحلت واضمحلَّت واقتصر على الشبهات الأبكار التي يجد لذة في اختراعها ويجد أهل العلم لذة في افتراعها!
وذكر الأستاذ ص ١١٦ ما روي عن مالك أنه ذكر أبا حنيفة فقال: «كاد الدين كاد الدين» قال الأستاذ (لست أدري كيف يرميه من يرميه بكيد الدين مع أنه لم يكن متساهلا في أمر الطهو ر ولا متبرئا من المسح على الخفين في رواية من الراويات ولا منقطعا عن الجمعة والجماعات .» ذكر الأستاذ أمورا تنسب إلى مالك ليس فيها ما يداني ما عيب به غيره بل ليس فيما يصح منها بحمد الله ﷿ ما يسوغ الذي علم أن يذكره في معرض العيب وأشفها لزوم البيت وترك حضور الجماعة وقد روي عن مالك أنه قيل له في ذلك فقال: «ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره» فعرف الناس أن له عذرا وعلموا أنه مؤتمن على دينه ما كان ليمنعه من ذلك إلا عذر شديد وقد يكون ذلك كراهية الصلاة خلف أمراء الجور ومثل هذا العذر لو باح به بطشوا به وأفقدوا الأمة علمه وإمامته وفي ذلك من الضرر على الدين والأمة ما فيه.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
وقال الأستاذ ص ٦٧: «ذكر المبرد في كتاب (اللحنة) عن محمد بن القاسم التمائمي عن الأصمعي قال: دخلت المدينة على مالك بن أنس فما هبت أحدا هيبتي له فتكلم فلحن فقال: مطرنا البارحة مطرا أي مطرا. فخف في عيني فقلت . فقال: فكيف لو رأيتم ربيعة كنا نقول له: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيرا بخيرا.
أقول: هذه الحكاية منكرة عن الأصمعي فينظر من حكاها عن كتاب المبرد وعلى فرض ثبوتها عن المبرد ففيه كلام معروف ومحمد بن القاسم التمائمي لم أعرفه ولعله محمد بن القاسم اليمامي وهو أبو العيناء أصله من اليمامة وليس بثقة قد اعترف بوضع الحديث فما بالك بالحكايات. ومما يدل على بطلان هذه الحكاية أمور:
الأول: أن الأصمعي كان من أشد الناس توقيرا لأئمة السنة.
الثاني: أنه كان مبجلا لمالك حتى روي عنه أنه كان يفتخر بأن مالكا روى عنه.
الثالث: أن فيها قرن مالك بشيخه ربيعة وهذا يدل على تحري الطعن في علماء المدينة وليس ذلك دأب الأصمعي إنما هو دأب أصحاب الرأي.
الرابع: أن اللحن الذي تضمنته الحكاية خارج عن المعتاد فإن العامة فضلا عن العلماء يقفون بالسكون. وهذا كله يدل أن هذه الحكاية فرية قصد بها الغض من علماء المدينة.
وقال الأستاذ ص ١٠٦: «ومالك هو القائل في أبي حنيفة عرقت مع أبي حنيفة إنه لفقيه يا مصري وهو الذي كان عنده عن أبي حنيفة فقط نحو ستين ألف مسألة كما رواه الطحاوي بسنده عن عبد العزيز الدراوردي ونقله مسعود بن شيبه في (كتاب التعليم) وكان يستفيد من كتب أبي حنيفة كما ذكره أبو العباس بن أبي العوام بسنده . وكان يذاكره العلم في المسجد النبوي كلما قدم كما ذكره الموفق الخوارزمي وغيره» .
أقول: الحكاية الأولى لم يذكر سندها. والثانية منكرة ولم يذكر سند الطحاوي ثم إن لم توجد إلا في (كتاب التعليم) فكتاب التعليم حديث خرافة كما بينته في
[ ٢ / ٦٠٩ ]
(الطليعة) وغيرها، والثالثة يعلم حالها من حال ابن أبي العوام وسنده، والرابعة يراجع ما قد يفيدها في (مناقب أبي حنيفة) للموفق ج ٢ ص ٣٣ - ليعرف ما في تلك الأسانيد المظلمة. وليت الأستاذ جاء بخير واحد قوي يمكنه أن يثبت قليلا أمام الأخبار التي يضج منها الأستاذ !
وقال الأستاذ ص ١٠٥: «وكان مالك صاحب القدح المعلى في الرأي . وما رده من الأحاديث التي رواها هو بأصح الأسانيد عنده في (الموطأ) ولم يعمل هو به يزيد على سبعين حديثا عن الليث بن سعد قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي ﷺ مما قال فيها مالك برأيه وما دونه أبو العباس محمد بن إسحاق السراج الثقفي من مسائله البالغة سبعين ألفا كما في (طبقات الحفاظ) للذهبي ج ٢ ص ٢٦٩ صريح في أنه كان من أهل الرأي » .
أقول: أما الأحاديث فقد توقف مالك عن الأخذ ببعضها وليس ما توقف عنه وقد رواه بأصح الأسانيد عنده في (الموطأ) بكثير كما زعم الأسانيد بدون أن يذكر مستندا ومع ذلك فلم يرد مالك حديثا واحدا بمحض الرأي ولا ذكر له حديث فقال: هذا سجع. أو: هذا رجز. أو: حك هذا بذنب خنزير أو نحو ذلك من الكلمات المروية عن غيره بل أشتهر عنه قوله: «ما من أحد إلا ويؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذا القبر» يعني النبي ﵌. وقوله: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فما وافق السنة فخذوا به» (١) .
وكان يأخذ بالرأي عند الضرورة وجاء عنه من وجوه أنه كان يسأل عن مسائل فيجيب عن بعضها ويدع سائرها ولو جاءه رجل فقال: جئتك بمائة مسألة لبادر إلى الأمر بإخراجه فكيف يقاس إلى من قيل له: «جئتك بمائة ألف مسألة» فقال: «هاتها» ! فأما ما حكي عن الليث فالأفهام في السنة تختلف، يختلف العالمان في فهم الحديث أو في ترجيح أحد الحديثين على الآخر فيري كل منها أن قول صاحبه مخالف للسنة، وقصة سبعين ألف
_________________
(١) انظر تخريج هذين الأثرين عن مالك وما في معناه عن سائر الأئمة في مقدمة كتابنا «صفة صلاة النبي - ﷺ -» . ن.
[ ٢ / ٦١٠ ]
مسألة حكاها الذهبي بقوله: «وعن السراج .» ولا ندري كيف سندها إلى السراج.
ومع ذلك فقول الأستاذ «صريح في أنه كان من أهل الرأي» مجازفة وهذه كتب الظاهرية موجودة فليتصفحها الأستاذ وليحص المسائل التي فيها ليعلم بطلان ما زعمه من الصراحة وأوضح من هذا أن الظاهرية وأهل الحديث يجيبون عن كل مسألة حدثت أو تحدث وذلك يزيد عن سبعين ألفا مضروبة في مثلها بدون أن يكونوا من أهل الرأي وخاصة أهل الرأي هي الرغبة عن العناية بالسنة استغناء بالرأي ورد السنن الصحيحة بمحض الرأي ومالك رحمه الله تعالى بريء من هذا.
قال أبو مصعب عن مالك «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك وقال حرملة عن الشافعي: «مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين» وأتفق الشافعي ومحمد بن الحسن على أن مالكا أعلم من أبي حنيفة بالكتاب والسنة وآثار الصحابة وقال ابن عيينة وعبد الرزاق في حديث أبي هريرة مرفوعا «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة» (١) . هو مالك. وما روي عن ابن عيينة أنه قال مرة: هو العمري العابد لا وجه له لأن العمري العابد وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن الله بن عمر - لم يشتهر بالعلم - بالمعنى المعروف، بل لم يعرف به، بل قال ابن حبان: «لعل كل شيء حدث في الدنيا لا يكون أربعة أحاديث» .
وليس له في الأمهات الست ولا في الكتب الأخرى لأصحابها التي أخذ رجالها في (التهذيب) إلا حديث واحد مرسل في (مراسيل أبي داود) ولم تضرب إليه أكباد الإبل بل لعله لم يرحل إليه بعير واحد وإنما كان هو ﵀ يخرج إلى البراري لتعليم الأعراب ضروريات الدين فكيف ينطبق عليه هذا الحديث؟ فأما انطباقه على مالك فكالشمس وضوحا ولم يثبت في فضل غيره من الأئمة ما يظهر انطباقه مثل هذا الظهور ولا قريبا منه. والله الموفق.
_________________
(١) قلت: هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححوه، وفيه نظر بينته في تعليقي على «الأحكام الكبرى» لعبد الحق الاشبيلي رقم الحديث (٧٦) وذكرت له هناك شاهدًا.
[ ٢ / ٦١١ ]
١٨٤- محبوب بن موسى أبو صالح الفراء
١٨٥- محمد بن إبراهيم بن جناد المنقري
١٨٤- محبوب بن موسى أبو صالح الفراء، جاءت من طريقه روايات تقدم بعضها في ترجمة عبد الله بن الزبير الحميدي وبعضها في ترجمة عثمان بن سعيد ألد ارمي. قال الأستاذ ص ١٧: «صاحب تلك الحكايات التالفة الذي يقول عنه أبو داود: لا تقبل حكاياته إلا من كتاب» .
أقول لفظ أبي داود «ثقة لا يلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب» كما تقد في (الطليعة) ص ٧٣. فقوله «ثقة» يدفع عنه الكذب والمجازفة والتساهل الفادح ويعين أن ^ ٣٨٥
المقصود أنه كان لا يتقن حفظ الحكايات كما يحفظ الحديث فكان إذا حكاها من حفظه يخطئ. فلا يحتج من حكاياته إلا بما رواه من كتابه أو توبع عليه أو ليس بمظنة للخطأ. وقد قال العجلي: «ثقة صاحب سنة» وقال ابن حبان قي (الثقات): «متقن فاضل» وقال أبو حاتم «هو أحب إلي من المسيب بن واضح» .
١٨٥- محمد بن إبراهيم بن جناد المنقري. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٤ من طريقه قال: «حدثنا أبو بكر الأعين حدثنا إبراهيم بن شماس قال: سمعت ابن خراش ولعله كان على مذهبه» .
أقول: قد روى عنده موسى بن هارون الحمال الحافظ الجليل وغيره ولم يغمزه أحد، وقال ابن خراش «ثقة مأمون» وقد توبع على هذه الحكاية معناها على وجهه.
وقال ابن حبان في ترجمته إبراهيم بن شماس من (الثقات): «سمعت عمر بن محمد البحيري يقول: سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول: سمعت إبراهيم شماس يقول: رأيت ابن مبارك يقرأ كتابا على الناس في ثغر، وكلما مر على ذكر أبي حنيفة قال: اضربوا عليه، وهو آخر كتاب قرأ على الناس، ثم مات» .
وقال أبو حاتم في ترجمته النعمان: «تركه ابن المبارك فأخره» ومع تضافر الروايات بذلك حاول الأستاذ ص ١٢٤ وص ١٥٠ أن يدفعه في ذكر أوجها: أحدها إن ابن مهدي لم ينشد مرثية أبي تميلة لابن المبارك فبلغ المنشد قوله:
[ ٢ / ٦١٢ ]
وبرأي النعمان كنت بصيرا حين يؤتي مقاييس النعمان
قاطعة قائلا: «أسكت فقد أفسدت الشعر وليس لابن المبارك ذنب بالعراق غير روايته عن أبي حنيفة» قال الأستاذ: «ولو كان ابن مهدي يعلم أنه رجع عن الرواية عن أبي حنيفة لصارحه بذلك ومثله في انحرافه عن أبي حنيفة واهتمامه بابن المبارك جدير بأن يعلم رجوعه لو كان رجع.
وكذلك لو صح رجوع ابن المبارك عن الأخذ والرواية عن أبي حنيفة ما صح لأبي تميلة أن يمدح في مرثيته بكونه بصيرا برأي النعمان وأهل بلده الرجل أعرف بأحواله.
الثاني: أن في (مسانيد أبي حنيفة) أحاديث كثيرة من طريق ابن المبارك عنه.
الثالث: كثرة ما يروي من ثناء ابن المبارك على أبي حنيفة.
أقول: أما الوجه الأول فلا يخفي وهنه فإن ترك ابن المبارك الرواية عن أبي حنيفة كان في أواخر عمره كما صرحت به الروايات فقد لا يكون ذلك بلغ ابن مهدي حين أنشد المرثية وقد يكون بلغة ولكنه رأى أن الرواية قد وقعت ووقع ما يترتب عليها من المفسدة وتركها بأخرة لا يمحو تلك المفسدة ولم يكن المنشد في مقام الاحتجاج بأن ابن المبارك كان يروي عن أبي حنيفة حتى يحتاج ابن مهدي إلى أن يقول له: قد تركه باخرة وإنما سمع شعرا فأنشده.
وأبو تميلة لم يثن على ابن المبارك بأنه كان يروي عن أبي حنيفة وإنما أثنى عليه بأنه كان بصيرا برأيه والبصر بالرأي فضيلة على كل حال لا يعاب بها أحد وإنما يعاب الرغبة عن السنة وردها بالرأي وكان ابن المبارك بحمد الله ﷿ بريئا من ذلك أو لا وأخرا. وأما أن أهل بلده الرجل أعرف بأحواله فلا يجدي شيئا لأن أبا تميلة لم يشر أدنى إشارة إلى نفي الترك ولو أشار أو صرح لم يكن في ذلك ما يدفع روايته المثبتين ومنهم من كان أخص بابن المبارك من أبي تميلة كالحسن بن الربيع الذي غمض ابن المبارك عند موته. وأما مسانيد (أبي حنيفة) فقد تقدم الكلام فيها في ترجمة الجراح بن منهال، فإن صح عن ابن المبارك شيء من روايته عن أبي حنيفة فهو مما
[ ٢ / ٦١٣ ]
١٨٦- محمد بن أحمد بن الحسين بن القاسم بن الغطريف أبو أحمد الجرجاني الغطريفي الحافظ
رواه سابقا فأنه لا يلزم من تركه الرواية عنه باخرة أن يمحي ما رواه سابقا من الصدور والدفاتر ولا يتحتم على من بلغه الترك باخرة أن لا يروي ما سمعه سابقا.
وأما ما يروي عن ابن المبارك من الثناء فحاله تعرف بالنظر في أسانيده ومتونه كتلك الأبيات السخيفة التي يلهج بها الحنفية ومنهم الأستاذ. وقوم لم يتورعوا عن الكذب على النبي ﵌ في مناقب إمامهم كيف يستبعد منهم الكذب على ابن المبارك؟ فإن قوي شيء من تلك الروايات فليوازن بينه وبين روايات الذم، على أنه لا مانع من أن يثني على رجل لمعنى ويذم لمعنى آخر بل هذا موجود بكثرة.
١٨٦- محمد بن أحمد بن الحسين بن القاسم بن الغطريف أبو أحمد الجرجاني الغطريفي الحافظ. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٢٥ «أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو أحمد الغطريفي قال سمعت الساجي .» قال الأستاذ ص ١٨: «صاحب مناكير وقد أنكروا عليه حديثه في إهداء الرسول ﷺ جملا لأبي جهل وكان يزعم أن فلانا وفلانا أفاداه من غير أن يخرج أصله وأنكروا عليه أيضا تحديثه بـ (مسند ابن راهويه) من غير أصله وقد تفرد عن أبي العباس بن سريج بأحاديث لم يروها عنه غيره وقد ذكره ابن الصلاح في عداد المختلطين ومع ذلك يبقى هو وأبو نعيم والخطيب مقبولين مرضيين عند أهل مذهبهم» .
أقول: قوله: «صاحب مناكير» لم يقلها أحد ولا في كلامهم ما يعطي ذلك كما سترى.
أما حديث الجمل ففي (الموطأ) في «المناسك» «باب ما يجوز من الهدي»: «مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ أهدى جملا كان لأبي جهل ابن هشام في حج أو عمرة» وهكذا رواه
[ ٢ / ٦١٤ ]
الناس عن مالك حتى رواه سويد بن سعيد عن مالك فقال: «عن الزهري عن أنس عن أبي بكر أن النبي ﷺ » فأنكر على سويد حتى قال ابن معين لما ذكر له هذا: «لو أن عندي فرسا خرجت أغزوه»
وممن رواه عن سويد أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي فأستنكره الناس فأبرز الصوفي أصله العتيق ثم تبين أن جماعة رووه عنه سويد كذلك. ثم رواه الغطريفي إما عن الصوفي كما يظهر من بعض العبارات وإما عن صاعد وابن مظاهر عن الصوفي كما يظهر من بعضها قال حمزة السهمي في ترجمة الغطريفي من (تاريخ جرجان) ص ٣٨٧: «وقد أنكروا على أبي أحمد الغطريفي ﵀ حيث روى حديث مالك وكان يذكر أن ابن صاعد وابن مظاهر أفاده عن الصوفي هذا الحديث ولا يبعد أن يكون قد سمع إلا أنه لم يخرج أصله وقد حدث غير واحد من المتقدمين والمتأخرين هذا الحديث عن الصوفي » وفي (تاريخ بغداد) ج ٤ ص ٨٣: «أخبرنا البرقاني قال: سألت أبا بكر الإسماعيلي عن حديث الصوفي أهدى رسول الله ﷺ جملا لأبي جهل؟ فقال لي: حدثناه بحضرة ابن صاعد وابن مظاهر فاختلفا فيه فأخرج الصوفي أصله العتيق فكان كما قال.
قال البرقاني: وحدثناه عن الصوفي أيضا أبو أحمد الغطريفي كذلك وذكر القصة نحو هذا» . والإسماعيلي إمام وكذلك البرقاني وكان الغطريفي رفيق الإسماعيلي في الطلب ثم كان نازلا في بيته وروى عنه الإسماعيلي في (الصحيح) أحاديث كثيرة وسئل عنه فقال: «ما علمته إلا صواما قواما» .
وكان الذين أنكروا عليه الحديث توهموا أنه تفرد به وقد أتضح خطأهم في ذلك. فأما عدم إبرازه أصله فلا يضره إذا قد يكون قصر فلم يكتبه أو كتبه وغاب عنه أصله أو لم يعثر عليه حينئذ فإنه كان مكثرا جدا وأما تحديثه ب (مسند إسحاق) من غير أصله فمسند إسحاق كتاب مصنف محفوظ مروي فإذا لم يصل إلى أصله الذي سمع فيه ووصل إلى نسخة أخرى يثق بمطابقتها لأصله لم يكن عليه حرج في ذلك وإنما المحذور أن يحدث الرجل من كتاب لا يثق بمطابقته لأصله. وأما أحاديثه عن ابن سريج فإنما قال حمزة: «لا أعلم روى عنه غيره» يعني تلك الأحاديث لم يستنكر حمزة شيئا منها وابن سريج كان بابه الفقه،
[ ٢ / ٦١٥ ]
١٨٧- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق يعرف بابن رزق وبأبي رزقويه
ولم يكن يبذل نفسه لإملاء الحديث وكان الغطريفي مولعا بالإكثار واستيعاب ما عند الشيخ كما في ترجمته من (تذكرة الحفاظ): «سمع أبا خليفة حتى استوعب ما عنده» فكأنه ألح على ابن سريج حتى أخذ ما عنده ولم يكن غيره يحرص على السماع من ابن سريج لأنه لم يكن مكثرا من الحديث ولا متجردا له ولا عالي الإسناد فإنه مات وعمره بضع وخمسون سنة على أنه يحتمل أن يكون غير الغطريفي قد روى عن ابن سريج تلك الأحاديث ولم يعلم حمزة.
وأما حكاية الاختلاط فقد ردها العراقي وذكر أن المختلط رجل آخر غير الغطريفي. ولو كان هناك اختلاط أو شبهه لتعرض له حمزة في (تاريخ جرجان) فإنه بلدي الغطريفي وصاحبه وقد جمع كل ما قيل فيه.
وقد أتضح أنه ليس فيما تجنوه على الغطريفي ما يضره وقال الذهبي في (الميزان) بعد حكاية ما قيل: «قلت: ثقة ثبت من كبار حفاظ زمانه» .
وقال في (تذكرة الحفاظ): «الحافظ المتقن الإمام من علماء المحدثين ومتقنيهم صواما قواما صالحا ثقة»
١٨٧- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق يعرف بابن رزق وبأبي رزقويه. قال الأستاذ ص ٣٢: «إنما لازمه الخطيب بعد أن هرم وكف بصره والكفيف لا يؤخذ عنه إلا ما يحفظه عن ظهر القلب والإكثار عن مثل هذا الضرير لا يصدر إلا من المتساهلين » .
أقول: قد حقق الخطيب نفسه هذه القضية في (الكفاية) ص ٢٢٦ - ٢٢٩ وص ٢٥٨ - ٢٥٩ وذكر هنالك من كان يروي من كتبه بعد ما عمي ومنهم يزيد بن هارون وأبو معاوية محمد بن حازم وعبد الرزاق. والذين حكى عنهم المنع من ذلك اعتلوا بخشية أن يزاد في كتاب الأعمى وهو لا يدري. وغيرهم يقول:
[ ٢ / ٦١٦ ]
١٨٨- محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الآدمي
المدار في هذا الأمر على الوثوق فإذا كان الضرير واثقا بحفظ كتابه ثم قرأ عليه منه ثقة مأمون متيقظ فقد حصل الوثوق وقد استغنى أهل العلم منذ قرون بالوثوق بصحة النسخة فمن وثق بصحة نسخة كان له أن يحتج بما فيها كما يحتج به لو سمعه من مؤلف الكتاب.
والخطيب كما يعلم من (تاريخه) غاية في المعرفة والتيقظ والاحتياط فإذا وثق بأن كتب ابن رزق محفوظة ثم دفع إليه ابن رزق كتابا منها فرأي سماعه فيه صحيحا وعلم أنه قد رواه مرارا قبل عماه فقد حق له أن يحتج بما يجد فيه وإن لم يقرأه هو أو غيره بحضرته على ابن رزق فكيف إذا وفي الحجة بقراءته عليه؟ بل إذا تدبرت علمت أن الوثوق بهذا أمتن من الوثوق بما يرويه الرجل من حفظه فإن الحفظ خوان.
وقد رأيت في (تاريخه) ج ٩ ص ٣٠٩: «دفع إلي ابن رزق أصل كتابه الذي سمعه من مكرم ابن أحمد القاضي فنقلت منه ثم أخبرنا الأزهري أخبرنا عبد الله بن عثمان أخبرنا مكرم » فذكر خبرا؛ وهذا مما يبين تحري الخطيب وتثبته. وفوق ذلك فعامة ما رواه الخطيب عن ابن رزق في ترجمة أبي حنيفة إنما هو من كتاب مصنف للآبار وجل الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة كما تقد في ترجمة الحسن بن الحسين.
١٨٨- محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الآدمي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٥: أخبرنا البرقاني حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي حدثنا محمد بن علي الأيادي حدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا بعض أصحابنا قال: قال ابن إدريس: إني لأشتهي من الدنيا أن يخرج من الكوفة أبي حنيفة وشرب المكسر وقراءة حمزة» .
قال الأستاذ ص ١٢٧: «ترى البرقاني يصف نفسه في صف هؤلاء فيروي عن مثل الآدمي راوي (العلل) للساجي وهو لم يكن صدوقا يسمع لنفسه في كتب لم يسمعها وكان بذيء اللسان كما سبق من الخطيب وواضع الحكاية على لسان ابن إدريس وقح قليل الدين يجمع بين شرب المسكر وبين الفقه والقراءة المتواترة» .
[ ٢ / ٦١٧ ]
أقول: لفظ الخطيب في ترجمة الآدمي ج١ ص ٣٤٩: «قال لي أبو طاهر حمزة بن محمد ابن طاهر الدقاق: لم يكن الآدمي هذا صدوقا في الحديث كان يسمع لنفسه في كتب لم يسمعها.
فسألت البرقاني عن الآدمي فقال لي: ما علمت إلا خيرا وكان شيخا قديما . غير أنه كان يطلق لسانه في الناس ويتكلم في ابن مظفر والدارقطني» .
فعدم التفات البرقاني إلى كلام حمزة يدل على أنه لم يعتد به لأن حمزة لم يبين أي كتاب الحق الآدمي سماعه فيه ولم يسمعه ومن أين علم حمزة أنه لم يسمعه؟ وقول البرقاني: «غير انه كان يطلق لسانه » كأنه قصد بها أن الآدمي كان يتكلم في الناس فتكلم بعضهم فيه ومثل هذا يقع فيه التجوز والتسامح فلا يعتد به إلا مفسرا محققا مثبتا.
ومع هذا فالخبر في كتاب (العلل) للساجي ولم يكن البرقاني ليسمع الكتاب من الآدمي حتى يثق بصحة سماعه وبصحة النسخة فهب أن البرقاني أو الخطيب قال: «قال الساجي في (العلل) » أل يكفي هذا للحجة؟ وقد كان يكفي الأستاذ أن يقول: شيخ الساجي لا يدري من هو.
ولكنه يأبى إلا التطويل والتهويل.
وزعمه أن الحكاية موضوعة مجازفة منه وكلام أئمة السنة في ذلك العصر في قول أبي حنيفة متواتر حق التواتر وكلام جماعة منهم في قراءة حمزة مشهور والقرآن متواتر حقا
فأما وجوده الأداء التي تفرد بها حمزة فالأئمة الذين أنكروها لا يعلمون صحتها فكيف تواترها؟ وراجع ترجمة حمزة في (الميزان) .
١٨٩- محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الشافعي أبو عبد الله.
هكذا نسبه صاحبه الربيع كما في صدر كتاب (الرسالة) وأسنده إليه الخطيب في (تاريخ بغداد) والسند إليه بغاية الصحة.
وهكذا نسبه صاحبه الزعفراني كما تراه عنه من وجهين في (توالي التأسيس) ص ٤٤؛ وهكذا نسبه الإمام أبو محمد
[ ٢ / ٦١٨ ]
تحقيق أنه قرشي مطلبي إجماعا
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في (كتابه) ج ٣ ص ٢٠١.
وهكذا نسبه أحمد بن محمد بن عبيد العدوي النسابة رواه عنه زكريا الساجي في (مناقب الشافعي) كما في (توالي التأسيس) أيضا و(تاريخ بغداد) .
وقال ابن النديم في (الفهرست) ص ٢٩٤: «قرأت بخط أبي القاسم الحجازي في كتاب (الأخبار الداخلة في التاريخ) أنه أبو عبد الله محمد بن إدريس من ولده شافع بن السائب بن عبيد » كما مر.
وقال أبو عمر بن عبد البر في (الانتقاء) ص ٦٦: «لا خلاف علمته بين أهل العلم والمعرفة بأيام الناس من أهل السير والعلم بالخبر والمعرفة بأنساب قريش وغيرها من العرب وأهل الحديث والفقه أن الفقيه الشافعي ﵁ هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد » كما مر.
وقال ابن أبي حاتم في (كتابه): «حدثني أبو بشر بن أحمد بن حماد الدولابي نا أبو بكر بن إدريس قال: سمعت الحميدي يقول: كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة فقال لي ذات يوم: ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة
قلت: ومن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي، -وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق - فلم يزل بي حتى اجترني إليه فجلسنا إليه ودارت مسائل فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش له هذه المعرفة وهذا البيان؟ » . الدولابي حافظ حنفي فيه مقال ومثله لا يهتم في هذا وشيخه هو وراق الحميدي ثقة والحميدي قرشي إمام.
وفي أوائل (سنن الشافعي) التي رواها الطحاوي عن المزني صاحب الشافعي بسندين إلى الطحاوي قال: «حدثنا المزني في ذي القعدة من سنة ٢٥٢ قراءة منه علينا قال: حدثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس المطلبي الشافعي » والذين ذكروا الشافعي وأثنوا عليه بأنه قريش أو مطلبي من أقرانه والذين يلونهم كثير وقد جاء عنه أنه لما حمل إلى بغداد ناظر محمد بن الحسن فاستعلى عليه فبلغ ذلك هارون الرشيد فأعجبه وقال: «صدوق الله ورسوله قال رسول الله ﷺ: تعلموا من
[ ٢ / ٦١٩ ]
قريش ولا تعلموها وقدموا قريش ولا تؤخروها .»
كما في (توالي التأسيس) ص ٧٠ وفيها ص ٤٧ من وجه آخر عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي: «ناظر الشافعي محمد بن الحسن فبلغ الرشيد فقال: أما علم محمد أن النبي ﷺ قال: قدموا قريشا فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض» .
وفيها ص ٦٠: «وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي وهو من كبار الأئمة: تصفحنا أخبار الناس فلم نجد بعد الصدر الأول من هذه الأمة أو ضح شأنا ولا أبين بيانا ولا أفصح لسانا من الشافعي مع قرابته من رسول الله ﷺ»
وقال بعد قليل: «وقال داود بن علي الأصبهاني فيما أخرجه البيهقي من طريقه قال: اجتمع للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره فأول ذلك شرف نسبه ومنصبه وأنه من رهط النبي ﷺ» .
وفيها ص ٦١: «وأخرج الحاكم من طريق داود بن علي قال في مسألة ذكرها: هذا قول مطلبينا الشافعي الذي علاهم بنكته وقهرهم بأدلته وباينهم بشهامته وظهر عليهم بحمازته، التقي في دينه النقي في حسبه الفاضل في نفسه المتمسك بكتاب ربه المقتدي قدوة رسوله الماحي لآثار أهل البدع الذاهب بجمرتهم الطامس لسنتهم فأصبحوا كما قال تعالى: ﴿فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا﴾» ومثل هذا من الثناء عليه بأنه قرشي أو مطلبي أو من رهط النبي ﵌ كثير وهذا ابن دريد يقول في مرثيته:
لرأى ابن إدريس ابن عم محمد ضياء إذا ما أظلم الخطب صادع
وفي (تاريخ البخاري) ج ١ قسم ١ ص ٢٤٢: «محمد بن مسافع بن مساور وقال سعيد بن سليمان: محمد بن شافع بن السائب بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن. عبد مناف» وذكروا في الصحابة عبد الله بن السائب بن عبيد بن يزيد بن هاشم بن المطلب. وفي (توالي التأسيس) ص ٥: «أخرج الحاكم
[ ٢ / ٦٢٠ ]
من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمه سمعت مسلم ابن الحجاج يقول: عبد الله بن السائب كان والي مكة وهو أخو شافع بن السائب جد محمد ابن إدريس الشافعي » .
وقال الشافعي في (الأم) ج ٧ ص ٢٥٠: «قال لي قائل ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه: أنت عربي والقرآن نزل بلسان من أنت منهم » وقال في وصيته المثبتة في (الأم) ج ٤ ص ٤٩ «وأوصي لفقراء آل شافع بن السائب بأربعة أسهم » .
وقال في (الأم) ج ٤ ص ٣٨ ونحوه في (مختصر المزني) بهامش الأم ج ٣ ص ١٩٣ فماذا كان المعروف عند العامة أن من قال من قريش: لقرابتي - لا يريد جميع قريش فينظر إلى القبيلة التي ينسب إليها فيقال: من بني عبد مناف، ثم يقال: قد يتفرق بنو عبد مناف فمن أيهم؟ فبقال: من بني المطلب، فيقال: أفيتميز هؤلاء؟ قيل: نعم، هم قبائل، قيل فمن أيهم؟ قيل: نعم هم بنو السائب بن عبيد ابن عبد يزيد، قيل: وبنو شافع وبنو علي وبنو عباس، وكل هؤلاء من بني السائب، فإن قيل: أفيتميز هؤلاء؟ قيل: نعم، كل بطن من هؤلاء يتميز عن صاحبه، فإذا كان من آل شافع فقال: لقرابته، فهو لآل شافع دون آل علي وآل عباس » .
فالشافعي ومن أدركه وأقرانه وأصحابه ومن جاء بعدهم إلى نحو مائتي سنة بعد الشافعي - ما بين ناسب له ولمن عرف من أهل بيته بالعلم كعمه محمد بن علي بن شافع، ومحمد بن العباس ابن عثمان بن شافع وابنه إبراهيم وغيرهم هذا النسب تفضيلًا أو إجمالًا، وبين سامع له غير منكر. ولو كان الانتساب إلى قوم من الأعاجم لقد كان يجوز أن يقال: يمكن أن يكون الرجل - إن كان أهلًا أن يتوهم فيه الكذب - نسب نفسه بدون تحقيق فاتفق أن تغافل أهل المعرفة عن الإنكار عليه، أما العجم فلعدم اعتداد مسلميهم بأنسابهم وإنما كانوا ينتسبون إلى مواليهم من العرب، وأما العرب فلا يهمهم أن ينتسب الأعجمي إلى من شاء من العجم، وقريب من هذا لو انتسب إلى قبيلة خاملة من العرب، ولم يكن له هو من النباهة ما
[ ٢ / ٦٢١ ]
ذكر أول من كابر في نسب الإمام وزعم أن جده شافعا مولى لأبي لهب
يحمل كثيرا من الناس على حسده ومنافسته فيدعوهم إلى مناقشته، فهل يسوغ ذو عقل مثل هذا في رجل يقوم في القرن الثاني فيدعى لعشيرته كامله أنها من العرب ثم مر قريش ثم من بني عبد مناف ثم من بني المطلب فيثبت لها بذلك حقا في الخلافة، وحقا في الفيء، وحقا في خمس الخمس، والكفاءة لبني هاشم، والخلفاء منهم، فلا يبقى بينها وبين بني هاشم فرق آي في الفضل مع أنها تشاركهم في نصيب منه لما في (الصحيحين) وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» وثبت عن فاطمة ﵍ أنها لما وقفت صدقتها جعلتها لبني هاشم وبني المطلب وكذلك فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقوم هذا الرجل في القرن الثاني فيدعي هذا ويعلنه ويلهج به عارفوه وأصحابه وجماعة من عشيرته ثم لا يثور عليه التكذيب والعقوبة من كثير من الجهات؟ بل ولا ينكر عليه أحد هذا مع أن الرجل بغاية من النباهة ولم يكن له ولا لأحد من أقاربه ما يهاب لأجله ويتقي من منصب في الدولة أو نحو ذلك وقد كان في مبدأ أمره ولي بعض الولايات وطار له صيت بالعدل والجود والقبول فنسب إليه ترشيح نفسه للخلافة فحمل إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد وجاء من غير وجه أنه خاطبه بقوله: نحن إخوتكم من بني المطلب فأنتم ترونا أخوة. هذا والعارفون بالأنساب ولا سيما نسب قريش في ذاك العصر كثير وللرجل حساد يحرقون عليه الأرم ومع ذلك قبل الناس دعواه ووفقوه عليها وأستمر الأمر على ذلك تسمع موافقته من كل جهة ولا يحس وجس بمخالفته إلى نحو مائتي عام.
ثم إذا كان بعد ذلك؟ ذاك متفقه حنفي ملأه غيظا تبجح الشافعية بأن إمامهم ابن عم رسول الله ﵌ فسولت له نفسه أن يحاول المكابرة في ذلك فلم يجد إلى ذلك سبيلا فلجأ إلى غير ملجأ فقال: إن أصحاب مالك لا يسلمون أن الشافعي من قريش بل يدعون أن شافعا كان مولى لأبي لهب فطلب من عمر ﵁ أن يجعله من موالي قريش فامتنع فطلب من عثمان ﵁ ففعل» فافتضح هذا القائل الظالم لنفسه فان أصحاب مالك - وإن كان فيهم من
[ ٢ / ٦٢٢ ]
حقيقة كتاب "التعليم" المنسوب لعماد الدين مسعود بن شيبة الحنفي المجهول
هو حنق على الشافعي وأصحابه لا يعرفون قائلا منهم بهذه المقالة وهذا صاحبهم ابن عبد البر أعرف الناس بهم وبأحوالهم ومقالاتهم نقل الإجماع على نسب الشافعي كما سلف.
ولو أن ذلك الحنفي نسب تلك المقالة إلى إنسان معروف من المالكية لساغ احتمال أنه لم يكذب على ذلك المالكي وأن كذبه وإنما رأى في بعض الروايات أن الشافعي لما حمل إلى الرشيد كان معه رجل من آل أبي لهب ثم حاول أن يروج مقالته بما نسب إلى عمر فزادها فضيحة فهل كان عمر ينكر أن يكون بنو هاشم من قريش؟ أم كان ظالما جائرا يمنع المولى حقه الواضح؟
تذهب هذه الأضحوكة ذهاب ضرطة عير بالفلاة، وتمر على ذلك ثلاثمائة سنة أخرى تقريبا وإذا بحنفي آخر محترق يكتب كتيبا يضمنه أشياء في فضل أبي حنيفة وعيب سائر الأئمة ولاسيما الشافعي وخوفا من الفضيحة نحل الكتاب من لا وجود له فكتب عنوانه «(كتاب التعليم) لشيخ الإسلام عماد الدين مسعود بن شيبة ابن الحسين السندي» ثم رمى بالكتاب في بعض الخزائن فعثر الناس عليه بعد مدة فتساءل العارفون: من مسعود بن شيبة؟ لا يجدون له خبرا ولا أثرا إلا في عنوان ذاك الكتيب.
القضية مكشوفة إلا أنها صادفت هوى في نفوس بعض الحنفية فصار بعض مؤرخيهم وجامعي طبقاتهم ومناقبهم يذكرون مسعود بن شيبة وينقلون من ذاك الكتيب فاضطر الحافظ ابن حجر إلى أن يقيم لذلك وزنا ما فقال في (لسان الميزان):
«مسعود بن شيبة مجهول لا يعرف عمن أخذ العلم ولا من أخذ عنه له مختصر سماه التعليم كذب فيه على مالك وعلى الشافعي كذبا قبيحا »
فيجئ الأستاذ الذي يصف نفسه كما في لوح كتابه الذي طبع بتصحيحه ومراجعته بأنه «الأمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير صاحب الفضيلة مولانا الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقا» فيحتج بذاك الكتيب المسمى ب (التعليم) ويذكر مسعود بن شيبة كعالم حقيقي ويزيد على ذلك فيقول في حاشية ص ٣ من التأنيب «وابن شيبة هذا جهلة ابن حجر فيما جهل مع أنه معروف عند الحافظ (؟) عبد القادر القرشي وابن دقاق المؤرخ والتقي المقريزي والبدر
[ ٢ / ٦٢٣ ]
محاولة الكوثري الخدش في الإجماع على قرشية الشافعي مع المواربة
العيني والشمس ابن طولون الحافظ وغيرهم فنعد صنيع ابن حجر هذا من تجاهلاته المعروفة - لحاجة في النفس - وقانا الله إتباع الهوى» كذا يقول هذا الظالم لنفسه وهو يعلم حق العلم أن هؤلاء الذين سماهم وكلهم متأخرون لم يعرفوا إلا ذاك الكتيب فتجاهلوا حلمه وذكروا مسعود بن شيبة بما أخذوه من ذاك الكتيب فإن كانت هذه معرفة فالحافظ ابن حجر لم ينكرها بل أثبتها في تلك الترجمة والداهية الدهياء أن يختم الأستاذ عبارته بقوله: «وقانا الله إتباع الهوى» أفليس هذا أشنع وأفظع وأدل على المكروه من قول شارب الخمر حين يشربها: باسم الله؟ !
يقع في ذلك الكتيب ما نقله عنه الأستاذ كما يأتي، تناسى الناس ذاك الكتيب إلا أماني كما سبق ومضت بعد ذلك قرابة سبعمائة سنة فينشأ الكوثري فيبعثر فظائع أصحابه علق على (انتقاء ابن عبد البر) حيث حكى ابن عبد البر الإجماع على نسب الشافعي قوله: «ومن زعم أن شافعا كان مولى لأبي لهب فطلب من عمر أن يجعله من موالي قريش فامتنع فطلب من عثمان ذلك ففعل فقد بعد عن الصواب وشذ عن الجماعة والتعويل عليه من بعض الحنفية والمالكية تعصب بارد ولهم أن يناقشوا في علمه لا في نسبه» .
وغرضه هنالك إنما هو محاولة الخدش في الإجماع الذي ذكره ابن عبد البر ولكن حاول المواربة وزعمه أن بعض الحنفية والمالكية عولوا على تلك الفرية فرية أخرى إنما رمي بها ذاك الحنفي المحترق على المالكية والمالكية براء منها فإن كان هناك من يسوغ أن يقال إنه عول عليها فهو الكوثري فقد قضي على نفسه بالتعصب البارد وذلك أخف ما ينبغي أن يقضي عليه به!
وقال في (التأنيب) ص ١٠٠ فما بعدها عند الذكر الموالي «حتى إن الشافعي منهم عند أهل العلم (؟) وعلق عليه في الحاشية مقاله ذاك الحنفي ثم قال: «ومنهم
[ ٢ / ٦٢٤ ]
ذكر الإختلاف في موضع ولادة الشافعي وأنه لا يدعو إلى الشك في نسبه
من يعده في عداد موالي عثمان كما في (التعليم) لمسعود بن شيبة» وقد علمت حاله هذين ثم قال: «وكان الشافعي يعضه فقر مدقع في نشأته كما في كتب المناقب والصليب في قريش كان يتناول من الديوان في ذلك العصر ما يقيم به أوده» .
أقول: الذي يقوي سنده من تلك الحكايات ما روي عن الشافعي أنه قال: كنت يتيمًا في حجر أمي ولم يكن لها مال وكان المعلم يرضى من أمي أن أخلفه إذا قام فلما جمعت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث أو المسألة وكانت دارنا في شعب الخيف فكنت أكتب في العظم فإذا كثر طرحته في جره عظيمة، والحكايات الأخرى في أسانيدها مقال وهي مع ذلك لا تزيد على هذا، وهذا لا يصدق عليه كلمة «يعضه فقره مدقع» فقد كانت له دار وكفاف في المطعم والملبس وإلا لما تركته أمه يطلب العلم بل كانت تسلمه في حرفة، فإن كان يصل إليه من الديوان شيء فلا ندري ما قدره وقد لا يكون يصل إليه شيء لأن الأمراء كانوا ظلمة يصرفون بيت المال في أغراضهم وشهو اتهم، وكان والد الشافعي كما تشير إليه بعض الروايات ممن خرج مع العلوية على العباسين ولذلك اضطر إلى الفرار بأهله من الحجاز إلى فلسطين حيث ولد الشافعي وكان الأمراء يتتبعون من كان كذلك بالقتل والسجن فضلا عن حرمان حقهم في بيت المال، وقد نال ذلك ذرية فاطمة ﵍ قال دعبل:
أرى فيأهم في غيرهم متقسما وأيديهم من فيئهم صفرات
وقال الكوثري في ما كتبه على (مغيث الخلق): «لم أرى أحد قبل زكريا الساجي رفع نسب شافع إلى عبد مناف» .
أقول قد أريناك. قال: «والساجي متكلم فيه» مما لا يعتد به وهو أحد الإثبات كما مر في ترجمته.
قال: اختلاف الروايات في مسقط رأس الأمام الشافعي . وعدم ذكر ترجمه لوالديه ولا تاريخ لوفاتهما في (كتاب الثقات) مما يدعوا إلى التثبت في الأمر» !
أقول: أما الاختلاف في موضع ولادته فليس مما يدعوا إلى التشكك وهؤلاء أبناء فاطمة وأبناء العباس لم تتعرض التواريخ لمواضع ولادة كثير منهم إذ ليس ذلك
[ ٢ / ٦٢٥ ]
بيان أن في أجداد الشافعي صحابيا واحدا أو أكثر
مما يهتم به فيحفظ الناس إلى الآن مختلفون في تاريخ وفاة النبي ﵌ ومولده وكان والد الشافعي مشردا مطردا بسبب خروجه مع العلويين فكان مختفيا بأهله في فلسطين حيث ولد له الشافعي والذين ذكروا موضع ولادة الشافعي إنما استندوا إلى أخباره، فأقوى الروايات عنه أنه قال «بعسقلان» وفي رواية عنه أنه قال «بغزة» فإن ثبتت هذه أيضا تبين أنه ولد بإحداهما وأطلق عليها في رواية أخرى اسم أخرى لأنها من مضافاتها أو ولد في قرية صغيرة بينهما أطلق عليها في أحدا الروايتين اسم هذه وفي الأخرى اسم الأخرى لأنها لا تعرف إلا باضافتها إلى إحداهما، فأما ما روي عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب من ذكر اليمين فلذلك أسوة بال أحاديث الكثيرة التي غلط فيها أحمد هذا الغلط الفاحش حتى اضطر أخيرا إلى الرجوع عنها ومع ذلك فقد تكلف بعضهم تأويل روايته المذكورة بما لا حاجة إلى ذكره.
وأما أنهم لم يذكروا ترجمة لوالدي الشافعي فلم يعرف أبوه بالعلم، وما كل قرشي حفظت له ترجمة ولعل الذين حفظت تراجمهم لا يبلغون عشر معشار الذين كانوا موجودين. وأما تاريخ الوفاة فالمحدثون إنما عنوا بتقيد وفيات الرواة لمعرفة اتصال الرواية عنهم وانقطاعها، وما أكثر الرواة المشاهير الذين لم تقيد وفياتهم والذين ذكرت وفياتهم منهم وقع في كثير منها الاختلافات المتباينة فأما والدا الشافعي فلم يتعانيا الرواية أصلا والأستاذ نفسه يتحقق هذا كله ولكن يأبى إلا الشعبذة على الجهال وقد عرف الناس تاريخ ولادة الشافعي وأن أباه توفي عقب ذلك بستة أو نحوها فأما أمه فعاشت إلى أن بلغ أبها مبلغ العلماء وجهزته حيث خرج إلى اليمن فولي فيها ما ولي قال الكوثري: «وعد شافع صحابيا أول من ذكره هو أبو الطيب الطبري» أقول: لم أر في المنقول ما يصرح بصحبته فهو على الاحتمال فإن كان ولد قبل وفاة النبي ﵌ فهو صحابي وإلا كفتنا صحبة أبيه. قال: «أول من عد السائب صحابيا من مسلمة بدر هو الخطيب في (تاريخه) بدون سند» .
أقول: في (الإصابة) «قال الزبير في (كتاب النسب) ولد عبيد بن عبد يزيد
[ ٢ / ٦٢٦ ]
السائب وكان يشبه بالنبي ﷺ وأسر يوم بدر وذكر ابن الكلبي أنه كان يشبه بالنبي وأخرج الحاكم في «مناقب الشافعي» من طريق أبي محمد أحمد بن عبد الله بن العباس بن عثمان بن نافع بن السائب قال: سمعت أبي يقول أشتكى السائب بن عبيد فقال عمر: أذهبوا بنا نعود السائب بن عبيد فأنه من مصاصة قريش قال النبي ﷺ حين أتى به وبعمه العباس هذا أخي.
وذكر في ترجمة شافع ما رواه الحاكم من طريق أيأس بن معاوية عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ ذات يوم في القسطاس إذ جاء السائب بن عبيد ومعه ابنه فقال من سعادة المرء أن يشبه أباه وذكروا في الصحابة عبد الله بن السائب كما تقدم، فالسائب صحابي حتمًا ولا يهمنا أتقدم إسلامه أم تأخر وقد عدوا في الصحابة عبيدًا والد السائب وعبد يزيد جده وعلى كل حال ففي أجداد الشافعي صحابي حتمًا وقيل اثنان في نسق وقيل ثلاثة وقيل أربعة وقد قال الأستاذ ص ١٦٥: «على أن النبي ﷺ توفي عمن يزيد عددهم على مائة ألف من الصحابة ولم تحتوي الكتب المؤلفة في الصحابة عشر معشار ذلك فإذا لم ينص المتقدم على صحبة رجل فاستدركه من بعده لم يكن في ذلك ما يريب في صحته.
ثم قال الأستاذ: «وربما يعذرنا إخواننا الشافعية » .
أقول لا ريب أنهم إذا عرفوا الأستاذ وما يقاسيه من ذات نفسه يعذرونه في أنفسهم ويرحمونه، وإن كان ذلك لا ينفعه عند الله ﷿. وقد ضج الأستاذ ص ١٨ مما روي عن يزيد بن زريع: «كان أبو حنيفة نبطيا» فقال الأستاذ: «ومن ساق هذا الخبر الكاذب ليطعن في نسبة فهو لم يزل على خلال الجاهلية» مع أن الأستاذ يعرف من مذهبه أن العجم أكفاء بعضهم لبعض من جهة النسب، وليسوا أكفاء للعرب، وأن سائر العرب ليسوا أكفاء لقريش، ولعل النبط أقرب إلى الشرف الديني من الفرس!
وقال الكوثري ص ٤ من (التأنيب): «ومن تابع الشافعي قائلا: إنه قرشي،
[ ٢ / ٦٢٧ ]
وضع الكوثري لحديث "من بطأ به عمله " في غير موضعه
فله ذلك، لكن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم. وفي (صحيح مسلم): «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» . على أن هناك من العلماء من هو قرشي باتفاق فيفضل على من في قرشيته خلاف، لو كان هذا الأمر بالنسب» .
أقول: قد علمت الإجماع إلى نسب الشافعي مع الحجج الأخرى. فأما أن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم، فإن أراد أنه لا يجب أن يكون كل قرشي أعلم من كل أعجمي مثلا فهذا حق لا يشتبه على أحد، وكذلك لا يجب أن يكون كل تابعي أعلم من كل ما يأتي بعده ولا كل من كثر أتباعه أعلم من كل من أقل منه أتباعا، وكذلك كل من أبطأ به عمله لا تسرع به تابعيته ولا كثرة أتباعه بل ذلك أضر عليه. وقد وضع الحديث في غير كوضعه، فإن الشافعي لم يبطئ به علمه وإنما ينبغي أن يذكر هنا حديث (الصحيحين) وغيرهما وفيه قوله ﷺ: «أفعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهو ا» .
ومن ذكر من أهل العلم في مزايا الشافعي أنه عربي قرشي مطلبي فلم يحتج بفضلية النسب من حيث هو نسب، ولكن من حيث ما هو مظنة، فإن ذلك يقتضي فضل معرفة بالدين الذي أنزله الله تعالى على النبي العربي بلسان عربي روعي فيه عقول العرب وإفهامهم وطباعهم، ويقتضي فضل محبة الدين وغيره وحرص على عدم الشذوذ عنه، فإن من أجتمع له الحق والهوى أشد لزوما للحق ممن جاء الحق خلاف هواه، وقد قال الله ﵎: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (البقرة:١٢٧) «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (البقرة - ١٢٧- ١٢٩) . وقال ﷿: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَآخَرِينَ
[ ٢ / ٦٢٨ ]
حديث "لو كان الإسلام بالثريا "
مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (الجمعة ٢ - ٤) . فالأميون الذين بعث فيهم الرسول عليهم آيات الله وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة وكانوا من قبل في ضلال مبين هم العرب الذين أدركوا نبوته، علمهم مباشرة أو قريبا منها بأن أرسل إليهم رسولا، وهو ﷺ حي ينزل عليه الوحي، والآخرون الذين لم يلحقوا بهم قد نص القرآن أنهم «منهم» فهم ذريتهم، فأما ما روي أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الآخرين فسكت عنه ثلاثا ثم وضع يده على سلمان الفارسي وقال: «لو كان الإسلام بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء» فهذا لا يخالف الدلالة الواضحة من القرآن، وإنما سكت النبي ﷺ عن جواب السؤال لأن القرآن واضح بنفسه لمن تدبره ثم وضع يده على سلمان وقال ما قال على سبيل أسلوب الحكيم كأنه قال: الأولى أن يسأل السائل هل يختص الدين بالأميين الذين بعث فيهم الرسول مباشرة ومن يلحق بهم منهم؟ فأجاب ﷺ عن هذا السؤال المقدر.
فأما ما وقع في الرواية «رجال أو رجل» فشك من الراوي وأكثر الروايات «رجال» بلا شك لكن جاء حديث آخر «لو كان الدين عند بالثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال من أبناء فارس - حتى يتناوله» ولم يذكر في هذا الحديث قصة الآية لكن كلا الحديثين من رواية أبي هريرة فإن كان أصل الحديثين واحدا، واللفظ «رجل» فلا شبهة أنه كناية عن سلمان كما تعينه القرينة. وإن كانا حديثين فالرجل سلمان والرجال هو وآخرون، هذا هو المعنى الواضح لمن أراد أم يفهم المراد من الكتاب والسنة. وأما من يريد أن يجرهما إلى هواه فلا كلام معه.
والمقصود هنا أن الشافعي ممن نالته المزية التي دعا بها إبراهيم وإسماعيل وذكرت في الآيات، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله والفضل العظيم. وقال الله ﵎: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» آل عمران ٣٣ - ٣٤ وجاء في كتاب الله ﷿ عدة آيات تدل على انقطاع الاصطفاء عن ذرية آل عمران وبقي في غيرهم من
[ ٢ / ٦٢٩ ]
حديث "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل "
آل إبراهيم، وفي (الإصحاح الثاني) من (سفر أرميا) في صدد توبيخه اليهود على ارتدادهم وعبادتهم الأصنام ما يدل على أن بني قيدار كانوا في عهدة ثابتين على ملة إبراهيم، قال: «لذلك أخاصمكم يقول الرب وبني بنيكم أخاصم فاعبروا جزائر كتيم وانظروا وأرسلوا إلى قيدار وانتبهو اجدا (١) وانظر هل صار مثل هذا هل بدلت أمة آله وهي ليست آلهة، أما شعبي فقد بدل مجده بما لا ينفع» . هكذا في النسخة المطبوعة بنيويورك سنة ١٨٦٧ م.
وبنو قيدار هم بنو إسماعيل ومنهم عدنان أبو قريش وجاء في (الصحيحين) وغيرهما (كالمستدرك) ج ٤ ص ٦٠٥ وغيره كما ترى تفصيل ذلك في (فتح الباري) «باب قصة خزاعة» وفي (الإصابة) ترجمة أكتم بن الجون ما يعلم منه أن عمر بن لحي أول من بدل دين إبراهيم أي والله أعلم في مكة ونواحيها، وعمرو هذا من اليمن على الراجح وليس من ذرية إسماعيل على الراجح، وكان في عصر كنانة، وفي (صحيح مسلم) وغيره من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم «فهذا يدل أن عمرو بن لحي استغوى بعض بني إسماعيل وثبت كنانة، ثم سرى التبديل إلى بعض ذرية كنانة، وثبت قريش فانفرد بالاحتراز عن التبديل أو عن الإغراق فيه، ثم سرى الفساد في ذرية قريش وانفرد هاشم بنحو ما انفرد به قريش، فكان بنو هاشم أقرب الناس إلى الحق حتى اصطفى الله تعالى رسوله منهم، وقد تقدم قوله ﷺ: «بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد»، افترق بنو عبد مناف فانضم بنو نوفل إلى عبد شمس وانضم بنو المطلب إلى بني هاشم فكانوا معه ودخلوا معهم شعب أبي طالب لما فاطعن قريش بني هاشم بسبب النبي ﷺ، ثم بقوا مع بني هاشم في الإسلام، وبقوا
_________________
(١) كأنه إشارة إلى أن بني قيدار بنو عمكم ولم يبعث فيهم نبي إسماعيل وبعث فيكم عدد كثير من الأنبياء وبعضهم بين ظهرانيكم ومع ذلك هم ثابتون على الدين الحق وأنتم خرجتم منه.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
فصل: في محاولة الكوثري التشكيك في لسان الشافعي والرد عليها
معهم بعد النبي ﷺ، ولما افترق بنو هاشم، انضم بنو المطلب إلى ألصق الفريقين بالنبي ﷺ وهم بنوا ابنته وكان والد الشافعي معهم فلما أصيبوا فر إلى فلسطين حيث ولد له الشافعي، فالشافعي من آل إبراهيم ثم من كنانة ثم من قريش ثم من بني المطلب الذين هم وبنو هاشم شيء واحد ثم ظهر في الإسلام أنهم ألصق بالنبي ﷺ من بعض بني هاشم، ثم فقه:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل
بل قد يقال: إن الله تعالى اختص رسوله ﵌ وعشيرته بخصائص كثيرة فلا يكاد يوجد لغيرهم فضيلة إلا ولهم من جنسها ما هو أفضل، وهذه الأمة قد كادت تطبق على إتباع أربعة علماء فيهم رجل واحد من عشيرة النبي ﵌، فقضية ما تقدم أن يكون أكمل من بقية الأربعة. وقد ذكر بعضهم أن مذهب الشافعي هو مذهب أهل البيت لأنه من بني المطلب الذين كانوا وبني هاشم شيئا واحدا، ثم لما افترق بنو هاشم انضموا إلى ألصق الفريقين بالنبي ﵌، وكان بنو فاطمة في عصر تأسيس المذاهب مضطهدين مروعين لا يكاد أحد يتصل بهم إلا وهو خائف على نفسه فلم يتمكنوا من نشر علمهم كما ينبغي، وكان من أبناء الأعاجم قوم لهم منازع سياسية ضد الإسلام كانوا يتذرعون بإظهار التشيع للعلويين إلى أغراضهم فكذبوا على أئمة العلويين كذبا كثيرا، فاشتبه الأمر على كثيرا من أهل العلم، أما الشافعي فإنه تلقف العلم من أصحاب جعفر بن محمد بن علي الحسين وغيرهم، ثم تجرد للعلم وأعرض عن السياسة فصفا له الجو فأسس مذهبه فساغ أن يقال إن مذهبه هو مذهب أهل البيت. والذي لا ريب فيه أنه إن صح يسمى واحد من المذاهب الأربعة: مذهب أهل البيت فهو مذهب الشافعي، وأهل البيت أدرى بما فيه.
فصل
كما حاول الأستاذ أن يشكك في عربية الشافعي في نسبة كذلك حاول أن يتكلم
[ ٢ / ٦٣١ ]
في عربيته في لسانه، فذكر حكايتين عن (كتاب التعليم) وقد عرفت حاله وذكر قضايا أخرى.
الأولى: أن الشافعي فسر قوله تعالى «أن لا تعولوا» بقوله: تكثر عيالكم.
أقول: نص الكسائي على أن من العرب الفصحاء من يقول: عال فلان - بمعنى كثر عياله. وكذلك جاء عن الأصمعي وغيره من الأئمة، ومع ذلك فعال يعول يأتي اتفاقا بمعنى الزيادة والكثرة كالعول في الفرائض، والآية تحتمل هذا الوجه أي أكثر أن لا تكثروا، ويكون المراد بدلالة السياق: يكثر عيالكم. أما الاعتراض بأن أكثر المفسرين فسروها بقولهم: أن لا تميلوا، فليس الكلام هنا في رجحان وجه على آخر، وإنما الكلام في قول الشافعي أخطأ هو في العربية أم صواب؟ وقد ثبت بما تقدم أنه ليس بخطأ في العربية، فغاية الأمر أن يقال هو خطأ في التفسير، وذلك لا يضرنا هنا لأن جماعة من الصحابة قد أخطأوا في بعض التفسير ولم يعد ذلك قادحا في فصاحتهم. ومع هذا فقد يرجح تفسير الشافعي بوجهين.
الأول: أن طاووس قرأ «أن لا تعيلوا» والمعنى على هذا حتما تكثر عيالكم، واتحاد المعنى على القراءتين أولى من اختلافه.
الوجه الثاني: أن سياق الآية «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا» (النساء:٣) ومعنى قولهم ذلك أدنى أن لا تميلوا، هو ذلك أدنى أن تعدلوا، وهذا قد علم من أول الآية فيكون تأكيدا، فإذا احتملت الآية ما قال الشافعي فهو أولى، لأن التأسيس أولى من التأكيد ن وقد صح نحو تفسير الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم رواه ابن جرير، ونسبة بعضهم إلى زيد بن أسلم نفسه.
الثانية: قال الأستاذ «قوله: حارة في تفسير «موصدة» مع أنها بمعنى محيطة
[ ٢ / ٦٣٢ ]
بلا خلاف» .
أقول: لم أجد هذا التفسير عن الشافعي. وقول الكوثري: «بمعنى محيطة بلا خلاف»
غلط بل منهم من قال: مطبقة، ومنهم من قال: مغلقة. فان صح ما نسب إلى الشافعي فهو من التفسير باللازم المقصود لأنها إنما تطبق أو تغلق ليشتد حرها.
الثالثة: قال: «وقوله: معلمي الكلاب - في تفسير «مكلبين» مع أنه بمعنى مرسلي الكلاب» !.
أقول: المعروف في اللغة والتفسير ما قال الشافعي.
الرابعة: قال: «وقوله: فحل الإبل والبقر - في تفسير الفحل في قول عمر ﵁: لا شفعة في البئر ولا في الفحل. مع أنه فحل النخل» .
أقول: يرد هلي هذا أمور:
الأول: أنه مطالب بتصحيح النسبة إلى الشافعي.
الثاني: أن الأثر مروي عن عثمان لا عن عمر.
الثالث: أنه لو صح ذلك عن الشافعي لكان دليلًا على فصاحته لأن لفظ «فحل» يطلق على الإبل والبقر بلا خلاف، فأما في النخل فالمعروف أن يقال «فحال» بل قال بعضهم لا يقال فيه إلا فحال كما في (النهاية) .
الخامسة: قال: «وقوله في التصرية أنها من الربط مع أنها من جمع الماء في الحوض »
أقول: عبارة الشافعي كما في (مختصر المزني) بهامش (الأم) ج ٢ ص ١٨٤ وغيره «التصرية أن تربط إخلاف الناقة أو الشاة ثم تترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة حتى يجتمع بها لبن » . وهذه العبارة إنما تعطي أن حقيقة التصرية هي ما يحصل من مجموع تلك الأمور: الربط، وترك الحلاب مدة، واجتماع اللبن. فأما
[ ٢ / ٦٣٣ ]
اشتقاق الكلمة أمن الصر وهو الربط، أم من الصري وهو الاجتماع، فهذا لا علاقة له بكلام الشافعي، أولا: لأنه في مقام بيان المعنى لا الاشتقاق، ثانيا: لأنه قد ذكر الاجتماع كما ذكر الربط. وربط الإخلاف لازم التصرية في عادة العرب وذلك أنها إذا لم تربط رضعها ولدها، أو حلبها محتاج، وكان العرب يتسامحون في حلب إبل غيرهم إذا لم تكن مصراه، يعدون عدم تصريتها بمنزلة الإذن لمن يحتاج في حلبها قال الشاعر:
قد عاث ربك هذا الخلق كلهم بعام خصب فعاش الناس والنعم
وأبهلوا سرحهم من غير تودية ولا ديار ومات الفقر والعدم
يعني أرسلوها غير مصراه لاستغنائهم عن اللبن فلا يبالون أن ترضعها أولادها أو يجلبها من شاء وفي الحديث «لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم آن تؤتى مشربته فتكسر خزانته » وجاءت أحاديث أخرى بالإذن، منها حديث أبي سعيد مرفوعا: «إذا أتيت على راع فناده ثلاثا فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد» . وجمع بعض أهل العلم بين الأحاديث بأن النهي محمول على المصراة، لأن تصريتها علامة على عدم الإذن، والآذن في غيرها لأن ترك التصرية دليل على الآذن، وهذا أقوى ما تحمل عليه الأحاديث، وفيها إشارة إليه لقوله في الأول «فتكسر خزانته» والكسر إنما يكون إذا كانت مغلقة وإغلاق صرع الناقة هو تصريته، فأما غير المصراة فهي شبيهة بالخزانة المفتوحة، ولقوله في الحديث الآخر «من غير أن تفسد»، وحل الرباط إفساد.
والمقصود هنا أن الربط كان من لازم التصرية في عادتهم فكانت حقيقة التصرية إنما تحصل بالربط والترك مدة واجتماع اللين كما قال الشافعي. وذكر بعض أئمة اللغة أنه يجوز أن تكون المصراة أصلها المصررة أي المربوطة إلى آخر ما قال، ولا حاجة بعبارة الشافعي إلى هذا كما علمت.
السادسة: قال: «وقوله في تفسير الفهر في قول عمر: كأنهم اليهود قد خرجوا من فهرهم - البيت المبنى بالحجارة الكبار، مع أنه موضع عبادتهم أو اجتماعهم
[ ٢ / ٦٣٤ ]
ودرسهم مطلقا سواء كان في بنيان أو صحراء» .
أقول عليه في هذا أمور:
الأول: أنه مطالب بتثبيت النسبة إلى الشافعي.
الثاني: أن الأثر منسوب إلى علي كما في (نهاية ابن الأثير) لا إلى عمر، ولفظه في النهاية «خرجوا من فهو رهم» .
الثالث: قوله: «مطلقا » لم أجدها في كتب اللغة والغريب ن وراجع مفردات الراغب ليتبين لك كثرة الكلمات التي يطلق تفسيرها في كتب اللغة وحقها التقييد.
الرابع: كلمة «خرجوا من» ظاهرة في التقييد بالبيان.
الخامس: أنه قد أختلف في تفسير الفهر فقيل: مدارس اليهود يجتمعون إليه في عيدهم وقيل يوم يأكلون فيه ويشربون، فقول القائل: البيت المبني أن الصواب غيره دل ذلك على أنه يعرف معنى الكلمة وإنما قال باجتهاده وهذا لا يدل على عدم فصاحته، فإنه ليس من شرط الفصيح أن يعرف معاني جميع الألفاظ العربية فقد كانت تخفي على بعض الصحابة معاني بعض الكلمات من القرآن فيجتهدون ويقول كل منهم ما ظنه فيختلفون ويخطئ بعضهم وليس ذلك من عدم الفصاحة في شيء، ويتأكد هذا إذا كانت الكلمة أصلها من غير لغة العرب كهذه، فإنها نبطية أو عبرانية. ولا لوم على العربي الفصيح أن يخطئ» فزعم أن اليرندج ثوب ينسج، وقال آخر: «ولم تذق من البقول الفستقا» فزعم أن الفستق يقل، ولذلك نظائر معروفة.
السابعة: قال: «وصف الماء بالمالح مع أن الماء لا يوصف به وفي القرآن «ملح أجاج» وأما المالح فيوصف به نحو السمك» .
[ ٢ / ٦٣٥ ]
أقول: المعروف عن الأصمعي ومن تبعه أنه لا يقال لا في الماء ولا في السمك، وذكر ابن السيد في (الاقتضاب) ص ١١٦ ذلك ن ثم نقضه بعده حجج ثم قال: «وحكى علي ابن حمزة عن بعض اللغويين أنه ثقال: ماء ملح فإذا وصف الشيء بما فيه من الملوحة قلت: سمك مالح، وبقلة مالحة، قال ولا يقال: ماء مالح، لأن الماء هو الملح بعينه، وهذا قول غير معروف، وهو مع ذلك مخالف للقياس، لأن صفة الماء بأنه مالح أقرب إلى القياس من وصف السمك، لأنهم قالوا: ملح الماء وأملح، فاسندوا غليه الفعل مكان يسند إلى الفاعل ولم يقل أحد: ملح السمك. إنما قالوا: ملحت السمك إذا جعلت فيها الملح» ثم قال: «وأنشد أبو زياد الأعرابي قال أنشدني أعرابي فصيح:
صبحن قوا والحمام واقع وماء قو مالح وناقع»
وفي (لسان العرب) عن ابن الأعرابي «ماء أجاج وهو الماء المالح» وعن الجوهري «ولا يقال: مالح، قال وقال أبوالدقيش: ماء مالح وملح» ثم قال: «قال ابن بري: قد جاء المالح في أشعار الفصحاء وقال عمر بن أبي ربيعة:
ولوتفلت في البحر والبحر مالح لصبح ماء البحر من ريقها عذبا
قال ابن بري: وجدت هذا البيت المنسوب إلى عمر بن أبي ربيعة في شعر أبي عيينة محمد ابن أبي صفرة » .
والحاصل أن قولهم: ماء مالح - ثابت عن العرب الفصحاء نصا، وثابت قياسا، لكن أكثر ما يقولون: ملح - ولما غلب على ألسنة الناس في عصر الشافعي: مالح. أتى بها الشافعي في كتبه لأنه كان يتحرى التقريب إلى إفهام الناس كما يأتي عن صاحبه الربيع، ومع هذا فقد شهد جماعة للشافعي بأنه من الفصحاء الذين يحتج بقولهم فيكون قوله حجة على صحة الكلمة، فإن تنازلنا وسلمنا أن الشافعي مختلف في فصاحته قلنا فالكلمة مختلف في صحتها، فحقها إن لم يقم دليل على صحتها أن
[ ٢ / ٦٣٦ ]
كذب الكوثري على الشافعي وثعلب وغيره
لا يحتج على صحتها باستعمال الشافعي لها، ولا يطعن في فصاحته لاستعماله لها للاختلاف في الأمرين، فكيف إذا قام الدليل على صحة الكلمة من غير قوله، وقال الدليل علفى فصاحته؟ !
الثامنة: قال: «وقوله ثوب نسوي لفظة عامية» .
أقول: هذا أيضا لم يذكر ما يثبته عن الشافعي، ثم إن كان نسبة إلى النساء فهو الصواب كما قال سيبويه وغيره، وإن كان نسبة إلى (نسا) وهي البلدة المعروفة فهو القياس، وقول ياقوت: «والنسبة الصحيحة إليها نسائي وقيل نسوي أيضا وكان من الواجب كسر النون» فيه ما فيه.
التاسعة قال: «وقوله: العفريت - بالفتح - مما لم يقله أحد» .
أقول: ولا قاله الشافعي فيما نعلم، فيما قاله لعددناها لغة لبعض العرب.
العاشرة: قال: «وقوله: أسليت الكلب - بمعى زجرته، خطأ صوابه أن ذلك بمعنى أغريته كما قال ثعلب وغيره» أقول: لم يكف هذا الأنوك (١) أن كذب على الشافعي حتى كذب على ثعلب وغيره، والموجود في كتب استعماله بمعنى الأعزاء، وثعلب إنما زعم أنه بمعنى أن تدعوه إليك، قال: فأما الإغراء فإنمات يقال: آسدته» . وصحح غيره مجيئه في المعنيين.
العاشرة: قال: «وقوله في (مختصر المزني): وليست الأذنان من الوجه فيغسلان - والصواب: فيغسلا» .
أقول: عليه في هذا أمور:
الأول: أن النصب في مثل هذا مرجوع أو ممتنع وفي (الهمع) ج ٢
_________________
(١) أي الأحمق. ن.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
ص ١٢: «وإن تقدمت جملة اسمية نحو: ما زيد قائم فيحدثنا - فأكثر النحويين على أنه لا يجوز النصب لأن الاسمية لا تدل على المصدر» وذهب طائفة إلى جوازه، وقال أبوحيان: الصحيح الجواز بشرط أن يقوم مقام الفعل ظرف أو مجرور ، فإن قيل: فإن «ليس» فعل، قلت: جامد لا يدل على المصدر، فأما دلالتها على النفي فكدلالة «ما» فإن «ليس» فعل، قلت: جامد لا يدل على المصدر، فأما دلالتها على النفي فكدلالة «ما» . بل قال جماعة: إن النصب بعد الفاء لا يجب بحال قال الرضي في (شرح الكافية) ج ٢ ص ٢٤٥: «وقد يبقى ما بعد فاء السببية على رفعه قليلا كقوله تعالى: «ولا يؤذن لهم فيعتذرون» وقوله ألم تسأل الربع القواء فينطبق - وقوله - لم تدر ما جزع عليك
فتجزع - جاء جميع هذا على الأصل ومعنى الرفع فيه كمعنى النصب لونصب جاز لك أن لا تصرف في المواضع المذكورة إلى النصب اعتمادا على ظهور المعنى» . ومع هذا فقد جاء إهمال «أن» مضمرة وظاهرة وعد ابن هشام من الأول قول الله ﷿: «أفغير الله تأمروني أعبد» وقوله ك ب ومن آياته يريكم البرق» ومن الثاني قراءة ابن محيصن: «لمن أراد أن يتم الرضاعة» برفع الميم. وفي (الهمع) ج٢ ص ٣ «قال الرؤاسي من الكوفيين: فصحاء العرب ينصبون (بأن) وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها» .
الثاني: أن المزني لم يسق عبارات الشافعي بنصها، فقد قال أول (المختصر) «اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي ﵀ ومن معنى قوله لأقربه على من أراده» وربما صرح بنسبة بعض ما ينقله عن الشافعي إلى بعض كتبه المطبوعة في (الأم) فإذا قوبلت العبارتان وجدتا مختلفتين في اللفظ. فقول المعترض «وقوله » يعني الشافعي - مجازفة.
الثالث: أن النساخ لم يزالوا من قديم يخطئون ويزيدون وينقصون
[ ٢ / ٦٣٨ ]
ويغيرون فنسبة عدم حذف النون إلى المزني يتوقف على وجودها في النسخة التي بخطه أو على نص ثقة سمع منه أنه قالها.
الرابع: قول المعترض: «والصواب: فيغسلا» لحن، والصواب «فتغسلا» وقد قالوا في قول الشاعر «ولا أرض أبقل إبقالها» وقول الآخر ك إن السماحة والشجاعة ضمنا» أنه ضرورة شعرية مع تأويل الأرض بالمكان، والسماحة والشجاعة بالجرد والبأس مثلا، ولا ضرورة في النثر، ولا يسوغ بعد النص على التأنيث في قوله: «ليس» تأويل، ولا حمل على مذهب الكوفيين. ثم قال الكوثري: «ولفظ الشافعي غثبات النون، وحذفها من تصرف الطابع، وأمانته في العلم كأمانته »
أقول: جزمه بأنه لفظ الشافعي مجازفة كما مر. وقوله: «من تصرف الطابع» مجازفة أيضا فهل وقف على الأصول المطبوع عنها ن وهل علم آن حذفها من فعل الطابع نفسه لا من إصلاح المصححين على ما ظهر لهم ن والذي في خاتمة طبع (الأم) و(المختصر) أن القائمين بالتصحيح مصححودار الطباعة نصري بن محمد العادلي ومحمد العادلي ومحمد البلبيسي ومحمود حسن زناتي. ولم يذكر لصاحب العزة أحمد بك الحسيني إلا أن الطبع على نفقته. ومع هذا فلم يزل المصححون ومنهم الأستاذ يصلحون ما يجدونه في الأصول القلمية مما يرونه خطأ، والغالب في ما يطبع بمصر أن لا ينبه على ما كان في الأصل، بناء على أن الخطا من النساخ كما جرت عاداهم حتى في كتابة القرآن. وقد وقفت على (منية الألمعي) للعلامة قاسم بن قطلوبنا الحنفي ومقدمة الكوثري عليها وتصفحت ما فصله قاسم من الأغلاط الكثيرة التي في نسخة الزيلعي من كتابه (نصب الراية)، ومع ذلك أصلح الكوثري وأحبابه كثيرا منها في الطبع بدون تنبيه فعد الكوثري صنيعهم منقبة لهم قال: «وفي عداد تعقبات العلاقة الحافظ قاسم أمور قد يتبه إليها الفطن بنفسه لظهور أنها من قبيل سبق القلم فيوجد بعض ما هو من هذا القبيل على الصحة في النسخة المطبوعة لأن الانتباه إلى الصواب من فضل الله سبحانه؛ وفضل الله لا يكون وقفا على أحد» لكن عذر الأستاذ واضح وهو أنه راض عن نفسه وأحبابه! ولذلك رأى التصرف في طبع (نصب
[ ٢ / ٦٣٩ ]
الراية) من فضل الله سبحانه، وساخط على الحسيني لسعيه في طبع بعض كتب الشافعي فهو مضطر إلى أن يتجنى عليه، ولعنا لو لم ننبه على هذا لعدنا الأستاذ من الأغبياء الذين لا يعرفون بين السخط والرضا. والله المستعان.
الحادية عشر، والثانية عشرة - قال: «وقوله: الواوللترتيب، والباء للتبعيض، مما لا يعرفه أحد من أئمة اللسان بل الأولى للجميع مطلقا، والثانية للإلصاق» .
أقول: جازف في النفي والإثبات، أما النفي فقد نقل القول بأن الواوللترتيب عن قطرب والربعي والفراء وثعلب وآبى عمر الزاهي كما في (المغني) . ونقل القول بأن الباء تجيء للتبعيض عن الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك وعن الكوفيين كما في (المغني) أيضا. وأما الإثبات فلم يقل الشافعي قط أو الواوللترتيب ولا أن الياء للتبعيض، ولا ما هو بين في هذا، وإنما بنى في الواوعلى قاعدة التقديم والتأخير المتفق عليها وهي أن ما يسوغ في أصل التركيب تقديمه وتأخيره لا يقدم في الكلام البليغ إلا لنكة عليها وهي أن ما يسوغ في أصل التركيب تقديمه وأخيره لا يقدم في الكلام البليغ إلا لنكتة فإذا قال البليغ: «ادع زيدا وبكرا» فلم يقدم زيدا إلا لنكتة والقرينة فمن قدم ولا نكتة ولا قرينه فقد أخطأ من وجهين ومن قدم مع وجود أحدهما فقط بينها وبين الفاء و(ثم) أن الواووإن كانت بمقتضى قاعدة التقديم بأن الواوللترتيب، والفرق بينها وبين الفاء و(ثم) أن الواووإن كانت بمقتضى قاعدة التقديم والتأخير يقتضي الترتيب فذلك ظاهر يجوز خروجها عنه لنكتة بقرينه، والفاء و(ثم) للترتيب حتما. وقد يقال بل التقديم في الحكم نكتة من النكت فحيث كانت هناك أو ضح منها مثل «جاء الملك وكاتبه» لم يفهم من الواوإلا مطلق الجمع، وإلا فالظاهر الترتيب في الحكم. والشافعي ﵀ إنما تعرض لهذا في الترتيب الوضوء. فنزع بالآية، ثم ذكر أن النبي ﵌ بدأ بما بدأ الله به، وأنه في السعي بدأ بالصفا وقال: «نبدأ بما بدأ الله به» (١) وأنه
_________________
(١) أخرجه مسلم وغيره وأما لفظ «ابدوا » فشاذ كما بينته في غير الموضع. ن.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
من ثناء العلماء على فصاحة الشافعي وأنه ممن يؤخذ عنه اللغة
في رمي الجنار يجب البدء بما بدأ به ﷺ. فهذه حجته، فكيف يتوهم انه بنى قوله على زعم أن الواوبمنزلة الفاء وثم؟ ! وأما الباء فإنه قال في مسح الرأس «كان معقولا في الآية أن مسح من رأسه شيئا فقد مسح برأسه ودلت السنة على أنه ليس على المرء مسح الرأس كله » (١) وهذا قد يكون بناء على معنى الإلصاق فقد ذكروا من أمثلة «أمسكت بزيد» مع أن يدك إنما تلاصق بعضه، وعلى هذا الفرق بين الباء و«من» أن «من» نص على التبعيض، وباء الإلصاق مطلقة تصدق بالبعض وتصدق بالكل، ولعل هذا مراد من أطلق أنها تجيء للتبعيض. وراجع لكلام الحنفية في الحكم والآية واضطرابهم في ذلك (روح المعاني) ج ٢ ص ٢٥٧- ٢٥٨.
وههنا انتهت المطاعن في فصاحة الشافعي، ولقد سعى الكوثري في تثبيت فصاحة الشافعي جهده، فإن أهل المعرفة يعلمون أن في الكلام الفصيح مواضع يعسر توجيهها حتى لو كان كلام من يجوز عليه اللحن لجزموا بأنها لحن، فإذا رأوا هذا المجلب بخيله ورجله لم يجد فيما ثبتت نسبته إلى الشافعي موضعا واحدا بهذه الصفة، فأضطر إلى الاتيان بما تقدم مع الكلام عليه، فأي ريبة تبقى في فصاحة الشافعي؟
ومما ذكره ابن حجر في (توالي التأسيس) ومن عادته أن لا يجزم إلا بما صح عنده قال: «قال ابن أبي حاتم عن الربيع قال: قال ابن هشام: الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة. قال ابن أبي حاتم وحدثت عن أبي عبيد القاسم بن سلام نحوه. وقال أيضا سمعت الربيع يقول: كان الشافعي عربي النفس واللسان، قال: وكتب إلى عبد الله بن أحمد قال: قال أبي: كان الشافعي من أفصح الناس. وقال الساجي: سمعت جعفر بن محمد الخوارزمي يحدث عن أبي عثمان المازني عن الأصمعي قال ك قرأت شعر الشنقري على الشافعي بمكة. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي: قلت لعمي: على من قرأت شعر هذيل؟ قال: على رجل من آل المطلب
_________________
(١) لم نجد في السنة ما يدل على ذلك، بل الثابت فيها مسح الرأس كله؛ فإذا اقتصر على بغضه أثم المسح على العمامة. راجع لذلك «زاد المعاد» لابن القيم. ن.
[ ٢ / ٦٤١ ]
محاولة الكوثري الطعن في ثقة الشافعي
يقال له: محمد بن إدريس» - وقال أيضا: «قال الحاكم سمعت محمد بن عبد الله الفقيه: سألت آبا عمر غلام ثعلب عن حروف أخذت على الشافعي مثل قوله: ماء مالح. وقوله / أنبغي أن يكون كذا وكذا، فقال لي: كلام الشافعي صحيح، وقد سمعت أبا العباس ثعلبا يقول: يأخذون على الشافعي، وهو من بيت اللغة يجب أن يؤخذ عنه» .
وقال: «قال الآبري أخبرنا أبو نعيم الإستراباذي سمعت الربيع بن سليمان يقول مرارا: لو رأيت الشافعي وحسن بيانه وفصاحته لعجبت منه، ولوأنه ألف هذه الكتب على عربيته التي كان يتكلم بها معنا في المناظرة لم يقدر على قراءة كتبه لفصاحته وغرائب ألفاظه غير أنه كان في تأليفه يجتهد أن يوضح للعوام» (١)
فصل
وكما حاول الكوثري الطعن في نسب الشافعي وفي فصاحته حاول القدح في ثقته
_________________
(١) قلت: ومن أجمع ما رأيت في الثناء على الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قول ابن عبد الحكم: «ما رأينا مثل الشافعي، كان أصحاب الحديث ونقاده يجيئون إليه، فيعرضون عليه، فربما أعل نقد النقاد منهم، ويوقفهم على غوامض من علم الحديث لم يقفوا عليها، فيقومون وهم متعجبون منه. ويأتيه أصحاب الفقه المخالفون والموافقون، فلا يقومون إلا وهم مذعنون له بالحذق والديانة. ويجيئه أصحاب الأدب، فيقرؤن عليه الشعر، فيفسره، ولقد كان يحفظ عشرة آلاف بيت شعر من أشعار هذيل، بإعرابها وغريبها ومعانيها، وكان من أضبط الناس لتاريخ، وكان يعينه على ذلك شيئان: وفور عقل، وصحة دين، وكان ملاك أمره إخلاص العمل لله ﷿» . أخرجه الخطيب في «جزء مسألة الاحتجاج بالشافعي فيما أسند إليه، والرد على الطاعنين بعظم جهلهم عليه» . وفيه فوائد هامة في ترجمة الشافعي وغيره من الأئمة لا توجد في ترجمة الإمام في «تاريخ بغداد»، وهو جزء صغير في (١٣) ورقة، وقد عملت الأرضة في كثير منها حتى أتت على بعض كلماتها، فعسى أن يسخر الله له من ينشره، قبل أن تقضي الأرضة عليها.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
كلمة ابن معين وإنكار أحمد عليها
فقال: ص ١٦٥: «ومن الغريب أنه إذا روى ألف راوعن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلا، تعد هذه الرواية عنه كاذبة، بخلاف ما إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه» ! أقول: لا نطالب الكوثري بألف ولا بمائة ولا بعشرة، وإنما نطالبه سالم، ولن يجد إلى ذلك سبيلا، إنما حكى هذه الكلمة عن ابن معين محمد بن وضاح الأندلسي، وابن وضاح قال فيه الحافظ أبووليد ابن الفرضي الأندلسي وهو بلديه وموافق به في المذهب: «له خطأ كثير بحفظ عنه ن وأشياء كان بغلط فيها، وكان لا علم عنده بالفقه، ولا بالعربية» .
وكان الأمير عبد الله بن الناصر ينكر عليه هذه الحكاية ويذكر انه رأى اصل ابن وضاح الذي كتبه بالشرق وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال: هو ثقة. كما حكاه أبن عبد البر في (كتاب العلم) . ولم ينقل أحد غيره عن ابن معين أنه قال في الشافعي: «ليس بثقة» أو ما يؤدي معناها أو ما يقرب منها، ولابن معين أصحاب كثيرون اعرف به وألزم له وأحرص على النقل عنه من هذا المغربي، وكان في بغداد كثيرون يسرهم أن يسمعوا طعنا في الشافعي فيشيعوه.
فأما قول ابن عبد البر «قد صح عن ابن معين من طرق أنه يتكلم في الشافعي على ما قدمت لك حتى نهاه أحمد بن حنبل وقال له: لم تر عيناك مثل الشافعي» فالذي قدمه هو قوله: «ومما نقم على ابن معين وعيب به أيضا قوله في الشافعي، فقال أحمد: من أين يعرف يحيى الشافعي؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول الشافعي - أو نحو هذا، ومن جهل شيئا عاداه! قال ابوعمر: صدق أحمد بن حنبل ﵀ أن ابن معين كان لا يعرف ما يقول الشافعي، وقد حكى عن ابن معين أنه سئل عن مسالة من التيمم فلم يعرفها، ولقد احسن أكثم بن صيفي في قوله ك ويل لعالم أمر من جاهلة، من جهل شيئا عاده ومن أحب شيئا استعبده» . والتكلم في الرجل قد يكون بما ليس بجرح ن فلا يصلح قولهم: «كان يتكلم فيه» متابعة لكلمة:
[ ٢ / ٦٤٣ ]
رواية أخرى عن ابن معين في الثناء على الشافعي وتوثيقه
«ليس بثقة» . وقدم ابن عبد البر أيضًا أن ابن معين سئل عن الشافعي فقال ك نا أحب حديثه ولا ذكره. وهذا تكلم للشافعي ولا يعطي معنى: «ليس بثقة» ولا ما يقرب منها، وقد جاء أن ابن معين رأى كتاب للشافعي تسميته لمقاتلي علي ﵁ بغاة، فأنكر ذلك، وعرضه على أحمد فقال أحمد: فماذا يقول؟ أو كما قال - يعني أن هذا الوصف هو الذي وصف به الكتاب والسنة الطائفة التي تقاتل أهل الحق مطلقا -: فقد يكون ابن معين عد ذلك ميلا إلى التشيع فأو حشه ذلك، وقد تواتر أن أحمد وابن معين كانا يكثران الاجتماع والمذاكرة، فلما ورد الشافعي بغداد لزمه أحمد وقصر في مجالسة ابن معين، وهذا أيضا مما يوحش ابن معين ن وقد مان ابن معين اعتاد من أصحاب الحديث أن يهابوه ويحترموه ويلاطفوه كما ترى شواهد في ترجمته من (التهذيب) وفي ترجمة موسى بن إسماعيل، فكأن الشافعي، لما ورد بغداد قصر في ذلك، وهذا أيضا مما يورث الوحشة، وقد كاتن الشافعي حسن الظن بإبراهيم بن آبى يحيى يكثر الرواية عنه، وابن معين والجمهور يكذبون ابن ابي يحيى، فلا بدع أن تجتمع هذه الأمور في نفس ابن معين فيقول في الشافعي: «لا أحب حديثه ولا ذكره» ولا يعطي ذلك معنى: «ليس بثقة» ولا تقارب. وقد روى الزعفراني وغيره عن ابن معين ثناء على الشافعي في الرواية كما تراه في (للتهذيب) و(تذكرة الحفاظ) وراجع ترجمة الزبير بن عبد الواحد الأسدابادي في. التذكرة) (١) . وقد كان الرواة الذين هم اثبت من ابن وضاح يخطئون على ابن معين، يتكلم السادسة من قسم القواعد ولعل هذا منه كما أو ضحته هناك. وإذا اختلف النقل عن إمام، أو اشتبه أو ارتيب فينظر في كلام غيره من الأئمة، وقضى فيما روى عنه بما ثبت عنهم، فإذا نظرنا كلام الأئمة في الشافعي لا نجد إلا البالغ ممن هو أكبر من ابن معين كابن مهدي ويحيى القطان، ومن أقران ابن
_________________
(١) قلت: وتجد توثيق ابن معين للأمام من غير رواية الزعفراني عند الخطيب في الجزء السابق (ق ١١/ ٢) .
[ ٢ / ٦٤٤ ]
فصل: محاولة الكوثري الطعن في فقه الشافعي
معين كالإمام أحمد وابن المديني، وممن هو بعده حتى قال أبو زرعة الرازي: «ما عند الشافعي حديث غلط فيه»، وقال أبو داود: «ليس للشافعي حديث غلط»، وقال النسائي: «كان الشافعي عندنا أحد العلماء، ثقة مأمونا» وأمثال هؤلاء كثير.
فتدبر ما تقدم ثم تصفح ما قيل في أبي حنيفة وأصحابه مما يثبت إسناده، ثم انظر كلمة الأستاذ هل تجد لها مسوغ، افرض أن لمحدثي الشافعية كلهم هوى في توثيق الشافعي وتليين مخالفية فهل يسوغ رد الحق لموافقته هواهم؟ أم هل يسوغ رد الحق لمخالفته هوى الكوثري؟ !
فصل
وكما حاول الكوثري الطعن في نسب الشافعي وفي فصاحته وفي ثقته، حاول الطعن في فقهه، قال الأستاذ ص ١٣٩ بعد أن ذكر ما روي عن الشافعي أنه قال: «أبو حنيفة يضع أول المسالة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها» قال الأستاذ: «لأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلا ففرع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة حتى ردها صاحباه، وهكذا فعل في كتاب (المزارعة) حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي فجعله أصلا ففرع عليه الفروع، ولكن ما هو من هذا القبيل من مسائل (؟) أبي حنيفة ربما لا يبلغ في العد (١) عدد أصابع اليد الواحدة، في حين أن ما عند ذلك العائب من هذا القبيل (؟) بحيث يحار فيه كبار الفقهاء من أهل مذهبه فتجدهم مضطربين فيما يختارون في المذهب بين قديم المسائل وجديدها ن وبين الأجوبة الشفعية المروية عن الإمام التي يقال فيها: فيها قولان ن فيشكون من عدم مشي الفروع على الأصول، وعدم الاطراد في التأصيل والتفريع، ومما ليس هذا موضع شرحه، وله محل آخر» .
_________________
(١) الأصل (العدد) فصححته من (التأنيب) . ن.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
وذكر (ص ١٣٧) (١) قول ابن ابي حاتم عن ابن عبد الحكم: «قال لي محمد بن إدريس الشافعي ك نظرت في كتب لأصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة ن فعددت فيها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنة» . قال الأستاذ: « بل لفرض أن متن الرواية مما أسر به الشافعي إلى محمد بن عبد الحكم على خلاف ما تواتر (؟) عن الشافعي أنه قال: الناس كلهم عيال فب الفقه » وعلى فرض أن أحد أصحاب ابي حنيفة أخطأ في غالب مسائل كتيب فماذا على ابي حنيفة من ذلك؟ والشافعي نفسه رجع عما حواه كتاب (الحجة) كله المعروف بالقديم وأمر بغسله والإعراض عنه ولولا أن الشافعي رأى قديته كله مخالفا للكتاب والسنة لما رجع هذا الرجوع ولا شدد هذا التشدد وذلك العالم المفروض خطاؤه لم يعترف بعد بالخطأ اعتراف الشافعي بخطئه في القديم وها هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ألف كتابا سماه: (ما خالف فيه الشافعي كتاب الله وسنة رسوله) فهل نصدقه فيما يقول بالنظر إلى مبالغة ابن خزيمة في الثناء عليه حيث يقول: ليس تحت قبة السماء أحد اعلم باختلاف الصحابة والتابعين واتفاقهم من محمد بن عبد الله بن الحكم » .
وقال ص ١١٩: «يوجد بين الئنة من يروي عنه أجوبة في مسالة واحدة كالروايات الست عن مالك في المسح على الخفين وكالأجوبة المشفعة (٢) في (الأم) للشافعي وأما مذهب ابي حنيفة فلا تجد في مسائل ظاهر الرواية إلا قولا واحدا منه في كل مسالة، وأما كتب النوادر فحكم مساءلها في جنب مسائل ظاهر الرواية كحكم القراءات الشاذة على أن قيمة روايات النوادر تقدر بأحوال رواتها» .
أقول: أما كلمة الشافعي الأولى فقد اعترف الأستاذ بما يوافقها وزيادة، فدل
_________________
(١) الأصل (١٣٢) وعليه آثار المحو والتصليح، والتصحيح من (التأنيب) . ن.
(٢) يعني المسائل التي للأمام الشافعي فيها قولان. ن
[ ٢ / ٦٤٦ ]
تلخيص مطاعن الكوثري والجواب عنها
مجموع كلامة على أن لأبي حنيفة كتبا من كتب الفقه وهي الأبواب العظيمة فيه ككتاب الوقف وكتاب المزارعة يرى الأستاذ أنها لا تزيد على خمسة كتب بناها أبو حنيفة على ما ليس بحجة وهو مع ذلك مخالف للحجة ثم فرع فروع تلك الكتب كلها على ذلك، فأصبحت فروع تلك الكتب كلها غير مقبولة، وزلم يرجع عنها أبو حنيفة ن وإنما ردها صاحباه من بعده، وأما كلمة لصحاب ابي حنبفة كتابا عدد أو راقه مائة وثلاثون، ثمانون منها مخالف للكتاب والسنة.
واعترف الأستاذ بالأولى اعتراف بإمكان هذه كأن يكون في ذلك الكتاب بعض تلك الكتب المردودة ككتاب الوقف وكتاب المزارعة مع كتاب آخرأة لاكثر.
وأما مطتعنة فب فقه الشافعي فيتلخص في أمور:
الأول: أنه رجع عن قديمه وأمر بغسله.
الثاني: أنه يذكر في المسألة قوانين ولا يرجع.
الثالث: أن فروع مذهبه يكثر فيها عدم الجريان على أصوله.
فأما الأول فالأستاذ يعلم قبل غيره أنه يركب فيه المجازفة الفاحشة والكذب المفضوح، فإنه يعلم أنه لا بد أن يكون في القديم كثير من المسائل الإجماعية التي يخالفها الشافعي أو لا ولا أخرا وكثير من المسائل التي لم يزل الشافعي موافقا فيها لمالك لأن عانة المسائل التي رجع عنها في الجديد كان في القديم موافقا فيها لمللك، وكثير من المسائل التي كان في القديم موافقا فيها للحنيفة واستمر على ذلك في الجديد. فبأي دين أم بأي عقل يقول الأستاذ: «رجع عما حواه كتاب (الحجة) كله»؟ !!!.
أما أمر الشافعي بغسل كتاب (الحجة) وأن لا يروي عنه إن صح فإنما هو - كما يعلم الأستاذ - لأنه كان فيه مسائل رجع عنها الشافعي، ولأنه لم يكن تهيأ له إتقان تهذيبه وترتيبيه واستيفاء الحجج وإيضاح البيان فيه، وعلم أن جميع ما فيه عدا المسائل التي رجع عنها قد ضمنه كتبه الجديدة مع سلامتها من تلك النقائص
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وزيادتها لحجاج وأصول وفروع لا تحصى، فلم ضمنه كتبه الجديدة مع سلامتها من تلك النقائص وزيادنها لحجاج وأصول وفروع لا تحصى، فلم ير لبقائه وروايته عنه فائدة بل فيه مضرة ما، كأن يغتر بعض أتباعه ببعض المسائل التي رجع عنها أو يغتر مخالفة بما فيه من تقصير في الاحتجاج في بعض مسائل الخلاف فيتوهم أنه لا حجة للشافعي إلا ما في ذلك الكتاب. وهذا أمر بغاية الوضوح يخجل صاحب العلم من سرحه ولكن ماذا نصنع بالأستاذ؟ ويحاول التلبيس على الجهال فيضطرنا إلى أن نشرح القضية كأننا نشرحها لأجهل الناس، ويضيع وقته ووقت غيره، كأنه لا يوقن أنه مسؤول عن عمره فيم أفناه؟
وأما الأمر الثاني، فقد ذكر محققوالشافعية أن ذلك إنما وقع للشافعي في ستة عشر أو سبعة عشر موضعا فقد يكون الشافعي يرى رجحان أحد لبقولين وإنما لم ينص على ذلك ليلجئ أصحابه إلى النظر والتدبر ليكون ذلك أعون لهم على تحصيل ملكة الاجتهاد التي يتمكنون بها من النظر لأنفسهم فبما ذكره الشافعي وفيما لم يذكره وهذا كان مقصوده الأعظم من تأليف الكتب. قال المزني أول مختصر: «اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهية عن تقليد وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه» ويقرب من هذا ما تراه في كتب التعليم من إيراده عدة أسأله بدون حلها تمرينا للطالب ليعمل فكره في حلها. وقد لا يكون تمكن في الوقت من استيفاء النظر ولم تكن القضية واقعة حتى يلزمه استفياء النظر فيقع في مثل ما ذكره الأستاذ في (التأنيب) ص ١٢٣ عن حفص بن غياث قال: «كنت أجلس إلى أبي حنيفة فأسمعه يسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيبقى فيها بخمسة أقاويل» !
وأما الأمر الثالث، فلا ريب أن في مذهب الشافعي فروعا يتعسر على أصوله ولكن ما فيه من هذا القبيل لا يكاد يذكر في جانب ما في مذهب أبي حنيفة ن وكل عارف بفقه المذهبين وأصولهما يعرف الحقيقة وليس هذا موضع بسطها، ومن اطلع على قسم الفهيات من كتابنا هذا اتضح له الأمر. وكذلك ما
[ ٢ / ٦٤٨ ]
فصل: زعم الكوثري أن علم الشافعي مستفاد من محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة
زعمه الكوثري من حيرة فقهاء الشافعية واضطرابهم ليس بالنسبة إلى ما وقع لفقهاء الحنفية، ومن شاء فليطالع كتب الفقه في المذهبين بل يكفيه أن ينظر أول مسالة من قسم الفقهيات وهي مسألة ضرورية من مبادىء الطهارة ارتبك فيها الحنفية أشد الارتباك، وما ذكره من كتب ظاهر الرواية عندهم ليس بشيء، ولأن كتب ظاهر الرواية يقع فيها الإختلاف.
وأما كتاب ابن عبد الحكم فلم يعترف الشافعية بصدقه كما اعترف الكوثري وغيره بصدق كلمة الشافعي كما مر، والعلم باتفاق الصحابة والتابعين واختلافهم لا يستلزم جودة النظر وصحة الفهم للترجيح فيما اختلفوا فيه ن واستنباط حكم ما لم ينقل عنهم فيه شيء، والأستاذ وكل ذي معرفة يتحقق آن البون في هذا بين الشافعي وابن عبد الحكم بعيدا جدا، وإن كان الشافعي غير معصوم عن الخطأ، وابن عبد الحكم غير محجوب البتة عن الإصابة.
وأما ما نقل عن الشافعي أنه قال: «الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة» فلم يتواتر كما زعم الأستاذ. ولو شيءنا لقلنا نقتصر هنا على ما يعترف به الأستاذ وهو أن أبا حنيفة إذا عرف الأصل أحسن في التفريع وأجاد ن وإذا لم يعرف الأصل أو لم يأخذ به وقع في التخطيط كما وقع له في الكتب التي تقدم ذكرها، ويقول الأستاذ: إنها لا تجاوز الخمسة فثناء الشافعي بحسب الضرب الأول وانتقاده بحسب الضرب الثاني. وأما ما يتعلق بمحمد بن الحسن فيعلم فيه مما يأتي.
فصل
عرف الأستاذ أن مطاعنة في الشافعي لا تؤثر الأمر الذي يهو اء أو لا تؤثر البتة، فحاول تحصيل بعض مقصوده من جهة أخرى، وهي زعمه أن علم الشافعي مستفاد من محمد بن الحسن تلميذا أبي حنيفة، وسأشرح ملخصا مبدأ الشافعي إلى اجتماعه بمحمد بن الحسن وما جرى له معه فأقول:
[ ٢ / ٦٤٩ ]
زعم الكوثري أن محمد بن الحسن درب الشافعي على الأخذ والرد
ثبت بالروايات الجيدة أن الشافعي شرع طلب العلم وستة نحوعشر سنين فأخذ عن علماء مكة والمدينة، وخرج غير مرة إلى اليمن، واقام بالبادية مدة، وكان فيمن أخذ عنه من الفقهاء بمكة من كان يشارك في طريقة أهل العراق كسعيد بن القداح، وكان الشافعي يبحث مع من يقدم مكة من علماء الآفاق. وفي (توالي التأسيس) ص ٥٨: «قال زكريا الساجي: حدثنا الزعفراني قال: حج بشر المريسي «الحنفي» إلى مكة ثم قدم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلا ما رأيت مثله ولا مجيبا، يعني الشافعي، (١) قال: فقدم الشافعي علينا بعد ذلك فاجتمع إليه الناس فجئت إلى بشر فسألته فقال: إنه قد تغير عما كان عليه » وفيها ص ٥٦ «وأخرج الآبري من طريق الزعفراني قال: كنا نحضر مجلس بشر المريسي فكنا لا نقدر على مناظرته، فقدم الشافعي فأعطانا كتاب الشاهد واليمين فدرسته في ليلتين ثم تقدمت إلى حبقة بشر فناظرته فيه فقطعته، فقال ليس هذا من كيسك، هذا من كلام رجل رأيته بمكة معه نصف عقل أهل الدنيا» . بقي الشافعي نحوعشرين سنة بالحجاز ثم ولي بعض الولايات باليمن، وفي (توالي التأسيس) ص ٧٨ «قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إدريس وراق الحميدي حدثنا الحميدي قال: قال الشافعي ثم نجران وبها بنوالحارث بن عبد المدان وموالى ثقيف وتظلم عندي أناس كثير وقلت: اجمعوا لي سبعة يكون من عدلوه عدلا ومن جرحوه مجروحا، ففعلوا حتى آتيت على جميع الظلامات، فلما انتهيت جعلت أحكم واسجل حتى حملت إلى العراق ن وكان محمد بن الحسن جيد المنزلة عند الخليفة فاختلفت غليه ن وقلت هو أولى من حهة الفقه، فلزمته، وكتبت عنه وعرفت أقاويلهم ن وكان إذا قام ناظرت أصحابه، فقال لي ك بلغني انك تناظر فناظرني في الشاهد واليمين، فامتنعت، فألح علي، فتكلمت معه، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأعجبه ووصلني» وقد ذكر الأستاذ ص ١٨٤ طرفا من هذه
_________________
(١) قلت / إلى هنا رواه الخطيب في «جزء الاحتجاج بالشافعي » . ق ١٠ / ١) من طريق الحسن بن سعيد جعفر النصري. قال أبو نعيم ك «في حديثه وفي روايته لين»، وترجمته في «الميزان» و«اللسان» . ن.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
الحكاية ثم حملها مالا تطيق، فمن جملة ما قاله: «وبها يعلم أن محمد بن الحسن بعد أن درب (؟) الشافعي على الأخذ والرد هكذا رفع حديثه إلى الرشيد» .
أقول: الشافعي مدرب من بيته كما تقدم ورافع الحديث إلى الرشيد غير محمد كما تعينه عدة روايات أخرى ن والشافعي إنما جالس محمدا ليأخذ عنه كتبهم سماعا ليعرف أقوالهم، ومغزاه في ذلك أمران:
أحدهما: ما صرح به في بعض الروايات أنه أحب إن يعرف اقاويلهم وما يحتجون به ليتمكن من الرد عليهم فيما يراه خطأ ومناظرتهم فيه ن فإن عماد المناظرة أن يحتج على المخالف بأقواله لإنه قد يحتج بما ليس بحجة فيقال له ك إن كانت هذه حجة فلم خالفتها في موضع كذا وموضع كذا؟ وقد يرد الحجة فيقال له ك فقد احتججت بها أو بمثلها في موضع كذا وموضع كذا. ولا تكاد تخلومناظرة من مناظرات الشافعي من هذه الطريقة.
المغزى الآخر مغزى كل عالم متدين، وهو أن يعرف ما يحتجون به فربما وقف على حجة لم يكن قد عرفها أو على ما يدل على خلل في دليل كان يستدل به، أو نظر قد كان يعنمده وهذا لا يأنف منه المجتهد المتدين ن فإن غالب حجج الفقه ظنية لا يأمن المجتهد إن يخطئ وأن يكون عند غيره ما ليس عنده. فالحق إن الشافعي سمع بعض الكتب من محمد على سبيل الرواية، والعالم قد يسمع ممن هو فوقه وممن مثله وممن هو دونه. وقد يكون حضر بعض دروس محمد للمغزى المتقدم، كل ذلك والشافعي باق على مذهبه لم يقلد محمدا ولا تابعه متابعة التلميذ المطلق لأستاذه، بل كان محمد إذا قام ناظر الشافعي أصحاب محمد يقرر لهم مذهبه ويحتج عليه ويفند ما استدل به محمد وغيره. أما تأبيه أول من مناظرة محمد فمن كمال عقله ووفور أدبه، لأنه كان محتاجا إلى سماع تلك الكتب ومعرفة أقاويل القوم ن فخشى إن يتكدر محمد فيتعسر عليه، وقد جاء انه تعسر عليه في كتاب فكتب إليه أبياتا أثنى عليه فيها وقال فيها:
[ ٢ / ٦٥١ ]
بيان أن المناظرات التي في (الأم) منها ما هو مع محمد بن الحسن وأنه كان لها أثر في الرجلين
العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله
لعله يبذله لأهله لعله
قال الشافعي: «فحمل محمد الكتاب في كمه وجاء به معتذرا من حينه» .
ومن الأثقال التي حملها الأستاذ تلك الرواية قوله «فبهذه الرواية يعلم إن ما في (الأم) من محادثات للشافعي مع بعض الناس ليس مناظرة للشافعي مع محمد بن الحسن بل مع بعض أصحابه على خلاف ما توهمه بعضهم» .
أقول: من مكارم أخلاق الشافعي وكمال عقله وصدق إخلاصه أن غالب ما يسوقه من المناظرات لا يسمى من المناظر، ولأن مقصوده إنما هو تقرير الحق ودفع الشبهات وتعليم طرق النظر. وتسمية المناظر يتوهم فيها حظ النفس كأنه يقول: ناظرت فلانا المشهور فقطعته، وفيها غض من المناظر بما يبين من خطائه. والواقع أن المناظرات التي في (الأم) وغيرها من كتب الشافعي، منها ما هو مع محمد بن الحسن، ومنها ما هو مع بعض أصحابه في حياته أو بعد وفاته، وربما صرح الشافعي باسم محمد بن الحسن» كما تراه في (الأم) ج ٧ ص ٢٧٨ السطر الأول وص٢٨٣ السطر ٢٤ وص ٣٠٠ السطر ٣٠٠ والسطر ١٥ وساق ج ٣ ص ١٠٦ المناظرة مع غير مسمى ثم قال في أثنائها آخر الصفحة: «وقلت لمحمد بن الحسن أنت أخبرتني عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب » وإنما صرح به لئلا يكون رواية عن مجهول، ثم صرح به الصفحة الثانية السطر ١٦ لأنه قد عرف سابقا فلم يبق معنى لإيهامه وانظر ج ٧ ص ٨٢. وربما لم يسمعه ولكن يكني عنه بما يعلم أنه محمد بن الحسن كما في ج ١ ص ٢٣١ وج ٤ ص ٥ ود ٧ ص ٧٩ وربما يكون في السياق ما يدل أنه محمد بن الحسن كما في ج ١ ص ٥٦ وج ٣ ص ١٨٩ وج ٤ ص ١٧ وج ٥ ص ١١٩. هذا ومناظرته لمحمد في الشاهد واليمين مشهورة في تلك الرواية وغيرها ومع ذلك ساقها الشافعي في (الأم) ولم يسم مناظرة، ومن المناظرات ما يدل السياق أنها مع غير محمد كما في
[ ٢ / ٦٥٢ ]
ج ٣ ص ١٩٥ و٢٧٥ ومنها ما هو على الاحتمال، وإنما تأبى الشافعي أو لا لما سبق، فلما عرف غنصاف محمد واغتبط محمد بمناظرته كثرت المناظرات بينهما. وفي (توالي التأسيس) ص ٧١ من طريق «أبي حسان الحسن بن عثمان الزيادي قال: كنت في دهليز محمد بن الحسن فخرج محمد راكبا فنظر فرأى الشافعي قد جاء فثنى رجله ونزل وقال لغلامه: أذهب فاعتذر، فقال له الشافعي / لنا وقت غير هذا، قال: لا، وأخذ بيده فدخلا الدار / قال أبوحسان: وما رأيت محمدا يعظم أحدا إعظام الشافعي» .
ومن تدبر مناظرات الشافعي لمحمد وجدها مناظرة الأكفاء، وعلم منها أن الشافعي كان حينئذ مجتهدا كاملا، وأن محمدا كان مع مكانته من الفقه والسن والمنزلة من الدولة وكثرة الأتباع على غاية من الإنصاف في البحث والنظر. والإنصاف أنه كان لتلك المناظرات أثر في الرجلين فاتفقا على مسائل رجع فيها الشافعي عما كان يتابع فيه مالكا، أو رجع محمد عما كان يتابع فيه أبا حنيفة، ومن تصفح كتب الحنفية التي يذكر فيها قول الشافعي ظهر له صحة ما قلنا، وواضح أنه لا يلزم من هذا أن يتفقا في جميع المسائل التي تناظرا فيها.
ومن براعة الشافعي الفائقة ومهارته الخارقة أنه يجمع في مناظراته بين لطف الأدب وحسن العشرة واستيفاء الحق حتى في التشنيع، ساق في كتاب (اختلاف الحديث) بابا تراه في هامش (الأم) ج ٧ ص ١٠٥- ١٢٥ في أحكام الماء وفيه ذكر القلتين وغير ذلك الأحاديث ومناظرة مع من لم يسمعه، لكن يتبين بالسياق أنها ولا إجماعا ولا قياسا، ولقد قلتم فيه أقاويل لعله لوقيل لعاقل: تخلطا، فقال ما قلتم لكان قد أحسن التخاطؤ» ! ثم ذكر الأحاديث وسأله: ^ ٤٢٣
أثابتة هي؟ فاعترف بثبوتها فقال ص ١١٦: «فقلت له: لقد خافتها كلها وقلت قولا اخترعته مخالفا للأخبار خارجا من القياس، قال: وما هو؟ قلت: اذكر القدر قال: الذي إذا حرك أدناه لم يضطرب اقصاه» فأجابه، ثم ساق الكلام إلى أن قال ص ١٢٠:
[ ٢ / ٦٥٣ ]
مناظرة لطيفة له مع بعضهم وأدبه فيها
«قلت إني لأحسبكم لو قال هذا غيركم لبلغتم به أن تقولوا القلم عنه مرفوع! فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ»، ثم ساق إلى أن قال ص ١٢١- ١٢٢: «فقال: ما أحسن قولكم في الماء؟ قلت: أفترجع إلى الحسن؟ فما علمته رجع » .
ومن لطائفه ما تراه في (الأم) ج ٦ ص ١٦٠ ذكر مناظرته مع بعضهم إلى أن قال: «وكانت حجته في أن يقتل المرأة على الردة شيئا رواه عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس وكلمني بعض من يذهب هذا المذهب وبحضرتنا جماعة من أهل العلم بالحديث، فسألناهم عن هذا الحديث فما علمت واحدا منهم سكت عن أن قال: هذا خطأ، والذي روى هذا ليس ممن يثبت أهل العلم حديثه، فقلت له: قد سمعت ما قال هؤلاء الذين لا شك في علمهم بحديثك قال م إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس » فكأن الشافعي كان متوقعا البحث في ذاك المجلس عن هذه المسألة، وأن يستدل مناظره بحديث أبي حنيفة عن عاصم، وكره الشافعي أن يقول هو في أبي حنيفة شيئا يسوء صاحيه، وكان لا بد له من بيان آن الحديث أن يحضروا المجلس ليكون الكلام في أبي حنيفة منهم، ولعله أتم اللطف بأن أظهر انه لم يتواطأ معهم على الحضور! وألطف من هذا أنه حافظ على هذا الخلق الكريم في حكايته المناظرة في كتابه وهو بمصر بعيدا عن الحنفية فقال: «رواه عن عاصم» وترك تسمية الراوي عن عاصم وهو أبو حنيفة، وقال في حكاية قوله الجماعة: «والذي روى هذا» ولم يقل: «وأبو حنيفة» - وقد حاول التركماني استغلال هذا الأدب فقال في (الجوهر النقي) «أبو رزين صحابي، وعاصم وإن تكلم فيه بعضهم، قال الدارقطني: في حفظه شيء وقال ابن سعد: ثقة ن إلا أنه كثير الخطأ في حديثه، فإن ضعفوا هذا الأمر لجله فالأمر فيه قريب فقد وثقه جماعة وإن ضعف لأجل أبي حنيفة فهو وإن تكلم فيه بعضهم فقد وثقه كثيرون
[ ٢ / ٦٥٤ ]
وأخرج له ابن حبان في (صحيحه) » أطنب في مدح أبي حنيفة إلى إن قال: «وذكر أبو عمر في. التمهيد) أن أبا حنيفة والثوري رويا هذا الأثر عن عاصم ن وكذا أخرجه الدارقطني بسند جيد عنهما عن عاصم وأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) عنه فقد تابع الثوري أبا حنيفة..» كذا قال، وسعى جهده في قلب الحقائق فذكر أو لا أن يكونوا أرادوا عاصما ومهد لذلك بأن ذكر غمز الدارقطني وابن سعد له، ولما ذكر أبا حنيفة لم يذكر شيئا من كلامهم فيه. وإنما اكفى بخطفه مجملة ثم راح يطنب في إطرائه. وذكر إخراج ابن حبان في (صحيحه) ونسى كلام ابن حبان في أبي حنيفة في (كتاب الضعفاء) كما يأتي في ترجمة ابن حبان وغرضه أن يوقع في نفس القرىء. ترجيح أنهم أرادوا عاصما أرادوا أبا حنيفة وأعرض عما رواه البيهقي نفسه في ذاك الموضع « أحمد بن حنبل ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت سفيان عن حديث عاصم في المرتدة فقال: أما من ثقة فلا» . وحكى عن (التمهيد) ولا أشك أن صاحب (التمهيد) قد أو ضح أن الثوري إنما سمعه من أبي حنيفة ثم حكى عن الدارقطني، والذي في (سنن الدارقطني) المطبوع ص ٣٣٨ « عبد الرزاق عن سفيان عن ابي حنيفة عن عاصم » نعم ذكروا أن عبد الرزاق رواه في (مصنفه) «عن سفيان عن عاصم» ولا يبعد أن يكون سفيان إنما قال: «يحكى عن عاصم» أو نحو ذلك فأطلق بعضهم «سفيان عن عاصم» اتكالا على أنه لا مفسدة في هذا لاشتهار سفيان بالتدليس فلا فلا يحمل على السماع كما قدمت شرحه في ترجمة حجاج بن محمد، وقد ساق الخطيب في (تاريخه) بعض ما يتعلق بهذا الحديث فاكتفى الأستاذ بالتبجح بأن سفيان قد روى عن ابي حنيفة! وقد روى ابن ابي حاتم في ترجمة الثوري من (تقدمه الجرح والتعديل) عن صالح بن أحمد بن حنبل عن علي ابن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قال: «سألت سفيان عن حديث عاصم في المرتدة فانكر وقال: «ليس من حديثي» وقد أعل ابن التركماني بعض الأحاديث بان الثوري مدلس، وتغافل عن ذلك هنا مصرا على إن الثوري قد تابع أبا حنيفة. وإذا تسامح العالم نفسه مثل هذه المسامحة، فالجاهل خير منه بألف درجة! والمقصود هنا بيان كرم أخلاق الشافعي ﵀.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
١٩٠- محمد بن أبي الأزهر
ومع مراعاة الشافعي للحنفية إلى حد الذي رأيت وإطلاقه الكلمة التي تكاد تكون رأس مالهم «الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة» ومجاملة أصحابه لهم حتى آلف جماعة منهم في مناقب الحنفية كان جزاؤه من الأستاذ ما تقدم. فأما الخطيب فإنما سرد أقوال الناس في الغض كما ساق ما روي في المناقب وذلك واجبه من جهة أنه مؤرخ ومحدث ن ومع ذلك فأعرض سائر الشافعية عما نقله الخطيب بل منهم من عرضه ومنهم من عارضه ومنهم من رد عليه كما حكاه الأستاذ، ولما تعرض للرد عليه الملك عيسى ومأجورة السبط وفي ردهما ما فيه من التهافت لم يعرض لهما أحد من لم يخلق كما تقدم، وفيه إن واحدا منهم ذكر إن مسعود بن شيبة مجهول، وبالجملة فإن مجاملة الشافعية للحفية بلغت حد الادهان ن فحسبها الأستاذ استكانة لا حراك بعدها ن فصنع ما صنع، ولم يدر أن للصبر حدا وأن للحق أنصارا، وأن وراء الأئمة رجالا، وقد جريت في كتابي هذا على المجاملة ما أمكن ن وأعددت لاستيفاء الحق عدته إن ألجئت إليه. والله المستعان.
١٩٠- محمد بن أبي الأزهر. تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة إسحاق بن إبراهيم.
قال الأستاذ ص ١٧٦: «يقول عنه الخطيب نفسه ج ٣ ص ٢٨٨: «كان كذابا قبيح الكذب ظاهره. اهـ. فظهر أن الخطيب فيما عزاه إلى أبي يوسف من الاحتيال بهات شنيع البهت ظاهرة» .
أقول: قد يعرف صدق بعض أخبار الكذاب بدللة، وأشهر الرواة بالكذب محمد بن السائب الكلبي ومع ذلك روى عنه ابن جريج والسفيانان وابن المبارك وغيرهم من الآجلة، وكان الثوري يحذر منه ويروي عنه ويروي عنه فقيل له في ذلك؟ فقال: أنا اعرف صدقه من كذبه.
ورووا عنه في التفسير وغيره فما بالك بالتاريخ الذي تدعوالحاجة إلى تزيينه بالحكايات المستظرفة. وراجع ما تقدم في ترجمة إسحاق.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
١٩١- محمد بن إسحاق بن خزيمة
١٩٢- محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري صاحب (الصحيح)
١٩١- محمد بن إسحاق بن خزيمة. تعرض له الأستاذ ص ١٩ ولا دخل له هناك وإنما جرت الأستاذ عقليته الجبارة وعدؤه للحق وأهله إلى إن تطرق من الكلام في الحافظ أحمد بن علي الابار إلى الكلام في الحافظ دعلج مع أنه لا دخل لدعجل هنا ثم قال: «ودعلج كان على مذهب ابن خزيمة في اعتقاد والفقه ن واعتقاد ابن خزيمة يظهر من كتاب (التوحيد) وعنه يقول صاحب (التفسير) أنه كتاب الشرك فلا حب ولا كرامة» (أقول: نفسك ظلمت، وغياها حرمت ن أما صاحب التفسير وهو الفخر الرازي فقد ظهر منه بأخرة التوبة والإنابة، كما ذكرناه في (الاعنقاديات) ومنها يعرف حال الإمام ابن خزيمة وكتابه، وحال مبغضيه.
١٩٢- محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري صاحب (الصحيح) . قال الأستاذ ص ٤٨: «وأما قوله في (تاريخ الكبير): كان «أبو حنيفة» مرجئا سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه فبيان لسبب إعراض من أعرض عنه، على أن إرجاءه هو محض السنة رغم تقولات جهلة النقلة، فالمعرض عنه، إما خارجي يزكي مثل عمران بن حطان وحريز بن عثمان، أو معتزلي قائل بالمنزلة بيت المنزلتين» .
أقول: قد تقدم مراد البخاري بقوله في بعض الرواة: «سكتوا عنه» في ترجمة إسحاق الحنيني، فأما إرجاء ابي حنيفة فقد نظرنا فيه في (الاعتقاديات)، وبذلك تنكشف مغالطة الأستاذ. على أني سلكت هناك سبيل المجاملة وليس هذا موضع استيفاء الحق. وأما عمران وحريز فقد اتفق أهل العلم على أنهما من اصدق الناس في الرواية ن وقد جاء انهما رجعا عن بدعتيهما ن وذكر البخاري رجوع حريز في ترجمته من (التاريخ) ن ولم يحتج البخاري بعمران إنما ذكره في المتابعات في حديث واحد. ولعمري إن محاولة الأستاذ في دفاعه عن أبي حنيفة الطعن في أئمة الإسلام كسفيان الثوري وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وعبد الله بن الزبير الحميدي والإمام أحمد بن حنبل والإمام أبي عبد الله البخاري وغيرهم من الأئمة لأضر على أبي حنيفة من
[ ٢ / ٦٥٧ ]
١٩٣- محمد بن إسماعيل أبو إسماعيل الترمذي
كلام هؤلاء الأئمة فيه، ولو قال قائل: لا يتأتى تثبيت أبي حنيفة إلا بإزالة الجبال الرواسي لكان أخف على ابي حنيفة ممن يقول لا يتأتي محاولة ذلك إلا بالطعن في هؤلاء الأئمة، وإن صنيع الكوثري لأضر على أبي حنيفة من هذا كله، لأنم الناس يقولون الكوثري عالم مطلع، كاتب بارع، إن أمكن أحدا الدفاع عن أبي حنيفة فهو، ولوأمكنه ذلك بدون الطعن في هؤلاء الأئمة ودون ارتكاب المغالطات الشنيعة لكان من ابعد الناس عن ذلك. هذا وفضائل البخاري معروفة حتى قال ابوعمروالخفاف وهو من الحفاظ كما في (أنساب ابن السمعاني): «حدثنا التقي النقي العالم الذي لم أر مثله محمد بن إسماعيل وهو أعلم بالحدبث من إسحاق وأحمد وغيرهما بعشرين درجة. من قال فيه شيئا فعليه مني ألف لعنة» .
١٩٣- محمد بن إسماعيل أبو إسماعيل الترمذي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٨ من طريق جماعة عنه «حدثنا ابوتوبة حدثنا الفزاري قال ك سمعت الأوزاعي وسفيان يقولان ما ولد في الإسلام مولود اشأم عليهم - وفي رواية شر عليهم - من أبي حنيفة» قال الأستاذ ص ١١١: «تكلم فيه ابوحاتم» وفي (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٣ من طريقه «حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا عبد الله بن المبارك قال: من نظر في كتاب (الحيل) لأبي حنيفة أحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله» قال الأستاذ ص ١٢١: «قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه» .
أقول: لم يتكلم فيه أبو حاتم وإنما قال ابنه ك «تكلموا فيه» ولا يدري من المتكلم ولا الكلام ن وقد وثقه النسائي ومسلمة والدارقطني وغيرهم ن فهو ثقة حتما. (١)
١٩٤- محمد بن أعين أبو الوزير (راجع الطليعة) ص ٣١- ٣٤. روى
_________________
(١) قلت: بل هو من الحفاظ الكبار، أورده الذهبي في (التذكرة) ٢ / ١٦٣ ووصفه «الحافظ الكبير الثقة. وقال الخطيب: كان متقنا مشهورا بمذهب السنة » . وقال الحافظ في (التقريب ٩: -- ثقة حافظ، لم يتضح كلام ابن أبي حاتم» . ن
[ ٢ / ٦٥٨ ]
الخطيب في (التاريخ) من طريق أبي الوزير عن ابن المبارك فزعم الأستاذ في (التأنيب) أن أبا الوزير هو عمر بن مطرف فكشف مغالطته في (الطليعة) وأوضحت أنه محمد بن أعين، فرأى الأستاذ أنه لا فائدة في المكابرة فعدل في (الترحيب) إلى محاولة توهين بن أعين فقال: «توثيق ابن حبان على قاعدته وكون المرء خادما أو كاتبا أو وصيا أو معتمدا عنده في شيء ليس بمعنى توثيقه في الرواية عندهم، وقول الناقد: أحمد بن حنبل لا يروي إلا عن ثقة. رأي مبتكر، وروايته عن مثل عامر بن صالح معروفة.
أقول: قاعدة ابن حبان يأتي تحقيقها في ترجمته وبذلك يعرف أن توثيقه لابن أعين من التوثيق المقبول، وابن أعين قالوا: «أوصى إليه ابن المبارك وكان من ثقاته» وابن المبارك كان رجلا في الدين، رجلا في الدنيا فلم يكن ليعتمد بثقته في حياته وإيصائه بعد وفاته إلا إلى عدل أمين يقظ لا يخشى منه الخطأ في حفظ وصاياه وتنفيذها، فهذا توثيق فعلي قد يكون أبلغ من التوثيق القولي، غاية الأمر أنه قد يقال: ليس من الممتنع أن يكون ابن أعين ممن ربما اخطا في المواضع الملتبسة من الأسانيد، وهذا لا يضر هنا، لأن روايته في (تاريخ بغداد) إنما هي واقعة لابن المبارك على أن ذاك الاحتمال يندفع برواية أحمد وتوثيق ابن حبان، وأنه لم يتعرض أحد بغمز لابن أعين في روايته؛ وكون أحمد لا يروي إلا عن ثقة لم أقله، وإنما قلت: «ورواية أحمد عنه توثيق لما عرف من توقي أحمد» ومع ذلك فقد نص ابن تيميه والسبكي في (شفاء السقام) على أن أحمد كان لا يروي إلا عن ثقة. وفي (تعجيل المنفعة) ص ١٥ و١٩ وغيرهما ما حاصله أن عبد الله بن أحمد كان لا يكتب في حياة أبيه إلا عمن أذن له أبوه ن وكان أبوه لا يأذن له بالكتابة إلا عن الثقات. ولم يكن أحمد ليترخص أنفسه ويشدد على ابنه، وفي (فتح المغيث) ص ١٣٤: «تتمة ممن كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر الأمام أحمد وبقي بن مخلد » وقوله: «إلا في النادر» لا يضرنا، إنما احترز بها لأن بعض أولئك المحتاطين قد يخطئ في التوثيق فيروي عمن يراه ثقة وهو غير ثقة، وقد يضطر إلى
[ ٢ / ٦٥٩ ]
١٩٥- محمد بن بشار بندار
حكاية شيء عمن ليس بثقة فيحكيه ويبين أنه ليس بثقة. والحكم فيمن روى عنه أحد أولئك المحتاطين أن يبحث عنه فإن تكون توثيقا، وإن وجد أن الذي روى عنه قد جرحه تبين أن روايته عنه كانت على وجه الحكاية فلا تكون توثيقا، وإن وجد أن غيره جرحه جرحا أقوى مما تقتضيه روايته عنه ترجح الجرح. وإلا فظاهر روايته عنه التوثيق، وابن أعين لم يغمزه أحد، ولا أحمد ولا غيره، بل وثقه ابن المبارك توثيقا فعليا كما سلف، ووثقه ابن حبان. فأما عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير فلم يقتصر أحمد على الرواية عنه، بل وثقه بالقول كما في ترجمته من (التهذيب) وغيره، فإن ترجح توثيق أحمد فذاك، وإن ترجح جرح غيره لم يضرنا لأن من كان شأنه إصابة اخطأ في النادر ثم جاء عنه مالا يعلم أنه أخطأ فيه، فهو محمول على الغالب، وهو الإصابة، سواء أكان محدثا أم ناقدا أم قاضيا أن مفتيا كما هو معروف وقد جاء عن ابن معين الذي جرح عامرا هذا أنه قيل له ك إن أحمد يحدث عنه، فقال ابن معين ك «ماله، جن؟ !» وهذا يدل أوضح دلالة على أن ابن معين يعرف من أحمد أنه لا يروي إلا عن ثقة.
فإن كنت لما كتبت ما كتبت في (الطليعة) استحضرت هذه النقول أو بعضها، وإن كنت بنيت على ما عرفته بالممارسة من حال الأمام أحمد فذاك أكمل، وعلى كلا الحالين فقد تبين أنه ليس برأي مبتكر، كما زعم الكوثري. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (١)
١٩٥- محمد بن بشار بندار. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٧ من طريقة: «سمعت عبد الرحمن «بن مهدي» يقول: كان بين ابي حنيفة وبين الحق حجاب» . قال الأستاذ ص ٣٢: «تكلم فيه الأقدمون إلى أن اتهموا بالكذب وسرقة الحديث، ثم استقر عمل المتأخرين على الانتقاء من رواياته» .
_________________
(١) محمد بن أيوب بن هشام. راجع (الطليعة) ص ١٢ - ١٩. محمد بن أيوب الذراع تقدم في ترجمة عبد الله العتكي.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
أقول: هذا ثقة جليل وثقة أبو حاتم مع تشدده والنسائي والذهلي ومسلمة وابن خزيمة وكان يسميه: «إمام زمانه» وآخرون، واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة. وفي (التهذيب) عن (الزهرة): «روى عنه البخاري مائتي حديث وخمسة أحاديث، ومسلم أربعمائة وستين» . ولم يتهمه أحد بالكذب بالمعنى المتبادر ولا بسرقة الحديث، وفي ترجمة محمد بن المثنى أبي موسى الزمن من (التهذيب) وغيره عن السلمي عن الدارقطني أن عمرو بن علي الصيرفي سئل عنه وعن بندار هذا فقال: «ثقتان يقبل منهم كل شيء إلا ما تكلم به أحدهما في الآخر» يعني لأنه كانت بينهما منافسة. والدارقطني لم يدرك عمرو بن علي ولكن الاستشهاد بمثل هذا مقبول. وقال عبد الله بن محمد بن يسار: سمعت عمرو بن علي يحلف أن بندارا يكذب فيما يروي عن يحيى، قال ابن سيار: وبندار وأبو موسى ثقتان، وأبو موسى اصح» وإنما أراد عمرو بن علي بالكذب الوهم والخطأ بدليل أنه قد جاء عنه توثيق بندار كما مر، وأن الراوي عنه وهو ابن سيار وثق بندارا، وإنما رجح آبا موسى عليه ن وقد كانت بين عمرو بن علي وبندار مخاشنة، ففي ترجمة عمرومن (التهذيب): «حدث عمرو بن علي عن يحيى القطان فبلغه أن بندارا إلى أن قال ك ما نعرف هذا من حديث يحيى، فقال أبوحفص «عمروابن علي»: وبلغ بندار إلى أن يقول: ما نعرف؟ !» فهذا قضى عمرو بن علي بندار وأنى موسى أن لا يقبل كلام كل منهما في الآخر فقد قضى على نفسه ن والحق انه أراد إنما أراد الوهم والخطأ. وقد قال الأستاذ ص ١٦٣: «الإخبار بخلاف الواقع هو يكذب ما لم يفسر وجه كذبة » وفي (التهذيب): «قال عبد الله بن علي ابن المديني: سمعت أبي وسألته عن حديث رواه بندار عن ابن مهدي عن أبي مهدي عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «تسحروا فإن في السحور بركة»؟ فقال: هذا كذب، وأنكره أشد الإنكار، وقال: حدثني أبو داود: «موقوفا»، يعني ليس فيه: «عن النبي ﷺ»، وقد رواه النسائي عن بندار مرفوعا، ثم قال: «وقفه عبيد الله بن سعيد» ثم رواه من طريقة: موقوفا، والمتن ثابت عن النبي ﷺ من حديث أنس
[ ٢ / ٦٦١ ]
وهو في (الصحيحين) وقد روي من حديث أبي هريرة، والخطأ في مثل هذا يقع كثيرا من الثقات، وإنما أراد ابن المديني أن رفعه من تلك الطريق غير واقع، لا أن بندارا تعمد الكذب، وهذا واضح، فبندار قد يقع له الخطا في مظانه كالحديث المذكور.
وأما سرقة الحديث فإنما أخذها الأستاذ مما روي عن أبي موسى أنه سبق بندارا إلى تصنيف حديث داود بن أبي هند ثم قال ك هنا قوم لوقدروا أن يسرقوا حديث داود لسرقوه - يعني بندارا - وإنما كانت بين الرجلين منافسة فأراد أبو موسى أن بندارا يحسده على السبق إلى تصنيف حديث داود حتى لوأمكنه أن يسرق ذاك الكتاب ليفقده أبا موسى لفعل.
وليس هذا من سرقة الحديث في شيء، ولم يقع من بندار لا هذا ولا ذاك، ولا هو ممن يقع منه ذلك، وإنما بالغ أبو موسى كما لا يخفى. ومع هذا لم يكن بين الرجلين بحمد الله ما يسمى عداوة، وقد توفي بندار قبل آبى موسى فجاء بعض الجهلة إلى أبي موسى فقال له: البشري، مات بندار. يعني وخلا لك الجو. فقال له أبو موسى ك «جئت تبشرني بموته؟ ! علي ثلاثون حجة إن حدثت أبدا» . فعاش بعد ذلك تسعين يوما لم يحدث ثم مات رحمهما الله تعالى، وإنما حلف أبو موسى أن لا يحدث على ما سبق منه من المنافسة وإظهارا لأنها لم تبلغ به إن يسر بموت صاحبه ن فامتنع من الحديث الذي كانت المنافسة فيه. وأما استقرار العمل على الانتقاء من رواياته فهذا يقال على وجهين:
الأول: أن يتقى ما تبين أنه أخطأ فيه ويؤخذ غيره.
الثاني: أن لا يؤخذ من رواياته إلا ما توبع عليه، فإن أراد الأستاذ هنا الأول فليس فيه ما ينفعه، وإن أراد الثاني فهو مردود عليه، ومع ذلك فقد توبع بندار في المقصود من هذه الحكاية كما ذكر الأستاذ نفسه في غير نوضع، وليست من مظان الخطأ والوهم. والله أعلم. (١)
_________________
(١) محمد بن الرقي. يأتي مع محمد بن الحسن بن حميد.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
١٩٦- محمد بن جابر اليمامي
١٩٦- محمد بن جابر اليمامي. ذكر الأستاذ ص ١١٥ قول ابن أبي حاتم: «أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوز جاني فيما كتب إلي حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريرا يقول قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني» قال الأستاذ ص ١١٦ «الأعمى قد قال فيه أحمد: لا يحدث عنه إلا من هو شر منه. وقد ضعفه ابن معين» .
أقول: أما كلمة «لا يحدث عنه إلا من هو شر منه» ففي (التهذيب): «قال ابن حبان كان أعمى قال أحمد بن حنبل لا يحدث عنه إلا من هو شر منه» فناسب الكلمة إلى أحمد هو ابن حبان وبين ابن حبان وأحمد مفازة ولا يدري ممن سمع تلك الكلمة، ولو صحت عن أحمد لكانت الكلمة أقرب إلى الإطراء البالغ منها إلى الذم، فقد روى عن محمد بن جابر من يعتقد أحمد عون وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وآخرين، فلا معنى يقال إن هؤلاء شر منه إلا إطراؤه بأنه خير منهم وعلى كل فالحكاية منقطعة منكرة، فأما تضعيف ابن معين وغيره له فلأمور.
الأول: أنه كان سيئ الحفظ يتعاطى الرواية من حفظه فيغلط.
الثاني: أنه اختلط عليه حديثه ن قاله ابن معين ن وكأنه كان في كتبه أحاديث سمعها من رجل وأحاديث سمعها من آخر فاختلط عليه بعض كتبه ن فدخلت أحاديث من حديث بعض شيوخه في حديث شيخ آخر.
الثالث: أن كتابه ذهب بأخرة فتأكد احتياجه إلى أن يروي ما علق منه بحفظه وهو سيئ الحفظ.
الرابع ك أن إسحاق ابن الطباع قال: «حدثت محمدا بحديث، قال: فرأيت في كتابه ملحقا بين سطرين بخط طري» والرجل كان أعمى فالملحق غيره حتما، ورواية
[ ٢ / ٦٦٣ ]
الأجلة عنه وشهادة جماعة منهم له بأنه صدوق تدل أن الإلحاق لم يكن بعلمه. فأما قول ابن حبان «كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق ما ذوكر به فيحدث به» فإنما أخذه من هذه القضية، وقد بان أن الإلحاق من غيره، وإذا كان بغير علمه كما يدل عليه ما سبق فليس ذلك بسرقة. فالحكم فيه أن ما رواه الثقات عنه ونصوا على انه من كتابه الذي عرفوا صحته فهو صالح. ويتوقف فيما عدا ذلك.
لآلما هذه الحكاية وهي قوله: «سرق أبو حنيفة كتاب حماد مني» فليست بمظنة الإختلاط ولا الإلحاق، ثم إن أراد بسرقة الكتاب سرقة الحديث أي أبا حنيفة سمع منه عن حماد أحاديث فرواها أبو حنيفة عن حماد، فهذا ظن منه لا تقوم به حجة ن فان أبا حنيفة قد صحب حمادا واختص به فلعل ما سمعه من محمد بن جابر كان عنده عن حماد، وإن أراد سرقة الكتاب نفسه فلم يبين كيف عرف ذلك؟ وقد يكون كان في مجلس فيه أبو حنيفة وغيره ففقد كتابه ثم بلغه أن أبا حنيفة يحدث عن حماد فتوهم ما توهم وليس في هذا حجة. وقد جاء عنه ما لوصح لكان تفسيرا لهذا حكاه الأستاذ بحاشية ص ١١٥ (١) وهو أن العقيلي أخرج بسند فيه محمد بن حميد عن محمد بن جابر قال ك جائني أبو حنيفة من كتبي عن حماد فلم أعطه ن فدس إلي ابنه فدفعت كتبي إليه فدفعها إلى أبيه فرواها أبو حنيفة من كتبي عن حماد» قال الأستاذ «والرواية عن الخط مخالفة لمذهب أبي حنيفة ثم في سند الخبر إبراهيم بن سعيد ومحمد بن حميد» .
أقول: أما مخالفة المذهب إن صحت فلا تكفي هنا كما لا يخفي ن وإبراهيم بن سعيد ثقة كما تقدم في ترجمته، وإنما الوهن من محمد بن حميد فإنه ليس بعمدة (٢) .
١٩٧- محمد بن جعفر الأدمي. تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة أحمد بن عبيد قال الأستاذ ص ٤٢: «قال عنه محمد بن أبي الفوارس كان قد خلط فيما حدث» .
_________________
(١) الأصل (١٥) .
(٢) محمد بن حيوية. راجع (الطليعة) ص ٢٢ - ٢٩.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
١٩٨- محمد بن جعفر الأنباري
١٩٩- محمد بن جعفر الراشدي
٢٠٠- محمد بن حبان أبو حاتم البستي الحافظ
أقول: ذكروا أنه كان شاهدا فقد كان معدلا عند القضاة لكن لم أر من وثقه، فأما التخليط فلم يبين ما هو. (١)
١٩٨- محمد بن جعفر الأنباري. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٧: «أخبرنا ابن رزق والبرقاني قالا: أخبرنا محمد بن جعفر بن الهيثم الأنباري حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر » قال الأستاذ ص ١٠٩ «فيه بعض الشيء كما قال الخطيب» .
أقول: ترجمته في (التاريخ) ج ٢ ص ١٥١ وفيها: «سألت البرقاني عن ابن الهيثم فقلت: هل تكلم فيه أحد؟ قال: لا، وكان سماعه صحيحا بخط أبيه» ثم حكى عن ابن أبي الفوارس: «كان قريب الأمر فيه بعض الشيء وكانت له أصول بخط أبيه جياد» .
والظاهر أن بعض الشيء إنما هو فيما يتعلق بالسيرة لا بالرواية ولم يفسر، فلعله تقصير خفيف لا يعد جرحا، ومع ذلك فحاكيته هذه رواها عنه البرقاني وهو إمام مثبت فهي من تلك الأصول التي اتفقوا على صحتها. (٢)
١٩٩- محمد بن جعفر الراشدي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١١ من طريقة «حدثنا أبو بكر الاثرم » قال الأستاذ: ص ١٤١ «راوي (العلل) للأثرم وراوياه القطيعي وأحمد بن نصر الذراع غير صالحين للرواية» .
أقول: الراوي عنه هنا القطيعي وهو أحمد بن جعفر بن حمدان تقدمت ترجمته وأنه ثقة الراشدي وثقة غير واحد، ومع ذلك فالحكاية مأخوذة من ذاك المصنف المقطوع بنسبته، فلا يضرها لو كان في بعض الوسائط كلام.
٢٠٠- محمد بن حبان أبو حاتم البستي الحافظ. نقل الأستاذ ص ٩٠ قوله في أبي حنيفة «كان أجل في نفسه من أن يكذب ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكن يروي فيخطئ من حيث لا يعلم ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم، حدث بمقدار
_________________
(١) محمد بن جعفر الأسامي. يأتي في ترجمة محمد بن علي اللبلخي.
(٢) ذكره الأستاذ ص ٢٩ في الحاشيبة أستطرادا.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
كلام ابن حبان في أبي حنيفة وتنديد الكوثري به في أمور والجواب عنها
مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قلب إسنادها أو غير متنها» . أجاب الأستاذ بوجهين:
الأول: حاصله أم أبا حنيفة مشهور بالحفظ والفهم، واشتهر عنه أنه لا يبيح الرواية إلا لمن استمر حفظه من الأخذ إلى الأداء، ولا يبيح الرواية مما يجده الراوي بخط يده ما لم يذكر أخذه له، وتواتر (؟) عنه ختمه القرآن في ركعة - ونحو هذا.
الثاني: التنديد بابن حبان.
أقول: أما الوجه الأول فلم ينفرد ابن حبان بنسبة الخطأ والغلط في الرواية إلى أبي حنيفة بل وافقه على ذلك كثيرون حتى من المائلين إلى أبي حنيفة، نعم انفرد بذاك التحديد، لأنه اعتنى بذلك والف كتابين: أحدهما كتاب (علل ما استند إليه أبو حنيفة)، والثاني كتاب (علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه) . واشتهار ابي حنيفة بالحفظ غير مسلم، وحفظ القرآن لا يستلزم حفظ الأحاديث، والفهم لا يستلزم الحفظ، وفهم المعاني والعلل غير فهم وجوه الرواية. وقد اشتهر ابن أبي ليلى بالفقه حتى كان الثوري إذا سئل قيل: فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شبرمة، وكان ابن أبي ليلى رديء الحفظ للروايات كثير الغلط. وما اشتهر عن أبي حنيفة من اشتراط استمرار الحفظ إن صح فمراده التذكر في الجملة وإلا لزام ما هو أشد، والتذكر في الجملة لا يدفع احتمال التوهم والخطأ، وكان على الأستاذ أن ينقل نصوصا صحيحة صريحة عن الأئمة المعتمد عليهم ترد قول ابن حبان كما جاء في الشافعي قول أبي زرعة الرازي «ما عند الشافعي حديث غلط فيه» وقول أبي داود: «ليس للشافعي حديث أخطأ فيه»، أو يتجشم جمع الأحاديث التي يثبت أن ابا حنيفة رواها وبيان ما يثبت من موافقة الثقات له ومخالفتهم.
وأما التنديد بابن حبان فذكر الأستاذ أمورا:
منها أن ابن الصلاح وصفه بأنه غلط الغلط الفاحش في تصرفه.
أقول: ابن الصلاح ليس منزلته أن يقبل كلامه في مثل ابن حبان بلا تفسير،
[ ٢ / ٦٦٦ ]
اصطلاح ابن حبان في كتابه الثقات وتحقيق المصنف فيه وما يقبل من توثيقه وما لا يقبل
والمعروف مما ينسب ابن حبان فيه إلى الغلط أنه يذكر بعض الرواة في (الثقات) ثم يذكرهم في (الضعفاء)، أو يذكر الرجل مرتين أو يذكره في طبقتين ونحو ذلك. وليس بالكثير وهو معذور في عامة ذلك وكثير من ذلك أو ما يشبهه قد وقع لغيره كابن معين والبخاري.
ومنها أن الذهبي وصفه بالتشغيب والتشنيج.
أقول: إنما ذلك في مواضع غير كثيرة يرى ما يستنكره للراوي فيبالغ في الحط عليه ن وهذا أمر هين، لأنه إن كان فيمن قد جرحه غيره فكما يقول العامة «لا يضر المقتول طعنه» وإن كان فيمن وثقه غيره لم يلتفت إلى تشنيعه وإنما ينظر في تفسيره وما يحتج به.
ومنها أنه يةثق المجاهيل الذين لم يسير أحوالهم.
أقول: قد بين ابن حبان اصطلاحه وهو أنه يذكر في (الثقات) كل من روى عنه ثقة ولم يرومنكرا، وأن المسلمين على الدالة حتى يثبت الجرح، وقد ذهب غيره من الأكابر إلى قريب من هذا كما قدمته في (قسم القواعد) في القاعدة السادسة. نعم إنه ينى على رأيه أن المسلمين على العدالة واستأنس بصنيع بعض من تقدمه من الأئمة من ذكر ذلك الرجل بدون إشارة ضعف فيه، وأهل العلم من الحنفية وغيرهم كثيرا ما يقوون الراوي بقولهم: «ذكره البخاري وابن ابن حاتم ولم يذكرا فيه جرحا» (١) ومع ذلك يبين ابن حبان بعدم ذكر شيخ للرجل ولا راو عنه أنه لم
_________________
(١) قلت: وقد جرى على هذا بعض المحققين من أهل الحديث المعاصرين، وكنت استنكر ذلك في نفسي دون أن يكون لدي نقل يؤيدني، حتى رأيت ابن أبي حاتم يقول في كتابه ١ / ٣٨: «على أنا قد ذكرنا اسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل، كتبناها ليشمل الكتاب على كل من روى عنه العلم ن رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم. فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شاء الله تعالى» . قلت: فرايت أن اثبت هذا تنبيها وتذكيرا. ن.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
جواب المصنف عن قول ابن حبان إن صح في النبوة أنه العلم والعمل
يعرفه (١) .
ومنها أنه عريق في التعصب.
أقول: أئمة الحديث كلهم في رأي الأستاذ متعصبون ولا أعرف ابن حبان بتعصب.
ومنها أنه حكي عنه أنه قال في النبوة أنها العلم والعمل.
أقول: إن صح هذا عنه فهو قول مجمل وابن حبان معروف عنه في جميع تصانيفه أنه يعظم أنه يعظم النبوة حق تعظيمها ولعله أراد أن المقصود من أيجاد الله ﷿ إلى النبي ﷺ أن يعلم هو ويعمل، ثم يبين للناس فيعلموا ويعلموا. وقد نسب إليه أنه أنكر الحد لله، ولعله امتنع من التصريح بإثبات الحد باللفظ الذي اقترح عليه، أو آتى بعبارة حملها المشنعون على إنكار الحد كما اتفق للبخاري في القرآن، وغير ذلك، وكتب ابن حبان من أو لها إلى آخرها جارية على التمسك بالسنة والثناء على أصحابها وذم من يخالفها ن وهو من أخص أصحاب ابن خزيمة أحد ائمة السنة. ثم أحال الأستاذ على ما في (معجم البلدان): (بست) .
وأقول: هناك عبارة طويلة زعم ياقوت انه نقلها من خط ابن النفيس أنه نقلها من خط السليماني في (معجم شيوخه)، وياقوت ليس بعمدة والأئمة الذين ذكروا ترجمة ابن حبان قد وقفوا على كتب السليماني ونقلوا عنها ثم لم يحكوا في ترجمة ابن حبان حرفا من تلك العبارة، وفيها ذكر أحوال لابن حبان تتعلق بسمرقند ونيسابور وبخاري، ولكل من هذه البلدان (تاريخ) ذكر فيه ابن حبان، ونقل ياقوت وغيره من تلك التواريخ فلم يقع في ذلك شيء مما في تلك العبارة وإنما نقلوا عن تلك التواريخ تعظيمه والثناء البالغ عليه ن على أن ما وصف به في تلك العبارة منه ما ليس
_________________
(١) قلت: بل إنه ليقول أحيانا في بعض ثقاته «لا أعرفه»، أو «لا أعرفه ولا اعرف آباه»، كما أثبتناه بالقول عنه في غير هذا الموضع، وسبقت الإشارة إلى هذا في التعليق على الصفحة (٦٧) .
[ ٢ / ٦٦٨ ]
درجات توثيق ابن حبان وفيه تفصيل دقيق لا تراه لغير المصنف
بجرح، ومنه ما هو جرح غير مفسر أو مفسر بما لا يقدح، أو غير مثبت، ضرورة أن قائل ذلك لم يكن ملازما لابن حبان في جميع تنقلاته في تلك البلدان، وإنما لفقت إن صحت عن السليماني من قيل، وقالوا، وزعموا، فعلى كل حال لا وجه للتعويل عليها، ولا الإلتفات إليها. والله المستعان.
هذا وقد أكثر الأستاذ من رد توثيق ابن حبان، والتحقيق أن توثيقه على درجات،
الأولى: أن يصرح به كأن يقول «كان متقنا» أو «مستقيم الحديث» أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.
الثالثة: أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذاك الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم، والثانية قريب منها، والثالثة مقبولة، والرابعة صالحة، والخامسة لا يؤمن فيها الخلل. والله أعلم. (١)
_________________
(١) قلت: هذا تفصيل دقيق، يدل على معرفة المؤلف رحمه الله تعالى، وتمكنه من علم الجرح والتعديل، وهو مما لم أره لغيره ن فجزاء الله خيرا، غير أنه قد ثبت لدي بالممارسة أن من كان منهم من الدرجة الخامسة فهو على الغالب مجهول لا يعرف، ويشهد بذلك صنيع الحفاظ كالذهبي والعسقلاني وغيرهما من المحققين، فإنهم نادرا ما يعتمدون على توثيق ابن حبان وحده ممن كان في هذه الدرجة، بل والتي قبلها أحيانا. ولقد أجريت لطلاب الجامعة افسلامية في المدينة المنورة يوم كنت أستاذ الحديث فيها سنة (١٣٨٢) تجربة عملية في هذا الشأن في بعض دروس (الأسانيد)، فقلت =
[ ٢ / ٦٦٩ ]
٢٠١- محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش
٢٠٢- محمد بن الحسن بن حميد بن الربيع
٢٠١- محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٦ حكاية من طريقه. قال الأستاذ ص ٧٤: «كذاب زائغ من اسقط خلق الله، ولولا أن الداني المقرىء بعيد الدار عن الشرق لما خفيت عليه مخازيه» .
أقول: كان هذا الرجل مقرئا مفسرا تعب في الطلب وجمع فأكثر لكنهم نقموا عليه في أحاديث، فأما الدارقطني فكان يجمل القول فيه ويحمله على الهم والتساهل في الأخذ، وأما البرقاني وغيره فحطوا عليه وتبعهم الخطيب، وإنما روى عنه لأنه لم ينفرد بمعنى ما روى، وكان الأولى به ترك الرواية عنه. والله المستعان.
٢٠٢- محمد بن الحسن بن حميد بن الربيع. ساق الخطيب في (التاريخ) ١٣ / ٤٠٣ عدة روايات جيدة في تشديد ابن المبارك في شأن كتاب أطلق عليه (كتاب الحيل لأبي حنيفة) وروايته عن النضر بن شميل ليس فيها ذكر أبي حنيفة، وأشار الأستاذ إلى ما ذكره الذهبي في جزء (مناقب أبي حنيفة وصاحبه)، ولفظ الذهبي في ذاك الجزء ص ٥٢ - ٥٣: «الطحاوي سمعت محمد بن أبي عمران يقول: قال محمد بن سماعة: سمعت محمد بن الحسين يقول: هذا الكتاب - يعني كتاب (الحيل) - ليس من كتبنا إنما ألقي فيها. قال ابن أبي عمران: إنما وضعه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة» . وقال الأستاذ ص ١٢٢ في الحاشية: «قال أبوسليمان
_________________
(١) = لهم: لنفتح على أي راوفي كتاب «خلاصة تذهيب الكمال» تفرد بتوثيقه ابن حبان، ثم لنفتح عليه في «الميزان» للذهبي، و«التقريب» للعسقلاني، فسنجدهمت يقولان فيه «مجهول» أو «لا يعرف»، وقد يقول العسقلاني فيه «مقبول» يعني لين الحديث، ففتحنا على بضعة من الرواة تفرد بتوثيقهم ابن حبان فوجدناهم عندهما كما قلت: أما مجهول، أو لا يعرف، أو مقبول. إلا أن ما ذكر المؤلف من رد الكوثري لتوثيق ابن حبان ن فإنما ذلك حين يكون هو اء في ذلك، وإلا فهو يعتمد عليه ويتقلبه حين يكون الحديث الذي فيه راووثقه ابن حبان، ويوافق هواه، كبعض الأحاديث التي رويت في «التوسل» وقد كشفت عن صنيعه هذا في كتابي (الأحاديث الضعيفة) رقم (٢٣) .
[ ٢ / ٦٧٠ ]
الجوزجاني: من قال إن محمدا ﵀ صنف كتابا سماه: (الحيل) فلا تصدقه، وما في أيدي الناس إنما جمعه وراقوبغداد كما في (مبسوط السرخسي) » وفي (فتح الباري) ذكر لكتاب (الحيل) لبي يوسف، وأطال الأستاذ في دفع نسبة ذاك الكتاب إلى أبي حنيفة، وأصحابه.
والذي تضافرت عليه الروايات الجيدة أنه كان في عصر ابن المبارك فما بعده كتاب يسمى (كتاب الحيل لبي حنيفة) أو (كتاب حيل أبي حنيفة) ن وهناك قرائن تدفع أن يكون من تصنيف أبي حنيفة نفسه؛ وهذه القرائن لا تقع التسمية فقد يكون مصنفه نسبة إليه أو يكون الناس لما رأو هـ مبنيا على قواعد أبي حنيفة أطلقوا عليه هذا الاسم، فأطلق عليه ابن المبارك اسمه المعروف به بين الناس غير قاصد الجزم بأنه تصنيف ابي نفسه، ولا ريب أنه لا يستنبط الحيل من قواعد أبي حنيفة إلا رجل عارف بتلك القواعد له يد في الاستنباط وليس هو بابي يوسف، ولا بمحمد بن الحسن، وقد مر عن ابن ابي عمران وهو من أجلتهم قوله: «إنما وضعه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة» .
والمقصود هنا أنه من المقطوع به وجود ذلك الكتاب وانه كان متداولا بين الناس في تلك الأزمنة، وتضافرت الروايات على أنه كان معروفا بذاك الاسم.
ثم قال الأستاذ ص ١٢٢ وقد حاول: بعض الكذابين رواية كتاب في الحيل عن أبي حنيفة في زمن التأخر بسند مركب فافتضح وهو أبو الطيب محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع الكذاب ابن الكذاب حيث زعم بعد سنة ثلاثمائة أنه كان سمع كتاب (الحيل) سنة ٢٥٨ ب (سر من رأى) من أبي عبد الله محمد بن بشر الرقي عن خلف بن بيان وقد قال مطين: أن محمد بن الحسين هذا كذاب ابن كذاب، وأقره ابن عقدة، ثم أقر ابن عدي وأبو أحمد الحاكم ابن عقدة في ذلك. وقد قوى ابن عدي أمر ابن عقدة. ورد على الذين تكلموا فيه بل قال السيوطي في «التعقبات» ص ٥٧: ابن عقدة من كبار الحفاظ وثقه الناس، وما ضعفه إلا عصري متعصب. اهـ، ثم شيخ محمد بن الحسين مجهول الصفة، بل مجهول العين، وشيخ شيخه مجهول أيضا بل لا
[ ٢ / ٦٧١ ]
وجود له» .
أقول: أما رواية أبي الطيب هذا الكتاب فليس فيها ما يريب في صدقه، فقد تحقق أن الكتاب كان موجودا بأيدي ناس يسمى ذاك الاسم، فأي ريبة أم أي بعد في أن يجده أبو الطيب عند بعض الوراقين فيزعم الوراق أنه يروي بالسماع فيسموه منه أبو الطيب، وقد يكون ذاك الوراق كذابا زعم ما زعم يروج له الكتاب، ولم يفتش أبو الطيب عن حاله على عادتهم في ذاك العصر من الأخذ عن كل أحد وترك التحقيق لأهله أو لنقته. ثم أن صح قول الأستاذ «بعد سنة ثلاثمائة» فليس يلزم من ذلك أن لا يكون أبو الطيب ذكر قبل ذلك أن الكتاب عنده يروي، وكثيرا ما يروي الرجل بعد أن يسمع بستين أو سبعين سنة أو أكثر وقد كان للأستاذ في نهالة الشيخ أبو الطيب وشيخ شيخهم ما يكفيه في دفع النسبة إلى أبي حنيفة المحاولة الطعن في أبي الطيب الموثق كما يأتي، ومحاولة الدفاع عن أبي عقدة المجروح كما تقدم في ترجمته وهو أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة مع دعوى تقوية ابن عدي له، وفي ذلك ما فيه. فأما ما نسب إلى مطين فدون الشارحة:
زعم ابن عقدة أنه كان عن مطين فمر أبو الطيب فقال المطين هذا كذاب ابن كذاب. وفي بعض المواضع الزيادة (أبن كذاب) أخرى، فحكى ابن عدي عن أبي عقدة هذا وقواه بالنسبة إلى حسين بن حميد والده أبو الطيب كما تقدم في ترجمته مع النظر فيه، فأما أبو أحمد الحاكم فإنما قال في ابي الطيب: «كان أبن عقدة سيئ الرأي فيه»، وهذا يشعر بأنه لن يعتمد على رواية ابن عقدة عن مطين وإلا بقال: «كان مطين سيئ الرأي فيه»، وابن عقدة يس بعمده كما تقدم في ترجمته. وقد تعقب الخطيب حكايته هذا في «التاريخ» ج ٢ ص ٢٣٧ وقال: «في الجرح بما يحكيه أبو العباس بن سعيد «ابن عقدة» نظر، حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعت حمزة السهمي يقول: سالت أبا بكر ابن الدان عن ابن عقدة إذا حكى حكاية عن غيره من الشيوخ في جرح فهل يقبل قوله أم لا؟ قال: لا يقبل «وهذه الروية مأخوذة عن كتاب معروف لحمزة. ثم روى الخطيب عن أبي يعلى الطوسي توثيق أبي الطيب قال:
[ ٢ / ٦٧٢ ]
٢٠٣- محمد بن حماد
٢٠٤- محمد بن حمدويه أبو رجاء المروزي
«كان ثقة صاحب مذهب حسن وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وكان ممن يطلب للشهادة فيابا «وقال ابن الجوزى في «المنتظم» ج ٦ ص ٢٣٥: «كان ثقة يفهم، وقد روى ابن عقدة عن الحضرمي «مطين» أنه قال: هو كذاب - وهذا ليس صحيح «وقال ابن حجر في» (اللسان): «الظاهر أن جرح ابن عقدة لا يؤثر فيه بينهما من المتباينة في الاعتقاد» .
أقول: أما جرحه من قبل نفسه بلى حجة فنعم، وأما روايته عن غيره فلو كان ثقة لم ترد بالمباينة في الاعتقاد ولكنه في نفسه على يدي عدل، فألمبتينة في الاعتقاد تزيده وهنا على وهن. والله الموفق ٠
٢٠٣- محمد بن حماد. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٢ من طريق «عبد الله بن أبي القاضي يقول: سمعت محمد بن حماد يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام » قال الأستاذ: ص ١٤١ «وضاع معروف من أصحاب مقاتل» .
أقول: صاحب مقاتل قديم ففي ترجمته من «اللسان» أنه قال: «اشخصني هشام بن عبد الملك من الحجاز إلى الشام » وقد مر في ترجمته عبد الله بن أبي القاضي أن أعلى شيخ له أحمد بن عبد الله بن يونس المتوفى سنة ٢٢٧، وهشام مات سنة ١٢٥ فأني يدرك عبد الله أبن ابي من كان في زمن هشام رجلا؟ فهذا رجل أخر. والله المستعان.
٢٠٤- محمد بن حمدويه أبو رجاء المروزي. ذكروا أنه ذكر في «تاريخ مرو» وأن محمود بن غيلان توفى سنة ٢٢٩ وأن البخاري وغيره قالوا: أن محمودا توفى سنة ٢٣٩ فذكر الأستاذ هذا ص ٦٤ وأطلق على أبي رجاء «رواية الغرائب» .
ولا يخفى أن هذا الخطأ الواحد لا يبرر هذه الكلمة وراجع «الطليعة» ص ٢٢- ٢٩ لتعرف حال الكوثري في تلك القضية.
٢٠٥- محمد بن روح. في «تاريخ بغداد» ١٣ / ٤١٢ من طريق «زكريا بن
[ ٢ / ٦٧٣ ]
٢٠٦- محمد بن سعد العوفي
يحيى الساجي حدثني محمد بن روح قال: سمعت أحمد بن حنبل » قال الأستاذ ص ١٤٣: «مجهول»
أقول: في «تاريخ بغداد» ج ٥ ص ٢٧٧ «محمد بن روح العكبري » ثم روى من طريق «عثمان بن إسماعيل بن بكر السكري ثنا محمد بن روح العكبري بعكبرا وكان صديقا لأحمد بن حنبل وكان أحمد بن حنبل إذا خرج الى عكبرا ينزل عليه «وعثمان هذا توفى سنة ٣٢٣ كمكا في «التاريخ» ج ١١ ص ٢٩٦ والسياجي توفى سنة ٣٠٧ ولم يكن أحمد ليصادق رجلا وينزل عليه إلا وهو خير فاضل.
٢٠٦- محمد بن سعد العوفي. في ترجمة الحسن بن زياد اللؤلوي من (لسان الميزان) تكذيب الأئمة له وطعنهم فيه، ساق كثبرا من ذلك ثم قال: «ومع ذلك كله أخرج له أبو عوانة في (صحيحه) والحاكم في (مستدركه) وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة» ذكر هذا استنكارا له، فجاء الكوثري فقال ص ١٨٧ في ترجمة اللؤلؤي: «مجتهد عظيم القدر ومحدث جليل الشأن أخرج عنه الحافظ أبو عوانة في (الصحيح المسند المستخرج) وهذا توثيق منه، والحاكم في (المستدركه) وهذا أيضا توثيق منه ووثقه مسلمة بن قاسم وكان يأبى الخرض في القياس في مورد النص كما فعل مع بعض المشاغبين في مسألة القهقهة في الصلاة. كما ذكره ابن حزم ومع هذا كله تجد ترجمته عند الخطيب من أسوأ التراجم » وهكذا قدم الكوثري المؤخر وعرف المنكر واحتج ببعض الروايات الزائفة ورد بعض الروايات الثابتة التي تقدمت الإشارة إلى بعضها في ترجمة الخطيب وفي ترجمة صالح بن محمد الحافظ، وحاول هدم أركان الإسلام لينصب هذا التالف. ثم قال «وقد روى - يعني الخطيب - في كتابه أيضا عن الساجي وابن معين وابن المديني ويعقوب بن سفيان وغيرهم تضعيف الحسن ابن زياد أو تكذيبه إلا أن في أسانيد تلك الروايات أمثال محمد بن «عثمان بن» أبي شيبة ومحمد بن سعد العوفي، والأدمي، وعبد الله «بن محمد بن عبد العزيز» البغوي، ودعلج، والآجري، والعقيلي وأضرابهم، وأمرهم يدور بين كذاب، وضعيف،
[ ٢ / ٦٧٤ ]
تسمية بضعة عشر رجلا طعن الكوثري فيهم شرهم خير من ألف مثل اللؤلؤي
ومتعصب مردود القول، ومغفل، ومجسم متعصب، لا يقبل قوله في أهل السنة» .
ترى الأستاذ يطعن في بضعة عشر رجلا شرهم خير من ألف مثل اللؤلؤي، وأنا أسوق أسماءهم ليقابل العاقل تراجمهم في هذا الكتاب وغيره بترجمة اللؤلؤي في (لسان الميزان) وغيره، الحافظ أحمد علي الأبار، وإدريس بن عبد الكريم، وإسحاق بن إسماعيل، والحافظ الحسن ابن علي الحلواني، والحافظ دعلج بن السجزي، الحافظ صالح بن محمد جزرة، عبد الله ابن جعفر بن درستويه، الحافظ عبد الله بن سليمان أبو بكر ابن أبي داود، الحافظ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي،
الحافظ عبد الله عبد المؤمن بن خلف، محمد بن رزق، محمد ابن جعفر الأدمي، محمد بن سعد العوفي، محمد بن العباس الخزار، الحافظ محمد بن عثمان بن ابي شيبة، الحافظ محمد بن علي بن عثمان الآجري، الحافظ محمد بم عمروالعقيلي.
ولم أطلق كلمة «الحافظ» إلا على من أطلقها عليه أهل العلم - لا كالكوثري يطلقها على من دب ودرج من أصحابه!
ولا بأس بأن نناقش الكوثري هنا فأقول: أما أبو عوانة فقد ذكر الأستاذ ص ١٧ عبد الله بن محمد البلوي فقال فيه وفي آخر: «كذابان معروفان» . وقد قرأ الأستاذ في (الميزان) و«اللسان» في ترجمة البلوي «روى عنه أبو عوانة في (صحيحه) في الإستسقاء خبرا موضوعا» وروى أبو عوانة في (صحيحه) ج ١ ص ٢٣٦ - ٢٣٧ حديثا في سنده عبد الله بن عمروالواقفي وجابر بن يزيد الجعفي وكلاهما متهم. وفي (فتح الباري) في شرح «باب القصد والمدارمة على العمل» من كتاب «الرقاق» « وهذا من الأمثلة لما تعقبه على ابن الصلاح في جزمه بأن الزيادات التي تقع في المستخرجات يحكم بصحتها ووجهه التعقب أن الذين استخرجوا لم يصرحوا بالتزام ذلك، سلمنا أنهم التزموا ذلك، لكن لم يفوا به» .
[ ٢ / ٦٧٥ ]
كلمة عن المستخرجات ومستدرك الحاكم
«أقول: أصحاب المستخرجات يلتزمون إخراج كل حديث من الكتب التي يستخرجون عليها» فأبو عوانة جعل كتابه مستخرجا على «صحيح مسلم» ومعنى ذلك أنه ألتزم أن يخرج بسند نفسه كل حديث أخرجه مسلم، فقد لا يقع له بسند نفسه الحديث إلا من طريق رجل ضعيف فيتساهل في ذلك، لأن أصل الحديث صحيح من غيره طريقه، ومع ذلك زاد أبو عوانة حديث ضعيفا لن يحكم هو بصحته فأنما يسمى كتابه «صحيحا» لأنه مستخرج على «الصحيح» ولأنه معظم أحاديثه وهي مستخرجة الصحاح، فأخرجه لرجل لا يلتزم توثيق ولا تصديق بل صحاب «الصحيح» نفسه قد يخرج في المتابعات والشواهد لمن لا يوثق وهذا أمر معروف عند أهل الفن لا يخفى على الكوثري! فأما «مستدرك الحاكم» فحدثه عنه ولا حرج، فأن في «مستردكا» كثيرا الرواة التالفين، وجماعه منهم قد قطع هو نفسه بضعفهم الشديد، ويأتي بسيط ذلك في ترجمته فأن الأستاذ حط عليه حيث خالفه، ثم عاد يحتج به هنا. وأما مسلمة بن قاسم وقد جعل الله بكل شيئا. قدرا. حده أن يقبل منه توثيق من لم يجرحه من هو وأجل منه ونحو ذلك، فأما آن يعارض بقوله نصوص جمهور الأئمة فهذا يقوله عاقل.
وأما قضية القهقهة فتراها في ترجمته اللؤلؤي من «لسان الميزان» ولا يرتاب مطلع أن اللؤلؤي إنما ولي دبره خشية أن يريد عليه ما لا قبل له به (١) إذ قد كان يمكنه أن
_________________
(١) يشير المصنف رحمه الله تعالى إلا القصة التي وقعت اللؤلؤي مع بعض أصحاب الشافعي في مسائل القهقهة في الصلاة التي أشار إليها الكوثري الذي حاول ستر انهزام اللؤلؤي أمام الحجة القاطعة بما سمعت من التأويل الباطل، وأليك القصة كما في «اللسان»: «البويطي»: سمعت الشافعي يقول: قال لي الفضل بن الربيع: أنا اشهي مناظرتك واللؤلؤي، فقلت: إنه ليس هناك، فقال: أنا أشتهي ذلك، قال: فأحضرنا وأتينا بطعام فأكلنا ن فقال رجل معي له: ما تقول في رجل قهقه في الصلاة؟ قال ك بطلت صلاته، قال: طهارته؟ قال: فطهارته ن قال: فما تقول في رجل قذف محصنة في الصلاة؟ قال: بطلت صلاته، ثقال: فطهارته؟ قال: فطهارته، قال: مجالها! فقال له: قذف المحصنات اشد من الضحك في الصلاة! قال: فأخذ اللؤلؤي نعليه، وقام، فقلت للفضل: قد قلت لك: إنه ليس هناك» .
[ ٢ / ٦٧٦ ]
ترجمة محمد بن سعيد الكوفي ورد الكوثري لروايته ومعه جماعة
يجيب بهذا العذر الذي ذكره الكوثري ثم ينظر ما يرد عليه، على أنه يعلم أن هذا العذر باطل فإن أهل الرأي يردون بالقياس النصوص الصحيحة الثابتة فكيف يتقون أن يخوضوا فيه في مقابل مثل هذا الحديث؟! وجاء أن اللؤلؤي لما ولي القضاء لم يدر كيف يقضي! وذكر الحنفية أنه كان يثقل على أبي يوسف بالمناظرو، فقال ابويوسف لصحابه إذا جاء فابدروه بالمسالة فجاء فلم يستتم السلام حتى قال: ما تقول في كذا؟ خاف أن يبدروه بتلمسالة فبدرهم؟ يؤخذ من هذا أنه كان ضعيف البديهة، بطيء الإدراك، فكان يطيل الفكر في بيته في بعض المسائل وما يمكن آن يقال فيها أو يورد عليها وما يمكن أن يدفع به ذلك الإيراد ويمعن في ذلك ويتحفظ، ثم يجيء إلى أبي يوسف أو غيره ويناظر في تلك المسالة، وعرف أبو يوسف هذا فأمر أصحابه أن يبدروه فيسألوه عن مسألة لأنه يغلب أنه لم يكن استعد لها فينقطع، وعرف هو من نفسه هذا فبدرهم ن فكأنه لما سأله رفيق الشافعي عن مسالة القهقهة وأورد عليه ما أورد أجتمع عليه حرج الموقف وعدم استعداده فاعتصم بالفرار.
وأما من يحتج بالمرسل فذلك إذا كان الإرسال ممن لا يرسل إلا عن ثقة ن وليس حديث القهقهة من ذاك فقد وصف الذي أرسله بأنه كان ممن يصدق كل أحد.
وأما الجماعة الذين طعن فيهم الأستاذ فتراجمهم في مواضعها، فأما محمد بن سعد العوفي فقد ذكروا أن الحاكم حكى عن الدارقطني أنه لا باس به. وقال الخطيب: «كان لينا في الحديث» وعلق الأستاذ على مناقب أبي حنيفة) للذهبي ص ٢٨ - ٢٩ «قال الخطيب أخبرنا أبن رزق حدثنا أحمد بن علي بن عمرو بن حبيش الرازي سمعت محمد بن أحمد بن عصام يقول: سمعت محمد بن سعد ولا يحدث بما لا يحفظه» قال الأستاذ: «وهذا يقضي على من يرميه بقلة الضبط» وقد تكلم الأستاذ في الراوية الخطيب عن محمد بن أحمد بن رزق. وأشار إلى ذلك هنا كما مر ن ولا أدري ما يقول في محمد بن عصام ن فجعل الأستاذ هذه الرواية مع إنها من طريق محمد بن سعد العوفي وقد انفرد بها هذا الأستاذ قاضية على إجماع الأئمة ومعهم ابن
[ ٢ / ٦٧٧ ]
معين من عدة أوجه عنه ثم تراه هنا يرد رواية محمد بن سعد ومعه جماعة عن ابن معين ومعه جميع الأئمة إلا ما شذ! أما الحسن بن زياد فقد روى تكذيبه ثلاثة عن ابن معين وقال ابن أبي حاتم في كتابه «قريء على العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: حسن اللؤلؤي كذاب» ولعل الأستاذ قد وقف على ذلك في (تاريخ عباس) . ثم قال ابن أبي حاتم «سألت ابي عنه فقال: ضعيف الحديث ليس بثقة ولا مأمون» وفي كتاب (الضعفاء والمتروكين) للنسائي المطبوع في الهند «حسن بن زياد اللؤلؤي ليس بثقة ولا مأمون» وفي الجزء الملحق به وهو روايته، والضعفاء من أصحابه يوسف بن خالد السمتي، كذاب، والحسن ابن زياد اللؤلؤي، كذاب خبيث، ومحمد بن الحسن ن ضعيف، والثقات من أصحابه أبو يوسف القاضي ثقة » وفي ترجمة اللؤلؤي من (لسان الميزان): «قال محمد بن عبد الله بن نمير: يكذب على ابن جريج، وكذا كذبه أبو داود فقال ك كذاب غير ثقة، وقال ابن المديني ك لا يكتب حديثه وقال أبوثور: ما رأيت اكذب من اللؤلؤي وقيل ليزيد بن هارون: ما تقول في اللؤلؤي قال: أو مسلم هو؟ وقال يعلي بن عبيد: اتق اللؤلؤي، وقال ابن أبي شيبة: كان أبو أسامة يسميه الخبيث ن وقال يعقوب بن سفيان والعقلي والساجي: كذاب » .
فأما قضية التقبل وقرص الخد في الصلاة فقد تقدمت الإشارة إليها في ترجمة الخطيب ثم في ترجمة صالح بن محمد وهي بغاية الثبوت. فهذا هو الذي يصفه الكوثري بأنه «مجتهد عظيم القدر ومحدث جليل الشان » استخفافا بالدين وأهله وسخرية من عقول الناس وعقله! (١)
٢٠٧- محمد بن سعيد البورقي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٣٥ من
_________________
(١) محمد بن سعيد الباهلي راجع (الطليعة) ص ٣٧ - ٣٩ وانظر ما يأتي في ترجمة الهيثم بن خلف.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
حديث: "أبو حنيفة سراج أمتي" مع ذكر أسماء الذين دار هذا الحديث الموضوع عليهم
طريقه (١): «حدثنا سليمان بن جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر حدثنا بشر بن يحيى قال: أخبرنا الفضل بن موسى السيناني عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إن في أمتي رجلا اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي ن هو سراج أمتي ن هو سراج أمتي» قال الخطيب:
«قلت: وهو حديث موضوع تفرد بروايته البورقي وقد شرحنا فيما تقدم أمره وبينا حاله» يعني في ترجمة وهي في (التاريخ) ج ٥ ص ٣٠٨ - ٣٠٩ وفيها عن حمزة السهمي «محمد بن سعيد البورقي كذاب حدث بغير حديث وضعه» وعن الحاكم «هذا البورقي قد وضع من المناكير على الثقات ما لا يحصى وأفحشها روايته سيكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي. هكذا حدث به في بلاد خرسان ثم حدث به بالعراق بإسناده وزاد فيه انه قال: سيكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس فتنته على أمتي أضر من إبليس» وذكر الخطيب غير هذا من مناكيره. قال الأستاذ ص ٣٠: «استوفى طرقه البدر العيني في (تاريخه الكبير) واستصعب الحكم عليه بالوضع مع وروده بتلك الطرق الكثيرة وقد قال: « فهذا الحديث كما ترى قد روى بطرق مختلفة ومتون متباينة ورواة متعددة عن النبي ﵊ فهذا يدل على أنه له أصلا، وإن كان بعض المحدثين بل أكثرهم ينكرونه وبعضهم يدعون أنه موضوع وربما كان هذا من أثر التعصب، ورواة الحديث أكثرهم علماء وهم من خير الأمم فلا يليق بحالهم الاختلاق على النبي ﵊ متعمدا» ! ذيل عليه الكوثري بقوله: «وعالم مضطهد طول حياته يموت وهو محبوس ثم يعم علمه البلاد من أقصاها إلى أقصاها شرقا وغربا ويتابعه في فقهه شطر الأمة المحمدية بل ثلثلها على توالي القرون، رغم مواصلة الخصوم من فقيه ومحدث ومؤرخ مناصبة العداء له، نبأ جلل لا يستبعد أن يخبر به النبي ﷺ » !
_________________
(١) وقع هناك «الدورقي» خطأ.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
أقول: لا أدري أعلم هؤلاء القوم أحرى أن يؤسف عليه أم دينهم أن عقولهم؟! قد تأملت روايات هذا الحديث في (مناقب أبي حنيفة) وغيرها فرأيته يدور على جماعة:
أولهم البورقي وقد عرفت حاله رواه عن مجهول عن مثله عن السيناني بذاك السند، وقد صح عن السيناني أنه قال: «سمعت أبا حنيفة يقول: من أصحابي من يبول قلتين. يرد على النبي ﷺ: إذا كان الماء قلتين لم ينجس» ذكره الأستاذ ص ٨٣.
الثاني: أبو علي أحمد بن عبد الله بن خالد الجويباري الهروي وهو مشهور بالوضع مكشوف الأمر حدا وله فيه أربع طرق:
الأولى: عن السيناني بذاك السند.
الثانية: عن أبي يحيى المعلم عن حميد عن أنس.
الثالثة: عن أبي يحيى عن أبان عن أنس.
الرابعة: عن عبد الله بن معدان عن أنس، والراوي عنه في بعض هذه مأمون بن أحمد السليمي وهو شبيهه في الشهرة بالوضع الفاحش.
الثالث: أبو المعلى بن مهاجر، أن كان له ذنب، وهو مجهول رواه محمد بن يزيد المستملي وهو متهم عن مجهول عن مثله عن أبي المعلى عن أبان عن أنس. ورواه النظري بثلاثة أسانيد أخرى كلهم مجاهيل عن أبي المعلى عن أبان عن أنس.
الرابعة: أبو علي الحسن بن محمد الرازي، وهو متهم قد تقدم بعض ما يتعلق به في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت رقم «٦٤» رواه النظري من طريقه بسند كلهم مجاهيل إلا عبد الله بن مغفل «؟» عن علي بن أبي طالب قوله.
الخامسة: النضري قال فيه ابن السمعاني في «الأنساب» «الخيوي» باسم «أبي
[ ٢ / ٦٨٠ ]
القاسم يونس بن طاهر بن محمد بن يونس بن خيو النضري الخيوي من أهل بلخ الملقب شيخ الإسلام » ولم يذكر فيه توثيقا ولا جرحا والله أعلم به وبعض الطرق المتقدمة من طريق وزاد بسند كلهم مجاهيل عن أبان عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن أبي هُدبه عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن موسى الطويل عن ثابت عن انس، وبسند كلهم مجاهيل عن حماد عن الرجل عن نافع عن ابن عمر، وبسند كلهم مجاهيل عن أبي قتادة الحراني عن جعفر بن محمد عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. هذا ما وقفت عليه، في الأربعة الأولون قد عرفتهم، وأما الخامس وهو النضري فالله أعلم به، وعلى كل حال فكان بين قوم أعاجم جهال متعصبين لا بدع أن يتقربوا إلى الله ﷿ بتكثير الطرق وكلهم مجاهيل، وأبان وأبو هدبة وموسى الطويل ثلاثتهم هلكى، ومع ذلك لا أراهم إلا أبرياء من هذا الحديث، وإلا لاشتهر في زمانهم. فما باله لم يعرف له أثر إلا بعد أن وضعه الجوبياري في القرن الثالث؟ وأبو قتادة الحراني فسد بآخره ومع ذلك لأراه إلا بريئا من هذا وحماد الذي روى عنه عن رجل عن نافع عن أبي عمر لا أدري من هو وربما يكون المقصود حماد بن أبي حنيفة فإنه قد قيل أنه يروي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فكأن بعض المجاهيل سمع بذلك فركب السند إليه بهذا الحديث فاستحيا النضري عن أن يقول عن مالك عن نافع عن ابن عمر فيكون أشنع للفضيحة فكنا عن مالك برجل!
وهذا ومن شأن الدجالين أن يركب أحدهما الحديث الواحد عدة أسانيد تغريرا للجهال وأن يضع أحدهم فيسرق الأخر وليركب سند من عنده، ومن شأن الجهال المتعصبين أن يتقربوا بالوضع والسرقة وتركيب الأسانيد وقد قال أبو العباس القرطبي: «استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي يدل عليه القياس إلى رسول الله ﷺ ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعه لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ولأنهم لا يقيمون لها سندا صحيحا» . وقد أشار إلى هذا ابن الصلاح بقوله: «وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دل عليه
[ ٢ / ٦٨١ ]
٢٠٨- محمد بن الصقر بن عبد الرحمن
القياس الى النبي ﷺ» .
فتدبر ما شرحناه ثم تأمل ما تقدم عن العيني، ثم راجع الطرق الكثيرة بالأسانيد الصحيحة لقصة استتابة أبي حنيفة من الكفر مرتين وأكثر تلك الطرق مسلسلة بالرجال المعروفين ما بين محدث ثقة وحافظ ثقة وإمام شهير، وانظر ما يقول فيها العيني والكوثري حتى كان أئمة الحديث ورجاله وفقهاء المذاهب الأخرى أهل عند العيني والكوثري لكل كذب، وإن اشتهروا بالإمامة والثقة والصدق والتقوى بخلاف أصحابها أهل الرأي كأنه لا يكون منهم ولا من حمرهم وكلابهم إلا الصدق.
ومع ذلك يرمي هؤلاء القوم مخالفهم بالتعصب وإتباع الهوى ويكثر الأستاذ من قوله: «وقانا الله إتباع الهوى. نسأل الله الصون. نسأل الله السلامة» وأشباه ذلك ويتحرى بهذه الكلمات مواضع ارتكابه الموبقات! والله المستعان (١)
٢٠٨- محمد بن الصقر بن عبد الرحمن. مرت روايته في ترجمته عبد الله بن صالح.
قال الأستاذ ص ٢٩: «فالصقر وعبد الرحمن من الكاذبين والمعروفين» .
أقول: لا أدري أوهم الأستاذ؟ «أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» (٢) .؟!
٢٠٩- محمد بن العباس بن حيوية أبو عمر الخزاز. راجع «الطليعة» ص ٤٠ - ٤١.
حاول الأستاذ في «الترحيب» ص ٣٨ - ٤٠ أن يجيب فتغافل عن الدليل الواضح وهو أن الذي في الحكاية «أبو الحسن أبو الرزاز» وصاحب هذا الاسم موجود وهو علي بن موسى فكيف يعدل عنه إلى من لم يذكر بهذا الاسم أصلا وهو علي بن أحمد فإنه وإن كان يكنى أبا الحسن فإنما تكرر وصفه في ترجمته وغيرها مرارا كثيرة بأنه «الرزاز» وذكروا أنه كان له دكان يبيع فيه الأرز ولم
_________________
(١) محمد بن سليمان الباغندي - يأتي في ترجمته ابنه محمد بن محمد. محمد بن شجاع ابن الثلجي - تقدم بعض ما يتعلق به في ترجمته حماد بن سلمة.
(٢) النجم: ٣٧
[ ٢ / ٦٨٢ ]
يوصف قط بأنه «ابن الرزاز» . وذهب الأستاذ يصارع ما ذكرت من أن علي بن أحمد أصغر من ابن حيويه بأربعين سنة ولا تعرف بأنهما علاقة، فذكر «أنهما من أهل بغداد وعاشا هناك متعاصرين سبعا وأربعين سنة فماذا كان يمنع هذا من الاجتماع بذاك؟» .
أقول: أنا لم أدع امتناع الاجتماع وإنما بينت أن مما يرجح أن المراد في الحكاية ابن الرزاز وهو علي بن موسى أنه من شيوخ ابن حيويه بخلاف الرزاز وهو علي بن أحمد فإنه أصغر منه ولا تعرف له به علاقة. وأزيد الأمر إيضاحا فأقول:
عبارة الأزهري: «كان أبو عمر بن حيوي مكثرا، وكان فيه تسامح، لربما أراد أن يقرأ شيئا ولا يقرب أصله منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعا، وكان مع ذلك ثقة» . ويأخذ منها مع ما تقدم أمور:
الأول: أنها تقتضي أن ذاك الكتاب كان في متناول ابن حيويه في كثير من الأوقات واحتمال أن يكون كتاب علي بن موسى أبي الحسن بن الرزاز صار بعد وفاته إلى تلاميذه ابن حيويه فكان متناوله ن أقرب من احتمال أن يكون الكتاب علي بن أحمد الرزاز الذي ولد بعد ابن حيويه بأربعين سنة ولا تعرف بأنهما علاقة كان يكون في متناول ابن حيوي. وهذه الأقربية لا يدفعها احتمال اجتماع ابن حيويه بعلي أحمد الرزاز.
الأمر الثاني: أن في عبارة الأزهري: «لثقته بذلك الكتاب» وابن حيويه يصفه الأزهري في العبارة نفسها بأنه ثقة. ويصفه العتيقي بأنه «كان ثقة صالحا دينا» وبأنه «كان ثقة متيقظا» ويصفه بأنه البرقاني بأنه «ثقة ثبت حجة» ومن كانت هذه صفته فاحتمال أن يثق بكتاب أستاذه الذي كان فاضلا أديبا ثقة ولعله قد قابل بأصله أقرب من احتمال أن يثق بكتاب من ولد بعده بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
الأمر الثالث: عبارة الأزهري تقتضي أنه لم يتفق لابن حيويه القراءة من غير أصله إلا من ذاك الكتاب، واقتصاره الوثوق بغير أصله على كتاب لأستاذه معقول بخلاف اقتصاره على كتاب لإنسان أصغر منه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة، فلو كان ابن حيويه يتساهل بالقراءة من كتاب لعلي بن أحمد لتساهل بالقراءة من كتب جماعة أكبر من علي بن أحمد
وأوثق وعلاقتهم بابن حيويه معروفة.
الأمر الرابع: إطلاق البرقاني مع إمامته وجلالته والعتيقي مع ثقته وتيقظه ذاك الثناء البالغ على ابن حيويه يدل على أنه لم يكن منه تساهل يخدش فيما أثنيا عليه به، والأزهري وإن ذكر التساهل فقد عقب بقوله: «وكان من ذلك ثقة» وهذا يقضي أنه أن ساغ أن يسمى ما وقع منه تساهلا فهو تساهل عرفي لا يخدش في الثقة والتيقظ والحجة، وهذا إنما يكون بفرض أن ذاك الكتاب الذي قرأ منه كان موثوقا به وبمطابقته لأصل ابن حيويه، وإنما فيه أنه ليس هو أصله الذي كتب عليه سماعه وقد كانوا يكرهون مثل هذا وذلك من باب سد الذريعة، فأما أن يثق بكتاب لأصغر منه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة ولا يوثق بمطابقته لأصله فعباراتهم تدفع هذا أشد الدفع.
قال الأستاذ: «رواية الخزاز لو كانت عن كتاب أحد شيوخه لكانت رواياته من أصل شيخه ولما كان يرمي بالتسامح» .
أقول: علي بن موسى أبو الحسن ابن الرزاز شيخ الخزاز حتمًا، ثم هناك احتمالان:
الأول: أن يكون شيخه في ذاك الكتاب.
الثاني: أن لا يكون شيخه فيه وإنما سمعه الخزاز من رجل آخر.
فعلى الأول وهو الذي بنى عليه الأستاذ فصورة التساهل موجودة فإنه من المقرر عندهم أن التلميذ إذا سمع وضبط أصله ثم بعد مدة وجد في أصل شيخه زيادة أو
[ ٢ / ٦٨٤ ]
مخالفة لما في أصله لم يكن له أن يروي إلا ما في أصله، وقد قال حمزة السهمي في «تاريخ جر جان» ص ١٢٢ - ١٢٣ «أخبرنا أبو أحمد بن عدي أن النبي ﷺ قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. - في كتابي بخطي: عثراتهم. - ورأيت في كتاب ابن عدي بخطه: عقوبتهم» فلو أن حمزة أنه روى ذاك الحديث وقال: «عقوبتهم ٩٩ ثم رأى أهل العلم أصله وفيه «عثراتهم» فراجعه في ذلك فقال: نعم، ولكن بعد سماعي بمدة رأيت في أصل شيخي «عقوبتهم» لعدوا هذا تساهلا. ومن روى من أصل شيخه لا يؤمن أن يقع في نحو هذا إلا إذا كان قد كرر مقابلا حتى وثق كل الوثوق بالمطابقة، وأولى به وإن وثق كل الوثوق أن لا يروي إلا من أصله نفسه فإن كان الخزاز سمع ذاك الكتاب ومن أبي الحسن ابن الرزاز فتساهله هو ترك الأولى كما عرفت. وعلى الاحتمال الثاني لا يكون للخزاز أن يروي من كتاب ليس هو أصله ولا أصل شيخه إلا أن يقابله بأصله مقابلة دقيقة فيثق بمطابقته لأصله، ومع ذلك فالأولى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهل الخزاز هو في ترك الأولى كما اقتضته عباراتهم في الثناء عليه كما مر.
قال الأستاذ: «وكان ينبغي أن يذكر في السند اسم شيخه الذي ناوله أصله، وليس بمعقول أن يهمل التلميذ ذكر شيخه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه» .
أقول: هذا مبني على الاحتمال الأول وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلا وإنما ناوله إياه ابن الرزاز، والذي نقوله إنه كان على الاحتمال الأول فالخزاز سمع ذاك الكتاب سماعا من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة بل عبارة الأزهري نفسه تصرح بهذا فإن فيها «ربما أراد أن يقرأ شيئا ولا يقرب أصله منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزاز» وهذا يدل أن له أصلا بذاك المصنف غير ذاك الكتاب، إلا أنه لم يقرب منه ولو كان إنما يرويه بمناولة الشيخ ذاك الكتاب لما كان له أصل آخر. ثم إن كان سمع ذاك المصنف من ابن الرزاز فقد كان إذا قرأ منه قال: «أخبرنا أبو الحسن ابن الرزاز» ثم يقرأ من الكتاب، وإن كان إنما سمعه من غير ابن الرزاز فإنما كان يذكر اسم شيخه في ذاك المصنف
[ ٢ / ٦٨٥ ]
٢١٠- محمد بن عبد الله بن أبان أبو بكر الهيتي
٢١١- محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبو بكر الشافعي
ولا معنى لذكر ابن الرزاز. فإن بنى الأستاذ على الاحتمال الأول وقال: لكني لم أر في (تاريخ الخطيب) شيئا رواه الخطيب من طريق الخزاز عن ابن الرزاز. قلت: أما كونه شيخه، فقد صرح به الخطيب؛ وأما اجتناب الخطيب أن يروي من طريق الخزاز عن ابن الرزاز فذلك من كمال احتياط الخطيب وتثبته البارع لم تطب نفسه أن يروي من ذاك الوجه الذي قد قيل فيه، وإن كان ذاك القيل لا يضر. والله أعلم.
٢١٠- محمد بن عبد الله بن أبان أبو بكر الهيتي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٢ «أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي حدثنا أحمد بن سلمان النجاد حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: قلت لأبي: كان أبو حنيفة استتيب؟ قال: نعم» . قال الأستاذ ص ٦٥ «كان مغفلا مع خلوه من علم الحديث كما يقول الخطيب» .
أقول: أول عبارة الخطيب: «كانت أصول أبي بكر الهيتي سقيمة كثيرة الخطأ أي أنه كان شيخا مستورا صالحا فقيرا مقلا معروفا بالخير وكان مغفلا » والخطيب معروف بالتيقظ والتثبت فلم يكن ليروي عن هذا الرجل إلا ما يثق بصحته، وقضية الاستتابة متواترة.
٢١١- محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبو بكر الشافعي. قال الأستاذ ص ١١١ «يكثر المصنف عنه جدا في مثالب أبي حنيفة وكان كلفا بأن يدعى بالشافعي وليس له عمل في مذهب الشافعي غير النيل من فقيه الملة بالرواية عن مجاهيل وكذابين في مثالبه وأنت تعلم أن كثيرا من النقاد لا يقبل كلام الناس بعضهم في بعض عند اختلاف مذاهبهم حتى أن الإمام الشافعي لا يقبل شهادة المتعصب» .
[ ٢ / ٦٨٦ ]
٢١٢- محمد بن عبد الله سليمان الحضرمي الحافظ، لقبه «مطين»
٢١٣- محمد بن عبد الله بن الحكم
أقول: قد تتبعت تلك الروايات فلم أر في شيوخه فيها كذابين ولا مجاهيل إنما له رواية واحدة عن الكديمي، والكديمي قد وثقه بعضهم، وأطلق بعضهم تكذبيه، وروايتان أخريان عن رجل لم أظفر بترجمته، وآخر لم أظفر بترجمته، وسائر رواياته عن الثقات المعروفين، ولم يعرف هذا الرجل بتعصب، وأما قضية اختلاف المذاهب وزعم أن الشافعي يرد شهادة المتعصب فقد مر تحقيقه في القواعد. وأبو بكر ثقة حافظ متفق على توثيقه وتثبيته راجع ترجمته في (تاريخ بغداد) و(تذكرة الحفاظ) .
٢١٢- محمد بن عبد الله سليمان الحضرمي الحافظ، لقبه «مُطين» تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل. قال الأستاذ ص ٣٨: «تكلم فيه بن أبي شيبة» .
يعني محمد بن عثمان بن أبي شيبة وستأتي ترجمته وقول الأستاذ فيه: «الكذاب كذبه غير واحد» ! وقوله: «الكذاب مكشوف الأمر» فإن كانت هذه أو نصفها حاله عنده فكيف يعتد بكلامه في هذا الحافظ الجليل الذي قال فيه الدارقطني: «ثقة جبل» والأستاذ يعلم أنه كانت بين الرجلين ثغرة شديدة وهو يكرر الرواية بما دونها، فكيف لا يرد بها قول أحدهما في الآخر! على أن ذاك الكلام ليس فيه بحمد الله ما يقدح، لكن غير الأستاذ يلام على تشبته بما يعلم بطلانه!!
٢١٣- محمد بن عبد الله بن الحكم. مرت روايته في ترجمة الشافعي. قال الأستاذ ص ١٣٧: «لا أتكلم ولا بنقل ما قاله الحميدي والربيع المؤذن في ابن عبد الحكيم » .
أقول: أما كلمة الحميدي في ابن عبد الحكم فهي ككلمة ابن عبد الحكم في الحميدي، فلتة لسان عند استحقاق غضب كما سبق في ترجمة الحميدي فلا تضر ذا ولا ذاك كما سبق في القواعد. وأما مقالة الربيع فقد أجاب عنها أهل العلم كما في
[ ٢ / ٦٨٧ ]
٢١٤- محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي الحافظ
(التهذيب) وغيره. ووثقوا ابن عبد الحكم.
٢١٤- محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي الحافظ. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٧ من طريق «الحسين بن إدريس قال ابن عمار: إذا شككت في شيء نظرت إلى ما قال أبو حنيفة » قال الأستاذ ص ١٣٣: «قال ابن عدي: رأيت أبا يعلي سيئ القول فيه ويقول شهد على خالي بالزور عن أهل الموصل أفراد وغرائب. اهـ وأبو يعلي الموصلي من أعرف الناس به، وكلامه قاض على كلام الآخرين» .
أقول: آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلي قوله «بالزور»، ثم قال ابن عدي: «وابن عمار ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل معافى بن عمران وغيره وعنده عنهم أفراد وغرائب وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان ولم أر أحدا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة» ووثقه وأثنى عليه جماعة كثيرة، فأما أبو يعلي فكانت بينه وبين ابن عمار مباعدة ما في المذهب كما يدل عليه عكوف أبي يعلي على سماع كتب أهل الرأي من بشر بن الوليد، وردفتها كدورة عائلية كما يدل عليه قول أبي يعلي: «شهد خالي بالزور» وهذه كلمة مرسلة لم يبين ما هو الزور؟ ومن أين عرف أبو يعلي أنه زور؟ وعلى فرض تحققه ذلك فهل تعمد ابن عمار الشهادة بالباطل أو أخطأ؟ وإعراض الناس - ومنهم ابن عدي حاكي الكلمة عن أبي يعلي - عن كلمته يبين أنها كلمة طائشة لا تستحق أن يلتفت إليها. وابن عمار أكبر من أبي يعلي بنحو خمسين سنة فلعل أبا يعلي سمع خاله - ومن خاله؟ - يقول: شهد على ابن عمار بالزور فأخذها أبو يعلي ولم يحققها، وقدمنا في القواعد في القواعد أنه إذا ظهر أن بين الرجلين ثغرة لم يقبل ما يقوله أحدهما في الآخر إلا مفسرا محققا مثبتا، ويتأكد ذلك بإعراض الناس عن كلمة أبي يعلي وإجماعهم على توثيق ابن عمار. فأما الغرائب فقد دلت كلمة ابن عدي على أنها غرائب صحاح ولهذا ذكرها في صدد المدح، فحوله الكوثري إلى القدح. والله المستعان.
٢١٥- محمد بن عبد الله بن محمد بن حموديه أبو عبد الله الضبي الحاكم
[ ٢ / ٦٨٨ ]
اتهام الكوثري له بالتعصب والاختلاط الفاحش
النيسابوري.
قال الأستاذ ص ٧٠: «اختلط في آخره اختلاطا شنيعا على تعصبه البالغ» وقال ص ١٤٩: «شديد التعصب اختلط في آخره، ويقال عنه أنه كان رافضيا خبيثا» .
أقول: أما التعصب فإن كان للحاكم طرف منه ففي تشيعه الخفيف، وأما على أهل الرأي فلم يعرف بتعصب وقد سبق حكم التعصب في المقدمة، وأما قول بعضهم «إمام في الحديث رافضي خبيث» فقد أجاب عنهما الذهبي في (الميزان) قال: «إن الله يحب الإنصاف ما الرجل برافضي، بل شيعي فقط» . وتذكرني هذه الكلمة ما حكوه أن الصاحب ابن عباد كتب إلى قاضي قم:
أيها القاضي بقم قد عزلناك فقم
فقال القاضي: ما عزلتني إلا هذه السجعة. وأما قول الكوثري «اختلط اختلاطا شنيعا فمجازفة، بل لم يختلط، وإنما قال ابن حجر في (اللسان) بعد أن ذكر ما في (المستدرك) من التساهل: «قيل في الاعتذار عنه أنه عند تصنيفه (المستدرك) كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب (الضعفاء) له وقطع بترك الرواية عنهم ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في (مستدركه) وصححها» ولعل المراد بقوله «ذكر بعضهم» ما في «تذكرة الحفاظ» وهذا لا يستلزم الغفلة، ومع ذلك قوله «تغيير وغفلة» لا يؤدي معنى الاختلاط، فكيف الاختلاط الشنيع؟ وقد رأيت في (المستدرك) المطبوع إثبات تواريخ السماع على الحاكم في أوله أي ج ١ ص ٢ ثم ص ٣٦، ص ٦٩ فـ ص ٩٤ فـ ص ١٢٩ فص ١٦٣، وتاريخ الأول سابع المحرم سنة ٣٩٣ (١)، والثاني بعد ثلاثة أشهر
_________________
(١) وقع في موضعين من المواضع المشار إليها من «المستدرك» وهما ص ٢ و٩٤ سنة ثلاث وسبعين، وهذا خطأ مطبعي، ولذلك لم يعرج عليه مؤلف رحمه الله تعالى. ن.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
تقريبا، وهكذا بعد كل ثلاثة أشهر يملي جزءا في نيف وثلاثين صفحة من مطبوع، ولم يستمر إثبات ذلك في جميع الكتب، وآخر ما وجدته فيه ج ٣ ص ١٥٦ في غرة ذي القعدة سنة ٤٠٢ وهذا يدل أن تلك الطريقة استمرت منتظمة إلى ذاك الموضع، فأما بعد ذلك فلا أعلم، فإنه لو بقي ذاك الانتظام لم يتم الكتاب ألا سنة ٤١٠ لكن الحاكم توفي سنة ٤٠٥ وفي المجلد الرابع ص ٢٤٩ ذكر الحاكم أول سند «أخبرنا الحاكم أبو عبد الله » لكنه بلا تاريخ. هذا واقتصاره في كل ثلاثة أشهر على مجلس واحد يملي فيه جزء بذاك القدر يدل أنه أنما ألف الكتاب في تلك المدة، فكان الحكام مع اشتغاله بمؤلفات أخرى يشتغل بتأليف «المستدرك» والتزام أن يحضر في كل ثلاثة أشهر جزء ويخرجه للناس فيسمعونه إذا لو كان قد ألف الكتاب قبل ذلك وبيضه فلماذا يقتصر في أسماع الناس على يوم في كل ثلاثة أشهر؟ فأما إسراعه في أواخر فلعله فرغ من مصنفاته الأخرى التي كان يشتغل بها مع «المستدرك» فتفرغ لـ «المستدرك» وفي «فتح المغيث» ص ١٣ عند ذكر تساهل الحاكم في المستدرك «فيه عدة موضوعات حمله على تصحيحها إما التعصب لما رمي به من التشيع، وإما غيره فضلا عن الضعيف وغيره، بل يقال: أن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره وقد حصلت له غفلة وتغير وأنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جدا لما فيه فأنه وجد عنده: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم» .
أقول: لا أرى الذنب للتشيع فإنه يتساهل في فضائل بقية الصحابة كالشيخين وغيرهم (١) وفي المطبوع ج ٣ ص ١٥٦ «حدثنا الحاكم أمل غرة ذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة» وعادته كما تقدم أن يملي في المجلس جزء في بضع وثلاثين صفحه من المطبوع فقد أملى إلى نحو صفحة ١٩٠ من المجلد الثالث المطبوع وذلك أكثر من نصف الكتاب فأما الموضع الذي فيه ج ٤ ص ٣٤٩ فإنما فيه «أخبرنا » وليس فيه لفظ «إملاء» ولا ذكر التاريخ.
_________________
(١) قلت: وفي غير الفضائل أيضا، مما يؤكد إن السبب ليس هو التعصب. ن.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلل في "المستدرك"
والذي يظهر لي في ما وقع في «المستدرك» من الخلل أن له عدة أسباب:
الأول: حرص الحاكم على الإكثار وقد قال في خطبة «المستدرك»: «قد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على الألف جزء أو أقل أو أكثر كلها سقيمة غير صحيحة» فكان له هوى في الإكثار للرد على هؤلاء.
والثاني: أنه قد يقع حديث بسند عال أو يكون غريبا مما يتنافس فيه المحدثين فيحرص على إثباته وفي «تذكرة الحفاظ» ج ٢ ص ٢٧٠ «قال الحافظ أبو عبد الله الأخرم استعان بي السراج في تخريجه على «صحيح مسلم» أتحير من كثرة حديثه وحسن أصوله، وكان إذا وجد الخبر عاليا يقول: لا بد أن يكتبه «يعني في المستخرج» فأقول: ليس من شروط صاحبنا «يعني مسلما فشفعني فيه» . فعرض للحاكم نحو هذا كلما وجد عنده حديثنا يفرح بعلوه أو غرابته اشتهى أن يثبته في «المستدرك» .
الثالث: أنه لأجل السببين الأولين ولكي يخفف عن نفسه من التعب في البحث والنظر لم يلتزم أن لا يخرج ما له علة وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة: «سألني جماعة أن أجمع كتابا: يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها إذ لا سبيل إلى إخراج مالا علة له فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما» ولم يصب في هذا فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة، وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة وأنه يخرج ما كان رجاله مثل وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس علة قادحة.
الرابع: أنه لأجل السببين الأولين توسع في معنى قوله: «بأسانيد يحتج بمثلها»، فبنى على أن في رجال الصحيحين من فيه كلام فأخرج عن جماعة يعلم أن
[ ٢ / ٦٩١ ]
إنما يخرج الشيخان لمن فيه كلام في مواضع ثلاثة وبيانها
فيهم كلاما. ومحل التوسع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة.
أحدها: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام لا يضره في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة.
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونا أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك.
ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما يسمع منه غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنة وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس. فيخرجان للرجل حيث يصلح ولا يخرجان له حيث لا يصلح. وقصر الحاكم في مراعاة هذا وزاد فأخرج في مواضع لمن لم يخرجا ولا أحدهما له بناء على أنه نظير من قد أخرجا له، فلو قيل له: كيف أخرجت لهذا وهو متكلم فيه؟ لعله يجيب بأنهما قد أخرجا لفلان وفيه كلام قريب من الكلام في هذا ولو وفى بهذا لهان الخطب، لكنه لم يف به بل أخرج لجماعة هلكى.
الخامس: أنه شرع في تأليف (المستدرك) بعد أن بلغ عمره اثنتين وسبعين سنة وقد ضعفت ذاكرته كما تقدم عنه وكان فيما يظهر تحت يده كتب أخرى يصنفها مع (المستدرك) وقد استشعر قرب أجله فهو حريص على إتمام (المستدرك) وتلك المصنفات قبل موته، فقد يتوهم في الرجل يقع في السند أنهما أخرجا له، أو أنه فلان الذي أخرجا له، والواقع أنه رجل آخر، أو أنه لم يخرج أو نحو ذلك، وقد رأيت له في (المستدرك) عدة أوهام من هذا القبيل يجزم بها فيقول في الرجل: قد أخرج له مسلم، مثلا، مع أن مسلما إنما أخرج لرجل آخر شبيه اسمه، يقول في الرجل: فلان الواقع في السند هو فلان بن فلان. والصواب أنه غيره.
لكنه مع هذا كله لم يقع خلل ما في روايته لأنه إنما كان ينقل من أصوله المضبوطة، وإنما وقع الخلل في أحكامه ن فكل حديث في (المستدرك) فقد سمعه
[ ٢ / ٦٩٢ ]
تساهل الحاكم إنما هو بالنسبة للمستدرك فقط
٢١٦- محمد بن عبد الله بت محمد بن عبد الله أبو الفضل الشيباني
الحاكم كما هو، هذا هو القدر الذي تحصل به الثقة، فأما حكمه بأنه على شرط الشيخين، أو أنه صحيح، أو أن فلانا المذكور فيه صحابي، أو أنه هو فلان بن فلان، ونحو ذلك، فهذا قد وقع فيه (١) كثير من الخلل.
هذا وذكرهم للحاكم بالتساهل إنما يخصونه بـ (المستدرك) فكتبه في الجرح والتعديل لم يغمزه أحد بشيء مما فيها أعلم، وبهذا يتبين أن التشبث بما وقع له في (المستدرك) وبكلامهم فيه لأجله إن كان لإيجاب التروي في أحكامه التي في (المستدرك) فهو وجيه، وإن كان للقدح في روايته أو في أحكامه في غير (المستدرك) في الجرح والتعديل ونحوه فلا وجه لذلك، بل حاله في ذلك إطراح ما قام الدليل على أنه أخطا فيه، وقبول ما عداه. والله الموفق.
٢١٦- محمد بن عبد الله بت محمد بن عبد الله أبو الفضل الشيباني. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٦: «أخبرني الأزهري حدثنا أبو الفضل الشيباني حدثنا عبد الله بن أحمد الجصاص » . قال الأستاذ ص ١٠٧: «كتبوا عنه ثم بان كذبه فتركوا حديثه كما في (تاريخ الخطيب) ج ٥ ص ٤٦٧» .
أقول: ذكروا أنه كان ذا هيئة وسمت حسن يحفظ فانتخب عليه الدارقطني سبعة عشر جزءا وسمعها الناس منه وقال الدارقطني: «يشبه الشيوخ» ثم روى عن ابن المراد شيئا، فقيل له: الأكبر أم الأصغر؟ فقال: الأكبر. فقيل له: متى سمعت منه؟ فقال: سنة ٣١٠. فبلغ ذلك الدارقطني، فكذبه في ذلك وتركوا السماع منه، ثم فسد بعد ذلك فانضم إلى الرافضة، وصار يضع لهم على ما قال الخطيب. والأزهري الذي روى الخطيب هنا عنه من هذا الرجل هو ممن حكى القصة، فإنما روى عنه من تلك الأجزاء التي انتخبها الدارقطني. والله المستعان (٢) .
_________________
(١) الأصل «في» ن.
(٢) محمد بن عبد الوهاب الفراء. راجع (الطليعة) ص ٤٦ - ٤٨
[ ٢ / ٦٩٣ ]
٢١٧- محمد بن عبيد الطنافسي
٢١٨- محمد بن أبي عتاب أبو بكر الأعين
٢١٩- محمد بم عثمان بن أبي شيبة
٢١٧- محمد بن عبيد الطنافسي. قال الأستاذ في (الترحيب) ص ٣٧: «يقول فيه أحمد: يخطئ. ولا يرجع عن خطئه» .
أقول: الظاهر أن خطأه إنما كان في اللحن فقد وصف بأنه يلحن، فأما الثقة، فقد وثقه أحمد نفسه، وابن معين وابن عمار والنسائي والعجلي وابن سعد والدارقطني وغيرهم، وقال ابن المديني: «كان كيسا»، واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وبقية الأئمة. وانظر ما يأتي في ترجمة المسيب بن واضح.
٢١٨- محمد بن أبي عتاب أبو بكر الأعين. مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة محمد بن إبراهيم بن جناد. قال الأستاذ ص ١٥٨: «لم يكن من أهل الحديث، كما قال ابن معين» .
أقول: هذه كلمة مجملة، وقد فسرها الخطيب بقوله: «يعني لم يكن بالحافظ للطرق والعلل، وأما الصدق فلم يكن مدفوعا عنه» . وقال الأمام أحمد: «رحمه الله تعالى، مات ولا يعرف إلا الحديث، ولم يكن صاحب كلام، وإني لأغبطه»، وذكره ابن حبان في (الثقات) وأخرج له مسلم في مقدمة (صحيحه) ولروايته المشار إليها شواهد كثيرة.
٢١٩- محمد بن عثمان بن أبي شيبة. جاءت عنه كلمة مرت الإشارة إلى موضعها في ترجمة راويها عنه طريف بن عبيد الله، وفي (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٢٠: «أخبرنا ابن رزق معين وسئل عن أبي حنيفة فقال: كان يضعف في الحديث» . قال الأستاذ ص ١٤٧: «المجسم الكذاب كذبه غير واحد» وقال ص ١٦٨: «كذاب مكشوف الأمر» .
أقول: أما ما يسميه الأستاذ تجسيما مما يجرح به كما مر في القواعد، وقد بسطت الكلام في قسم الاعتقاديات من هذا الكتاب. وأما التكذيب فإنه تفرد بنقله أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة وليس بعمدة
[ ٢ / ٦٩٤ ]
كما تقدم في ترجمته، وتقدم في ترجمة محمد بن الحسين أنه لا يقبل من ابن عقدة ما ينقله من الجرح، ولا سيما إذا كان في مخالفة في المذهب كما هنا. ويؤكد ذلك هنا أن ابن عقدة نقل التكذيب عن عشرة مشهورين من أهل الحديث وتفرد بذلك كله فيما اعلم فلم يرو غيره عن أحد منهم تكذيب محمد بن عثمان ن وقد كان محمد ببغداد وبغاية الشهرة كثير الخصوم فتفرد ابن عقدة عن أولئك العشرة كاف لتوهين نقله. وقد كانت بين محمد بن عثمان ومحمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي مطين مشاقة ساق الخطيب بعض خبرها عن الحافظ أبي نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الذي توسط بينهما، ثم قال أبو نعيم: «طهر لي أن الصواب الإمساك عن قبول كل واحد منهما في صاحبه» . وليس في القصة ما هو بين في التكذيب. وذكر الخطيب عن حمزة السهمي أنه سأل الدارقطني عن محمد بن عثمان؟ فقال: «كان يقال: أخذ كتاب ابن أبي أنس وكتب غير محدث» وليس في هذا ما هو بين في الجرح لأنه لا يدري من القائل؟ ولا أن محمدا أخذ الكتب بغير حق، أو روى منها بغير حق، والحافظ العرف قد يشتري كتب غيره ليطالعها، كما كان الإمام أحمد يطلب كتب الواقدي وينظر فيها. وقال الخطيب: «سألت البرقاني عن ابن أبي شيبة فقال: لم أزل اسمع الشيوخ يذكرون أنه مقدوح فيه» . وليس في هذا ما يوجب الجرح، غذ لم يبين من هو القادح وما هو قدحه؟ وكأن ذلك إشارة إلى كلام مطين ونقل ابن عقدة، وقد مر ما في ذلك. وروى الخطيب عن ابن المنادي قال: «أكثر الناس عنه على اضطراب فيه كنا نسمع شيوخ أهل الحديث وكهولهم يقولون: مات حديث الكوفة بموت موسى بن إسحاق ومحمد بن عثمان واني جعفر الحضرمي وعبيد بن غنام» واضطرابه في بعض حديثه ليس بموجب جرحا.
وقال الخطيب أول الترجمة: «كان كثير الحديث واسع الرواية له معرفة وفهم سئل أبو علي صالح بن محمد عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة؟ فقال: ثقة. سئل عبدان عن ابن عثمان بن أبي شيبة فقال: ما علمنا إلا خيرا» وفي (الميزان) و(اللسان): «قال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا وهو على ما وصف لي عبدان
[ ٢ / ٦٩٥ ]
٢٢٠- محمد بن علي أبو جعفر الوراق، لقبه حمدان
لا بأس به» . وفي (اللسان) (ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال كتب عنه أصحابنا وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به كتب الناس عنه ولا أعلم أحدا تركه» . وذكر الأستاذ ص ٦٣ حكاية من (شرح السنة) جاءت من طريق محمد بن عثمان وفيها زيادة هن خالد بن نافع، وراح الأستاذ يتكلم فيها ويحمل على محمد بن عثمان. فأما زيادة خالد بن نافع إن قام الدليل على بطلان ما فيها فالذنب لخالد وأما بقية الحكاية فإنما الإيهام في سياقها، فإنه يوهم أن حمادا شهد عند ابن أبي ليلى بعد ولايته القضاء، والذي تبينه الروايات الأخرى أن حمادا كان يذكر ذلك ثم بعد موت حماد رفعت القضية إلى ابن أبي ليلى وشهد ناس بمثل ما يذكره حماد، وليس من شرط الثقة أن لا يخطئ ولا يهم، فما من ثقة إلا وقد أخطأ، وإنما شرط الثقة أن يكون صدوقا الغالب عليه الصواب، فإذا كان فما تبين أنه أخطأ فيه اطرح، وقبل ما عداه. والله الموفق.
٢٢٠- محمد بن علي أبو جعفر الوراق، لقبه حمدان. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٣ من طريق أبي بكر الشافعي «حدثنا محمد بن علي أبو جعفر حدثنا أبو سلمة » قال الأستاذ ص ٩٦: «هو حمدان الوراق حنبلي جلد من أصحاب أحمد» .
أقول: بحسب حمدان من الفضل أن لا يجد هذا الطعان ما يذمه به إلا نسبته إلى السنة وإمامها. والحمد لله الذي أنطق الكوثري بتلك الكلمة فإنها مما يكشف تمويه الجهمية، ويهتك الحجب التي سدلوها بين المسلمين وكتاب ربهم وسنة نبيهم وإمامهم الحق.
ولحمدان ترجمة في (تذكرة الحفاظ) ج ٢ ص ١٥٢ قال: «الحافظ المتقن قال الخطيب: كان فاضلا حافظا عارفا ثقة، روى ابن شاهين عن أبيه قال: كان من نبلاء أصحاب أحمد، وقال ابن المنادي: حمدان بن علي مشهود له الفضل والصلاح والصدق وقال الدارقطني: ثقة» .
[ ٢ / ٦٩٦ ]
٢٢١- محمد بن علي بن الحسن بن شقيق
٢٢٢- محمد بن علي بن عطية أبو طالب المكي
٢٢١- محمد بن علي بن الحسن بن شقيق. راجع (الطليعة) ص ١٠٨ قال الأستاذ في (الترحيب) ص ٥٠: «أما قولي في محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: ليس بالقوي فيكفي في إثباته إعراض الشيخين عن إخراج حديثه في (الصحيح) مع روايتهما عنه خارج (الصحيح)» .
أقول: ليس هذا بشيء، من شأنهما في (الصحيح) أن يتطلبا العلو ما وجدوا إليه سبيلا، ولا يرضيان بالنزول إلا أن يتفق لهما حديث صحيح تشتد الحاجة إلى ذكره في (الصحيح) ولا يقع لهما إلا بنزول. فلم يتفق لهما ذلك هنا، وهذا الرجل سنه قريب من سنهما فروايتهما عنه نزول، وهناك وجوه أخر لعدم إخراجها للرجل في الصحيح، راجع ترجمة إبراهيم بن شماس ولهذا لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجها للرجل في الصحيح، راجع ترجمة إبراهيم بن شماس ولهذا لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجها فلم يعدوا عدم إخراجهما الحديث دليلا على عدم صحته، ولا عدم إخراجها للرجل دليلا على لينه. ومحمد هذا وثقه النسائي، والنسائي ممن قد يفوق الشيخين في التشدد كما نبهوا عليه في ترجمته، ووثقه غيره أيضا، وروى عنه أبو حاتم وقال: «صدوق» وأبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في لسان الميزان (ج ٢ ص ٤١٦)، وبقي بن مخلد وهو لا يروي إلا عن ثقة كما مر في ترجمة أحمد بن سعد، وابن خزيمة وهو لا يروي في (صحيحه) إلا عن ثقة. والله الموفق.
٢٢٢- محمد بن علي بن عطية أبو طالب المكي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٣ حكاية من طريقة. قال الأستاذ ص ١٤٧: «أحد السالمية ويقول عنه الخطيب: إن له أشياء منكرة في الصفات. ثم روى عنه» .
أقول: عبارة الخطيب ج ٣ ص ٨٩: «صنف كتابا سماه (قوت القلوب) على لسان الصوفية ذكر فيه أشياء منكرة مستشنعة في الصفات قال العتيقي: وكان رجلا صالحا مجتهدا في العبادة» .
أقول: يراجع كتابه فقد يكون المستنكر إنما هو من رأيه، لا روايته، فإذا كان
[ ٢ / ٦٩٧ ]
٢٢٣- محمد بن علي البلخي
كذلك فقد مر تحقيقه في القواعد.
٢٢٣- محمد بن علي البلخي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٩: أخبرنا أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي الحافظ بنيسابور أخبرنا محمد بن أحمد بن الغطريف بجرجان حدثنا محمد بن علي البلخي حدثني محمد بن أحمد التميمي بمصر حدثني محمد بن جعفر الأسامي قال: كان أبو حنيفة يتهم شيطان الطاق » .
حكى الأستاذ هذه العبارة ص ١٣٥ وزاد فيها قبل بن محمد بن جعفر «عبد الله بن» بين قوسين يعني أن الصواب « بمصر حدثني عبد الله بن محمد بن جعفر الأسامي » ثم قال: «محمد بن علي بن الحسن البلخي الهروي يغلب على رواياته المناكير ومحمد بن أحمد التميمي العامري المصري كان كذابا يروي نسخة موضوعة كما قال ابن يونس وبالنظر إلى أن وفاته سنة ٣٤٣ لا يكون شيخه ولد إلا في النصف الأخير من المائة الثالثة فيكون بين محمد ابن جعفر الأسامي شيخه وبين شيطان الطاق المعاصر لأبي حنيفة زمان» .
أقول: البلخي الذي ذكره الأستاذ يقال له: «الجباخاني» توفي سنة ٣٥٧ فكأنه أصغر من الغطريفي فإن مولد الغطريفي قديم فقد سمع من الحسن بن سفيان المتوفى ٣٠٣ ونحوه. ومحمد بن أحمد الذي تكلم فيه ابن يونس هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الجبار بن هاشم بن عبد الجبار ابن عبد الرحمن بن عيسى بن وردان الورداني العامري المصري، لم يذكروا أنه يقال له: «التميمي» والذي في سند الخطيب «التميمي» وليس فيه «العامري» والتميمي والعامري لا يجتمعان في حاق النسب، زد على هذا أن العامري توفى سنة ٣٤٣ فسنه قريب من سن الغطريفي والجباخاني - هذا وفي السند قول التميمي: «حدثني محمد بن جعفر الأسامي» .
فإن كان الأستاذ أومأ بزيادته إلى أنه عبد الله بن محمد بن أسامة الأسامي المذكور في (الميزان) و(اللسان) فلا أرى العامري أدركه لأن عبد الله يروي عن الليث بن سعد المتوفى سنة ١٧٥ وابن لهيعة المتوفى قبل ذلك، وإن أراد أن شيخ العامري هو والد عبد الله هذا فذلك أبعده مع أنه محمد بن أسامة، لا محمد بن جعفر.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
٢٢٤- محمد بن علي أبو العلاء الواسطي القاضي
٢٢٥- محمد بن عمر بن محمد بن بهتة
فالحاصل أننا لم نعرف التميمي ولا الأسامي ولم نتحقق من هو البلخي؟ والله اعلم.
٢٢٤- محمد بن علي أبو العلاء الواسطي القاضي. تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة محمد بن عثمان بن أبي شيبة. قال الأستاذ ص ١٤٧: «وهذا أيضا في عداد المحفوظ عند النقلة في النظر الخطيب نع أنه هو الذي يقول عن أبي العلاء الواسطي: رأيت له أصولا مضطربة وأشياء سماعه فيها مفسود إما مصلح بالقلم وإما مكشوط بالسكين، وقد انفرد برواية المسلسل بأخذ اليد» .
أقول: أما القضية المحفوظ فقد أجبنا عنها في ترجمة الخطيب، وأما ما وقع في أصول أبي العلاء فالخطيب هو الذي حقق ذلك، فالظن به أنه انتقى من مرويات أبي العلاء ما تبين له صحة سماعه فذاك هو الذي يرويه عنه، وأما المسلسل فقد بين أبو العلاء وهمه فيه ورجع عنه كما ذكره الخطيب. وقال ابن حجر في (اللسان): «الذي يظهر لي أنه وهم في أشياء بين الخطيب بعضها، وأما كونه اتهم بها أو ببعضها فليس هذا مذكورا في تاريخ الخطيب ولا غيره وفي الجملة فأبو العلاء لا يعتمد على حفظه فأما كونه متهمًا فلا» .
أقول: قد يقال: إنه اتهم في دعوى السماع، وإن لم يتهم بالوضع. والله أعلم.
٢٢٥- محمد بن عمر بن محمد بن بهتة. تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة ابن عقدة. قال الأستاذ ص ٧٨: «شيعي لا يرضاه الخطيب» .
أقول: إنما قال الخطيب «سألت البرقاني عن ابن بهتة فقال: لا بأس: لا بأس به إلا أنه كان يذكر أن في مذهبه شيئا، ويقولون: هو طالبي. قلت للبرقاني تعني بذلك أنه شيعي، قال نعم. أخبرنا أحمد بن محمد بن محمد العتيقي قال سنة ٢٧٤ فيها توفي أبو الحسن محمد بن عمر بهتة في رجب وكان ثقة» . فقد ثبت التوثيق ولم يثبت ما ينافيه. (١)
_________________
(١) محمد بن عمر بن وليد راجع (الطليعة) ص ٣٥ - ٣٧.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
٢٢٦- محمد بن عمرو العقيلي الحافظ
٢٢٧- محمد بن عوف
٢٢٨- محمد بن الفضل السدوسي المشهور بعارم
٢٢٦- محمد بن عمرو العقيلي الحافظ. قال الأستاذ ص ١٥٠: «ذلك المتعصب الخاسر» وقال ص ١٦٣: «لا نستطيع أن نثق بمثل الخطيب ولا بمثل العقيلي بعد أن شاهدنا منهما ما شاهدناه» .
أقول: لا حرج أن نتسامح مع الأستاذ فنقول: قد كان في العقيلي تشدد ما فينبغي التثبيت فيما يقول من عند نفسه في مظان تشدده، فأما روايته فهي مقبولة على كل حال وقد تقدم إيضاح ذلك في القواعد، فأما الخسران فالعقيلي بعيد عنه بحمد الله، وأما قوله: «لا نستطيع أن نثق» فليس الأستاذ بأول من غلبه هواه!
٢٢٧- محمد بن عوف. تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة إسماعيل بن عياش قال الأستاذ ص ١٠٠ «مجهول لأنه ليس أبا جعفر الطائي الحمصي الحافظ لتأخر ميلاده عن وفاة إسماعيل بن عياش» .
أقول: لم يتضح لي أمره ولعله وقع في السند سقط والحكاية ثابتة من وجوه أخرى.
٢٢٨- محمد بن الفضل السدوسي المشهور بعارم. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٢ من طريق الآبار وحدثنا عن الحسن بن علي الحلواني «حدثنا يزيد بن هارون عن حماد ح الآبار وحدثنا أبو موسى عيسى بن عامر حدثنا عارم عن حماد » ثم ساق الخطيب نحو ذلك من طريق إبراهيم بن الحجاج عن حماد بن زيد. قال الأستاذ ص ٩٤: «عارم - محمد ابن الفضل اختلط اختلاطا شديدا بعد سنة ٢٢٠ وعيسى بن عامر ممن سمع منه بعد ذلك» .
أقول: أما هذه الحكاية فقد تابع عارما عليها ثقتان كما رأيت، وأما سماع عيسى من عارم بعد اختلاطه فلم يثبته الأستاذ، وقد قال الدارقطني في عارم: «تغير بأخرة وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة» وخالفه ابن حبان فرد عليه
[ ٢ / ٧٠٠ ]
٢٢٩- محمد بن فليح بن سليمان
٢٣٠- محمد بن كثير العبدي
الذهبي كما في (الميزان) (١) .
٢٢٩- محمد بن فليح بن سليمان. مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة سليمان بن فليح قال الأستاذ ص ٦٢: «يقول عنه ابن معين: إنه ليس بثقة» .
أقول: روى أبو حاتم عن معاوية بن صالح عن ابن معين: «فليح بن سليمان ليس بثقة، ولا ابنه» . فسئل أبو حاتم فقال: «ما به بأس، ليس بذاك القوى» وقد اختلفت كلمات ابن معين في فليح قال مرة: «ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه، هو دون الدراوردي» وقال مرة: «ضعيف ما أقربه من أبي أويس» وقال مرة: «أبو أويس مثل فليح: صدوق وليس بحجة» . فهذا كله يدل أن قوله في الرواية الأولى: «ليس بثقة»، إنما أراد أنه ليس بحيث يقال له ثقة وترداد الوطأة خفة في قوله: «ولا ابنه» فإنها أخف من أن يقال في الابن: «ليس بثقة» ويتأكد ذلك بأن محمد بن فليح روى عنه البخاري في (الصحيح) والنسائي في (السنن) وقال الدارقطني: «ثقة» وذكره ابن حبان في (الثقات) .
٢٣٠- محمد بن كثير العبدي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٧ من طريق ابن أبي حاتم «حدثني أبي قال سمعت محمد بن كثير العبدي يقول: كنت عند سفيان الثوري فذكر حديثا فقال رجل حدثني فلان بغير هذا، فقال: من هو؟ قال: أبو حنيفة. قال: أحلتني على غير مليء» قال الأستاذ ص ١٦١: «فيه يقول ابن معين: لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة» .
أقول: قال الإمام أحمد: «ثقة، لقد مات على سنة» وقال أبو حاتم مع تشدده:
_________________
(١) محمد بن فضيل بن غزوان راجع (الطليعة) ص ٧٦ - ٧٧ وأبو هشام الرفاعي من رجال مسلم في (صحيحه) . المؤلف. قلت: الرفاعي ليس له علاقة بما هنا، وإنما ب (الطليعة) . ن
[ ٢ / ٧٠١ ]
٢٣١- محمد بن كثير المصيصي
«صدوق» وأخرج له الشيخان في (الصحيحين) وبقية الستة روى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص ٤١٦ وقال ابن حبان في (الثقات): «كان تقيا فاضلا» وهذا كله يدل أن ابن معين إنما أراد بقوله: «ليس بثقة» أنه ليس بالكامل في الثقة، فأما كلمة «لا تكتبوا عنه» فلم أجدها، نعم قال ابن الجنيد عن ابن معين: «كان في حديثه ألفاظ، كأنه ضعفه» قال: «ثم سألته عنه فقال: لم يكن لسائل أن يكتب عنه» وابن معين كغيره إذا لم يفسر الجرح وخالفه الأكثرون يرجح قولهم. ولهذه الحكاية عدة شواهد عند الخطيب وغيره.
٢٣١- محمد بن كثير المصيصي. تقدمت روايته في ترجمة علي بن زيد الفرائضي.
قال الأستاذ ص ١١١: «ضعفه أحمد عندي ثقة» هو أحمد أيضا لا أبو حاتم وقال أحمد عقبها: «بلغني أنه قيل له كيف سمعت من معمر؟ قال: سمعت منه باليمن، بعث بها إلي إنسان من اليمن» . فهذه حجة أحمد، حمل الحكاية على أن محمد بن كثير لم يسمع من معمر، وإنما بعث إليه أنسأن بصحيفة من اليمن فيها أحاديث عن معمر فظن محمد بن كثير أن ذلك يقوم مقام السماع من معمر. وليس هذا بالبين غذ قد يكون مراده «سمعت منه باليمن وتركت أصلي باليمن ثم بعث إلي» فأما أبو حاتم فإنما قال: «كان رجلا صالحا سكن المصيصة، وأصله من صنعاء اليمن، كان في حديثه بعض الإنكار» وقال أيضا: «سمعت الحسن بن الربيع يقول: محمد بن كثير اليوم أوثق الناس، وينبغي لمن يطلب الحديث لله تعالى أن يخرج إليه، كان يكتب عنه وأبو إسحاق الفزاري حي، وكان يعرف بالخير مذ كان» وقال ابن الجنيد عن ابن معين: «كان صدوقا» وقال عبيد بن محمد الكشوري عن ابن معين: «ثقة» وقال ابن سعد: «كان ثقة ويذكرون أنه اختلط في أواخر عمره» وقال ابن حبان في
[ ٢ / ٧٠٢ ]
(الثقات): «يخطئ ويغرب» وقال أبو داود: «لم يكن يفهم الحديث» . وقال أبو حاتم: «دفع إلى محمد بن كثير كتاب من حديثه عن الأوزاعي فكان يقول في كل حديث منها: ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي» ! وقال الذهبي: «هذا تغفيل يسقط الراوي به» .
أقول: أما السقوط فلا، وقد انتقدوا عليه أحاديث ذكرها الذهبي في (الميزان) .
الأول: روى عن الثوري عن إسماعيل عن قيس عن جرير: أظنه - شك ابن كثير - فذكر حديثا. قالوا: الصواب بالسند عن قيس عن دكين. وقد شك محمد بن كثير وبين شكه وليس من شرط الثقة أن لا يشك.
الثاني: حديث في قراءة (يس) رفعه محمد بن كثير وصوبوا أنه مرسل، وهذا خطأ هين يحتمل للمكثر.
الثالث: حديث رواه عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن آبى هريرة مرفوعا: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه » رواه هكذا أبو داود من طريق محمد بن كثير، ورواه آخرون عن الأوزاعي قال: أنبئت أن سعيد المقبري حدث عن أبيه » وليس في هذا ما يقطع به بالوهم، فإن كان وهم فمثله يحتمل للمكثر لأن الأوزاعي مما يروي عن ابن هذا ما عجلان عن سعيد المقبري.
الرابع: أخرج الترمذي عن الحسن بن الصباح عن محمد بن كثير - زاد في بعض النسخ: العبدي (؟) - عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس قال: رأى النبي ﷺ أبا بكر وعمر فقال: هذان سيدا كهو ل الجنة » قال الترمذي: «حسن غريب من هذا الوجه» ثم أخرجه من حديث علي. وهذا الحديث ذكر في (الميزان) و(التهذيب) في ترجمة محمد بن كثير المصيصي وأنه أنكر عليه ن ذكر لابن المديني فقال: «كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ، فالآن لا أحب أن أراه» وأحسب أبا
[ ٢ / ٧٠٣ ]
٢٣٢- محمد بن محمد بن سليمان الباغندي وأبوه
حاتم وابن حبان إنما أشارا إلى هذا الحديث إذ قال الأول: «في حديثه بعض الإنكار» وقال الثاني: «يغرب» والحديث مذكور من حديث علي ﵁، ووهم محمد بن كثير في إسناده لا يسقطه بل حقه أن يتقى ما يظهر أنه وهم فيه ن ويحتج به فيما توبع عليه، وينظر فيما تفرد به، وليس بمنكر. والله أعلم.
٢٣٢- محمد بن محمد بن سليمان الباغندي وأبوه. تاريخ بغداد ١٣ / ٣٧١: «أخبرني الحسن بن محمد الخلال حدثنا محمد بن العباس الخزاز- وأخبرنا محمد بن أحمد بن حسنون الترسي أخبرنا موسى بن عيسى بن عبد الله السراج - قالا حدثنا محمد بن الباغندي حدثنا أبي قال: كنت عند عبد الله بن الزبير فأتاه كتاب أحمد بن حنبل: اكتب إلي بأشنع مسألة عن أبي حنيفة فكتب إليه: حدثني الحارث بن عميد قال: سمعت أبا حنيفة يقول » .
قال الأستاذ ص ٣٧: « قال الدارقطني: كان كثير التدليس يحدث بما لم يسمع وربما سرق اهـ وكان إبراهيم بن الأصبهاني يكذبه، وكان الأب يكذب الابن، والابن الأب، وكثير من أهل النقد يصدقهما في تكذيب أحدهما الآخر ومن الدليل على بطلان الخبر من أسامة أن الحميدي مكي لم يجالس أصحاب أبي حنيفة ولا درس فقهه، وأحمد عراقي تفقه على أصحاب أبي حنيفة فمثل أحمد العراقي لا يسأل الحميدي المكي » .
أقول: أما خبر تكذيب كل منهما الآخر، فرواه الخطيب عن أبي العلاء محمد بن علي الواسطي وقد تقدمت ترجمته عن عبد الله بن إبراهيم الزبيبي (١) قال: قال أبو بكر أحمد بن أبي الطيب المؤدب وأبو بكر هذا لم أظفر بترجمته، فإن صحت الحكاية فالظاهر أن الأب إنما أنكر على الابن شدة التدليس الذي صورته كذب كما يأتي، فأما كلمة الابن ففلتة لسان عند سورة غضب فلا يعتد بها، والأب ذكره ابن حبان في (الثقات) وحكى السلمي عن الدارقطني أنه قال: «لا بأس به»، وقال الخطيب: «مذكور بالضعف، ولا أعلم لأية علة ضعف فإن رواياته كلها مستقيمة
_________________
(١) وقع في (التاريخ) «الزينبي» وهو تصحيف.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
ولا أعلم في حديثه منكرا» .
أقول: لعل ابن أبي الفوارس إنما ضعفه لأنه قد يخطئ كما وقع في هذه الحكاية جعلها من رواية الحميدي عن الحارث بن عمير والصواب: الحميدي عن حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه كما قاله حنبل بن إسحاق.
وأما الابن فقال الإسماعيلي: «لا أتهمه ولكنه خبيث التدليس» وقال ابن مظاهر: «هذا رجل لا يكذب ولكن يحمله الشره على أن يقول حدثنا» .
وروى الخطيب من طريق عمر بن الحسن بن علي وقد تقدمت ترجمته قال: «سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن أبي خيثمة وذكر عنده أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي فقال: ثقة كثير الحديث لو كان بالموصل لخرجتم إليه ولكنه منطرح إليكم ولا تريدونه» جزم الذهبي في (التذكرة) و(الميزان) وتبعه ابن حجر في (اللسان) بنسبة هذه الكلمة إلى محمد بن أحمد أبي خيثمة بناء على الوثوق بعمر بن الحسن وقد مرت ترجمته.
وقال الحاكم عن ابن المظفر: «الباغندي ثقة إمام لا ينكر منه إلا التدليس والأئمة دلسوا» وقال الخطيب: «لم يثبت من أمر ابن الباغندي ما يعاب به سوى التدليس ورأيت كافة شيوخنا يحتجون بحديثه ويخرجونه في الصحيح» وقال الذهبي بعد أن حكى كلمة ابن الأصبهاني: «بل هو صدوق من بحور الحديث» وقال ابن حجر في (طبقات المدلسين) ص ١٥: «مشهور بالتدليس مع الصدق والأمانة» .
أقول: هي قضية واحدة أطلق بعضهم أنها كذب وبعضهم أنها تحديث بما لم يسمع وبعضهم أنها تدليس خبيث. وهو أنه كان يطلق فيما أخذه من ثقة عن أبي بكر بن أبي شيبة مثلا «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة» ! وإذا قد عرف اصطلاحه في هذا فليس بكذب.
وفي (فتح المغيث) ص ٧٥ نظائر قال: «كقول الحسن البصري خطبنا ابن عباس، و: خطبنا عتبة بن غزوان. وأراد أهل البصرة بلده فإنه لم يكن بها حين خطبتهما ونحوه في قوله: ثنا أبو هريرة. وقول طاوس: قدم علينا معاذ اليمن. وأراد أهل بلده فإنه لم يدركه» وقال: قبل ذلك: «بل وصف به من
[ ٢ / ٧٠٥ ]
صرح بالإخبار في الإجازة كأبي نعيم والتحديث في الوجادة كإسحاق بن راشد الجزري وكذا فيما لم يسمعه كفطر بن خلفية وقال ابن عمار عن القطان: كان فطر صاحب ذي: سمعت، سمعت. يعني أنه يدلس فيما عداها» ولا شبهة في جواز مثل هذا لغة إذا كانت هناك قرينة، وقد خاطب الله تعالى اليهود في عصر محمد ﷺ بقوله: «وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ» الآيات وفيها: «وإذ قلتم يا موسى» وفي (الصحيح) عن السائب بن يزيد: «كنا نؤتي بالشارب في عهد رسول الله ﷺ » . قال ابن حجر في (الفتح): «وفيه إسناد القائل الفعل بصيغة الجمع التي هو فيها مجازا لأن السائب كان صغيرا جدا فكأن مراده بقول: كنا، أي الصحابة» . وكثيرا ما يقع في أشعار العرب: «قتلنا فلانا» وفعلنا وفعلنا، والفاعل غيره من قومه، فإذا كانت هناك قرينة تنقي الحقيقة أو تدافع ظهور الكلمة فيها خرجت عن الكذاب، ومن القرينة أن يعرف عن الرجل أنه مما يستعمل هذا وإن لم تكن هناك قرينة خاصة، اتكالا على هذه القرينة العامة وهي أنه مما يستعمل ذلك.
وأما قول الدارقطني: «ربما سرق» فكأنه أراد بها أنه قد يقول: «حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة» مثلا فيما لم يسمعه من أبي بكر ولا ممن سمعه من أبي بكر وإنما وجده في كتاب رجل سمعه من أبي يكر، كأن الدارقطني أخذ هذا من قصة حكاها عن ابن حنزابة وليست بالبينة في ذلك، وهب أن ذلك صح فالوجادة صحيحة من طرق التحمل فآل الأمر إلى التدليس، وقد دلت استقامة حديث الباغندي وخلوه عن المناكير على أنه كان لا يدلس إلا فيما لا شبهة في صحته عمن يسميه فلا يقول مثلا: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة» إلا فيما يستيقن أن أبا بكر بن أبي شبيه حدث به فهذا تحقيق حاله.
أما قول الأستاذ: «ومن الدليل على بطلان الخبر » فليس بشيء لأن غالب
[ ٢ / ٧٠٦ ]
٢٣٣- محمد بن المظفر بن إبراهيم أبو المفتوح الخياط
٢٣٤- محمد بن معاوية الزيادي
الكلمات المستشنعة من أبي حنيفة كانت منه إذ كان بمكة في أوائل أمره كما يعلم من تتبع الحكايات، وكان الحميدي تتبع ذلك وأصحاب أبي حنيفة الذين سمع منهم أحمد شيئا في بدء أمره، وقد تقدم النظر في ذلك في ترجمته - كان أدبهم يمنعهم من الأخبار عن شيخهم بما يستشنع، ولا سيما إذا علموا أن ذلك كان في أول أمره، ثم رجع أو كف عنه. والله المستعان. (١)
٢٣٣- محمد بن المظفر بن إبراهيم أبو المفتوح الخياط. تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة محمد بن علي بن عطية. قال الأستاذ ص ١٤٨: «لا يعرفه أحد سوى الخطيب ولا روى عنه أحد سواه» .
أقول: بنى هذه المجازفة على قول الخطيب في ترجمة هذا الرجل: «كتبت عنه في سنة ٤١٣ وهو شيخ صدوق كان يسكن دار إسحاق، ولا أعلم كتب عنه أحد غيري» .
ويكفي هذا الرجل رواية الخطيب وتصديقه.
٢٣٤- محمد بن معاوية الزيادي. تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة زكريا بن يحيى الساجي. قال الأستاذ ص ١٨: «والزيادي ممن أعرض عنهم الأئمة الستة في أصولهم، وعادة ابن حبان في التوثيق معروفة» .
أقول: قد قدمنا مرارا أن كونهم لم يخرجوا للرجل ليس بدليل على وهنه عندهم ولا سيما من كان سنة قريبا من سنهم وكان مقلا كهذا الرجل فإنهم كغيرهم من أهل الحديث إنما يُعنون بعلو الإسناد ولا ينزلون إلا لضرورة، وقد روى النسائي عن هذا الرجل في (عمل اليوم والليلة) وقال في مشيخته: «أرجو أن يكون صدوقا، كتبت عنه شيئا يسيرا» وإنما قال «أرجو » لأنه إنما سمع منه شيئا يسيرا ولم يتفرغ لاختباره لاشتغاله بالسعي وراء من هم أعلى منه إسنادا ممن هم
_________________
(١) محمد بن مسلمة. راجع «الطليعة» ص ٨٧ - ٨٩.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
٢٣٥- محمد بن موسى البربري
٢٣٦- محمد بن ميمون أبو حمزة السكري
في طبقة شيوخ هذا الرجل، وقد قال مسلمة بن قاسم: «ثقة صدوق» وقال ابن حبان في (الثقات): «كان صاحب حديث» . فدل هذا أنه قد عرفه حق معرفته وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن مثل هذا من توثيقه توثيق مقبول، بل قد يكون أثبت من توثيق كثير من الأئمة، لأن ابن حبان كثيرا ما يتعنت في الذين يعرفهم، ولم يغمزه أحد.
٢٣٥- محمد بن موسى البربري. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٤ من طريق يعقوب ابن سفيان قال: «حدثنا سليمان بن حرب» ثم من طريق البربري هذا «حدثنا ابن الغلابي عن سليمان في ترجمة طلق بن حبيب. قال الأستاذ ص ٤٣: «قال عنه الدارقطني إنه لم يكن بالقوي. ولم يكن يحفظ غير حديثين أحدهما موضوع عند الأكثرين» .
أقول: كلمة الدارقطني تعطي أنه في الجملة كما مر في ترجمة الحسن بن الصباح، وأما الحفظ فليس بشرط، كان علم الرجل في كتبه ومنها يروي، وذلك أثبت من الحفظ، والحديث الذي زعم الكوثري أنه موضوع، هو حديث الطير، وقد تقدمت الإشارة إليه في ترجمة عبد الله بن محمد بن عثمان ابن السقاء، وأهل الحديث يروونه قبل أن يخلق البربري بزمان طويل، فأي شيء عليه إذا رواه؟ فأما حفظة له فكأنه لأن الناس كانوا يكثرون من السؤال عنه. ومع هذا فقد توبع البربري في هذه الحكاية كما رأيت.
٢٣٦- محمد بن ميمون أبو حمزة السكري. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٤ من طريق «إسحاق بن راهويه حدثني أحمد بن النضر قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: سمعت أبا حنيفة » قال الأستاذ ص ٩٧: «مختلط وإنما روى عنه من روى من أصحاب الصحاح قبل الاختلاط» .
أقول: لم يختلط، وإنما قال النسائي: «ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب
[ ٢ / ٧٠٨ ]
٢٣٧- نصر بن محمد بن مالك
٢٣٨- محمد بن يعلي زنبور
عنه قبل ذلك فحديثه جيد» وإنما يخشى منه بعد عماه أن يحدث من حفظه بالأحاديث التي تطول أسانيدها وتشتبه فيخطئ، وليس ما هنا كذلك، فأما ذكر ابن القطان الفاسي له فيمن اختلط فلم يعرف له مستند غير كلام النسائي، وقد علمت أن ذلك ليس بالاختلاط الاصطلاحي.
٢٣٧- نصر بن محمد بن مالك. (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٢: «أخبرني الحسن بن أبي طالب أخبرنا محمد بن نصر بن مالك حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم النجاد » قال الأستاذ ص ١٤٤: «ذلك الكذاب صاحب التسميع الطري » .
أقول: قال الأزهري: «حضرت عند محمد بن نصر بن مالك فوجدته على حاله عظيمة من الفقر والفاقة وعرض على شيئا من كتبه لأشتريه، ثم انصرفت من عنده وحضرت عند أبي الحسن ابن رزقويه فقال لي: ألا ترى ابن مالك؟ جاءني بقطعة من كتب أبي الدنيا قال اشترها مني فإن فيها سماعك معي قال الأزهري: فنظرت في تلك الكتب وقد سمع فيها ابن مالك بخطه لبن رزقويه تسميعا طريا» فهذا الرجل أنما خلط بأخرة لعظم ما نزل به، والحكاية التي رواها الخطيب من طريقه راويها عنه من المتثبتين الذين كانت عادتهم أن لا يسمعوا من الرجل إلا من أصوله الموثوق بها. (١)
٢٣٨- محمد بن يعلي زنبور. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٥ من طريقة: «سمعت أبا حنيفة يقول: قدمت علينا امرأة جهم بن صفوان فأدبت نسائنا» . قال الأستاذ ص ٤٨: «قال البخاري عنه: ذاهب الحديث. و«قال» النسائي: ليس بثقة - و«قال» أبو حاتم: متروك و«قال» أحمد بن سنان: كان جهميا. ومن المقرر عند أهل النقد أن رواية المبتدع لا تقبل فيما يؤيد به بدعته على أنه مات سنة ٢٠٤ فيصغر عن إدراك ما يمكن أن يتصور حدوثه في أواخر الدولة الأموية» .
_________________
(١) محمد بن يحيى ابن أبي العدني. راجع «الطليعة» ص ٧٢ - ٧٣.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
٢٣٩- محمد بن يوسف الفريابي
٢٤٠- محمد بن يونس الجمال
٢٤١- محمد بن يونس الكديمي
أقول: قد وثقه أبو كريب وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «لا يجوز الاحتجاج به فيما خالف فيه الثقات» والظاهر أنهم شددوا عليه لبدعته ورواية المبتدع قد تقدم النظر فيها في القواعد ن وروايته هذه لها شوهد تدل أن للقصة أصلا، والمنقول أنه توفي سنة ٢٠٥ ولم يحك أنه شاهد القصة: إنه يصغر عن إدراكها، إنما حكى قول أبي حنيفة وقد أدركه وسمع منه وروى عنه.
٢٣٩- محمد بن يوسف الفريابي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٢ من طريقه «كنا في مجلس سعيد بن عبد العزيز بدمشق » قال الأستاذ ص ١٤٦: «ذلك الرجل الصالح الذي سكن عسقلان مرابطا وكان يأمر أهل الثغر بالاستثناء في كل شيء وكان بالغ العداء للمرجئة الذين لا يستثنون في الإيمان »
أقول: الإرجاء والاستثناء قد تعرضت لهما في قسم الاعتقاديات. والمخالفة في المذهب قد تقدم النظر فيها في القواعد واتضح أنها لا تقدح في الرواية كما لا ترد بها الشهادة، والفريابي ثقة ثبت فاضل لا يتهمه إلا مخذول.
٢٤٠- محمد بن يونس الجمال. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٦ من طريقة «سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت شعبة يقول: كيف من تراب خير من أبي حنيفة» . قال الأستاذ ص ١٥٩: «قال محمد بن الجهم هو عندي متهم، قالوا: كان له ابن يدخل عليه الأحاديث، وقال ابن عدي: ممن يسرق الناس »
أقول: محمد بن الجهم هو السمري صدوق وليس من رجال هذا الشأن وقوله: «قالوا كان له ابن » لم يبين من القائل، وابن عدي إنما رماه بالسرقة لحديث واحد رواه عن ابن عيينة فذكر ابن عدي أنه حديث حسين الجعفي ثقة ثبت فالحديث ثابت عن ابن عيينة وقد سمع الجمال من ابن عيينة فالحكم على الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبين، لكن لم أر من وثق الجمال فهو ممن يستشهد به في الجملة. والله أعلم.
٢٤١- محمد بن يونس الكديمي مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة ضرار بن صرد قال الأستاذ ص ٦٠: «متكلم فيه راجع (ميزان الاعتدال)» .
[ ٢ / ٧١٠ ]
٢٤٢- محمود بن إسحاق بن محمود القواس
٢٤٣- مسدد بن قطن
أقول: الكديمي ليس بعمدة وقد توبع على روايته المذكورة كما تقدم، ومر له ذكر في ترجمة سفيان الثوري.
٢٤٢- محمود بن إسحاق بن محمود القواس. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١١ «أخبرني محمد بن عبد الملك القرشي أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين الرازي حدثنا محمود بن إسحاق بن محمود القواس بخاري قال: سمعت أبا عمرو وحريث بن عبد الرحمن » قال الأستاذ ص ٤٢: «لا نثق بالقواس وصاحبه» .
أقول إذا كان أهل العلم قد وثقوهما وثبتوهما ولم يتكلم أحد منهم فيهما فماذا ينفعك أن تقول: لا تثق بهما؟ ومحمود هو صاحب الأنام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري روى عنه (جزء رفع اليدين) و(جزء القراءة خلف الأمام) وهو آخر من روى عنه ببخاري كما في (مقدمة الفتح) والراوي عنه هو الحافظ البصير ترجمته في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٢١٨ والحكاية تتعلق بالطلاق قبل النكاح وقد نظرت فيها في قسم الفقهيات.
٢٤٣- مسدد بن قطن. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٣ من طريق الحاكم «سمعت أبا جعفر محمد بن هانئ يقول: حدثنا مسدد بن قطن حدثنا محمد بن أبي عتاب الأعين حدثنا علي بن جرير الأبيوردي قال الأستاذ ص ١٤٩: «ليس بأحسن حالا من أبيه السابق ذكره» .
أقول: قد تقدمت ترجمة أبيه، والنظر فيما قيل فيه ولا شأن له بهذه الرواية، فأما مسدد فترجمته في (تاريخ نيسابور) وفيها كما في (مرءاة الجنان) و(الشذرات): «كان مربي عصره والمقدم في الزهد والورع» ولم يتكلم فيه أحد، وروايته هذه قد صحت عن علي ابن جرير من أوجه كما تقدم في ترجمته علي بن جرير، وما فيها من ترك ابن المبارك الرواية عن أبي حنيفة بأخرة، قد ثبت من عدة وجوه أخرى (١) .
_________________
(١) مسعود بن شيبة راجع (الطليعة) ص ٩٤. وتقدم له ذكر في ترجمة الإمام محمد بن إدريس الشافعي.
[ ٢ / ٧١١ ]
٢٤٤- مسلم بن أبي مسلم
٢٤٤- مسلم بن أبي مسلم. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٥ من طريق «الحسن بن الوضاح المؤدب حدثنا مسلم بن أبي مسلم الحرفي (؟) حدثنا أبو إسحاق الفزاري » قال الأستاذ ص ٧٢: «مسلم بن أبي مسلم عبد الرحمن الجرمي وثقه الخطيب الفزاري » قال الأستاذ ص ٧٢: «مسلم بن آبى عبد الرحمن الجرمي وثقة الخطيب لكن في (اللسان) أنه ربما يخطئ، وقال البيهقي غير قوي. وقال أبو الفتح الأزدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها» .
أقول: ذكره ابن حبان في (الثقات): «مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين» . وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه، لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله «ربما أخطأ» لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر اثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه، فآما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، فليس في نفسه كل ما حدث به، وإنما شرطه أن لا يتفرد بالمناكير عن المشاهير فيكثر، والظاهر أن الأزدي إنما عني الحديث الذي ذكره البيهقي وهو ما رواه مسلم هذا عن مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا: لا يقل أحدكم زرعته، ولكن ليقل حرثته، قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قول الله «أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة:٦٤)» . وهذا الحديث أخرجه ابن جرير في تفسير سورة الواقعة عن أحمد بن الوليد القرشي عن مسلم وفي (اللسان) أن البيهقي أخرجه في (شعب الأيمان) من وجهين «عنه» وقال إن مسلما غير قوي (١) . ولعل ابن حبان إنما أشار بقوله «ربما أخطأ» إلى هذا الحديث حمله
_________________
(١) قلت: وكذلك قال في «السنن الكبرى» (٦ / ١٣٨)، ومن طريق مسلم هذا أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (رقم ١١٣٥ - موارد) والطبراني في «الأوسط» (١ / ١٤٩ / ١ - زوائده) وقال / «تفرد به مسلم» . قلت: وقد حسن له الحافظ في «الفتح» (٣ / ٢٧٩) حديثا آخر. ن.
[ ٢ / ٧١٢ ]
٢٤٥- المسيب بن واضح
على أن الصواب موقوف وأخطأ مسلم في رفعه، ومسلم مكثر في التفسير كما يعلم من (تفسير ابن جرير) فإن ترجح خطاؤه في هذا الحديث الواحد لم يضره ذلك إن شاء الله. وابن حبان والخطيب أعرف بالفن ودقائقه من البيهقي.
٢٤٥- المسيب بن واضح. ذكر الأستاذ ص ٧٥ رواية محبوب بن موسى عن يوسف بن أسباط «قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله ﷺ - أو أدركته لأخذ بكثير من قولي: «وفي الطبعة الهندية والمخطوطة بدار الكتب المصرية زيادة سوق الخبر بسند آخر عن المسيب بن واضح عن يوسف بن أسباط إلى آخره» ثم قال: «يقول أبو حاتم عن المسيب: صدوق يخطئ كثيرا، فإذا قيل له لم يقبل اهـ. ومثله يكون مردود الرواية، وقد ضعفه الدارقطني وابن الجوزي» .
أقول: ذكر الخطيب في (الكفاية) ص ١٤٣ - ١٤٧ ما يتعلق بخطأ الراوي وبعدم رجوعه، فذكروا أنه يرد رواية من كان الغالب عليه الغلط، ومن يغلط في حديث مجتمع عليه فينكر عليه فلا يرجع. ومعلوم من تصرفاتهم ومن مقتضى أدلتهم أن هذا حكم الغلط الفاحش الذي تعظم مفسدته فلا يدخل ما كان من قبيل اللحن الذي لا يفسد المعنى، ومن قبيل ما كان يقع من شعبة من الخطأ في الأسماء وما كان يقع من وكيع وأشباه ذلك، وكما وقع من مالك كان يقول في عمرو بن عثمان: «عمر بن عثمان» وفي معاوية بن الحكم «عمر بن الحكم» وفي أبي عبد الله الصنابجي «عبد الله الصنابجي» وقد جاء عن معن بن عيسى أنه ذكر ذلك لمالك فقال مالك: «هكذا حفظنا وهكذا وقع في كتأبي، ونحن نخطئ، ومن يسلم من الخطأ» فلم يرجع مالك مع اعترافه باحتمال الخطأ، فكلمة أبي حاتم في المسيب لا تدل على أنه كان الغالب عليه، ولا أن خطأه كان فاحشا، ولا أنه بين له في حديث اتفاق أهل على تخطئته فلم يرجع. وقد قال أبو عروبة في المسيب: «كان لا يحدث إلا بشيء يعرفه يقف عليه» وهذا يشعر بأن غالب ما وقع منه من الخطأ ليس منه بل ممن فوقه، وفكان يثبت على ما سمع قائلا في نفسه: إن كان خطأ فهو ممن فوقي لا
[ ٢ / ٧١٣ ]
مني. وفي (الميزان) و(اللسان) عن ابن عدي أنه ساق الأحاديث التي تنتقد على المسيب ثم قال: «أرجو أن باقي حديثه مستقيم وهو ممن يكتب حديثه» وذكر في (الميزان) أربعة أحاديث، إما أن تكون هي جميع ما ذكره ابن عدي (١)، وإما أن يكون الذهبي رأى الأمر فيما عداها محتملا.
الأول: رواه المسيب عن يوسف بن أسباط، ويوسف ربما أخطأ في الأسانيد.
الثاني: حديث رواه ابن عدي عن الحسين بن إبراهيم السكوني - لم أقف على ترجمته - عن المسيب بسنده عن ابن عمر مرفوعا أنه كره شم الطعام، وقال: إنما تشم السباع. وقد روى الطبراني في (الكبير) والبيهقي في (الشعب) كما في (الجامع الصغير) من حديث أم سلمة مرفوعا: «لا تشموا الطعام كما تشمه السباع» . فلينظر في سنده ويقارن بسند حديث المسيب لعله يتبين وجه الغلط. (٢) .
والثالث: ليس بالمنكر أراه، فإن كان فيه خطأ فيحتمل أن يكون من فوق.
_________________
(١) قلت: بل جميع ما ذكره له ابن عدي في «الكامل» (ق ٣٩٢ / ١ - ٢) عشرة أحاديث، ليس فيها الحديث الخامس الذي نقله المصنف ﵀ عن «اللسان» وقال ابن عدي عقبها: «وللمسيب حديث كثير عن شيوخه، وعامة ما خالفه فيه الناس هو ما ذكرته، وأرجو أن باقي حديثه مستقيم صالح، وهو ممن يكتب حديثه، وهذا الذي ذكرته لا يعتمده. بل كان يشبه عليه، وهو لا بأس به» .ن
(٢) قلت: هذا لم يذكر له ابن عدي علة سوى التفرد، فقال عقبه: «لا أعلم يرويه غير المسيب» . وقد يخطر في بال البعض أن حديث أم سلمة قد يشهد له، والجواب: أنه لا يصلح للشهادة لشدة ضعفه، قال المناوي في «فيض القدير شرح الجامع الصغير»: «قال البيهقي عقب تخريجه: إسناده ضعيف. اهـ فحذف المصنف ذلك من كلامه غير صواب. وقال الهيثمي عقب عزوه للطبراني: فيه عباد بن كثير الثقفي وكان كذابا متعمدا. هكذا جزم به» .
[ ٢ / ٧١٤ ]
والله أعلم. (١)
الرابع: قالوا: صوابه موقوف. وعلى هذا فإنما أخطأ في رفعه. وزاد في (اللسان) خامسا: وهو من رواية المسيب عن يوسف بن أسباط. وقال ابن عدي: «كان النسائي حسن الرأي فيه ويقول: الناس يؤذوننا فيه» . وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «وكان يخطئ» . وقال الدارقطني: «فيه ضعف» وسئل عبدان عن عبد الوهاب بن الضحاك والمسيب فقال: كلاهما سواء» وهذا إسراف، عبد الوهاب كذابل، والمسيب صدوق، هذه أن لا يحتج بما ينفرد به، والحكاية التي تكلم فيه الأستاذ من أجلها قد توبع عليها وليست من مظان الغلط. والله أعلم.
وللمسيب رواية في ترجمة أبي يوسف وقع فيها أن رجلا قال لابن المبارك: «مات أبو يوسف» فقال ابن المبارك: «مسكين » قال الأستاذ ص ١٨٧: «ابن المبارك مات قبل أبي يوسف بسنة كاملة اتفاقا هكذا يفضح الله البهاتين» .
أقول: كثيرا ما يشاع موت الرجل خطأ، وقد كان ابن المبارك شديدا على أبي يوسف لولايته القضاء، ومجالسته الخلفاء، وقد غضب ابن المبارك على إسماعيل بن إبراهيم ابن علية لولايته شيئا خفيفا وقال فيه تلك الأبيات السائرة، وإذا كان أبو حنيفة يفتي بالخروج على المنصور العباسي ويرى أنه أفضل من الرباط في قتال الروم
_________________
(١) قلت: ما ذكره المؤلف من الاحتمال بعيد بل خطأ، لأنه ليس فوقه غير أبي إسحاق الفزاري عن حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة. ومرة قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري ثنا سفيان الثوري عن عاصم به ولذلك قال ابن عدي عقبه: «فسواء قال: عن الثوري، أو عن حماد، كلاهما غير محفوظ» . قلت: ومتن هذا الإسناد: «الشهيد من لو مات على فراشه دخل الجنة» .
[ ٢ / ٧١٥ ]
٢٤٦- مصعب بن خارجة بن مصعب
٢٤٧- مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار أبو مصعب اليساري الأصم
كما تقدم في ترجمة إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري، فليت شعري ماذا كان يقول في أبي يوسف لو أدرك ولايته القضاء ومجالسته الرشيد؟.
٢٤٦- مصعب بن خارجة بن مصعب. تقدمت روايته في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن وفيها قوله: «سمعت حمادا » . قال الأستاذ ص ١٢٧: «مجهول الصفة كما يقول أبو حاتم» .
أقول: قد عرفه ابن حبان فقال في (الثقات): «مصعب بن خارجة بن مصعب من أهل سرخس يروي عن حماد بن زيد وأبيه روى عنه أهل بلدة مات سنة إحدى أو اثنتين ومائتين وكان على قضاء سرخس» ونقل ابن حجر في (اللسان) بعض هذه العبارة وفيه العبارة وفيه أيضا «حماد ابن زيد» فقول الأستاذ: إن حماد في الحكاية هو ابن سلمة فيه ما فيه (١) .
٢٤٧- مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار أبو مصعب اليساري الأصم. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٩ من طريق «القاسم بن المغيرة الجوهري حدثنا كطرف أبو مصعب الأصم قال: سئل مالك بن انس عن قول عمر في العراق: بها الداء العضال. قال الهلكة في الدين، ومنهم أبو حنيفة» . ذكر الأستاذ ص ١١٣ أن الصواب «عن قول كعب لعمر» لأنه كذلك في (الموطأ) . ثم قال ص ١١٤: «قال ابن عدي يروي المناكير عن ابن أبي ذئب ومالك، ولذا فند هذه الرواية أبو الوليد الباجي » .
أقول: فسر ابن عدي كلمته بأن ذكر أحاديث مناكير رواها ابن عدي عن أحمد بن داود بن عبد الغفار عن أبي مصعب فرد الذهبي وغيره على ابن عدي بأن الحمل في تلك الأحاديث على أحمد بن داود، وأحمد بن داود كذبه الدارقطني، ورماه العقيلي وابن طاهر بالوضع.
_________________
(١) مضر بن محمد البغدادي - انظر «نصر بن محمد البغدادي» .
[ ٢ / ٧١٦ ]
أقول: قد وقع لابن عدي شبيه بهذا في غالب القطان قال ابن حجر في (مقدمة الفتح): «وأما ابن عدي فذكره في (الضعفاء) وأورد له أحاديث الحمل فيها على الراوي عنه عمر بن مختار البصري وهو من عجيب ما وقع لابن عدي، والكمال لله» .
ويظهر لي أن لابن عدي هنا عذرًا ما، ففي ترجمة أحمد بن داود من (اللسان): قال أبو سعيد بن يونس: حدث عن أبي مصعب بحديث منكر، فسألته عنه فأخرجه من كتابه كما حدث به» وفيه بعد ذلك، ذكر حديثه عن أبي مصعب عن عبد الله بن عمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: من رأى مبتلى فقال: الحمد لله، إلخ، قال: «قال ابن عدي لما حدث أحمد بهذا الحديث عن مطرف: كانوا يتهمونه فظلموه لأنه قد رواه عن مطرف علي بن عمر وعباس الدوري والربيع » فقد يكون الحديث في أصل أحمد بن داود وعرف أن غيره قد رواه عن مطرف ورأى أن الحمل فيه على مطرف البتة فقاس بقية الأحاديث عليه، وقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس غير هذا الحديث، ويكون ابن عدي رأى الأحاديث في اصل أحمد بن داود فاعتقد براءته منها للدليل الظاهر وهو ثبوتها في أصله فحملها كلها على مطرف، فإن كان الأمر على هذا الوجه الثاني فذاك الدليل وهو ثبوت الأحاديث في أصله يحتمل الخلل، ففي (لسان الميزان) ج ١ ص ٢٥٣: «أحمد بن محمد بن الأزهر قال ابن حبان: كان ممن يتعاطى حفظ الحديث ويجري مع أهل الصناعة فيه ولا يكاد يذكر له باب إلا وأغرب فيه عن الثقات ويأتي فيه عن الإثبات بما لا يتابع عليه، ذاكرته بأشياء كثيرة فأغرب علي فيها، فطاولته على الانبساط، فأخرج إلي أصول أحاديث فأخرج إلي كتابه بأصل عتيق قال ابن حبان: فكأنه كان يعملها في صباه » . فهذا رجل روى أحاديث باطلة وأبرز أصله العتيق بها فإما أن يكون كان معه وقت طلبه، كان يسمع شيئًا ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان دجالًا من وقت طلبه، كان يسمع شيئًا ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان معه وقت
[ ٢ / ٧١٧ ]
طلبه بعض الدجالين، فكان يدخل عليه ما لم يسمع كما وقع لبعض المصريين مع خالد بن نجيح كما تراه في ترجمة عثمان بن صالح السهمي من (مقدمة الفتح) . وفي ترجمة محمد بن غالب تمتام من (الميزان) أنه أنكر عليه حديث فجاء بأصله إلى إسماعيل: «ربما وقع الخطأ للناس في الحداثة» . وفي (الكفاية) ص ١١٨ - ١١٩ عن حسين ابن حبان:
«قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: لا يكون صدوقا أبدا، فقفلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يخرج كتابًا عتيقا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شبه له وأخطأ كما يخطئ الناس فيرجع عنها» . فأنت ترى ابن معين لم يجعل ثبوتها في الأصل العتيق دليلًا على ثبوتها عمن رواها صاحب الأصل عنهم، بل حمله على أنه شبه له وأخطأ في أيام طلبه. إذا تقرر هذا فلعل الأحاديث التي ذكرها ابن عدي عن أحمد بن داود عن أبي مصعب رآها ابن عدي في أصل عتيق لأحمد بن داود فبنى على ذلك دليل ثبوتها عن أبي مصعب، وهذا الدليل لا يوثق به كما رأيت لكن في البناء عليه عذر ما لابن عدي يخف به تعجب الذهبي إذ يقول: «هذه أباطيل حاشا مطرفًا من روايتها، وإنما البلاء من أحمد بن داود فكيف خفي هذا على ابن عدي؟ !» .
بقي حديث مطرف عن عبد الله عمر العمري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رفعه «من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم يصبه ذلك البلاء» فهذا رواه جماعة عن أبي مصعب وأخرجه الترمذي وقال: «غريب من هذا الوجه» وزاد في بعض النسخ «حسن» وأخرج قبل ذلك من طريق عمروابن دينار مولى آل الزبير عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر - نحوه» وعمرو بن دينار هذا متكلم فيه وعدوا هذا الحديث فيما أنكر عليه، وأحسب أن بعض الرواة سمع هذا وسمع حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: «من قال إذا أمسى ثلاث مرات: أعوذ بكلمات
[ ٢ / ٧١٨ ]
٢٤٨- معبد بن أبو شافع
الله التامات من شر ما خلق لم تضره حمة تلك الليلة» فاشتبه عليه الحديثان فحسب الأول بسند الثاني فرواه كذلك، وقد يكون هذا الخطأ من مطرف وقد يكون من شيخه عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم فإنه لين حتى قال البخاري: «ذاهب لا أروي عنه شيئا» فإن كان الخطأ من أبي مصعب فقد يخطئ على عبد الله بن عمر ما لا يخطئ على مالك لمزيد اختصاصه به.
والأثر: «إن بالعراق الداء العضال» ثابت في (الموطأ) عن مالك، ومطرف يقول: «سئل مالك» فليس هنا مظنة الخطأ، ومطرف قال فيه أبو حاتم: «مضطرب الحديث صدوق» ورجحه على إسماعيل بن أبي أويس، وقال ابن سعد والدارقطني: «ثقة» وروى أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما مر مرارا، وروى عنه البخاري في (صحيحه) .
٢٤٨- معبد بن أبو شافع. تقدمت روايته في ترجمة القاسم بن عثمان، وتقدم هناك قول الأستاذ: «كذبه أبو زرعة الكشي» .
أقول: هكذا وقع في (الميزان) و(اللسان)، وأبو زرعة الكشي هو محمد بن يوسف الجنيدي. قال حمزة السمي في (تاريخ جرجان) في ترجمة معبد «حدثنا عنه جماعة سمعت أبا زرعة محمد بن يوسف الجنيدي يقول: كان أبو شافع اسمه واسم أبيه واسم جده غير ما ذكر، هو غير أسماءهم وكان ثقة في الحديث إلا أنه كان يشرب المسكر» . فكأن بعضهم استروح إلى قوله: «هو غير أسماءهم» فعدها تكذيبًا، وتبعه غيره بدون تحقيق، وتغيير الاسم ليس بكذب وقد غير النبي ﷺ أسماء جماعة (١) وغير في بعضهم اسمه واسم أبيه، اللهم أن يدعي الرجل أن اسمه لم يزل كذلك، وهذا يدفعه قول الكشي «وكان ثقة في الحديث» . فأما شرب المسكر فقد تأول جماعة في ما عدا الخمر المتفق عليها فيشربون القدر الذي لا يسكرهم، ولم يعد أهل العلم ذلك قادحًا في العدالة، وإن ذم أكثرهم
_________________
(١) انظر الأحاديث الصحيحة» (٢٠٥ - ٢١٢) . ن
[ ٢ / ٧١٩ ]
٢٤٩- المفضل بن غسان الغلابي
ذلك (١) . فهذا هو الذي وقع من أبي شافع بدليل قول الكشي «وكان ثقة في الحديث» . والله المستعان.
٢٤٩- المفضل بن غسان الغلابي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٢٠ عنه قال «أبو حنيفة ضعيف» قال الأستاذ ص ١٦٩: «من المنحرفين عن أهل الكوفة مثل عمرو ابن علي الفلاس البصري وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الناصبي وحالهم يغني عن التعرض للأسانيد، على أن الجرح غير المفسر لا يؤثر في أي راو فضلا عمن ثبتت إمامته، وتواترت أمانته» .
أقول: تقدمت ترجمة الجوزجاني وترجمة عمرو بن علي وبينا أن الجوزجاني شديد على الشيعة ولم تبلغ شدته بحمد الله ﷿ أن يخرج عن الحد، إنما يقول في الشيعي «زائغ» أو «رديء المذهب» أو نحو ذلك، وأبو حنيفة لم يشتهر بالتشيع، وعمرو بن علي والغلابي لا أعرفهما بانحراف، نعم هؤلاء كلهم مخالفون لأبي حنيفة في المذهب، والمخالفة لا تقتضي اطراح جرح المخالف البتة وقد قبل الناس من يحيى بن معين وغيره من الأئمة جرحهم لكثير من الرواة المخالفين لهم في المذهب، والجرح غير المفسر هو الخطأ، فمتى تبين أو ترجح أنه خطأ لم يؤخذ به، والإمامة في الفقه لا تستلزم الثقة في الحديث، ولا يضر الحنفية أن يثبت أن أبا حنيفة ممن لا تقوم الحجة بما ينفرد بروايته، ولا تكاد توجد لهم مسألة يمكن أن يستدلوا عليها بشيء تفرد أبو حنيفة بروايته إلا وهم يستدلون عليها بأشياء أخرى، وقد استدل بعضهم على الشافعي بحديث أبي حنيفة عن عاصم في المرتدة، فلما رد عليه ذلك لم يكابر بل قال: «إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس » كما تقدم في ترجمة الشافعي. وكما أن الإنصاف يقضي أن لا يتخذ ما ثبت عن
_________________
(١) انظر الترجمة (٧٣) وتعليقنا عليها ص ٢٣٠. ن
[ ٢ / ٧٢٠ ]
٢٥٠- منصور بن أبي مزاحم
٢٥١- موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي
الأئمة كسفيان الثوري وغيره من قولهم في أبي حنيفة ما يقتضي أنها لا تقوم الحجة [بما ينفرد بروايته، ذريعة إلى الطعن في فقهه جملة وفي مذهبه، فكذلك يقضي أن لا يتخذ] (*) ما يستدل به على فقهه جملة ذريعة إلى رد كلام أئمة الفن في روايته (١) . وأقتصر هنا على هذا القدر. وأسأل الله تعالى التوفيق.
٢٥٠- منصور بن أبي مزاحم. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٠ من طريقين عنه أنه سمع مالك بن أنس يقول في أبي حنيفة «كاد الدين » قال الأستاذ ص ١١٦: «ليس منصور بن أبي مزاحم التركي البطل المغوار من رجال هذا الميدان» .
أقول: ذكروا أن هذا التركي كان كاتبا في الديوان، ثم ترك ذلك وتجرد للحديث، وهو عندهم ثقة، قال أبو زرعة عن ابن معين: «تركي ثبت» وقال أبو حاتم: «صدوق» وذكر أنه سأل ابن معين عنه فأثنى عليه وقال: «كتبت عنه» وقال الدارقطني: «ثقة»
وأخرج له مسلم في (صحيحه) وأبو داود والنسائي وخطأه أحمد في حديث، ولا يضره ذلك. وقد غلبت الأستاذ هنا نزعته الجنسية فلم يقل في هذا التركي إلا أنه ليس من رجال الميدان ولا أدري ما عنى بذلك؟ وفي مقابل ذلك خلع عليه لقب «البطل المغوار» جزافًا وإنما كان كاتبا ثم صار محدثًا.
٢٥١- موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٣ من طريقة «حدثنا أبو عوانة قال سمعت أبا حنيفة » قال الأستاذ: «رواية تلك الطامات عن حماد بن سلمة» .
أقول: يعني ما رواه من أحاديث الصفات وقد تقدم النظر في ذلك في ترجمة حماد بن سلمة وتلك الأحاديث ما بين حق قد وكل الله به قوما يؤمنون به وبين حق محمول على معنى يليق به، فإن كان في شيء خطأ فلا شأن لأبي سلمة به وهو مجمع على ثقته والاحتجاج به.
_________________
(١) راجع التعليق على الصفحة ٥٨٥. [التعليق] (*) ما بين معقوفتين سقط من هذه الطبعة، وهو في طبعة دار المعارف (٢/٤٨٤) . أسامة بن الزهراء - فريق عمل الموسوعة الشاملة
[ ٢ / ٧٢١ ]
٢٥٢- موسى بن المساور أبو الهيثم الضبي
٢٥٣- مؤمل بن إسماعيل
٢٥٤- مؤمل بن إهاب
٢٥٢- موسى بن المساور أبو الهيثم الضبي. تقدمت روايته في ترجمة عبد الرحمن بن عمر. قال الأستاذ ص ١٣٦: «من رجال (الحلية) مجهول الحال ولم أر من وثقه» .
أقول: قال أبو الشيخ في (طبقات الأصبهانيين): «روى عن سفيان بن عيينة وعبيد الله ابن معاذ ووكيع والناس وكان خيرًا فاضلًا ترك ما ورثه من أبيه لأخوته ولم يأخذ منه شيئًا لأن أباه كان يتولى للسلطان » (ونحو ذلك في (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم. وبذا يثبت أن الرجل عدل صدوق ويبقى النظر في ضبطه، وسكوت هذين الحافظين وغيرهما من حفاظ أصبهان وغيرهم عن الكلام في روايته يدل أنه لم يكن به بأس.
٢٥٣- مؤمل بن إسماعيل. تقدمت روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل. قال الأستاذ ص ٣٨: «يقول فيه البخاري: إنه منكر الحديث. ويقول أبو زرعة: «في حديثه خطأ كثير» .
أقول: وثقه إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني ووصفاه بكثرة الخطأ، ولخص محمد بن نصر المروزي حاله فقال: «إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف فيه ويتثبت، لأنه كان سيئ الحفظ كثير الغلط» .
فحده أن لا يحتج به إلا فيما توبع فيه، وفيما ليس من مظان الخطأ.
٢٥٤- مؤمل بن إهاب. راجع (الطليعة) ص ٦٨. وحاصل ذلك أن الأستاذ قال في (التأنيب) ص ٦٥: «ضعفه ابن معين على ما حكاه الخطيب» فبينت أن الخطيب إنما حكى عن ابن الجنيد قال: «سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن مؤمل بن إهاب فكأنه ضعفه» وقد وثقه جماعة فقال الأستاذ في (الترحيب) ص ٤٥: «فقول القائل - كأنه ضعفه - لا يفرق كثيرًا من قوله: ضعفه لكون الحكم على الأحاديث بالصحة والضعف، وعلى الرجال بالثقة والضعف، في أخبار الآحاد مبنيا على ما يبدو للناظر، لا على ما في نفس الأمر، فظهر أن ذلك
[ ٢ / ٧٢٢ ]
عبارة عن غلبة الظن فيما لا يقين فيه، وسبق أن نقلنا عن أحمد في الرمادي: كأنه يغير الألفاظ - وقد بني الذم الشديد باعتبار أن ظن الناظر ملزم» .
أقول: ابن الجنيد هنا راو لا ناظر وباب الرواية اليقين، فإن كان قد يكفي الظن فذاك الظن الجازم وآيته أن يجزم الراوي الثقة. فأما قوله: «أظن» مثلا، فإنه يصدق بظن ما وقد قال الله تعالى: «إن بعض الظن إثم» فما بالك بقوله: «فكأنه ضعفه» وأصل كلمة «كأن» للتشبيه، والتشبيه يستلزم كون المشبه غير المشبه به. فأما معناها الثاني فعبر عنه في مغنى اللبيب بقوله: «الشك والظن» فدل ذلك على أنها دون «أظنه» . وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب من (مقدمة الفتح) مثل هذه الكلمة «كأنه ضعيف» فدفعها الحافظ ابن حجر بقوله: «هذا ظن لا تقوم به حجة» .
هذا وتردد ابن الجنيد يحتمل وجهين أظهرهما: أن يكون جرى من ابن معين عندما سئل عن مؤمل ما يشعر بأنه لم يعجبه مؤمل. ولا ندري ما الذي جرى منه وما قدر دلالته؟ على أنهم مما يقولون: «ضعفه فلان» مع أن الواقع من فلان تليين يسير كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة من قسم القواعد، فما بالك بقوله: «فكأنه ضعفه»؟ وإنما ينقل أهل العلم أمثال هذه الكلمة لاحتمال أن يوجد تضعيف صريح فيكون مما يعتضد به. فأما هنا فلا يوجد إلا التوثيق، نعم الثقات يتفاوتون في درجات التثبيت ويظهر أن مؤملًا لم يكن في أعالي الدرجات ففي الرواة من هو أثبت منه، وإنما يظهر أمر ذلك عند التحالف والتعارض عند الأولين.
فأما كلمة الإمام أحمد في إبراهيم بن بشار الرمادي فقد تقدم لفظها في ترجمة إبراهيم فراجعها يتبين لك أن أحمد كان جازمًا بأن إبراهيم كان يملي علي الناس على خلاف ما سمعوا، وأنه إنما لامه وذمه على ذلك، وإنما قال: «كأنه يغير الألفاظ» لأحد أمرين:
الأول: أن يكون أحمد جوز أن تكون العبارة التي ساقها إبراهيم هي
[ ٢ / ٧٢٣ ]
٢٥٥- مهنأ بن يحيى
عبارة ابن عيينة نفسه قبل ذلك المجلس وأن تكون عبارة إبراهيم نفسه بأن غير ألفاظ ابن عيينة وعبر عن المعنى، وكانت نفس أحمد مائلة إلى هذا الاحتمال الثاني: «كأنه يغير الألفاظ» أي من عنده.
الأمر الثاني: أن يكون أحمد قد علم جملة حين سمع في ذاك المجلس عبارة سفيان ثم عبارة إبراهيم اختلاف العبارتين، ولم يحقق حينئذ وجه الاختلاف، ثم لما اخبر بذلك مال إلى أن الوجه هو تغيير الألفاظ، وعلى كلا الأمرين فأحمد محقق لاختلاف العبارتين جازم به، وعلى ذلك بنى اللوم والذم، لا على مجرد احتمال أن إبراهيم يغير الألفاظ، فإن قيل: اختلاف العبارتين مستلزم لتغيير الألفاظ؟ قلت: إن صح هذا استعمل أحمد «كأن» في التحقيق بدليل ما قبلها، وذلك خلاف المعنى المتبادر منها، وليس في نقل الجنيد ما يوجب صرفها عن أصل معناها الذي تقدم بيانه. وإذا اشتبه الأمر في المنقول عن إمام، وجب الرجوع إلى المنقول عن غيره، وقد ذكرت في (الطليعة) توثيق الأئمة لمؤمل، وبذلك يرجح رجحانًا ظاهرًا أن ابن معين لم يضعفه. والله المستعان.
٢٥٥- مهنأ بن يحيى. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١١ من طريق «عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا مهنأ بن يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول » قال الأستاذ ص ١٤٣: «قال أبو الفتح الأزدي : منكر الحديث، وتابعه الخطيب» .
أقول: الأزدي نفسه متكلم فيه حتى رمي بالوضع، وقد رد ابن حجر في مواضع من (مقدمة الفتح) جرحه وبين أنه لا يعتد به، (١) وقول الكوثري: «وتابعه الخطيب» باطل فقد روى ابن الآبنوسي عن الخطيب: «كل من ذكرت فيه أقاويل الناس من جرح أو تعديل فالتعويل على ما أخرت» كما في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٣١٥، وههنا بدأ الخطيب في ترجمة منها بحكاية قول الأزدي
_________________
(١) قلت: راجع ص ٢٢١ تجد فيها مثالا على ذلك. ن
[ ٢ / ٧٢٤ ]
ثم أتبعا برواية السلمي عن الدارقطني: «ثقة نبيل»، ثم ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه، فعلم بذلك أن التعويل عنده على التوثيق.
وبهذا يعلم ما في عبارة ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٣٦٨ في تجنياته على الخطيب: «ذكر مهنأ بن يحيى وكان من كبار أصحاب أحمد وذكر عن الدارقطني أنه قال: مهنأ ثقة نبيل، وحكى بعد (!) ذلك عن أبي الفتح الأزدي وهو يعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الكل فلا يستحي الخطيب أن يقابل قول الدارقطني في مهنأ بقول هذا ثم لا يتكلم عليه؟ هذا ينبئ عن عصيبة وقلة دين» .
أقول: عفا الله عنك يا أبا الفرج، ما أرى الباعث لك على التجني على الخطيب إلا ما قدمته في ترجمته، وعليك في كلامك هذا مؤاخذات:
الأولى: أن الموجود في (تاريخ الخطيب) تعقيب كلمة الأزدي بحكاية السلمي عن الدارقطني كما مر.
الثانية: أن هذا مع ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه في قوة الرد على كلمة الأزدي كما مر.
الثالثة: أنك إذ ذكرت ما قيل في الأزدي كان ينبغي أن تذكر ما قيل في السلمي حاكي التوثيق عن الدارقطني وقد ذكر ترجمته في (المنتظم) ج ٨ ص ٦ وفيها قول محمد ابن يوسف القطان: «كان أبو عبد الرحمن غير ثقة ولم يكن سمع من الأصم شيئا يسيرا فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيع حدث عن الأصم بـ «تاريخ يحيى بن معين» وبأشياء كثيرة سواها، وكان يضع للصوفية الأحاديث» . ولم تتعقب هذا ولا ذكرت ما يخالفه.
الرابعة: أن الأزدي ذكر متمسكه، فلا يسوغ رد قوله إلا ببيان سقوط حجته.
الخامسة: أنك بعد التسامح بما تقدم لم يكن ينبغي لك «أن» تقول: «عصبية وقلة دين» محاذرة على الأقل أن يشاحك مشاح فيرد ذلك عليك.
أما متمسك الأزدي فهو أن مهنأ روى عن زيد بن أبي الزرقاء عن سفيان الثوري عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر حديثا في
[ ٢ / ٧٢٥ ]
٢٥٦- نصر بن محمد البغدادي
الجمعة، ولا يعلم رواه أحد غيره عن زيد بن أبي الزرقاء، ولا عن غيره عن سفيان الثوري؛ فلا يعرف عن الثوري إلا بهذا الإسناد. وإنما يعرف من رواية عبد الله بن محمد العدوي التميمي رواه عن علي بن زيد، والعدوي طعنوا فيه، وقال وكيع: «يضع الحديث» وحكى ابن عبد البر عن جماعة أهل العلم بالحديث أنهم يقولون: إن هذا الحديث من وضعه؟ كذا في ترجمة العدوي من (التهذيب) وفي ترجمة مهنأ من (اللسان) عن ابن عبد البر: «لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة إلا أن مجموعها يدل على بطلان قول من حمل على العدوي أو على مهنأ بن يحيى» فلو كان ابن الجوزي نظر في هذا الحديث وحقق لكان أولى به مما صنع، وعلى كل حال فغاية ما في الباب أن يكون مهنأ أخطأ في سند هذا الحديث، فكان ماذا؟ ! وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «كان من خيار الناس في حديث أحمد بن حنبل وبشر الحافي مستقيم الحديث» . ويكفيه مكانته عند أحمد وثناء أصحابه عليه. والله أعلم.
٢٥٦- نصر بن محمد البغدادي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١٩ من طريق أبي الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجلي: «سمعت نصر بن محمد البغدادي يقول سمعت يحيى ابن معين يقول: كان محمد بن الحسن كذابا وكان جهميا، وكان أبو حنيفة جهميا ولم يكن كذابا» .
قال الأستاذ ص ١٦٤: «كانا والله بريئان (؟) من الكذاب والتجهم، وقد احتج الشافعي إمام الخطيب بمحمد بن الحسن. ووثقه علي ابن المديني أيضا كما جزم بذلك ابن الجوزي في (المنتظم) وابن حجر في (تعجيل المنفعة) مع أن ابن المديني أقرب من ابن معين إلى النيل من أصحاب أبي حنيفة، والدارقطني على تعصبه البالغ يقول في (غرائب مالك) وابن معين من أبرأ الناس من أن يكذب عليهما وهو الذي يقول: إني سمعت (الجامع الصغير) من محمد بن الحسن، وليس هو ممن يتفقه على الكذابين في نظره نعم لو كان أو كل من ينزه الله سبحانه عن مشابهة المخلوق وعن حلول الحوادث فيه، أو حلوله في الحوادث
[ ٢ / ٧٢٦ ]
جهميا كما هو مصطلح الحشوية، لكان كذابا وجهميا كل من يفهم ما يقول وينزه الله سبحانه عن لوازم الجسيمة فلا يكون الخبر إلا مكذوبا على ابن معين ولو رواه ألف شخص من أمثال نصر بن محمد البغدادي. ومن الغريب أنه إذا روى ألف راو عن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلًا تعد هذه الرواية عنه كاذبة بخلاف ما إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه نعم سبق أن كذب أبو يوسف محمدًا في مسائل عزاها إليه، ولما بلغ الخبر محمدا قال: كلا ولكن الشيخ نسي. ثم تبين أن قول محمد هو الصواب قاتل الله التعصب ما أفضحه لصاحبه» .
أقول: لا توجد في (تاريخ بغداد) ولا غيره ترجمة باسم «نصر بن محمد البغدادي» وإعراض الأستاذ عن أن يشير إلى هذا فيقول «مجهول» أو نحوه إلى الطريق التي سلكها بدل أنه قد عرف أن لفظ «نصر» تحريف وأن الصواب «مضر» ولمضر بن محمد البغدادي ترجمة في (تاريخ بغداد) ج ١٣ ص ٢٦١ وفيها أنه يروي عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما، وأن الدارقطني قال فيه: «ثقة» .
فأما الشافعي فلا نعلمه احتج بشيء ينفرد به محمد بن الحسن حتى أن يقال: إنه احتج به، ومع ذلك فلو وثق الشافعي محمدا لما دل ذلك على بطلان النقل عن ابن معين فقد كان الشافعي يوثق إبراهيم بن أبي يحيى الذي كذبه الجمهور، ثم استقر الاتفاق على قولهم.
وأما توثيق ابن المديني فإنما ذلك حكاية حكاها ابنه عبد الله عنه أنه قال: «صدوق» وقد طعن الأستاذ في رواية عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه مطلقا كما تقدم في ترجمته، واستهان بقولهم «صدوق» وكذب من قيلت فيه كما تقدم في ترجمة علي بن جرير البار ودي.
وأما زعم الأستاذ أن أبن المديني أقرب من ابن معين إلى النيل من أصحاب أبي حنيفة ففيه نظر غذ قد يكون ثناؤه أمام مسايرته للجهمية
[ ٢ / ٧٢٧ ]
الحنفية كما تقدم في ترجمته، وقد يستدل على ذلك أن نيل ابن ثابت وابن المديني أقرب إلى ذلك كما قال الأستاذ فكيف ثبت عنه خلافه؟ والتحقيق أنه لا منافاة والاختلاف في مثل هذا كثير.
وأما كلمة الدارقطني فقد مر البحث فيها في ترجمته، ثم الكلام في ذلك كالكلام في كلمة ابن المديني، وأما ما ذكره الأستاذ أن ابن معين قال: «سمعت (الجامع الصغير) من محمد بن الحسن» فلا منافاة بل قد يكون سماعه (للجامع) في مبتدأ أمره ثم تبين له ما تبين وفي ترجمة محمد بن كثير القرشي من (التهذيب): «قال رأيت حديث الشيخ مستقيما» . وقد ذكر الأستاذ تكذيب أبي يوسف لمحمد، والظاهر أنه كان فبل ذلك عنده حسن الحال ثم طرأ ما اقتضى أن يكذبه، ومع هذا كله فلم ينفرد هذا الرجل بما رواه عن ابن معين فقد قال العقيلي «حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة قال: سمعت العباس الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: جهمي كذاب «هكذا في ترجمة محمد بن الحسن من (لسان الميزان) (١) وروى محمد بن سعيد العوفي عن ابن معين أنه رمى محمدا بالكذب وقد تقدمت ترجمة العوفي، وفيها ابن أبي مريم عن ابن معين في محمد بن الحسن «ليس بسيئ، ولا يكتب حديثه» . وقال المفضل الغلابي ومعاوية بن صالح عن ابن معين «حسن اللؤلؤي ومحمد بن الحسن ضعيفان» ولم يأت عن ابن معين ما يخالف نقل هؤلاء الجماعة، فأما قضية (الجامع الصغير) فقد مر ما فيها.
وأمنا قضية التجهم فقد اعترف الأستاذ باصطلاح أهل السنة سماهم «الحشوية» وهو وجميع أهل العلم يعلمون أن يحيى بن معين كان من أهل ذاك الاصطلاح، واعترف الأستاذ بأن أبا حنيفة ومحمد بن الحسن جهميان بذاك المعنى،
_________________
(١) قلت: وكذا هو في «الضعفاء» للعقيلي (ص ٢٧٦)، والسند صحيح، وابن صدقة حافظ متقن له ترجمة في «التاريخ» (٥ / ٤٠ - ٤١) و«تذكرة الحفاظ» (٢ / ٢٨٠ - ٢٨١) . ن
[ ٢ / ٧٢٨ ]
٢٥٧- النضر بن محمد المروزي
وبذلك ثبتت رواية مضر بن محمد البغدادي، أما ما فيها من نسبة الجهمية فباعتراف الأستاذ، وأما ما فيها من التكذيب فبالحجة الواضحة، فبقي قوله: «فلا يكون الخبر إلا مكذوبا على ابن معين ولو رواه ألف شخص من أمثال نصر بن محمد البغدادي» ! من باب قول العامة «عنز ولو طارت» .
وقوله: «ومن الغريب أنه لو روى ألف راو » تقدم النظر فيه في ترجمة الشافعي فليراجعها القارئ وليوازن بينها وبين رواية مضر ليتبين له أن الكوثري لا ينتفع بأن يساوي الذرة بالجبل، بل يحاول أن يجعل ذرة في عظم جبل ويجعل جبلًا في ذرة! ولعل الأستاذ يضج من قضية نصر ومضر. فأقول: هو ن عليك يا أستاذ وخذ اعترافي أو شهادتي بأن نصرًا غير مضر، فهل ينفعك ذلك شيئًا؟
هذا كله مناقشة للأستاذ في تكذيبه الرواة عن ابن معين، وما تشبت به في ذلك.
فأما محمد بن الحسن فهو أجل وأفضل مما يتراءى هنا، ولتحقيق ذلك موضع آخر.
٢٥٧- النضر بن محمد المروزي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠١ من طريق عبد الرحيم بن منيب «حدثنا النضر بن محمد قال: كنا نختلف إلى أبي حنيفة وشامي معنا، فلما أراد الخروج جاء ليودعه فقال: يا شامي، تحمل هذا الكلام إلى الشام؟ فقال: نعم، قال: تحمل سرًا» . قال الأستاذ ص ١١٨: «ضعفه البخاري في (كتابه الصغير) لكن وثقه النسائي، وهو من فقهاء أصحاب أبي حنيفة ومن المكثرين عنه، فبالنظر إلى حاله يريد بقوله هذا على تقدير ثبوته عنه التنكيت على أهل الشام» .
أقول: إنما قال البخاري: «فيه ضعف»، وكذا قال الساجي، وقال الحاكم أبو أحمد: «ليس بالقوي»، وقال النسائي والدارقطني: «ثقة»، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال ابن سعد: «كان مقدما في العلم والفقه والعقل والفضل، وكان صديقًا لابن المبارك، وكان من أصحاب أبي حنيفة»، وهذا يقتضي أنه لم يكن
[ ٢ / ٧٢٩ ]
٢٥٨- نعيم بن حماد
تكذيب الكوثري له وطعنه في عقيدته وهو من أعلام الأمة
يتابع أبا حنيفة في كل شيء، فهم مقبول. وليس هو المخاطب للشامي كما قد يوهمه كلام الأستاذ، وإنما المخاطب للشامي بما ذكر أبو حنيفة نفسه كما صريح الرواية، واحتمال أن يكون أبو حنيفة إنما أراد التنكيت لا يخفى حاله.
٢٥٨- نعيم بن حماد. ذكر الأستاذ ص ٤٩ عن (الأسماء والصفات) للبيهقي رواية من طريقة: «سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر جهم وجاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهمًا » وفي (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٦ من طريقة. «قال سفيان: ما وضع في الإسلام من الشر ما وضع أبو حنيفة إلا فلان - لرجل صلب» . قال الأستاذ ص ٤٩: «معروف باختلاق مثالب ضد أبي حنيفة، وكلام أهل الجرح فيه واسع الذيل، وذكره غير واحد من كبار علماء أصول الدين في عداد المجسمة بل القائلين باللحم والدم. وقال الأستاذ ص ١٠٧: «له ثلاثة عشر كتابًا في الرد على من يسميهم: الجهمية، ودعا إليها العجلي فاعرض عنها ولا شك أنه كان وضاع مثالب كما يقول أبو الفتح الأزدي وأبو بشر الدولابي وغيرهما، وكم أتعب أهل النقد بمناكيره، ويوجد من روى عنه من الأجلة رغبة في علو السند، ولا يرفع ذلك من شأنه إن لم يضع من شأن الراوي، ومن حاول الدفاع عنه يتسع عليه الخرق» .
أقول: نعيم من أخيار الأمة وأعلام الأئمة وشهداء السنة ما كفى الجهمية الحنفية أن اضطهدوه في حياته إذ حاولوا إكراهه على أن يعترف بخلق القرآن فأبى فخلدوه في السجن مثقلًا بالحديد حتى مات، فجر بحديده فألقي في حفرة ولم يكفن ولم يصل عليه - صلت عليه الملائكة - حتى تتبعوه بعد موته بالتضليل والتكذيب على أنه لم يجرؤ منهم على تكذيبه أحد قبل الأستاذ، إلا أن أحدهم وهو الدولابي ركب لذلك مطية الكذب فقال: «وقال غيره » .
أما عقيدته أئمة السنة المخلدة في كتاب الله ﷿، وأما الذين كان يسميهم «الجهمية» فكان أئمة المسلمين في زمانه وقبله وبعده يسمونهم هذا الاسم،
[ ٢ / ٧٣٠ ]
وأما إعراض العجلي عن كتبه فلم يعرض عنها مخالفة لنعيم ولا رغبة عن الأخذ عنه وهو ممن وثق نعيمًا كما يأتي، وإنما كان العجلي مستغرقًا في الحديث فلم يحب أن يتشاغل بالنظر في أقوال المبتدعة والرد عليها إشفاقًا على نفسه من أن يعلق به بعض أو ضارها.
وأما كلام أئمة الجرح والتعديل فيه بين موثق له مطلقا، ومثن عليه ملين، لما ينفرد به مما هو مظنة الخطأ، بحجة أنه كان لكثرة ما سمع من الحديث ربما يشبه عليه فيخطئ» وقد روى عنه البخاري في (صحيحه) وروى له بقية الستة بواسطة إلا النسائي (١) لا رغبة في علو السند كما يزعم الأستاذ فقد أدركوا كثيرًا من أقرانه وممن هو أكبر منه، ولكن علمًا بصدقه وأمانته، وأن ما نسب إلى الوهم فيه ليس بكثير في كثرة ما روى.
فأما الدولابي فهو محمد بن أحمد بن حماد له ترجمة في (الميزان) و(اللسان) قال ابن يونس: «من أهل الصنعة حسن التضعيف وكان يضعف» وقال الدارقطني: «تكلموا فيه لما تبين من أمره الأخير» وذكر ابن عدي قول الدولابي في معبد الجهني الذي روى أبو حنيفة عن منصور بن زازان عن الحسن عنه، أنه معبد بن هو ذة الذي ذكره البخاري في (تاريخه) .
قال ابن عدي: «هذا الذي قاله غير صحيح، وذلك أن معبد بن هو ذة أنصاري فكيف يكون جهنيا؟ «ومعبد الجهني معروف ليس بصحابي، وما حمل الدولابي على ذلك إلا ميله لمذهبه» . وقال ابن عدي أيضًا: «ابن حماد متهم فيما قاله في نعيم بن حماد لصلابته في أهل الرأي» . وفي ترجمة نعيم من (مقدمة الفتح) بعد الإشارة إلى حكاية الدولابي «وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه لأنه كان شديدًا على أهل الرأي. وهذا هو
_________________
(١) قلت: لم يحتج به الشيخان، أما البخاري فأخرج له مقرونًا كما في خاتمة «الترغيب» للمنذري، وترجمة نعيم من «التهذيب» . وأما مسلم، فأخرج له في مقدمة «صحيحه» كما يشعر بذلك رمزهم له ب «مق» . ن.
[ ٢ / ٧٣١ ]
كلام الأئمة فيه وترجيح الاحتجاج فيما توبع عليه
الصواب» وقال في (التهذيب): «حاشى الدولابي أن يتهم، وإنما الشأن في شيخه الذي نقل ذلك عنه فإنه مجهول متهم» .
أقول: لا أرى الدولابي يبرأ من عهدة ذاك النقل المريب فإن ابن عدي قال كما في (التهذيب): «قال لنا ابن حماد - يعني الدولابي - نعيم يروي عن ابن المبارك قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في ثلب حنيفة كلها كذب. قال ابن عدي وابن حماد متهم » فلا يحتمل أن يكون الدولابي سمع تلك الكلمة ممن يعتد بقوله وإلا لصرح به وصرخ به صراخًا. فإن كان سمعها ممن لا يعتد به فلم يكن له أن يحكيها على هذا الوجه بل كان عليه أن يعرض عنها لعدم الاعتداد بقائلها، أو على الأقل أن يصرح باسمه. وإن كان يسمعها من أحد وإنما اختلق ذلك فأمره أسوأ، وإن كان كنى بقوله: «غيره» عن نفسه كأنه أراد «وقلت أنا» فالأمر في هذا أخف، وقد عرف تعصب الدولابي على نعيم، فلا يقبل قوله فيه بلا حجة مع شذوذه عن أئمة الحديث الذين لا يكاد هو يذكر معهم.
وأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي فهو نفسه على يدي عدل! وترجمته في (تاريخ بغداد) و(الميزان) و(اللسان) تبين ذلك، مع أنه إنما نقل كلام الدولابي وإن لم يصرح باسمه، والدليل على ذلك توافق العبارتين، أما عبارة الدولابي فقد مرت، وأما عبارة الأزدي فقال: «قالوا كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات مزورة قي صلب أبي حنيفة كلها كذب» .
أما كلام الأئمة فقال الإمام أحمد: «لقد كان من الثقات» وقال العجلي:: «ثقة»، وقال أبو حاتم مع تشدده: «صدوق» وروى عنه البخاري في (صحيحه) كما مر وأخرج له بقية الستة إلا النسائي، وصح عن ابن معين من أوجه أنه قال: «ثقة» وروى عنه، وجاء عنه أنه مع ثنائه عليه لينه في الرواية، وأتم ذلك رواية علي بن حسين بن حبان وفيها عن ابن معين «نعيم بن حماد صدوق ثقة رجل صالح،
[ ٢ / ٧٣٢ ]
سبب أوهام نعيم وذكر ثمانية أحاديث له مما انتقد عليه
أنا أعرف الناس به، كان رفيقي بالبصرة إلا أنه كان يتوهم الشيء فيخطئ فيه، وأما هو فكان من أهل الصدق» . وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه؟ فقال: قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة فصار في حد من لا يحتج به» . وهذا يدل أن ما روي عن النسائي أنه قال مرة: «ليس بثقة» إنما أراد بها أنه ليس في أن يحتج به، وهب أن النسائي شدد فكلام الأكثر أرجح ولا سيما ابن معين، لكمال معرفته ولكونه رافق نعيمًا وجالسه انتقدت عليه ثم قال: «وعامة ما أنكر عليه هو الذي ذكرته وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا» . وقال ابن حجر في (التهذيب): «أما نعيم فقد ثبتت عدالته وصدقه ولكن في حديثه أو هام معروفة وقد قال فيه الدارقطني: إمام في السنة كثرة الوهم. وقال أبو أحمد الحاكم: ربما يخالف في بعض حديثه. وقد مضى أن ابن عدي تتبع ما وهم فيه، فهذا فصل القول فيه» .
وإنما أوقع نعيمًا فيما وقع فيه من الأوهام أنه سمع فأكثر جدًا من الثقات ومن الضعفاء، قال أحمد بن ثابت أبو يحيى «سمعت أحمد ويحيى بن معين يقولان: نعيم معروف بالطلب» ثم ذمه بأنه يروي عن غير الثقات. وفي (الميزان) عن ابن معين يقولان: نعيم معروف بالطلب» ثم ذمه بأنه يروي عن غير الثقات. وفي (الميزان) عن ابن معين: «نعيم بن حماد كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث» . هذا ما سمعه من رجل واحد ليس هو بأشهر شيوخه فما ظنك بمجموع ما عنده على شيوخه؟ وقال صالح بن محمد «كان نعيم يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها» فلكثرة حديث نعيم عن الثقات وعن الضعفاء واعتماده على حفظه كان ربما اشتبه عليه ما سمعه من بعض الضعفاء بما سمع من بعض الثقات فيظن أنه سمع الأول بسند الثاني فيرويه كذلك. ولو لم يخطئ وروى كما سمع أتبين أنه إن كان هناك نكارة فالحمل فيها على من فوقه.
وقد تقدم أن ابن عدي تتبع ما انتقد على نعيم، وذكر الذهبي في (الميزان)
[ ٢ / ٧٣٣ ]
الحديث الأول:
ثمانية أحاديث وكأنها أشد ما انتقد على نعيم، وما عداها فالأمر فيه قريب، ولا بأس أن أسوقها هنا وأنظر فيها على مقدار فهمي. وأسأل الله التوفيق.
الحديث الأول: أخرجه الحاكم في (المستدرك) ج ٤ ص ٤٣٠ « نعيم بن حماد ثنا عيسى بن يونس عن حرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرمون الحلال، ويحللون الحرام» قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين» .
أقول: هذا الحديث أشد ما أنكر على نعيم. أنكره ابن معين ووثق نعيما وقال: «شُبِّه له» وقال دحيم: «هذا حديث صفوان بن عمرو، حديث معاوية» يعني أن إسناده مقلوب، لهذا الحديث شواهد مرفوعة وموقوفة في (المستدرك) ج ١ ص ١٢٨ و(سنن الدارمي) ج ١ ص ٦٥ وغيرهما (١) . وقد تابع نعيمًا على روايته عن عيسى بن يونس جماعة منهم ثلاثة أقوياء سويد بن سعيد الحدثاني، وعبد الله بن جعفر الرقي، والحكم بن المبارك الخواستي، وسويد من رجال مسلم إلا أنه كان في آخر عمره يقبل التلقين لكن في ترجمته ما يدل أنه كان إذا نبه على خطئه رجع، وقد روجع في هذا الحديث فثبت على أنه سمعه من عيسى بن يونس. والرقي موثق إلا أنه نسب إلى الاختلاط بأخرة، لكن ذكر ابن حبان أن اختلاطه لم يكن فاحشًا، وراوي هذا الحديث عنه ثقة وهو الذي أخبر بأنه اختلط، فقد يقال لو علم أنه اختلط اختلاطًا شديدًا وكان إنما سمع منه هذا الحديث عند
_________________
(١) قلت: فيما أشار إليه المؤلف ﵀ نظر، فإن الذي في «المستدرك» عدة أحاديث في تفرق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وهي صحيحة كما بينته في غير هذا الموضع، لكن ليس في شيء منها ذكر القياس والتحريم والتحليل، وهو بيت القصيد - كما يقال - في حديث نعيم: والذي عند الدارمي أثر عن ابن مسعود، وعن غيره من التابعين في ذم قوم يقيسون الأمر برأيهم. وفي اعتبار مثل هذا مع وقفه وقصوره عن الشهادة الكاملة شاهدًا لحديث نعيم المرفوع نظر ظاهر عندي. فيتأمل.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
الحديث الثاني:
اختلاطه، لكن الظاهر أن لا يرويه عنه إلا مقرونا ببيان أنه إنما سمع منه هذا الحديث عند اختلاطه، لكن الظاهر أن لا يرويه عنه إلا مقرونا ببيان أنه إنما سمعه منه بعد الاختلاط. والخواستي وثقه ابن حبان وابن منده وابن السمعاني، وقال ابن عدي في ترجمة سويد «يقال أنه لا بأس به» لكنه عده عند هذا الحديث في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن بن وهب فيمن سرق هذا الحديث من نعيم. وذكر الذهبي في (الميزان) متابعة هؤلاء الثلاثة لنعيم ثم قال: «قلت هؤلاء الأربعة لا يجوز في العادة أن يتفقوا على باطل، فإن كان خطأ، فمن عيسى بن يونس» . والله أعلم. (١)
الحديث الثاني: قال ابن جرير في تفسير سورة «سبأ»: «حدثني زكريا بن أبان المصري قال: ثنا نعيم قال: ثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن ابن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أراد الله أن يوحي بالأمر أخذت السموات منه رجفة - أو قال: رعدة - شديدة خوف أمر الله، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم جبرائيل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي حيث أمره الله» .
سئل عنه دحيم فقال: لا أصل له.
أقول: المتن غير منكر، وله شواهد، ففي (صحيح البخاري) من حديث أبي هريرة مرفوعًا «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة أجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة علة صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الذي قال: قال: الحق وهو العلي الكبير » هكذا في تفسير سورة «سبأ»، وأخرجه البخاري أيضًا في «التوحيد» وذكر معه «قال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا
_________________
(١) أنظر «الأحكام الكبرى» بتحقيقي رقم (١٤٤) .
[ ٢ / ٧٣٥ ]
الحديث الثالث:
أنه الحق من ربكم ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق» وذكر ابن حجر في (الفتح) طرق حديث ابن مسعود وأنه جاء من عدة أوجه مرفوعًا وفي بعض طرق « فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، قال ويقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟ قال: فيقول الحق، قال: فينادون الحق الحق» وراجع تفسيره سورة «سبأ» من (تفسير ابن جرير)، وراجع (الفتح) في تفسيره سورة (سبأ» وفي «التوحيد» فالنكارة في السند فقط، وقد يقال: نعيم مكثر جدًا، وكان يتتبع هذا الضرب من الأحاديث، والوليد مكثر جدًا تفرد بأحاديث كثيرة فيحتمل هذا الحديث لنعيم، فإن كان هناك خطأ فقد مر وجهه. والله اعلم.
الحديث الثالث: في (تاريخ بغداد) ج ١٣ ص ٣١١ من طريق محمد بن إسماعيل الترمذي «حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن إسماعيل الترمذي «حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أنها سمعت النبي ﷺ يذكر أنه رأى ربه تعالى في المنام في أحسن صورة شابًا موفرًا رجلاه في خف عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب» . أقول في (اللآلئ المصنوعة) ج ١ ص ١٦ بعد ذكر حديث نعيم هذا: «ولم ينفرد بهذا الحديث فقد رواه جماعة عن ابن وهب قال الطبراني: حدثنا روح بن الفرج حدثنا يحيى ابن بكير ح وحدثنا أحمد بن رشدين حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي وأحمد بن صالح قالوا: حدثنا عبد الله بن وهب - فذكره بسنده ومتنه سواء» ثم ذكر حديث حماد بن سلمة بسنده إلى ابن عباس مرفوعًا: «رأيت ربي في صورة شاب له وفرة» وتصحيح أبي زرعه له وعدة متابعات وشواهد له. والطبراني وروح ابن الفرج ويحيى بن بكير من الثقات، وفي يحيى كلام يسير لا يضره، وهو من رجال (الصحيحين) . ويحيى بن سليمان وأحمد بن صالح ثقتان لكن الراوي عنهما أحمد ابن الحداد الفقيه أنه سمع النسائي يقول: «ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله ﷿؟!» وهذا يشعر بأن النسائي عرف ثبوت الحديث عن بن عثمان حتى يصدق على الله ﷿؟!» وهذا يشعر بأن النسائي عرف ثبوت الحديث عن ابن وهب
[ ٢ / ٧٣٦ ]
الحديث الرابع:
الحديث الخامس والسادس:
بسنده فلم يحمل على نعيم ولا يحيى بن بكير وإنما ترقى إلى مروان بن عثمان ومروان ضعفه أبو حاتم، وقال ابن حبان في ترجمة عمارة بن عامر: «حدثنا منكرًا، لم يسمع عمارة من أم الطفيل» فأعلمه بالانقطاع. وعلى كل حال فقد ظهرت براءة نعيم من عهدة هذا الحديث.
الحديث الرابع: قال الترمذي في أواخر «كتاب الفتن» من - جامعه): «حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني حدثنا بن حماد الترمذي نعيم حماد حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال ك إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمكر به هلك، ثم يأتي زمان من عمل منكم بعشر ما أمر به نجا. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد بعشر ما أمر به نجا. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد عن سفيان بن عيينة، قال: وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد» .
أقول: حديث أبي ذر في (مسند أحمد) ج ٥ ص ١٥٥ و(التاريخ الكبير) للبخاري ج ١ قسم ٢ ص ٣٧١.
فكأنه وقع لنعيم حديث أبي ذر أو أبي سعيد بسند، وحديث آخر عن سفيان بن عيينة بسنده فاشتبه عليه الحديثان، فظن أنه سمع ذاك سمع ذاك المتن بهذا السند. والله أعلم.
الحديث الخامس والسادس: في (الميزان): «ومنها حديثه عن ابن المبارك وعبدة عن عبيد الله عن نافع عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية، والمحفوظ أنه موقوف» وفيه «نعيم عن الدر أوردي عن سيهل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا، قال: لا تقل أهر يق الماء ولكن قل أبول. والصواب أنه موقوف» .
أقول: إن ثبت رجحان الوقف فيهما فالأمر هين ومثل هذا الخطأ لم يكد يسلم منه أحد كما ترى في كتب العلل. وقد اغتفر أكثر من ذلك لمن لا يساوي نعيما في كثرة الحديث ولا ينصفه.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
الحديث السابع والثامن:
٢٥٩- الوضاح بن عبد الله أبو عوانة أحد الأئمة
الحديث السابع والثامن: في (الميزان): «بقية عن ثور عن خالد بن معدان عن واثلة بن الأسقع مرفوعا: المتعبد بلا فقه كالحمار في الطاحونة. وبه قال: تغطية الرأس بالنهار فقه، وبالليل ريبة. لم يروهما عن بقية سواء» .
أقول: بقية بن الوليد بحر لا ساحل له يأخذ عن كل من دب ودرج ويدلس فالتفرد عنه ليس بالمنكر ولا سيما لمثل نعيم.
فهذه هي الأحاديث التي ذكرت في (الميزان) في ترجمة نعيم وقضية ذلك أنها أشد ما انتقد عليه، ومن تدبر ذلك وعلم كثرة حديث نعيم وشيوخه، وأنه كان يحدث من حفظه، وكان قد طالع كتب العلل جزم بأن نعيمًا مظلوم، وأن حقه أن يحتج به ولو انفرد، إلا أنه يجب التوقف عما ينكر مما ينفرد به، فإن غيره من الثقات المتفق عليهم قد تفردوا وغلطوا، هذا التوقف عما ينكر مما ينفرد به، فإن غيره من الثقات المتفق عليهم قد تفردوا وغلطوا، هذا الوليد بن مسلم يقول أبو داود: «روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها أربعة عن نافع»، ولذلك نظائر. أما الاحتجاج به فيما توبع عليه فواضح جدًا، وكذلك ما يرويه من كلام مشايخه أنفسهم، إلا أنه قد يحتمل أن يروي بعض ذلك بالمعنى فيتفق أن يقع فيما رواه لفظ أبلغ مما سمعه وكلمة أشد، فإذا كان للفظ الذي حكاه متابعة أو شاهد اندفع هذا الاحتمال. والله أعلم. (١)
٢٥٩- الوضاح بن عبد الله أبو عوانة أحد الأئمة. راجع (الطليعة) ص ٤٣ و٤٦ و٥٣ و١٠٦ و١٠٨ والعبارة التي نقلتها ص ٥٧ عن (الثقات) وجدتها كذلك في نسخة أخرى من (الثقات) جيدة في المكتبة السعيدية بحيدر آباد، وما ذكرته في الموضع الأخير رأيت ما يتعلق به في ترجمة أبي عوانة من (تاريخ جرجان) لحمزة بن يوسف السهمي قال «سمعت أبا بكر الإسماعيلي
_________________
(١) نوح بن أبي مريم. تقدم له ذكر في ترجمة نعيم لما رواه البيهقي عن نعيم عنه وكما قال الأستاذ «كلام أهل الجرح فيه معلوم» .
[ ٢ / ٧٣٨ ]
وعبد الله بن الحافظ يقولان: أبو عوانة اسمه الوضاح وهو من سبي جرجان سكن البصرة وهو مولى يزيد بن عطاء الواسطي مات سنة سبعين ومائة» .
وتعقب الأستاذ في (الترحيب) ص ٤١ ما ذكرته في (الطليعة) ص ٥٣ - ٥٥ أن علي ابن عاصم إنما قال: «وضاح» لا «وضاع» فذكر الأستاذ أن قولي في دائرة الاحتمال، قال: «لكن قول علي بن عاصم في جرير بن عبد الحميد: ذاك الصبي - وفي شعبة: ذاك المسكين - يبعد احتمال ذكر اسم أبي عوانة على أن الغالب في اسمه: الوضاح - باللام، بل يكون علي ابن عاصم أسرف في رميه أبا عوانة بالوضع والكذب» .
أقول: ليس في هذا ما يدفع الحق فقد ذكرت في (الطليعة) من القرائن ما هو أقوى من هذا بكثير، بل ليس لهذا قوة البتة، فإن من المعروف أن ذكر الرجل بكنيته إكرام له، وكان أبو عوانة مشهورًا بكنيته لا يكاد يذكر إلا بها فنص علي بن عاصم على اسمه تأكيدًا لاحتقاره، ردًا على مخاطبة الذي ذكره بلفظ «أبو عوانة» كأنه قال: «ليس بأهل أن يذكر بكنيته وإنما ينبغي أن يذكر اسمه» ولهذا الغرض نفسه قال: «ليس بأهل أن يذكر بكنيته وإنما ينبغي أن يذكر اسمه» ولهذا الغرض نفسه قال: «وضاح» بترك اللام، لأن في الإتيان باللام تفخيمًا للاسم ينافي غرضه، ولم يتفق له مثل هذا في شعبة وجرير لأنهما معروفان باسميهما، ولا تدخل عليهما اللام فاعتاض عن ذلك بأن ترك التلفظ باسميهما، على أن في ترجمة أبي عوانة من (تاريخ البخاري) «وضاع» بدون لام، وأكثر ما يذكر أبو عوانة بكنيته، فالغلبة التي زعمها الأستاذ ليست بحيث يسوغ الاعتداد بها، ولا أرى الأمر إلا أو ضح من هذا، ولولا غلبة الهوى على الأستاذ الكوثري لما كابر، والذي أو قع مصحح (تهذيب التهذيب) في الغلط مع قرب الشكل أنه لم يكن ممارسًا للفن، وترجمة أبي عوانة متأخرة عن ترجمة علي بن عاصم التي ذكرت فيها تلك العبارة، وذكر أبي عوانة فيما قبل ذلك يقع بكنيته، وقد عرف ذاك المصحح أن من ألفاظ المحدثين «وضاع» فمشى عليه الخطأ كما مشى عليه مثله وأبعد منه في مواضع كثيرة من الكتاب يعرفها الأستاذ وغيره.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
٢٦٠- الوليد بن مسلم
٢٦١- هشام بن عروة بن الزبير بن العوام
حديث أم زرع وما قيل من وهم هشام فيه
٢٦٠- الوليد بن مسلم. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤٠٠ من طريق آبى معمر «حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن انس: أيتكلم برأي أبي حنيفة عندكم؟ قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن تسكن» ومن وجه آخر عن أبي معمر: «عن الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن انس: أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن تسكن» .
قال الأستاذ ص ١١٤: «ينسبه ابن عدي إلى التدليس الفاحش» .
أقول: قد علم الأستاذ أن التدليس ليس بجرح، وإنما يذكر صاحبه به ليعرف فلا يقضي على ما جاء عنه بالعنعنة أنه متصل ما لم يتبين ذلك من وجه آخر، وقد صرح الوليد هنا بالسماع غاية التصريح فلا مدخل للتدليس هنا البتة.
٢٦١- هشام بن عروة بن الزبير بن العوام. تقدم ما يتعلق به في الفصل الثالث أوائل الكتاب. وقال الأستاذ في حاشية ص ٩٨ من (التأنيب): « على أن ما يؤخذ به هشام بعد رحيله إلى العراق أمور تتعلق بالضبط في التحقيق وإلا فمالك أخرج عنه في (الموطأ)» .
أقول: في (تهذيب التهذيب): «قال أبو الحسن بن القطان: تغير قبل موته، ولم نر له في ذلك سلفًا» . وقال الذهبي في (الميزان): «هشام بن عروة أحد الأعلام، حجة، إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه أو وهم ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم في غضون ذلك يسيرًا أحاديث لم يجودها، ومثل ذلك يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط، وذر خلط الأئمة الثقات بالضعفاء والمختلطين فهو شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان!» .
أقول: أما النسيان فلا يلزم منه خلل في الضبط لأن غايته أنه كان أولًا يحفظ أحاديث فحدث بها ثم نسيها فلم يحدث بها.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
وأما الوهم، فإذا كان يسيرًا يقع مثله لمالك وشعبة وكبار الثقات فلا يستحق أن يسمى خللًا في الضبط، ولا ينبغي أن يسمى تغيرًا، غاية الأمر أنه رجع عن الكمال الفائق المعروف لمالك وشعبة وكبار الثقات، ولم يذكروا في ترجمته شيئًا نسب فيه إلى الوهم إلا ما وقع له مرة في حديث أم زرع، والحديث في (الصحيحين) وغيرهما عنه عن أبيه عن عائشة قالت: «جلس إحدى عشرة امرأة » فساقت القصة بطولها وفيها ذكر أم زرع، وفي آخره: «قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ: كنت لك كأبي زرع لأم زرع» .
وهذا السياق صحيح اتفاقًا ولكن رواه هشام مرة أخرى فرفع القصة كلها، وقد توبع على ذلك كما في (الفتح) ولكن الأول أرجح، وأستدل بعضهم على رفع القصة كلها بأن المرفوع اتفاقًا وهو قوله ﵌: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع» مبنى على القصة فلا بد أن يكون ﷺ بدأ فذكر القصة ثم بنى عليها تلك الكلمة أو بدأ بتلك الكلمة فسألته عائشة فذكر القصة. وأجيب باحتمال أن تكون القصة كانت مما يحكيه العرب وكان ﵌ قد سمعهم يحكونها وعلم أن عائشة قد سمعنها فبنى عليها تلك الكلمة. وعلى كل حال فهذا وهم يسير قد رجع عنه هشام. يقي ما قيل: إن هشامًا كان يدلس ن قال يعقوب بن سفيان: «ثقة ثبت لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشاما تسهل لأهل العراق، إنه كان لا يحدث عن أبيه آبى بما سمعه منه، فكن تسهله أنه أرسل عن أبيه عما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه» وجاء عن ابن خراش ما يفهم منه هذا المعنى وقد تفهم منه زيادة لا دليل عليها فلا تقبل من ابن خراش، وعدة ابن حجر في الطبقة الأول من المدلسين، وهو طبقة من لم يوصف بذلك إلا نادرًا.
والتحقيق أنه لم يدلس قط ولكن كان ربما يحدث بالحديث عن فلان عن أبيه فيسمع الناس منه ذلك ويعرفونه ثم ربما ذكر ذلك الحديث بلفظ «قال أبي» أو نحوه
[ ٢ / ٧٤١ ]
٢٦٢- هشام بن محمد بن السائب الكلبي
اتكالًا على أنه قد سبق بيان أنه إنما سمعه من فلان عن أبيه، فيغتنم بعض الناس حكايته الثانية فيروي ذاك الحديث عنه عن أبيه لما فيه صورة العلو، مع الاتكال على أن الناس قد سمعوا روايته الأولى وحفظوها. وفي مقدمة (صحيح مسلم) ما يصرح بأن هشامًا غير مدلس، وفيه أن غير المدلس قد يرسل وذكر لذلك أمثلة منها حديث رواه جماعة عن هشام «أخبرني أخي عثمان بن عروة عن عروة» . ورواه آخرون عن هشام عن أبيه، ومع هذا فإنما اتفق لهشام مثل ذلك نادرًا، ولم يتفق إلا حيث يكون الذي بينه وبين أبيه ثقة لا شك فيه كأخيه عثمان ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة. والله الموفق.
٢٦٢- هشام بن محمد بن السائب الكلبي. من عادة الخطيب أن يذكر آخر ترجمة الرجل تاريخ وفاته ورؤيا رئيت له بعد موته وأبياتًا قيلي في رثائه حيث يتيسر ذلك، فذكر في آخر ترجمة محمد بت الحسن تاريخ وفاته، واتصل بذلك أبيات رثى بها ذكر ما روي أنه رئي في المنام فقال: «قال لي إني لم أجعلك وعاء للعلم وأنا أريد أن أعذبك - قيل له فما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقي - قيل فما فعل أبو حنيفة؟ قال: فوق أبي يوسف بطبقات» . وربما اتفق أن يكون فيما يختم به الترجمة من الشعر غضاضة ما على صاحب الترجمة فيغتفرها الخطيب في سبيل تزيينه (التاريخ) كما فعل في ترجمة الأصمعي حيث ذكر البيتين المعروفين:
لعن الله أعظمًا حملوها نحو دار البلى على خشبات
أعظمًا تبغض النبي وأهل الـ بيت والطيبين والطيبات
وهذا مع تبجيل الخطيب للأصمعي وأنه لا غرض له في ذمة، فاتفق له ما هو دون هذا بكثير في ترجمة أبي يوسف، ذكر ما روي عن معروف الكرخي أنه قال: «رأيت كأني دخلت الجنة فإذا قصر قد بني وثم شرفه فقلت لمن هذا؟ فقالوا: لأبي يوسف القاضي بتعليمه الناس الخير » ثم ذكر تاريخ وفاته وذكر من طريق هشام ابن الكلبي أبياتًا ذكر أنها أنشدت على قبر أبي يوسف عقب وفاته أولها:
[ ٢ / ٧٤٢ ]
٢٦٣- الهيثم بن جميل
سقى جدثًا به يعقوب أمسى من الوسمى منبجس ركام (١)
وفيها تنكيت شعري خفيف بلا سبب ولا لعن، فجاء الكوثري فذكر الأصمعي وغضب عليه لروايته ما سمع، وتجني عليه وذكر بدون أدنى مناسبة بيتي اللعن تشفيًا من الأصمعي فقط، ثم في ترجمة محمد بن الحسن ضج وعج وهاج وماج وطول ينقم على الخطيب إيراد الإثبات المذكورة، والوقت أعز من أن نضيعه في تعقب تهويل الكوثري فأما ابن الكلبي فكما قال.
٢٦٣- الهيثم بن جميل. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٥ من طريق عبد الله بن خبيق قال: سمعت الهيثم بن جميل يقول: سمعت أبا عوانة يقول: كان أبو حنيفة مرجئا يرى السيف ، قال الأستاذ ص ٧١: «قال ابن عدي: لم يكن بالحافظ يغلط على الثقات» .
أقول: روى عبد الله بن أحمد عن أبيه: «كان أصحاب الحديث ببغداد أبو كامل وأبو مسلمة الخز الخزاعي والهيثم، وكان الهيثم أحفظهم وأبو كامل أتقنهم» . ذكر هذا في (التهذيب) في ترجمة أبي كامل مظفر بن مدرك ثم قال: «وحكى أبو طالب عن أحمد نحوه وزاد: لم يكونوا يحملون عن كل أحد، ولم يكتبوا إلا عن الثقات» وذكر في ترجمة الهيثم قول أحمد: «ثقة» قال: «وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال إبراهيم الحربي: أما الصدق فلا يدفع عنه، وهو ثقة. وقال الدارقطني: ثقة حافظ» . وذكر قبل ذلك قول ابن سعد « وكان ثقة» أما الغلط فذكر له الذهبي في (الميزان) حديثًا واحدًا، فإن كان هو الذي أشار إليه ابن عدي، فابن عدي هو الغالط، والحديث هو ما رواه الهيثم عن أبي عوانة عن عبد الأعلى عن سعيد
_________________
(١) كذا هو بخط المصنف رحمه الله تعالى، والذي في «التاريخ» في المكان الذي أشار إليه (١٤ / ٢٦٢): « أضحى رهينًا لليل هزج ركام» . وكذا هو في «التأنيب» (ص ١٧٧)، فالظاهر أن المؤلف كتب البيت من حفظه، لا نقلا عن «التاريخ»، ويؤيد ذلك أنه ليس فيه قول المؤلف: «على قبر أبي يوسف عقب وفاته» . ن.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. كأن المغلط بنى على أن هذا المتن معروف من رواية سفيان الثوري عن عبد الأعلى، فأما أبو عوانة فالمعروف من روايته عن عبد الأعلى بهذا السند حديث «لتقوا الحديث عني إلا ما علمتم من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» ويجاب عن هذا بأن في (مسند أحمد) ج ١ ص ٣٢٣. حدثنا أبو الوليد ثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى اتقوا الحديث عني ومن كذب في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» فجمع بين الجملتين، وأخرج الترمذي عن سفيان بن وكيع عن سويد عمرو الكلبي عن أبي عوانة نحوه وقال في الجملة الثانية «ومن قال في القرى، » فتبين أن المتنين حديث واحد اقتصر الثوري في روايته عن عبد الأعلى أحدهما، واقتصر أبو عوانة في روايته الهيثم على الآخر، وجمعهما في رواية أبي الوليد وسويد بن عمرو.
وفي (سنن البيهقي) ج ٧ ص ٤٦٢ من طريق ابن عدي بسنده إلى الهيثم «نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: لا يحرم الرضاع إلا ما كان في الحولين» ثم حكى عن ابن عدي قال: «غير الهيثم يوفقه علي ابن عباس» وذكره الدارقطني في (السنن) ص ٤٩٨ ثم قال: «لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ «.
أقول: فإن حكم للهيثم كما قد يشعر به كلام الدارقطني فذاك، وإن ترجح خطؤه حكما يشير إليه كلام ابن عدي فمثل هذا الخطأ اليسير لم يسلم منه كبار الأئمة كما يعلم من كتب العلل. ومع ذلك فحكاية الهيثم عن أبي عوانة في شان أبي حنيفة بمظنة للخطأ. والله المستعان. (١)
٢٦٤- يحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي الأصل الدمشقي. في (تاريخ بغداد)
_________________
(١) الهيثم بن خلف الدوري راجع (الطليعة) ص ٥١- ٥٢ وراجع ما مر في ترجمة المسيب بن واضح وراجع (تاريخ جرجان) ترجمة سعيد بن سلم.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
٢٦٥- يحيى بن عبد الحميد الحماني
٢٦٦- يزيد بن يوسف الشامي
١٣ / ٣٧٢ من طريق «يعقوب بن سفيان حدثني علي بن عثمان بن نفيل حدثنا أبو مسهر حدثنا يحيى بن حمزة وسعيد يسمع أن أبا حنيفة قال: لو أن رجلًا عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأسًا. فقال سعيد: هذا الكفر صراحًا» . قال الأستاذ ص ٣٩ «يحيى بن حمزة قدري لا يتخذ قوله ضد أئمة السنة حجة» .
أقول: أما قوله من رأيه فربما، وأما روايته فلا وجه لردها كما مر تحقيقه في القواعد، وقد وثقه ابن معين ودحيم وأبو داود والنسائي ويعقوب بن شيبة وغيرهم، واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وسائر الأئمة ولم يغمز بشيء سوى القدر، ولم يكن داعية، وقد توبع في هذه الحكاية كما مر في ترجمة القاسم بن حبيب - والله أعلم.
٢٦٥- يحيى بن عبد الحميد الحماني. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٩ من طرق مسدد بن قطن سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن عبد الحميد يقول: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق» قال الأستاذ ص ٥٦: «متكلم فيه إلى أن قيل فيه: كذاب» .
أقول: أما يحيى بن معين فكان يوثقه ويدافع عنه، وقد تضافرت الروايات على أن يحيى بن عبد الحميد كان يأخذ أحاديث الناس فيرويها عن شيوخهم، فإن كان يصرح في ذلك بالسماع فهذا هو المعروف بسرقة الحديث، وهو كذاب، وإلا فهو تدليس، وعلى كل حال فلم يتهم بوضع حديث أو حكاية، والأستاذ يعترف بأن أبا حنيفة كان يرى أن القرآن مخلوق ويعد ذلك من مناقبه. (١)
٢٦٦- يزيد بن يوسف الشامي. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٨٥ من طريقة «قال لي أبو إسحاق الفزاري جاءني نعي أخي من العراق » قال الأستاذ ص ٧٠: «يقول عنه ابن معين: ليس بثقة. والنسائي: متروك» .
أقول: عبارة النسائي «متروك الحديث» وقال أبو داود: «ضعيف» وقال صالح بن
_________________
(١) قلت: ومن ارتاب في ذلك فليراجع «التأنيب» (ص ٥٣) . ن.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
٢٦٧- يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي أبو يوسف الفسوي
٢٦٨- يوسف بن أسباط
محمد: «تركوا حديثه» وحكى ابن شاهين في (الضعفاء) أن ابن معين قال: «كان كذابًا» وقد أجمل بعضهم القول فيه، وتوبع على أصل القصة لكن في روايته زيادة أن أبا حنيفة هو الذي أفتى أخا أبي إسحاق بالخروج فتشبث الأستاذ في كلامه في أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري بهذه الزيادة كما مر في ترجمة أبي إسحاق، وتغافل عن تفرد يزيد هذا بتلك الزيادة. والله المستعان.
٢٦٧- يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي أبو يوسف الفسوي. قال الأستاذ ص ١٠٠: «يقال: إنه كان يتكلم في عثمان» .
أقول: يعقوب إمام جليل علمًا وحفظًا وإتباعا للسنة عنها، وهذه الساقطة التي لقطها الأستاذ أشار إليها الذهبي في ترجمة يعقوب من (تذكرة الحفاظ) ج ٢ ص ١٤٦ قال «قيل إنه كان يتكلم في عثمان ﵁، ولم يصح» !
٢٦٨- يوسف بن أسباط. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٢٤ من طريق «محبوب بن موسى يقول: سمعت ابن أسباط يقول: ولد أبو حنيفة وأبوه نصراني» قال الأستاذ ص ١٧ «من مغفلي الزهاد، دفن كتبه واختلط، واستقر الأمر على أنه لا يحتج به، وأين هذا السند من سند الخبر الذي يليه في (تاريخ الخطيب) نفسه وفيه: وولد ثابت على الإسلام وجد أبي حنيفة النعمان بن قيس المرزبان بن زوطى بن ماه كان حامل راية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يوم النهر - كما ذكره السمناني في كتاب (روضة الفضلاء) ودعاء علي كرم الله وجهه لوالد أبي حنيفة في عهد جده مما ساقه الخطيب بسنده بل لم يكن بين أجداده نصراني أصلًا لأنه منحدر النسب من دم فارسي» .
أقول: أما التغفيل والاختلاط فمن مفتريات الكوثري، وأما دفن كتبه فصحيح، وكذلك فعل آخرون من أهل الورع، (١) كانوا يرون أن حفظ الحديث
_________________
(١) هذا من قبيل إضافة المال، والعلم أعز منه، فأين هو من الورع؟! وبيانه في «تلبيس إبليس» ٣٧٧.ن
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وروايته فرض كفاية، وأن في غيرهم من أهل العلم من يقوم بالكفاية وزيادة، ويرون أن التصدي للرواية مع قيام الكفاية بغيرهم لا يخلو من حظ النفس بطلب المنزلة بين الناس. ثم لم يتصد يوسف للرواية بعد أن دفن كتبه ولكن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرغب في الطاعة ويحذر من المعصية، ويحض علي أتباع السنة / وينفر عن البدعة، فربما احتاج لآي أثناء ذلك؟ قال ابن معين: «ثقة» وقال ابن حبان في (الثقات): «كان من عباد أهل الشام وقرائهم، سكن إنطاكية وكان لا يأكل إلا الحلال، فإن لم يجده استف التراب، وكان من خيار أهل زمانه، مستقيم الحديث، ربما أخطأ مات سنة ١٩٥» فعبارة ابن حبان تعطي أن خطأه كان يسيرًا لا يمنع من الاحتجاج حيث لم يتبين خطؤه، ويشهد لذلك إطلاق ابن معين أنه ثقة. وقال البخاري: «كان قد دفن كتبه فصار لا يجيء بالحديث كما ينبغي» .
وهذا يشعر بأنه كان يكثر منه الخطأ في مظانه، وقريب من ذلك قول ابن عدي: «من أهل الصدق إلا أنه لما عدم كتبه صار يحمل على حفظه فيغلظ ويشتبه عليه ولا يعتمد الكذب وبالغ الخطيب فقال: «يغلط في الحديث كثيرًا» .
فأما قول الأستاذ: «وأين هذا من سند الخبر الذي يليه» فذاك الخبر من طريق عمر ابن حماد بن أبي حنيفة قال: أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى فأما زوطى فإنه من أهل كابل، وولد ثابت على الإسلام وكان زوطى مملوكًا لبني تيم الله ثعلبة فأعتق » فهذا الخبر وإن خالف ما مر عن يوسف بن أسباط، فهو مخالف لما زاده السمناني عصري الخطيب كما يقوله الأستاذ ولم يذكر السمناني سندًا فيما يظهر وبينه وبين النهروان نحو أربعمائة سنة، ومخالف أيضًا لما يروي عن إسماعيل بن حماد من إنكار أن يكونوا مولى عتاقة» وما ذكر من دعاء علي ﵁ لا يصح
[ ٢ / ٧٤٧ ]
٢٦٩- أبو الأخنس الكناني
سنده إلى إسماعيل بن حماد كما أشار إليه في (تهذيب التهذيب)، وإسماعيل إسماعيل! وفي الحكاية ما ينكره الأستاذ وهو قوله: «ولد جدي النعمان سنة ثمانين» وإن صح أنه من أبناء فارس لم يمنع ذلك أن يكون تنصر أحد آبائه، وقد كان سلمان الفارسي نصرانيًا، وفي قصته أنه كان في بلاد فارس دعاة إلى النصرانية، وأيا ما كان فالحرص على إثبات شيء مما يتعلق بذاك الاختلاف لا يليق بأهل العلم، وقد قال الله ﵎: «أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى. وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى. أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» .
٢٦٩- أبو الأخنس الكناني. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٥ من طريق «أحمد بن على الأبار حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثني أبو الأخنس الكناني قال: رأيت أبا حنيفة - أو حدثني الثقة أنه رأى أبا حنيفة - آخذا بزمام بعير مولاة للجهم قدمت «من» خراسان يقود جملها بظهر الكوفة» قال الأستاذ ص ٥٠: «الراوي عن أبي حنيفة في هذه الحكاية مغفل لا يدري هل رأى أبا حنيفة أو سمع من رآه» . أقول: الظاهر أن الشك ممن بعده، وأبو الأخنس هذا اسمه بكير كما ذكره الدولابي الحنفي في (الكنى) ج ١ ص ١١٧ وساق إلى «معاوية بن صالح قال: ثنا منصور بن أبي مزاحم قال: ثنا أبو الأخنس بكير الكناني » وقد تعددت الحكايات في شأن أبي حنيفة وامرأة جهمية، واختلفت في نسبتها إلى جهم، ففي بعضها أنها امرأة جهم، وفي بعضها أنها مولاته، وفي بعضها أنها امرأة كانت تجالسه. والله أعلم.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
٢٧٠- أبو جزي بن عمرو بن سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي
٢٧١- أبو جعفر
٢٧٠- أبو جزي بن عمرو بن سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي. في «تاريخ بغداد» ١٣ / ٣٧٥ من طريق يعقوب بن سفيان: «حدثنا أبو جزي (بن) عمرو بن سعيد ابن سالم «صوابه سلم» قال: سمعت جدي قال: قلت: لأبي يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئًا؟ قال: نعم قلت: أكان جهميًا؟ قال: نعم «قلت» (١): فأين أنت منه قال: أنما كان أبو حنيفة مدرسًا فما كان من قوله حسنًا قبلنها وما كان قبيحًا تركنها ذكر الأستاذ ص ٤٦ أن في الطبعة الهندية والنسخة الخطية من «التاريخ»: «أبو جزي ابن عمرو» وهو الصواب ثم شكك في سعيد ابن سالم ومال إلى أنه سعيد بن سلم ثم قال: «على أنه لا يعرف له ابن يسمى عمرًا ولا أبن ابن يكنى أبا جزي» أقول: بل ذلك معروف ففي الباب ٤١ من الجزء الرابع من «خصائص ابن حني» «أنشد الأصمعي آبا توبة ميمون بن حفص مؤدب عمرو بن سعيد بن سلم بحضره سعيد» وفي «الكامل» للمبرد ص ٧١٦: «حدثني علي بن القاسم قال: حدثني أبو هلابة الجرمي قال: حججنا مرة مع أبي جزي بن عمرو بن سعيد قال: وكنا في ذراه وهو إذ ذاك بهي وضي فجلسنا في المسجد الحرام: هذا أبو جزء أمير ابن عمرو وكان أميرًا ابن سعيد وكان أميرًا ابن سلم وكان أميرا ابن قتيبة وكان أميرًا» وراجع ترجمة أحمد ابن الخليل.
٢٧١- أبو جعفر تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة زكريا يحيى الساجي قال الأستاذ ص ١٨: «مجهول» .
_________________
(١) كذا الأصل، ولا داعي لوضع المعكوفتين، فان لفظه (قلت) ثابتة في «التاريخ»، وكأن المصنف ﵀ كان قد نقل هذه الحكاية من «التاريخ» إلى مسودته، فسقطت هذه اللفظة من قلمه، فلما كتب الحكاية هنا، ولم ير اللفظة تنبه لها، وأن السياق يقتضيها فاستدركها مشيرًا إلى ذلك بوضعها بين المعكوفتين ظانًا أنها سقطت من الأصل لا من قلمه، ولم يتنبه لها فيما سبق فاستدركتها أنا هناك. ن.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
٢٧٢- أبو محمد
٢٧٣- ابن سختويه بن مازيار
أقول: لم يتبين لي من هو؟ (١)
٢٧٢- أبو محمد. في (تاريخ بغداد ١٣ / ٣٧٩) من طريق «العباس بن عبد العظيم حدثنا أحمد بن يونس » ومن طريق «محمد بن العباس - يعني المؤدب - حدثنا أبو محمد - شيخ له - أخبرني أحمد بن يونس قال الأستاذ ص ٥٧: «شيخ مجهول» .
أقول: إنما هي متابعة.
٢٧٣- ابن سختويه بن مازيار. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧٥ من طريق أبي حامد ابن بلال «حدثنا ابن سختويه بن مازيار حدثنا علي بن عثمان » قال الأستاذ ص ٤٨: «ليس محمد بن عمرو الشيرازي لتقدم وفاته، ولا هو إبراهيم بن محمد المزكي النيسابوري لتأخر وفاته عن وفاة أبي حامد بن بلال بدهر، ولا هو أحد أجداد المزكي لأن جد هذا البيت سختويه بن مازيار كما هنا وعلى وعلى فرض أنه أقيم عبد الله مقام مازيار يكون غير معلوم الصفة» .
أقول: ينبغي أن يراجع (تاريخ نيسابور) للحاكم ولم أقف عليه.
«رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (٢) .
_________________
(١) أبو عاصم راجع (الطليعة) ص ٢٩ - ٣٠ ولا تلتفت إلى حركة المذبوح.
(٢) الحشر (١٠) .
[ ٢ / ٧٥٠ ]
القسم الثالث: البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية
[ ٢ / ٧٥١ ]
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الذي من يرد به خيرًا يفقه في الدين، وأشهد وألا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ على محمد وعلى آله، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل ابراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد: فهذه بضع عشرة مسألة وردت فيها أحاديث ذكر الخطيب في ترجمة أبي حنيفة من (تاريخ بغداد) إنكار بعض المتقدمين على أبي حنيفة ردها، فتعرض لها الأستاذ محمد زاهد الكوثري في كتابه (تأنيب الخطيب) فتعقبه في ذلك كما تعقبه في غيره وسأذكر في كل مسألة كلامه، وماله، وما عليه. وأسأل الله التوفيق.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
المنقول عن السلف في الماء قولان
المسألة الأولى: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس
في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٩ من طريق «الفضل بن موسى السيناني يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: من أصحابي من يبول قلتين. يرد على النبي ﷺ: إذا كان الماء قلتين لم ينجس» .
قال الأستاذ ص٨٣: «وحديث القلتين (١) لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين (٢) لأن في ذلك اضطرابًا عظيمًا (٣) ولم يقل بتصحيحه إلا المتساهلون (٤) ولم ينفع تصحيح من صححه في الأخذ به لعدم تعين المراد بالقلتين (٥) حتى أن ابن دقيق العيد يعترف في شرح (عمدة الأحكام) بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم في (الصحيح) (٦) فدعونا معاشر الحنفية نتوضأ من الحنفيات ولا نغطس في المستنقعات» .
أقول: في هذه العبارة ستة أمور كما أشرت إليه بالأرقام.
فأما الأمر الأول فالمنقول عن السلف قبل أبي حنيفة وفي عصرها مذهبان:
الأول: أن الماء سواء أكان قليلًا أم كثيرًا لا ينجس إلا أن تخالطه النجاسة فتغير لونه أو ريحه أو طعمه، وإليه ذهب المالك، وكذلك أحمد في رواية وهو أيسر المذاهب علمًا وعملًا، وقد جاءت عن النبي - ﷺ - أحاديث
[ ٢ / ٧٥٤ ]
أن الماء طهورًا لا ينجسه شيء (١) وجاء في الروايات استثناء ما غيرت النجاسة أحد أوصافه، وهي ضعيفة من جهة الاسناد، ولكن حكوا الاجماع على ذلك.
المذهب الثاني: أن هذا حكم الماء الكثير بحسب مقداره في نفسه فأما القليل فينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم يغير أحد أوصافه، والقائلون بهذا يستثنون بعض النجاسات كالتي لا يدركها الطرف، والتي تعم بها البلوى وميتة ما لا دم له سائل، وتفصيل ذلك في كتب الفقه. ثم المشهور في التقدير أن ما بلغ قلتين فهو كثير وما دون ذلك فهو قليل جاء في هذا عن النبي - ﷺ - حديث القلتين، وروي من قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي هريرة، ومن قول مجاهد وغيره من التابعين، وأخذ به نصًا عبيد الله بن عبد الله بن عمر وبعض فقهاء مكة، والظاهر أن كل من روى الحديث من الصحابة فمن بعدهم يأخذ به، ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا بإثبات خلافة، ولم يصح عن النبي - ﷺ - تقدير آخر، فأما من بعده فرويت أقوال:
أولها عن ابن عباس ذكر ذنوبين (٢)، وفي سنده ضعف، ولو صح لما تحتمت مخالفته للقلتين فإن ابن عباس معروف بالميل إلى التيسير والتوسعة فلعله حمل القلتين على الإطلاق فرأى أنه يصدق بالقلتين الصغيرتين اللتين تسع كل منها ذنوبًا (٣) فقط.
ثانيها: عن سعيد بن جبير ذكر ثلاث قلال، وسعيد كان بالعراق فكأنه رأى قلال العراق صغيرة، كما أشار الشافعي القرب إلى ذلك في القرب، فحرز سعيد أن
_________________
(١) - انظر تخريج الحديث طرقه ومن صححه من الأئمة في كتابنا «إرواء الغليل» رقم (١٢)، وقد قاربنا الفراغ منه، ويسر الله طبعه بمنه وكرمه، وفي (صحيح أبي داود) رقم ٥٩.ن
(٢) و(٣) الذنوب: الدلو، والقرب مثله.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
ثلاثا من قلال العراق تعادل القلتين اللتين يحمل عليهما الحديث.
ثالثها: عن مسروق قال: «إذا بلغ الماء كذا لم ينجسه شيء» ونحوه عن ابن سيرين وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وهؤلاء عراقيون فإما أن يكونوا لم يحققوا مقدار القلتين في الحديث بقلال العراق فأجملوا، وإما أن يكون كل منهم أشار إلى ماء معّين فأراد بقوله: «كذا» أي بمقدار هذا الماء المشار إليه، وقد ثبت بقولهم أنهم يرون التقدير، ولأن يحمل ذلك على التقدير المنقول عن النبي - ﷺ - أولى من أن يحمل على تقدير لا يعلم له مستند من الشرع.
رابعها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ذكر أربعين قلة، وروي مثله من وجه ضعيف عن أبي هريرة، وقيل عنه أربعين غربًا (١)، وقيل، أربعين دلوًا. وهذا القول يحتمل معنيين، الأول: المعنى المعروف لحديث القلتين، والمعنى الثاني أن ما بلغ الأربعين لا ينجس البتة، إلا مخالطة نجاسة لا تغير أحد أوصافه، لأنه قلتان وأكثر، ولا بمخالطة نجاسة تغير أحد أوصافه لأن ذلك لا يقع عادة، إذ لا يعرف ذاك العصر ببلاد العرب ماء يبلغ أربعين أو أزيد تقع فيه نجاسة تغيره. والمعنى الأول يحتاج إلى الاستثناء من منطوقه فيقال: إلا أن يتغير، ومن مفهومه فيقال: إلا بعض النجاسات كميتة ما لا دم له سائل، مع ذلك لا يكون لمفهومه مستند معروف من الشرع بل المنقول عن الشرع خلافه.
وأيضًا فلم يذهب إليه أحد من الفقهاء. فأما أن يترجح المعنى الثاني وتكون فائدة ذاك القول أن من ورد ماء فوجده متغيرًا فإن كان من الكثرة بحيث لا يعرف عادة أن تقع فيه نجاسة تغيره فله استعماله بدون بحث، وإن كان دون ذلك فعليه أن يتروى ويبحث، وإما أن يحمل على المعنى الأول ويطرح مفهومه ويقال: لعل ذاك القول كان عند سؤال عن ماء بذاك المقدر وقعت فيه نجاسة ولم تغيره، فذكر الأربعين لموافقة الواقع لا للتقيد.
_________________
(١) الغرب: هو إناء من جلد البقر يستخرج به الماء من الآبار.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
ذكر مذهب الحنفية في الماء وما عندهم فيه من الروايات
هذا، ولم أجد عن المتقدمين من الفقهاء، وغيرهم حرفا واحدًا فيه التفات إلى ما اعتمده الحنفية من اعتبار مساحة وجه الماء دون مقداره وكان الأستاذ شعر بهذا فحاول عبثًا أن يشرك مع مذهبه في ذلك مذهب القلتين، إذ قال: «لم يأخذ به أحد الفقهاء قبل المائتين» وقد علم أن القول بالقلتين مروي عن النبي - ﷺ - ثم عن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم.
فأما الحنفية فذهبوا في الجملة إلى الفرق بين القليل والكثير لكنهم لم يعتبروا مقدار الماء في نفسه، وإنما نظروا إلى مساحة وجهه وعندهم في ذلك روايات:
الأولى: أن الماء راكد الذي تقع فيه نجاسة لا تغير أحد أوصافه، إذا كانت مساحة وجهه بحيث يظن المحتاج خلوص النجاسة من أحد طرفية إلى الآخر بنجس وإلا فلا.
الثانية: أنه إذا كانت بحيث ذا حرك أدناه اضطرب شديد جدًا كما تراه في كتبهم المطولة.
واستبعد بعضهم عدم اعتبار العمق، فاشترطوا عمقًا! واختلفوا في قدره! فقيل أن يكون بحيث لا ينحسر بالاغتراف، وقيل: أربع أصابع، وقيل: ما بلغ الكعبين، وقيل: شبر، وقيل: ذراع، وقيل: ذراعان!!!
واختلف على الرواية الثانية في الحركة فقيل: حركة المغتسل، وقيل المتوضئ، وقيل اليد، ولم يعتبروا وقوع الحركة إنما ذكروها لمعرفة قدر المساحة، سواء في الحكم عندهم أكان الماء عند وقوع النجاسة وبعدها ساكنًا أم تحرك، وقالوا: إذا كان بالمساحة المشروطة فللمحتاج أن يغتسل النجاسة وإن لم يكن قد تحرك! وقالوا: إذا كانت مساحة وجه الماء تساوى القدر المشروط كفى وإن كان دقيقًا كأن يكون طوله مائة ذراع وعرضه ذراعًا! وقال محققهم ابن الهمام في ترجيح الرواية الأولى: «هو الأليق بأصل أبي حنيفة أعني عدم التحكم بتقدير فيما لم يرد فيه تقدير شرعي» .
أقول: والرواية الأولى فيها تحكم، والبول مثلًا إذا وقع في الماء ثم تحرك الماء خلصت ذرات البول إلى جميع الماء كما تشاهد إذا صببت قارورة مداد في حوض فقد
[ ٢ / ٧٥٧ ]
يظهر لون مداد في الماء واضحًا، وقد يظهر بتأمل، وقد لا يظهر ذلك بسب اختلاف قدر الماء وقدر المداد وقدر لونه، وعلى كل حال فالخلوص محقق، وإنما لا يظهر اللون لتفرق الذرات، وظنون الناس لا ترجع غالبًا إلى دلالة وإنما ترجع إلى طبائعهم، فمنهم متقزز ينفر عن حوض كبير إذا رأى إنسانًا واحدًا بال فيه وآخر لا ينفر، ولكن لوا رأى ثلاثة بالوا فيه لنفر، وثالث لا ينفر ولو رأى عشرة بالوا فيه. وإذا جردت الرواية الأولى عن التحكم، لم يكد يتحصل منها إلا أن قائلها وَكَّل الناس إلى طباعهم، وفي عد هذا قولًا ومذهبًا نظر. وقد حكى الحنفية أن محمد بن الحسن كان يقول: بعشر في عشر، ثم رجع وقال: «لا أوقت شيئًا» وعقد الشافعي لهذه المسألة بابًا طويلًا تراه في الكتاب (اختلاف الحديث) بهامش (الأم) ج٧ص١٠٥-١٢٥ وذكر أنه أنه ناظر بعضهم، والظاهر أنه محمد بن الحسن، وفي المناظرة: «قال قد سمعت قولك في الماء» فلو قلت لا ينجس الماء بحال للقياس على ما وصفت أن الماء يزيل الأنجاس كان قولًا لا يستطيع أحدُ رده
قلت: ولا يجوز إلا أن ينجس شيء من الماء إلا بأن يتغير أو ينجس كله بكل ما خالطه؟ قال: ما يستقيم في القياس إلا هذا، ولكن لا قياس مع خلاف خبر لازم. قلت: فقد خالفت الخبر اللازم ولم تقل معقولًا ولم تقس» وقال في موضع آخر: «فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ» . وقال في موضع آخر: «ما أحسن قولكم في الماء» .
أقول: فانحصر الحق في المذهبين الأولين وسقط ما يخالفهما.
وأما الأمر الثاني: وهو الاضطراب في روايات ذاك الحديث فالاضطراب الضار أن يكون الحديث حجة على أحد الوجهين مثلًاَ دون الأخر ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتد بحيث يدل إن الراوي المضطرب الذي مدار الحديث عليه لم يضبط. وليس الأمر في هذا الحديث كذلك كما يعلم من مراجعة (سنن الدارقطني) و(المستدرك) و(سنن البيهقي (١» .
_________________
(١) قلت: وقد بينت ذلك في «صحيح سنن أبي داود» رقم (٥٨) .ن
[ ٢ / ٧٥٨ ]
الرد على الكوثري في زعمه أن حديث القلتين لم يصححه إلا المتساهلون
وأما الأمر الثالث وهو قول الأستاذ «ولم يقل بتصحيحه إلا المتساهلون» ففيه مجازفة فقد صححه الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام، وحكى الشافعي عن مناظرة من الحنفية ويظهر أنه محمد بن الحسن أنه اعترف بثبوته، كما في كتاب (اختلاف الحديث) بهامش (الأم) ج٧ص ١١٥ولفظة «فقلت: أليس تثبيت الأحاديث التي وصفت. فقال: أما حديث الوليد بن كثير «وهو حديث القلتين»، وحديث ولوغ الكلب في الماء، وحديث موسى بن أبي عثمان فتثبت بإسنادها، وحديث بئر بضاعة فيثبت بشهرته وأنه معروف»؛ واعترف الطحاوي بصحته كما يأتي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، قال الحاكم في (المستدرك) ج١ص١٣٢: «حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعًا بجمع رواته ولم يخرجاه، وأظنهما والله أعلم لم يخرجاه لخلاف فيه » ثم ذكر الخلاف وأثبت أن ما هو متابعة تزيد الحديث قوة.
وأما الأمر الرابع وهو قول الأستاذ: «ولم ينفع تصحيح صححه لعدم تعين المراد بالقلتين» ففي (فتح الباري): «واعترف الطحاوي من الحنفية بذلك (يعنى بصحة الحديث) لكنه اعتذر عن القول به بأن القلة في العرب تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة ولم يثبت في الحديث تقديرهما فيكون مجملًا فلا يعمل به وقواه ابن دقيق العيد .»
أقول: قال الله ﷿: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ومن المساكين الصغير والكبير والطويل الجسيم والقصير القضيف، ومن المماليك الصغير والكبير وقد يقال نحو ذلك في الإطعام والكسوة إذ يصدقان بتمرة تمرة وقلنسوة، وأمثال هذا في النصوص كثير، وفيها ذكر المقادير كالصاع والرطل والمثقال والميل والفرسخ وغير ذلك مما
[ ٢ / ٧٥٩ ]
ذكر الاختلاف في تفسير القلتين
وقع فيه الاشتباه والاختلاف، ولم يقل أحد في شيء من ذلك أنه مجمل، بل منهم من يقول بمقتضى الإطلاق، ومنهم من يذهب إلى الغالب أو الأوسط، ومنهم من يختار الأكمل فيمكن الأخذ بمعنى الإطلاق في القلتين فيؤول ذلك إلى تحقيق المقدار بما يملأ قلتين أصغر ما يكون من القلال ولا يخدش في ذلك أنه قد يكون مقدار قلة كبيرة أو نصفها مثلًا كما قد يأتي نحو ذلك في كسوة المساكين على القول بأنه يكفى ما يسمى كسوة المساكين. ويمكن الأخذ بالأحوط كما فعل الشافعي وغيره، ولا ريب أن ما بلغ قلتين من أكبر القلال المعهودة حينئذ وزاد على ذلك داخل في الحكم منطوق الحديث حتمًا على كل تقدير، وهو أنه لا ينجس، وأن ما لم يبلغ قلتين من أصغر القلال المعهود حينئذ داخل في الحكم مفهوم الحديث حتمًا، وهو أنه ينجس، فلا يتوهم في الحديث إجمال بالنظر إلى هذين المقدارين وإنما يبقى الشك في ما بينهما فيؤخذ فيه بالاحتياط.
وقال ابن التركماني في (الجوهر النقي): «وقد اختلف في تفسير القلتين اختلافًا شديدًا كما ترى، ففسرتا بخمس قرب، وبأربع، وبأربعة وستين رطلا، وباثنين وثلاثين رطلا، وبالجرتين مطلقا، وبالجرتين بقيد الكبر وبالخابيتين، والخابية: الحُبَّ، فظهر بهذا جهالة مقدار القلتين فتعذر العمل بها» .
أقول: أما الاختلاف في تفسير القلة بمقتضى اللغة فمن تأمل كلام أهل اللغة وموارد الاستعمال وتفسير المحدثين السابقين ظهر له أن القلة هي الجرة، وإنما جاء قيد الكبر من جهتين: الأولى: تفسير أهل الغريب لما ورد في الحديث في ذكر سدرة المنتهى «فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة» وقلال هجر مشهورة بالكبر، وتفخم شأن السدرة يقتضي الكبر.
الثانية: تفسير المحتاطين لحديث القلتين، وفي (سنن البيهقي) ج١ص٢٦٤ عن مجاهد تفسير القلتين بالجرتين ونحوه عن وكيع ويحيى بن آدم، وعن ابن إسحاق: «هذه الجرار التي يستقى فيها الماء والدواريق» وعن هشيم: «الجرتين الكبار» وعن
[ ٢ / ٧٦٠ ]
ذكر الاختلاف في مقدار ما تسع
عاصم بن منذر: «الخوابي العظام» .
وأكثر الآخذين بحديث القلتين أخذوا بالاحتياط فاشترطوا الكبر والخابية هي الحب والحب هو الجرة أو الجرة الكبيرة، وعلى كل حال فما بلغ جرتين من أكبر ما يعهد من الجرار داخل في الحكم منطوق الحديث حتمًا وما لم يبلغ الجرتين من اصغر ما يعهد من الجرار داخل في حكم مفهومه حتمًا كما سلف.
وأما الاختلاف في مقدار ما تسع فأكثر الأوجه التي ذكرها ابن التركماني جاءت في خبر رواه ابن جريج عن محمد بن يحيى عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن النبي - ﷺ - «إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا ولا بأسًا» رواه أبو قرة عن ابن جريج وقال فيه: «قال محمد فرأيت قلال هجر فأظن كل قلة تأخذ قربتين» ورواه الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري عن أبي حميد المصّيِصي عن حجاج عن ابن جريج وقال فيه: «قال فأظن أن كل قلة تأخذ الفَرَقَيْن» رواه البيهقي عن أبي حامد أحمد بن على الرازي عن زاهر بن طاهر عن أبي بكر النيسابوري بإسناده مثله وزاد «والفرق ستة عشر رطلًا» ورواه الشافعي ثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج لا يحضرني ذكره أن النبي - ﷺ - قال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا. وقال في الحديث بقلال هجر. قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا.
قال الشافعي: كان مسلم يذهب إلى أن ذلك أقل من نصف القربة أو نصف القربة فيقول: خمس قرب هو أكثر ما يسع قلتين، وقد تكون القلتان أقل من خمس قرب. قال الشافعي فالاحتياط أن تكون القلة فربتين ونصف وقرب الحجاز كبار » ومسلم بن خالد وإن ضعفه الأكثر ونسبوه إلى كثرة الغلط فقد وثقة ابن معين وغيره وقالوا: كان فقيه أهل مكة وكانت له حلقة في حياة ابن جريج، وهذا الخبر مما يحتاج إليه الفقيه فلا يظن به الغلط فيه (١) وقد تابعه في الجملة أبو قرة
_________________
(١) قلت هذا غير مسلم، فإن لازمه قبول أحاديث الأحكام والزيادات التي تفرد بها بعض =
[ ٢ / ٧٦١ ]
وهو ثقة فلفظ «القربتين» ثابت عن ابن جريج، فأما لفظ «الفرقين» فإن كان بفتح الراء فيدفعه أن قلال هجر معروفة بالكبر بحيث يضرب بها المثل كما مر، وقد قال الأزهري بعد إن عاش في هجر معروفة بالكبر بحيث ونواحيها سنين «قلال هجر والإحساء ونواحيها معروفة تأخذ القلة منها مزادة كبيرة من الماء وتملأ الرواية قلتين» والقربة تكون من الجلد واحد والمزادة من جلدين ونصف أو ثلاثة والرواية هو البعير الذي يحمل مزادتي الماء فالمراد هنا أن المزادتين اللتين يستقي فيهما على البعير تملآن قلتين،
_________________
(١) = الفقهاء المتكلم فيهم أمثال أبي حنيفة وابن أبي ليلى وغيرها، وهو مما لا يقوله المؤلف ولا غيره من أهل العلم، ثم لو سلمنا بذلك هنا فإسناد الزيادة من فوق مسلم بن خالد ضعيف لجهالة من فوق ابن جريج، فإن حمل على رواية أبي قرة عنه، فهي ضعيفة أيضًا لأن يحيى بن يعمر تابعي، ومحمد بن يحيى مجهول. وأما متابعة أبي قرة، له في الجملة، فلا تفيد هنا لأن البحث خاص بزيادة «بقلال هجر» وهى مما لم يتابعه عليها أبو قرة، وهب أنه قد توبع فهي لا تثبت لما عرفت من الضعف. على أن قوله «وقال في الحديث: بقلال هجر» ليس صريح في الوقف. فيسقط الاستدلال بها جملة. ثم كيف يمكن أن تكون زيادة محفوظة، ولم ترد في شيء من طرق الحديث المحفوظة التي بها ثبتت أصل حديث القلتين لا برواية مسلم بن خالد له، بل القواعد الحديثية تعطى أن هذه الزيادة منكرة لتفرد ابن خالد بها وقد ضعفه الأكثرون. والحق أن حديث القلتين مع صحته، فالاستدلال به على ما ذهب إليه الشافعية صعب إثباته، وعليه اعتراضات كثيرة لا قبل لهم بردها، ولقد جهد المؤلف ﵀ لتقرير الاستدلال به وتمكينه من بعض الوجوه من حيث منطوقة ومفهومه، ولم يتعرض للإجابة عن الاعتراضات المشار إليها، فمن شاء الوقوف عليها فليرجع إلى تحقيق ابن القيم في «تهذيب السنن» (١/٥٦-٧٤) . والمختار في هذه المسألة إنما هو المذهب الأول الذي قرره المؤلف رحمه الله تعالى، لأن حديثه مع ثبوته فالاستدلال به سالم من أي اعتراض علمي، بل هو الموافق لسماحة الشريعة ويسرها. ن
[ ٢ / ٧٦٢ ]
بعض الأحاديث الضعيفة في تحديد القلتين
فكيف يعقل أن يكون ما تسعه القلتان من قلال هجر من الماء أربعة وستين رطلًا فقط؟ فإما أن يكون لفظ «الفرقين» تصحيفًا من بعض الرواة والصواب «القربتين» وإما أن يكون «الفرقين» بسكون الراء، والفرق بسكون الراء مائة وعشرون رطلًا وما وقع في رواية البيهقي عن الرازي عن زاهر «الفرق ستة عشر رطلًا» تقدير من بعض الرواة ظن الفرقين بفتح الراء، وزاهر فيه كلام.
وأما ما ذكره ابن التركماني من تفسير القلتين معًا باثنتين وثلاثين رطلًا فإنما أخذه من قوله «وقد جاء ذكر الفرق من طريق آخر أخرجه ابن عدي من جهة المغيرة بن سقلاب عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء وذكر أنهما فرقان» قال ابن تركماني: وهذا يقتضي أن تكون قلتان اثنين وثلاثين رطلًا. والمغيرة هذا ضعفه ابن عدي، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه صالح، وعن أبي زرعة: جزري لا بأس به»
أقول: الرواي الذي يطعن فيه محدثو بلده طعنًا شديدًا لا يزيده ثناء بعض الغرباء عليه إلا وهنًا، لأن ذلك يشعر بأنه كان يتعمد التخطيط فتزين لبعض الغرباء واستقبله بأحاديث مستقيمة فظن أن ذلك شأنه مطلقًا فأثنى عليه، وعرف أهل بلده حقيقة حله. وهذه حال المغيرة هذا فإنه جزري أسقطه محدثو الجزيرة فقال أبو جعفر النفيلي: لم يكن مؤتمنًا. وقال علي بن ميمون الرقي: كان لا يسوى بعرة. وأبو حاتم وأبو زرعة رازيان كأنهما لقياه في رحلتهما فسمعا منه فتزين لهما كما تقدم فأحسنا به الظن. وقد ضعفه ممن جاء بعد ذلك الدارقطني وابن عدي لأنهما اعتبرا أحاديثه، وحسبك دليلًا على تخليطه هذا الحديث فإن الناس رووه عن ابن إسحاق عن ابن عبد الله بن عمر عن أبيه ولا ذكر فيه لقلال هجر ولا للتقدير فخلط فيه المغيرة ما شاء. وهذا والذي في (الميزان) في ترجمة المغيرة هذا « عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، والقلة أربعة آصع»
[ ٢ / ٧٦٣ ]
الجواب عن احتجاج الحنفية بحديث النهي عن البول
ففي هذا أن القلة الواحدة اثنان وثلاثون رطلًا لا القلتان معًا، والصاع عند العراقيين ثمانية أرطال، وقد يكون المغيرة رأى في بعض الروايات التقدير بالفرقين بتقدير الراء كما تقدم، وهو تالف على كل حال.
هذا والفرقان بسكون الراء قريب من قربتين وشيء من قرب الحجاز فإنها كبار كما ذكره الشافعي فالفرقان مائتان وأربعون رطلًا، ومر عن الشافعي وشيخه مسلم بن خالد صاحب ابن جريج جعل شيء نصفًا وحررّ بعض أصحاب الشافعي القربة مائة رطل فتكون قلة مائتين وخمسين رطلا فتقاربت روايتا الفرقين والقربتين وشيء. فأما ما روى عن الإمام أحمد أن القلتين أربع قرب فكأنه رجح رواية أبي قرة عن ابن جريج ورأى أن قلتين في أصل الحديث مطلقتان، وأن قلال هجرًا أكبر من قلال المدينة فرأى أن الزيادة على أربع قرب غلو في الاحتياط لا حاجة إليه. وأما قول إسحاق بن راهويه أن القلتين ست قرب فكأنه أخذه من قول الشافعي خمس قرب مع قوله أن قرب الحجاز كبار فاحتط إسحاق فجعلها ست قرب بقرب العراق.
وعلى كل حال فذاك المقدار أعنى خمس قرب من قرب الحجاز داخل هو وما زاد عليه في حكم منطوق الحديث حتمًا أعني أنه لا ينجس، لأنه يشتمل على قلتين أو قلتين وزيادة على جميع التفاسير، فدلالة الحديث على أنه لا ينجس حتمية وكذلك دلالة الحديث على أن الماء القليل الذي لا يبلغ أن يكون قلتين في تفسير من التفاسير ينجس واضحة، فبطلت دعوى تعذر العمل بالحديث، وتحتم على من يعترف بصحته أن يعمل به فيما ذكر.
وأما الأمر الخامس وهر الاحتجاج بحديث الماء الدائم فإنه صح في ذلك حديثان:
الأول: في النهى عن البول فيه. ففي (صحيح مسلم) من حديث جابر «عن رسول الله - ﷺ - أنه نهى أن يبال في الماء الراكد» ومن حديث أبي هريرة «عن النبي - ﷺ - قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه» وفي رواية «لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل منه»
[ ٢ / ٧٦٤ ]
وحديث أبي هريرة في (صحيح البخاري) وفيه: «ثم يغتسل فيه» فقد يقال من جانب الحنفية: ها هنا ثلاث قضايا:
الأولى: فرق الحديث بين الراكد وغيره وهو قولنا.
الثانية: دلّ على البول في الماء الراكد ينجسه، ولم يشترط التغير فهو حجة لنا على من يشترطه.
الثالثة: قال في رواية البخاري: «ثم يغتسل فيه» وهو ظاهر في شمول الحكم للماء الذي يمكن الإنسان أن يغتسل فيه، ولابد أن يكون أكثر من قلتين فهو حجة لنا على من يقول بالقلتين.
أقول: أما القضية الأولى فدلالة الحديث على التفرقة إنما هي بمفهوم المخالفة، والحنفية لا يقولون بها فيلزمهم إلحاق الجاري بالراكد قياسيًا أو يقيموا على مخالفته دليلًا آخر. أما نحن فنقول بدلالة مفهوم المخالفة ولكننا نقول ليس وجه المخالفة ما توهمه الحنفية أو بعضهم حتى قال بعضهم «إناءان ماء أحدهما طاهر، والآخر نجس فصبا من مكان عال فاختلطا في الهواء ثم نزلا طهر كله! ولو أجرى ماء الإناءين في الأرض صار بمنزله ماء جار» وقال بعضهم «لو حفر نهرًا من حوض صغير أو صب رفيقه الماء في ميزاب وتوضأ فيه وعند طرفة الآخر إنا يجتمع فيه الماء جاز توضؤه به ثانيًا وثم وثم» وذكروا أن هذا معتبر حتى على القول بنجاسة الماء المستعمل، وقضية هذا أنه لو عمد إلى جرة يصب الماء منها في ميزاب وقعد آخر على وسط الميزاب يبول يبول فيه ويسيل بوله مع الماء وعلى طرف الميزاب إناء يجتمع فيه ذاك الماء كان ذاك الماء الذي خالطه البول واجتمع في ذاك البول الإناء طاهرًا مطهرًا مع أنه لو وضع في الجرة ابتداء. شيء يسير من ذاك البول لصار ماؤها نجسًا! ولا يخفى أن مثل هذا الفرق لا يعقل له وجه، وإنما الماء الجاري الخارج بمفهوم المخالفة في الحديث هو بمقتضى التبادر والنظر ما كان جاريًا بطبعه كالأنهار والعيون مما ليس مفسدة البول فيه كمفسدة البول في الراكد فإن الراكد
[ ٢ / ٧٦٥ ]
تصويب المصنف أن في النهي المذكور عدة علل
يختلط به البول ويبقى بحاله فإن اغتسل منه البائل وغيره كان مغتسلًا بماء مخالطه البل من أول اغتساله إلى آخره. وأما الجاري كماء النهر فإن الدافعة التي وقع فيها البول تذهب فورًا ولا تعود فلا يمكن البائل أن يعود فيغتسل فيها وإنما يمكنه أن يعود فيغتسل في تلك البقعة ولا صغير، فان الماء الذي يكون فيها ماء جديد لم يخالطه بوله، ومن شأن الماء الجاري أن يتلاحق فلا تكاد تمر الدافعة التي وقع فيها البول مسافة لهم قدر حتى يتلاحق بها الماء المتجدد فيتغلب عليها وعلى أنها حفظت بعض حالها حتى مرت بإنسان يغتسل فسرعان ما تجاوزه ويعقبها الماء الجديد بل المتجدد فيذهب بأثرها فهذا هو المعنى المعقول الذي به خالف الجاري الراكد فوجب البناء عليه وبذلك على الجواب.
وأما القضية الثانية فلو دل الحديث الجابر على تنجس الراكد بالبولة الواحدة لدل على تنجس كل ماء راكد قل أو كثر حتى البحر الأعظم فالصواب أن هناك عدة علل إذا خشيت واحدة منها تحقق النهي:
الأولى: التنجيس حالًا إما بأن يكون الماء قليلًا جدًا تغيره البولة الواحدة، وإما بأن يكون دون المقدار الشرعي وقد تقدم الكلام فيه.
الثانية: التنجيس مآلًا وذلك أنه لو لم ينه عن البول في الماء الراكد لأوشك أن يبول هذا ثم يعود فيبول ويتكرر ذلك وكذلك يصنع غيره فقد يكثر البول حتى يغير الماء فينجسه.
الثالثة: التقدير حالًا، قال الشافعي كما في هامش (الأم) ج٧ص١١١ «ومن رأى رجلًا يبول في ماء نافع قذر الشرب منه والوضوء به» وقال قبل ذلك: «كما ينهى أن يتغوط على ظهر الطريق والظل والمواضع التي يأوي الناس إليها لما يتأذى به الناس من ذلك»
الرابعة: التقذير مآلًا؛ قد يكون الغدير أو المصنعة كبيرًا جدًا لا يقذره الإنسان لبولة واحدة لكن إذا علم أن الناس يعتادون البول فيه قذره.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
علة النهي عن الاغتسال في ماء دائم بال فيه
الخامسة: فشّو الأمراض، فقد تحقق في الطب أن كثيرًا من الأمراض إذا بال المبتلى بأحدها خرجت الجراثيم المرض مع البول فإن كان البول في ماء راكد بقيت تلك الجراثيم حتى تدخل في أجسام الناس الذين يستعملون ذاك الماء فيصابون بتلك الأمراض والإصابة بذلك أكثر جدًا من الإصابة بالجذام للقرب من المجذوم وقد ثبت في الصحيح (فر من المجذوم كما تفر من الأسد) وكثير منها أشد ضررًا من جرب الإبل وقد ثبت في (الصحيح) «لا يردون ممرض على مصلح»، وبهذا يبقى الحديث على عمومة ولا يحتاج الى إخراج عن ظاهرة بمجرد الاستنباط فأما حال الضرورة فمستثنى من اكثر النواهي. ثم إن تحقق بعض هذه العلل في ماء يصدق علية انه ليس براكد وجب أن يشمله الحكم، أما على قول من لا يعتد بمفهوم المخالفة كالحنفية فواضح، وأما على قول من يعتد به فيخص عمومه بالقياس الواضح ولا ريب إن الشرع لا يبيح إن يلقى في الماء الجاري ما يضر بالناس أو يؤذيهم، وعلى هذا قيل لو اعتبرنا العلل المذكورة واعتبرنا القياس لزم شمول المنع لكل ماء جار فيلزم اطراح المفهوم رأسًا؛ قلت: بل تبقى مياه السيول ونحوها التي تمر بنفسها على مواضع النجاسة فلا يبقى وجهه لمنع الإنسان عن البول فيها على إن الذين يعتقدون بمفهوم المخالفة يشترطون ما لعلنا لو دققنا لَلَاح لنا أنه غير متحقق هنا، وفي القرآن عدة آيات لا يأخذون فيها بمفهوم المخالفة ويعتلون بوجوه إذا تدبرت وجدت بعضها واردًا هنا.
وأما حديث أبي هريرة فإن كان قوله: «ثم يغتسل منه» على معنى الخبر كما قدرة القرطبي قال: «كحديث لا يضرب أحدكم امرأته ثم يضاجعها» فالكلام فيه كما مر إلا أنه زاد بقولة: «ثم يغتسل منه» التنبيه على بعض العلل كأنه قال: كيف يبول فيه ثم لعله يحتاج إليه فيغتسل منه فيتنجس أو يتقذر أو يدع الاغتسال مع حاجته إليه؟ وإذا كان هو يستقذره لبوله فيه فغيره أولى بالاستقذار، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولا يدفع هذا أن تكون هناك علة أخرى فإن النهي عام وقد
[ ٢ / ٧٦٧ ]
جاء مثله بدون هذا التنبيه وهو حديث جابر؛ وإن كان المعنى على النهي عن الجمع بين البول والاغتسال انصب النهي على الاغتسال بعد البول كأنه قيل: لا يغتسل في ماء دائم قد بال فيه؛ ويحتمل هذا النهي عللا إحداها التنجس، ثانيتها التقذر، ثالثتها إن يكون عقوبة للبائل لان الإنسان إذا علم أنه إن بال في الماء حضر علية الاغتسال منه كان مما يمنعه عن البول، وقريب منه حديث المرأة التي لعنت ناقتها فأمر النبي - ﷺ - بتخلية الناقة كأنة جعل عقوبة المرأة على لعنها الناقة أن لا تنتفع بها لكي تزجر هي وغيرها عن اللعن، فأي واحدة من هذه العلل وجدت النهي وبذلك يساوق التعليل عموم النص؛ وإن كان المعنى: لا يبل في الماء الدائم فإن عصى فبال فلا يغتسل منه فآخره كما ذكر، وأوله كما مر في حديث جابر.
وأما القضية الثالثة فقد مر ما يعلم بها الجواب عنها، على أن الماء إذا كان دون القلتين بقليل وكان في حفرة ضيقة أو حوض بقدر قعدة الإنسان إلا أنه عميق أمكن الانغماس فيه لأنه إذا قعد ارتفع الماء من جوانب فيغمره، ومع ذلك فالاغتسال في الماء يصدق بأن يقعد وسطه ويغرف على نفسه، وفوق هذا كلمة «فيه» كأنها شاذة، والغالب في الروايات من ذلك الوجه وغيرة كلمة «منه» .
الحديث الثاني: النهى عن اغتسال الجنب فيه، وهو في (الصحيحين) عن أبي السائب «أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقال كيف يفعل يا أبا هريرة. قال: يتناوله تناولًا» .
قد يستدل به على أن الماء يصير باغتسال الجنب فيه نجسًا أو غير مطهر، فأما النجاسة فرويت عن أبي حنيفة ثم رغب عن ذلك الحنفية أنفسهم وأما سلب التطهير فوافقهم عليه فيما دون القلتين الشافعية والحنابلة. ومن يأبي ذلك يقول إن علة النهى هي التقذير، وقد يحتمل غير ذلك من العلل تظهر بالتأمل فيساوق التعليل عموم النص. وأما التفرقة بين دائم والجاري فقد مر ما فيها، وكذا إن قيل: إن الحديث
[ ٢ / ٧٦٨ ]
رد زعم الكوثري أن ابن دقيق العيد اعترف بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم (تعليق)
يدل على حصول المفسدة في لماء الذي يمكن أن يغتسل فيه الجنب ولا يكون إلا فوق القلتين فقد مر مثله والجواب عنه. وأما الأمر السادس وهو قول الأستاذ «فدعونا معاشر لحنيفة نتوضأ من الحنيفات ولا نغطس في المستنقعات» فأبى الأستاذ إلا التقليد حتى في السخرية. (١)
_________________
(١) أقول: لقد فات المصنف رحمه الله تعالى النظر فيما ادعاه الأستاذ من اعتراف ابن دقيق العيد بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم. فإن الواقع خلافة، فهاك نص كلامه في الشرح المذكور (١/١٢١-١٢١٥- بحاشية «العدة») . «وهذا الحديث مما يستدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الراكد وإن كان أكثر من قلتين، هذا الحديث العالم في النهى على ما دون القلتين، جمعًا بين الحديثين، فإن حديث القلتين يقتضي عدم تنجيس القلتين فما فوقها، وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه، والخاص مقدم على العام» . فليتأمل القاري في كلا ما ابن دقيق هذا أهو اعترف أم اعتراض؟!
[ ٢ / ٧٦٩ ]
زعم الكوثري أنه لم يصح في الرفع غير حديث ابن عمر
المسألة الثانية: رفع اليدين
في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٩ من طريق وكيع: «سأل ابن المبارك أبا حنيفة عن رفع اليدين في الركوع فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه؟ قال وكيع: وكان ابن المبارك رجلًا عاقلًا فقال: إن كان طار في الأولى فإنه يطير في الثانية. فسكت أبو حنيفة ولم يقل شيئًا» .
قال الأستاذ ص ٨٣: « (١) مع ظهور الحجة في حديث ابن مسعود (٢) لم يسلم سند من أسانيد الرفع عند الركوع من علة (٣) بل لم يصح حديث في الرفع غير حديث ابن عمر (٤) وهو لم يأخذ به في رواية أبي بكر بن عياش (٥) ودعوى أحد الفرقين التواتر في موضع الخلاف المتوارث غير مسموعة (٦) وإنما المتواتر أن جماعة من الصحابة كانوا لا يرفعون، وجماعة منهم كانوا يرفعون (٧) فيدل ذلك على التخيير الأصلي (٨) وإنما خلافهم فيما هو الأفضل» .
أقول: أما الأمر الأول فحديث ابن مسعود كما قال الدارقطني: «تفرد به محمد بن جابر وكان ضعيفًا عن حماد عن إبراهيم، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي - ﷺ - وهو الصواب» ومحمد بن جابر ذكره الأستاذ ص ١١٦ بمناسبة ما جاء عنه أنه قال: «سرق مني أبو حنيفة كتاب حماد» فقال الأستاذ: «الأعمى قال فيه أحمد لا يحدث عنه إلا من هو شر منه» .
[ ٢ / ٧٧٠ ]
وترى ترجمته في قسم التراجم والحاصل أنه ليس بعمده. وحماد بن سليمان سيء الحفظ حتى قال حبيب بن أبي ثابت: «كان حماد يقول: قال ابراهيم: فقلت له والله إنك لتكذب على ابراهيم أو إن إبراهيم ليخطئ» وقال شعبة: «قال لي حماد بن سليمان يا شعبة لا توقفني على إبراهيم فإن العهد قد طال، وأخاف أن أنسي أو أكون قد نسيت» أنظر (تقدمه الجرح والتعديل) ص ١٦٥ وقوله: «لا توقفني إلخ» معناه إذا قلت: «قال إبراهيم» أو نحو ذلك فلا تسألني أسمعته من إبراهيم لا؟ فيتبين بهذا أنه قد كان يقال ك «قال إبراهيم» ونحوه فيما لا يتحقق أنه سمعه من إبراهيم. وقد أجاب ابن التركماني عن الكلام الدارقطني فدافع عن محمد بن جابر بما لا يجدي وقال: «إذا تعارض الوصل مع الإرسال، والرفع مع الوقف، فالحكم عند أكثرهم للرافع والواصل، لأنهما زادا وزيادة الثقة مقبولة» . كذا قال وقد علم أن محمد بن جابر ليس بثقة وحمادًا سيء الحفظ، فالحديث ضعيف من أصله فكيف مع الخلاف؟ وقد قال الأستاذ ص١٥٣: «من أصوله - يعنى أبا حنيفة - أيضًا رد الزائد متنا كان أو سندًا إلى الناقص » والذي عليه جهابذة الحديث الترجيح، هذا في اختلاف الثقات وليس هذا منه كما مر.
وروى النسائي من طريق ابن المبارك عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن ابن الأسود عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: ألا أخبركم بصلاة الرسول - ﷺ -؟ قال: فقام فرفع يديه أول مرة ثم لم يعد. وقد روى الترمذي عن ابن المبارك قال: «لم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ - لم يرفع يديه إلا أول مرة» وفي (سنن الدارقطني) ص ١١٠ و(سنن البيهقي) ج ٢ص٧٩ عن ابن المبارك قال: «لم يثبت عندي » نحوه.
قد يقال: لعل ابن المبارك عنى حديث محمد بن جابر. لكن قد دل جزمه بعدم الثبوت ومحافظته على رفع اليدين على أنه لا يرى فيما رواه عن سفيان ما يشد حديث محمد بن جابر ولو من جهة المعنى، وحديث سفيان رجاله ثقات وعاصم وإن قال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد، فقد وثقه جماعة وأخرج له مسلم في (الصحيح)، لكن هناك علل:
[ ٢ / ٧٧١ ]
الأولى: أن سفيان يدلس ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث عنه تصريحه بالسماع.
الثانية: أنه قد اختلف عليه قال أبو داود عقب روايته عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيع وستأتي: «ثنا الحسن بن على ثنا معاوية وخالد بن عمرو وأبو حذيفة قالوا نا سفيان بإسناده هذا قال: رفع يديه في أول مرة، وقال بعضهم: مرة واحدة» وفي (مسند أحمد) ج ١ ص ٤٤٢ «ثنا وكيع عن سفيان عن عاصم قال عبد الله: أصلي بكم صلاة رسول الله - ﷺ - فرفع يديه في أول» وأخرجه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيع وفيه «فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة» .
الثالثة: قال أحمد في (المسند) ج١ص ٤١٨: «ثنا يحيى بن آدم ثنا عبد الله بن إدريس من كتابه عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود نا علقمة عن عبد الله قال: علمنا رسول الله - ﷺ - الصلاة، فكبر ورفع يديه ثم ركع وطبق بين يديه وجعلها بين ركبتيه، فبلغ سعدًا فقال، صدق أخي قد كنا نفعل كذلك ثم أمرنا بهذا - وأخذ بركبتيه - حدثني عاصم بن كليب بهذا» فأعل البخاري في (جزء رفع اليدين) حديث سفيان بحديث ابن إدريس وقال «ليس فيه: ثم لم يعد، فهذا أصح لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم» يشير البخاري إلى بعض الرواة لما لم ير في القصة ذكر الرفع عند الركوع وكان المشهور عن أصحاب ابن مسعود أنهم كانوا لا يرفعون إلا في أول الصلاة فهم أن الواقع في القصة كذلك، ثم لما روى من حفظه بحسب ما كان فهم، وممن أعل حديث سفيان من الأئمة أحمد وأبو داود،ابوحاتم ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم، فمنهم من حمل الوهم على وكيع ومنهم من حمله على سفيان، وزعم بعض الناس أن اختلافهم في هذا يقتضي ردّ قولهم جملة، وليس هذا بشيء والذي يظهر أنه كان سفيان دلسه فالحمل على شيخه الذي سمعه منه، وإلا فالوهم. وراجع (نصب الراية) (ج١ ص ٣٩٥) .
[ ٢ / ٧٧٢ ]
التطبيق عند ابن مسعود وموقف الإمام بين الاثنين
ترك الصحابة في عهد عثمان تكبيرات الانتقال
الرابعة: أنه ليس في القصة تصريح من ابن مسعود بأن النبي - ﷺ - لم يرفع إلا في أول الصلاة، وغاية الأمر أنه ذكر أنه سيخبرهم بصلاة رسول الله - ﷺ -، ثم قام فصلى بهم، فإن بنينا على رواية ابن إدريس عن عاصم فليس فيها ذكر أن عبد الله لم يرفع في غير أول الصلاة. فقد يكون رفع ولم يذكر الرواي ذلك كما لم يذكر وضع اليدين على الصدر والقراءة والتكبير للركوع، وكأنه إنما كان يهمه من ذكر القصة شأن التطبيق، وفي (مسند أحمد) ج ١ص ٤١٣ من طريق «أبي إسحاق عن أبي الأسود عن علقمة والأسود أنهما كانا مع ابن مسعود، فحضرت الصلاة فتأخر علقمة والأسود، فأخذ ابن مسعود بأيديهما فأقام أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، ثم ركعا فوضعا أيديهما على ركبهما، وضرب أيديهما ثم طبق بين يديه وشبك وجعلها بين فخذيه، وقال: رأيت النبي - ﷺ - فعله» وبنحوه رواه منصور عن إبراهيم عن علقمة والأسود كما في (صحيح مسلم) . وفيه من طريق الأعمش عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة نحوه وزاد قال: فلما صلى قال وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه وليجنأ وليطبق بين كفيه فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله - ﷺ - فأراهم»؛ فأكثر الروايات لا تذكر عدم الرفع كما ترى وكثير منها لا تذكر حتى الرفع أول الصلاة فيظهر من هذا أن الذي كان يهم ابن مسعود من تعليمهم في تلك الصلاة ويهمهم من رواية القصة إنما هو مقام الثلاثة والتطبيق ولذلك لم يذكر عقب الصلاة إلا هذين إذ قال: «إذا كنتم ثلاثة » كما مر.
فإن قيل: فقد اشتهر عن علقمة والأسود وغيرهما من أصحاب ابن مسعود أنهم كانوا لا يرفعون إلا في أول الصلاة، ولو رأياه رفع في غير ذلك ولاسيما في تلك الصلاة لكان الظاهر أن يأخذوا ذلك عنه، فقد أخذوا عنه التطبيق وغيره؟
قلت: فقد أشار بعض أهل العلم إلى احتمال أن تكونا غفلا عن رفعه يديه في غير أول الصلاة، وأشار بعهم إلى احتمال أن يكون ابن مسعود ذهل عن الرفع
[ ٢ / ٧٧٣ ]
كبعض ما يسهو الرجل لأن المهم في تلك الصلاة كان بيان الموقف والتطبيق كما مر.
فإن قيل هذه احتمالات بعيدة، قلت هي على كل حال أقرب من دفع ما ثبت عن جماعة من الصحابة أن النبي - ﷺ - كان يرفع، وما تواتر عنهم أنهم كانوا يرفعون.
فإن قيل فقد ذهب بعضهم إلى احتمال النسخ، قلت: من الممتنع جدًا أن يقع نسخ في مثل هذا الحكم ولا يطلع عليه جمهور الصحابة ويختص به ابن مسعود ثم يكتفي من تبليغه مع اشتهار الرفع والإطباق عليه بما وقع في القصة على فرض ثبوتها.
فإن قيل فهل من شيء غير هذا؟ قلت: ذكر بعض أهل العلم أنه كما أن ابن مسعود طبق وأخبر بالتطبيق وأمر به، وقد تبين أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ، واتفق الناس على ترك التطبيق، وكما قال إن موقف إمام الاثنين بينهما وخالفه الناس في ذلك واعتذروا باحتمال أن يكون رأى النبي - ﷺ - فعل ذلك في بيت ضيق، فكذلك حاله في عدم الرفع إن ثبت عنه، قد يكون الرفع في غير أول الصلاة لم يشرع منذ شرعت الصلاة، فرأى ابن مسعود النبي - ﷺ - في أول الإسلام يصلى ولا يرفع إلا في أول الصلاة فأخذ ابن مسعود بذلك كما أخذ بالتطبيق والموقف، وإن كان كل ذلك كان أولًا ثم ترك، وقد يكون رأى النبي - ﷺ - ترك الرفع في بعض الصلوات لبيان أنه ليس بواجب فأخذ ابن مسعود بذلك.
فإن قيل: قضية الموقف قريبة لأن غالب ما كان النبي - ﷺ - يصلي الجماعة بأكثر من اثنين فأما قضيتا التطبيق والرفع ففيما ذكر بعد.
قلت: قد فتح الله تعالى وله الحمد بوجه يقرب الأمر في الثلاث كلها وهو أن يقال كأنه كان من رأي ابن مسعود أن النسخ لا يثبت بالترك وحده بل يبقى الأول
[ ٢ / ٧٧٤ ]
مشروعًا في الجملة على ما يقتضيه حاله، ويرى أن على العالم إذا خشي أن ينسى الناس الأمر الأول أن يسعى في إحيائه، فأما التطبيق فقد علم ابن مسعود أنه كان مشروعًا ثم ترك العمل به ورأى هو أن تركه ليس نسخًا له، بل إما أن يكون تركه رخصة لأنه فيما يظهر أشق من الأخذ بالركب وقد كان النبي - ﷺ - ربما يدع الأمر المستحب كراهية المشقة كما كان يعجل صلاة العشاء إذا جمعوا وأبطأ بها ليلة ثم خرج فصلى وقال: «إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي» وإما أن يكونا سواء والمصلى مخير بينهما، وإما أن يكون التطبيق مندوبًا أيضًا وإن كان الأخذ بالركب أفضل، وقد علم ابن مسعود أن النبي - ﷺ - كان ربما يدع ما هو في الأصل مندوب ليبين للناس أنه ليس بواجب وربما يفعل ما هو في الأصل مكروه ليبين للناس أنه ليس بحرام، وكان أبو بكر وابن عباس لا يضحون، كانوا يدعون التضحية ليبينوا للناس أنها ليست بواجبة، فلما رأى ابن مسعود أن الناس قد أطبقوا على ترك التطبيق رأى أنه سنة قد أميتت فأحب إحياءها ففعله، وأمر أصحابه بفعله ولم يخش أن يؤدي ذلك إلى إماتة الأخذ بالركب، لعلمه أن مشروعية ذلك معلومة بين الناس، وقد كان النبي - ﷺ - إذا قصد بيان الجواز فترك ما هو في الأصل مكروه لا يخبر بقصده بل يكل الناس إلى ما قد عرفوه من الدليل على ما هو الأصل في ذلك، وكذلك لم ينقل أن أبا بكر وعمر وابن عباس كانوا حين يتركون التضحية يبينون قصدهم بل كانوا يتكلون على ما قد عرفه الناس من مشروعيتها.
وأما وقوف إمام الاثنين بينهما، فعلل النبي - ﷺ - فعله مرة ثم تقدم فعلهم ابن مسعود الأمرين ولكنه رأى أن الأول لم ينسخ وأن كلا الأمرين مشروع وإن كان التقدم أفضل، ثم لما رأى الناس أطبقوا على التقدم أحب إحياء تلك السنة. وأما ترك الرفع في غير أول الصلاة فإن ثبت عن ابن مسعود فالظاهر أنه رأى النبي - ﷺ - تركه، إما في أول الإسلام بأن يكون كان أولًا
[ ٢ / ٧٧٥ ]
يقتصر على الرفع أول الصلاة، ثم رفع في بقية المواضع، وأما بعد ذلك بأن يكون ربما ترك الرفع في غير الموضع مواظبتهم على الرفع أول الصلاة تركه لمصلحة البيان، وحال ذلك عنده دون حال التطبيق ووقوف إمام الاثنين بينهما بدليل أنه عقب تلك الصلاة أمر بهذين ولم يعرض للرفع كما مر في حديث مسلم وربما يقال قد يكون ابن مسعود علم أن النبي - ﷺ - كان أولا يطبق ولا يرفع عند الركوع والرجوع منه، ثم ترك التطبيق ورفع، فرأى ابن مسعود أن الرفع بدل من التطبيق، فأما الأخذ بالركب فقد يكون رخصة فقط فلما بدا لابن مسعود إحياء التطبيق طبق ولم يرفع لئلا يجمع بين البدل والمبدل. والله اعلم.
فهذا غاية ما يقتضيه حسن الظن بابن مسعود وهو أهل أن يحسن الظن به. وعلى كل حال فقد ثبت الرفع قطعًا عن النبي - ﷺ - وهو فعل عبادي متعلق بالصلاة ولا يعقل أن يكون الفعل مندوبًا مطلقًا، ويكون الترك أيضًا مندوبًا مطلقًا فما بقا الاحتمال النسخ، والنسخ لا يثبت بمثل ما روي عن ابن مسعود مع ما فيه من الكلام وما يطرقه من الاحتمال، وقد ترك الصحابة في عهد عثمان تكبيرات الانتقال أو الجهر بها واستمر ذلك حتى ظن بعض التابعين أن ذلك غير مشروع كما يأتي، ولا يظهر للترك سبب إلا الترخص في ترك المندوب، ونحن لم نظن بابن مسعود في ترك الرفع ذلك ولا ما هو أبعد عن الملامة كالنسيان والذهو ل، وإنما ظننا به قصد البيان وتثبيت الحق. فإن قيل يظهر إن ابن مسعود واظب على الترك ورضي لأصحابه المواظبة عليه، قلت فكذلك في التطبيق ووقوف إمام الاثنين بينهما بل هو في هذين آكد فإنه عَقِب تلك الصلاة أمرهم بهما ولم يعرض لترك الرفع كما مر في حديث مسلم والحق أن غاية ما في الأمر أن يكون رضي لهم المواظبة مدة ليكون ذلك أوفى بما قصده من البيان، كما واظب أبو بكر وعُمر وابن عباس على ترك التضحية، ورأى ابن مسعود أنه إن خفي على أصحابه حقيقة الخال فسيعلمونها عندما يرون غيره من الصحابة وكبار التابعين
[ ٢ / ٧٧٦ ]
الرد على زعم الكوثري في الرفع، والإشارة إلى بعض الأحاديث الصحيحة في إثباته
ويسمعون منهم ويتدبرون فما اتفق مما يخالف ذلك فابن مسعود غير مسؤول عنه، وقد كان النبي - ﷺ - إذا قصد البيان فترك ما هو في الأصل مندوب أو فعل ما هو في الأصل مكروه، ربما يراه من لم يعرف الدليل السابق فيفهم خلاف المقصود، وربما توهم بعضهم النسخ، وربما يقع هذا التوهم لبعض فقهاء الأمة ويبقى ذلك في اتباعه، ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة حتى في نصوص القرآن مما يقع بسببه بعض الناس في الخطأ ويبقى ذلك في أتباعه كما ترى ذلك واضحًا في اختلاف المذاهب، ولله تعالى في ذلك الحكمة البالغة يستيقنها المؤمن، إن لم يحط بها علمًا، وليس هذا موضع النظر في ذلك (١) .
وأما الأمر الثاني والثالث، وهما قول الأستاذ: «لم يسلم سند للرفع من علة ولم يصح فيه إلا حديث ابن عمر» فمجازفة، وقال البخاري كما يأتي: «لا أسانيد أصح من أسانيد الرفع» وحديث ابن عمر قطعي الثبوت عنه وصح معه عدة أحاديث منها في (الصحيحين) حديث مالك بن الحويرث، وفي (صحيح مسلم) حديث وائل بن حجر، وأشار البخاري في (الصحيح) إلى حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من الصحابة، وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وصححا حديث علي في ذلك، وفي (الفتح): «قال البخاري في (جزء رفع اليدين): من زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركه، ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع، وذكر البخاري أيضًا أنه رواه سبعة عشر رجلًا من الصحابة، وذكر الحاكم وأبو القاسم ابن منده ممن رواه العشرة المبشرة، وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلًا» وتواتر باعتراف الكوثري الرفع عن جماعة من الصحابة بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا، وتواتره عنهم يستلزم تواتره عن النبي - ﷺ - كما يأتي في الأمر الخامس.
_________________
(١) علما أن الإمام معذور، ولكن ليس للمقلدة وقد عرفوا الوهم أي عذر. وانظر رسالة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لشيخ الإسلام ابن تيمية، طبع المكتب الإسلامي. زهير
[ ٢ / ٧٧٧ ]
وأما الأمر الرابع، وهو قول الكوثري أن ابن عمر «لم يأخذ به في رواية أبي بكر ابن عياش» ففيه مجازفة أيضًا، فإن المراد رواية أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد قال: «ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح» . ولو صح هذا عن مجاهد لما دل على أن ابن عمر لم يرفع، فكيف أن يدل على انه لم يأخذ بالحديث؟ وأنا أذكر جماعة من العلماء وغيرهم صحبتهم مدة وصليت معهم وأتذكر الآن هل أذكر رفعهم عند الركوع أو ولكني تحريت ذلك في جماعة، فأنا الآن أذكر بعد طول العهد. ومجاهد لم يقل: رأيت ابن عمر لا يرفع، وإنما قال - إن صحت الحكاية عنه: «ما رأيت ابن عمر يرفع » وهذا يشعر بأنه لا ينفي أن يكون ابن عمر ورفع ولم يروه مجاهد، ومذهب مجاهد الرفع كما ذكر البخاري وغيره، فإن صح عنه ذاك القول فكأنه لم يتفق له أن يتحرى تفقد ابن عمر في رفعه،،وإنما اتفق أنه شاهده رفع في أول الصلاة، ثم اشتعل مجاهد بصلاة نفسه. وقد صح عن ابن عمر أنه كان ربما يرفع رفعًا تامًا وربما يتجوز، ذكر مالك في (الموطأ) عن نافع «أن ابن عمر كان إذا ابتداء الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذ رفع رأسه من الركوع رفعها دون ذلك» وفي (سنن أبي داود) عن ابن جريج قال: «قلت نافع: أكان ابن عمر وصح عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الرفع حذو المنكبين في الأولى وغيرها، قال الباجي في (المنتقى): «ويحتمل أن يكون عبد الله بن عمر كان يفعل الأمرين جميعًا ويرى ذلك واسعًا فيهما» .
أقول: يدل مجموع الروايات عن ابن عمر أنه كان يرى أن أكمل الرفع أن تحاذي يداه منكبيه، وأن أصل السنة يحصل بما دون ذلك ولا سيما إذا كان هناك عذر، فكأن ابن عمر لما كبر وضعف كان ربما يتجوز في الرفع فيرفع إلى الثديين أو نحو ذلك، وربما يرفع في الأولى رفعًا تامًا لأنها آكد ويتجوز في الباقي. وكان ابن جريج جوزّ أن يكون المشروع التفرقة بأن يكون الرفع في الأولى أعلى، وسأل عن فعل ابن عمر ليستدل به على ذلك وفهم نافع هذا فأجابه بحسبه، فمحصل
[ ٢ / ٧٧٨ ]
الجواب أن ابن عمر لم يكن يتحرى التفرقة تحريًا يشعر بأنها مشروعة، بل كان ربما كان ربما يتجوز في الأولى أيضًا. فمن الجائر في الحكاية عن مجاهد أنه كان وراء ابن عمر غير قريب منه فاتفق أن ابن عمر رفع في الأولى رفعًا تامًا رآه مجاهد، وتجوز في الباقي فلم يره. ومن الجائز أن يكون ابن عمر سها في تلك الصلاة التي رقبه فيها مجاهد إن كان رقبه، وقد قال البخاري في (جزء الرفع اليدين) في الجواب عن تلك الحكاية: «قال ابن معين: إنما هو توهم لا أصل له، أو هو محمول على السهو كبعض ما يسهو الرجل في صلاته ولم يكن ابن عمر ليدع ما رواه النبي - ﷺ - مع ما رواه عن ابن عمر مثل طاوس وسالم ونافع ومحارب بن دثار وأبي الزبير أنه كان يرفع يديه » وروي البخاري في (جزء رفع اليدين) عن مالك أن ابن عمر كان إذا رأى رجلًا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى.
وإذا ترك ابن عمر الرفع في بعض صلاته سهوًا أو ضعفًا لم يصدق عليه مع ما تواتر عنه من الرفع أنه لم يأخذ بالحديث، فكيف والذي في تلك الحكاية إنما هو نفي الرؤية لا نفي الرفع ولا تلازم بين النفيين كما سلف. ومع هذا كله فأبو بكر بن عياش عندهم شيء الحفظ كثير الغلط، ولم يخرج له البخاري في (الصحيح) إلا أحاديث ثبتت صحتها برواية غيره كما تراه في (مقدمة الفتح) ولم يخرج له مسلم شيئًا إلا أنه ذكر في (المقدمة) عنه عن مغيره ابن مقسم قال: «لم يكن يصدق على على ﵁ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود»، فلو كانت روايته هذه مخالفة لما ثبت برواية الجماعة عن ابن عمر لوجب ردها كما لا يخفى.
وأما الأمر الخامس وهو قول الأستاذ: «ودعوى أحد الفريقين التواتر في موضع الخلاف المتوارث غير مسموعة» .
فكأن الأستاذ انتقل ذهنه من التواتر إلى الإجماع، فإن الإجماع هو الذي يسوغ أن يقال: لا تسمع دعواه في مواضع الخلاف للإجماع. فأما التواتر فلا منافاة بينه وبين الخلاف المتوارث كما ستراه، بل إن الخلاف المتوارث إذا لم يثبت أن ابتداءه
[ ٢ / ٧٧٩ ]
الرد عليه في زعمه أن دعوى التواتر في الرفع غير مسموعة
كان عقب وفاة النبي - ﷺ - فورًا لم يمنع من دعوى إجماع سابق، فلنا أن ندعي في قضيتنا هذه إجماع الصحابة، لأن جماعة منهم رووا الرفع وتواتر العمل به عن كثير منهم كما اعترف به الكوثري، بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا فاشتهر ذلك وانتشر ولا يعرف عن أحد منهم ما يدل على أنه غير مشروع، فأما ما روي عن بعضهم أنه تركه فلم يثبت، وقد مر الكلام على ما روي عن ابن مسعود ويأتي الكلام على غيره، ولوثبت بعض ذلك فإنما هو ترك جزئي، أي في ركعة واحدة أو صلاة واحدة، وذلك لا يدل على أن التارك يراه غير مشروع، وإذ قد يكون ترخص لعذر أو لغير عذر في ترك ما يعلمه مندوبًا. بل لوثبت أن بعضهم تركه مدة طويلة لما دل ذلك على أنه يراه غير مشروع، فقد جاء عن أبي بكر وعمر وابن عباس أنهم كانوا لا يضحون. بل قد ثبت أن الصحابة تركوا في عهد عثمان تكبيرات الخفض والرفع أو الجهر بها، واستمر ذلك حتى أن عليًا لما قدم العراق وصلى بهم وأتى بالتكبيرات الخفض والرفع أو الجهر قال عمران بن حصين كما في (الصحيحين) وغيرهما «ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله - ﷺ -» وقال أبو موسى الأشعري فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح في (الفتح) «ذكرنا الصلاة كنا نصليها مع رسول الله - ﷺ - إما نسيناها وإما تركناها عمدًا» واستمر الترك بالحجاز حتى أن أبا هريرة حين استخلفه مروان على إمارة المدينة في عهد معاوية صلى بهم فأتى بالتكبيرات وجهر بها فأنكروا ذلك، قال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف كما في (صحيح مسلم): «قلنا يا أبي هريرة ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لصلاة رسول الله - ﷺ -» وصلى بهم بمكة فأتى بالتكبيرات وجهر بها فأنكروا ذلك، وقال عكرمة كما في (صحيح البخاري) وغيره «فقلت لابن عباس إنه أحمق، قال ثكلتك أمك سنة أبي القاسم محمد - ﷺ -» .
فأما التواتر فأمره واضح، فإنه قد يحصل لشخص دون آخر، وقد جاء عن ابن مسعود أنه كان يقول أن المعوذتين ليستا من القرآن واعتذر أهل
[ ٢ / ٧٨٠ ]
الرد عليه في قوله أنه تواتر أن جماعة من الصحابة كانوا لا يرفعون
العلم عنه بأنه لم يسمع من النبي - ﷺ - ما يصرح بقرآنيتهما ولا تواتر ذلك عنده مع أن من المقطوع به تواتر ذلك عند غيره، فلا يخدش في تواتر الرفع مخالفة بعض التابعين من الكوفيين إذ لا يلزم من تواتر عند غيرهم تواتره عندهم بل عرضت لأولهم شبهة الترك فتوهموا أو بعضهم أنه غير مشروع، كما توهم غيرهم من ترك عثمان وغيره تكبيرات الخفض والرفع أو الجهر بها أن ذلك غير مشروع حتى أنكروا على أبي هريرة كما تقدم، ثم جاء بعدهم من الكوفيين من بلغته الأحاديث والآثار ولعلمها تواترت عنده فلم تطب نفسه بترك ما ألفه واعتاده وفر إلى احتمال النسخ ورأى أن الترك أحوط له وأطيب لنفسه. وقد اعترف الكوثري بتواتر الرفع عن جماعة من الصحابة وذلك لا يستلزم تواتره عن النبي - ﷺ - فإنه فعل تعبدي في الصلاة، لو لم يعلموا أنه مشروع وفعلوه، فإن فعلوه لا على وجه التعبد كان تلاعبًا بالصلاة وإيهامًا لمشروعية ما لم يشرعه الله وذلك كذب على الله ورسوله ودينه، وإن فعلوه على وجه التعبد فذلك صريح البدعة الضلالة والكذب على الله والتكذيب بآياته. فهذا يثبت قطعًا أنهم كانوا يعتقدون أنه مشروع ويمتنع اعتقادهم ذلك من جهة الرأي إذ لا مجال للرأي فيه، على أن الرأي إنما يصار إليه في إثبات الفعل إذا لم يعلم أن النبي - ﷺ - تركه تركًا مستمرًا مع قيام السبب وانتفاء المانع، ويمتنع على الذين تواتر عنهم الرفع أن يجهلوا جميعًا أكان النبي - ﷺ - يرفع أم لا بعد أن طالت صحبتهم له ومراقبتهم لصلاته كما أمروا به.
وأما الأمر السادس وهو قول الأستاذ «المتواتر أن جماعة من لصحابة كانوا لا يرفعون وجماعة منهم كانوا يرفعون» فالشطر الثاني وهو تواتر الرفع حق، وأما الشطر الأول فلا، وهذا إمام النقل أبو عبد الله البخاري يقول كما تقدم «لم يثبت عن أحد منهم تركه وإنما نقل الترك فيه قوة ما عن ابن مسعود وقد مر النظر
[ ٢ / ٧٨١ ]
فيه؛ وروي أيضًا عن عمر وعلي، فأما عمر فقد جاء عنه الرفع من روايته ومن فعله، وروي حسن بن عياش عن عبد الملك بن أبحر عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود قال «صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا في افتتاح الصلاة» وأُعِلّ هذا بثلاثة أوجه.
الأول: أن حسن بن عياش لينه بعضهم، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: «ثقة وأخوه أبو بكر ثقة» قال عثمان «ليستا بذاك وهما من أهل الصدق والأمانة» واتفقوا على تليين أبي بكر في حفظه حتى قال يحيى القطان: «لو كان أبو بكر بن عياش حاضرًا ما سألته عن شيء» وكان إذا ذكر عنده كلح وجهه، وقال أبو نعيم الفضل بن دكين «لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطًا منه» وقد روى الثوري عن الزبير بن عدى عن إبراهيم عن الأسود «أن عمر كان يرفع يديه في الصلاة حذو منكبيه» لم يذكر ما في رواية الحسن أبن عياش عن ابن أبجر عن الزبير بن عدي، وكان الثوري لا يرفع، فلو كان في قصة ما ذكره الحسن لما أغفله الثوري، والخطأ في مثل هذا قريب فإنه كان عند إبراهيم حكايات عن أهل الكوفة في عدم الرفع فيقوى احتمال دخول الاشتباه على الحسن.
الوجه الثاني: أن إبراهيم ربما دلس. وفي (معرفة علوم الحديث) للحاكم ص ١٠٨ من طريق «خلف بن سالم قال: سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين فأخذنا في تمييز أخبارهم فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي وإبراهيم أيضًا يدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل هني بن نويرة وسهم بن منجاب وخزامة الطائي وربما دلس عنهم» .
الثالث: أنه قد روي عن عمر الرفع من روايته ومن فعله، ويكفي في ذلك ما تواتر عن ابنه عبد الله مع أنه كان ملازمًا لأبيه متحريًا الافتداء به قال زيد بن اسلم عن أبيه: «ما وجد قاصد لباب المسجد داخل أو خارج بأقصد من عبد الله لعمل أبيه» رواه ابن سعد، وقد جاء عن إبراهيم أنه ذكر له الحديث ابن وائل بن حجر عن أبيه في الرفع فقال إبراهيم: «ما أرى أباه رأى رسول الله - ﷺ - إلا ذاك اليوم
[ ٢ / ٧٨٢ ]
الرد على إبرايهم النخعي في قوله أن وائل بن حجر ما رأى رسول الله ﷺ رفع يديه إلا ذاك اليوم الواحد (تعليق)
الواحد (١) . فحفظ ذلك وعبد الله «بن مسعود» لم يحفظ عنه؟ !» فيقال لإبراهيم: إن صح عنه ما رواه الحسن بن عياش: ما نرى الأسود رأى عمر إلا ذاك اليوم الواحد أفيكون أعلم به من ابنه عبد الله بن عمر؟ ورواية وائل مثبتة محققة تثبت رفع النبي - ﷺ - في الواضع، ومعلوم أن الرفع لا يكون إلا تعبدًا إذ ليس هنا داع طبيعي إلا فعله مكررا في المواضع، وإذا ثبت عن النبي - ﷺ - في صلاة واحد ثبتت مشروعيته في الصلاة مطلقًا كما هو الشأن في غيره من أعمال الصلاة، إلا ما يثبت اختصاصه، وقد قدمنا ما يثبت أو يقوى عن أن مسعود لا يتحقق فيه منافاة لذلك، فأما في الرواية عن الأسود إن صحت إليه فمن الجائز أن يكون عمر كان إمام الأسود غير قريب منه فرفع عمر أول الصلاة رفعًا تامًا رآه الأسود ثم رفع عمر عند الركوع وما بعده رفعًا تجوز فيه كما تقدم عن ابن عمر -فلم يره الأسود فظن أنه لم يرفع أصلًا.
وأما على فروى أبو بكر النهشلي عن عاصم بن كليب عن أبيه عن على ﵁ «أنه كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة ثم لا يرفع في شيء منها» وروى ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن على عن النبي - ﷺ - أنه كان إذ قام إلى الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ويصنع ذلك أيضًا إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعا إذا رفع رأسه من الركوع وإذا قام من سجدتين
_________________
(١) قلت: هذا مجرد رأي، ومع ذلك فقد صح ما يبطله، وهو ما أخرجه أبو داود وغيره عن كليب وائل أنه قال «لأنظرن إلى الصلاة رسول - ﷺ - كيف يصلى » قلت: فذكر الحديث وفيه رفع اليدين عند الركوع والرفع منه وقال فيه: «ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب تحرك أيديهم تحت الثياب» . وأخرجه أحمد (٤/٣١٨) وله عنده (٤/٣١٩) طريق أخرى عن عبد الجبار عن بعض أهله أن وائلًا قال: «أتيته مرة أخرى وعلى الناس ثياب فيها البرانس وفيها الأكيسة فرأيتهم يقولون هكذا تحت الثياب» .
[ ٢ / ٧٨٣ ]
رفع يديه كذلك » في «نصب الرواية» وغيرها عن امام أحمد بن حنبل أنه سئل عن حديث ابن أبي الزناد هذا وقال؟ فقال «صحيح وذكر البخاري في (جزء القراءة) أثر النهشلي ثم ذكر حديث حديث ابن أبي الزناد وقال «وهذا اصح» أخرج الترمذي حديث ابن أبي الزناد في «كتاب الدعوات» من (جامعه) وقال: «هذا حديث حسن صحيح» وصححه أيضًا ابن حزيمة وابن حبان، وفي (سنن البيهقي) ج٢ص٨٠ عن عثمان بن سعيد الدارمي ذكر أثر النهشلي وقال: «فهذا قد روى من هذا الطريق الواهي عن علي، وقد روى عبد الرحمن عن هرمز الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي أنه رأى النبي - ﷺ - يرفعها عند الركوع وبعدما يرفع رأسه من الركوع، فليس الظن بعلي ﵁ أن يختار فعله على فعل النبي - ﷺ -، ولكن ليس أبو بكر النهشلي ممن يحتج بروايته أو يثبت به سنة لم يأت بها غيره»، اعترضه ابن التركماني فقال: «بل الذي روي من الطريق الواهي هو ما رواه ابن أبي رافع عن علي لأن في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد»، ثم ذكر قول الدارمي: فليس الظن.. الخ.
فقال: «لخصمه أن يعكسه فيجعله بعد النبي - ﷺ - دليلًا على نسخ ما تقدم» .
أقول: إذا صرفنا النظر عن النهشلي وابن أبي الزناد فسند المرفوع أثبت لأن رجاله كلهم ثقات أثبات احتج بهم احتج بهم الجماعة. وسند الموقوف فيه مقال، عاصم وإن أخرج له مسلم ووثقه جماعة فلم يخرج له البخاري، وقال بن المديني «لا يحتج به إذا انفرد» وأبوه وإن وثقه ابن سعد وأبو زرعة فلم يخرج له البخاري ولا مسلم، وقال النسائي: «لا نعلم أحدًا روى عنه غير ابنه وغير ابراهيم بن مهاجر، وإبراهيم مهاجر، وإبراهيم ليس بقوي في الحديث» فأما النهشلي وابن أبي الزناد فلا شك أننا إذا وازنا بينهما إجمالًا فالنهشلي أثبت أخرج له مسلم ووثقه ابن مهدي وأحمد وابن معين وأبو داود والعجلي وقال أبو حاتم: «شيخ صالح يكتب حديثه وهو عندي خير من أبي بكر الهذلي» والهذلي ضعيف جدًا، وقال ابن سعد في النهشلي: «كان مرجئًا، وكان عابدًا ناسكًا وله أحاديث ومنهم من يستضعفه» وأما ابن أبي الزناد فلم يحتج به
[ ٢ / ٧٨٤ ]
إذا اختلفوا في راو توثيقا وتليينا فهو وسط
صاحبا (الصحيح) وإنما علق عنه البخاري وأخرج له مسلم في المقدمة، ووثقه جماعة وضعفه بعضهم وفصل الأكثرون. وههنا أمران الأول أن أئمة الحديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنه صحيح، والواجب على من دونهم التسليم لهم، وأولى من ذلك إذا كان الراوي وسطًا كالنهشلي وابن أبي الزناد. وقد صحح الأئمة حديث ابن أبي الزناد المذكور ولين البخاري والدرامي آثر النهشلي كما مر.
والأمر الثاني: إذا اختلفوا في راوٍ فوثقه بعضهم ولينة بعضهم ولم يأت في حقه تفصيل فالظاهر أنه وسط فيه لين مطلقًا وهذه حال النهشلي، وإذا فصلوا، أو أكثرهم، الكلام في راو فثبتوه في حال وضعفوه في أخرى فالواجب أن لا يؤخذ حكم ذاك الراوي إجمالًا إلا في حديث لم يتبين من أي الضربين هو، فأما إذا تبين فالواجب معاملته بحسب حاله، فمن كان ثقة ثبتا ثم اختلط فهو غاية في الصحة، أو بعده فضعيف، وابن أبي لزناد من هذا القبيل فإن أكثر الأئمة فصلوا الكلام فيه، قال موسى بن سلمة «قدمت المدينة فأتيت مالك بن أنس فقلت له إني قدمت إليك لأسمع العلم وأسمع ممن تأمرني به. فقال: عليك بابن أبي الزناد» ومالك مشهور بالتحري لا يرضي هذا الرضا إلا عن ثقة لا شك فيه، ولذلك عد الذهبي هذا توثيقًا، بل قال في (لميزان): «وثقة مالك قال سعيد بن أبي مريم قال لي خالي موسى بن سلمة: قلت لمالك: دلني على رجل ثقة، قال: عليك بعبد الرحمن بن أبي الزناد» وقال صالح بن محمد: «تكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة - يعنى الفقهاء - وقال أين كنا عن هذا؟» وإنما روي هذا بعد أن انتقل إلى العراق كما يأتي عن ابن المديني. وقال عبد الله بن علي ابن المدني عن أبيه «ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث في بغداد أفسده البغداديون، ورأيت عبد الرحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، وكان يقول في حديثه عن مشيختهم فلان وفلان وفلان، قال ولقنه البغداديون عن فقهائهم» يعني الرواية عن أبيه عن المشيخة بالمدينة أو الفقهاء بها، وهذا هو الذي حكى صالح بن محمد أن مالكًا أنكره، تبين أن ابن أبي
[ ٢ / ٧٨٥ ]
ترجمة بن أبي الزناد مفصلا
الزناد إنما وقع منه ذلك بالعراق، وابن مهدي إنما كان عنده عن ابن أبي الزناد مما حدث به العراق كما يدل عليه كلام ابن المديني، ويأتي نحوه عن عمرو بن علي. وقال يعقوب بن شيبة: «ثقة صدوق وفي حديثه ضعف، سمعت على ابن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب وما حدث به العراق فهو مضطرب. قال علي: وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي فرأيتها مقاربة» وقال عمر بن علي: «فيه ضعف فما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد» . وقال أبو داود عن ابن معين «أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد» هذا مع أنه قد روى عن هشام مالك والكبار» .
وفيما حكاه الساجي عن ابن معين «عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج 'ن أبي هريرة حجة» . وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين «ضعيف» وفيما حكاه الساجي عن أحمد: «أحاديثه صحاح» وقال أبو طالب عن أحمد «يروى عنه» قال أبو طالب: «قلت يُحمل؟ قال نعم» وقال صالح بن أحمد عن أبيه: «مضطرب الحديث» وقال العجلي: «ثقة» . وقال الترمذي في «اللباس» من (جامعه) «ثقة حافظ»، وصحح عدة من أحاديثه. وأخرج له في «المسح على الخفين» حديثه عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة: رأيت النبي - ﷺ - يمسح على الخفين على ظاهرهما. ثم قال: «حديث المغيرة حديث حسن صحيح وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد . ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة «على ظاهرهما» - غيره قال محمد يعني البخاري - وكأن مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد» .
فإذا تدبرنا ما تقدم تبين لنا أن لابن أبي الزناد أحوالًا:
الأولى: حاله فيما يرويه عن هشام بن عروة، قال ابن معين إنه أثبت الناس فيه، فهو في هذه الحال في الدرجة العليا من الثقة.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
الحال الثانية: حاله فيما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة، ذكر الساجي عن ابن معين أنه حجة. وهذا قريب من الأول. وظاهر الاطلاق أنه سواء في هاتين الحالتين ما حدث به المدينة وما حدث به ببغداد، وهذا ممكن بأن يكون أتقن ما يرويه من هذين الوجهين حفظًا فلم يؤثر فيه تلقين البغداديين، وإنما أثر فيه فيما لم يكن يتقن حفظه فاضطرب فيه واشتبه عليه.
الثالثة: حاله فيما رواه من غير لوجهين المذكورين بالمدينة فهو في قول عمرو بن علي والساجي أصح مما حدث به ببغداد، ونحو ذلك قول على ابن أبن المديني على ماحكاه يعقوب وصرح ابن المدني في حكاية ابنه أنه صحيح. ويوافقه ما روي عن مالك من يوثقه إذ كان بالمدينة والإرشاد إلى السماع منه مخصصًا له من بين محدثي المدينة، ويلتحق بذلك ما رواه بالعراق قبل أن يلقنوه ويشبهو اعليه، أو بعد ذلك ولكنت من أصل كتابة، وعلى ذلك تحميل أحاديث الهاشمي عنه لثناء إن المديني عليها، بل الأقرب أن سماع الهاشمي منه أصل كتابه، فعلى هذا تكون أحاديثة عنه أصح مما حدث به بالمدينة من حفظه.
الرابعة: بقية حديثة ببغداد ففيه ضعف، إلا أن يعلم في حديث منذلك أنهكان يتقن حفظه مثل اتقانه لما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة، فإنه يكون صحيحًا وعلى هذا يدل صنيع الترمذي في انتقائه من حديثه وتصحيحه لعدة أحاديث منه، وقد دل كلام الإمام أحمد أن القلتين إنما أو قعة انتقائه في لاضطراب. فعلى هذا إذا جاء الحديث من غير وجه عنه على وتيرة واحدة دل ذلك على أنه من صحيح حديثه. فابن أبي الزناد الحالين الأولين وما يلتحق بهما أثبت من النهشلي بكثير، وفي الحال الثالثة إن لم يكن فوقهفليس بدونه، وفي الرابعة دونه. وهذا الحديث مما حدث به بالمدينة فان ممن وراه عنه عبد الله بن وهب كما في (سنن البيهقي) ج٢ص٣٣ بسند صحيح، وهو من أحاديث الهاشمي عنه كما في (سنن أبي داود) و(الترمذي) وغيرهما وجاء من غير وجه وتيرة واحدة وصححه من تقدم من الأئمة، فحاله فيه فوق حال النهشلي، وتأكد ذلك برجحان
[ ٢ / ٧٨٧ ]
سنده على سند النهشلي كما مر، وبموافقة للأحاديث الثابتة عن جماعة من الصحابة ومخالفة أثر النهشلي لمقتضى تلك الأحاديث ومقتضى الآثار المتواترة من الصحابة. على أني أقول: لا مانع من صحة أثر النهشلي في الجملة وبيان ذلك أننا إذا علمنا الاختلاف في مسألة الرفع ثم رأينا عالمًا لم نعرف مذهبه في ذلك، وأردنا أن نعرفه فرقبناه في بعض صلاته فلم نره رفع فإنه يقع قي ظننا أن مذهبه عدم الرفع وأن ذلك شأنه، فإذا مضت على ذلك مدة ومات ذاك العالم ثم بدا لنا أن نذكر حاله في الرفع فقد نبني. على ما تقدم فنقول: لم يكن يرفع. فمن الجائز أن يكون اتفق لكليب أنه رقب عليًا في بعض صلاته ليرى أمن مذهبه الرفع أم لا؟ فاتفق أن رفع على عند الإفتتاح رفعًا تامًا رآه كليب، ثم تجوزعلى في الرفع عند الركوع فما بعده فلم يره كليب، فظن أنه لم يرفع، وأن مذهبه عدم الرفع، فذهب يحكي عنه بحسب ذلك.
فإن قيل: لكن هذا الاحتمال لا يخلوعن بعد.
قلت: لكنه أقرب الاحتمال. فإن قيل: قدّ روي عن إبن إسحاق السبيعي انه قال: «كان أصحاب عبد الله وأصحاب على لا يرفعون ايديهم إلا في افتتاح الصلاة» .
قلت: إنما أراد الذين صبحوا عبد الله ثم صبحوا عليًا ولذلك قدم ذكر عبد الله مع أن عليًا أفضل، وكان أبو إسحاق يتشيع وأصحاب عبد الله هم كانوا بعده المقتدي بهم من أصحاب على، وفي مقدمة (صحيح مسلم) عن المغيرة بن مقسم قال: «لميكن يصدق على عليّ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود» . وكان أصحاب عبد الله يلزمون ما أخذوه عنه، وإن رأوا عليًا يخالفه كما لزموا التطبيق وغيره. وقد تقدم الكلام على أخذهم عن عبد الله ترك الرفع فلا تفغل فإن قيل: ولماذا لم ينكر عليهم على؟ قلت: لعله لم يقف على ذلك من خالهم، أو أنكر عليهم فلم ينعوا كما يحتمل ذلك في قضية التطبيق.
بقي قول ابن تركماني: «لخصمه أن يعكسه فيجعل فعل علي بعد النبي عليه
[ ٢ / ٧٨٨ ]
الرد على ابن التركماني في جعله ترك علي للرفع دليلا على نسخ الرفع
الرد على الكوثري في قوله:"فيدل ذلك على التخيير الأصلي"
السلام دليلًا على نسخ ما تقدم» .
فأقول: ليس هذا بشيء فقد تقرر في الأصول أن الحكم إذا ثبت فادعي بعض الصحابة نسخة وخالفه غيره منهم، لم يثبت النسخ بتلك الدعوى إذ قد يكون استند صاحبها إلى مالا يوافقه غيره على أنه دليل يوجب النسخ. وقد اختلف الصحابة في عدة أحكام ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة، وخالفه غيره، ولم يرا المخالف في قول صاحبه: هذامنسوخ حجة، ولا رأى القائل قوله ذلك كافيا في إثبانت النسخ، فكيف يظن بعلي أن يكون يرى أن الرفع منسوخ ثم يخبر بأن النبي - ﷺ - كان يرفع، ويعلم أن غيره من الصحابة يخبرون بذلك ويعلمون به عملًا شائعًا ذائعًا ثم لا يتبع على إخباره بذلك ببيان الحجة على نسخة ويعلن ذلك؟
بل يقتصر على ماليس بدليل على النسخ ولا صريح في دعواه ولا ظاهر فيها وهو الترك، إذ قد لا يرقبه الناس في صلاته، فإن رقبة بعضهم فقد يقول لعله ترك لبيان ألجواز، أو لعذر، أو سها، أو ترخص كما ترخص عثمان وغيره في ترك التكبيرات أوجهر بها كما تقدم. هذا ما لا يكون فالحق ماتقدم من وهم أثر النهشلي أو وهم كليب، وتحقق ما قاله البخاري إنه لا يثبت عن أحد من الصحابة ترك الرفع إلى ان يكون بعضهم تركه في وقت ما لبيان الجواز أو غيره مما تقدم. والله أعلم.
وأما الامر السابع وهو قول الكوثري: «فيدل ذلك على التخيير الأصلي» فإن أراد بالتخيير الأصلي إن احد الأمرين مندوب والأخر جائز فهذا وجه ويتعين أن يكون المندوب هو الرفع فيكون تركه تركًا لمندوب وهو جاء في الجملة ولا يصح عكسه فإن من يرفع على وجه التعبد كما لا يخفى ولو كان الرفع غير مشروع فكان فعله على وجه التعبد بدعة وكذبًا على الله تعالى وتكذيبًا بآياته فيكيف يقال أنه جائز؟ وإن أريد ان كلا الامرين مندوب، فندب الرفع حق ثابت معقول ولا دليل على ندب الترك مطلقًا، ولا هو مع ندب الفعل بمعقول، فإن ترك المندوب حيث ندب إنما يكون مكروهًا أو خلاف الأولى والتخيير بين
[ ٢ / ٧٨٩ ]
الرد على الحنفية في استدلالهم بحديث "اسكنوا في الصلاة" على ترك الرفع
المندوبين إنما يكون بين فعلين كالا اذكار المأثورة في إفتتحاح الصلاة، إذا ثبت منها إثنان مثلا فيقال أيهما أتنى به المصلي فقد احسن، وإذا اتى بها بأحدهما لم يكن تركه للأخر مكروهًا ولا خلاف الاولى، لأنه إا تركه إلى أخر يقوم مقامه.
فإن قيل: فههنا أيضًا امران: الرفع والسكون، فمن رفع الترك فقد أتى بالسكون وهو مندوب.
(١) قلت: السكون ترك وإنما شرع السكون في الصلاة عن الحركات التي لم تشرع فيها كما في (صحيح مسلم) وغيره من حديث جابر بن سمرة قال (صليت مع رسول الله - ﷺ - فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله - ﷺ - فقال: ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل الشمس؟ إذا سلم أحدكم فيلتفت الى صاحبه ولا يويء بيده) فأمرهم بالسكون عن تلك الحركة وهيه رفع أيدي عند السلام، ولإشارة بها يمنى ويسرى وأمرهم بالالتفات وهو حركة أيضًا وإنما الفرق إن الحركة الاولى غير مشروعه، فعلى هذا يجري الأمر في سائر الحركات في الصلاة فما كان واجبًا لم يعقل أن يكون السكون عنه جائزًا، وما كان مندوبًا لم يعقل أن يكون السكون عنه الى مكروهًا أو خلاف الاولى، وما كان مباحًا فالسكون عنه مباحًا والله الموفق (١) .
_________________
(١) ومما يؤكد ما قاله المصنف ﵀ على مذهب الحنفية، أنهم يرون مشروعية الرفع اليدين تكبيرات الزوائد في صلات العيدين، وكذا في تكبيرات الجنازه في إختيار المشايخ بلخ كما في (شرح الكنز) وغيره من كتبهم. فله كان الحديث المذكور (أُسكنوا في لصلاة) يشمل الرفع في التكبير، لكان مذهبهم هذا مخالفًا له، مع العلم بأن الرفع في الزوائد لا يصح حديثه الذي استدل به ورفع في الجنازه لا أصل له عن رسول الله - ﷺ -، أما عدا الرفع في تكبيرة الإحرام، كما كنت بنيته في كتاب (احكام الجنائز وبدعها) يسر الله تمام طبعه بمنه وكرمه. فأعجب لقوم هذا مذهبهم، يستدلون بالحديث على كراهة رفع اليدين في تكبيرات الانتقال مع تواتره عن النبي - ﷺ -، ثم لا يستدلون به على كراهة الرفع في الجنازه والعيدين مع عدم ثبوته عنه - ﷺ - زد على ذلك أن هو اللاايق والمناسب اتم من مناسبة لقول أبي حنيفة (يريد أن يطير فيرفع يديه) لأن الرفع في الصلاتين المذكورتين اوخصوصًا صلاة العيد أقرب إلى هذا القول لتتابع الرفع فيه،، وقد سلم الكوثري بصحتهم عنه بسكوته عنه وتأويله إياه بأن أبا حنيفة قال لإبن المبارك ممازحة وهل ممازحة جائزة إلىة هذا الحد في مذهب الكوثري،، فاللهم هداك
[ ٢ / ٧٩٠ ]
وأما الأمر الثامن وهو قول الكوثري: (وإنما خلافهم فيما هو الأفضل) فوجيه في الجملة فإن منهم من عرف أن الرفع سنة باقية، وفعل السنة افضل من تركها، ومن تابعين فمن بعدهم من لم تبلغه هذه السنة منوجه يثبت أو بلغته ولكن غلبت عليه شبهه ترجح بها عنده أنها منسوخة فيكون عنده أم الرفع بدعة، وترك البدعة أفضل من فعلها، وكذلك من التبس عليه الحال فإن نا يحتمل أن يكون سنة ةإن يكون بدعة فتر كه أفضل، فأما من أعرض عن الحجج واسترسل مع الشهاب إيثار لهواه، فله حكم آخر. والله المستعان.
[ ٢ / ٧٩١ ]
الرد على الكوثري في تضعيفه للحديث
المسألة الثالثة: أفظر الحاجم والمحجوم
في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٨ من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه: «قال: ذكر لأبي حنيفة قول النبي - ﷺ -: أفطر الحاجم والمحجوم. فقال: هذا سجع» . قال لاأستاذ ص ٨١: «حديث: أفطر أفطر لحاجم والمحجوم لم يثبته كثير من أهل الحديث منهم ابن معين بمعنى أنهما عرضه للأفطار » .
قلت: ممن صحح الحديث من وجه أو أكثر الإمام أحمد وابن المديني وإسحاق بن راهو ية والبخاري وأبو زرعة وعثمان بن سعيد الدارمي وابن خزيمة وغيرهم. فأما ابن معين ففي (الفتح): قال المروذي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت. فقال: هذا مجازفة» . وزعم الأستاذ أن من أثبته يراه منسوخًا أو مؤولًا، ليس كما قال، فإنه ترك القسم الثالث، قال ابن حجر في (فتح الباري): «وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، وقال بقول أحمد من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابورى وابن حبان وبذلك قال الداودي من المالكية» .
فأما دعوى النسخ بحديث أن النبي - ﷺ - احتجم وهو صائم. فالحديث رواه عبد الوارث عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: «احتجم النبي - ﷺ - وهو صائم»،
[ ٢ / ٧٩٢ ]
ورواه وهيب عن أيوب بسنده: «أن النبي - ﷺ - احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم» . وفي (الفتح) «ورواه ابن علية معمر عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، واختلف على حماد بن زيد في وصلة وإرساله» . وجاء عن مقسم عن ابن عباس:: «احتجم رسول الله - ﷺ - بين مكة والمدينة وهو صائم محرم» . وذكر البيهقي ج٤ ص ٢٦٣ وقال: «وراه أيضًا ميمون بن مهران عن ابن عباس»، وكذلك في رواية لابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كما في (الفتح) عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد ج١ ص٣٠٥ ذكر قصة اليهودية التي وضعت السم في الطعام النبي - ﷺ - إذا وجد من ذلك شيئًا احتجم، قال: فسافر مرة فلما أحرم وجد من ذلك شيئًا فاحتجم» . وقد أجاب ابن خزيمة عن هذا الحديث بأن للمسافر إذا أصبح صائمًا ثم بدا له أثناء النهار أن يفطر، وحاصل الجواب انه - ﷺ - أصبح في سفرة صائمًا ثم لما هاج به الوجع احتجم فأفطر، وكأن ابن عباس لم يكن قد بلغه أن الحجامة تفطر الصائم احتج بالقصة على حسب ظنه. وهذا كما سمع أسامة يحدث بحديث: «لا ربا إلا في النسيئة» ولم يثبت عنده حديث:
«لا تبيعوا الذهب مع بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن مثلًا يدًا بيد» فكان يفتي بحل ذهب بالذهب مع التفاصيل نقدًا وكذا الفضة بالفضة، ثم جاء أن بعض الصحابة أخبره بالحديث الاخر فرجع (١) .
وكما أخبره أسامة أن النبي - ﷺ - دخل الكعبة فلم يصلي فيها، فكان يفتي بذلك، وقد صح عن بلال أنه دخل مع النبي - ﷺ - الكعبة، وأنه صلى بين العمودين المقدمين، وكما كان يرى أن لا قراءة في السرية، ويذكر أن النبي - ﷺ - لم يكن يقرأ فيها، فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه، فغضب. وقد أثبت غيره القراءة بما لا تبقى معه شبهة. وأمثال هذا كثير ممال يحتج به الصحابي على
_________________
(١) ثبت ذلك عن ابن عباس من طريق، وقد خرجتها في «إرواء الغليل» (١٣٢٦) . ن
[ ٢ / ٧٩٣ ]
تحقيق أن الحديث منسوخ بحديث "رخص في الحجامة للصائم"
حسب ظنه ويتبين أن ظنه كان خطأ. وقد روى عطاء ذاك الحديث عن ابن عباس ثم ذهب إلى الافطار كما مر.
فإن قيل: لو كان النبي - ﷺ - أفطر بالحجامة لكان الظاهر أن يبين ذلك للناس؟
قلت: يجاب أن النبي - ﷺ - اكتفى بما سبق منه من بيان أنه يفطر الحاجم والمحجوم، ومن بيان أن الصائم في السفر يحل له الافطار.
فإن قيل: فقد جاء عن أبي سعيد الخدري وعن أنس أن النبي - ﷺ - رخص في الحجامة للصائم.
(١) قلت: في صحة ذلك عنهما كما ترى في (فتح الباري)، ولوصح أمكن أن يكون مرادهما بالترخيص ما ذكره ابن عباس من احتجامه - ﷺ - وهو وهو صائم في سفره، وقد مر ما فيه. وأما التأويل بصرف النص عن ظاهره فلا مسوغ له. والله أعلم (١) .
_________________
(١) قلت: لاشك أن التاويل المذكور لا مسوغ له، ولكنى أرى ان الجواب الصحيح هو أن الحديث منسوخ بنص حديثي أبي سعيد وأنس المذكورين، فإنهما حديثان صحيحان، له عن أبي سعيد طريقان، أحدهما صحيح، وعن أنس ثلاث طرق أحدهما صحيح أيضا، وأما الكلام الذي أحال المصنف فيه على «الفتح» فليس فيه ما يمكن أن يكون علة في الحديث لا سيما إذا نظر إليه من جميع طرقه، فإن كثرة الطرق الحديث تدل أن له أصلا. فكيف إذا كان بعض مفرداتها صحيحًا في نفسه، وليس هذا مجال شرح ذلك، ومحله في «إرواء التغليل» (٩١٣)، ولكن لابأس من الإشارة إلى شيء من كلام الحافظ ﵀ مع التعليق الموجز عليه قال في بعض طرق أنس: «ورواته كلهم من رجال البخاري، إلا أن في المتن ما ينكرلأن فيهأن ذلك كان في الفتح، وجعفر قتل قبل ذلك» . =
[ ٢ / ٧٩٤ ]
تسليم الكوثري بثبوت قول أبي حنيفة: "الإشعار مثلة"
المسألة الرابعة: إشعار الهدى
في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٠ عن يوسف بن أسباط: « وأشعر رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وقال أبو حنيفة: الإشعار مثلة» قال الأستاذ ص٨٧: «ليس من قوله فقط، بل أثر يرويه عن حماد عن إبراهيم النخعي كما يشتر إلى ذلك الترمذي .، يريدان إشعار أهل زمانها المبالغ فيه ولام التعريف تحمل على المعهود في زمانهما على أن الأعمش يقول: لم نسمع إبراهيم النخعي يقول شيئًا إلا وهو مروي، كما تجد ما بمعناه في (الحلية) لأبي نعيم، فيكون قول النخعي هذا أثرًا يحتج به، وأنت عرفت قيمة مراسيل النخعي عند ابن عبد البر وغيره» .
_________________
(١) = قلت: وهذا سهو من الحافظ ﵀، فإنه ليس في الحديث ذكر للفتح أصلًا، وعليه فالحديث صحيح لا نكارة فيه، والعجيب أن الحافظ ادعى ما سبق بعد أن ذكر الحديث بدون ذكرالفتح وهذا لفظه: «أخرجه الدارقطني ولفظه «أول ما كرهت الحجامة للصائم، إن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله - ﷺ -، فقال: أفطر هذان، ثم رخص النبي - ﷺ - بعد في لحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم. رواته كلهم ثقات » وهكذا هو عند الدارقطني في «سننه» (ص٢٣٩) . وإذا عرفت هذا اللفظ الصريح في النسخ يتبين لك أن قول المؤلف ﵀: «ولو صح أمكن أن يكون مرادهما بالترخيص ما ذكره ابن عباس » أنه غير ممكن، فتأمل. ن
[ ٢ / ٧٩٥ ]
أقول أما الترمذي فروى من طريق وكيع حديث إشعار النبي - ﷺ -. ثم قال: «سمعت يوسف بن عيسى (وهو ثقة) يقول: «سمعت وكيعًا يقول حين روى هذا الحديث قال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأى في هذا فإن الاشعار سنة وقولهم بدعة» قال الترمذي: سمعت أبا السائب (سلم بن جنادة وهو ثقة) يقول: كنا عند وكيع فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأى: أشعر رسول الله - ﷺ -، ويقول أبو حنيفة: هو مثلة؟ قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا، وقال:: أقول لك: قال رسول الله - ﷺ - وتقول: قال إبراهيم؟ ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا» .
القائل: «فإنه قد روي عن إبراهيم» لا يدري من هو وممن سمعه وكيف إسناده، ولكن الأستاذ بنى على دعاوى:
الأولى: أن ذاك الرجل ثقة.
الثانية: أن قوله: «فإنه قد روي» معناه فإن أبا حنيفة روي.
الثالثة: أنه سمع ذلك من أبي من أبي حنيفة.
الرابعة: أن أباحنيفة روي ذلك عن حماد، مع أنه لا ذكر لحماد في الحكاية.
الخامسة: أن ذلك أثر، مع أن الأستاذ نقم نحو ذلك في (الترحيب) ص ٢٨ فقال: «وإطلاق الأثر على مالم يؤثر عن النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ في دين الله شيء مبتكر في سبيل تقوية الخبر الزائف من هذا الناقد الصالح!» . السادسة: أن 'براهيم النخعي لم يكن يستنبط ولا يقيس وإنما كان يقول ما يرويه بنصه، والأستاذ يعلم أن المتواتر عن إبراهيم خلاف ذلك، غاية الأمر أنه يسوغ أن يقال: إنه لم يكن يفتي برأيه المحض، وإنما كان يستنبط من المرويات ويقيس عليها فيكون عرضة للخطأ كغيره.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
السابعة: أن تلك المرويات التي كان إبراهيم لا يتعدي منصوصهًا لا تشمل أقول من قلبه من التعابعين ولا الصحابة وإنما هي النصوص النبوية فتكون أقول إبراهيم وفتاواه كلها كلها مراسيل أرسلها عن النبي - ﷺ -.
الثامنة: أن ذلك حجة. ولا أطيل بمناقشة الأستاذ في هذه المزاعم، وقد رجع هو عن الثلاث الأخير بقوله: «يريدان إشعار أهل زمانهما المبالغ فيه » ومع ذلك فهذه دعوى جديدة، والظاهر الواضح من قول القائل: «الإشعار مثله» الحكم على الإشعار مطلقًا ولوأراد ما زعمه الأستاذ لقال: «لمبالغة في الأشعار مثلة» أو نحو ذلك. فأما إبراهيم فلم يثبت ذاك القول عنه، فلا ضرورة إلى الاعتذار عنه بعذر، إن دفع الملامة من جهة، أو قع فيها من جهتين:
الأولى: الاطلاق الموهم للباطل.
الثانية: أتهامه جميح أهل زمانه وفيهم بقايا الصحابة والتابعون بالاطباق على مالا يجوز حتى استساغ أن يطلق ولا بفصل. وأما أبو حنيفة فقد اعتذر عنه الطحاوي بقوله: «إنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاك البدن فأرادسد هذا الباب عن العامة لأنهم لا يراعون لاحدّ في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسنة فى ذلك فلا» .
والمقصود هنا إثبات أن الأشعار سنة وذلك حاصل على كل حال.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
المسألة الخامسة: المحرم لا يجد إزارا أو نعلين يلبس السراويل والخف ولا فدية عليه
في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٢ من طريق حماد بن زيد قال: «شهدت أبا حنيفة رسئل عن محرم لم يجد إزارًا فلبس سراويل، قال: عليه الفدية، قلت: سبحان الله » قال الأستاذ ص ٩٤: «فهذان إنما أبيحا لعذر كمن به أذى في رأسه فلا تحول هذه الإباحة دون وجوب الفدية كمن في رأسه أذي فلَبس، على ما في القرآن الكريم، وليس في الأحاديث ما يصرح بسقوط الفدية عن المعذور.
أقول: الذي في القرآن هو قول الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) .
فالذي في الآية الحلق، فقول الأستاذ «فلبس، على ما في القران الكريم» لا وجه له اللهم إلا أن يريد: قياسًا على ما في القرآن ففي عبارته تلبيس ومع ذلك ففي صحة القياس نظر لتوقفها على عدم الاحرام - أعني التحلل - كما جعل السلام علمًا على الخروج من الصلاة، والسلام من خطاب الناس وهو أشد
_________________
(١) البقرة: ١٩٦
[ ٢ / ٧٩٨ ]
منافاة للصلاة من غيره بدليل أنه لا يجوز منه في الصلاة قليل ولا كثير حتى في حال القتال، وإن احتاج إليه لاستغاثة مثلًا بخلاف الحركة مثلًا فإنها وإن كانت منافية للصلاة أيضًا إلا أنه لا يجوز القليل منها مطلقًا ويجوز الكثير في صلاة الخوف، فالتشديد في الحلق لايستلزم التشديد فيما هو أخف منه. فإن كان هناك إجماع على وجوب الفدية على من احتاج إلى لبس عمامة لمرض مثلًا فلا يقاس عليه لبس فاقد الإزار للسراويل، وفاقد النعلين للخفين، لأن ستر الرأس غير المطلوب شرعًا كطلب ستر العورة ووقاية الرجلين مما قد يمنع من استطاعة المشيء إلى الحج وأداء أعماله، والتشديد في الأول لا يستلزم التشديد في الثاني. فأما قياس لبس السراويل والخفين على الحلق المنصوص في القرآن فأبعد عن الصحة لاجتماع الفارقين معًا، فإن قيل: أرأيت إذا تمكن فاقد الازار من فتق السراويل وتلفيقه بالخياطة حتى يكون إزار كافيًا له، وتمكن فاقد النعلين من تقطيع الخفين حتى يصيرا نعلين؟ قلت: لا يتجه إلزامه ذلك لأنه يكثر أن لا يتمكن الانسان من ذلك، وإذا تمكن ففيه إفساد للمال ينقص قيمته ومنفعته. هذا وقد صح في الباب حديثان:
الأول حديث ابن عمر في (الصحيحين) وغيرهما أن النبي - ﷺ - سئل عما يلبس المحرم فقال: «لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين » ويؤخذ منه من باب أولى الإذن في السراويل لمن لم يجد إزارًا لان الحاجة الى ستر أسفل البدن أشد وكونه مطلوبًا شرعًا أظهر ويبقى النظر في القطع فقد يقال كما أمر بقطع أعلى الخفين فكذلك ينبغي قطع ما تحت الركبتين من السراويل وقد يقال إنما يقطع ما تحت أنصاف الساقين لأنما فوق ذلك إلى الركب مشروع ستره أيضًا وان لم يجب بخلاف ستر الكعبين وما فوقهما وقد يقال لا يتعين القطع بل الأولى العطف والثبيت بالخياطة لأن ذلك محصل للمقصود بدون إفساد، وله كان يتاتى بنحو ذلك في الخفين لقلنا به فيهما أيضًا فأما فتق السراويل ثم تلفيقه بالخياطة حتى يكون ازارًا فقد دل على عدم لزومه إكتفاء الحديث بما اكتفى به في الخفين ولم
[ ٢ / ٧٩٩ ]
يشترط تقطيعهما حتى يصيرا نعلين.
الحديث الثاني: الحديث ابن عباس في (الصحيحين) وغيرهما «سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب بعرفات: من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين» ففي هذا الحديث النص على السراويل والخفين معًا ولم يذكر القطع، فمن أهل العلم من أخذ به على اطلاقه وقال إنه نسخ للأمر بقطع الخفين لأن حديث أبن عباس، متأخر ومنهم من حمل المطلق على المقيد فقال بقطع الخفين، فعلى الأول يكون عدم وجوب قطع السراويل أولى، أما على الثاني فقد يتمسك فيه بالاطلاق، وقد يقال بل يكون حكمه ما تقدم في الكلام على الحديث الأول. وعلى كل حال فسكوت الحديثين عن ذكر الفدية يدل أنها لا تجب، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، والبيان المتقدم في القرآن لم يتعرض لقضية السراويل والخفين لا نصًا ولا تنبيهًا كما تقدم. والله أعلم.
المسألة السادسة: درهم وجوزة بدرهمين
في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١٢ عن خالد بن يزيد بن أبي مالك قال: «أحل أبوحنيفة الزنا والربا أما تحليل الربا فقال: درهم وجوزة بدرهمين نسيئة لا بأس به » قال الأستاذ ص ١٤٥: «فرية بلا مرية لأنها على خلاف المدون في مذهبه، وأبو حنيفة من أشد الفقهاء في النسيئة» .
أقول: إن صح الكلام الأستاذ فقد يكون أبو حنيفة قال قولًا ثم رجع عنه، وقد يكون خالد رأى إجازة ذلك نقدًا تستلزم إجازة نحوه نسيئة كما يأتي، وبيان
[ ٢ / ٨٠٠ ]
أن ذلك من مرفوع تلك القاعدة: صاع تمر ودجرهم نقد بخمسة آصع من تمر نقدًا، يعتل الحنفية في إجازة ذلك بأنه في معنى بيعتين جائزتين صاع بصاع نقدًا وأربعة آصع بدرهم نقدًا فيقال لهم: فكذلك صاع تمر ودرهم نقدًا بخمسة آصع نسيئة أحدها نقدًا والباقي نسيئة، إذيمكن أن يقال هو في امعنى بيعتين جائزتين صاع بصاع نقدًا أربعة آصع نسيئة بدرهم نقدًا. فإن التزموا ذلك جاء ربا النسيئة، وإن قالوا لا ننجيزه إذ قد يقصدان الربا كأن يكون عند رجل تمر جيد وعند آخر صاع تمر ردى لا يسد حاجته فيحتالان بتلك البيعة قاصدين صاعًا بدرهم نقدًا وصاعًا نقدًا بأربعة آصع نسيئة. قلنا فكذلك النقد قد يقصدان صاعًا بدرهم نقدًا وصاعًا بأربعة آصع نقدًا، فالأستاذ تبرأ من ربا فوقع فى ربا. والحاصل ان هناك معنيين أحدهما ربا قصداه وقام الدليل على قصدهما إياه، والآخر جائز حاولا أن يوهماه / أفلا يعاب من أعرض عن الأول وينى الحكم على الثاني؟ نعم إذا لم يراع سد الذريعة أن يصحح العقد إحسانًا للظن بالمسلمين، ويكره لهم هذه المعاملة مطلقًا لأنها متهمة وذريعة إلى الربا / وربما يمكن الحنفية تنزيل قول أبي الحنفية على هذا، وبذلك يدفعون المعرة عن إمامهم وأنفسهم. والله الموفق.
[ ٢ / ٨٠١ ]
الرد على الكوثري في زعمه أن حديث خيار المجلس مخالف لنص كتاب الله
المسألة السابعة: خيارالمجلس
في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٧ عن بشير بن المفضل قال: «قلت لأبي حنيفة: نافع عن أبن عمر أن النبي - ﷺ - قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. قال: هذا رجز» . قال الأستاذ ص ٨٧: «إذا حمل - يعنى الحديث - على خيار المجلس يكون مخالفًا لنص كتاب الله الذى يبيح التصرف لكل من المتعاقدين فيما يخصه بمجرد تحقق ما يدل على التراضي قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ» .
أقول: في (روح المعاني) ج ٢ ص ٧٧ «المعنى: لا يأكل بعضهم أموال بعض، والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم، قاله السدي وهو المروى عن الباقر ري الله عنه. وعن الحسن: هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأعوض. وأخرج عنه وعن عكرمة ابن جرير أنهما قالا: كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية، فنسخ ذلك الآية التي في سورة النور «وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ» الآية، والقول الأول أقوى لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكرن أكلًا بالباطل، وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية: إنها محكمة ما نسخت
[ ٢ / ٨٠٢ ]
ولاتنسخ إلى يوم القيامة» .
أقول: المعنى الأول مبني على أن الباء في قوله «بالباطل» للسبية، وأن الباطل ما لا يعتد به الشرع سببًا للحل. والمعنى الثاني مبني على أن الباء للمقابلة وأن الباطل ما لا تحقق له ونسبة المعنى الأول إلى السّدي لا أراها تصح، وإنما قال السدي كما في (تفسير ابن جرير) ج٥ص١٩ «بالباطل: الربا والقمار والبخس والظلم. إلا أن تكون تجارة: ليربح في الدرهم ألفا إن استطاع» فأول عبارته يصلح للمعنيين، وبيان صلاحيتها للثاني في القمار والبخس والظلم ظاهر، فأما الربا فإن من أقرض مائة ليقتضي مائة وعشرة يأكل العشرة بما لا تحقق له فإن غايته أن يقول: لو لم أقرض المائة لعلي كنت اتجرت فيها فربحت، ولعل المستقرض اتجر فيها فربح. فيقال له هذا لا تحقق له لعلك لو لم تقرضها لسرقت منك، ولعلك لو اتجرت فيها لخسرت مع ما يلحقك والعناء، ولعل المستقرض لم يتجر فيها، ولعله اتجر فخسر أو ذهب منه رأس المال، فإن ربح فيتبعه. ولتمام هذا موضع آخر، وإنما المقصود هنا أن ذكر السدي للربا لا يحتم أنه قائل بالمعنى الأول. وآخر عبارة السدي ظاهر في معنى الثاني وأنه رأى أن الغبن في البيع من الأخذ بالباطل المراد في الاية ولكنه مستثنى استثناء متصلًا على ما هنوالأصل في الاستثناء، ولنفرض مثالًا يبين ذلك: ثوبان قيمة كل منهما بخسب الزمان والمكان عشرة، فقد يجهل البائع ذلك ويظن قيمة كل منهما خمسة فقد فيبيعها بعشرة، وقد يجهل المشترى فيظن قيمة كل منها عشرين فيشتريها بأربعين فمن أخذهما بقيمة أحدهما فقد أخذ أحدهما أو نصفيهما بما لاتحقق له، ومن باعهما بمثلي قيمتها فقد أخذ نصف الثمن بما لا يحقق له، هذا باعتبار قيمة الزمان والمكان، وهو المتعارف بين الناس، فإن من باع أو اشترى بقيمة الزمان والمكان لا يعده الناس غابنًا أو مغبونًا البتة، ولكنك إذا تعمقت قد تقول: إنما القيمة الحقيقة مقدار ما غرمه البائع على السلعة، أو مقدار ما ينقصه فقدها، فيقال لك: هذا بالنظر إلى البائع، فأما بالنظر إلى المشترى فقيمتهما مقدار ماتنفقه، وقد يتعارضان، كمن عنده ماء كثير فباع منه شربة
[ ٢ / ٨٠٣ ]
لمضطر، ويبقى النظر في الثمن ويخفى الأمر ويضطرب وتضيق المعاملة جدًا. لا جرم عدل الشرع إلى اعتبار ما تراضي به المتبايعان، فما تراضيا به فهو القيمة التي يعتد بها الشرع في التجارة، لكن هذا لا يمنع أن يسمى الغبن أكلًا بالباطل بالنظر إلى التحقق، وليس من لازم الباطل بهذا المعنى أن يكون محرمًا في الشرع، وفي الحديث: «كل شيء يلهو به الرجل باطل غلا رمية بقوسة وتأديبة فرسه وملاعبته امراته فإنهن من الحق (١)» ومعلوم أن فيما يلهو به الرجل غير هذه الثلاث ما هو مباح إجماعًا.
فأما ما أكل على وجه مكارم الأخلاق فإنه إذا عمل فيه بالمشروع لم يكن على كلا المعنيين من الأكل بالباطل، وذلك أن الباذل قد يقصد مكافأة المبذول له على إحسان سابق، وقد يرجوعوضًا مستقبلًا، إما مالًا وإما منفعة، وأقل ذلك الثناء، والأكل في مقابل غحسان سابق أكل بأمر متحقق، والمشروع للمبذول له على رجاء مستقبل أن يقبل عازمًا غعلى المكافأة فيكون بمنزله من يفترض عازمًا على لأن يقضى، وإنما كان بعض الصحابة أولًا يتورعون عن الأكل في بيوت أقاربهم وأصدقائهم خشية أن لا يتيسر لهم المكافأة المرضية. فبين الله تعالى لهم في آية النور أنه لا حرج في الأكل، يريد والله أعلم مادام ذلك جاريًا على المعروف، والمعروف أن الناس يكرم بعضهم بعضا ويكافئ بعضهم بعضا بالمعروف، فمن أكل عازمًا على المكافأة بحسب ما هو معروف بين أهل المروءات فلم يأكل بما لا تحقق له، نعم لو فرضنا أن رجلًا غنيًا لئيمًا اعتاد أن يتردد على بيوت أقاربه وأصدقائه ليأكل عندهم غير عازم على المكافأة المعروفة كان هذا والله أعلم داخلًا في الباطل على كلا المعنيين.
وإذا تدبرت علمت أنه على المعنى الثاني ليس هناك نسخ، وإنما هو بيان لدفع ما توهمه أولئك المتحرجون، وقد عرف عن السلف أنهم ربما يطلقون النسخ على
_________________
(١) حديث صحيح، خرجته في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» رقم (٣١٠) . ن
[ ٢ / ٨٠٤ ]
حديث أبغض الحلال إلى الله الطلاق
حديث أبغض الحلال إلى الله الطلاق " وحديث "ثلاثة جدهن جد "
مطلق البيان، فهذا والله أعلم من ذاك. وبهذا كله اندفع مارجح به المعنى الأول وترجح المعنى الثاني فيكون الاستثناء متصلًا كما هو الأصل. والله أعلم.
وقوله تعالى: «عن تراض» نص في اشتراط رضا كلٍ من المتبايعين، والرضا معنى خفي، وسنة الشارع في مثله أن يضبطه بأمر ظاهر منضبط يشتمل على المعنى الذي عليه مدار الحكمة كالرضا ههنا، فيكون مدار الحكم على ذاك الضابط ههنا؟
بنى الأستاذ على أنه الصيغة أي الإيجاب والقبول كما في النكاح. وذلك مدفوع بوجهين:
الأول: أن الصيغة قد علمت بقوله: «تجارة» .
الثاني: أنها ليست بواضحه الدلالة على الرضا إذ تكون عن هزل أو سبق لسان أو استعجال قبل تمكن الرضا من النفس، ويكثر وقوعه ويتكرر، ويكثر التغابن لكثرة الجهل بقيمة المثل بخلاف النكاح فإنه قد لا يقع في العمر إلا مرة، ويحتاط الناس له ما لا يحتاطون للبيع، والشارع يتشوف إلى تثبيت النكاح ما لا يتشوف إلى تثبيت البيع، جاء في الحديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق (١)» وجاء فيه: «من أقال نادمًا بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» ومبنى البيع على المشاحة ومبنى النكاح على مكارمه، وأوضح من هذا كله أن في الحديث: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة (٢) ففرق هذا ثلاثة وبين غيرها كالبيع، على أن تعين الضابط غنما هو للشارع، فإذا لم يظهر من الكتاب وجب الرجوع إلى السنة، فنجدها قد تعيين الضابط التراضي بحصول أحد أمرين بعد الإيجاب والقبول، وأما احتيار اللزوم، وأما أن يستمرا على ظاهر حالهما من التراضي مدة اجتماعهما ويتفرقا على ذلك، ولا يخفى على المتدبر أن هذا بغاية المطابقة
_________________
(١) في إسناده مقال ذكرته في «الارواء» . والحديث الذي بعده صحيح مخرج هناك. ن
(٢) حديث حسن بمجموع طرقه، وقد خرجتها في المصدر السابق. ن
[ ٢ / ٨٠٥ ]
الرد على الكوثري في حمله الحديث على خيار الرجوع
للحكمة، أما اختيار اللزوم فواضح أنه بين في استحكام التراضي، وأما الاستمرار على ظاهر الحال من التراضي والتفرق على ذلك فلأن الغالب أنه إذا كان هناك هزل أو سبق لسان أو استعجال أن يتدار كه صاحبه قبل التفرق ولا سيما إا علم أن التفرق يقطع الخيار. فبان بهذا أن الحديث مفسر للآية التفسير الواضح المطابق للحكمة، لا مخالف لها كما زعم الكوثري، وراجع (تفسير أبن جرير) . ويؤكد هذا المعنى مافي (سنن أبي داود) وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عت أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن تكون الصفقة خيار ولا يحل له ان يفارق٥ صاحبه خشية أن يستقيله» .
والمراد والله أعلم انه لا يحل لأحد هما أن يستغفل صاحبه فبفارقه وهو لا يشعر إذ قد لا يكون استحكم رضاه وكان يريد الفسخ إلا أنه أمهل اعتمادًا على أن ذلك لا يفوت، حتى لورآه يريد المفارقة لبادر بالفسخ. فأما ما جاء عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئًاُ يعجبه فارق صاحبه، فمحمول على مبادرته بالمفارق وصاحبه يراه، أو لا يكون وقف على هذه الزيادة، وقوله: «حتى يستقله»، لا يدل على الزوم العقد، فإن الاستقاله بعد الزوم العقد لا تمنع فيها المفارقة. إذا قد يستقله بعد أن يفارقه ويمضي زمان، وإنما المراد والله أعلم أن صاحبه قد يندم في المجلس فلا يبادر إلى الفسخ ويرى من حسن الأدب والعشرة أن يقول له: «أقلني» ليكون الفسخ برضاهما فإنه أطيب للنفوس.
قال الكوثري: «على أن لحديث إذا حمل على الخيار الرجوع بمعنى ان البائع والمشترى إذا أو جب فله حق الرجوع قبل قبول الآخر في المجلس فيزول خيار الرجوع من الموجب بائعًا كان أو مشتريًا بقبول الآخر قبل انقطاع المجلس، فهذا المعنى يكون غير مخالف لكتاب الله تعالى» .
أقول: قد علمت أن الحديث بالمعنى الواضح من إثبات خيار المجلس لكل من المتبايعينبعد تبايعهما غير مخالف لكتاب الله تعالى، وأما هذا المعنى الذي ذكره الكوثري فالحديث غير محتمل له كما يأتي، ولو احتمله وحمل عليه لبقي ما في
[ ٢ / ٨٠٦ ]
القرآن في معنى المجمل لأن أحدهما «بعت» وقول الآخر فورًا: «اشتريت» لا يتضح به التراضي المشروط في القرآن لاحتمال الهزل وسبق اللسان والاستعجال كما مر.
ثم حاول الأستاذ تقريب احتمال الحديث للمعنى الذي زعمه فقال: «وعلى هذا التقدير يكون لفظ «المتبايعين» حقيقة، إذ هذا اللفظ محمول على حال العقد في تقديرنا، وحمله على مابعد صدور كلمتي المتعاقدين يجعله مجازًا كونيًا. وفائدة الحديث أن خيار الرجوع ثابت لهما مادام أحدهما أو جب ولم يقبل الآخر في المجلس لاكا لخلع على مال والعتق على مال، لأنه ليس المزوج ولا المولى الرجوع فيهما قبل قبول المرأة والعبد» .
أقول: فللمجيء إلى الفرارإلى هذا القول أن تأويل قدماء الحنفية «المتبايعان» بالمتساومين والتفرق بالايجاب والقبول أبطل بوجوه، منها أنه أخرج للَّفظ عن حقيقة بلا حجة، ومنها أن الحديث يبقى بلا فائدة إذ لا يجهل أحد أن التساوم لا يلزم به شيء. وستعلم أن هذا الفار كالمستجير من الرمضاء بالنار.
قوله: «يجعله مجازًا كونيًا تفسيره أن من الأصول المقررة أن المشتق يصدق على المةصوف حقيقة حين وجود المعنى المشتق منه، فإن لم يكن فىخر جزء منه، فأما قبل حصوله فمجاز كوني أي باعتبار ما سيكون، واختلف فيما بعد زواله فقيل حقيقة، وقيل مجاز كوني أي باعتبار ما كان. فأقول الأصل يقضي بأنه لا يصدق حقيقة على الإنسان لفظ «بائع» إلا حين وجود البيع حقيقة، وإنما يكون ذلك عند آخر حرف من الصغة المتأخر، والحديث يثبت أن لكل منهما حينئذ الخيار ويستمر إلى أن يتفرقا، وهذا قولنا. وأو ضح من ذلك أن الذي الحديث «المتبايعان» والتفاعل إنما يوجد عند وجود فعل الثاني، ألا تراك إذا ضربت رجلًا أنه لا يصدق أنه لا يصدق عليكما «متضاربان» ولا عليك أنك احد الضاربين، وإنما يصدق ذلك إذا عقب ذلك ضربه لك فحينما تصيبك ضربته يوجد التضارب حقيقة فيصدق عليكما أنمكما متضاربان وأنك أحد المتضاربين. فإن قلت: كيف وقد زال
[ ٢ / ٨٠٧ ]
قول الكوثري أن التفرق بالأقوال شائع في الكتاب والسنة
فعلي؟ قلت: الزائل هو ضربك والفعل المشتق منه هنا هو التضارب وهو الفعل واحد ضربك جزء منه والجزء لا يشترط بقاؤه ولا يضر زواله، ألا ترى أنه لا يصدق حقيقة على من يتكلم أنه «متكلم» عند آخر حرف من كلامه مع أن كثير الحروف قد زالت؟ فإنما يصدق حقيقة على المتبايعين أنهما «متبايعان» عند آخر حرف من صيغة المتأخر منهما وحينئذ يثبت لهما بحكم الحديث الخيار مستمرًا أن يتفرقا، وهذا قولنا.
ووجه ثالث وهو أن الحديث كما في (الموطأ) و(الصحيحين) يثبت أن «لكل واحد منهما الخيار حتى يتفرقا» فهو ثابت للمتأخر قطعًا يثبت له آخر حرف من صيغته مستمرًا إلى أن يتفرقا، ولا قائل بأنه يثبت للمتأخر دون المتقدم فثبت له عند آخر حرف من صيغة الثاني مستمرًا إلى أن يتفرقًا، وهو قولنا. ولوقال المحتسب للعون وهو يرى رجلًا يضرب آخر: أمسك الضارب حتى تحضره عند الحاكم لكانت كلمة «الضارب» حقيقة لحكم بالإمساك مستمرًا إلى غايته، وإن كانت الضرب ينقطع قلبها، وهكذا في السارق والزاني وغير ذلك، فقد اتضح أن قولنا مبني على حقيقة، وضل سعي الأستاذ في زعمك أنه يكون مجازًا، فأما القولالذى اختاره فلا يحتمله الحديث حقيقة ولا مجازًا. فأما قولهخ: «وفائدة الحديث .» فمبنى على القول الذي قد فرغنا منه، ومع ذلك فالحديث أثبت الخيار لكل واحدٍ من المتبايعين، وصيغة الموجب للبيع لا يتضمنمالا يحتاج إلى قبول بخلاف موجب الخلع أو العتق على مال فإن اجابه يتضمن الطلاق أو العتق، فإيجابه في معنى تعليق الطلاق أو العتق ولا رجوع في ذلك، فثبت أنه لا يتوهم في البادي بالصيغة من المتساومين أنه لا رجوع له، فحمل الحديث على هذا المعنى الذي اختاره الأستاذ مثل حمله على المتساومين في أنه لا يكون له فائدة.
هذا ولم يظفر الأستاذ بعد الجهد بشهبه ما تجرئه على زعم كلمة «يتفرقا» في الحديث إن حملت إلى قولنا كانت مجازًا، وإن حملت على قولهم كانت حقيقة،، فعدل إلى قوله: «والتفرق بالأقوال شائع في الكتاب والسنة نحوقوله تعالى:
[ ٢ / ٨٠٨ ]
حديث: "افترقت اليهود" وأنه حديث صحيح
«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» وقوله تعالى وقوله تعالى «وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» وقوله تعالى: «وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ (١) اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ» وفي الحديث (افترقت اليهود - الحديث) (٢) بل التفرق بالأبدان خروج من شأنه لإفساد العقود في الشرع لا إتمامها كعقد الصرف قبل القبض، وعقد السلم قبل القبض لرأس المال، والدين بالدين قبل تعيين أحدهما وفي حمل الحديث على التفرق بالأبد ان خروج عن الأصول، ومخالفة لكتاب الله تعالى وأما حملة على التفرق بالأقوال فليس فيه خروج عن الأصول ولا مخالفة لكتاب الله تعالى مع كونه أشهر في الكتاب والسنة» .
_________________
(١) وقع في (التأنيب) ص ٧٩ «إن يتفرقا يغنى» واقتصر في إصلاح الأغلاط ص ١٩٠ على إصلاح «يغن» !
(٢) قلت: وتمامة «على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى علىاثنين وسبعين فرقة، وتفترق امتى على ثلاث وسبعين فرقة» هذا هو تمامن الحديث اختصره الكوثري عمدًا ظنا منه في آخر: «كلها في النار» وهو يذهب ضعيفة بدعوى أنها منة ورواية محمد بن عمروولا يحتج به عنده! والحقيقة أن الحديث المذكور وهو من حديث أبي هريرة -هو ابن عمر المذكور، وهو مع كونه حسن الحديث عند المحقيقين، فليس في حديثه هذا الزيادة المذكورة خلافًا لدعوى الكوثري، ولكن الزيادة صحيحة ثابتة عن النبي - ﷺ - من طرق خرجتها في «الأحاديث الصحيحة» رقم (٢٠٣)، ومن عجيب هوى الكوثري أنه في الوقت الذي يذهب إلى تضعيف هذه الزيادة يميل إلى تقوية الحديث بزيادة «كلها في الجنة إلا واحدة» وهي باطلة كما حققته في «الأحاديث الضعيفة» (١٠٣٥)، وكلام الكوثري فيما ذكرنا تراه في مقدمته على «التبصير في لدين» لأبي المظفر الأسفرايني ص ٥-٩، وردنا عليه في المصدرين السابقين. ن
[ ٢ / ٨٠٩ ]
أقول: التفرق فك الاجتماع، وهو حقيقة في التفرق بالأبدان بلا شبهة، وكثيرًا ما يأتي الإجتماع والتفرق مجازًا في الأمور المعنوية بحسب ما تدل عليه القرائن، ومن ذلك الشواهد التي ساقها الأستاذ، ومجيء الكلمة في موضع أو أكثر مجازًا بقرينته لا يسوغ حملها على المجاز حيث لا قرينة، وهذه كلمة «أسد» كثر جدا استعمالها في الرجل الشجاع مع القرينة حتى لقد يكون ذلك أكثر من استعمالها في معناها الحقيقي، ومع ذلك لا يقول عاقل أنه يسوغ حملها على المجاز حيث لا قرينة، وهذا أصل قطعي ينبغي استحضاره فقد كثر تغافل المتأو لين عنه تلبيسًا على الناس. نعم إذا ثبت ان الشارع نقض الكلمة الى معنى الآخر صارت حقيقة شرعيه في معنى الذي نقلة اليه وهذا هنا، إذ لا يدعي أحد أن الشارع نقض كلمة «التفرق» الى معنى غير معناها اللغوي. وأما كثرة مجيئها في القران في الأمور المعنوية فانما ذلك لأن تلك الامور مهمة في نظر الشارع فكثر ذكرها دون افتراق الابدان، ولها في ذلك اسوة بكلمات كثيرة كرقبه والكظم والزيغ والخيف واللين والغلظ وغير ذلك. ولا اختصاص للشواهد التى ذكرها الأستاذ بالقول بل كلها في تفرق معنوى قد يقع بالقول وقد يقع بغيره، فالتفرق عن الإعتصام بحبل الله يحصل بأن يكفر بعض، ويبتدع ويجاهر بالعصيان بعض، وكل من كفر والابتداع والعصيان قد يقع بالإعتقاد وبالفعل، وبالقول وتفرق اهل الكتاب بعد مجيء الرسول هو بإيمان بعضهم، وإشتداد كفر بعضهم ولا اختصاص لذلك بالقول، وتفرق الزوجين قد يكون بالفعل كارضاعها ضرة لها صغيرة، وبالقول من الجانبين، وبنية الزواج القاطعة على قول مالك، وافتراق اليهود باختلاف اعتقاداتهم وما يبني عليها من الأفعال والأقوال.
ومع هذا فالتفرق في هذه الأمثلة إنما هو عن اجتماع سابق، وتعاقد متساومين اجدر بأن يسمى اجتماعًا بعد تفرق كما لا يخفى. لكننى أرفد الأستاذ فأقول: إن المتساومين يجتمعان بأبدانهما وتحملهما الرغبة في لبيع على أن يبقيا مجتمعين ساعة، ثم إذا تعاقد زال سبب الأجتماع فيتفرقان بأبدانهما، فالتعاقد كأنه سبب للتفرق فقد
[ ٢ / ٨١٠ ]
الرد على قول الكوثري: حمل الحديث على التفرق بالأبدان خروج عن الأصول ومخالفة للكتاب
يسوغ إطلاق التفرق على التعاقد لذلك، لكن قد يقال: ليس التعاقد سببًا مباشرًا، ومثله في ذلك عدم الاتفاق على الثمن فإنهما إذا يئسا من الاتفاق زال سبب الاجتماع، ثم إن ساغ ذاك الاطلاق فمجاز ضعيف لا دليل عليه ولا ملجيء إليه، بل الحديث نص صريح في قولنا، فقفي (الصحيحين) من حديث الإمام الليث بن سعيد عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعًا وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع» .
قوله «بل التفرق بالأبدان من شأنه افساد العقود » .
أقول: فساد العقد في هذه المسائل ليس للتفرق من حيث هو تفرق بل من جهة أخرى حصلت بالتفرق وهي صيرورته ربًا في الأولى، وبيع في بدين في الأخريين، وتفرق المتعاقدين في شراء دارٍ أو فرس معينة بذهب أو فضة مثلًا لا يحصل به شيء من ذلك ولا ما يشبهه، بل يحصل به ما يثبت العقد ويؤكده وهو تبين صحة التراضي المشروط في كتاب الله ﷿ واستحكامه كما تقدم إيضاحه. وكثيرًا ما يناط بالأمر الواحد حكمان مختلفتان من جهتين مختلفيتين كإسلام أحد الزوجين ينافي النكاح، إذا كان الآخر كافرًا، ويثبة إذا أسلم الآخر أيضًا، أو كان قد أسلم قبل ذلك على خلاف، وكإسلام المرأة الأيم يُحل نكاحها للمسلم ويحرمه للكافر، ويمنع إرثها من أرقابها الكفار، ويثبته لها من أرقابها المسلمين. وأمثال ذلك لا تحصى.
على أن الأثر الحاصل بالتفرق في مسألتنا ليس هو تصحيح العقد حتى تظهر مخالفته لتلك الصور فإن العقد قد صح بالإيجاب والقبول وإنما أثر التفرق قطع الخيار، وإن شيءت فقل إفساد الخيار.
قوله «خروج عن الأصول ومخالفة لكتاب الله تعالى» .
أقول: أما الخروج عن الأصول فالمراد به مخالفة القياس يسمونه خروجًا عن
[ ٢ / ٨١١ ]
الأصول تمويهًا وتهويلًا وتسترًا وقد تقدم الجواب الواضح عماد ذكره الأستاذ من القياس. وبينما الأستاذ يتبجح في آخر ص ١٦١ بقوله: «أجمع فقهاء العراق على ان الحديث الضعيف «يرجح على القياس» ويقول ص ١٨١ في الحسن بن زياد «كأن يأبي الخوض في القياس في مورد النص كما فعل مع بعض المشاغبين في المسألة القهقهة في الصلاة» يعنى ببعض المشاغبين الإمام الشافعي ورفيقًا له أورد على الحسن بن زياد أنه يرى أن قذف المحصنات في الصلاة لا يبطل الوضوء فكيف يرى أن القهقهة تبطله؟ فقام الحسن وذهب، (١) إذا بالأستاذ يرد أحاديث خيار المجلس زاعمًا أنها مخالفة للقياس، هذا مع ضعف حديثه القهقهة ورضوح القياس المخالف له وثبوت أحاديث الخيار ووهن القياس المخالف لها.
وأما المخالفة للكتاب فقد تقدم تفنيد زعمها، وبينما ترى الأستاذ يحاول التشبت بدعوى مخالفة الكتاب هنا، إذا به يعرض في مسألة القصاص في القتال بالمثل ومسألة مقدار ما يقطع سارقه عن الدلالات القرآنية الواضحة مع ما يوافقها من الأحاديث الصحيحة وموافقة القياس الجلي في مسألة القصاص. إلى غير ذلك من التناقض الذي يؤلف بينه أمر واحد هو الذب عن المذهب، والغلو في ذلك إلى الحد الذي يصعب معه تبرئة صاحبه من أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه، واتخذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله؛ والله المستعان.
قال الأستاذ «ولا نص فيما يروى عن ابن عمر من القيام من مجلس العقد على أن خيار المجلس من مذهبه، بل قد يكون هذا منه لأجل أن يقطع على من بايعه حق الرجوع لاحتمال أنه ممن يرى خيار المجلس، وقد خوصم ابن عمر إلى عثمان في البراءة من العيوب فحمله عثمان على خلاف رأيه فيها فأصبح يرعى الآراء في عقوده» .
أقول: قد روى ابن عمر عن النبي - ﷺ - الحديث صريحًا في
_________________
(١) تقدمت القصة بتمامها في التعليق على الصفحة (٤٤٤) . ن
[ ٢ / ٨١٢ ]
إثبات خيار المجلس كما تقدم، وفي (صحيح البخاري) من طريق يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا الحديث، ثم قال نافع: «وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه» وفي (صحيح البخاري) من طريق الزهرى عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه «بعت من أمير المؤمنين عثمان فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادّني البيع، وكانت السنة المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا فلما وجب بيعي رأيت أني قد غبنته» .
فصراحة الحديث نفسه ثم جعله سببًا لمفارقة ابن عمر من يشتري منه ما يعجبه وقوله: «وكانت السنة » وقوله: «فلما وجب بيعي وبيعه » بغاية الوضوح في بطلان قول الأستاذ «قد يكون هذا منه » .
قال الأستاذ: «ولأصحابنا حجج ناهضة» .
أقول: بل شبه داحضة. قال: «وعالم دار الهجرة مع أبي حنفية وأصحابه في هذه المسألة، ومن ظن وهنًا بما انفق عليه إمام أهل العراق وإمام أهل الحجاز فقد ظن سواء» .
أقول: أما من اعتقد وهن قولهما المخالف لما ثبت عن النبي - ﷺ - من رواية جماعة من الصحابة وعمل به وقضى به جماعة منهم بعد النبي - ﷺ - ولا يعلم لهم مخالفة من الصحابة فإنما اعتقد ما يحب على كل مسلم أن يعتقده، فمن زعم أن هذا المعتقد قد ظن سواء فقد شارف الخطر الأكبر أو وقع فيه.
ثم ذكر الأستاذ كلمة ابن أبي ذئب وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، وقد ذكرتها في ترجمتة في قسم التراجم.
وفي (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٩ عن ابن عينية قال: «ما رأيت أجرًا على الله من أبي حنيفة كان يضرب الأمثال لحديث النبي - ﷺ - فيرده. بلغه أني أروي
[ ٢ / ٨١٣ ]
«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» فجعل يقول: أريت إن كانا في سفينة، أرأيت إن كانا في السجن، أرأيت إن كانا في سفر كيف يتفرقان؟ قال الأستاذ ص ٨٢: «هكذا كان غوص أبي حنيفة على المعنى حتى اهتدى إلى أن المراد بالافتراق الافتراق بالأقوال لا الأبدان» .
أقول: مغزى تلك العبارة أننا إذا قلبنا الحديث ورد علينا أنه قد يتفق أن لا يتمكن المتأبيعان من التفرق. والجواب أن الحديث قد فتح لهما بابًا آخر يتمكنان به من إبرام العقد وهو أن يختارا اللزوم فيلزم من غير تفرق، وإن أرادا أو أحدهها الفسخ فظاهر. وكان أبا حنيفة لم تبلغه رواية مصرحة بذلك. فإن قيل قد يبادر أحدهما فيختار اللزوم ويأبي الآخر أن يختار اللزوم أو يفسخ فيتضرر والمبادر لأنه لا يمكنه إبرام العقد ولا فسخه.
قلت: هو المضيق على نفسه بمبادرته فلينتظر التمكن من المفارقة بأن تصل السفينة إلى مرفأ، أو يطلقا أو أحدهما من السجن، أو ينقل أحدهما إلى سجن آخر، أو يبلغ المسافران حيث لا يخاف من الانفراد والتباعد عن الرفقة. فإن قيل لكن المدة قد تطول مع جهالتها. قلت اتفاق أن يجتمع أن يبادر أحدهما ويمتنع التفرق وتطول المدة وتفحش الجهالة، نادر جدًا، ويقع مثل ذلك كثيرًا في خيار الرؤية، وكذلك في الصرف والسلم وغيرها مما لا يستقر فيه العقد إلا بالقبض قبل التفرق، فمثل ذلك الاستبعاد إن ساغ أن يعتد به ففى التوفيق عن الأخذ بدليل في ثبوته أو في دلالته نظر، وليس الأمر ههنا كذلك، فإن الحديث بغاية الصحة والشهرة ووضوح الدلالة، فهو في (الصحيحين) وغيرهما من طرق عن ابن عمر، وصح عنه من قوله وفعله ما يوافقه، وهو في (الصحيحين) غيرهما من حديث حكيم بن حزام، وصح عن أبي برزة أنه رواه وقضى به، جاء من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة وسمرة ةغيرهم، وجاء عن أمير المؤمنين على القضاء به، ولا مخالف من الصحابة، وإنما جاء الخلاف فيه من التابعين عن ربيعة بالمدينة وإبراهيم النخعي بالكوفة، واشتد نكير ابن أبي ذئب إذ قيل له: إن مالكًا لا يأخذ بهذا الحديث، فقال: «يستتاب فإن تاب وإلا يقتل»
[ ٢ / ٨١٤ ]
ومالك إنما اعتذر في (الموطأ) بقوله بعد أن روى الحديث «ليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه»؛ وتعقبه الشافعي وغيره بأن الحد معروف نقلا ونظرًا، فإنه معلوم أن التفرق حقيقة في التفرق بالأبدان، وحده معروف في العرب، وقد اتفقوا على نظيرة في الصرف والسلم، والعمل ثابت عن الصحابة وكثير من أئمة التابعين بالمدينة وغيرهما. وراجع كتاب (الأم) للشافعي أوائل المجلد الثالث (١) .
_________________
(١) الجزء الثالث الصفحة الرابعة، تحقيق الأخ الفاضل محمد زهري، طبع شركة الطباعة الفنية - زهير
[ ٢ / ٨١٥ ]
المسألة الثامنة: رجل خلا خلوة مريبة بامراة أجنبية يحل له أن يتزوجها فعثر عليها فقال: نحن زوجان
تقدم في المسألة السادسة قول خالد بن يزيد بن أبي مالك: «أحل أبو حنيفة الزنا » .
قال: «وأما تحليل الزنا فقال: لوأن رجلًا وامراة اجتمعا في بيت وهما معروفا الأبوين فقالت المرأة: هو زوجي. وقال هو: هي امرأتي لم عرض لهما» قال الأستاذ ص١٤٥: «قال الملك المعظم في (السهم المصيب): إذا جاء واحد من امراة ورجل فقالا له: نحن زوجان، فبأي طريقة يفرق بينهما أو يتعرض عليها لأن كل واحد منهما يدعى أمرًا حلالًا، ولوفتح هذا الباب لكان الإنسان كل يوم بل ساعة يشهد على نفسهو على زوجه أنهما زوجان وهذا لم يقل به أحد منالائمة، وفيه من الحرج مالايخفى على أحد» .
أقول: على كتب الحنفية: «إن إقرار الرجل أنه زوجها وهي أنها زوجته يكون إنكاحًا ويتضمن إقرارهما «الانشاء» فهذه هي مسألة ابن أبي مالك استشهاد الاسناذ نفسه وكذالك ملكه المعظم عنده ولذلك لجأ إلى المغالطة. وحاصلها أننا إذا عرفنا رجلًا وامرأة نعلم أنهما ليسا بزوجين ثم وجدناهما في خلوة مريبة فقال: هي زوجتى، وقالنت: هو زوجى، فأبو حنيفة يقول يقول: يكون اعترافهما عقدًا ينقد به النكاح فيصيران زوجين من حينئذ ولا يعرض لهما! ففى هذا ثلاثة أمور.
الأولى: أنه بلا ولي.
الثاني: أنه كيف يكون إنشاء وإن لم يقصداه.
[ ٢ / ٨١٦ ]
الثالث: أنه كيف لا يعرض لهما بإنكار وتعزير على الأقل لأنهما قد ارتكبا الحرام قطعًا وهو خلوة لأنهما إن كانا تلفظا بزواج قبل العثور عليهما فذاك باطل إذ لا ولي ولا شهود وإن لم يتلفظا إلا بدعواهما الزوجية، أو اعترافهما بها عند العثور عليهما فالأمر أوضح، وأيضًا فالتعزيز متجه من وجه آخر وذلك لئلا يكون هذا تسهيلًا للفجور، يخلو الفاجر بالفاجرة آمنين مطمئنين قائلين: إن لم يطلع علينا فذاك المقصود، وإن اطلع علينا قلنا: نحن زوجان! .
[ ٢ / ٨١٧ ]
حكاية قول الكوثري في تقريره لوجهة نظر مذهبه في المسألة
المسألة التاسعة: الطلاق قبل النكاح (١)
في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١١: عن أحمد بن حنبل أنه قيل له: قول أبي حنيفة: الطلاق قبل النكاح؟ فقال: «مسكين أبو حنيفة، كأنه لم يكن من العراق، وكأنه لم يكن من العلم بشيء، قد جاء فيه عن النبي - ﷺ - وعن الصحابة، وعن نيف وعشرين من التابعين مثل سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، عطاء، وطاوس، وعكرمة كيف يجترى أن يقول: تطلق؟» .
قال الأستاذ ص ١٤٢: « على أن مذهب أبي حنيفة أنه لا طلاق إلا في ملك أو مضافًا إلى ملك أو علقة من علائق الملك، وقد أجمعت الأمة أنه لا يقع طلاق قبل النكاح لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنّ» الآية، فمن علق الطلاق بالنكاح وقال: إن نكحت فلانة فهي طالق. لا يعد هذا المعلق مطلقًا قبل النكاح ولا طلاق واقعًا قبل النكاح، وإنما يعد مطلقًا بعده حيث يقع الطلاق بعد عقد النكاح فيكون هذا خارجًا من متناول الآية ومن متناول حديث: لا طلاق قبل النكاح، لأن الطلاق في تلك المسألة بعد النكاح لا قبله، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابة الثلاثة وعثمان البتي. وهو قول الثوري ومالك والنخعي ومجاهد والشعبي وعمر بن عبد العزيز فيما إذا خص. والأحاديث في هذا الباب لا تخلو عن اضطراب، والخلاف طويل الذيل بين السلف
_________________
(١) الأصل: نكاح وهو خطأ مطبعي (صفحة ٩٨٨)
[ ٢ / ٨١٨ ]
فيما إذا عم أو خص. وقول عمر بن الخطاب صريح فيما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابة، وتابع الشافعي ابن المسيب سواء عم أو خص، وإليه ذهب أحمد.
أقول: قال البخاري في (الصحيح): «باب لا طلاق قبل النكاح وقول تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا» . وقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ويروى في ذلك عن علي وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبان بن عثمان وعلي بن حسين وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وسالم وطاوس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعيد وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبي أنها لا تطلق» .
والآثار عن جماعة من هؤلاء صحيحه كما في (الفتح) ولم يصح عن عمر بن الخطاب شيء في الباب، وجمهور السلف على عدم الوقوع مطلقًا، وروي عن ابن مسعود إنه إذا خص وقع وإذا عم كأن قال: «كل أمرأة » لم يقع، وعن ابن عباس انه انكر هذا فقال: «ما قالها زلم يصح عن عمر بن الخطاب شيء في الباب، وجمهور السلف على عدم الوقوع مطلقًا، وروى عن ابن مسعود أنه إذا خص وقع، وإذا عم كأن قال: «كل امرأة » لم يقع، وعن ابن عباس أنه أنكر هذا فقال: «ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلة من عالم قال الله تعالى » فتلا الآية وممن نقل عنه هذا القول الشعبي وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وهو مشهور عن مالك، وقيل عنه كالجمهور أنه لا يقع مطلقًا وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يقع مطلقًا. ولا يعلم له سلف في ذلك.
فأما الآية فاحتج بها حبر الأمة وترجمان القران عبد الله بن عباس ثم زين العابدين على بن الحسين ثم البخاري على عدم الوقوع مطلقًا، وزعم بعضهم كالأستاذ أنها لا تدل على أنه لا يقع الطلاق على المرأة قبل نكاحها فأما من قال: «إن تزوجت فلانة فهي طالق» فلا تدل الآية على عدم وقوعه لأنه إذا وقع فإنما يقع
[ ٢ / ٨١٩ ]
بعد النكاح، وأقول: يقال: «طلقت (بفتح اللام مخففة) فلانة أي انحلت عقدة نكاحها بقول من الزوج، ويقال: «طلق فلان امرأته» أي جعلها تطلق كما يقال سرّحها أي جعلها تسرح، وسيّرها جعلها تسير، وغير ذلك. فطلاق الرجل يتضمن أمرين: الأول: قوله الخاص. والثاني: وقوع الأثر على المرأة فتنحل به عقدة نكاحها. وإذا قيل: «طلق فلان امرأته اليوم» فالمتبادر أن قوله وانحلال العقدة وقعا ذاك اليوم فهذا هو الحقيقة فمن قال لإمراته يوم السبت: إذا جاء يوم الجمعة فأنت طالق لم يصدق على وجه الحقيقة أن يقال قبل يوم الجمعة: إنه طلق. ولا أن يقال: طلق يوم السبت، ولا طلق قبل يوم الجمعة ولكنه يقال بعد مجيء يوم الجمعة: إنه طلق. فإذا أُريد التفضيل قيل: علق طلاقها يوم السبت وطلقت يوم الجمعة. ونظير ذلك، إذا جرح رجل آخر يوم السبت جراحة مات منها يوم الجمعة فلا يقال حقيقة قبل الموت أنه قتل، ولكن يقال بعد الموت أنه قتله، ولا يقال قتله يوم السبت ولا يوم الجمعة بل يقال جرحه يوم السبت فمات يوم الجمعة. فقوله تعالى في الآية: «ثم طلقتموهن» يقتضي تأخير الأمرين معًا: قول الرجل وانحلال العقدة. ويؤيده أمرين:
الأول: قوله: «ثم طلقتموهن» وكلمة «ثم» تقتضي المهلة، وإذا كان الطلاق معلقًا بالنكاح، وقلنا إنه يقع وقع بلا مهلة.
الثاني: قوله: «وسرحوهن سراحًا جميلًا» والتسريح هنا إرجاعها إلى أهلها وإنما يكون ذلك إذا كانت قد زفت إليه، ومن كان معلومًا أنه بنكاحه يقع طلاقه فمتى تزف إليه المرأة حتى يقال له: سرحها سراحًا جميلًا؟
وأما الحديث فاحتج به جماعة من المتقدمين على عدم الوقوع، وتأوله بعضهم بما ذكر الأستاذ، وأقول: إن كان لفظ «طلاق» فيه اسمًا من التطليق كالكلام من التكلم سقط التأويل كما يعلم مما مر، وإن كان مصدر قولنا «طَلَقَتِ المرأةُ» كان للتأويل مساغ، والأول هو الأكثر والأشهر في الاستعمال، وقد دفع التأويل بأنه لا
[ ٢ / ٨٢٠ ]
رد زعم الكوثري أن أحاديث الباب لا تخلوا عن اضطراب
يجهل أحد أن المرأة لا تطلق ممن ليس لها بزوج فحمل الحديث على هذا النفي يجعله خلوا عن الفائدة.
وأما النظر فلا ريب أن الله ﵎ وإنما شرع النكاح والطلاق لمقاصد عظيمة، وأن مثل ذلك الطلاق لا يحتمل أن يحصل به مقصد شرعي، وهو مضاد لشرع النكاح.
وبعد فإذا لم يثبت عن السلف قبل أبي حنيفة إلا قولان، وأحدهما تدفعه الأدلة المذكورة وهو ضعيف في القياس، تعين القول الآخر وهو مذهب علي وابن عباس ثم مذهب الشافعي وأحمد. والله الموفق (١) .
_________________
(١) قلت: بقى على المؤلف ﵀ شيء مما زعمه الكوثري لم يتعقبه، وهو حقيق بذلك وهو قوله: «إن الأحاديث في الباب لا تخلو عن اضطراب» . فهذا القول على إطلاقه باطل، ما أظن يخفى بطلانه حتى على الكوثري نفسه! فإن في الباب أحاديث كثيرة منها خالية عن أي اضطرب أو علة قادحة، وأحدها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن طريق عنه عند أبي داود والترمذي وحسنه. والثاني: عن جابرعند الطيالسي والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. والثالث: عن المسور بن مخزمة، أخرجه ابن ماجه بسند حسن كما قال الحافظ ابن حجر، والحافظ البوصيرى. وهذه الأحاديث وغيرها مخرجة في «إرواء الغليل» رقم (٢٠٦٨) .ن
[ ٢ / ٨٢١ ]
تسليم الكوثري أن أبا حنيفة قال: إنها من عمل الجاهلية
المسألة العاشرة: العقيقة مشروعة
في (تاريخ بغداد) ١٣/٤١١ عن أحمد بن حنبل «في العقيقة عن النبي - ﷺ - أحاديث مسندة وعن أصحابه وعن التابعين، وقال أبو حنيفة: هو من عمل الجاهلية» . قال الأستاذ ص ١٤٢: «نعم كان أهل الجاهلية يرون وجوب العقيقة وأبيحت في الإسلام من غير وجوب في رأي أبي حنيفة وأصحابه قال الإمام محمد ابن الحسن الشيباني في (الآثار): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كانت العقيقة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام رفضت. قال محمد: وأخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا رجل عن محمد ابن الحنفية أن العقيقة: كانت في الجاهلية فلماء جاء الإسلام رفضت» . ثم قال الأستاذ: «يرى أبو حنيفة أن ما كان من عمل أهل الجاهلية معتبرين وجوبه عليهم إذا عمل به في الإسلام لا يدل هذا العمل إلا الإباحة لا على إبقاء الوجوب المعتبر في الجاهلية » .
أقول: قول القائل: «من عمل الجاهلية» ظاهر في أنها محظورة، وكلمة «عمل» تدل أن كلامه في العقيقة نفسها لا في اعتقاد وجوبها فقط، وقول القائل «فلما جاء الإسلام رفضت» ظاهر في أنها غير مشروعة البتة فيكون اعتقاد مشروعيتها ضلالًا كبيرًا وتدينًا بما لم ينزل الله به سلطانًا، فأما محمد بن الحنفية فلا يصح الأثر عنه، إذ لا يدرى من شيخ أبي حنيفة أثقة أم لا؟ وأما ابراهيم فناف، والمثبت مقدم عليه.
وقد ورد في مشروعيتها أحاديث قولية منها حديثان في (صحيح البخاري) ذكرهما البيهقي في (السنن) ج٩ ص ٢٩٨ فاعترضه ابن التركماني قائلًا:
[ ٢ / ٨٢٢ ]
رد دعوى الكوثري أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون وجوب العقيقة (تعليق)
«ظاهرهما دليل على وجوبها فهما غير مطابقين لمدعاه» . والقول بالوجوب منقول عن الظاهرية، واحتج من يقول بالندب بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك، عن الغلام شاتان..» وهذا الحديث أيضًا يدل على مشروعيتها فإن النسك عبادة إذا لم تكن واجبة كانت مندوبة ولابد، وسواء أكان أهل الجاهلية يعتقدون وجوبها أم لا، فإنها لم ترفض في الإسلام بل هي مشروعة فيه. (١)
_________________
(١) قلت: ليس في السنة ما يشهد لقوله الكوثري أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون وجوبها، فهذه كتب السنة ليس فيها شيء من ذاك، وإنما هي مجرد دعوى منه، ليبنى عليها ذلك التأويل الذي بين المؤلف ﵀ بطلانه بالدليل القاطع. ومما يؤكد بطلان ذلك التأويل ويدل أن أبا حنيفة نفسه كان لا يقول به قول الإمام محمد في «الموطأ هـ» (ص ٢٨٦): «أما العقيقة فبلغنا أنها كانت في الجاهلية وقد فعلت في أول الإسلام، ثم نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله » قلت: هذتا نص منه بنسخ مشروعية العقيقة، فهل يجوز العمل بالمنسوخ؟! ولو كان عند الكوثري شيء من الإنصاف لاعتذر عن أبي حنيفة بأي عذر مقبول، ولانتصر للسنة على الأقل مثلها ينتصر لإمامه، ولغار عليها أن تعطل عن العمل بها يجعلها أمرًا مباحًا فحسب كأي ذبيحة يذبحها الإنسان ليأكل من لحمها في غير مناسبة مشروعة، لو كان الكوثري منصفًا لقال العلامة أبو الحسنات اللكنوى -وهو حنفي مثله، ولكن شتان ما بينهما! - قال في تعليقه على كلمة الامام محمد المتقدمة: «وإن أريد أنها كانت في الجاهلية مستحبة أو مشروعة، فلما جاء الإسلام رفض استحبابها وشرعيتها فهو غير مسلم، فهذه كتب الحديث المعتبرة مملوءة من أحاديث شرعية العقيقة واستحبابها » . قلت: ثم إن حديث عمر بن شعيب «فأجب أن ينسك » لا يصلح دليلًا على صرف الأمر إلى الندب فإنه كقوله - ﷺ -: «من أراد الحج فليتعجل»، فهل يدل على ان الأمر بالحج ليس للوجوب؟ ولذلك فالقواعد الأصولية توجب إبقاء الأمر على ظاهره، وذلك يقتضي وجوب العقيقة وبه قال الحسن البصري والامام الليث بن سعد كما في «الفتح» (٩/٥٨٢) قال: «وقد جاء الوجوب أيضًا عن أبي الزناد، وهي رواية عن أحمد» .
[ ٢ / ٨٢٣ ]
ذكر كلام الكوثري في توجيه مذهب أبي حنيفة في المسألة
المسألة الحادي عشرة: للراجل سهم من الغنيمة وللفارس ثلاثة، سهم له وسهمان لفرسه
في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩٠ عن يوسف بن أسباط « قال رسول الله - ﷺ - للفرس سهمان وللرجل سهم. قال أبو حنيفة: أنا لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن» قال الأستاذ ص٨٦: فقوله (للفر سهمان وللرجل سهم) هكذا في بعض الروايات وفي بعضها (للفارس سهم وللرجل سهمان) وهو الذى اختاره أبو حنيفة وهو الذى وقع في الفظ مجمع بن جارية المخرج في (سنن أبي داود) فأبو حنيفة لما رأى اختلاف ألفاظ الرواة نظر فوجد أن الشرع لا يرى تمليك البهائم فحكم على أن رواية (للفرس سهمان) المفيدة بظاهرها تمليك بهيمة ضعف مايملك الرجل من غلط الرواى حيث كانت الألف تحذف من الوسط في خط الأقدمين في غير الاعلام أيضًا فقرأهذاالغالط (فرسًا) و(رجلًا) ماتحب قرأءته (فارسًا) و(راجلًا) فتتابعت رواة على الغلط قاصدين باللفظين المذكورين الخيل والإنسان مع إمكان إرادتهم الفارس من الفرس كما يراد بالخيلالخالية عند قيام القرينة جمعًا بين الروايتين، ومضى آخرون علىرواية الحديث على الصحة. فرد أبو حنيفة على الغالطين بقوله: لأني لا أفضل بهيمة على مؤمن. ليفهمهم أنه لا تمليك في الشرع للبهائم، والمجاز خلاف الأصل، وإنما تكلم عن التفضيل مع أنه ايضًا لا يقول بمساوة البهيمة لمؤمن لأن كلام في الحديث المغلوط فيه وقول أبي يوسف في الخراج بعد وفاة أبي حنيفة ومتابعة الشافعي له في (الأم) مع زيادة تشنيع بعيدان عن مغزى فقيه الملة وأما ما ورد في مضاعفة سهم الفارس في بعض الحروب فقد حمله أبو حنيفة على التنفيل جمعا بين الأدلة، لأن الحاجة إلى
[ ٢ / ٨٢٤ ]
الأحاديث التي يتشبث بها الحنفية في المسألة وبيان عللها
الفرسان تختلف باختلاف الحروب. أبهذا يكون أبو حنيفة رد على رسول الله - ﷺ -؟. حاشاه» .
أقول: لايخفى ما في هذا التوجيه من التعسف. وقد كثرت الحكايات عن أبي حنيفة في مجابهة من يعترض عليه بالكلماتالموحشة، فقد يقال: أنه كان يتبرم بالمعرضين، ولا يراهم أهلًا للمناظرة، فكانيدفعهم بتلك الكلمات لئلا يعودوإلى التعرض، غير مبال بما يترتب على ذلك من اعتقادهم. فهل جرى على هذه الطريقة مع أصحابة حتى أن أخصهم به وآثرهم عنده وأعلمهم بمقاصده -وهو أبو يوسف -لم يتفطن له الأستاذ؟
فأما حذف الألف في كتاب المتقدمين فيقع في ثلاثة مواضع الأول: حيث يؤمن اللبس إما لعدم ما يلتبس به مثل: القاسم بن فلان سليمان بن فلان. وإسحاق بن فلان. فإن هذه الأعلام إذا كتبت بلا ألف لا يوجد ما يلتبس بها. وأما في متابة القرآن الذي من شأنه أن يؤخذ بالتلقي والتلقين وتعم معرفته بحيث إذا أخطاء مخطئ لم يلبث أن ينبه. وأما فيما يصح على كلا الوجهين مثل جبريل و«ملك يوم الدين» وليس قوله في الحديث «للفرس للرجل» . في شيء من هذا. اللهم إلا أن يخطيء الكاتب يسمع «للفارس للرجل» فيحسب ذلك مما يجوز تخفيفه في الكتابة فيكتب «للفرس. للرجل» لكنه كما قد يحتمل هذا فكذلك قد يحتمل أن يخطئ القارى بأن يكون الكاتب سمع «للفرس. للرجل» فكتبها كذلك، ثم توهم القارئ أن الأصل «للفارس. للرجل» وإنما حذف الألف تخفيفًا في الكتابة فيقرؤها «للفارس. للرجل» ويريها كذلك.
وأما تقديم الحقيقة على المجاز، فالذي في الرواية «جعل للفرس همين وللرجل سهمًا» ولا يتجه في قوله: «للفرس» مجاز، بل اللام لام التعليل، أي جعل لأجل الفرس. فغن قيل: بل اللام لشبه التمليك، قلنا فما الحجة على أن لام شبه التمليك مجاز؟ فإن كانت هناك حجة فجعلهاللتعليل اولى تقديمًا للحقيقة على المجاز وكذلك لوساغ أن يطلق «الفرس» ويراد «الفارس» كما زعم الأستاذ.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
على أن سواغ ذلك غير مسلم فإنه غير معروف ولا قرينة عليه، فأما إطلاق «الخيل» وإرادة «الفرسان» فمستفيض، وإنما يسوغ بقرينة، وإنما جاء حيث يكون المقام ذكر الجيش حيث لا تكون الخيل إلا مع فرسانها فيكون بينهماضرب من التلازم.
هب أنه اتجه المجداز فتقدم علىالمجاز محله في الكلمة الواحدة يجب حملها على معناها الحقيقي ولا يجوز حملها علىمعنى مجازى بلاحجة كما ارتبكه الأستاذ في غير موضوع. فأما روايتان مختلفتان متنافيتان والكلام في إحد اهما حقيقة وفي الأخرى مجاز صحيح بقرينته فلا يتجه تقديم الأولى للان المتكلم كما يتكلم بالحقيقة فكذلك يتكلم بالمجاز، والمخطئ كما يخطئ من الحقيقة إلى المجاز، فكذلك عكسه، بل احتمله أقرب، لأن أغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف، وغالب كا يقع من التصحيف كذلك، فقد رأيت مالا أحصيه اسم «زَبر» مصحفًا إلى «أنس» واسم «سعر» مصحفًا إلى «سعد» ولا أذكر أننى رأيت عكس هذا. قال الشاعر:
فمن يك سائلا عني فإني من الفتيان أيام الخُنان
وقال الآخر:
كساك ولم تستكسه فحمدته أخ لك يعطيك الجزيل وياصر
فصحف الناس قافيتى هذين البيتين إلى «الختان. ناصر» وأمثال هذا كثيرة لا يخفى على من له إلمام.
وهكذا الخطاء في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة، فهشام بن عروة غالب روايته عن أبيه عن عائيشة، وقد يروى عن وهب بن كيسان عن عبيد بن عمير فقد يسمع رجل من هشام خبرًا بالسند الثاني ثم مضي على السامع زمان فيشبه عليه فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف، ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبرًا واحدًا جعله أحدهما عن هشام عن وهب عن عبيد، وجعله الآخر عن هشام عن أبيه عن
[ ٢ / ٨٢٦ ]
عائشة، فالغالب أن يقدموا الأول ويخطؤوا الثاني، هذا مثال ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا مالا يحصى.
هب أن الحقيقة تقدم على المجاز في الروايتين المتنافيتين فإنما لا يبعدذلك جدًا حيث لا يوجد للرواية الأخرى مرجح قوي، ليس الأمر ها هنا كذلك بل من تتبع الروايات وجد الأمر بغاية الوضوح. وشرح ذلك أن الحنفية يتشبثون بأربعة أشياء:
أولها: حديث مجمع، والجوابعنه أنه من رواية مجمع بن يعقوب بن مجمع عن أبيه بسنده وفي (سنن لبيهقي) ج٦ص٣٢٥ ان الشافعي قال: «مجمع بن يعقوب شيخ لا يعرف» . أقول: أما مجمع فمعروف لا بأس به، فلعل الشافعي أر اد أباه يعقوب بن مجمع ففي (نصب الراية عن ابن القطان «علة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع ولا يعرفروى عنه غير ابنه. وذكر المزي راويين آخرين ولكنهما ضعيفان، ولم يوثق يعقوب أحد فأما ذكر ابن حبان له في (التقات) فلا يجدى شيئًا لما عرف من قاعدة ابن حبان من ذكر المجاهيل في (الثقاب) فقد ذكر الأستاذ ذلك في غير موضع، وشرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد، وفي ترجمة ابن حبان من قسم التراجم. وفي الحديث وهم آخر فإن فيه أن فرسان المسلمين يوم خبير كانوا ثلثمائة، والمعروف أنهم كانوا مائتين، وأبو داود وإن أخرج الحديث في (سننه) فقد تعقبه كما في (نصب الراية) بقوله: «هذا وهم إنما كانواغ مائتي فارس فأعطى الفرس سهمين وأعطى صاحبه سهما» وأخرج جماعة منهم الحاكم في (المستدرك ج٢٣٢٦عن ابن عباس: «أن رسول الله - ﷺ - فسم المائتي فرس يوم خبير سهمين سهمين» وفي (مصنف ابن أبي شيبة) عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن صالح بن كيسان أن النبي - ﷺ - أسهم يوم خيبر لمائتي فرس لكل منهم سهمين.
وهو لاء كلهم ثقات متفق عليهم وصالح من أفاضل التابعين. وفي (سنن البيهقي)
ج ص ٣٢٦ بسند (السيرة) عن ابن إسحاق
[ ٢ / ٨٢٧ ]
«حدثني ابن محمد بن مسلمة عمن أدركه من أهله وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: كانت المقاسم على اموال خيبر على الف وثمان مائة سهم الرجال الف واربع مائة والخيل مأتين فرس، فكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم وللرجال سهم وأكثر الروايات وأثبتها في عدد الجيش انه الف واربع مائة وفي بعض الرواياتن الف وخمس مائة وجمع اهل العلم بين ذذلك بأن عدد مقاتل المستحقين للسهم كانوا الفًا واربع مائة ومعهم نحومائة ممن لا يستحق سهمًا من العبيد والنساء وصبيان وجاء عن بشير بن يسار قال: شهيدها مائة فرس وجعل للفرس سهمين وهذا محمول على خيل الأنصار فأما مجموع الخيل فكانت مائتين.
الثاني: حديث عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن نافع عن بن عمر: «أن رسول اللله - ﷺ - كان يسهم للفارس سهمين وللراجل سهما» اخرجه الدارقطني ثم قال: «ورواه القعنبي عن العمري بالشك في الفارس والفرس ثنا أبو بكر ثناء محمد بن على الوراق نا القعنبي عنه» فقد شك العمرى وهو مع ذلك كثير الخطأ حتى قال البخاري «ذاهب لا أروي عنه شيئًا» ومن أثنى عليه فلصلاحه وصدقه، وأنه ليس بالساقط.
الثالث: ما وقع في رواية بعضهم عن عبيد الله بن عمنر بن حفص بن عاصم رسيأتي ذلك في الكلام على حديثه.
الرابع: قال ابن أبي سيبة في (المصنف): «غنذر عن شعبة عن أبي إسحاق عن هانئ عن على قال: للفارس سهمان قال شعبة: وجدته مكتوبًا عند (بياض)» وقال قبل ذلك: «معاذ ثنا حبيب بن شهاب عن أبيه عن أبي موسى أنه أنه أسهم للفارس سهمين وللرجل سهمًا» .
أما الأثر عن على فقول شعبة: «وجدته .» عبارة مشككة. وقد روى الشافعي كما في (سننالبيهقي) ج٦ص٣٢٧ «عن شاذان (الأسود بن عامر) عن زهير عن أبي إسحاق قال: غزوت مع سعيد بن عثمان فأسهم لفرسي سهمين ولي
[ ٢ / ٨٢٨ ]
حديث عبيد الله بن عمر بن حفص عن ابن عمر مرفوعا
سهما. قال أبو إسحاق: وكذلك حدثني هانئ بن بن هانئ عن على، وكذلك حدثني حارثة بن مضرب عن عمر» وفي (مصنف ابن أبي شيبة): «وكيع ثنا سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق قال: شهدنا غزوة مع سعيد بنم عثمان، ومعى عثمان بن هانئ ومعي فرسان ومع هانئ فرسان، فأسهم لي ولفرسي خمسة اسهم، وأسهم لهانئ ولفرسية خمسة أسهم» وهذا غير مخالف لرواية زهير لأنه إذا أسهم للفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهما فقد أسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهما. وهذا بلا شك أثبت مما ذكره شعبة. ومع هذا فهانئ بن هانئ لم يرو عنه إلا أبو إسحاق وحده قال ابن المدينى. «مجهول» وقال النسائي: «ليس به بأس» . ومن عادة النسائي توثيق بعض المجاهيل كما شرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد.
وأما الأثر عن أبي موسى فسنده جيد وقد تأوله بعضهم بأن معناه للفارس من حيث هو ذوفرس وذلك لا ينافي أن يكون له سهم ثابت من حيث هو رجل وفي هذا تعسف. وقد ذكر أبن التركماني أن أبن جرير ذكر في (تهذيبه) أن هذا كان في واقعه (تستر) فكأن هذا رأى لأبي موسى فيما إذا كانت الواقعة قتال حصين يضعف غناء الخيل فيه، وقد جاء عن جماعة من التابعين أنهم كانوا ينقصون سهام الخيل في قتال الحصون أو لا يسهمون لها شيئًا، ذكر ذلك ابن أبي شيبة وغيره، وذكره إنكار عمنر بن عبد العزيز ذلك، وإنكار مكحول له واحتجاجه بأن النبي - ﷺ - أسهم في غنائم خبير للفرس سهمين ولصاحبه سهما مع أن خيبر كانت حصنًا. ولعل ابن جرير قد ذكر هذا المعنى في (التهذيب) فليراجعه من تيسر له ذلك.
حديث عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب
عبيد الله هذا ثقة جليل أثبت من أخيه عبد الله بما لا يحصى بل جاء عن يحيى بن
[ ٢ / ٨٢٩ ]
سعيد القطان والإمام أحمد وأحمد بن صالح أن عبيد الله أثبت أصحابه نافع، وفيهم مالك وغيره.
وقد وقعت على الجماعة الحديث.
الأول: الإمام المضروب به المثل في الحفظ والإتقان والفقه والزهد والعبادة والسنة أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثورى، قال الإمام أحمد في (المسند) ج٢ص١٥٢: «ثنا عبد الرزاق أنا سفيان بن عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمران أن النبي - ﷺ - جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا» ورواه الدارقطني في (تالسنن) ص٤٦٧ ن طريق عبد الله بن الوليد العدتي عن سفيان -بسنده - (١) «أن رسول الله - ﷺ - اسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم للرجل سهم ولفرسه سهمان» . ورواه البيهقي في (السنن) ج٦ص٣٢٥ من طريق أبي حذيفة عن سفيان -بسنده - «أن رسول الله - ﷺ - أسهم للرجل ثلاثة أسهم للرجل سهم وللفرس سهمان» .
الثاني: الحافظ المقدم هشيم بن بشير الواسطي رواه عنه الامام أحمد في (المسند) ج٢ص٢ وهو أول حديث في (مسند ابن عمر) ولفظه: «أن رسول الله - ﷺ - جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا» . الثالث: أبومعاوية محمد بن خازم الضرير رواه عنه الامام أحمد في (المسند) ج٢ص٢ ولفظه: «أن رسول الله - ﷺ - أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهمًا له، وسهمين لفرسه»، وراه ابودالود في (السنن) عن أحمد، وقد رواه عن أبي معاوية أيضًا على بن محمد بن أبي الشوارب عند ابن ماجه، والحسن بن محمد الزعفراني عند الذار قطني ص ٤٦٧، وسعدان بن نصر عند البيهقي ج٦ ص٣٢٥.
الرابع: إسحاق الأزرق عند الشافعي كما في (مسنده) بهامش «الأم» ج٦ص٢٥٠ « . أن رسول الله - ﷺ - ضرب للفرس بسهم»؟
الخامس: سليم بن أخضر رواه مسلم في (صحيحه) عن يحيى بن يحيى وأبي كامل عنه « .أن رسول الله - ﷺ - قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهمًا» وقع
_________________
(١) وقع في النسخة «عن عبد الله» والصواب «عن عبيد الله» .
[ ٢ / ٨٣٠ ]
عند بعض رواة الصحيح «للراجل» وقد رواه عن سليم أيضًا عبد الرحمن بن مهدى (مسند أحمد) ج٢ ص٦٢، وعفان (مسند أحمد) ج٢ص٧٢، وأحمد بن عبده وحميد بن مسعدة عند الترمذى وفي روايتهم جميعًا: «للرجل» .
السادس: أبو أسامة رواه عنه عبيد ابن إسماعيل عند البخاري في (صححه) في «كتاب الجهاد»: « أن رسول الله - ﷺ - جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا» وكذلك رواه عن أبي أسامة محمد بن عثمان بن كرامة عند الدارقطني ص ٤٦٧، وأبوالأزهر عند البيهقي ج ٦ ص ٣٢٤، ورواه ابن أبي شيبة في (المصنف) عن أبي أسامة وعبد الله ابن نمير وسيأتي.
السابع: عبد الله بن نمير رواه عنه الإمام أحمد في (المسند) ج ٢ ص١٤٣: « أن رسول الله - ﷺ - قسم للفرس سهمين وللرجل سهما» وكذلك رواه الدارقطني ص٤٦٧ من طريق أحمد، رواه مسلم في (الصحيح) عن محمد بن نمير عن أبيه، وأحال على متن سليم بن أخضر قال: «مثله ولم يذكر: في النفل» ورواه الدارقطني أيضًا من طريق عبد الرحمن بن بشير بن الحكم عن عبد الله بن نمير. وفي (مصنف أبن أبي شيبة) باب «في الفارس كم يقسم له؟ من قال: ثلاثة أسهم» . حدثنا أبو أسامة وعبد الله بن نمير قالا: ثنا عبيد الله بن عمر أن رسول ألله - ﷺ - جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا» وذكره ابن حجر في (الفتح) عن (مصنف ابن أبي شيبة) وذكر أن أبي عاصم رواه في «كتاب الجهاد» له عن ابن أبي شيبة كذلك. وقال الدارقطني ص ٤٦٩: «حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن منصور (الرمادي) نا أبو بكر بن أبي شيبة نا أبو أسامة وابن زيد نمير أن الرسول الله - ﷺ - جعل للفارس سهمين، وللراجل سهمًا. قال
الرمادي: كذا يقول ابن غير. قال لنا النيسابوري: هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو الرمادي لأن أحمد ابن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن غير خلاف هذا، وقد تقدم ذكره عنهما، ورواه ابن كرامة وغير عن أبي أسامة خلاف هذا أيضًا وقد تقدم.
[ ٢ / ٨٣١ ]
أقول: الوهم من الرمادي فقد تقدم عن (مصنف ابن أبي شيبة): للفرس. للرجل وكذلك نقله ابن حجر عن (المصنف) وكذلك رواه ابن أبي عاصم عن ابن أبي شيبه كما مر، ويؤكد ذلك أن ابن أبي شيبه صدر بهذا الحديث الباب الذي قال في عنوانه: «من قال ثلاثة أسهم» كما مر، ثمذكر بابًا آخر عنوانه: «من قال للفارس سهمان؟» فذكر فيه حديث مجمع وأثري علي وأبي موسى فلو كان عنده أن لفظ ابن غير كما زعم الرمادي أو لفظ أبي أسامة أو كليهما «للفارس. للرجل» لوضع الحديث في الباب الثاني.
فإن قيل: لعله تأول التأويل الذي تقدمت الإشارة إليه في الكلام على أثر أبي موسى.
قلت: يمنع من ذلك التأويل.
الثاني: تصديره باب «من قال: ثلاثة أسهم» بهذا الحديث.
الثالث: أن ذاك التأويل يحتمله أثرا عل وأبي موسى ولم يدرجهما في هذا الباب، بل جعلهما في باب «من قال: للفارس سهمان» .
فإن قيل: فقد قال ابن تركماني في (الجوهر النقي): «وفي «الأحكام» لعبد الحق: وقد روي عن أبن عمر أنه ﵇ جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا. وذكره أبو بكر ابن أبي شيبة وغيره» ونقل الزيلعي في (نصب الراية) ج٣ص حديث ابن أبي شيبة وفيه: «للفارس. للرجل» ثم قال: «ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الدارقطني في
(سننه) وقال أبو بكر النيسابورى » .
أقول: أما عبد الحق فلا أراه إلا اعتمد على رواية الرمادي، وأما ابن التركماني فالمعتبة عليه فإنه ينقل كثيرًا عن (مصنف ابن أبي شيبة) نفسه، بل نقل عنه بعد أسطر أثر علي، فما باله أعرض هنا عن النقل عنه، وتناوله من بعيد من (أحكام
[ ٢ / ٨٣٢ ]
عبد الحق)؟! وأمات الزيلعي فلا أراه إلا اعتمد على رواية الدارقطني عن النيسابوري عن الرمادي، فإما أن لا يكون راجع (المصنف) لظنه موافقته لما الرمادي، وإما أن يكون حمل الخطأ على النسخة التي وقف عليها من (المصنف) خطأ كما قاله الرمادي. والله المستعان.
الثامن: زائدة بن قدامة عند البخاري في (صحيحه) في «غزوة خيبر» رواه البخاري عن الحسن بن إسحاق عن محمد بن سابق عن زائدة « قسم الرسول الله - ﷺ - يوم الخيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا. فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم فإن لم يكن له فرس فله سهم» وهذا التفسير يدل أن الصواب في المتن «للرجل» لكن وقع في نسخ (الصحيح) كما رأيت، وزائدة متقن لكن شيخ البخاري ليس بالمشهور، ومحمد بن سابق، قال ابن حجر في ترجمته من الفصل التاسع من (مقدمة الفتح): «وثقة العجلي وقواه أحمد بن حنبل وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة وليس ممن يوصف بالضبط. وقال النسائي: لا بأس به، وقال أبن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. قلت ليس له في البخاري سوى حديث واحد في «الوصايا» وقد تابعه عليه عبيد الله بن موسى» . كذا قال وفاته هذا الحديث، وعذر البخاري أنه رأى أن الوهم في هذا الحديث يسير يجبره التفسير. ومع ذلك فلم يذكره في «باب سهمان الخيل» وإنما ذكره في «غزوة خيبر» .
التاسع: ابن المبارك رواه عته علي بن الحسن بن شقيق كما في (فتح الباري)، ذكر روايوالرمادي عن نعيم عن ابن المبارك الآيتة ولفظها « عن النبي - ﷺ - أنه اسهم للفارس سهممين وللرجل سهمًاَ، ثم قال: «وقدجرواه على ابن الحسن ابن شقيق - هو أثبت من نعيم - عن ابن المبارك بلفظ: أسهم للفرس» ولم يذكره بقية لأنه إنما اعتنى بلفظ الفارس والفرس وقد قال قبل ذلك: « فيما رواه أحمد ابن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة بلفظ: أسهم للفارس سهمين
[ ٢ / ٨٣٣ ]
قال الدارقطني » . فأما ما رواه الدارقطني ص ٤٦٩ «حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن منصور (الرمادي) نا نعيم بن حماد نا ابن المبارك عن النبي - ﷺ - أنه أسهم للفارس سهمين وللرجل سهمًا. قال أحمد كذا لفظ نعيم عن ابن المبارك، والناس يخالفونه. قال النيسابوري: ولعل الوهم من نعيم لان ابن المبارك من اثبت الناس» .
أقول: نعيم كثير الوهم، وكلام الحنفية فيه شديد جذًا كما في ترجمته من قسم التراجم، ولكني أخشى أن يكون الوهم من الرمادي كما وهم على أبي بكر بن أبي شيبة. ولا أدرى ما بليته في هذا الحديث مع انهم وثقوه. وقال ابن تركماني: «رواه ابن تركمانى عن عبيد الله بإسناده فقال فيه: للفارس سهمين وللرجل سهمًا ذكره صاحب (التمهيد)» .
أقول: وهذه معقبة أخرى على ابن التركمانى، إذا لم يذكر أن صاحب (التمهيد) إنما رواه من طريق الرمادي عن نعيم! والله المستعان.
العاشر: حماد بن سلمة. قال الدار قطنى ص ٤٦٨ «حدثنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد ابن يوسف السلمي نا النضر بن محمد بن موسى اليمامى نا حماد بن سلمة أن الرسول الله - ﷺ - أسهم للفارس سهمًا وللفرس سه. خالفه حجاج بن المنهال عن حماد فقال: للفارس سهمين وللرجل سهمًا» .
أقول: حماد كثير الخطأ إنما ثبتوه فيما يرويه عن ثابت وحميد، وكلام الحنفية فيه الشديد كما تراه في ترجمته من قسم التراجم، وأولى روايتيه بالصحة ما وافق فيه الثقات الأثبات.
وفي الباب مما يدل على ان للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا
في (نصب الراية) ج ٣ ص ٤١٦ عن الطبراني (الأو سط): «ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا هشام بن يونس عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع
[ ٢ / ٨٣٤ ]
أحاديث أخرى في المسألة
عن ابن عمر عن عمر أن النبي - ﷺ - أسهم له يوم خيبر ثلاثة أسهم سهما له. وسهمين لفرسه»، قال الطبراني: «ورواه الناس عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -. وهذا تفرد به هشام ابن يونس عن أبي معاوية» .
أقول: وقد رواه جماعة عن أبي معاوية فلم يقولوا فلم يقولوا «عن عمر» وقالوا: «أسهم للرجل» نعم وقع في (سنن أبي داود) عن أحمد عن أبي معاوية «أسهم لرجل» وهذا كأنه يشد من رواية هشام، وهشام ثقة، ولا يبعد أن يكون الحديث عند عبيد الله عن نافع من الوجهين، ولكن الناس أعرضوا عن هذا لخصوصة بعمر، وعنوا بالآخر لعمومه.
وروى عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عند النسائي، ومحاضر بن المورع عند الدارقطني ص ٤٧١ «عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده أنه كان يقول: ضرب رسول الله - ﷺ - عام خيبر للزبير بن العوام أربعة أسهم سهمًا للزبير وسهمًا لذي القربى لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير وسهمين للفرس» سعيد ومحاضر من الرجال مسلم وفي كل منهما مقال، واقتصر النسائي في «باب سهمان الخيل» على هذا الحديث، ولم يتعقبه بشيء، وذاك يشعر بأنه صحيح عنده لا يضره الخلاف. وقد رواه عيسى بن يونس عند ابن أبي شيبة، ومحمد بن بشر العبدي عند الدارقطني ص ٤١٧، واتبن غيينة عند الشافعي كما في (مسند) بهامش (الأم) ج ٦ ص ٢٥٠ ثلاثتهم عن هشام عن يحيى مرسلًا، ولفظ ابن عيينه «أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم، سهم له، وسهمين لفرسه، وسهم في ذوي القربى» وعند الدارقطني ص ٤١٧ عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة روايتان إحداهما عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال «أعطاني رسول الله - ﷺ - يوم بدر أربعة أسهم » والأخرى: عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن الزبير..» بمعناه، وإسماعيل يخلط فيما يرويه من غير الشاميين. وفي (مسند أحمد) ج ١ ص ١٦٦ «ثنا عتاب ثنا عبد الله ثنا فليح بن محمد عن المنذرين الزبير عن أبيه أن النبي - ﷺ - أعطى الزبير
[ ٢ / ٨٣٥ ]
سهمًا وأمه سهمًا وفرسه سهمين ى ذكره٩ أحمد في (مسند الزبير» وليس من عادة أحمد في (المسند) إخراج المراسيل. وعتاب هو ابن زياد المروزي وثقة أبو حاتم وغيره ولم يغمزه أحد، وعبد الله هو ابن المبارك وقد تصفحت على بعضهم كلمة «بن» بين محمد والمنذر، فجرى البخاري في تاريخه ومن تبعه على ذلك كما في ترجمة فليح في (تعجيل المنفعة) . ولم يذكر البخاري من رواه كذلك عن ابن المبارك، فالصواب إن شاء الله رواية أحمد. أما فليح فغير مشهور لكن رواية ابن المبارك عنه تقوية.
وفي الباب من حديث أبي عمرة عند أحمد في (المسند) ج ٤ ص ١٣٨، أبي داود في (السنن)، والدارقطني ص ٤٦٨، وابن منده كما في ترجمة أبي عمرة (من الإصابة) .
ومن الحديث ابن عباس والمقداد وأبي رهم وأبي رهم وأبي كبشة وجابر وأبي هريرة، تراها عند الدارقطني وغيره، كاها متفقة على أن للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا. وفي (مصنف ابن أبي شيبة) مراسيل عن مجاهد وخالد بن معدوان ومكحول وغيرهم وقد تقدم بعضها، كمرسل صالح بن كيسان ومرسل بشير بن يسار. وفي (المصنف): «ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار عن الحسن وابن سيرين قالات: كانوا إذا غزوا فأصابوا الغنائم قسموا للفارس من الغنيمة حين تقسم ثلاثة أسهم سهمين له، وسهمًا لفرسه وسهمًا للراجل» وفيه «حدثنا جعفر بن عون عن سفيان عن سلمة بن كهيل: ثنا أصحابنا عن أصحاب محمد - ﷺ - أنهم قالوا: للفرس سهمان وللرجل سهم» وفيه حدثنا محاضر قال: ثنا مجالد عن عامر (الشعبي) قال: لما فتح سعد عن أبي وقاص (جلولا) أصابة المسلمون ثلاثين ألف ألف مثقال فقسم
[ ٢ / ٨٣٦ ]
للفارس ثلاثة آلاف، وللرجل ألف مثقال» وفيه «حدثنا وكيع قال: ثنا سفيان عن هشام عن الحسين قال: لا يسهم لأكثر من فرسين فإن كان مع الرجل فرسان أسهم له خمسة أسهم أربعة لفرسيه وسهم له» وفي (نصبالراية) ج٣ص٤١٩ «قال سعيد ابن منصور ثنا فرج بن فضالة ثنا محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري أن عمر ابن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن أسهم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهمًا فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الفرسين فهو جنائب» .
وفي (سنن الدارقطني) ص ٤٧٠ عن خالد الحذاء (وقد رأى أنسًا) قال: «لا يختلف فيه عن النبي - ﷺ - قال: للفارس ثلاثة وللرجل سهم» . وذكر الأستاذ ص ٨٧ عن كتاب (اختلاف الفقهاء) لابن جرير عن مالك قال: «إني لم أزل أسمع أن للفرس سهمين وللرجل سهمًا» .
[ ٢ / ٨٣٧ ]
انتصار الكوثري لمذهبه في المسألة
المسألة الثانية عشرة: أما على القاتل بالمثقل قصاص؟
في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٣٢ عن غبراهيم الحربي قال: «كان أبوالحنفية طلب النحو.. فتركه ووقع في الفقه فكان يقيس ولم يكن له علم بالنحوفسأله رجل بمكة فقال له: رجل شجّ رجلًا بحجر. فقال: هذا خطأ ليس عليه شيء لوأنه حتى يرميه بأبا قبيس لم يكن عليه شيء» قال الأستاذ ص٢٣: «وأدلة أبي حنيفة في حكم القتل بالمثقل مبسوطة في كتب المذهب وقد صحت أحاديث وآثار عند النسائي،أبي داود وابن ماجه وابت حبان وأحمد وابن راهو ية وابن أبي شيبة وغيرهم يؤيد ظاهرها هذا المذهب، وقد صحت احاديث » قوله: منها حديث عبد الله بن عمروعن النبي - ﷺ -: ألا إن دية الخطأ شبه العمد، وما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل. أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح. ومنها حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ -: شبه العمد قتيل الحجر والعصا فيه الدية مغلظة. أخرجه ابن راهو ية. ومنها حديث ابن عباس في دية القاتلة بمسطح - وهو عود من أعواد الخباء - أخرجه عبد الرزاق. إلى غير ذلك من الأحاديث» .
أقول: في هذه القضية آيات من كتاب الله ﷿ أعرض عنها الأستاذ!
الآية الأولى: قوله تعالى: «وما كان لمؤمنٍ أن يقتلَ مؤمنًا إلا خطأً ومن قتلَ مؤمنًا خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله» إلى قوله: «ومن يقتل
[ ٢ / ٨٣٨ ]
مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم» الآية -سورة النساء: ٩٢-٩٣.
من المعلوم في العربية أن عمد القتل وتعمده هو قصده، وأن وقوعه خطأ هو أن يقع بلا قصد. ولا ريب أنه إذا كان هناك قتل يوصف بأنه خطأ شبيه بالعمد فإنما هو أن يتعمد سبب القتل كالضرب مثلًا ولا يقصد القتل، وإنما يقصد الإيلام بلا قتل، فهذا القتل خطأ لأنه لم يقصد ولكنه شبيه بالعمد من جهة أن سببه متعمدة. ولا يشك عاقل أن من عمد إلى طفل أو أو ضعيف فوضع رأسه على صخرة وجاء بأخرى فضرب بها رأسه حتى فضحه حبلًا في عنقه ثم شد طرفه بشجرة ثم جذب طرفه الآخر جذبًا شديدًا راسه وعنقه وصدره وظهره حتى مات فقد قتله عمدًا فقد خرج عن لغة العرب.
ألاية الثانية: قوله تعالى: «كتب عليكم القصاص في القتلى» الآية –البقرة ١٧٨ نصت ألاية على وجوب القصاص في كل قتيل يتأتي فيه، القصاص يدل على المماثلة، والمقصود المماثلة في المعاني التي يعقل لها دخل في الحكم، فلا تتناول القتيل بحق لأن قتل قاتلة يكون بغير حق، ولا القتيل خطأ محضًا لأن قتل قاتلة إنما يكون عمدًا، ولا القتيل الذي دلت شواهد الحال على أنه إنما قصد إيلامه لا قتله كالمضروب ضربات يسيره بسوط أو عصا خفيفة لأن قتل قاتلة يكون مقصودًا. وتتنازل الآية القتلى في الصور المتقدمة سابقًا وهي فضح الرأس وما معه ونحوها إذا كان بغير حق، لأنه قصد فيها سبب القتل وقصد فيها القتل، وقتل القاتل يقتضي مثل ذلك بدون زيادة فهو قصاص، فالآية تنص على وجوب القصاص في تلك الصور ونحوها حتمًا.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
الآية الثالثة: قوله ﷿ «ومن قُتِلَ مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يُسرف في القتل إنه كان منصورًا» الإسراء -٣٣والإسراف هو تعدي المماثلة التي تقدم بيانها، أو قل: تعدي القصاص، فمن قُتل بحق فلم يقتل مظلومًا، ولا يكون قتل قاتلة إلا إسرافًا، وبقية الكلام كما في الآية السابقة، وقتل القاتل في تلك الصور التي منها فضخ الرأس وما معه وما في معناها لا يتعدي المما ثلة المعتبرة فلا إسراف فيه فقد جعل الله تعالى للولي سلطانًا عليه، وذلك شرع القصاص.
الآية الرابعة: قوله سبحانه «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون» البقرة -١٧٩
ولا ريب أنه إذا لم يكن في القتل قصاص لم يتقه الناس، فيتحرون القتل بالمثقل عدوانًا وانتقامًا فيفوت المقصود من شرع القصاص.
الآية الخامسة قوله تعالى: «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به»
النحل - ١٢٦.الآية السابعة: قوله تعالى «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا بمثل ما اعتدي عليكم واتقوا الله» البقرة -١٩٤.
الآية الثامنة: قوله ﵎ «وجزاء سيئة سيئة مثلها» الشورى - ٤٠
وأما الأحاديث التي ذكرها الأستاذ فحديث «ألا إن دية الخطأ شبه العمد » مختلف في إستاده فقيل عن القاسم بن ربيعة مرسلًا، وقيل عنه عن عبد الله بن عمرومرفوعًا. وقيل عنه من عقبة بن أو س مرسلًا، وقيل عنه عن عقبة عن رجل من الصحابة، وقيل غير ذلك، وقد ساق النسائي أكثرتلك الوجوه. وذلك الاختلاف والاضطراب قد يتسامح فيه إذا لم يكن المتن منكرًا، ومن قواه من المحدثين لا
[ ٢ / ٨٤٠ ]
تأييد المحقق للكوثري في تصحيحه لحديث ابن عمرو خلافا للمصنف
يرى معناه ما يزعمه الحنفية مما يخالف الكتاب والسنة الصحيحة، ولورأى أن ذلك معناه لأنكره فرده بذلك وبذاك الاختلاف والاضطراب (١) مع ذلك فعقبة بن أوس المتفرد به غير مشهور، وإنما وثقه من من عادته توثيق المجاهيل وإن كانوا مقلين إذا لم ير في حديثهم ما ينكره، وقد شرحت ذلك في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد. ولورأوا أن معنى هذا الحديث ما يزعمه الحنفية لما أثنوا على عقبة، بل لعلهم يجرحونه بمقتضى قاعدتهم في جرح المتفرد بالمنكر، ولا سيما إذا كان مقلًا غير مشهور. والحنفية يردون الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن في أسانيدها البتة بدعوى مخالفتها للقرآن حيث لا مخالفة كما مر في المسألة السابعة، وكما يأتي في مسألة الخامسة عشرة، فكيف يسوغ لهم أن يتشبثوا بهذا الحديث مع ما في سنده من الاختلال ومع وضوح مخالفة معناه الذي يعتمدونه للقرآن. فإن قيل: وهل يحتمل معنى آخر؟ قلت نعم، وبيان ذلك أن من القتل ما يتبين فيه أن القاتل قصد القتل، كالصور التي تقدم التمثيل بها من فضح الرأس وما معه ونحو ذلك وما يقرب منه. ومنه ما يتردد فيه أقصد أم لم يقصد كمن أغضبه رفيقه وكان
_________________
(١) قلت: بل الحديث صحيح السند كما قال الكوثري، والاضطراب الذي ذكره المصنف ﵀ هو من الاضطراب الذي لا يؤثر في صحة الحديث، فقد ذكرت في «الارواء» رقم (٢٢٥٩) أشهر وجوه الاضطراب فيه، ثم قابلت بينها على ما يقتضيه علم المصطلح والجرح والتعديل، فتبين لي أنها غير متماثلة في القوة وعدد رواة كل وجه، وأن أرجحها رواية من رواه عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أو س عن عبد الله بن عمرو، وعلى ذلك حكمت عليه بالصحة، لأن رجاله كلهم ثقات، وعقبة بن أو س قد وثقه ابن سعدوالعجلي وابن حبان، وهؤلاء وإن كانوا متساهلين في التوثيق كما أشار إليه المصنف، فاتفاقهم عليه، مع عدم توجه أي انتقاد عليه، بل قبله الحفاظ من بعدهم ولم يردوه، مثل الحافظ ابن حجر فقال في «التقريب»: «صدوق» . زد على ذلك أن من جملة من خرج الحديث ابن الجارود في كتابه «المنتقى» رقم (٧٧٣)، وذلك منه توثيق لرجاله كما لا يخفى. ولذلك فالاعتماد في الرد على الحنفية في استدلا لهم بهذا الحديث على ما زعموا، إنما هو على المعنى الآخر الذي أوضحه المؤلف جزاه الله خيرًا.
[ ٢ / ٨٤١ ]
معنى الحديث المشار إليه عند المصنف
بيده فأس أو عصا كبيرة فضرب رأسه فقتله. ومنه ما يتبين أنه لم يقصد كمن ضرب رجلًا ضربات يسيره بسوط أو عصا كبيرة فضرب رأسه فقتله. ومنه ما يتبين أنه لم يقصد كمن ضرب رجلًا ضربات يسيره بسوط أو عصا خفيفة فمات فهذه ثلاثة أضرب وقوله في أول الحديث: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد» مُخْرجٌ للضرب الأول حتمًا لأنه عمد محض لا يعقل أن يسمى خطأ شبه عمد، فبقى الأ خيران والظاهر أنه شامل لهما. أما الثالث فواضح وأما الثاني فلأنه إذا لم يتبين قصد القتل فالأصل عدمه. فقوله بعد ذلك: «ما كان بالسوط والعصا» حقه أن يكون تقيدًا ليخرج من الضرب الثاني ما كان بسلاح لأن استعمال السلاح يدل على قصد القتل، وإن كانت قد تدافعه قرينة أخرى فيقع التردد، ومن الحكمة في ذلك زجر الناس عن استعمال السلاح حيث لا يحل لهم القتل، وفي (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة «قال رسول الله - ﷺ -: لا يشتر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار» . وفيه من حديثه أيضًا «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأُمه» . وفي (المستدرك) ج٤ ص٢٩٠ من حديث جابر قال: «نهي رسول الله - ﷺ - أن يتعاطى السيف مسلولًا» ومن الحديث أبي بكرة قال: «مر رسول الله - ﷺ - على يتعاطون سيفًا مسلولًا، فقال رسول ألله - ﷺ -: لعن الله من فعل هذا، أو ليس قد نهيت عن هذا؟ إذا سل أحدكم سيفًا ينظر إليه فأراد أن يناوله أخاه فليغمده ثم ليناوله إياه» وعلى ذاك المعنى فكلمة «ما» من قوله: «ما كان بالسوط والعصا» إما موصولة بدل بعض من «الخطأ شبه العمد» وإما مصدرية زمانية، أي: وقت كونه بالسيف والعصا، كما قيل بكل من الوجهين فيما قصة الله تعالى عن شعيب: «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت» . هو د: ٨٨.
ويؤيد ذلك أن في بعض الروايات عند النسائي وغيره منها رواية أيوب عن القاسم ورواية هشيم عن خالد الحذاء عن القاسم « الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا » ليس فيه «ما كان» والتقييد في هذا ظاهر. على أن الشارع وإن قضى بأنه إذا كان القتل بسلاح ونحوه عمد حيث يتردد في القصد فإنه يبالغ في حض ولي الدم على أن لا يقتص. أخرج أبو داود في (السنن) من حديث أبي
[ ٢ / ٨٤٢ ]
هريرة قال: «قتل الرجل في عهد النبي - ﷺ - فرفع ذلك إلى النبي - ﷺ - فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله والله ما أردت قتله، قال فقال رسول الله - ﷺ - للولي: أما إنه إن كان صادقًا ثم قتلته لتدخلن النار. قال: فخلى سبيله» ثم أخرجه من حديث وائل بن حجر وفيه «قال كيف قتلته؟ قال ضربت رأسه بالفأس ولم أرد قتله قال للرجل: خذه فخرج به ليقتله فقال رسول الله - ﷺ -: أما إنه إن قتله كان مثله » وحديث وائل في (صحيح مسلم) وفيه «كيف قتلته. قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته » وفي رواية «فلما أدبر قال رسول الله - ﷺ -: القاتل والمقتول في النار » وتأوله بعضهم على أن النبي ﵌ كان سأل الولي أن يعفوفأبى. وهذا ضعيف من وجهين: الأول: انه ليس في القصة من الأمر بالعفوإلا بالعفوإلا ماوقع من بيان الإثم أو ما بعده. الثاني: أنه ليس من سنة النبي - ﷺ - أن يأمر أحدًا بترك حقه أمرًا جازمًا يأثم المأمور إن لم يمتثله وقد رغب - ﷺ - إلى أبي بريرة لما عتق أن لا تفسح نكاح زوجها فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: لا، وإنما أنا أشفع. قالت: فلا حاجة لي فيه. ولم يعقب هو بأبي وأُمي ولا أحد من أصحابه على بريرة. فالصواب ما دل عليه حديث أبي هريرة أن إثم الولي إن قتل إنما هو مبني على قول القاتل: لم أرد قتله. مع قوة احتمال صدقه. وقد ذكر الطحاوي في، مشكل الآثار) ج ١ص ٤٠٩ الحديث ثم قال: «فكان معنى ذلك والله أعلم أن البينة التي كانت شهدت عليه بقتله لأخي خصمة شهدت بظاهر فعله الذي كان عندنا أنه عمد له لا شك عندنا فيه، وكان المدعى عليه أعلم بنفسه وأيما كان منه من ذلك فادعى باطنًا كان منه في ذلك لا بحجة معه » .
أقول: لم أر في شيء من الروايات لإقامة بينة أي شهود بل في بعض الروايات
[ ٢ / ٨٤٣ ]
أن الولي قال: «أما إنه لو لم يعترف لأقمت عليه البينة» فإنما كان في الواقعة اعترف الرجل بالضرب وبتعمده وبآلته وصفته، وضرب الرأس بالفأس يقتضى قصد القتل، إلا أن هناك ما عارضه وهو وبتعمده وبآلته وصفته، وضرب الرأس بالفأس يقتضي قصد القتل، إلا أن هناك ما علرضه وهو أنه لم يسبق بينهما عداوة وكانت الفأس بيد الجاني يختبط بها فثار غضبه بسبب السب فضرب بما كان في يده وادعى أنه لم يرد القتل وأقسم على ذلك. فالحديث يدل أنه في مثل هذه الحال يقضى بأن القتل عمدٌ تأكيد للزجر عن القتل والتنفير عنه، ولا يمنع الولي من الاقتصاص ولكنه يحرم عليه فإن قيل: وكيف لا يمنع مما يحرم عليه؟ وقلت: لأنه لومنع منه حكمًا لفات المقصود من تأكيد الزجر عن القتل. ويشبه هذا ما ثبت أن النبي ﵌ كا يعطى الملحف في السؤال وإن كان غير مستحق، وفي (مسند أحمد) و(المستدرك) وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال: «أما والله إن أحدكم ليخرج بمسألته من عندي يتأبطها وما هي إلا نار. قال عمر: لم تعطيها إياهم؟ قال: ما أصنع؟ يأبون إلا ذلك ويأبى الله لي البخل» . وفي (صحيح مسلم) من حديث عمر عن النبي ﵌: «إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني، فلست بباخل» (١) .
فإذا حمل ذاك الحديث على معنى الذي ذكرنا لم يكن مخالفًا لكتاب الله ﷿ ولا للسنة الصحيحة ولا للنظر المعقول، فلا يكون منكرًا، وعلى هذا بنى من قواه من المحدثين ووثق راويه المتفرد به مع ما فيه من الخلل. فإن أبى الحنفية إلا المعنى الذي يتشبثون به قلنا فعلى ذلك يكون الحديث منكرًا فيرد ويضعف راوية اتفاقًا.
خذ أنف هرشى أو قفاها فإنما كلا جانبي هرشى لهن طريق
علىانه سيأتي في الحديث الثاني التقييد بأن يكون القتل في مناوشة بين عشيرتين بدون ضغينة ولا حمل سلاح فيقتل رجل لا يدرى من قاتله. وعلى هذا فلوصح هذا الحديث وكان مطلقًا لوجب حمله على ذاك المقيد. ومقتضى الحديث أنه في
_________________
(١) وأخرجه أبن حبان في «صحيحة» نبحوحديث أبي سعيد كما في «الترغيب» (٢/١٥)، وهو في «موارد الظمآن» رقم (٢٠٧٤) مختصرًا، وإسناده حسن.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
بيان ضعف حديث ابن عباس الذي استدل به الكوثري ساكتا عنه
تلك الصورة يقضى بأن القتا شبه عمد فينظر في العشيرتين المتناوشتين فأيتهما كان المقتول منها كانت ديته مغلظة على الأخرى، لأن الظاهر أن القاتل منها وأنها عاقلته، فأما إذا كان هناك ضغينة وحمل سلاح فإنه يقضى بأن القتل عمد فيجعل قسامة، وأماإذا عرف القاتل فله حكمه. والله أعلم.
قول الأستاذ: «منها حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ -: شبه قتيل الحجر والعصا فيه الدية مغلظة. أخرجه أبن راهو ية» .
أقول: ذكرناه الزيلعي في (نصب الراية) ج٤ص٣٣٢ وذكر أن ابن راهو ية رواه عن عيسى بن يونس عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن أبن عباس، وأنه مختصر، وأحال يتمامه على ما تقدم له يعني ج٤ص٣٢٧ الحديث هناك: «العمد قود إلا أن يعفوولي المقتول، والخطأ عقل لا قود فيه، وشبه العمد قتيل العصا والحجر ورمي السهم فيه الدية مغلظة من اسنان الابل» نسبه إلى ابن راهو ية بالسند نفسه. والحديث في (سنن الدارقطني) ص٣٢٨ من طريق: «يزيد بن هارون نا إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن أبن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قتل في عمية بحجر أو عصا أو بسوط فهو دية المغلظة في أسنان الإبل» . وإسماعيل بن أمية ضعيف وقد اضطرب كما رأيت وجعل فيه في رواية ابن راهو ية رمي السهم وهو عمد عند الحنفية. ورواه أبو داود وغيره من طريق سليمان بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبن عباس يرفعه «من قتل في عميا أو رميًا تكون بينهم بحجر أو سوط فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمدًا فقود يده» . سليمان متكلم فيه. ورواه الدارقطني ص ٣٢٨ من طريق الحسن بن عمارة عن عمروعن طاوس عن أبن عباس مرفوعًا. والحسن بن عمارة ضعيف جدًا. ورواه الدارقطني ص ٣٢٧ من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار بسنده. والصحيح عن حماد أنه رواه مرسلًا، قال أبو داود في باب «عفوالنساء عن الدم»: «حدثنا محمد بن عبيد نا حماد، ح ونا ابن السرح نا سفيان وهذا حديثه عن عمروعن طاوس قال: من قتل. وقال ابن عبيد قال رسول الله - ﷺ -: من قتل عندًا في عميا في رمي يكون بينهم بحجارة أو
[ ٢ / ٨٤٥ ]
بالسياط أر ضرب بعصا فهو خطأ وعقله عقل الخطأ ومن قتل عمدًا فهو قود، وقال ابن عبيد: قود يد وحديث سفيان أتم» . ورواه ابن السرح عن سفيان بن عيينة عن عمروعن طاوس قوله كما مر عن أبي داود، ولكن رواه الشافعي كما في (سنن البيهقي) ج٨ص٤٥ عن سفيان عن عمروعن طاوس عن النبي - ﷺ -. ورواه البيهقي من طريق الوليد بن مسلم عن أبن جريج عن طاوس عن أبن عباس مرفوعًا، والوليد شديد التدليس يدلس التسوية. وقد رواه الدارقطني ص ٣٢٨ من طريق: «عبد الرزاق أنا ابن جريح أخبر عمرو بن دينار أنه سمع طاوس يقول: أرجا يصاب في الرمي في القتال بالعصا أو بالسياط أو الترامي بالحجارة يودى ولا يقتل به من أجل أنه لا يعلم من قاتله؟» قال ابن جريج: «وأقول: ألا ترى إلى قضاء رسول الله - ﷺ - في الهذليتين: ضربت إحدهما الأخرى بعمود فقتلها، إذ لم يقتلها بها ووداها وجنينها. أخبرناه ابن طاوس عن أبيه لم يجاوز طاوس» .
أقول: قصة الهذليتين ستأتي.
وأخرج أيضًا من طريق: «عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرني أبن طاوس عن أبيه، قال (١) عند أبي كتاب فيه ذكر العقول جاء الوحي إلى النبي - ﷺ - ففي ذلك الكتاب وهو عن النبي - ﷺ -: قتل العمية ديته دية الخطأ، الحجر والعصا والسوط ما لم يحمل سلاحًا» ومن طريق «عبد الرزاق عن معمر عن طاوس عن أبيه أنه قال: من قتل في عمية رميًا بحجر أو عصا أو سوط ففيه دية المغلظة» .
فالروايات الصحيحة تجعله عن طاوس من قوله أو عنه عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وتفسيره بما سمعت، وقد مر توجيه ذلك في آخر الكلام على الحديث السابق فلا متشبث فيه للحنفية.
و(العميا) فسرها أهل الغريب كما في (النهاية) بقولهم: «أن يوجد بينهم قتيل يعمي أمر، ولا يتبين قاتله» .
_________________
(١) يعني ابن طاوس واسمه عبد الله. ن
[ ٢ / ٨٤٦ ]
حديث ابن عباس في دية القاتلة بمسطح وذكر من رواه من الصحابة
وأخرجه الدارقطني من طريق إدريس بن يحيى الخولاني: «حدثني بكر بن مضر حدثني حمزة النصيبي عن عمر بن دينار حدثني طاوس عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: من قتل في عميا رميًا تكون بينهم » ثم أخرجه من طريق عثمان بن صالح: «نا بكر بن مضر عن عمرو بن دينار » ومن وجه آخر عن عثمان بن صالح: «نا بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن عمرو بن دينار» .
حمزة النصيبي هالك، وعثمان بن صالح صالح في نفسه لكنة من الذين ابتلوا بخالد بن نجيح، كانوا يسمعون معه فيملي عليهم ويخلط. وخالد هالك.
قول الأستاذ: «ومنها حديث ابن عباس في دية القاتلة بمسطح - وهو عود من أعواد الخباء - أخرجه عبد الرزاق» .
أقول: جاءت القصة من رواية جماعة من الصحابة:
الأول: زوج المرأتين حمل بن مالك بن النابعة ومنه سمعة ابن عباس، ففي (مسند أحمد) ج ٤ ص ٨٠ «ثنا عبد الرزاق قال: أنا ابن جريح قال: أنا عمرو بن دينار أنه سمع طاوسًا يخبر عن ابن عن عمر ﵁ أنه نشد قضاء. رسول الله - ﷺ - في ذلك، فجاء حمل ابن مالك بن النابغ فقال: كنت بين بيتي امرأتي فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي - ﷺ - في جنينها بغرة وأن تقتل بها. قلت لعمرو: لا، أخبرني عن أبيه بكذا وكذا قال: لقد شككتني» . ورواه أبي داود عن أبي عاصم عن أبن جريج بمعناه إلى قوله: «أن تقتل» وبعده: «قال أبو داود قال النضر بن شميل: المسطح وهو الصوبج. قال أبو عبيد: السطح عود الخباء» .
ورواه البيهقي ج٨ص٤٣ من طريق عبد الرزاق بنحوه وفيه من قول ابن جريج: «فقلت لعمرو: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه قضاء بديتها وبغرة عن جنبيها. قال: لقد شككتني: ورواه النسائي من طريق عكرمة عن أبن عباس وفيه: «فرمت إحداهما الأخرى بحجر» . وروى الطبراني من طريق أبي المليح ابن أسامة
[ ٢ / ٨٤٧ ]
الهذلي عن حمل بن مالك: «أنه كان له امرأتان لحيانية ومعاوية فرفعت المعاوية حجرًا فرمت به اللحيانية وهي حبلى فألقت جنينًا، فقال حمل لعمران بن عويمر: (أخي القاتلة) أدّ إلى عقل امرأتي، فأبى فترافعا إلى رسول الله - ﷺ - فقال: العقل على العصبة» . وذكره ابن حجر في ترجمة عمران من (الإصابة) .
الثاني: أخوالمقتولة عويم، ويقال: عويمر الهذلي. في ترجمته من (الإصابة): «أخرج ابن أ «ي خثيمة والهيثم بن كليب والطبراني وغيرهم من طريق محمد بن سليمان بن سموأل أحد الضعفاء عن عمرو بن تميم بن عويم الهذلي عن أبيه عن جده قال: كانت أختي مليكة وامرأة منا يقال لها: أم عفيف تحت رجل منا يقال له: حمل بن مالك فضربت أم عفيف أختي بمسطح بيتها ») .
الثالث: أسامة بن عمير الهذلي روى الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة الهذلي عن أبيه قال: «أتى النبي - ﷺ - بامرأتين كانتا عند رجل من هذيل يقال له: عمران بن عويم فقال عمران: يا نبي الله إن لها ابنين هما سادة الحي وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم. قال: أنت أحق أن تعقل عن أختك » ذكره ابن حجر في ترجمة عمران من (الإصابة) وذكر في (الفتح) أن الحارث بن أبي أسامة أخرجه من طريق أبي المليح وفيه «فخذفت إحداهما الأخرى بحجر» .
الرابع: المغيرة بن شعبة وحديثه في (صحيح مسلم) وغيره من طرق عن منصور عن إبراهيم عن عبيد بن نضلة عن المغيرة وفيه «بعمود فسطاط» وفي رواية للترمذي «بحجر أو ع ود فسطاط » .
الخامس: أبو هريرة وحديثه في (الصحيحين) وغيرهما من طريق مالك عن ابن شهاب عن أبي سامة عن أبي هريرة «أن إمراتين من الهذيل رمت إحداهما الأخرى
[ ٢ / ٨٤٨ ]
جواب المصنف عن استدلال الكوثري به
فطرحت جنينها » وفي رواية أخرى في (الصحيحين) من طريق يونس عن أبن سهاب بسنده وفيه «فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها، وما في بطنها » وفي (صحيح البخاري) في «باب الكهانة» من «كتاب الطب» من طريق عبد الرحمن بن خالد عن أبن شهاب « فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها » وفيه «ثنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن امرأتين رمت إحداهما الأخرى بحجر فطرحت جنينها » .
السادس: يزيدة الأسلمي أخرج أبوداوود والنسائي من طريق عبد الله بن يزيدة عن أبيه أن امراة حذفت (أو خذفث) امراة فأسقطت ونهى يومئذ عن الحذف» .
هذا ماتيسر الإشارة إليه من طريق القصة، وقد رأيت الاختلاف في الفعل أضرب هو أم رمي أم حذف أم حذف. وفي الآلة: مسطح -حجر- عمود فسطاط. والطريق العلمية في مثل هذا أن يجمع فإن لم يمكن فالترجيح. فقد بقال أما الفعل فحذف لأن الحذف هو الرمي عن جانب فكل حذف رمي، ولا عكس، وإنما كان ذلك سببًا للنهي عن الحذف لأن كلًا منهما رمي بحجر ولتقاربهما لفظًا. وقد يطلق على الرمي ضرب كما مر في بعض الروايات «ضربت امراة ضربتها بحجر» أما الآلة فقد يقال إنها حجر كان صوبجًا وذلك أن في رواية زوج المراة «بمسطح» وفي رواية عنه «بحجر» وفي رواية أخي المفتولة «بمسطح» والمسطح كلمة مشتركة يطلق على الصوبيج وهو ما يرقق به العجين ويخبز وقد يكون عند أهل البادية حجرًا، ويطلق على عمود الخباء والفساط، فجاء في رواية منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن المغيرة «بعمود فسطاط» وفي رواية «بحجر أو عمود فسطاط» وفي رواية الأعمش عن ابراهيم «بحجر» فكأنه كان في أصل الرواية «بمسطح» . فحمله بعضهم على احد معنييه وبعضهم على الآخر، وشك بعضهم. وفي رواية أبي المليح عن أبيه «بعمود خباء» وفي الأخرى منه «بحجر» فكأنه كان في
[ ٢ / ٨٤٩ ]
إعلال الكوثري لحديث الرضخ والرد عليه بما يبين تجاهله للحق
الأصل «بمسطح» وفي رواية أبي هريرة في (الصحيحين) «بحجر» ولم يختلف عليه، فإن اتجه ذاك التوجية وإلا فما اتفق عليه الشيخان أرجح. إذا تقرر هذا فنقول: إن حذف المراة صاحبتها بحجر ليس مما يتبين به مطلقًا لا قصد القتل. ^ ٨٧^
فإن قيل عدم استفصال النبي - ﷺ - يدل على أن القتل بمثل ذلك شبه عمد على كل حال، قلت: لم يذكر في شيء من الروايات اختلاف من الخصمين في القتل أعمد أم شبه العمد؟ ولا فغي موجبة بل تقدم في رواية أبي المليح عن حمل «فقال حمل لعمران بن عويمر (أخي القاتلة) أد إلى عقل أمرأتي فأبى فترافعا» في روايته عن أبيه «فقال عمران يانبي الله لها ابنين هما سادة الحي وهم احق أن أن يعقل عن أمهم» . فقد اتفق الخصمان فبل الترافع وبعده على أن في القتل دية على العاقلة، وإنما اختلفا في العاقلة التي تلزمها الدية في الواقعة الأخ أم الا بنان؟ ومعنى ذلك اتفاقهما على أن القتل شبه عمد. وافرض أن خصمين ترافعا إلى قاض فقال أحدهما إن اخت هذا قتلتن أختي شبه عمد وهو عاقلتها فأطالبه بالدية، فقال الآخر: قد صدق ولكن للقاتلة بنون وهم أحق أن يفعلوا عن أمهم. ألا ترى أنه لا حاجة بالقاضي إلى السؤال عن صفة القتل، لتصادق الخصمين على أنه شبه عمد، وإنما اختلفا في غيره؟
قول الأستاذ: «وقد أعل أبو حنيفة حديث الرضخ كما سيأتي» .
أقول في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٨٧ من طريق «بشر بن مفضل قال: قلت لأبي حنيفة قتادة عن أنس أن يهوديًا رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ النبي - ﷺ - رأسه بين حجرين. قال هذيان» . فهل هذا إعلال؟ ! قال الأستاذ ص ٨٠: وأما حديث الرضخ فمروي عن أنس بطرلايق هشام بن زيد، وأبي قلابة عنعنة، وفيه القتل بقول المقتول من غير بينة، وهذا غير معروف في الشرع، وفي رواية قتادة عن أنس إقرار القاتل لكن عنعنة قتادة متكلم فيها (١) . ثم راح يتكلم
_________________
(١) قلت: قد صرح قتادة بالتحديث كما بينه المؤلف فيما يأتي، فهل ذلك الكوثري أم تجاهل؟ أغلب الظن الثاني، وعلى كل حال، فهو كما قال الشاعر: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. ن
[ ٢ / ٨٥٠ ]
بيان أن رأي أبي حنيفة أن القود بالسيف فقط خلاف المماثلة المنصوص عليها في القرآن
في أنس ﵁.
أقول: أما هشام فهو هشام بن زيد بن أنس بن مالك وحديثه هذا عن جده في (الصحيحين) وغيرهما، وهشام غير مدلس وسماعة من جده أنس ثابت، ومع ذلك فالراوي عنه شعبة ومن عادته التحفظ من رواية ما يخشى فيه التدليس، وحديثه في (الصحيحين) .
ومن عادتهما التحرز عما يخشى فيه التدليس فسماع هشام لهذا الحديث من جده أنس بن مالك ثابت على كل حال. وأما أبو قلابة فهو عبد الله بن زيد الجرمي وقد قال فيه أبو حاتم: «لا يعرف له التدليس» وذكر ابن حجر في ترجمة من (التهذيب) ما يعلم منه أن معنى ذلك أن أبا قلابة لا يروى عمن قد سمع منه إلا ما سمعه منه. وقد ثبت سماعه من أنس كما في قصة العرنيين وغيرهما وحديثه في (الصحيح) أيضا، فالحكم في حديثه هذا أنه سمعه من أنس.
أما قتادة فمدلس لكنه قد صرح بالسماع. قال البخاري في (الصحيح) في «باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به»: حدثني إسحاق أخبرنا حيان حدثنا همام حدثنا قتادة حدثنا أنس أبن مالك أن يهوديًا رض رأس جارية بين حجرين فجئ باليهودي فأعترف، فأمر به النبي - ﷺ - فرض رأسه بالحجارة» . وقد قال همام: - «بحجرين» وفي «مسند أحمد» ٣٦ ص٢٦٩: «ثنا عفان قال ثنا همام قال: أنا قتادة أن أنسًا أخبره فأخذ اليهودي فجيء به فاعترف» وتمام الكلام في (الطليعة) ص ١٠١-١٠٣ وترجمة أنس من قسم التراجم، وفي مقدمة (التنكيل) أوائل الفصل الثالث وفي أثناء الفصل الخامس.
قال الأستاذ: «ومن رأية (يعني أبا حنيفة) أيضًا أن القود بالسيف فقط تحقيقًا لعدم الخروج عن المماثلة المنصوص عليها في الكتاب» !
أقول: الخروج عن المماثلة كمل يكون بالعدوان، فكذلك يكون بالنقصان، وكما
[ ٢ / ٨٥١ ]
أن العدل يقتضي منع الولي من الاعتداء فكذلك يقتضي تمكينه من الاستيفاء، ومن قتل إنسانًا ظلمًا برضخ رأسه بالحجارة فالقصاص أن يقتل مثل تلك القتلة، فإن قيل: ربما يقع في هذا زيادة فخفيفة غير مقصودة ولا محققة ولا مانعة من أن يقال: إنه قتل مثل قتلته، وفي تمكين الولي من ذلك شفاء لغيظة، وتطييب لنفسه، وزجر للناس، وردع عم الجمع بين القتل ظلمًا وإساءة القتلة، وقد شرع الله ﵎ رجم الزاني المحصن إبلاغًا في الزجر، والقتل ظلمًا أشد من الزنا. نعم قال الله ﵎ «وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله» وكما أن العفوقد يكون بترك المجازاة البتة فقد يكون بتخفيفها فغاية الأمر أن يكون الاقتصاص بضرب العنق أولى، وعلى هذا يحمل ما ورد في ذلك على ذلك على ضعفه ومعارضة غيره له. والله الموفق.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
فيه فوائد منها بيان الفرق بين عقلته وعقلت عنه
المسألة الثالثة عشرة: لا تعقل العاقلة عبدًا
قال الأستاذ ص ٢٤: «قول صاحب القاموس (ع ق ل): وقول الشعبي لا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا معناه أن يجني على عبد قال الأصمعي: كامت أبا يوسف بحضرة الرشيد فلم يفرق بين عقلته وعقلت عنه حتى فهمته» قال الأستاذ: «وعقلته يستعمل في معنى غقلت عنه، قال الأكمل في (العناية): وسباق الحديث وهو: لا تعقل العاقلة عمدًا. وسياقه وهو: «ولا صلحًا ولا اعترافًا» يدلان على ذلك لأن معناه: عمن عمد وعمن اعترف اه ويؤيده ما أخرجه أبو يوسف في (الآثار) عن أبي حنيفة عن حماد بن غبراهيم أنه قال: لا تعقل العاقلة العبد إذا قتل خطأ. وما أخرجه محمد بن الحسن في (الموطأ) عن عبد الرحمن بقن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد اله بن عتبة بن مسعود عن أبن عباس قال: لا تعقل العاقلة عمدًا ولا صلحا ولا أعترافًا ولا ما جنى المملوك اه وما جنى المملوك نص على أن المراد بقوله: لا تعقل العاقلة عبدًا أن العاقلة لا تعقل عن العبد الجاني رغم كل متقول. وأخرج البيهقي بطريق الشعبي عن عمر: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة. ثم قال: هذا منقطع، والمحفوظ أنه من قول الشعبي» ثم حكى عبارة أبي عبيد وفي آخرها «قال أبو عبيد فذا كرت الأصمعي فقال: القول عندي ما قال ابن أبي ليلى وعليه كلام عرب، ولو كان المعنى على ما قال أبو حنيفة لكان: لا تعقل العاقلة عن عبد» ثم قال الأستاذ: « ولا منافاة بين هذا وبين أن يأتي في لسان العرب: عقل عنه. بمعنى: ودى. بل:
[ ٢ / ٨٥٣ ]
عقله. في هذا الباب بمعنى: عقل عنه. على الحذف والإيصال لأأن أصل الكلام: عقل فلان قولئم الجمال ليدفعها دية عن فلان. فاستغني عن المفعول الصريح وأو صل إلى المدفوع عنه بحذف -عن- وهذا من أسرار العربية، والقصد من الآثار المروية عن عمر وابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي واحد »
أقول: عاقلة الانسان عصبته على تفصيل معروف في كتب العلم، فإذا قتل حرّ حرًا خطأ محظًا أو شبه عمد وثبت ببينة فالدية على عاقلة القاتلا، ومن الحكمة في ذلك أن أولياء المقتول يطلبون بثأره، ومن شأن عصبة القاتل أن تقوم دونه وهم محقون في ذلك فيقال لهم: من شأنكم أن تقدموا دونه فاغرموا مالزم بفعله. وإن كان القتل عمدًا أو لم يثبت إلا باعتراف القاتل لم يلزم العاقلة شيء لأنهم قد يقولون في العمد: لوطلب دمه لم نقم دونه ولا يحل لنا ذلك وهو أو قع نفسه باختياره. ويقولون في الاعتراف: هو جر البلاء باختياره وهكذا إذا لم يلزم شيء إلا بمصالحته لأن ذلك كاعترافه.
وبقيت مسألتان:
الأولى: أن يقتل عبد حرًا فليس في هذا شيء على عاقلة العبد ولا على عاقلة سيده. أما عاقلة العبد فلأنه مادام عبدًا في معنى الأجنبي عنهم، وأما عاقلة سيده فلأنهم يقولون: القاتل المطالب هو العبد ولا شأن لنا به ولا نقوم دونه.
الثانية: أن بقتل حر عبدًا فقيل: إذا كان عمدًا ثبت القود، وقيل: لا قود بحال، لأن هذا ليس من مظنة الفتنة، فإن سيد العبد لا يهمه أن يأخذ بثأر عبده وإنما يهمه أن يأخذ مالًا يستعيض به منه. فأما إذا كان خطأ محضًا أو شبه عمد فلا قود اتفاقًا وإنما يجب المال، واختلفوا في الواجب فقال قوم: الواجب قيمة العبد بالغة ما بلغت، لأن سيده يستحق ما يعادل ما فاته ومقدار ذلك معروف وهو القيمة كما لو كان المقتول فرسًا، وإلى هذا رجع أبو يوسف وهو قول الشافعي وغيره. وقيل: الواجب دية لكن مقدارها هو القيمة بشرط أن لا تساوي دية الحر ولا تزيد عليها فإن ساوت أو زادت لم يجب إلا دون دية الحر بعشرة، وهذا قول أبي حنيفة ولا
[ ٢ / ٨٥٤ ]
يخفى ما فيه. ثم اختلفوا في تعزيم العاقلة، فقال قوم: ليس عليها شيء لأنه إن كان الواجب قيمة فكما لو كان المقتول فرسًا، وإن كان دية فليس من شأن سيد العبد أن يطلب دم القاتل فيكون ذلك من مثار تعصب عاقلته. وقال أبو حنيفة: تلزم العاقلة. احتج مخالفوه بما روي عن الشعبي: لا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا. فقال أبو حنيفة: إنما معنى هذا وارد في المسألة الأولى، وهي أن يكون العبد هو القاتل فرده الأصمعي بما مر وأجاب الأستاذ بما سمعت.
وأقول: أما ما ذكر عن إبراهيم، فقوله: «قتل» لا أدري أبا لبناء للفاعل أم المفعول، فإن كان للمفعول وهو الظاهر فهو نص في خلاف قول أبي حنيفة. فإن قيل: رواية أبي حنيفة له تدل على أنه عنده بالبناء للفاعل، قلنا: بل رواية أبي يوسف له تدل أنه عنده بالبناء للمفعول، والحق اطراح هذين فإن إبراهيم تابعي، والعالم كأبي حنيفة وأبي يوسف قد يروي من أقوال التابعين ما لا يقول به، لكن إذا ثبت أن المعروف في اللغة عقلت القتيل. دون: عقلت القائل. تبين أن الفعل في قول إبراهيم مبني للمفعول وهو الظاهر.
وأما الأثر عن أبن عباس فليس من الواجب مطابقته لما روي عن غيره، بل هي خمس مسائل اتفق القولان على ثلاث، وانفرد كل منها بواحدة، ويتعين الجزم بهذا إذا كان المعروف في اللغة: عقلت القتيل، لا عقلت القائل. فتبين أن المدار على اللغة.
فأما ما ذكره صاحب (العناية) فليس بشيء، بل المعنى لا تعقل العاقلة دية عمد ولا قيمة عبد ولا واجب صلح ولا واجب اعتراف. وأما تحقيق الأستاذ فيقال له: العبارة التي زعمت أنها الأصل وهي «عقل فلان قوائم الإبل ليدفعها دية عن فلان» إنما تعطي بمقتضى العربية أن فلانًا الثاني هو القاتل فإننا نقول: «دفعت عن فلان الدين الذي عليه، وأديت عنه الدية التي لزمته» ويصح أن يقال بهذا المعنى: «وديت عنه» أي: أديت عنه الدية التي لزمته، فأما المقتول فإنما يقال: «وديته» وقد يقال: هذه دية من القتيل أي بدل عنه قال الشاعر:
[ ٢ / ٨٥٥ ]
عقلنا لها من زوجها عدد الحصى
قال ابن قتيببة في (كتاب المعاني): «يقول قتلنا زوجها فلم تجعل عقلة إلا همها والمفعول يولع بلقط الحصى وعدة» و«من» هذه هي البدلية متلها في قةله تعالى: «ٌ أرضيتم بالحياة الدينا من الآخرة» وفي صغار كتب العربية أن «عن» للمجاوزة، وإذا أديت الدية فإنما جعلتهال تجاوز ذمة القاتل كما تقول: اديت عن فلان الدين الذي كان عليه، ولا معنى لمجاوزنها المقتول.
وبعد فلا ريب أن الأصل «عقلت قوائم الإبل، لكن استغنوا عن القوائم على كل حال فقالوا: «اعقل ناقتك» ثم كثر عقل الإبل في الدية فاستغنوا في ذكر الدية عنلفظ الإبل، يقول ولي المقتول أو المصلح: اعقلوا. ويقول أولياء القايل سنعقل. وكثر ذلك حتى صار المتبادر من العقل في قضايا القتل معنى الدية فاستعمل في معناها حتى جمع جمعها فقيل: «عقول» بمعنى «ديات» فإذا قيل في قضايا القتل: عقلته. فمعناه: وديته. أي أديت ديته. وإذا قيل: عقلت عنه. فالمعنى: وديت عنه. أي أديت عنه الدية التي كانت مستقرة عليه فجعلتها تجاوزه. هذا هو المعروف في العربية.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
طول نفس المصنف مع ذكره لثلاثة مسالك للحنفية في محاولة التخلص من الأحاديث الصحيحة في المسألة٣
المسألة الرابعة عشرة: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا
في (تاريخ بغداد) ١٣/٣٩١ حكايتان عن أبي عوانة «كنت عند أبي حنيفة جالسًا فأتاه رسول من قبل السلطان فقال يقول الأمير: رجل سرق وديًا فما ترى؟ فقال غير متعتع: ان كانت قيمته عشرة دراهم فاقطعوه » قال الأستاذ ص٩٢: «قال الامام محمد بن الحسن الشيباني في (الآثار): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: لا يقطع السارق في أقل من ثمن المجن، وكان ثمنة يومئذ عشرة دراهم ولا يقطع بأقل من ذلك قال الإمام محمد في (الموطأ): قد اختلف الناس فيما تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم ورووا ذلك عن النبي - ﷺ - وعن عمروعن عثمان وعن على وعن عبد الله بن مسعود وعن غير واحد فإذا جاء الاختلاف في الحدود أخذ فيها بالثقة وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. يعنى أن ربع الدينار نحوثلاثة دراهم والحدود أخذ فيها بالثقة وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. يعنى أم ربع الدينار نحوثلاثة دراهم والحدود مما يدرًا بالشبهات فالأ خذ برواية عشرة دراهم في القطع أحوط فيؤخذ بها حيث لم يعلم الناسخ من المنسوخ من تلك الآثار المختلفة» .
أقول: رأيت للحنفية مسالك في محاولة التخلص من الأحاديث الصحيحة في هذه المسألة نشطت للنظر فيها هنا.
المسلك الأول هذا الذي تقدم، وحاصله أن الدليلين إذا تعارضا عمل بالناسخ،
[ ٢ / ٨٥٧ ]
مناقشة الطحاوي في مسلكه واستدلاله بحديث ضعيف مخالف لعموم القرآن
فإن لم يعلم فبالراجح. تعارضت الأدلة هنا ولم يعلم الناسخ فتعين العمل بالراجح. ومن المرجحات نفي الحد، أي أنه كان أحد الدليلين المتعارضين مثبتًا لحد والآخر نافيًا له، كان ذلك مما يقتضي ترجيح الثاني. فالأحاديث الموجبة للقطع في ربع دينار مثبتة للحد في ما ساوى ذلك وما زاد عليه. والأحاديث الدالة على أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم نافية للحد فيما ذلك، فجاء التعارض فيما يساوى ربع دينار أو يزيد عله ولكنه لا يبلغ العشرة، ولم يعلم الناسخ فترجح النافي.
والجواب عن هذا أن ما يذكر في أنه لا قطع فيما دون العشرة لا يثبت كما ستراه مفصلًا فليس بدليل أصلًا. هبه ثبت فعد نفي الحد من المرجحان فيه نظر، وما يذكر فيه من السنة لا يثبت. هبه ثبت فلا حجه فيه للاتفاق على أن الحد يثبت بخير الواحد ونحوه مما يقول الحنفية أنه دليل فيه شبهة، وإنما الشبهة التي يدرًا بها الحد ما يقتضي عذرًا ما للفاعل كمن أخذ ماله فيه حق، فإن له أن يقول: لم أسرق وإنما توصلت إلى أخذ حقي، وكالواطئ في نكاح بلا ولي فإن له أن يقول لم أزن وإنما أتيت امرأتي. فأما من يقول سرقت عالمًا بأن السرقة حرام، لكن قد تعارضت الأدلة في أن سرقتي هذا توجب الحد. فلا عذر له، ولا يدرأ عنه الحد، كما لا يدرأ عمن قال: «سرقت عالمًا» بأن السرقة حرام، ولكن لم أعلم بأن حكم الإسلام قطع يد السارق. بل ذاك أولى فإنه إذا لم يعذر بجهل وجوب الحد من أصله فكيف يعذر بالتردد؟ هبه ثبت أن نفي الحد من مقتضيات الترجيح. فللمثبت مرجحات أقوى من ذلك كما ستراه إن شاء الله.
المسلك الثاني للطحاوي. بدأ في كتاب (معاني الآثار) بذكر حديث ابن عمر «أ، رسول الله - ﷺ - قطع في مجن ثمنة ثلاثة دراهم» وهو في (الموطأ) و(الصحيحين) وغيرها، رواه مالك وجماعة عن نافع عن أبن عمر فهو في أعلى درجات الصحة.
ثم ذكر الطحاوي أنه لا حجة فيه على أنه لا يقطع فيما دون ذلك. ثم روي من طريق أبي واقد صالح بن محمد بن زائدة عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رفعه «لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن» قال الطحاوي: «فعلمنا
[ ٢ / ٨٥٨ ]
بهذا رسول الله - ﷺ - وقفهم عند قطعة في المجن على أنه لا يقطع فيما قيمته أقل من قيمة المجن» .
أقول: أبوواقد هذا ذكر بصلاح في نفسه وغزو، قال أحمد: «ما رأى به بأسًا» لكنهم ضعفوه في روايته، قال ابن معين: «ضعيف الحديث» وضعفه أيضًا على أبن المديني والعجلي وأبو زرعة وأبو داود والنسائي وأبو أحمد والحاكم وابن عدي، وقال البخاري وأبو حاتم والساجي: «منكر الحديث» . وقال ابن حبان: «كان ممن يقلب الأخبار والأسانيد ولا يعلم، ويسند المرسل ولا يفهم، فلما كثر ذلك في حديثه وفحش استحق الترك» ومما أنكروه عليه حديثه عم سالم عن أبيه عن عمرورفعه: «من وجدتموه قد غل فأحرقوا متاعه» قال البخاري: «وحديث الباطل ليس له أصل» وقد ذكر الطحاوي حديثه هذا عن سالم في (مشكل الآثار) على ما في (المعتصر) ج٢ص٢٣٨، (١) وفي (المعتصر) عن الطحاوي: «وكتاب الله يخالف ذلك، قال الله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا» فإذا لم يكن في سرقة مال ليس للسارق فيه شركة سوى قطع اليد لا جزاء له غير ذلك فأحرى أن لا يجب عليه في غلول مال له فيه حظ إحراق رحله» .
أقول: دلالة الآية على أنه لا جزاء غير ذلك دلالة لا يقول بها الجمهور. وعلى القول بها فإنما يتجه ما بناه الطحاوي عليها لو كان على الغال قطع إذ يقال ليس على السارق إلا القطع مع أنه لا شبهة له فكيف يزاد الغال على مع أن له شبهة؟ . فإما أن يكون على السارق الذي لا شبهة له القطع وليس على الغال على لشبهته قطع ولكن عليه عقوبة دون ذلك. فليس في هذا ما ينكر، كما أن الزاني المحصن الرجم فقط وليس على غير المحصن رجم ولكن عليه الجلد. وكما أن من ارتكب موجب الحد يحد ولا يعزر ومن ارتكب ما دون ذلك لم يحد ولكنه يعزر.
رد الطحاوي حديث أبي واقد في الغال بدعوى مخالفة لا حقيقة لها، لدلالة لا
_________________
(١) الطبعة الثانية.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
النظر في قيمة المجن الذي قطع فيه النبي ﷺ
يقول بها الجمهور، ثم احتج بحديث أبي واقد نفسه هنا مع مخالفة محققة لدلالة متفق عليها من الآية نفسها، فإن حديثه هنا ينفي القطع عن عدد كثير يحق على كل منهم اسم «السارق» وهم كل من كان مسروقة أقل من قسمة المجن والآية توجب بعمومها قطع كل من يحق عليه - ٩٥-
اسم «السارق» ودلالة العموم متفق عليها بل يقول الحنفية أنها قطعية. ثم يبالغ الطحاوي فيقول «فعلمنا بهذا » كأنه يرى أبا واقد معصومها يوجب حديثه العلم. ويجعل ذلك أمرًا مفروغًا منه، وإنما الشأن في معرفه قيمة المجن؟
ومع ذلك نجاري الطحاوي في النظر في القيمة المجن. ذكر الطحاوي أن بعض أهل العلم يقول إنها ثلاثة دراهم بحديث ابن عمر السابق. قال: «وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لايقطع السارق إلا فيما يساوي عشرة دراهم فصاعدًا، واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود (وهو إبراهيم بن سامان داود الأ سدي البرلسي) و(أبو زرعة) عبد الرحمن بن عمروالدمشقي قالا: ثنا أحمد بن خالد الوهبي قال. ثنا محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال كان قيمه المجن الذي قطع فيه النبي ﷺ عشرة دراهم»
أقول: ابن إسحاق متكلم فيه وفي حفظه شيء كما في (الميزان)، وقد اضطرب في الخبر كما يأتي فخبره هذا غير صالح للحجة أصلا فكيف يعارض به حديث (الموطأ) و(الصحيحين) وغيرهما المتواتر عن نافع عن ابن عمر؟ ومع هذا فالظاهر أن هذا لفظ ابن أبي داود كما يشير إلى ذلك تقديم الطحاوي له، فأما، فأما الدمشقي فقال الحاكم في (المستدرك) ج ٤ ص ٣٧٨: «حدثنا أبو العباس محمد يعقوب (الأصم) ثنا أبو زرعة الدمشقي ثنا أحمد ابن خالد الوهبي ثنا محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - يقوم عشرة دراهم» . وهذا هو الصواب من حديث الوهبي كذلك أخرجه الدارقطني في (السنن) ص ٣٦٩: «نا محمد بن إسماعيل الفارسي نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة نا أحمد بن خالد الوهبي» وكذلك أخرجه البيهقي في (السنن)
[ ٢ / ٨٦٠ ]
بيان الفرق بين ثمن السلعة وقيمتها
ج٨ ص ٢٥٧: «ثنا أبوطاهر الفقيه أنبأ ابوبكر القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا أحمد بن خالد الوهبي » كلاهما بلفظ الأصم عن الدمشقي إلا أن ابن نجدة قدم كلمة «يقوم» ذكرها بعد كلمة «المجن» فإن قيل فالمعنى واحد. قلت: كلاّ، لفظ الطحاوي يجعل العشرة قيمة «المجن الذي قطع
فيه النبي - ﷺ -» والمحفوظ وهو لفظ الدمشقي وأبن نجدة والسلمي يجعلها قيمة المجن مطلقًا كما تقوم: كانت الغنم رخيصة في عهد فلان، كان ثمن الشاة يقوم درهمين. فإن قيل وكيف يستقيم ذلك والمجان تختلف جودة ورداءة، وجدة وبلى، وسلامة وعيبًا، وترخص في وقت وتغلوفي آخر؟ قلت: كأن قائل ذلك بلغه أن أقل ما قطع فيه النبي - ﷺ - مجن ورأى أنه لا ينبغي القطع في أقل من ذلك، وأعوزه أن يعرف ذاك المجن أو يعرف قيمته على التعين أو يجد دليلًا يغنيه عن ذلك، ففزع إلى اعتبار جنسه ليحمله على أقصى المحتملات احتياطًا، أو على أولاها في نظره، فرأى أن العشرة أقصى القيم أو أو سطها أو غالبها أو أقصى الغالب أو أو سطه. فإن قيل فهلا تحمل كلمة «المجن» في لفظ الجماعة على ذلك المجن المعهود الذي قطع فيه النبي - ﷺ - فتوافق لفظ الطحاوي؟ قلت: يمنع من ذلك أمور.
الأول: أن الظاهر إرادة الجنس.
الثاني: قوله «كان يقوم» وهذا يقتضي تكرار التقويم ولا يكون ذلك في ذاك المجن المعين.
الثالث: أنه لا داعي إلى حمل المحفوظ على الشاذ بما يخالف الحديث الثابت المحقق وهو حديث ابن عمر. فإن قيل قد يكون ابن عمر قوم باجتهاده فقال: عشرة. قلت: هذا باطل من أوجه.
الأول: أن الواجب في التقويم أنه إذا رفعت إلى الحاكم سرقة فكان المسروق مما لا يعلم لأول وهلة أنه بالقدر الذي يقطع فيه أو لا أن يبدأ الحاكم فيأمر العدول
[ ٢ / ٨٦١ ]
حديث: "قطع يد سارق سرق ترسا "
العارفين بتقويم المسروق، وابن عمر في دينه وتقواه وورعه وعلمه بأنه سيبنى على خبره قطع أيد كثيرة لا يظن به أن يجزم إلا مستندًا إلى ما جرى به التقويم بحضرة النبي - ﷺ -.
الثاني: أن أثبت الرويات وأكثرها عن ابن عمر بلفظ: «ثمنه» كما تراه في (صحيح البخاري) مع (فتح الباري) وأصل الفرق بين الثمن والقيمة أن الثمن هو ما يقع عوضًا عن السلعة، والقيمة ما تقوم به السلعة فمن اشترى سلعة بثلاثة دراهم، وكانت تساوي أكثر أو أقل فالثلاثة ثمنها، والذي تساويه هو قيمتها، فإذا أتلف رجل سلعة الآخر فقومت بثلاثة دراهم فقضى بها الحاكم فقد لزمت الثلاثة عوضًا عن السلعة، فصح أن تسمى ثمنًا لها فهكذا السلعة المسروقة لا يحسن أن يقال: «ثمنها ثلاثة دراهم» إلا إذا كانت قومت بأمر الحاكم بثلاثة دراهم فقضى بحسب ذلك. وكأن هذا هو السر في اعتناء البخاري باختلاف الرواة في قول بعضهم «ثمنه» وبعضهم «قيمته» مع أن قول بعضهم «قيمته» لا يخالف ما تقدم، لأن ما وقع به التقويم فالقضاء يصح أن يسمى «قيمته» لكن مالم يعلم أنه وقع به التقويم فالقضاء، فإنه لا يصح أن يسمى ثمنًا فتدبر.
الثالث: أن ابن عمر لوبنى على حدسه لكان الغالب أن تتردد.
الرابع: أن الاختلاف في تقويم السلعة بين عارفيها وعارفي قيم جنسها في المكان والزمان الواحد لا يكون بهذا القدر، يقول هذا: ثلاثة. ويقول الآخر: عشرة. قال ابن حجر في (الفتح): «محال في العادة أن يتفاوت هذا فقد جاء في بعض الروايات عن أبن عمر كما في (سنن أبي داود) والنسائي «أن النبي - ﷺ - قطع يد السارق سرق ترسًا صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم (١) وهذا يدل على إتقان ابن عمر للواقعة ومعرفة بها فهو المقدم على غيره.
هذا كله على فرض صحة خبر ابن
_________________
(١) د قلت: وإسناد هذه الرواية صحيح عل شرط الشيخين. ن
[ ٢ / ٨٦٢ ]
اضطراب ابن اسحاق في رواية حديث العشرة المتقدم
إسحاق، وقد علمت أنه لا يصح، وسيأتي تمام ذلك والصواب مع صرف النظر عن الصحة أن القائل عشرة دراهم إنما نظر إلى الجنس على ما تقدم بيانه.
فإن قيل فقد قال أبو داود في (السنن): «حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: قطع رسول الله - ﷺ - يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم» .
قلت: هذا لفظ ابن أبي السري كما صرح به أبو داود، وابن أبي السري وإن حكى أبن الجنيد أن ابن معين وثقة فقال قال أبو حاتم «لين الحديث» وقال مسلمة: «كان كثير الوهم وكان لا بأس به» وقال ابن وضاح: «كان كثير الغلط»، وقال ابن عدي «كثير الغلط» . والمحفوظ عن ابنن نمير كما تقدم نا شعيب بن أيوب نا عبد الله بن نمير » والظاهر أن لفظ عثمان بن أبي شيبة هكذا.
فإن قيل: فقد قال ابن أبي شيبة في (المصنف ٩: «حدثنا عبد الأعلى عن محمد عن محمد بن إسحاق قال: حدثني أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس: لا يقطع السارق في دون ثمن المجن، وثمن المجن عشرة دراهم» وذكره البخاري في (التاريخ) ج١ قسم ٢ ص ٢٧ عن عياش عن عبد الأعلى نحوه. فكلمة «المجن» الأولى للعهد فكذلك الثانية.
قلت: ليس هذا بلازم با الثانية للجنس كما في غالب الروايات، على انه يمكن أن تكون الأولى للجنس أيضًا، ويمكن أن تكونا معًا للعهد، ولكن التقويم استنباطي على ما تقدم لا تحقيقي.
فإن قيل: فقد قال ابن التر كماني «قال صاحب (التمهيد): ثنا عبد الوارث ثنا قاسم ثنا محمد يوسف ثنا ابن إدريس ثنا محمد بن إسحاق عن عطاء عن ابن عباس قاتل: «قوم المجن الذي قطع فيه النبي - ﷺ - عشرة دراهم» .
قلت: المحفوظ عن ابن إدريس ما قاله الدارقطني ص ٣٦٨: «ثنا ابن صاعد
[ ٢ / ٨٦٣ ]
ثنا ابن خلاد بن أسلم ثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عطاء عن ابن عباس قال: «كان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم» سند الدارقطني أقصر وأثبت فإن محمد بن وضاح كان ممن يخطئ وقاسم بن أصبغ اختلط باخرة» .
هذا وقد اضطرب ابن إسحاق في هذا فرواه مرة عن عطاء عن ابن س كما هنا، ومرة عن أيوب بن موسى عن عطاء كما مر، وقال مرة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما يأتي، ومرة عن عمرو بن شعيب عن عطاء أن ابن عباس كان يقول: «ثمنه يؤمئذ عشرة دراهم» أخرجه النسائي وذكره البخاري في (التاريخ) ج١ قسم ٢ ص ٢٧، ورواه مرة عن عمرو بن شعيب عن عطاء مرسلًا كما في (الفتح)، ومرة عن أيوب بن موسى عن عطاء مرسلًا، لم يذكر فيهما ابن عباس رجعله من كلام عطاء، ذكر النسائي الثانية قال: «أخبرني محمد بن وهب قال: حدثنا محمد بن سلمة قال: حدثني ابن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء، مرسل» .
فإن قيل فقد قال أبو داود: «ورواه محمد بن سلمة وسعدان بن يحيى عن ابن إسحاق بإسناده» ظاهر هذا الوصل.
قلت: لم يذكر أبو داود من حدثه عن محمد بن سلمة، والنسائي ذكر ذلك وحققه فهو أولى. وفي كلام النسائي ما يدل على ترجيح الإرسال فإنه فإنه قال عقب ذلك: «أخبرني حميد بن مسعدة عن سفيان –هو ابن حبيب –عن العرزمى –هو عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن. قال: وثمن المجن يؤمئذ عشرة دراهم» وفي (مصنف ابن أبي شيبة): «حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن المجن. وكان يقوم المجن في زمانهم دينارًا أو عشرة دراهم» . وقال ابن التركماني: «في (كتاب الحجج) لعيسى بن أبان » ثم قال: «وفي (كتاب الحجج) عن
[ ٢ / ٨٦٤ ]
مصعب بن سلام ويعلى بن عبيد قلا: ثنا عبد الملك عن عطاء أنه سئل ما يقطع فيه السارق؟ قال ثمن المجن. وكان في زمانهم يقوم دينارًا أو عشرة درهم» .
وهذا الحديث في حكم مختلف فيه تعم به البلوى، وعطاء إمام جليل فقيه معمر، كان بمكة حيث ينتابها أهل العلم من جميع الأقطار، وله أصحاب أئمة حفاظ فقهاء كانوا أعلم به وألزم له ايوب بن موسى وعمرو بنشعيب، فلو كان عنده هذا الحديث عن ابن عباس لما فاتهم.
وهذا عبد الكلك بن أبي سليمان وهو من أثبت أصحاب عطاء وألزمهم له جاء عنه إلا قوله كما تقدم. وهذا عبد الملك بن أبي سليمان وهو من أثبت أصحاب عطاء لم يكن عنده عنه إلا قوله كما تقدم. وهذا ابن جريج أعلم أصحاب عطاء وألزمهم له جاء عنه أنه قال: «لزمت عطاء سبع عشرة سنة) ٩ وقال: «جالست عمرو بن دينار بعد ما فرغت من عطاء» زكان يدلس عن غير عطاء فأما عن عطاء فلا، قال: «إذا قلت: قال: عطاء فأنا سمعه منه وإن لم أقل سمعت»، وإنما هذا لإنه كان يرى أنه قد استوعب ماعند عطاء فإذا سمع رجلًا يخبر عن عطاء بما لم يسمعه منه رأى أنه كذب فلم يستحل أن يحكيه عن عطاء. وهذا كما قال أبو إسحاق: «قال أبو صالح (ذكوان) و(عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: ليس أحد يحدث عن أبي هريرة إلا أصادق هو أم كاذب» يريدان أنه إذا حدث عن أبي هريرة بما لم يسمعاه منه علما أنه كاذب، لأحاطتهما بحديث أبي هريرة. وقال الإمام أحمد: «ابن جريج أثبت الناس في عطاء» وكان ابن جريج يذهب إلى هذا المذهب، قال ابن التركماني: «في (مصنف عبد الرزاق) عن ابن جريج قال كان يقول: لا تقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم» . مع هذا كله لم يكن عند ابن جريج عن عطاء في هذا إلا ما ذكره الطحاوي في أواخر كلامه، قال: «حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا ابن عاصم ابن جريج قال: كان قول عطاء على قول عمرو بن شعيب: لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم» وهذا يشعر بأن عطاء إنما أخذ هذا القول عن عمرو بن شعيب، وهذا عكس ما زعمه ابن إسحاق، أفيجوز أن يكون عند ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس فيترك أن يقول: كان قول عطاء على قول ابن عباس. ويعدل إلى عمرو بن شعيب؟
[ ٢ / ٨٦٥ ]
وقد كان لابن عباس أصحاب حفاظ فقهاء كأنه ألزم له وأعلم به من عطاء ولم يروأحد منهم عنه في هذا الباب شيئًا، فأما ما روى عبد الرزاق عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن حصين عن عكرمة عن أبن عباس قال: «ثمن المجن الذي يقطع فيه دينار» ذكره ابن التركماني، فليس بشيء، إبراهيم ساقط ولا سيما إذا لم يصرح بالسماع، وأما حسن ظن الشافعي به فكأنه كان متماسكًا لما سمع منه الشافعي ثم ظهر فساده، وقد قال ابن أبي شيبة في (المنصف): «حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن خالد (بن مهران الحذاء) عن عكرمة قال: تقطع اليد في ثمن المجن. قال قلت له: ذكر لك ثمنه؟ قال أربعة أو خمسة وعبد الوهاب وخالد من الثقات المشهورين. أفتراه يكون عند عكرمة عن مولاه ابن عباس أنه دينار أو عشرة دراهم فيعدل عنه إلى مالا يدري عمن أخذه مع شكة فيه؟ فهذا كله يبين أن ابن عباس لم يقل ما رواه ابن إسحاق قط، وأن عطاء لم يحدث به عن ابن عباس قط، وإنما هو قول عطاء، وقد علمت مع ذلك أنه مبنى على الحدس. والله الموفق.
فإن قيل: فقد قال البخاري في (التاريخ): «وقال الوليد بن كثير حدثني من سمع عطاء عن ابن عباس –مثله» . قلت: وصله الدارقطني ص٣٦٩ «حدثنا أحمد نا شعيب بن أيوب نا أسامة عن الوليد بن كثير حدثني عن سمع عطاء عن ابن عباس أن ثمن المجن يومئذ عشرة»
قلت: أبو أسامة كان يدلس ثم ترك التدليس بأخرة ولا يدرى متى حدث بهذا؟ وشيخ الوليد لا يدرى من هو، ولو كان به طرق لما كنى عنه، وقد كان من أهل بلد الوليد ممن يحدث عن عطاء محمد بن عبد الله العرزمى الهالك ولا يبعد أن يكون الوليد إنما سمعه منه فليس في هذا ما يجدى، والصواب ما تقدم.
قال الطحاوي: «حدثنا أبن أبي داود وعبد الرحمن بن عمروالدمشقي قال ثنا الوهبي قال: ثنا ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -مثله» يعنى مثل حديثه المتقدم الذي رواه بهذا السند عن ابن إسحاق عن أيوب بن موسى عن
[ ٢ / ٨٦٦ ]
عطاء عن ابن عباس وقد أقمنا الحجة على أن ذاك اللفظ ليس هو لفظ الدمشقي ولا الوهبي ولا ابن إسحاق فيأتي مثل ذلك هنا، وقد قال الدارقطني ص٣٦٩: «نا محمد بن القاسم بن زكريا نا هارون بن إسحاق نا المحأبي نا محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم. نا محمد بن مخلد نا محمد بن هارون الحربي أبو جعفر هو أبونشيط نا أحمد بن خالد الوهبي نا محمد بن إسحاق بإسناده نحو» .
وفي (نصب الراية) ج٣ ص٣٥٩ ابن أبي شيبة روى في (مصنفه) عن عبد الأعلى عن ابن إسحاق «عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يقطع السارق في دون ثمن المجن. قال عبد الله: وكان ثمن المجن عشرة دراهم» وفي (تفسير ابن كثير) أن ابن أبي شيبة روى عن ابن نمير وعبد الأعلى عن أبن إسحاق –فذكر مثله.
والذي وجديه في النسخة التي وقفت عليها من (المصنف) «حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
سمعت النبي - ﷺ - يقول: القطع في ثمن المجن» وفيها «حدثنا عبد الأعلى وعبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - قال: كان يقول: ثمن المجن عشرة دراهم» وفي (سنن البيهقي) ج٨ ص٢٦٩ من طريق أبي يعلى «ثنا أبن نمير ثنا أبي ثنا محمد بن إسحاق «عن عمرو بن شعيب (١)» عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم» . وقال الدارقطني ص ٣٦٨: «حدثنا الحسين بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا عبد الله بن إدريس وعبد الله بن نمير عن ابن إسحاق ح ونا محمد بن القاسم بن زكريا نا هارون بن إسحاق نا المحاربي عن محمد ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن قيمة المجن على
_________________
(١) سقطت من الأصل. ن
[ ٢ / ٨٦٧ ]
عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم» . وفي (مسند أحمد) ج٢ص١٨ «ثنا ابن إدريس ثنا ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن قيمة المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم) . وقال النسائي في (السنن) «أخبرنا خلاد بن أسلم عن عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم» . وفي (نصب الراية) ج٣ ص ٤٦٦ عن (مسند إسحاق بن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قال: مابلغ ثمن لمجن ففيه القطع. وكان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم. قال. وسئل عن اللقطعة؟ فقال: عرفها سنة» هذه الرواية تدل أن هذا الحديث هو في الأصل قطعة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في اللقطعة وغيرها. وفي (مسند أحمد) ج٢ص٣٠٢ «ثنا ابن إدريس سمعت ابن إسحاق عن عمروابن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - ﷺ - ورجلًا من مزينة يسأله عن ضالة الإبل وسأله عن الحريسة التي توجد في مراتعها قال: فقال فيها ثمنها مرتين وضرب نكال، قال: فما أخذ من أعطانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن، فسأله فقال: يا رسول الله اللقطة نجدها في سبيل العامر؟ قال: عرفها سنة » وفي (المسند) ج٢ ص ٢٠٧ «ثنا يزيد (بن هارون) أنا محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رجلًا من مزينة وهو يسأل النبي - ﷺ - -فذكر نحوالحديث ابن إدريس - قال: وسأله عن الثمار فقال ومن وجديه قد احتمل ففيه ثمنه مرتين وضرب نكال، فما أخذ من جرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن » فأما الحديث المختصر في القطع وقيمة المجن ففي (المسند) ج ٢ ص ٢٠٤ «حدثنا نصر بن باب عن الحجاج (بن أرطاة) عن عمرو بن شعيب عنأبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا قطع فيما دزن عشرة دراهم» . وأخرج الدارقطني ص ٣٦٩ من طريق أبي مالك الجني عن حجاج بسنده بإسناده: لا يقطع السارق في أقل من ثمن المجن، وكان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم»؛
[ ٢ / ٨٦٨ ]
ترجمة عمرو بن شعيب عن ابن حجر وغيره من المتقدمين ورأي المصنف في ذلك
والحجاج بن أرطاة معروف بالتدليس عن الضعفاء وفيه كلام غير ذلك وفي (نصب الراية): «قال في (التنقيح): والحجاج بن أرطاة مدلس ولم يسمع من عمروهذا الحديث» . وابن إسحاق أيضًا مدلس وهو ممن يروي عن الحجاج فأخلق به أن يكون سمع بعض رواياته لهذا الحديث عن الحجاج عن عمرو بن شعيب فرواها عن عمروابن شعيب تدليسًا عل تدليس. لكن قال البخاري في (التاريخ) ج١ قسم ٢ ص٢٧ «قال لنا على حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبي عن أبن إسحاق حدثني عمرو بن شعيب أن شعيبًا حدثه أن عبد
حدثه عبد الله بن عمروكان يقول - وحدثني أن مجاهدًا أخبره أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه أن ثمن المجن يومئذ عشرة» . فهذا اللفظ الذي في هذه الرواية قوي لتصريح أبن إسحاق بالسماع، وقال الدارقطني ص ٣٦٨: «نا أحمد علي بن أبي العلاء نا أبو عبيدة بن أبي السفر نا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن عشرة دراهم» . وأبو أسامة كان أولًا يدلس كما سبق، فإن سلمت هذه الرواية من تدليسه كانت متابعة جيدة لابن إسحاق في هذا اللفظ الذي صرح فيه بالسماع.
فإن أغمضنا عن اضراب ابن إسحاق وعن تدليسه أبي أسامة قلنا: إنه يثبت أن عمروابن شعيب روى عن أبيه عن جده هذا القدر الذي اتفقت عليه رواية ابن أبي إسحاق المصرحة بالسماع ورواية أبي أسامة عن الوليد عن الوليد بن كثير وهو «كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم» .
ويبقى النظر في عمرو بن شعيب، وقد لخص ابن حجر كلامهم فيه بقوله: ضعفه ناس مطلقًا، ووثقه الجمهور، ومن ضعفه مطلقًا فمحمول على روايته عن أبيه عن جده، فأما روايته عن أبيه فربما دلس ما في الصحيفة . فإذا قال حدثني أبي فلا ريب في صحتها . وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله بن عمروفي أماكن . لكن هل سمع منه ما روى عنه أم سمع بعضها والباقي صحيفة؟ الثاني أظهر عندي وهو الجامع لاختلاف الاقوال فيه وعليه ينحط كلام الدراقطني
[ ٢ / ٨٦٩ ]
وأبي زرعة» .
فإن قيل فإذا لم يصرح بسماعه من أبيه من عبد الله بن عمروفغاية ذلك ان يكون من الصحيفة، وقد قال ابن حجر: «قال الساجي: قال ابن معين: هو ثقة في نفسه وما روي عن أبيه عن جده لا حجة فيه، وليس بمتصل وهو ضعيف من قبل انه مرسل، وجد شعيب كتب عبد الله بن أبي عمروفكان يرويها عم جده إرسالًا وهي صحاح عن عبد الله بن عمروغير أنه لم يسمعها» قال ابن حجر: «فإذا شهد له ابن معين ان أحاديثه صحاح غير أنه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها، فغاية الباقي ان يكون وجادة صحيحة، وهو أحد وجوه التحمل» وذكر بعد ذلك كلامًا ليعقوب بن شيبة وفيه: «وقال علي ابن المديني وعمرو بن شعيب عندنا ثقة وكتابة صحيح» قلت: الساجي لم يدرك ابن معين، وقول ابن المديني: «كتابه صحيح» لعله أراد كتابه الخاص الذي قيد فيه سماعاته لا تلك الصحيفة، وقد قال الامام أحمد: «له أشياء مناكير وإنما يكتب حديثه يعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا» . وقال مرة: «ربما احججنا به وربما وجس في القلب منه شيء» مأنه يريد أن يحتج به إذا لم يكن الحديث منكرًا، وفي كلام أبي زرعة «ما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر» وهذا يدل أن في روايته عن أبيه عن جده مناكير غير قليلة. وبذلك صرح ابن حبان في (الثقات) وراجع (أنساب ابن السمعاني) الورقة ٣١٩ الف، وذلك يدل على أحد أمرين: إما أن تكون تلك الصحيفة مع صحتها في الجملة عن عبد الله بن عمرولم تحفظ كما يجب فوقع العبث بها. وإما أن يكون عمروأو أبوه اوكلاهما كما يدلس عن الصحيفة يدلس عن فير الصحيفة.
فالذي يتحصل أم ما صرح في عمروبالسماع من أبيه، وبسماع أبيه من عبد الله بن عمروفإنها تقوم به الحجة، وما لم يصرح بذلك ففيه وقفة، ولم أر في شيء. من طرق الحديث التصريح بسماع أبيه من عبد الله بن عمرو، فأما سماعه من أبيه فوقع التصريح به في لفظ «كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم» في رواية ابن إسحاق عن عمرو، ورواية أبي أسامة عن عمرو، ورواية أبي أسامة عن الوليد بن
[ ٢ / ٨٧٠ ]
كثير عن عمرو، إلا أن فيه اضطراب ابن اسحاق وتدليس أبي أسامة مع عدم التصريح بسماع شعيب. وقد قال الشافعي لمن ناظره من الحنفية: «عمرو بن شعيب قد روى أحكامًا توافق أقاويلنا وتخالف أقاويلكم عن الثقات فرددتموها ونسبتموه الى الغلط فأنتم محجوجون، إن كان ممن ثبت حديثه، فأحاديثه التي وافقناها وخالفتموها، اواكثرها، وهي نحوثلاثين حكمًا حجة عليكم، وإلا فلا تحاجوا به» .
وبعد اللتيا والتي إن أصبح شيء عن عبد بن عمروفهو «كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم» فعلى فرض صحته فهو محمول على الجنس كما توضحه أكثر الروايات «كان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم» وقد مر انه لا حجة بذلك بعد قيام الحجة المحققة ان المجن الذي قطع فيه النبي - ﷺ - كانت قيمته ثلاثة دراهم.
فأما الجملة المرفوعة ولفظها فيما نسبه الزيعلي وابن كثير الى (مصنف ابن أبيشيبة)
«لا يقطع السارق في دون ثمن المجن» وفي النسخة التي وقفت عليها من (المصنف) «القطع في ثمن المجن» وفي رواية ابن راهويه عن ابن إدريس عن ابن إسحاق عن عمرو «ما بلغ ثمن المجن ففيه القطع» فقد تقدم أنها قطعة من حديث اللقطة الطويل، كما وقد تقدم رواية ابن إسحاق له عن عمرو. ورواه النسائي من طريق ابن عجلان عن عمرو «عن أبيه عن جده عبد الله بن عمروعن رسول الله - ﷺ - أنه سئل عن الثمر المعلق قال .ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثلية والعقوبة، ومن يسرق شيئًا بع أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع .» ومن طريق ابن وهب «أخبرني عمرو بن الحارث وهشام بن سعد عن عمروابن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمروأن رجلًا من مزينة اتي رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل؟ فقال: هي ومثلها والنكال، وليس في شيء من الماشية قطع الا فيما آواه المراح فبلغ ثمن المجن ففيه قطع اليد .» ومن طريق عبيد الله ابن الاخنس «عن عمرو بن الاشعب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله
[ ٢ / ٨٧١ ]
- ﷺ - في كم تقطع اليد؟ قال: لا تقطع اليد في ثمرة معلق فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولاتقطع جريسة الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن» . وأخرجه أبو داود في «اللقطة» من طرق عن عمرو، ويظهر من أن الحديث أطول مما ساقه النسائي. فمدار تلك الجملة المرفوعة على هذا الحديث. ولم أر في شيء من طرقه التصريح بسماع عمرومن أبيه ولا بسماع أبيه من عبد الله ابن عمرو، وقد ذكر البيهقي في (السنن) ج ٨ ص ٢٦٣ حديث رافع بن خديج مرفوعًا «لا قطع في ثمرة ولا كثر» وحديث عمرو بن شعيب هذا فقال ابن التركماني: «ذكر الطحاوي أن الحديث الاول تلقت العلماء متنه بالقبول وأحتجوا به، والحديث الثاني لا يحتجون به ويطعنون في إسناده ولا سيما ما فيه مما يدفعه الاجماع من غرم المثلين» .
أقول: وإنما الطعن في إسناده لمكان عمرو بن شعيب عب أبيه عن جده، فليس للطحاوي أن يحتج بتلك القطعة من الحديث ولا بشيء من هذا رواية عمروعن أبيه عن جده وقد أخرج مالك في (الموطأ) قطعة من الحديث عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي الحسين المكي عن النبي - ﷺ -، وابن أبي حسين إنما سمعه من عمرو بن شعيب كما صرح به مالك في رواية الشافعي عنه كما في (مسنده) بهامش (الام) ج ٦ ص ٢٥٥.
وعلى فرض صحة حديث اللقطة فالمراد بكلمة «المجن» ذاك المجن المعهود الذي قطع فيه النبي ﵌ كأنه بعد أن قطع في المجن جاءه ذلك السائل فاستشعر من سؤاله حرصه على الالتقاط وما يقرب من السرقة أو يكونها، فشدد عليه النبي - ﷺ - بذكر غرامة المثلين وجلدات النكال، ثم ذكر له القطع وعدل عن أن يقول: «ما بلغ ثلاثة دراهم» أو «ما بلغ ربع دينار» ليتنبه السائل لموضع العبرة، ويعلم أن ذلك أمر مفروغ منه، قد نفذ به الحكم وجرى به العمل، ليكون ذلك أبلغ في المقصود من ردعه. ولمثل هذا كثر في القرآن ترداد التذكير بأيام الله تعالى في الأمم السابقة. وفي الخبر أن النبي ﵌
[ ٢ / ٨٧٢ ]
التنبيه على سهو للمؤلف ﵀ (تعليق)
تلا على عتبة بن ربيعة أوائل سورة (فصلت) فلما بلغ «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ» بادر عتبة فوضع يده على فم النبي ﵌ وناشده الرحم أن يكف (١) . وكأن عبد الله بن عمرو حفظ هذا ولم يبحث عن قيمة ذاك المجن، ولا بلغه ما يغني عن ذاك فلما سئل بعد وفاة النبي - ﷺ - اضطر الى الحدس باعتبار الجنس كما تقدم شرحه، وقد علم عبد الله بن عمر بن الخطاب قيمة ذاك المجن على التحقيق، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.
قال الطحاوي: «حدثنا فهد قال ثنا محمد بن سعيد ابن الاصبهاني أخبرني معاوية بن هشام عن سفيان عن منصور عم مجاهد وعطاء عن أيمن الحبشي قال: قال رسول الله - ﷺ -: أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن المجن. قال: وكان يقوم يومئذ دينارًا» .
أقول: هذا بهذا اللفظ من غريب هذا الوجه، وابن الاصبهاني كثير الغلط، (٢) وقد قال النسائي في (السنن): «حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا معاوية قال:
_________________
(١) أخرجه البغوي في «تفسيره» (٧ / ٣٢٧) من طريق الحماني ثنا ابن فضيل عن الأجلح عن الذيال حرملة عن جابر بن عبد الله. وأعله الحافظ ابن كثير فيتفسيره (٣١٩٧) بلأجلح وهو ابن عبد الله الكندي الكوفي فقال: «وقد ضعف بعض الشيء» . قلت: والذيال هذا ترجمة أبي حاتم (١ / ٢ / ٤٥) ولم يذكر فيه جرمًا ولا تعديلًا. والحماني هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي قال الحافظ: «صدوق يخطأ» . وسيأتي كلام المصنف فيه ص ١١٠. ن
(٢) كذا الأصل وهو سهو من المصنف رحمه الله تعالى، أراد أن يقول: «معاوية بن هشام» فسبقه القلم وقال: «ابن الأصبهاني .» ثم لم ينتبه لذلك، فأعاده في الموضع الآخر ص ١١٠ س ٥، وجل من لا يسهو امن لا ينسى. أقول هذا لأن ابن الأصبهاني متفق عليه توثيقه، وهو من شيوخ البخاري في «الصحيح» ولم يجرحه أحد البتة، ولذلك قال الحافظ في ترجمته من «التقريب»: «ثقة ثبت» . وأما معاوية بن هشام فهو الذي ينطبق عليه قول المصنف: «كثير الغلط»، وهو أخذ من قول أحمد فيه: «كثير الخطأ» وقول الحافظ: «صدوق له أو هام» فهو علة هذا اللفظ، حفظه عنه ابن الأصبهاني. ن
[ ٢ / ٨٧٣ ]
حديث أيمن الحبشي في القطع في مجن قوم دينارا وبيان ضعفه
حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد وعطاء (١) عن أيمن قال: لم يقطع النبي - ﷺ - السارق إلا في ثمن المجن، وثمن المجن يومئذ دينار» . محمود أثبت جدًا من أن ابن الاصبهاني. وأخرجه النسائي من طريق ابن مهدي عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن أيمن «لم تكن تقطع اليد على عهد رسول الله - ﷺ - إلا في ثمن المجن وقيمته يومئذ دينار» ومن طريق محمد بن يوسف عن سفيان عن الحكم عن مجاهد عن أيمن مثله. ادخل في هذه الرواية الحكم بين منصور ومجاهد وكذلك رواه الحسن وعلي ابنا صالح عند النسائي، وكذلك رواه أبو عوانة وشليبان عند البخاري في (التاريخ) ج ١ قسم ٢ ص٢٧ كلهم عن منصور عن الحكم عن مجاهد وعطاء عن أيمن. ورواه جرير عن منصور فلم يذكر الحكم اخرجه النسائي، وكذلك رواه شريك كما ياتي، والمحفوظ ذكر الحكم، والحكم مدلس ولم يصرح بالسماع، وايمن هو ايمن الحبشي كما صرح به في الرواية، ولفظ البخاري في (التاريخ): قال «قال لنا موسى (بن اسماعيل) عن أبي عوانة - وتابعه شيبان - عن منصور عن الحكم عن مجاهد وعطاء عن ايمن الحبشي » فاما ان يكون هو ايمن الحبشي والد عبد الواحد كما يدل عليه ما رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن داود: «سمعت عبد الواحد بن ايمن عن أبيه- قال: وكان عطاء ومجاهد قد رويا عن أبيه. ووالد عبد الواحد تابعي لم يدرك الخلفاء الراشدين واما ان يكون آخر لا يعرف.
فإن قيل فقد قال النسائي: «أخبرنا على بن حجر قال أنبأنا شريك عن منصور عن عطاء ومجاهد عن أيمن بن أم أيمن - قال أبو الوليد: رفعه: لا يقطع السارق الا في مجن أو حجفة قيمته دينار» .
_________________
(١) في النسخة «عن مجاهد عن عطاء» .
[ ٢ / ٨٧٤ ]
قلت: شريك على فضله سئ الحفظ كثير الغلط، ونسبه الدارقطني وعبد الحق الى التدليس، وأيمن بن أم ايمن ليس بجبشي بل هو كما نسبه غير واحد أيمن بي عبيد بن زيد أبن عوف بن الخزرج. فهو عربي أنصاري.
فإن قيل: لعله قيل له: الحبشي، لأن أمه حبشية.
قلت: هذا بعيد، ومع ذلك أختلف في أم أيمن، نسبها غير واحد كابن عبد البر في (الاستيعاب): « بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان» . فعلى هذا هي عربية لا حبشية.
فإن قيل: لعل أمها كانت حبشية.
قلت: وما الموجب لهذا التعسف؟! وقد ذكر أهل المغازي وغيرهم أن أيمن أبن أم أيمن أستشهد يوم حنين، وشريك قد تقدم حاله، وقد تفرد بقوله: «أبن أم أيمن»، ويجوز أن يكون زاد ذلك وهما، أو يكون قال: «أيمن بن أم أيمن» كما يقال: «أحمد أبن أم أحمد، وإن لم تكن كنية أمه أم أحمد، وفي محاورة جرت بين سلمان وحذيفة أن حذيفة قال: يا سلمان أبن أم سلمان. فقال سلمان: يا حذيفة أبن أم حذيفة.
فلهذا الخبر علتان: الأول: قد ليس الحكم. الثانية: أن أيمن تابعي لم يدرك الخلافاء الراشدين، أو غير معروف.
هذا وقد تفرد شريك بقوله: «قال النبي ﵌» وشريك قد تقدم حاله، والائمة الاثبات لا يذكرون ذلك ورواية الطحاوي عن فهد عن أبن الاصبهاني عن سفيان شاذة بل باطلة. وأبن الاصبهاني كثير الغلط جدًا (١) .
فإن قيل: فقد قال الطحاوي: «ثنا ابن أبي داود قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني قال: ثنا شريك عن منصور عن عطاء عن أيمن عن أم أيمن قالت: قال
_________________
(١) قلت: بل هو ثقة حجة، والعلة من معاوية بن هشام كما بيناه ص ١٠٨ ن
[ ٢ / ٨٧٥ ]
رسول الله - ﷺ -: لا يقطع السارق إلا في جحفة وقومت يومئذ على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم» .
قلت: زاد ابن الحماني ضغتًا على أبالة، وهو متكلم فيه وإن الح ابن معين في توثيقه. وفي كتاب (العلل) لأبن أبي حاتم ج ١ ص ٤٥٧: «سألت أبي عن حديث رواه الحسن بن صالح قال قال أبي: هو مرسل، وارى انه والد عبد الواحد بن ايمن وليست له صحبة.
قلت لأبي: قد روى هذا الحديث يحيى الحماني..؟ قال أبي: هذا خطأ من وجهين:
احدهما: ان اصحاب شريك لم يقولوا: عن ام ايمن والوجه الآخر: ان الثقات رووه عن منصور عن الحكم عن مجاهد وعطاء عن ايمن قوله» .فأما المتن في رواية الجماعة ففيه جملتان:
فالأولى: في رواية سفيان: «لم تكن تقطع اليد على عهد رسول الله ﷺ الا في ثمن المجن» . وفي رواية علي بن صالح: «لم تقطع اليد في عهد رسول الله ﷺ الا في ثمن المجن» . وفي رواية جرير: «لا يقطع السارق الا في ثمن المجن» . وفي رواية الحسن بن صالح وأبي عوانة وشيبان: «يقطع السارق في ثمن المجن» . وسفيان إمام، وعلي ثقة، والباقون جماعة وقد كان أبو نعيم الفضل بن دكين يقول: «ما رأيت أحدًا إلا وقد غلط في شيء غير الحسن بن صالح» .
والجملة الثانية: لم تقع في رواية جرير، ولفظة في رواية سفيان: «ثمن المجن يومئذ دينار» .وفي رواية الباقين نحوه إلا الحسن بن صالح فلفظها عنده: «كان ثمن المجن في عهد رسول الله - ﷺ - دينارًا أو عشرة دراهم»، ولعل هذا هو الاصل، فاختصره الجماعة.
وعلى كل حال فهذا من قبيل ما تقدم من اعتبار الجنس، وقد ثبت التحقيق
[ ٢ / ٨٧٦ ]
حديث عائشة: "كان ﷺ يقطع في ربع دينار فصاعدا" وجواب الطحاوي عنه والرد عليه
بحديث ابن عمر فسقط الحدس.
قال الطحاوي: «فلما اختلف في قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله - ﷺ - احتيط في ذلك فلم يقطع إلا فيما أجمع أن فيه وفاء بقيمة المجن التي جعلها رسول الله - ﷺ - مقدرًا لا يقطع فيما هو أقل منها، وهو عشرة دراهم» .
أقول: قد علمت أنه ليس فيما ذكره الطحاوي ما يصلح دليلًا على أن النبي - ﷺ - بين أنه لا قطع فيما دون قيمة ذاك المجن، ولا يصلح دليلًا يخالف الحجة الواضحة المحققة أن قيمته ثلاثة دراهم.
ثم قال الطحاوي: «وقد ذهب آخرون الى أنه لا يقطع الا في ربع دينار فصاعدًا، واحتجوا على ذلك بما حدثنا يونس أخبرنا به أبن عيينة كان رسول الله - ﷺ - يقطع في ربع دينار فصاعدًا. قيل لهم: ليس هذا حجة لأن عائشة إنما أخبرت عام قطع فيه رسول الله - ﷺ -، فيحتمل أن يكون ذلك لأنها قومت ما قطع فيه» .
أقول: روى ابن شهاب الزهري وجماعة عن عمرة عن عائشة في القطع في ربع دينار واختلفوا، ثم وقع خلاف عن بعض أصحاب الزهري، ثم وقع خلاف يسير عن ابن عيينة في روايته عن الزهري، وهذا الذي ذكر الطحاوي هو رواية يونس بن عبد الاعلى عن ابن عيينة عن الزهري عن عمرة عن عائشة، وهكذا رواه جماعة عن ابن عيينة منهم يحيى بن يحيى عند مسلم، وأحمد في (مسنده)، وإسحاق وقتية عند النسائي. وخالفهم جماعة عن ابن عيينة. قال ابن حجر في (الفتح): «أورد الشافعي والحميدي وجماعة عن ابن عيينة بلفظ: قال رسول الله - ﷺ -: تقطع اليد - الحديث» . ولفظ الشافعي كما في (مسنده) بهامش (الام) ج ٦ ص ٢٥٤: «أن رسوالله - ﷺ - قال: القطع في ربع دينار» . ولفظ الحميدي كما ذكره الطحاوي فيما بعد أن رسول الله - ﷺ - قال: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا» . وأخرجه الطحاوي فيما بعد من طريق الحجاج بن منهال عن ابن عيينة ولفظه: «قال
[ ٢ / ٨٧٧ ]
رسول الله - ﷺ -: السارق إذا سرق ربع دينار قطع» .
ولنجب على قول الطحاوي: ليس هذا بحجة» ثم ننظر في الروايات.
فأما الجواب: فإن أراد أن الحديث بذلك اللفظ ليس بحجة على أنه لا قطع فيما دون ربع دينار، فجوابه مبني على رأي أصحابه في اهدار مفهوم المخالفة ولا شأن لنا به الآن. وإن أراد ليس بحجة على القطع فيما دون عشرة دراهم فقد أبطل. قوله: «يحتمل أن يكون ذلك لأنها قومت ما قطع فيه» . قلنا: وعلى هذا الاحتمال يكون حجة.
فإن قيل: قد خالفها غيرها.
قلنا: كلا، لم يخالفها أحد، فقد اتضح بما تقدم أنه لا يثبت مما ذكره الطحاوي غير حديث ابن عمرووهو موافق لهذا الحديث لأن صرف الدينار كان حينئذ أثني عشر درهمًا. وقول الحنفية: كان صرفه عشرة دراهم مردود كما بين في محله، وهب أنه كان صرفه في وقت ما عشرة، فذلك لا يدفع أن يكون صرفه في وقت آخر اثني عشر. وهب أن صرفه كان في طول العهد النبوي عشرة دراهم، فالفرق نصف درهم وليس في حديث ابن عمر نفي للقطع فيما دون ثلاثة دراهم. وهب أن عائشة قومت ذاك المجن درهمين ونصفًا فقد اتفقنا على القطع في ثلاثة دراهم لأنه إذا قطع فيما قطع فيها.
وأما الروايات، فالواجب ان يبدأ باستقصاء النظر في الاختلاف عن ابن عيينة عن الزهري، ثم بالنظر في رواية غيره عن الزهري، ثم بالنظر في رواية غيره عن الزهري، ثم برواية غير الزهري عن عمره. والطحاوي عدل عن هذا، فأخذ احدى الروايتين عن ابن عيينة وهي المخالفة لرواية غيره، وانما بدأ بها الطحاوي ثم قال: «حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب قال: اخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة ان رسول الله - ﷺ - قال: تقطع يد السارق في ربع دينار
[ ٢ / ٨٧٨ ]
فصاعدًا» (١) ثم قال: «يونس بن يزيد عندكم لا يقارب ابن عيينة» ثم ذكر بعض روايات غير الزهري عن عمرة، وانهم اختلفوا، فمنهم من رفعه ومنهم من وقفه، وحاول ترجيح الوقت، ثم عاد فذكر رواية الحميدي والحجاج بن منهال عن ابن عيينة ورواية ابراهيم بن سعد عن الزهري بنحوها ثم قال: «فلما اضطرب حديث الزهري على ما ذكرنا واختلف على غيره من عمرة على ما وصفنا ارتفع ذلك فلم تجب الحجة بشيء منه اذا كان بعضه بنفي بعضًا» كذا قال حسيبة الله! فلندعه ولنسلك الجادة.
اما الروايتان عن ابن عيينة فقد ترجح رواية الشافعي الحميدي ومن وافقها بأمور:
الأول: ان رواتها عن ابن عيينة ممن سمع منه قديمًا وقد جاء عن يحيى القطان «قلت لأبن عيينة: كنت تكتب الحديث وتحدث اليوم وتزيد في اسناده أو تنقص منه. فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت» كأنه يريد سئم من مراجعة اصوله.
الوجه الثاني: ان من رواتها عن الشافعي والحميدي وكان لهما مزيد اختصاص به، وجاء عن الحميدي انه لزمه سبع عشرة سنة. وقال الأمام أحمد «الحميدي عندنا إمام» وقال أبو حاتم: «هو اثبت الناس في ابن عيينة وهو رئيس اصحابه وهو ثقة إمام» .
الوجه الثالث: ان الحميدي لما روى هذا في مسنده عن ابن عينة ذكر كلام ابن عيينة في الحديث فقال كما ذكره الطحاوي - وقرأته في نسخة من (مسند الحميدي): «عن سفيان قال: حدثنا اربعة عن عمرة عن عائشة لم ترفعه، عبد الله بن أبي بكر، ورزيق بن حكيم الأيلي، ويحيى، وعبد ربة بن سعيد، والزهري
_________________
(١) قلت: هذا أخرجه مسلم أيضًا في «صحيحه» (٥ / ١١٢) من طرق أخرى قالوا: حدثنا ابن وهب به مرفوعًا بلفظ: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا» .
[ ٢ / ٨٧٩ ]
أحفظهم كلهم، إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: «ما نسيت ولا طال علي، القطع في ربع دينار فصاعدًا» . فهذا يدل ان ابن عيينة لما حدث الحميدي اعتنى بالحديث واحتفل له وذلك احرى ان يتحرى التحقيق في روايته ولعله راجع اصل كتابه.
الوجه الرابع: أن الذين رووه عن الزهري غير ابن عيينة رووه بلفظ الحميدي عن ابن عيينة عن الزهري اومعناه.
الوجه الخامس: أن الذين رووه عن عمرة غير الزهري، رواه اكثرهم بلفظ الحميدي أو معناه أيضًا.
الوجه السادس: أن في (الصحيحين) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «لم تقطع يد سارق على عهد النبي ﷺ في ادنى من ثمن المجن ترس اوحجفة وكان كل واحد منهما ذا ثمن» (١) فقولها: «ترس أو حجفة» يدل أنها لم تعرفه، واذا لم تعرفه لا يمكنها ان تقومه.
وقولها: «وكان كل واحد منهما ذا ثمن» ظاهر في أنها لم تعرف ثمن ذاك المجن والا لبينته لتتم الفائدة المقصودة.
فإن قيل لا يلزم من عدم معرفتها بقيمة ذاك المجن أن لا تعرف قيمته غيره مما قطع فيه النبي ﷺ.
قلت: قد قطع النبي ﷺ سارق رداء صفوان وكان ثمنه ثلاثين درهمًا، وقطع يد المخزومية التي كانت تستعير الحلي وتجحده. وهاتان الواقعتان ليس فيها ربع دينار فكيف تأخذ عائشة منهما أو من احدهما أن النبي ﷺ كان يقطع في ربع دينار.
_________________
(١) قلت ورد حديث عائشة بلفظين آخرين، حقق المصنف أنهما شاذان. وذلك في آخر هذهالمسألة ص (١٣٨) . ن
[ ٢ / ٨٨٠ ]
فإن قيل لعلها اخذت ذلك من واقعة اخرى غير هذه الثلاث.
قلت: لا يعرف ذلك، ولو كان ذاك عندها لما احتاجت ان تقول ما رواه هشام عن أبيه عنها، بل كانت تذكر ذاك الشيء الآخر الذي عرفت قيمته فذلك اوفى بمقصودها من ذكر ما لم تعرف ولا عرفت قيمته.
فإن قيل قد قال النسائي: «اخبرنا قتيبة ثنا جعفر بن سليمان عن حفص بن حسان عن الزهري عن عروة عن عائشة، قطع النبي ﷺ في ربع دينار»
قلت: جعفر فيه كلام، وحفص مجهول.
فإن قيل، فقد يعكس عليك الأمر فيقال، لو كان عندها عن النبي ﷺ قوله «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» اونحوه لما احتاجت ان تقول ما رواه هشام عن أبيه عنها.
قلت: هناك مسألتان:
الأولى: هل يقطع في ربع دينار؟
الثانية: هل يقطع فيما دون ذلك؟
فحديثها مرفوعًا «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» يدل علىالمسألة الأولى بمنطوقة، ولا يدل على الثانية الا بمفهوم المخالفة، فكأنها لما أرادت الإحتجاج على أنه لا يقطع في الشيء التافه، استضعفت ان تخصص القرآن بمفهوم المخالفة، فلم تحتج بهذا الحديث وعدلت الى ما رواه هشام عن أبيه عنها وكأنها كانت تجوز أن تكون قيمة ذاك المجن كانت أقل من ربع دينار، فأخبرت بما عندها، وهو أنه أقل ما يقطع فيه النبي ﷺ وتركت النظر لغيرها.
فإن قيل فقد جاء في بعض روايات حديث عمرة عنها ان النبي - ﷺ - قال: «لا تقطع اليد الا في ربع دينار فصاعدًا» وهذا واضح الدلالة على
[ ٢ / ٨٨١ ]
اختلاف الرواة فيه على ابن عيينة
المسألة الثانية.
قلت: هذا اللفظ مرجوح، والمحفوظ «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» اما في معناه كما يأتي بيانه ان شاء الله، وكأن من روى بلفظ: «لا تقطع » انما روى بالمعنى فصرح بمقتضى مفهوم المخالفة اذ تقرر هذا فلوصح عنها انها قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يقطع اليد في ربع دينار» لوجب حمله على انها انما اخذته من قول النبي - ﷺ -: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» بناء على ان من شأنه - ﷺ - ان يوافق فعله قوله، فإذا قال، «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» علم منه انه كان اذا رفع اليه في سرقة ربع دينار قطع، فإن لم يقع القطع بالفعل لعدم الرفع فهو واقع بالقوة.
والحق ان ذاك اللفظ «كان رسول الله - ﷺ - يقطع فير ربع دينار فصاعدًا» لا يثبت عن عائشة، ولكن يمكن ان تكون تلك حال ابن عيينة سمع الحديث بلفظ «) تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا) فرواه تارة كذلك وذلك حين اعتنى بالحديث عنه تحديثه للحميدي كما مر، وتارة بلفظ «القطع في ربع دينار»، وتارة «السارق اذا سرق ربع دينار قطع» وتارة: «قالت عائشة كان رسول الله - ﷺ - يقطع في ربع دينار فصاعدًا» والثلاثة الأخيرة كلها من باب الرواية بالمعنى، اما الثاني والثالث فظاهر، واما الرابع فلما استقر في نفس ابن عيينة ان النبي - ﷺ - اذا قال شيئًا فقد عمل به اوكأنه قد عمل به، وقد ذكر الطحاوي في (مشكل الآثار) ج ٢ ص ٢٧٠ حديثًا من طريق شجاع بن الوليد عن ابن شبرمة بسنده: قال رجل يا رسول الله أي الناس أحق مني بحسن الصحبة؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك - ثلاث مرات. قال: ثم من؟ قال أبوك. ثم رواه من طريق ابن عيينة وفيه ذكر كلام الأم مرتين فقط ثم قال الطحاوي: «قد يحتمل أن يكون ابن عيينة ذهب عنه في ذلك ما حفظه شجاع لأن ابن عيينة كان يحدث من كتابه» وعَبَّرَ صاحب (لمعتصر) (ج ٢ ص
[ ٢ / ٨٨٢ ]
٢٨٦) (١) بعبارة منكرة. وفي (المعتصر) ج ٢ ص٢٠٥ في الكلام على حديث «أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» أن ابن عيينة روى «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» ثم قال في (المعتصر): «ففيه غلط من ابن عيينة لأنه كان يحدث من حفظه فيحتمل أن يكون جعل مكان اليهود والنصارى المشركين إذ لم يكن عنده من الفقه ما يميز بين ذلك» كذا في (المعتصر) وقوله: إذ لم يكن .» عبارة بشعة لا أرى الطحاوي يتفوه بها، وإنما هي من تغيير المختصر الذي ليس عنده من العلم ما يعرف به مقام ابن عيينة كما فعل ابن عيينة كما فعل المختصر في المرضع السابق. والمقصود إنما هو ابن عيينة كان كثيرًا ما يروي من حفظه ويروي بالمعنى. هذا وصنيع مسلم في (صحيحه) يقتضي أنه لا فرق في المعنى، فإنه صرح أولًا بلفظ ابن عيينة الأول: «قالت عائشة كان رسول الله » ثم ساق الإسناد عن معمر وإبراهيم ابن سعد وسليمان بن كثير وقال: «كلهم الزهري بمثله» مع أن لفظ معمر وإبراهيم كلفظ الحميدي عن ابن عيينة ولفظ سليمان الشافعي عن ابن عيينة.
أما البخاري فأعرض عن رواية ابن عيينة البتة كأنه يقول: أختلفت الرواية عنه، وفي رواية غير الكفاية. والحق أن رواية الحميدي ومن وافقه هي أرجح الروايتين عن ابن عيينة وأنه لو لم يعرف أرجح بصرف النظر عن رواية غيره فإنه يعرف بالنظر في رواية عيره فنقول مثلًا: يونس وابن عيينة من جانب، وابن عيينة وحده من جانب أيهما أرجح؟ على أن مع يونس جماعة كما يأتي. وفي (فتح الباري): «وأما نقل الطحاوي عن المحدثين أنهم يقدمون ابن عيينة في الزهري على يونس، فليس متفقًا عليه عندهم، بل أكثرهم على العكس، وممن جزم بتقديم يونس على سفيان في الزهري يحيى بن معين وأحمد بن صالح المصري، وذكر أن يونس صحب الزهري أربع عشرة سنة وكان يزامله في السفر وينزل عليه الزهري إذا قدم أيلة، وكان يذكر أنه كان يسمع الحديث الواحد من الزهري مرارًا،
_________________
(١) طبعة ثانية.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
وأما ابن عيينة فإنما سمع منه سنة ثلاثة وعشرون ومائة، ورجع الزهري فمات في التي بعدها» .
أقول: أما الحفظ فابن عيينة أحفظ، وأضبط بلا شك ولا سيما فيما رواه قديما إلا أنه كثير الرواية بالمعنى، ويونس دونه في الحفظ ولكن كتابه صحيح كما شهد له ابن المبارك وابن مهدي. وعلى كل حال فلا معنى للموازنة بينهما هنا، ولكن الطحاوي لأمر ما ذكر رواية ابن عيينة المرجوحة وعقبها برواية يونس، ونصب الخلاف بينهما. وقد علمت ان الواقع رواية ابن عيينة المرجوحة من جانب وروايته الراجحة ويونس من جانب، فأي معى للموازنة بين الرجلين؟
أما بقية الرواة عن الزهري فجماعة:
الأول: يونس بن يزيد. تقدمت رواية الطحاوي عن يونس بن عبد الاعلى عن ابن مهب عنه، وبنحوه رواه البخاري في (الصحيح) عن ابن أبي أويس عن ابن وهب، وكذلك رواه عن ابن وهب الحارث بن مسكين عند النسائي، وابن السرح ووهب بن بيان وأحمد بن صالح عند أبي داود، ورواه مسلم عن حرملة والوليد بن شجاع عن ابن وهب وقالا في المتن: «لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا» وهذه رواية بالمعنى بالتصريح بمفهوم المخالفة، والاولون أكثر وأثبت. وأخرج الامام أحمد (المسند) ج ٦ ص ٣١١ عن عتاب، وأخرج النسائي عن حبان بن موسى كلاهما عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعًا: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا» . وهذا أثبت مما تقدم لأن أبن المبارك أثبت من ابن وهب وكان يقول: كتاب يونس صحيح. وكان من عادة ابن المبارك تتبع أصول شيوخه، فالظاهر أنه أخذ هذا عن يونس من أصل كتابه، ويشد لذلك أنه لم يذكر عروة، وبقية الرواية عن الزهري غير يونس في رواية ابن وهب لا يذكرون عروة، وحديث عروة عن عائشة ليس بهذا اللفظ، وفي (الفتح): «يحتمل أن يكون لفظ عروة هو الذي حفظه هشام عنه وحمل يونس حديث عروة على حديث عمرة فساقه على لفظ عمرة، وهذا يقع لهم كثيرًا» .
[ ٢ / ٨٨٤ ]
أقول: إنما يتصرف يونس هذا التصرف إذا حدث من حفظه أو من فرع خرجه من أصوله، فأما إذا حدث من أصله فإنما يكون على الوجه. فبان بهذا أن ابن المبارك أخذ الحديث عن يونس من أصل كتابه، ولقوة هذه الرواية ذكرها الامام أحمد عقب رواية ابن عيينة كأنه يشير الى أن رواية يونس هذه هي الصواب.
الثاني: إبراهيم بن سعد عند البخاري في (الصحيح) عن القعنبي عن إبراهيم بمثل رواية ابن المبارك عن يونس. وكذلك ذكره الطحاوي «ثنا ربيع المؤذن ثنا أسد ثنا إبراهيم، وأخرجه مسلم في (الصحيح) عن أبي بكر بن أبي شيبة «ثنا يزيد بن هارون أخبرنا سليمان ابن كثير وإبراهيم » ولم يسق المتن. وفي (مصنف ابن أبي شيبة): «القطع في ربع دينار فصاعدًا» وهذا لفظ سليمان.
الثالث: سليمان بن كثير تقدمت روايته قريبًا.
الرابع والخامس والسادس: قال البخاري في (الصحيح) عقب رواية إبراهيم «وتابعه عبد الرحمن بن خالد وابن أخي الزهري ومعمر» وفي (الفتح): «أما متابعة عبد الرحمن.. فوصلها الذهلي في (الزهريات) عن عبد الله بن صالح عن الليث عنه نحورواية إبراهيم . وأما متابعة ابن أخي الزهري فوصلها أبو عوانة في (صحيحه) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن ابن أخي شهاب عن عمه . وأما متابعة معمر فوصلها أحمد عن عبد الرزاق عنه. وأخرجه مسلم من رواية عبد الرزاق لكن لم يسق لفظه، وساقه النسائي ولفظه: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا، ووصلها هو أيضًا وأبو عوانة من طريق سعيد بن أبي عروبة عن معمر. وقال أبو عوانة في آخره: قال سعيد نبَّلنا معمرًا، رويناه عنه وهو شاب . وسعيد أكبر من معمر وقد شاركه في كثير من شيوخه. رواه ابن المبارك عن معمر لكن لم يرفعه، أخرجه النسائي» .
أقول: رواية أحمد في (المسند) ج ٦ ص ١٦٣، ورواية مسلم هي عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد عن عبد الرزاق، ورواية النسائي هي عن إسحاق
[ ٢ / ٨٨٥ ]
عن عبد الرزاق، وكذلك أخرجه البيهقي في (السنن) ج ٨ ص ٢٥٤ من طريق أحمد بن يوسف السلمي عن عبد الرزاق. ورواية سعيد بن أبي عروبة عند النسائي هي عن عبد الوهاب الخفاف عنه، وقد عدوا عبد الوهاب من أثبت الناس عن أبي عروبة، لكن ذكر بعضهم أنه سمع من قبل الاختلاط وبعده، وهذا لا يضر هنا فإن قول سعيد «نبَّلنا معمرًا، رويناه عنه وهو شاب» يقضي بأن سعيدا روى هذا قديمًا، فإن معمرًا ولد سنة ست أو سبع وتسعين، وسعيد بدأ به الاختلاط أواخر سنة ١٤٣، واشتد به قليلًا سنة ١٤٥ واستحكم سنة ١٤٨. هذا هو الجامع بين الحكايات المتصلة في ذلك فأما المنقطعة فلا عبرة بها. فأما رواية ابن المبارك فهي عند النسائي عن سويد بن نصر عنه، وسويد مات سنة ٢٤٠ وعمره ٩١ سنة فقد أدركه الشيخان ولكنهما لم يخرجا عنه في (الصحيح) وإنما روى له النسائي والترمذي ووثقه النسائي ومسلمة ابن قاسم وقال ابن حبان: «كان متقنًا» فالله أعلم. وقد روى النسائي عنه ابن المبارك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: يقطع في ربع دينار فصاعدًا. وأثبت الروايات عن يحيى ما رواه مالك وابن عيينة عنه عن عمرة عن عائشة: «ما طال علي ولا نسيت، القطع في ربع دينار فصاعدًا» . فإن لم يكن وهو في روايته عن ابن المبارك عن معمر فالتقصير من معمر. وقد قال الامام أحمد: «حديث عبد الرزاق عن معمر أحب الي من حديث هؤلاء البصريين (عن معمر)، كان (معمر)، يتعاهد كتبه وينظر فيها باليمن (حيث سمع منه عبد الرزاق)، وكان يحدثهم حفظًا بالبصرة» . وسعيد بن أبي عروبة أقدم سماعًا، فإن لم يكن الوهم من سويد فكأن معمرًا حدث بالحديث مرة من حفظه حيث سمع منه ابن المبارك فشك في الرفع فقصر به كما كان يقع مثل هذا لحماد بن زيد. وقد حدث به معمر قبل ذلك حيث سمع من ابن أبي عروبة فرفعه وحدث به باليمن حيث كان يتعاهد كتبه فرفعه، والإمام أحمد إنما سمع عن
[ ٢ / ٨٨٦ ]
متابعات الزهري في هذا الحديث عن عمرة
عبد الرزاق من أصوله كما تراه في ترجمة عبد الرزاق من (التهذيب) .
السابع: زمعة بن صالح. في (مسند أبي داود الطيالسي) ص ٢٢٠ «حدثنا زمعة عن الزهري عن عمرة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» .
فهؤلاء سبعة رووه عن الزهري كما رواه الحميدي والشافعي وغيرهما عن ابن عيينة الزهري، وإنما هناك اختلاف على ابن عيينة ومعمر، وأرجح الروايتين عن كل منهما هي الموافقة للباقين. وهب أن الاختلاف عنهما ضارُّ فبروايتهما فقط، ويثبت الحديث برواية الباقين وليس وراء ذلك إلا اختلاف يسير في الألفاظ مع اتحاد في المعنى، فليس في حديث الزهري ما يسوغ أن يسمى اضطرابًا، فضلًا عن أن يكون اضطرابًا مسقطًا كما زعم الطحاوي بقلة مبالاة، مع تشبثه بحديث ابن إسحاق الذي تقدم حاله!
وأما بقية الرواة عن عمرة فجماعة:
الأول: ابن ابن أخيها محمد بن عبد الرحمن عبد الله بن الرحمن بن سعدة بن زرارة الأنصاري. قال البخاري في (الصحيح): حدثنا عمران بن ميسرة ثنا عبد الوارث حدثنا الحسين (المعلم) عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن حدثه أن عائشة حدثتهم عن النبي - ﷺ - قال: تقطع اليد في ربع دينار» .
ورواه عن عبد الوارث أيضًا أبنه عبد الصمد وصرح بسماع يحيى بن أبي كثير، ورواه عن يحيى أيضًا حرب بن شداد وهمام بن يحيى كما في (الفتح) عن الإسماعيلي، ورواية حرب في (مسند أحمد) ج ٦ ص ٢٥٢ وكذلك رواه هقل بن زياد عن يحيى كما في (الفتح) عن (مسند أبي يعلى) . وقال النسائي «أنا حميد بن مسعدة ثنا عبد الوارث ثنا حسين يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري ثن ذكر كلمة معناها عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار» . لم يتقن حميد بدليل قوله: فذكر كلمة معناها» والصواب «تقطع اليد في ربع دينار» كما مر.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
وروى النسائي من طريق إبراهيم بن عبد الملك أبي إسماعيل القناد عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن عمرة عن عائشة: كان النبي - ﷺ - يقطع اليد في ربع دينار. والقناد ليس بعمدة، وذكر الساجي أن ابن معين ضعفه. وقال العقيلي: «يهم في الحديث» وقال ابن حبان في (الثقات) «يخطئ» فقد وهم في السند بقوله: «بن ثوبان» ووهم في المتن كما رأيت.
الثاني: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رواه عنه جماعة، منهم يزيد بن الهاد عند مسلم في (صحيحه) من وجهين، وعند الطحاوي من وجهين آخرين، ومنهم عبد الرحمن بن سلمان عند النسائي، ومنهم ابن إسحاق عند الطحاوي والبيهقي، وقال في المتن المرفوع «لا تقطع اليد إلا في ربع دينار» وفي رواية البيهقي ج ٨ ص ٢٥٥ من طريق ابن إسحاق عن أبي بكر «أتيت بنبطي قد سرق فبعثت إلي عمرة بنت عبد الرحمن أي بني إن لم يكن بلغ ربع دينار فلا تقطعه فإن عائشة حدثتني أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يقطع في دون ربع دينار» وفي (مسند أحمد) ج ٦ ص ٨٠ و(سنن البيهقي) ج ٨ ص ٢٥٥ من طريق محمد بن راشد عن يحيى بن يحيى الغساني قال: «قدمت المدينة فلقيت أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو عامل على المدينة فقال: أتيت بسارق (زاد البيهقي: من أهل بلادكم حوراني قد سرقة سرقة يسيرة. قال) فأرسلت إلي خالتي عمرة بنت عبد الرحمن أن لا تعجل قال: فأتتني فأخبرتني أنها سمعت عائشة تقول: قال رسول الله - ﷺ -: أقطعوا في ربع الدينار ولاتقطعوا فيما هو أدنى من ذلك» .
الأثبت عن عمرة لفظ (تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا) وقد دل حديث عروة كما تقدم على أن هذا هو اللفظ الذي كان عند عائشة، فما وقع في هذه الرواية (تقطع اليد إلا ) ونحوه من الرواية بالمعنى. والمقتضى لذلك هنا والله أعلم أن الحديث يدل على حكمين:
الأول: اثبات القطع في ربع دينار.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
الثاني: نفي القطع فيما دون ذلك.
فإذا كان الاول هو الاهم فحقه أن يقال مثلا ً: (تقطع اليد في ربع دينار) . وإذا كان الثاني هو الاهم فحقه أن يقال مثلًا: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار) . وإذا كانا سواء جمع بين اللفظين فلما كان الاهم في الواقعة التي ذكرها أبو بكر هو الحكم الثاني وقع التعبير لما يوافقه. والاشبه أن التصرف من أبي بكر، سمع الحديث في صدد بيان الحكم الثاني.
فثبت في ذهنه بالمعنى المقتضي للفظ الثاني فعبر بذلك، ثم كأنه أستشعر حيث أخبر النسائي أن أصل لفظ عمرة يقتضي المعنيين على السواء فجمع بين اللفظين، وأنما كان لفظ الحديث يقتضي أهمية الاول، والمقام يقتضي أهمية الثاني فتدبر.
الثالث: سليمان بن يسار. أخرجه مسلم في (الصحيح) من طريق ابن ووهب مخرمة ابن بكير بن الاشج «عن أبيه عن سليمان بن يسار عن عمرة انها سمعت عائشة تحدث أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا» . وأخرجه الطحاوي عن يونس عن ابن وهب مثله إلا أنه قال «يد السارق»
قال الطحاوي: أنتم تزعمون أن مخرمة لم يسمع من أبيه. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا ابن أبي مريم عن خاله موسى ابن أبي سلمة قال سألت مخرمة بن بكير: هل سمعت من أبيك شيئًا؟ فقال: لا» .
اقول: قال ابوداود: «لم يسمع من أبيه الا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر» فقد سمع من أبيه في الجملة، فان كان ابوه اذن له ان يروي ما في كتابه ثبت الإتصال والا فهي وجادة، فان ثبت صحة ذاك الكتاب قوي الأمر، ويدل على صحة الكتاب ان مالكًا كان يعتد به، قال أحمد: «اخذ مالك كتاب مخرمة فكل شيء يقول: بلغني عن سليمان بن يسار فهو من كتاب مخرمة عن أبيه عن سليمان» . وربما يروي مالك عن الثقة عنده عن بكير بن الأشج. وقد قال ابوحاتم: «سالت اسماعيل بن أبي اويس قلت: هذا هو الذي يقول مالك: حدثني الثقة - من هو؟
[ ٢ / ٨٨٩ ]
قال: مخرمة بن بكير» .
واخرج النسائي من طريق ابن اسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن عمرة انها سمعت عائشة تقول: قال رسول الله - ﷺ -: لا تقطع اليد الا في ثمن المجن. قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار» . ومن طريق مخرمة عن أبيه «سمعت عثمان بن الوليد الأخنسي يقول، سمعت عروة بن الزبير يقول: كانت عائشة تحدث عن النبي - ﷺ - انه قال: لا تقطع اليد الا في المجن اوثمنه، وزعم ان عروة قال: المجن اربعة دراهم. وسمعت سليمان بن يسار يزعم انه سمع عمرة تقول: سمعت عائشة تحدث أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه» .
أقول: ابن إسحاق في حفظه شيء ويدلس، وكأنه اومن فوقه سمع الحديث كما ذكره مخرمة عن أبيه فخلط الحديثين، والصواب حديث مخرمة، فذكر المجن إنما هو من رواية بكير عن عثمان بن الوليد عن عروة، ورواية سليمان لا ذكر فيها للمجن، وعثمان بن الوليد ذكره ابن حبان في (الثقات) وذاك لا يخرجه عن جهالة الحال لما عرف من قاعدة ابن حبان لكن إن صحت رواية بكير بن الأشج عنه فإنها تقويه، فقد قال أحمد بن صالح: «إذا رأيت بكير بن عبد الله (بن الأشج) روى عن رجل فلا تسأل عنه فهو الثقة الذي لا شك فيه» . وهذه العبارة تحتمل وجهين:
الأول: أن يكون المراد بقوله: «فلا تسأل عنه» . أي: عن ذاك المروي. أي: لا تلتمس لبيكير متابعًا فإنه أي بكيرًا الثقة الذي لا شك فيه ولا يحتاج الى متابع.
الوجه الثاني: أن يكون المراد فلا تسأل عن ذاك الرجل فأنه الثقة. يعني أن بكيرًا لا يروي إلا عن ثقة لا شك فيه. والله أعلم.
وعلى كل حال فالصواب من حديث عروة ما في (الصحيحين) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «لم تقطع يد سارق على عهد النبي - ﷺ - في أدنى
[ ٢ / ٨٩٠ ]
من ثمن المجن ترس أو حجفة، وكان كل واحد منهما ذا ثمن» .
الرابع: أبو الرجال وهو محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان. قال النسائي: «أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن، ابن أبي الرجال عن أبيه عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «يقطع يد السارق في ثمن المجن، وثمن المجن ربع دينار» . ذكر ابن حجر هذه الرواية في (الفتح) بقوله: «أخرجه النسائي من رواية عبد الرحمن بن أبي الرجال عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمرة» كذا وقع في النسخة والصواب إسقاط كلمة «عن» الواقعة قبل «محمد» .
هذا وأبوالرجال ثقة عندهم وعمرة أمه، وأبينه عبد الرحمن وثقة أحمد أبن معين وغيرهما، لكن لينة أبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود.
وقال ابن حبان في (الثقات): «ربما أخطأ»، وأراه خلط حديثين فإنه لا يعرف عن عمرة ذكر المجن. وقد دل حديث (الصحيحين) عن عروة أن عائشة لم تكن تحق ثمن المجن كما تقدم شرحه.
الخامس والسادس والسابع. قال الطحاوي: «حدثنا علي بن شيبة قال: ثنا عبد الله ابن صالح. قال: ثنى يحيى بن أيوب عن جعفر بن ربيعة عن العلاء بن الأسود بن جارية ويقال: الأسود ابن العلاء بن جارية) وأبي سلمة بن عبد الرحمن وكثير بن خميس أنهم تنازعوا في القطع، فدخلوا على عمرة يسألونها فقالت: قالت عائشة: قال رسول الله - ﷺ -: لا يقطع إلا في ربع دينار» .
قال الطحاوي: «أما أبوسلمة فلا نعلم لجعفر بن ربيعة عنه سماعًا، ولا نعلمه لقيه أصلًا» .
أقول: ذكروا أن جعفر بن ربيعة رأى عبد الله بن الحارث بن جزء، وعبد الله توفى سنة ٨٦ على الراجح. وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها، وقيل بعدها
[ ٢ / ٨٩١ ]
بسنتين فيشبه أن يكون مولد جعفر نحوسنة ٧٥. وقد أختلف في وفاة أبي سلمة وقيل سنة ٩٤ وقيل سنة ١٠٤ فاللقاء ممكن. والله أعلم.
وكان في المدينة ربيعة الرأي الفقيه وكان قوله: القطع فيما يبلغ درهمًا فكأن هذا هو الباعث على ما وقع في بعض الروايات من التعبير عن الحديث بلفظ «لا تقطع اليد » أو نحوه ذلك كما وقع في رواية سليمان بن يسار وغيرها.
الثامن: أبوالنضر فيما رواه ابن لهيعة «ثنا أبوالنضر عن عمرة عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تقطع يد السارق إلا في ثمن المجن فما فوقه. قالت عمرة بنت عبد الرحمن: فقلت لعائشة: ما ثمن المجن يومئذ؟ قالت: ربع دينار» . أخرجه البيهقي ج ٨ ص ٢٥٦ وابن لهيعة ضعيف.
التاسع: يحيى بن يخيى الغساني فيما أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير) ص ٣ وص ٨٩ عن أحمد بن أنس بن مالك الدمشقي المقري وعن خالد بن أبي روح الدمشقي كل منهما عن إبراهيم بن هاشم بن يحيى بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده عن عمرة عن عائشة قالت: قال النبي - ﷺ -: «القطع في ربع دينار فصاعدًا» . قال الطبراني: «لم يروه عن يحيى بن يحيى إلا ولده»، زاد في الموضع الثاني «وهم ثقات» . وإبراهيم بن هاشم ذكره أبن حبان في (الثقات) وأخرج له في (صحيحه)، لكن طعن فيه أبو حاتم وذكر قصة تدل على أن إبراهيم كان به غفلة. والله أعلم.
العاشر: يحيى بن سعيد الانصاري. وهو من أجل من كثير من الذين تقدموا، وإنما أخرته لأن بعضهم نسب رواة هذا الحديث عنه الى الخطأ كما يأتي. قال النسائي: «أخبرنا الحسن بن محمد (بن الصباح الزعفراني) قال: حدثنا عبد الوهاب (بن عطاء) عن سعيد (بن أبي عروبة) عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي - ﷺ -: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» .أخبرني يزيد بن محمد بن فضيل قال: أنبأنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبان قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن
[ ٢ / ٨٩٢ ]
عمرة عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» . وقال الطحاوي: «حدثنا محمد بن خزيمة ثنا مسلم بن إبراهيم » فساقه مثله.
الحسن ثقة من رجال البخاري، وعبد الوهاب من رجال مسلم، وثقة جماعة مطلقًا ولينة آخرون، وقدموه في روايته عن سعيد، قال الأمام أحمد: «كان عالمًا بسعيد» . وسأل ابوداود عنه وعن السهمي في حديث ابن أبي عروبة؟ فقال: عبد الوهاب اقدم. فقيل له: عبد الوهاب سمع زمن الاختلاط (يعني اختلاط سعيد) فقال: من قال هذا؟ ! سمعت أحمد يقول: عبد الوهاب اقدم» . وقال ابن سعد: «لزم سعيد ابن أبي عروبة، وعرف بصحبته، وكتب كتبه » . وقال البخاري: «يكتب حديثه» قيل له: يحتج به؟ قال: «ارجوا إلا انه كان يدلس عن ثور واقوام احاديث مناكير» . وسعيد ثقة جليل إلا انه اختلط بأخرة، وسماع عبد الوهاب منه قديم.
وأما السند الثاني فشيخ النسائي لم يوثق ولكن قد تابعه محمد بن خزيمة كما رأيت، ومسلم ثقة متفق عليه. وأبان من رجال مسلم. واخرج له البخاري في (الصحيح) بلفظ: «قال لنا مسلم بن إبراهيم ثنا أبان » وبالجملة فمجموع السندين صالح للحجة حتمًا. لكن اعله بعضهم بأن مالكًا وابن عيينة رويا عن يحيى عن عمرة: قالت عائشة: «ما نسيت ولا طال علي، القطع في ربع دينار» وبنحوه رواه جماعة عن يحيى، وروى أخوه عبد ربه وعبد الله بن أبي بكر ورزيق بن حكيم عن عمرة: قالت عائشة: «القطع في ربع دينار» . بل حاول الطحاوي إعلال من أصله، وأجاب البيهقي وغيره بأنه لا منافاة بين أن يكون الحديث عند عائشة فتخبر به تارة وتستفتى فتفتي بمضمونه أخرى. وفي (الموطأ) عن عبد الله ابن أبي بكر عن عمرة قالت: «خرجت عائشة إلى مكة ومعها مولاتان لها فسئل العبد عن ذلك فأعترف، فأمرت به عائشة فقطعت يده وقالت عائشة: القطع في ربع دينار فصاعدًا ويؤيد الجمع أن لفظ المرفوع في أثبت الطرق وأكثرها: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا» . ولفظ الموقوف في جميع طرقه إلا ما شذ: «القطع في
[ ٢ / ٨٩٣ ]
ربع دينار فصاعدًا» وزاد يحيى قبله: «ما طال علي ولا نسيت» .
والمدار في هذا الباب على غلبة الظن، ولا ريب أن من تدبر الروايات غلب على ظنه غلبة واضحة صحة كل من الخبرين وأنه لا تعارض بينهما، وعلم أن الحمل على الخطأ بعيد جدًا. هذا وقد قال أبن التركماني: «قال الطحاوي: حدثني غير واحد من أصحابنا من أهل العلم عن أحمد بن شيبان الرملي ثنا مؤمل بن إسماعيل الرملي (كذا) عن حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمرة عن عائشة قالت: يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا قال أيوب: وحدث يحيى عن عمرة عن عائشة ورفعه، فقال له عبد الرحمن: أنها كانت لا ترفعه فترك يحيى رفعه» . وبمثل هذا السند لا يثبت هذا الخبر عن حماد بن زيد (١) لكن يظهر أن له أصلًا، فقد تقدم رواية سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد عن يحيى عن عمرة عن عائشة مرفوعًا باللفظ الذي رواه الإثبات الذيثن رفعوا الحديث «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» . وروى مالك وابن عيينة عن يحيى عن عمرة ان عائشة قالت: ما طال علي ولا نسيت، القطع في ربع دينار. وقوله: «القطع في ربع دينار» هو اللفظ الذي رواه الواقفون فهذا يدل انه كان عند يحيى كلا الخبرين، فكان يحدث بالمرفوع فأنكر عليه بعض من لم يسمعه وسمع الموقوف، فأعرض يحيى عن رواية المرفوع صونًا لنفسه عن ان يتهمه من لا يعلم حقيقة الحال بالإصرار على الخطأ.
هذا، وقد ذكر ابن عيينة رواية عبد الله بن أبي بكر وعبد ربة ورزيق (٢) ثم قال: «إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: ما نسيت ولا طال علي، القطع
_________________
(١) قلت: يعني لأن مؤمل بن إسماعيل سيء الحفظ كما سبق في ترجمته من الكتاب برقم (٢٥٢) وهو بصري نزيل مكة، فالظاهر أن الذي عند الطحاوي (الرملي) صوابه: (الملكي) . والله أعلم. ن
(٢) بالراء ثم الزاي مصغرًا، ويقال فيه بتقديم الزاي، وهكذا وقع عند الطحاوي وقد اخرجه (٢ / ٩٤) من طريق الحميدي عن سفيان وهو ابن عيينة، وقد مضى بالكتاب قريبًا ص ١١٣. ن
[ ٢ / ٨٩٤ ]
في ربع دينار» . اعترف به الطحاوي بقوله: «قد يجوز أن يكون معناها في ذلك ما طال علي ولا نسيت ما قطع فيه الرسول - ﷺ - مما كانت قيمته عندها ربع دينار» .
أقول: قد مر دفع الاحتمال وبيان أنه لا يعرف فيما قطع فيه النبي - ﷺ - وآله وسلم ما هو قليل إلا المجن، وقد دل حديث (الصحيحين) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة على أنها لم تكن تعرف المجن ولا قيمته. وبهذا يتبين أن رواية عبد الله بن أبي بكر وعبد ربة ورزيق تدل أيضًا على الرفع، فإن التقدير بربع دينار ليس مما يقال بالرأي، ولا يعرف ما تأخذ عائشة منه ذلك إلا ما ثبت عنها عن النبي - ﷺ - من قوله، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ثم جعجع الطحاوي بما علم رده مما تقدم ثم قال: «فلما اضطرب حديث الزهري على ما ذكرنا، وأختلف على غيره عن عمرة كما وصفنا، أرتفع ذلك كله فلم تجب الحجة بشيء منه إذا كان بعضه ينقض بعضًا» .
كذا قال، وقد أقمنا الحجة الواضحة على انه لا اضطراب ولا تناقض (١) ثم
_________________
(١) قلت، ومما يسهل على القارئ المنصف تبين سقوط كلام الطحاوي أنه لو سلمنا جدلًا بصحة ما ادعاه من الاضطراب في الحديث فهي محصورة في الطرق التي ساقها هو إلى الزهري، ومن تابعه في روايته عن عمرة، ولكن الطحاوي لم يستوعب الطرق كلها أو جلها إليه وإليها. كما فعل المصنف جزاه الله خيرًا فقد ذكر متابعة عشرة من الثقاة للزهري عن عمرة عن عائشة. وكلهم أتفقوا على رفعه، إلا يحيى بن سعيد في إحدى الروايات عنه، وهي في حقيقتها لا تخالف الروايات الأخرى المرفوعة، وهب أن الرواية عند يحيى مضطرية أيضًا، ففي الروايات التسع ما يكفي ويشفي، وكلها متفقة على الرفع، وبأقل من ذلك يثبت الرفع كما لا يخفى على المصنف، وهي وإن اختلفت في ضبط الكتن، هل هو: «تقطع اليد » أو «لا تقطع » والمؤلف رجح الأول، وقد يمكن ترجيح الآخر بقاعدة «زيادة الثقة مقبولة»، وسواء كان هذا أو ذاك، فالحجة في الحديث قائمة على أن اليد تقطع في ربع دينار، وذلك ما لا يقوله الطحاوي تبعًا لمذهبه. والله المستعان. ن.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
الرد على الطحاوي في إدعائه الإجماع على قطع سارق العشرة دراهم
قال: «ورجعنا إلى أن الله ﷿ قال في كتابه: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا» فأجمعوا أن الله ﷿ لم يعن بذلك كل سارق وإنما عنى به خاصة فلا يدخل إلا ما قد أجمعوا أن الله تعالى عناه، وقد أجمعوا أن الله تعالى عنى سارق العشرة الدراهم» .
أقول: عليه في هذا أمور:
الأول: دعواه الإجماع غير مقبولة وفي (الفتح) في تعداد المذاهب: «الأول يقطع في كل قليل وكثير تافهًا كان أو غير تافه، نقل عن أهل الظاهر والخوارج ونقل عن الحسن البصري، وبه قال أبو عبد الرحمن أبن بنت الشافعي . الثالث مثل الأول إلا إن كان المسروق شيئًا تافهًا لحديث عروة الماضي. لم يكن القطع في شيء من التافه، ولأن عثمان قطع في فخارة خسيسة وقال لمن يسرق السياط لئن عدتم لأقطعن فيه، وقطع أبن الزبير في نعلين. أخرجها أبن أبي شيبة. وعن عمر بن عبد العزيز أنه في مد أو مدين. الرابع: تقطع في درهم فصاعدًا وهو قول عثمان البتي من فقهاء البصرة وربيعة من فقهاء المدينة » .
وأقول لا أرى هذه المذاهب الثلاثة إلا متفقة على إبقاء الآية على عمومها، وإنما المدار على تحقق أسم «السارق» فإنه لا ريب أن عمومها إنما يتناول من يحق عليه أسم «السارق» وهذا لازم للمذهب الأول، إذ يمتنع أن يقول عالم أن من أخذ حبه بر مثلًا حق عليه أسم «السارق» . وأما المذهب الثالث فلعل قائله نحا هذا المنحي أي أن الشيء التافه الذي لا يتبين أنه يحق على آخذه أسم «السارق» لا يتبين دخوله في الآية، والقطع إنما هو على من يتبين دخوله فيها. وأما المذهب الرابع فالبتي وربيعة الرأي كانا ممن يتفقه ويتعانا الرأي والنظر، فكأنهما رأيا أن التفاهة التي لا يتبين بها الدخول في الآية معنى غير منضبط فرأيا ضبطها بالدراهم.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
الكلام على أثر ابن مسعود في القطع في العشرة
الأمر الثاني: هب أنه سلم للطحاوي ما ادعاه من الإجماع، فقد علمنا أن ظاهر القرآن وجوب القطع على كل سارق، وظاهر القرآن حجة قطعًا، ويوافقه حديث (الصحيحين): «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده»، وهذه الحجة لا يجوز الخروج عنها إلا بحجة، فإن لا يثبت من السنة ما يوجب إخراج شيء من ذاك العموم رجعنا إلى الإجماع فإن كان هناك إجماع على خروج شيء، فأما ما أختلف فيه فقيل بخروجه وقيل ببقائه فهو باق على ظاهر القرآن، لأن القائلين بخروجه بعض الأمة، وليس في قول بعض الأمة حجة يترك بها ظاهر القرآن.
فإن قيل: فقد أختلف النظار في العام الذي قد خص، فقال بعضهم: إنه لا يبقى حجة في الباقي.
قلت: هذا قول مخالف لإجماع السلف، وقد رغب عنه الحنفية أنفسهم، وتمام الكلام في رده في أصول الفقه.
الأمر الثالث: هب أنه قويت دعوى الإجماع، وقوي ما يترتب على ذلك من دعوى أن الآية صارت مجملة، ففي السنة الثابتة ما يكفي، فقد صح حديث ابن عمر، واندفع ما عورض به، وصح حديث عائشة، وبطلت دعوى اضطرابية، فثبت القطع في ثلاثة دراهم وفي ربع دينار، وبقي النظر فيما هو أقل من ذلك، وليس هذا موضع البحث فيه.
ثم ذكر الطحاوي خبر المسعودي عن القاسم عن أبن مسعود: «لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم» ورواه بعضهم عن المسعودي عن القاسم عن أبيه والمسعودي أختلط. ثم هو منقطع لأن القاسم لم يدرك أبن مسعود، وكذلك أبوه عبد الرحمن نفى جماعة سماعة من ابن مسعود، وأثبت بعضهم سماعة منه لأحرف معدودة ذكرها أبن حجر في (طبقات المدلسين) ص ١٣، ثم قال: «فعلى هذا يكون الذي صرح فيه بالسماع من أبيه (أبن مسعود) أربعة أحدها، موقوف وحديثه
[ ٢ / ٨٩٧ ]
إذا قال إبراهيم النخعي قال عبد الله فهو عن غير واحد من أصحاب عبد الله بن مسعود
عنه كثير معظمها بالعنعنة هذا هو التدليس» .
أقول: وليس هذا الخبر من تلك الأربعة.
وروى الثوري عن «حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لا تقطع اليد إلا في ترس أو حجفة. قلت لإبراهيم: كم قيمته؟ قال: دينار» .والثوري يدلس، وحماد سيئ الحفظ، حتى قال حبيب بن أبي ثابت: «وكان حماد يقول: قال إبراهيم: ط فقلت والله إنك لتكذب أو إن إبراهيم ليخطئ» . وقد قال حماد نفسه لما قيل له: قد سمعت من إبراهيم؟: «إن العهد قد طال بإبراهيم» . وإبراهيم عن عبد الله منقطع، وما روي عنه (١) أنه قال: إذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله. لا يدفع الانقطاع لاحتمال أن يسمع إبراهيم عن غير واحد ممن لم يلق عبد الله، أو ممن لقيه وليس بثقة، (٢) واحتمال أن يغفل إبراهيم عن قاعدته،
_________________
(١) قلت: تصدير المصنف ﵀ لقول إبراهيم المذكور بقوله: «روي» مما يشعر إصطلاحًا - بأنه لم يثبت عنده، ولعل عذره في ذلك أنه لم يقف على إسناده، وإلا لجزم بصحته، فقد أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٦ / ١٩٠): أخبرنا عمروا بن الهيثم أبوقطن قال: حدثنا شعبة عن الأعمش قال: قلت: لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبد الله فأسند، قال: إذا قلت: قال عبد الله، فقد سمعته من غير واحد من أصحابه، وإذا قلت: حدثني فلان، فحدثني فلان» . وهذا إسناد صحيح رجال ثقات، وقد أخرجه أبو زرعة الدمشقي في «تاريخ دمشق» (ق ١٣١ / ٢): حدثنا أحمد بن سيبويه قال: حدثنا عمرو بن الهيثم به، إلا أنه قال: «فحدثني وحده» . أقول: وإذا تأمل الباحث في قول إبراهيم «من غير واحد من الصحابة» يتبين له ضعف بعض الإحتمالات التي أوردها المصنف على ثبوت رواية إبراهيم إذا قال: قال ابن مسعود، فأن قوله: «من أصحابه» يبطل قول المصنف «أن يسمع إبراهيم من غير واحد ممن لم يلق عبد الله»، كما هو ظاهر. وعذره في ذلك، أنه نقل قول إبراهيم هذا من «التهذيب»، ولم يقع فيه قوله: «من أصحابه» الذي هو نص في الاتصال. ن.
(٢) قلت: هذا فيه بعد. فأننا لا نعلم في أصحاب ابن مسعود المعروفين من ليس بثقة، ثم أن عبارته المتقدمة منا آنفًا صريحة في أنه لا يسقط الواسطة بينه وبين ابن مسعود إلا الذي كان حدثه عنه أكثر من واحد من أصحابه. فكون الأكثر منهم - لا الواحد - غير ثقة بعيد جدًا. لا سيما وإبراهيم إنما يروي كذلك مشيرًا إلى صحة الرواية عن ابن مسعود. والله أعلم.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
واحتمال أن تكون قاعدته خاصة بهذا اللفظ «قال عبد الله»، ثم يحكى عن عبد الله بغير هذا اللفظ ما سمعه من واحد ضعيف فلا يتنبه من بعده للفرق، فيرويه عنه بلفظ «قال عبد الله» ولا سيما إذا كان فيمن بعده من هو سيئ الحفظ كحماد. وفي (معرفة علوم الحديث) للحاكم ص١٠٨ من طريق «خلف بن سالم قال: سمعت عدومن مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فأشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي وإبراهيم أيضًا يدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل هني بن نويرة، وسهم بن منجاب، وخزامة الطائي، وربنا دلس عنهم» .
وقد ذكر الأستاذ ص ٥٦ قول يحيى الحماني: «سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول القرآن مخلوق» فقال الأستاذ: «قول الراوي سمعت الثقة يعد كرواية عن مجهول، وكذا الثقت» . (١) وما روي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم: «لا تقطع اليد في أقل من ثمن الحجفة، وكان ثمنها عشرة دراهم» قول إبراهيم، وقد يكون إنما أخذ من عمروأبن شعيب أو مما روي عن مجاهد وعطاء وقد تقدم ما فيه.
وقد روي الثوري أيضًا عن عيسى بن أبي عزة عن الشعبي عن أبن مسعود أن النبي - ﷺ - قطع في مجن ثمنه خمسة دراهم. قال أبن التركماني: «فيه ثلاثة علل، الثوري مدلس وقد عنعن، وابن أبي عزة ضعفه القطان وذكره الذهبي في كتابه في (الضعفاء)، والشعبي عن أبن مسعود منقطع» .
أقول: أما الأولى فنعم، وأما الثانية فإنما حكى ذلك العقيلي، وهو لم يدرك
_________________
(١) قلت: لنا على هذا العطف نظر سبق بيانه في التعليق على الصفحة (٢٧٤)
[ ٢ / ٨٩٩ ]
التنبيه على أن كتاب الضعفاء للذهبي هو غير كتاب الميزان خلافا لظن المصنف (تعليق)
القطان، (١) ومع ذلك فهو جرح غير مفسر، وابن أبي عزة وثقه أحمد وابن معين وابن سعد، فأما الذهبي فمعلوم أن قاعدته أن يذكر في (الميزان) (٢) كل من تكلم
_________________
(١) -كذا قال المصنف ﵀، وعمدته في ذلك قول الحافظ في «التهذيب»: وذكره المقيلي في «الضعفاء» وقال: ضعف حديثه يحيى بن سعيد القطان»: فأن ظاهره أن المقيلي حكى التضعيف لم يروه بسنده كما هو النالب عليه وعلى أئمة الجرح والتعديل، ولكن الواقع خلاف ذلك، فقد قال العقيلي في كتابه المذكور: «حدثنا محمد بن عيسى، قال حدثنا صالح بن أحمد، قال: حدثنا علي قال: سألت يحيى عن حديث عيسى بن أبي عزة (قلت: فذكره وقال:» فضعف الحديث» .
(٢) -قلت «الميزان» غير «الضعفاء»، وهذا هو الذي عزى اليه ابن التركمانى تضعيف القطان. وجواب المصنف يشعر بأنه هو «الميزان» نفسه، وليس كذلك، فانهما كتابان، قاعدته في الأول منهما كما ذكره المصنف، وقاعدته في الآخر كما نص عليه هو في مقدمته: «فهذا ديوان أسماء الضعفاء والمتروكين، وخلق من المجهولين، وأناس ثقات فيهم لين» . ونحن الآن في صدد تحقيقه، يسر الله إتمامه، وطريقته فيه، إما أن يذكر رأيه في المترجم، كأن يقول فيه «ضعيف» أو «متروك» أو «متهم» ونحوه، كما هو أسلوب الحافظ ابن حجر في «التقريب» . وأما أن ينقل الجرح عن بعض الأئمة،:ان يقول: «ضعفه الدارقطني» أو «قال النسائي: ليس بقوي» . أو قال أبو حاتم: «لا يحتج به» وهكذا، فكل من يورده فيه ضعيف إلا أفرادًا قليلين يصرح بتوثيقهم، أما تمييزًا وإما لدفع التهمة عنهم، فمن الأول قوله: «إبراهيم بن نافع الحلاب البصري قال أبو حاتم: كان يكذب. أما إبراهيم بن نافع عن عطاء المالكي فثقة» . ومن آخر قوله: «أحمد بن حسن بن خيرون، ثقة حافظ تكلم فيه ابن طاهر بعلاك بارد، وهو أوثق من ابن طاهر بكثير»، وقد لاحظنا أنه كثيرًا ما يختلف اجتهاده في هذا الكتاب، عنه في «الميزان» ومن الأمثلة القريبة على ذلك، عيسى بن أبي عزة هذا، فإنه حكى فيه تضعيف القطان له، ثم توثق جماعة من الأئمة له، ثم ختم ذلك برأيه فيه فقال: «حديثه صالح» . وهذا معناه أنه مقبول عنده، ومع ذلك أورده في ديوانه «الضعفاء» وضعفه بقوله «قال القطان: حديثه ضعيف» . والظاهر أن المصنف لم يراجع «الميزان» حين كتب الجواب، وإلا لكان يجد فيه ردًا أقوى في الذهبي: «حديثه صالح»، وذلك بين لا يخفى. والعصمة لله وحده. ن
[ ٢ / ٩٠٠ ]
آثار عن الصحابة في القطع فيما دون العشرة
فيه ولو كان الكلام يسيرًا لا يقدح. وأما الثالثة فنعم، ولكن الشعبي جيد المرسل، قال العجلي: «لا يكاد الشعبييرسل إلا صحيحًا» . وقال الآجري عن أبي داود: «مرسل الشعبي أحب إلى من مرسل النخعي» .
والظاهر أنه إن صح عن ابن مسعود شيء فهو في ذكر القطع في المجن مطلقًا وأما التقويم فممن بعده أخذًا من حديث أنس عن أبي بكر وسيأتي، أو يكون ابن مسعود إنما ذكر قطع أبي بكر.
وروى ابن عيينة عن حميد الطويل قال: «سمعت قتادة يسأل أنس بن مالك عن القطع؟ فقال: حضرت أبا بكر قطع سارقًا في شيء ما يسوى ثلاثة دراهم. أو: ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم» وقد رواه أبو حاتم الرازي عن الانصاري عن حميد وفيه: «ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم» بدون شك. أخرجه البيهقي ولا يلزم من قول أنس: «ما يسرني » أن تكون القيمة أقل من ثلاثة دراهم، فأن من لا يحتاج إلى سلعة لا يسره أنها له بقيمة مثلها، وإنما يسره أن تكون بأقل من قيمتها ليبيعها فيربح فيها أو يدخرها لوقت الحاجة.
وقد روى قتادة عن أنس قصة أخرى، وهي أنه قطع في مجن قيمته خمسة دراهم. رواه النسائي والبيهقي في (السنن) ج ٨ ص ٢٥٩ من طريق الثوري عن شعبة عن قتادة. ورواه النسائي أيضًا من طريق أبي داود الطيالسي قال: «حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول: سرق رجل في عهد أبي بكر فقوم خمسة دراهم فقطع. ورواه أبوهلال محمد بن سليم عن قتادة فقال: «عن أنس أن النبي - ﷺ - .» . وأبوهلال ليس بعمدة ولا سيما في قتادة. ورواه هشام عن قتادة فوافق أبا هلال، وسئل هشام مرة فقال: «هو عن النبي - ﷺ -، وإلا فهو عن أبي بكر» . ورواه عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أنس أن أبا بكر قطع في
[ ٢ / ٩٠١ ]
مجن قيمته خمسة دراهم، أو أربعة دراهم، شك سعيد، وصوب النسائي وغيره رواية شعبة وذلك واضح. ومن أحب تتبع هذه الروايات فليراجع (سنن النسائي) و(سنن البيهقي) .
وفي (مصنف ابن أبي شيبة) عن شريك عن عطية بن مقسم عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أُتي عمر بسارق فأمر بقطعه، فقال عثمان: إن سرقته لا تساوي عشرة دراهم قال: فأمر به عمر فقومت ثمانية دراهم فلم يقطعه. القاسم لم يدرك عمر ولا كاد، وعطية مجهول الحال، وشريك سئ الحفظ ونسبه بعضهم الى التدليس كما مضى. ورواه الثوري عن عطية بن عبد الرحمن الثقفي عن القاسم قال: «أُتي عمر بن الخطاب بسارق قد سرق ثوبًا فقال لعثمان: قومه، فقومه ثمانية دراهم فلم يقطعه» . ويؤخذ من كلام البخاري وأبي حاتم أن عطية هذا هو الذي روى عنه شريك، فإن صح هذا فهو مجهول الحال، وإلا فكلاهما مجهول. ولو صحت القصة، فلفظ الثوري أقرب، ويكون ترك القطع لمانع آخر كشبهة ظهرت. وسيأتي عن عثمان أنه قطع في أترجة قومت ثلاثة دراهم ومر عنه أنه قطع في فخارة خسيسة. فكيف يقول ما وقع فيه لفظ شريك؟!
وفي (نصب الراية) ج ٣ ص٣٦٣ أن في (مصنف عبد الرزاق): «عن معمر عن عطاء الخراساني أن عمر بن الخطاب قال: «كم أخذ من ثمر شيئًا فليس عليه قطع حتى يأو ي الجرين، فإن أخذ منه بعد ذلك ما يساوي ربع دينار قطع» . عطاء الخراساني لم يدرك عمر، لكن هذا أقوى من رواية عطية. وفي (الفتح): أخرجه «ابن المنذر عن عمر بسند منقطع أنه قال: إذا أخذ السارق ربع دينار قطع» . وفيه أن ابن المنذر أخرج من طريق منصور عن مجاهد عن ابن المسيب عن عمرة: لا تقطع الخمس إلا في خمس» . ابن المسيب عن عمر منقطع، إلا أنه جيد، لكن لا نعلم كيف السند إلى منصور. وأخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) من طريق قتادة عن ابن المسيب، وقتادة مشهور بالتدليس.
وروى مالك في (الموطأ)، وابن عيينة كما في (مصنف ابن أبي شيبة) عن عبد الله
[ ٢ / ٩٠٢ ]
بن أبي بكر عن عمرة أن سارقًا في زمن عثمان سرق أترجة فأمر به عثمان أن تقوم، فقومت ثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا بدينار فقطع عثمان يده» . وعمرة يقال أنها ماتت سنة ٩٨ وعمرها سبع وسبعون سنة. فعلى هذا يكون سنها لمقتل عثمان فوع أربع عشرة سنة. وقد جاء عن عثمان ما هو أشد من هذا كما تقدم.
وروى حاتم بن إسماعيل كما في (مصنف ابن أبي شيبة)، وسليمان بن هلال كما في (سنن البيهقي) عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب عن أبيه عن علي ﵁ أنه قطع يد سارق في بيضة حديد ثمنها ربع دينار. وقال الشافعي في (الأم) ج ٦ ص ١١٦: «أخبرنا أصحاب جعفر عن جعفر عن أبيه أن عليًا ﵁ قال: «القطع في ربع دينار» . محمد بن علي لم يدرك عليًا، لكن لم يعارض هذا عن علي ما هو أقوى منه، وإنما ذكر البيهقي (السنن) ج ٨ ص ٢٦١ أثرًا عن علي فيه: «لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم» ثم قال: «هذا إسناد يجمع مجهولين وضعفاء» (١) . فقال ابن التركماني: «قد جاء من وجه آخر ضعيف إلا أنه أجود من الرواية التي ذكرها البيهقي بلا شك. فروى عبد الرزاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار عن على قال: لا تقطع اليد في أقل من دينار أو عشرة دراهم. فعدل البيهقي عن هذه الرواية الى تلك لزيادة التشنيع» .
أقول: وهذه ليست مما يفرح به، الحسن بن عمارة طائح، قال شعبة: أفادني الحسن ابن عمارة سبعين حديثًا عن الحكم فلم يكن لها أصل» . ونص شعبة على أمثلة
_________________
(١) قلت: بل هو ضعيف جدًا فإن من رواته جويبرًا وهو ابن سعيد البلخي أورده الذهبي في «الضعفاء» وقال: «متروك الحديث» . وقال الحافظ في «التقريب»: «ضعيف جدًا» . قلت: ومع هذا فهو خير من الحسن بن عمارة الآتية روايته، فإنه لم ينسب إلى الكذب أو وضع، بخلاف ابن عمارة، فإنه أشد ضعفًا منه، قد نسبوه إلى الوضع كما يأتي في الكتاب، وقال الإمام أحمد: أحاديثه موضوعة. فهل خفي هذا على ابن التركماني حتى زعم أن روايته أجود من رواية جوبير، أم هو التعصب المذهب؟!
[ ٢ / ٩٠٣ ]
المسلك الثالث في التخلص من أحاديث القطع في ثلاثة دراهم
منها، سئل الحكم عنها فلم يعرفها. قال شعبة: «قال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي - سبعة أحاديث، فسألت الحكم عنها فقال: نا سمعت منها شيئًا» وقال ابن المديني في الحسن بن عمارة: «كان يضع» .
المسلك الثالث: لبعض مشاهير الحنفية في هذا العصر. كان الرجل مشهورًا بطول الباع وسعة الاطلاع والوهد والعبادة، (١) وكان يقرر أن أحاديث (الصحيحين) قطعية الثبوت. وكان مع ذلك غاية في الجمود على المذهب والتفاني في الدفاع عنه. وفي مسلكه هذا ما يظهر منه علوطبقته في ذلك؛ ذكر أن
_________________
(١) هو العلامة الشيخ محمد أنور الكشميرى، وكلامه الذي أشار إليه المؤلف مذكور في كتابه «فيض البارى على صحيح البخاري» (٤/٤٤٦-٤٤٧)، وهو بحق كما وصفه المصنف في سعة العلم، ولكنه مع الأسف لم يستفد كثيرًا من علمه، صده عن ذلك التقليد المتوارث مع أنه من أحق العلماء المتأخرين بالخلاص منه، والاستقلال في النظر والاختيار، فانظر إليه مثلا في موقفه من مسألة رفع اليدين في الركوع التي لا يمكن للباحث في أدلتها إلا أن يقول بمشروعيتها واستحبابها، ولو كان حنيفًا غير متعصب مثل العلامة اللكنوي ﵀ فإنه لم يسعه إلا أن يقول بمشروعيتها واستجابها في بحث له جيد في «التعليق الممجد»، وأما الشيخ الكشميرى فلم يستطع التصريح بالاستحبات، على الرغم من أن التحقيق الذي وصل إليه يلزمه ذلك، - فهو يقول في الكتاب المذكور (٢/٢٥٧-٢٥٩): فقد ثبت الأمران عندي (الرافع والترك) ثبوتًا لا مرد له، ولا خلاف إلا في الاختيار، وليس في الجواز» . ثم نقل عبارة لأبي بكر الجصاص تؤيد ما ذكره من الجواز، ثم قال: «فاسترحت حيث تخلصت رقبتي من الأحاديث الثابتة في الرفع» ! كذا قال، وفي عبارة من الركعة ما لا يخفى، وإذا قال بجواز الرفع وأراد الجواز الذي يستوى فيه الفعل والترك، فلم يأت بشيء جديد بإثباته الرفع، لأن القائلين به لايقولون بوجوبه، وإن أراد به جوازًا مع استحباب فهلا صرح به؟ لأنه لم يجد في مذهبه من سبقه إلى ذلك! ثم إذا صح ظننا به، فهل كان يرفع يديه كسبًا للثواب، بل وبيانًا للجواز ولو بالمعنى الأول، علم ذلك عند أصحابه، وظني أنه لم يفعل، لغلبه العصبية المذهبية على من حوله. والله المستعان. ن
[ ٢ / ٩٠٤ ]
لأصحابه طرقًا في التملص من أحاديث (الصحيحين) في هذهالمسألة، من ترجيح غيرها أو دعوى اضطرابها أو نسخها، وأنه لم يرتض شيئًا من ذلك، واختار طريقًا جديدًا يجمع بين الادلة في زعمه، وهو أولًا كان في ثمن المجن كما في حديث (الصحيحين) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وكانت قيمة المجن أولًا قليلة، ثم أخذت تزيد بزيادة أتساع حال المسلمين حتى بلغت عشرة دراهم فأقر الأمر عليها، وترك اعتبار ثمن المجن، وذلك كما هو الحال عنده في الدية. قال: «وعلى نحوهذا حملت حد الخمر ومقدار المهر» .
أقول: لم أظفر بتطبيق الأخبار على هذا المسلك لكن قد يقال: كان المعيار الشرعي لما يجب في القطع هو قيمة المجن فكأنها كانت أولًا لا تزيد عن أقل ما يحق على آخذه اسم «السارق» وحينئذ أنزل الله ﷿: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا»، ثم كأنها ترقت قليلًا فصارت كقيمة الحبل والبيضة وحينئذ قال النبي ﵌: «لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده» ثم ترقت فصارت ربع دينار وهو عند الحنفية درهمان ونصف، وحينئذ قال النبي - ﷺ -: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا» ثم ترقت فصارت ثلاثة دراهم، وحينئذ قطع النبي ﵌ في مجن قيمته ثلاثة دراهم.
ثم كأنها بقيت كذلك إلى أن قطع أبو بكر في شيء يقول أنس: «ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم» . ثم كأنها ترقت فصارت خمسة دراهم، وحينئذ قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة دراهم. وكأنها بقيت على ذلك إلى عهد عمر، وحينئذ قال - لو صح عنه -: لا تقطع الخمس إلا في خمس. ثم كأنها نقصت إلى درهمين ونصف فحينئذ قال عمر - لو صح عنه - إذا أخذ السارق ربع دينار قطع. ثم كأنها ترقت فصارت عشرة دراهم وحينئذ امتنع - لو صح عنه - من القطع في ما قيمته ثمانية دراهم. ثم نقصت في عهد عثمان وحينئذ قطع في أترجة قيمتها ثلاثة دراهم، ثم ازدادت نقصًا وحينئذ قطع في فخارة خسيسة. ثم تحسنت الحال قليلًا في زمن علي وحينئذ قطع في بيضة حديد قيمتها ربع دينار، وأفتت عائشة بالقطع في ربع
[ ٢ / ٩٠٥ ]
اختلاف الرواة في ضبط متن حديث عائشة في القطع في ثلاثة دراهم
دينار، ثم لا أدري متى عادت فترقت إلى عشرة دراهم، وحينئذ بمقتضى هذا المسلك نزل الوحي وبإلغاء اعتبار قيمة المجن، وأن يكون هو العشرة الدراهم!!
ولعمري لقد تكرر في الأخبار ذكر المجن، وأن بعض الألفاظ ليوهم اعتبار المجن، إلا أن الناس فهموا أن سبب التكرر هو أن أقل ما قطع النبي - ﷺ - مجن، وحملوا ما يوهم اعتبار المجن على ما تقدم مفصلًا، ولم يعرج أحد منهم على هذا المسلك الطريف ولكن:
لكل ساقطة في الأرض لاقط وكل كاسدة يومًا لها سوق
ومن العجيب أنه لم يرتض دعوى بعض أسلافه النسخ ثم وقع فيها، وأنه يقول: إن أحاديث (الصحيحين) قطعية الثبوت ثم يخالف صرائحها ويتشبث بما لم يثبت مما فيه ذكر العشرة.
فأما حديث هشام عن ابن أبيه عن عائشة فاختلف فيه الرواة عن هشام سندًا ومتنًا.
أما السند فمنهم من ذكر عائشة، ومنهم من لم يذكرها وجعله مرسلًا من قول عروة، نبه على ذلك البخاري في (الصحيح)، والصواب ذكر عائشة.
وأما المتن فعلى ثلاثة أوجه:
الأول: ما رواه البخاري عن عثمان بن أبي شيبة عن عبدة عن هشام عن أبيه عن عائشة «أن يد السارق لم تقطع على عهد النبي ﷺ إلا في مجن حجفة أو ترس» . ثم روى البخاري عن عثمان أيضًا عن حميد «ثنا هشام عن أبيه عن عائشة. مثله» .
الثاني: ما رواه البخاري عن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك عن هشام عن أبيه عن عائشة «لم تكن تقطع يد السارق في أدنى من حجفة أو ترس كل واحد منهما ذوثمن» .
الثالث: رواه البخاري «حدثني يوسف بن موسى ثنا أبو أسامة قال: هشام بن
[ ٢ / ٩٠٦ ]
عروة أخبرنا عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: لم تقطع يد سارق على عهد النبي ﷺ في أدنى من ثمن المجن ترس أو حجفة، وكان كل منها ذا ثمن» .
فالأول: مداره على عثمان بن أبي شيبة عن عبدة وعن حميد، وقد خولف عن كل منهما فرواه مسلم في (صحيحه) عن محمد بن عبد الله بن نمير عن حميد بسنده: «لم تقطع يد سارق في عهد النبي ﷺ في أقل من ثمن المجن حجفة أو ترس وكلاهما ذوثمن» . وهذا على الوجه الثالث كما ترى. ورواه البيهقي في (السنن) ج٨ ص ٢٥٦ من طريق هارون بن إسحاق عن عبدة بسنده «لم تكن يد تقطع على عهد رسول الله ﷺ في أقل من ثمن المجن حجفة أو ترس» .
وهذا على الوجه الثاني كما ترى، وبهذا بان ضعف الوجه الأول، بل ظاهره باطل، لأنه يعطي أن القطع لم يقطع في عهد النبي ﷺ إلا مرة واحدة في ذاك المجن، وقد ثبت قطع سارق رداء صفوان الذي كانت قيمته ثلاثين درهمًا. وثبت قطع يد المخزومية التي كانت تستعير الحلي ثم تجحده.
وأما الوجه الثاني فقد اختلف على عبدة كما رأيت، وكذلك اختلف على ابن المبارك، رواه النسائي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن هشام عن أبيه عن عائشة: «لم تقطع يد سارق في أدنى من حجفة أو ترس، وكل واحد منهما ذوثمن» .
وهذا على الوجه الثالث كما ترى. فبان رجحان الوجه الثالث، لأنه رواه عن هشام أبو أسامة ولم يختلف عليه فيه، ورواه ابن نمير عن حميد عن هشام وابن نمير اثبت من عثمان بن أبي شيبة، ورواه سويد بن نصر عن ابن المبارك عن هشام.
وقد رجح الشيخان والنسائي الوجه الثالث.
أما البخاري فساقها على هذا الترتيب، ثم عقب بحديث ابن عمر، فأشار والله أعلم بالترتيب إلى ترتيبها في القوة، فالثاني أقوى من الأول، والثالث أرجح منهما.
[ ٢ / ٩٠٧ ]
أو قل: أشار الى أن الثاني يفسر الأول من وجه والثاني (١) يفسرهما جميعًا، وأشار بالتعقيب بحديث ابن عمر إلى أن هذا الحديث وحديث ابن عمر عن واقعة واحدة، فعائشة حفظت أن أقل ما قطع فيه النبي ﷺ هو ذاك المجن ولم تذكر قيمته، وابن عمر حفظ قيمته ولم يذكر أنه أقل ما قطع النبي ﷺ فيه.
وأما مسلم فصدر بحديثه عن محمد بن عبد الله بنمير وساقه بتمامه وهو على الوجه الثالث كما مر ثم قال: «حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن ح وثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان ح وثنا أبوكريب ثنا أبو أسامة كلهم عن هشام بهذا الإسناد نحوحديث ابن نمير عن حميد بن عبد الرحمن الرواس، وفي حديث عبد الرحيم وأبي أسامة: «وهو يومئذ ذوثمن» فحمل سائر الروايات على حديث ابن نمير وهو على الوجه الثالث كما مر، ولم يعتد بمخالفة بعضها له في الأوجه المذكورة مع اعتداده بالإختلاف في قول ابن نمير «وكلاهما ذوثمن» وقول عبد الرحيم وأبو أسامة: «وهو يومئذ ذو (٢) ثمن» ثم عقب مسلم ذلك بحديث ابن عمر.
وأما النسائي فأنه مع تصديه لجمع الروايات في ذكر المجن لم يسق من طرق حديث هشام المذكورة إلا رواية سويد بن نصر عن ابن المبارك عن هشام، وهي على الوجه الثالث.
وصاحب هذا المسلك أنما يكون له متشبث ما في الوجه الثاني، وقد علمت أنه مرجوح من جهة الرواية، وهكذا هو مرجوح من جهة النظر لما يأتي، وعلى فرض أنه لا يتبين أنه مرجوح فلا يصح التمسك بما اختص به بعض الروايات وخالفها وغيرها، لأن الاختلاف إنما جاء من جهة الروايتين بالمعنى فلا يصح التشبث بواحدة منها حتى يترجح أنها باللفظ الاصلي أو موافقة له.
_________________
(١) كذا الأصل والظاهر أنه خطأ، والصواب «والثالث» .
(٢) الأصل «ذون» .ن
[ ٢ / ٩٠٨ ]
ومع هذا فاللفظ الواقع في الوجه الثاني لا يتعين حمله على ما زعمه صاحب هذا المسلك فإنه يحتمل أن يكون المراد أن السارق لم يقطع فيما دون ثمن ذاك المجن الذي قطع فيه النبي ﵌. ولا مانع أن تعرف عائشة هذا ولا تعرف قيمة ذاك المجن. وهذا المعنى أقرب وأولى مما زعمه صاحب هذا المسلك، فإنه يزعم أن المعنى قيمة أن اليد لم تكن تقطع إلا فيما يبلغ ثمن مجن من المجان أي مجن كان، وهذا بغاية البعد، فإن من المجان الردئ البالي المعيب الذي تكون قيمته درهمًا واحدًا أو دونه، ومنها ما يزيد على ذلك زيادة متفاوتة، ولم يعهد من حكمة الشارع وإيثاره الضبط، أن ينوط مثل هذا الحكم العظيم بمثل هذا الأمر الذي لا ينضبط.
فإن قيل قد يختار مجن من أو سط الغالب على نحوما قدمت أول المسألة.
قلت: أو سط الغالب بعيد أيضًا عن الانضباط، والذي تقدم إنما هو من بعض من بعد النبي ﵌، رأى أنه لا ينبغي القطع في أقل مما قطع فيه النبي صلى الله عليه وآلة وسلم، وعرف أنه ذاك المجن ولم يعرف ثمنه فأضطر إلى الحدس، والشارع لا ضرورة تلجئه ة لا حاجة تدعوه إلى مثل هذا، فلماذا يعدل عن سنته من إيثار الضبط وهو قادر على الضبط بالذهب أو الفضة، فيكون المناط ظاهرًا منضبطًا سهل المعرفة جاريًا على ما يعرفه الناس ويتعارفونه؟!
فأما تقدير الدية بالإبل فذلك معروف متعارف من قبل الاسلام، وكان أغلب أموالهم الإبل ووصفها الشارع بصاف معروفة تقربها من الإنضباط، ولا يخشى بعد ذلك التباس ولا مفسدة كما يخشى في نوط القطع بثمن مجن، فإن وجبت عليه الدية لا يلزمه أن يدفع النفيسة، فلو كانت عنده نفيسة، وأراد أن يشتري بها عشرًا كلهن على وصف الدية مكن من ذلك، فيشتري بتلك الناقة عشرًا ويدفعها فتحسب له عشرًا، واحتمال ان لا يتمكن من ذلك بعيد، فإن اتفق ذلك فللفقيه أن يقول هي بمنزلة المعدومة، ويعدل الى قيمة القدر الواجب من الغالب - كما قيل بنحو ذلك في الزكاة. فأما إذا طابت نفس صاحبها فدفعها فلا إشكال. والحنفية لم
[ ٢ / ٩٠٩ ]
ينكروا وجوب الإبل، وإنما قالوا: إن الواجب هي أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم. وإن يتعين بالتراضي أو القضاء.
وأقول أما التراضي فلا إشكال فيه، وكذلك القضاء إذا قضى القاضي بالإبل، أو بذاك المبلغ من الذهب أو الفضة وهو قيمة الإبل. وأما إذا لم يكن ذلك قيمتها، فجعل الخيرة للقاضي مناف للعدل وفتح لباب اتباع القضاة للهوى، وأصول الشرع تأبى ذلك. والمقصود هنا انه مفسدة في جعل الزكاة من الإبل، فإن الواجب الحقيقي هو أقل ما يتحقق به الصفة فالمستحق بين أن يحصل له حقه، وأن يحصل له دونه برضاه، وأن يحصل له فوقه برضا الدافع.
وعلى فرض أن المقوم اخطأ في التقويم، فالخطب سهل، إنما هو خسارة مالية يجبرها الله ﷿ من فضله.
واما المجن فإن قيل: إنه يقطع في سرقته مطلقًا بأي صفة كان فلا يخفى ما فيه، وإن قيل: لا يقطع فيه إلا إذا كان بوصف مخصوص، فما هو ذاك الوصف؟ وما الدليل على تعيينه؟ وإن قيل. لا يقطع فيه إلا إذا بلغت قيمته حدًا معينًا كما يدل عليه قول أنس: «سرق رجل مجنًا على عهد أبي بكر فقوم خمسة دراهم فقطع» فهذا قولنا وبطل هذا المسلك الطريف رأسًا.
وإذا كان المسروق ذهبًا أو فضة، فعلى ذلك المسلك ينبغي أن ينظر هل هو قيمة مجن أولا؟ وهذا عكس المعروف المتعارف من اعتبار مقادير السلع بالذهب والفضة. وإذا كان المسروق سلعة أخرى احتيج الى تقويمين، تقويم السلعة بالذهب أو الفضة، وتقويم المجن الذي لم تبين صفته بالذهب أو الفضة، واحتمال الخطأ في ذلك أشد من احتماله في تقويم واحد.
فإن قيل: إنما كان ذلك في أول الأمر ثم استقر الحال على العشرة الدراهم.
قلت: فهل كان الشارع يجهل عاقبة الأمر وقد قال الشاعر:
رأى الأمر يفضي إلى آخر فصير آخره أولا
[ ٢ / ٩١٠ ]
وإذا كان المجن لا يصلح أن يجعل معيارًا مستمرًا، فكذلك لا يصلح أن يكون معيارًا موقتًا بلا ضرورة ولا حاجة.
فإن قيل: قد يكون صاحب هذا المسلك إنما عنى ذاك المجن الذي قطع فيه النبي ﵌.
قلت: فيلزم أن يكون ذاك المجن محفوظًا في بيت النبي ﵌، ثم في بيوت الخلفاء، فكلما رفع سارق، قوم المسروق ثم أخرج ذاك المجن فقوم بقيمة الوقت! وهذا باطل من وجوه:
منها انه لم ينقل، ولو كان لنقل لغرابته، ومنها أن النقل يأباه، ومنها انه خلاف المعهود من براءة الشريعة عن مثل هذا التكلف الذي لا تبرره حكمة. وكثير مما تقدم يرد على هذا أيضًا. أشد ذلك الداهية الدهياء وهي النسخ بعد النبي ﵌.
فإن قيل: لعل صاحب هذا المسلك إما أراد أن ذلك التدرج واستقرار الأمر على عشرة الدراهم كان كله في حياة النبي ﵌. قلت ظاهر صنيعه خلاف ذلك لتنظيره بحد الخمر، ولأنه لا يجهل أنه لم يصح عن النبي ﵌ شيء في ذكر العشرة، (١) وإنما يصح إن صح شيء عمن بعده وبعد الخلفاء الراشدين. وهب أنه أراد ما زعمت، لم يأت عليه بشبهة فضلًا عن حجة، ويرد عليه أكثر ما تقدم. وكيف يقول: إن أحاديث (الصحيحين) قطعية الثبوت ثم ينسخها بما لم يثبت؟ !
وأما قضية المهر فلم يثبت تحديده، وإنما اقتسر الحنفية قياسه على ما يقطع فيه السارق، والأصل باطل، والقياس أبطل.
وأما حد الخمر فالحق أنه أربعون. واستنبط الصحابة من تدرج الأمر في الخمر
_________________
(١) قلت: في هذا نظر، فإن المومى إليه قد صرح بتصحيح حديث ابن عباس في العشرة!
[ ٢ / ٩١١ ]
من حكم إلى أشد منه رعاية للحكمة جواز زيادة التشديد تعزيزًا، واستأنسوا الزيادة بقولهم: «إنه إذا سكر هذا، وإذا هذا افترى» (١) مع علمهم بأنه لا يلزم بمجرد الاحتمال حكم المرتد ولا حكم المطلق ولا غيرها ذلك مما يحتمل صدوره منه عند هذيانه، والسرقة لم يقع في تحريمها تدريج، لا من حال إلى أشد منها، ولا من حال إلى أخف منها.
فإن قيل قد يقال، إن للتدريج حكمة، وهي أن الناس كانوا في ضيق فكان المسروق منه يتضرر بأخذ اليسير من ماله، ثم اتسعوا فصار لا يتضرر إلا بأخذ أكثر من ذلك وهكذا.
قلت: تعقل الحكمة لا يثبت به الحكم، مع أن ما ذكر تم يعارضه أن المناسب في زمن الضيق أن يخفف على السارق لكثرة الحاجة، وقد شهدت الشريعة في الجملة لهذا المعنى دون الأول وذلك يدرء الحد عن المضطر، وما يروى عن بعض السلف أنه لا قطع في زمن المجاعة (٢) .
فإن قيل: إن المقدار لم يتغير في المعنى، لأن السلع كلها أو غالبها تساير المجن، فالسلعة المسروقة التي تكون قيمتها خمسة حين بلغ ثمن المجن خمسة، كانت قيمتها ثلاثة حين كانت قيمة المجن ثلاثة، وهكذا الدراهم نفسها، فإن الثلاثة كانت أولًا تغنى غناء تغنيه أخيرًا إلا الخمسة مثلًا.
قلت: هذا كله لا يغني فتيلًا فيما نحن بصدد، ثم هو غير مستقيم، فقد تغلوا سلعة وترخص أخرى، ولا تزال تضطرب قيمتها ارتفاعًا وانخفاضًا إلى يوم القيامة، ولماذا إذ كان لوحظ ذاك المعنى وقع التحديد أخيرًا بالعشرة؟ ! وقد يزيد
_________________
(١) هذا لم يصح، وهو مطل في إسناده ومتنه، وقد بينت ذلك في «إرواء الغليل» .ن
(٢) قلت يشير إلى ما روى عن عمر رضي الله عنهأنه قال: «لا قطع في غدق، ولا في عام سنة» .نده جهالة كما ىبينة في المصدر السابق (٢٤٩٦) .
[ ٢ / ٩١٢ ]
الاتساع فتصير خمسة عشر لا تغني إلا غناء الثلاثة، وقد يعود الضيق ويشتد أشد مما كان أولًا، والمعروف إنما هو ضبط أثمان السله بالدنانير والدراهم، لا ضبط الدنانير والدراهم بالسلع، فكيف بالسلعة لا تنضبط؟
وقد أطلت في رد هذا المسلك مع أنه لا يحتاج في رده إلى هذا كله، ولكن دعا إلى ذلك شهرة قائلة. والله المستعان.
[ ٢ / ٩١٣ ]
إعلال الكوثري للحديث الوارد في ذلك عند مسلم
المسألة الخامسة عشرة: القضاء بشاهد ويمين في الأموال
قال الأستاذ ص ١٨٥: «وأما القضاء بشاهد ويمين فلم يرد فيه ما هو غير معلل عند أهل النقد، وحديث مسلم فيه انقطاعات مع عدم ظهور دلالته على التنازع فيه كما فصل في محله. والليث بن سعد رد على مالك ردًا ناهضًا في رسالته إليه حتى أن يحيى الليثي رواية (الموطأ) وغيرهم من كبار المالكية خالفوا مالكًا في المسألة، وكم بين الشافعية من خالف الشافعي في المسألة، فسل قضاة العصر ماذا كانت تكون النتيجة في الحقوق لوحكموا للناس بما يطالبون به بدون تكامل نصاب الشهادة؟ فضلًا عن الضعف الظاهر فيما يحتجون به في الأخذ بشاهد ويمين» .
أقول: حديث مسلم هو قوله في (صحيحه): «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد ابن عبد الله بن نمير قالا ثنا زيد - وهو أبن حباب - ثني سيف بن سليمان أخبرني قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن العباس أن رسول الله ﵌ قضى بيمين وشهادة» .
فأما الإنقطاعات المزعومات فأحدهما بين عمرووابن عباس. والآخرين بين قيس وعمرو.
أما الأول فقال ابن التركماني: «في (علل الترمذي): سألت محمدًا (البخاري) عنه- أي هذا الحديث - فقال: عمرو بن دينار لم يسمع عندي هذا الحديث من ابن عباس» .
[ ٢ / ٩١٤ ]
أقول: ليس لهذه العندية ما يسندها سوى أمرين:
الأول: أن محمد بن مسلم بن سوسن الطائفي روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، فقال بعض الرواة عنه: عن عمروعن طاوس عن ابن عباس. وبعضهم قال: عن عمروعن جابر بن يزيد عن ابن عباس.
الثاني: استبعاد صحة الحديث لعدم اشتهاره عن ابن عباس ومخالفته لظاهر القرآن.
فأما الأول فقد أجاب عنه البيهقي بأنه إنما جاء ذلك عن بعض الضعفاء، فأما التقات فرووه عن الطائفي عن عمروعن ابن عباس كما يأتي: ورواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء.
أقول: ومع ذلك فلوصح الوجهان المذكوران أو أحدهما لصح الحديث أيضًا كما صحح الشيخان حديث حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر في لحوم الخيل، مع رواية ابن عيينة وغيره له عن عمروعن جابر. (١) ولهذا نظائر.
وأما الثاني: فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أن ذاك الاستبعاد إن كان له وجه فلا يزيله إلا دعوى أن بين عمرووابن عباس واسطة ضعيفة، إذ لو كان بينه وبينه ثقة لصح الحديث أيضًا كما مر، وليس لأحد أن يفرض الواسطة الضعيفة هنا فأن عمرًا لا يدلس مثل هذا التدليس، وإنما قد يرسل ما سمعه من ثقة متفق عليه كما أرسل عن جابر ما سمعه من محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عنه، ومحمد إمام حجة. وقد تتبعت ما قيل أن عمرًا أرسله مثل هذا الإرسال غير الحديث السابق، فلم أجد إلا حديثًا حاله كحال الحديث السابق، وذلك أن في (مسند أحمد) ج٣ ص ٣٦٨:
_________________
(١) أنظر تخريجه في «الإرواء» (٢٥٥١) .
[ ٢ / ٩١٥ ]
بحث هام في التدليس
«ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمروا بن دينار عن جابر ، قلت لعمرو: أنت سمعته من جابر؟ قال: لا» . والحديث في (صحيح البخاري) من طريق ابن عيينة «قال عمرو: أخبرني عطاء أنه سمع جابرًا .» فبين عمرووجابر في هذا عطاء بن أبي رباح، وهو إمام حجة. ووجدت حديثين آخرين لم يتضح لي الإرسال فيهما، فإن صح فالواسطة في أحدهما عكرمة وطاوس أو أحدهما.
وفي الثاني: ابن أبي مليكة، وهؤلاء كلهم ثقات أثبات. فإن ساغ أن يقال في حديث رواه عمروعن ابن عباس: لعله لم يسمعه منه. فإنما يسوغ أن يفرض أن عمرًا سمعه من ثقة حجة سمعه من ابن عباس. وفي ترجمة عمرومن (تهذيب التهذيب): قال الترمذي: قال البخاري: لم يسمع عمرو بن دينار من ابن عباس حديثه عن عمر في البكاء على الميت» . قال ابن حجر: «قلت: ومقتضى ذلك أن يكون مدلسًا» .
أقول: لم أظفر برواية عمروذاك الحديث عن ابن عباس، والقصة - وفيها الحديث- ثابتة في (صحيح مسلم) و(مسند الحميدي) من رواية عمروعن ابن أبي مليكة عن ابن عباس، فإن كان بعضهم روى الحديث عن عمروعن ابن العباس فلا ندري من الراوي؟ فإن كانت ثقة فالحال في هذا الحديث كما تقدم، حدث به عمرومرارًا عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس حتى عرف أن الناس قد عرفوا أنه لم يسمعه من ابن عباس، ثم قال مرة على سبيل الفتيا أو المذاكرة: «قال ابن عباس» وليس هذا بالتدليس، على أنه لا مانع من أن يسمع من أبن أبي مليكة عن ابن عباس القصة وفيها الحديث ويسمع من ابن عباس نفسه الحديث. ولا مانع من أن يسمع الرجل الحديث من رجل عن سيخ ثم يسمعه من ذلك الشيخ نفسه ثم يرويه تارة كذا. وهذا النوع يسمى «المزيد في متصل الأسانيد» وقد عد بعضهم منه حديث عمروفي لحوم الخيل. وقد ذكر مسلم في مقدمة (صحيحه) أمثله مما قد يقع من غير المدلس من إرسال ما لم يسمعه، وذكر
[ ٢ / ٩١٦ ]
منها حديث عمرو بن دينار في لحوم الخيل وقد مر، وهذا حكم من مسلم بأن عمرًا غير مدلس، وأن ما قد يقع عن مثل ذاك الإرسال ليس بتدليس. وأحتج الشيخان بكثير من أحاديث عمروالتي لم يصرح فيها بالسماع، واحتج مسلم بحديث في المخابرة رواه ابن عيينة عن عمروعن جابر، مع انه قد ثبت عن ابن عيينة أن عمرًا لم يصرح فيه بالسماع من جابر. وهذا الترمذي حاكي الحكايتين عن البخاري صح في لحوم الخيل رواية ابن عينة التي فيها «عمروعن جابر» وخطأ حماد بن زيد في قوله «عمروعن محمد بن علي عن جابر» مع جلالة حماد وإتقانه، فلو كان عند الترمذي أن عمرًا يدلس لما كان عنده بين الروايتين منافاة. والصحيح أنه لا منافاة ولا تدليس كما مر. فأما ما في (معرفة الحديث) للحاكم ص ١١١ في صدد كلامه في التدليس: «فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وأن عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة» . فإنما قال ذلك في صدد من روى عمن لم يره قط ولا سمع منه شيئًا، فإن تلك العبارة هي في صدد قوله ص ١٠٩ «الجنس السادس من التدليس قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط » . وحاصل ذلك أن عمرًا يرسل عمن لم يره من الصحابة، وهذا على قلة ما قد يوجد عن عمروفيه ليس بتدليس وإنما يسميه جماعة تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام، فأما أن يرسل المحدث عمن قد عرف الناس أنه لم يدركه أو لم يلقه فلا إيهام فيه فلا تدليس. وعادة أئمة الحديث إذا كان الرجل ممن يكثر منه هذا الإرسال أن ينصوا على أسماء الذين روى عنهم ولم يسمع منهم، كما تراه في تراجم مكحول والحسن البصري وأبي قلابة عبد الله بن زيد وغيرهم، ولم نجد في ترجمة عمروإلا قول ابن معين: «لم يسمع في البراء بن عازب» ولعله لم يرسل عن البراء إلا خبرًا واحدًا. وسماع عمرومن ابن عباس ثابت، والحكم عندهم فيمن ليس بمدلس ولكنه قد يرسل لا على سبيل الإيهام أن عنعنته محمولة علة السماع إلا أن يتبين أنه لم يسمع، كالحديث الذي رواه شعبة عن عمروعن جابر وقد تقدم. ووجه ذلك أنه لم يثبت
[ ٢ / ٩١٧ ]
عليه إلا أنه قد يرسل لا على وجه الإيهام، ومعنى ذلكأنه لا يرسل إلا حيث يكون هناك دليل واضح على أنه لم يسمعه، فحيث وجدنا دليلًا واضحًا على عدم السماع فذاك، وحيث لم نجد كان الحكم هو السماع ألا ترى أن الثقة قد يخطئ، ومع ذلك فروايته محمولة على الصواب ما لم يقم دليل واضح على الخطأ، فأولى من ذلك أن يحكم بالاتصال في حديث من لم يعرف عنه ألا الإرسال حيث لا إيهام، لأن المخطئ قد يخطئ حيث لا دليل على خطائه بخلاف المرسل. والحكم عندهم فيمن عرف بالتدليس وكثر منه إلا أنه لا يدلس إلا فيما سمعه من ثقة لا شك فيه أن عنعنته مقبولة، كما قالوه في ابن عيينة فما بالك بما نحن فيه؟
وأما عدم اشتهار الحديث عن ابن عباس فلا يضره بعد أن رواه عنه ثقة جليل فقيه وهو عمرو بن دينار، وكم من حديث صححه الشيخان وغيرهما مع احتمال أن يقال فيه مثل هذا أو أشد منه، هذا حديث «إنما الأعمال بالنيات» عظيم الأهمية عند أهل العلم حتى قالوا أنه نصف العلم. وهذا مما يقتضي اشتهاره، وفي روايته ما يشير إلى أن النبي ﷺ خطب به على المنبر، وهذا مما يقتضي اشتهاره، وذكر فيه أن عمر بن الخطاب رواه وهو يخطب على المنبر، وهذا مما يقتضي اشتهاره، ومع ذلك لم يروه عن النبي ﷺ غير عمر بن الخطاب، ولا رواه عن عمر غير علقمة بن وقاص، ولا رواه عن علقمة غير محمد بن إبراهيم التيمي، ولا رواه عن محمد غير يحيى بن سعيد الأنصاري، ومع ذلك صححه الشيخان وغيرهما وجعلوه أصلًا من أصول العلم، بل جعلوه نصف العلم كما مر.
فإن قيل: لكن له شواهد.
قلت: وحديث القضاء بالشاهد اليمين كذلك فقد جاء من رواية جماعة من
[ ٢ / ٩١٨ ]
رد دعوى مخالفة الحديث لآية "واستشهدوا شهيدين "
الصحابة بأسانيد جيدة قد صححوا نظائرها. وجاء من رواية آخرين بأسانيد نصلح للاستشهاد، (١) وجاء من مرسل عدة من التابعين، وكان عليه عمل أهل الحجاز لا يعرف عندهم خلافه.
فإن قيل: فقد قلت في حديث ابن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس في قطع يد السارق في ثمن المجن ما قلت.
قلت: ذاك خبر اضطرب فيه ابن إسحاق أشد أضطراب، وابن إسحاق في حفظه شيء، وجاءت أدلة تقضي بأنه من قول عطاء، لا من روايته عن ابن عباس كما تقدم تفصيله في المسألة السابقة، وليس الأمر ههنا كذلك، ولا قريبًا من ذلك. وقد تجتمع عدة أمور يقدح مجموعها في صحة الحديث، ومنها ما لو انفرد لم يضر.
وأما مخالفته لظاهر القرآن كما قد يشير إليه صنيع البخاري في (صحيحه) فكم من حديث صححه هو وغيره وهو مخالف لظاهر القرآن كحديث المنع من الجمع بين المرآة وعمتها أو خالتها، وحديث النهي عن أكل كل ذي ناب أو مخلب، وحديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وغير ذلك. وكم من دلالة ظاهرة من القرآن خالفها الحنفية أنفسهم، وقد تقدم شيء من ذلك في المسألة الثانية عشر، وذكر ابن حجر في (الفتح) أمثلة من ذلك، وبسط الشافعي كلام في (الأم) ج ٧ ص ٦ - ٣١ ومع ذلك فمخالفة حديث القضاء بشاهد ويمين لظاهر القرآن مدفوعة كما ستراه.
قال الله ﵎ «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ» إلى أن قال: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ
_________________
(١) سيأتي ذكر بعض شواهده ١٥٦-١٥٧.ن
[ ٢ / ٩١٩ ]
إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى» إلى أن قال «ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا» إلى أن قال «وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ» .
إن قيل: أمر الله تعالى أن يستشهد عند المدينة رجلان فإن لم يكونا فرجل وامرأتان، فدل ذلك على أنه لا يثبت الحق عند التداعي عند الحاكم إلا بذلك.
فالجواب: إن أردتم أنه لا يثبت مطلقًا إلا بذلك فهذا باطل، إذا قد يثبت الحق بالاعتراف، بالنكول فقط عند الحنفية، ومع يمين المدعي عندنا، وإن أردتم أنه لا يثبت بشهادة إلا كذلك فهذا لا يفيدكم، فإن الحديث إنما أثبته بالشاهد واليمين لا بالشاهد وحده.
فإن قيل: لو كان يثبت بشاهد ويمين لما كان بالأمر برجلين أو رجل وامرأتين فائدة.
قلنا: بلى، له فوائد عظيمة، الأولى ما نصت عليه الآية: «ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا»، وهذا كما يحصل بالكتابة مع أن الحق لا يثبت بالكتاب وحده، فكذلك يحصل بالشهادة التامة، فإن القضاء يحصل بشهادة تامة أظهر في القسط والعدل من القضاء بشاهد ويمين، وأقوم للشهادة لأن كلًا من الشاهدين يبالغ في التحفظ لئلا تخالف شهادته شهادة الآخر، وأبعد عن الريبة كما لا تخفى، وقد دل الآتيان بصيغة التفضيل على أن أصل القسط، وقيام الشهادة، والبعد عن الريبة، قد يحصل بما هو دون ما ذكر، فما هو؟ ليس إلا الشاهد واليمين، كما دل
[ ٢ / ٩٢٠ ]
عليه الحديث، فالآية تدل على صحة الحديث، لأنه لو لم يكن صحيحًا لما كان هناك ما يحصل به ما اقتضته الآية.
الفائدة الثانية: أن ذلك أحوط للحق، إذ لوأستشهد رجل واحد فقط فقد يموت قبل أداء الشهادة، أو يعرض له ما تفوق به شهادته، كالجنون أو النسيان أو الفسق أو الغيبة، فإذا كانا إثنين فالغالب أنه لا يعرض لهما ذلك معًا، وهذه أدنى درجات الاحتياط نبهت عليها الآية، ولم تمنع مما فوقها، بل في هذا إشارة إلى أنه إذا اقتضت الحال ينبغي مظاهرة الاحتياط، وذلك كأن تكون مدة الدين طويلة كخمس عشرة سنة، ووجد شاهدان شيخين كبيرين فينبغي الزيادة في عدد الشهود بحيث يغلب أنهم لا يموتون جميعًا قبل حلول الدين، أو يعرض لهم جميعًا ما تفوت به شهادتهم.
الفائدة الثالثة: إن الشاهد الواحد لا يثبت به الحق بل لا بد معه من اليمين، وقد يكبر على المدعي أن يحلف خشية أن يتهمه بعض الناس، أو لأنه قد نسي القضية أو صفتها، أو لأنه لم يحضرها وإنما حضرها مورثة الذي قد مات، وقد يجن الدائن أو يموت ويكون وارثه صبيًا أو مجنونًا فتتعذر اليمين وقت المطالبة فيتأخر القضاء بالحق إلى أن يكمل صاحبه اويموت.
فإن قيل: ذكر البخاري في (الصحيح) عن ابن شبرمة انه أحتج على أبي الزناد بالآية وذكر قوله تعالى «أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى» قال: «قلت: إذا كانت يكتفى بشاهد شاهد ويمين المدعي فما يحتاج أن تذكر أحدهما الأخرى؟ ما كان يصنع بذكر هذه الاخرى؟» .
قلت: قد تقدم ما يعلم منه الجواب، ولا بأس بإيضاحه فأقول: يصنع بذكر الأخرى أنه إذا كان الرجل باقيًا حاضرًا جائز الشهادة أن تتم فيكون ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأبعد عن الارتياب. ولا يتوقف ثبوت الحق على يمين المدعي وقد تكبر عليه أو تتعذر منه فيضيع الحق، أو يتأخر كما تقدم، وإن
[ ٢ / ٩٢١ ]
كان الرجل قد مات أو عرض له ما فوت شهادته، شهدت المرآتان وحلف المدعى معهما وثبت الحق كما هو مذهب مالك، والظاهر أنه كان مذهب أبي الزناد، وهو مذهب قوي فإن الآية أقامت المرأتين مقام الرجل، وفي (الصحيحين) من حديث أبي سعيد الخدري في قصة خروج النبي ﵌ يوم العيد ومروره على النساء وموعظته لهن «قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى» وهذا قاضٍ بأن شهادة المرأتين في ما تقبل فيه شهادتهن مثل شهادة رجل، فأما إشتراط الآية لاستشهاد المرأتين أن لا يكون رجل فإنما هو والله اعلم لأن المطلوب في حق النساء الستر والصيانة، والشهادة تستدعي البروز وحضور مجالس الحكام والتعرض لطعن المشهود عليه.
فقد أتضح بحمد الله ﵎ انه ليس في الآية ما يتجه معه أن يقال إن الحديث مخالف لظاهر القرآن، بل ثبت أن فيها ما يشهد له بالصحة.
وأما المخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة فذكروا هاهنا ما جاء في قصة الأشعث بن قيس أنه أدعى على رجل فقال له النبي ﵌: «شاهداك أو يمينه» . وحديث (الصحيحين) عن ابن عباس مرفوعًا: «لو يعطى الناس بدعواهم لأدعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» لفظ مسلم.
والجواب على الحديث الاول: أنه في (الصحيحين) وغيرهما من طريق أبي وائل شقيق ابن سلمة عن الاشعث بن قيس، وأختلفت ألفاظ الرواة في مقاله النبي ﵌، ففي رواية «شاهداك أو يمينه»، وفي أخرى «بينتك أو يمينه» وفي ثالثة أنه بدأ فقال للأشعث: ألك بينة؟» قال الأشعث: قلت: لا، «قال فيحلف» هكذا في (صحيح البخاري) في «كتاب الأحكام» في «باب الحكم في البشر» من طريق سفيان الثوري عن منصور والأعمش عن أبي وائل، وهكذا رواه أبومعاوية عن الأعمش إلا أنه قال: «فقال لليهودي: احلف» . أخرجه البخاري في «كتاب الشهادات» من (صحيحيه)، «باب سؤال الحاكم المدعي: ألك بينة؟» .
[ ٢ / ٩٢٢ ]
ونحوه في (صحيح مسلم) و(مسند أحمد) ج ٥ ص ٢١١ من طريق أبي معاوية ووكيع عن الأعمش - إلى غير ذلك فلا ندري ما هو اللفظ الذي نطق به النبي ﵌، ولكن أجل من روى الحديث عن أبي منصور والأعمش وأجل من رواه عنهما سفيان الثوري وهو إمام الاتقان والفقه، وروايته هي الأشبه بآداب القضاء أن يبدأ فيسأل المدعي أله بينة؟ فإن لم يكن له بينة وجه اليمين على المدعى عليه. والبينة كل ما بين الحق، فتصدق على البينة التامة وهي ما لا يحتاج معها الى يمين، وبالبينة الناقصة وهي ما يحتاج معها الى يمين. على انه لوثبت ان لفظ النبي ﵌: «شاهداك أو يمينه» فدلالة هذا على نفي القضاء بشاهد ويمين ليست بالقوة، ودلالة أحاديث القضاء بالشاهد واليمين واضحة.
فإن قيل يقوي هذه أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قلت: فإن ظاهرها يقتضي أن لا تقبل شهادة رجل وامرأتين.
فإن قيل: يجوز أن يكون الأشعث قد علم قبول رجل وامرأتين.
قلت: ويجوز أن يكون قد علم قبول شاهد ويمين. والحق أنه يجوز ان لا يكون قد علم ذا ولا ذاك، وليس هناك محذور، لأن من شأن المدعي أن يكون حريصًا على إظهار مل ما يؤمل أن ينفعه، فلو كان له شاهد وامرأتان أو شاهد فقط أو امرأة واحدة وقيل له: «شاهداك أو يمينه» لقال لا أجد شاهدين ولكني أجد كذا، وقد نازع في تحليف المدعى عليه كما في بقية القصة فإن فيها «قلت يا رسول الله ما لي بيمينه؟ وإن تجعلها تذهب بئري إن خصمي امرؤ فاجر» أفتراه ينازع في هذا ويأخذ بما يشعر به قول النبي ﵌ إن كان ما قاله «شاهداك» فلا يقول: لي شاهد واحد إن كان له؟
وأما الحديث الثاني فأوله يبين آخره، ويدل على أن محل قوله «اليمين على المدعى عليه» حيث لا يكن للمدعى إلا دعواه فقط، وكما أنه لا يتناول من له شاهدان لأنه لم يعط بمجرد دعواه، وإنما أعطي بدعواه مع شهادة الشاهدين فكذلك لا يتناول من له شاهد، لأنه إن أعطي فلم يعط بمجرد دعواه.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
الجواب عن الانقطاع في الموضع الثاني والرد على الطحاوي في حكمه على الحديث أنه منكر
وأما ما يقال: إن اختصاص المدعى عليه باليمين أصل من الأصول، فحديث القضاء بشاهد ويمين المدعي مخالف للأصول، فتهويل، ويمكن دفعه بأن لما اقام شاهدا عدلا صار الظاهر بيده، فاذا اصر المدعي عليه على الانكار فهو مدع لبطلان ذاك الظهور، فقد صار المدعي في معنى المدعى عليه وصار المدعى عليه في معنى المدعي. ويمكن معارضته بأصل آخر، وهو: انه لا يخالف المدعى عليه مع وجود بينة للمدعى.
فان قيل: ذاك إذا كانت بينة تامة.
قلت: لنا أن نمنع هذا. ويتحصل من ذلك أن المتفق عليه انه لا يمين للمدعي حيث لا شاهد له، ولا يمين للمدعى عليه مع وجود بينة تامة، ما إذا كان للمدعي شاهد واحد مترددا بين هذا الاصلين، فيؤخذ فيه بالدليل الخاص به، وقد ثبت الحديث بتحليف المدعي، فان حلف صارت البينة في معنا التامة، وان أبى صار في معنى من لا شاهد له أصلا. والله الموفق.
وأما الانقطاع الثاني وهو مبين في قيس وعمر وفلا وجه له، ولم يقله من يعتد به، وقد تقدم ان البخاري كأنه استبعد صحة الحديث، ثم لم يكن عنده إلا أن حدس إن عمرا لم يسمعه من ابن عباس، وقد تقدم الكلام معه في ذلك، وهو الذي يشدد في اشتراط العلم باللقاء، فلو كان هناك مجال للشك في سماع قيس من عمرولما تركه البخاري والتجأ إلي ذاك الحدس الضعيف الذي لا يجدي، وقيس ولد بعد عمروومات قبله، وكان معه في مكة وسمع كل منهما من عطاء وطاوس وسعد بن جبير ومجاهد وغيرهم، وكان عمرولا يدع الخروج الى المسجد الحرام والقعود فيه إلي أن مات، كما تراه في ترجمة من (طبقات ابن سعد)، وكان قيس قد خلف عطاء في مجلسه كما ذكره ابن سعد أيضا، وسمع عمرومن ابن عباس وجابر وابن عمر وغيرهم ولم يدركهم قيس، فهل يظن بقيس انه لم يلق عمرا وهو هـ معه بمكة منذ ولد قيس إلى أن مات؟ أو لم يكونا يصليان في المسجد الحرام الجمعة والجماعة؟ أو لم يكونا يجتمعان في حلقة عطاء غيره في المسجد ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين عن الأخرى إلا بضعة اذرع. اويظن بقيس انه استنكف السماع من عمرولأنه قد شاركه في صغار مشايخه ثم يرسل عنه إرسالا؟ وقد قاتل الأستاذ أشد القتال
[ ٢ / ٩٢٤ ]
لمحاولة دفع قولهم أن أبا حنيفة الذي ولد سنة ثمانين بالكوفة ونشأ بها، معرضا عن سماع الحديث لم يسمع من انس الذي عاش بالبصرة وتوفي بها سنة إحدى وتسعين وقيل بعدها بسنه اوسنتين، وليس بيده إلا أنه قد قيل: أن أبا حنيفة رأى أنسا! وقد تعرضت لذلك في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت من قسم التراجم، ثم ترى الأستاذ هنا يجاري أصحابه في توهمهم الباطل مع وضوح الحال.
وسبب الوهم في هذا أن الطحاوي ذكر هذا الحديث فقال «وأما حديث ابن عباس فمنكر لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء» فتوهم جماعة من آخرهم الأستاذ الكوثري أن الطحاوي قصد بهذا أن قيسا عن عمرو منقطع لعدم ثبوت اللقاء بناء على القول باشتراط العلم به، القول الذي رده مسلم في مقدمة (صحيحه)، ونقل إجماع أهل العلم على خلافه.
وعبارة الطحاوي لا تعطي ما توهموه، فإنه ادعى أن الحديث منكر، ثم وجه ذلك بقوله: «لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء» ولم يتعرض لسماعه منه ولقائه له بنفي ولا إثبات. ولا ملازمة بين عدم التحديث وعدم اللقاء أو السماع، فإن كثيرًا من الرواة لقوا جماعة من المشايخ وسمعوا منهم ثم لم يحدثوا عنهم بشيء.
فإن قيل: إنما ذاك لاعتقادهم ضعف أولئك المشايخ، وعمرو لم يستضعفه أحد.
قلت: بل قد يكون لسبب آخر، كما امتنع ابن وهب من الرواية عن المفضل بن فضالة القتباني لأنه قضى عليه بقضية، وامتنع مسلم عن الرواية عن محمد بن يحيى الذهلي لما جرى له معه في شأن اختلافه مع البخاري فكأن الطحاوي رأى أن قيس لو كان يروي عن عمر لجاء من روايته عنه عدة أحاديث لأن عمرًا كان أقدم وأكبر وأجل. وقد سمع من الصحابة وحديثه كثير مرغوب فيه، وكان قيس معه بمكة منذ ولد، فحدس الطحاوي أن قيسًا كان ممتنعًا من الرواية عن عمرو، فلما جاء هذا الحديث استنكره كما قد نستنكر أن نرى حديثًا من رواية ابن وهب عن المفضل، أو من رواية مسلم عن محمد بن يحيى. فإن قيل فقد يكون لإستنكاره خشي إنقطاعه.
قلت: كيف يبنى على ظن امتناع قيس من الرواية عن عمر نفسه أن يحمل هذا
[ ٢ / ٩٢٥ ]
الحديث على أنه أرسله عنه؟ بل المعقول أنه إذا امتنع من الرواية عنه نفسه كان أشد امتناعًا من أن يروي عن رجل عنه فضلًا عن أن يرسل عنه - أو بعبارة أخرى - يدلس، وقيس غير مدلس.
فإن قيل: فعلى ماذا يحمل؟
قلت: أما الطحاوي فكأنه خشي أن يكون سيف وهو راوي الحديث عن قيس - أخطأ في روايته عن قيس عن عمر.
فإن قيل: فهل تقبلون هذا من الطحاوي؟
قلت: لا، فإن أئمة الحديث لم يعرجوا عليه، هذا البخاري مع استبعاده لصحة الحديث فيما يظهر إنما حدس أن عمرًا لم يسمعه من ابن عباس، وذلك يقضي أن الحديث عنده ثابت عن عمرو، وهذا مسلم أخرج الحديث في (صحيحه)، وثبته النسائي وغيره. وليس هناك مظنة للخطأ، وسيف ثقة ثبت لوجاء عن مثله عن ابن وهب عن المفضل بن فضالة، أو عن مسلم عن محمد بن يحيى لوجب قبوله، لأن المحدث قد يمتنع عن الرواية عن شيخ ثم يضطر إلى بعض حديثه، هذا على فرض ثبوت الامتناع، فكيف وهو غير ثابت هنا؟ بل قد جاء عن قيس عن عمرو حديث آخر، روى وهب بن جرير عن أبيه قال: سمعت قيس بن سعد يحدث عن عمرو بن دينار » ووهب وأبوه من الثقات الأثبات.
ذكر البيهقي ذلك في الخلافيات ثم قال: «ولا يبعد أن يكون له عن عمرو غير هذا» نقله ابن التركماني في (الجوهر النقي)، ثم راح يناقش البييهقي بناءًا على ما توهموه أن مقصود الطحاوي الانقطاع ودعوى أنه لم يثبت لقيس لقاء عمرو، وقد مر إبطال هذا الوهم، والطحاوي أعرف من أن يدعي ذلك لظهور بطلانه، مع ما يلزمه من اتهام قيس بالتدليس الشديد الموهم للقاء والسماع على فرض أن هناك مجالًا للشك في اللقاء، وقد بينا أن الطحاوي إنما حام حول الامتناع، والحق أنه لا امتناع، ولكن قيسًا عاجله الموت، ولما كان يحدث في حلقته في المسجد الحرام كان عمرو حيًا في المسجد نفسه ولعل حلقته كانت بالقرب من حلقة عمرو فكان قيس يرى أن الناس في غنى عن السماع منه عن عمرو لأن عمرًا معهم بالمسجد،
[ ٢ / ٩٢٦ ]
ذكر بعض الشواهد للحديث
فكان قيس يحدث بما سمعه من أكابر شيوخه، فإن احتاج إلى شيء من حديث عمرو في فتوى أو مذاكرة فذكره، قام السامعون أو بعضهم فسألوا عمرًا عن ذلك الحديث فحدثهم به فرووه عنه ولم يحتاجوا الى ذكر قيس، واستغنى سيف في هذا الحديث، وجرير في الحديث الآخر بالسماع من قيس لأنه ثقة ثبت، ولعله عرض لهما عائق عن سؤال عمرو.
هذا وقد تابع قيسًا على رواية هذا الحديث عن عمرو بن دينار محمد بن مسلم بن سوسن الطائفي، ذكر أبو داود في (السنن) حديث سيف ثم قال: «حدثنا محمد بن يحيى وسلمة ابن شبيب قالا: ثنا عبد الرزاق نا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار - بإسناده ومعناه، قال سلمة في حديث قال عمرو: في الحقوق، وأخرجه البيهقي في (السنن) ج ١٠ ص ١٦٨ من طريق عبد الرزاق ومن طريق أبي حذيفة - كلاهما عن الطائفي. والطائفي استشهد به صاحبا (الصحيح)، ووثقه ابن معين وأبو داود والعجلي ويعقوب بن سفيان وغيرهم، وقال ابن معين مرة: «ثقة لا بأس به وابن عيينة أثبت منه، وكان إذا حدث من حفظه يخطأ وإذا حدث من كتابه فليس به بأس، وابن عيينة أوثق منه في عمرو بن دينار، ومحمد بن مسلم أحب الي من داود العطار في عمرو» . وداود العطار هذا هو داود بن عبد الرحمن ثقة متفق عليه وثقة ابن معين وغيره.
وقال عبد الرزاق «ما كان أعجب محمد بن مسلم إلى الثوري» . وقال البخاري عن ابن مهدي «كتبه صحاح» . وقال ابن عدي: «لم أر له حديثًا منكرًا» وضعفه أحمد، ولم يبين وجه ذلك، فهو محمول على أنه يخطأ فيما يحدث به من حفظه.
فأما قول الميموني: «ضعفه أحمد على كل حال من كتاب وغير كتاب»، فهذا ظن الميموني، سمع أحمد يطلق التضعيف فحمل ذلك على ظاهره، وقد دل كلام غيره من الأئمة على التفصيل، ولا يظهر في هذا الحديث مظنة للخطأ وقد اندفع احتماله بمتابعة سيف. (١)
_________________
(١) كذا في الأصل، وهو سبق قلم من المؤلف، والصواب: «قيس» فهو المتابع للطائفي كما هو ظاهر. ن
[ ٢ / ٩٢٧ ]
ترجمة المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي
هذا، وللحديث شواهد منها حديث ربيعة الرأي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة «أن رسول الله - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد» كان سهيل أصيب بما أنساه بعض حديثه ومن ذلك هذا الحديث، فكان سهيل بعذ ذلك يرويه عن ربيعة ويقول: «أخبرني ربيعة وهو عند يثقة أني حدثته إياه - ولا أحفظه» . والنسيان على غير قادحة، وقد رواه يعقوب ابن حميد عن محمد بن عبد الله العامري «أنه سمع سهيل بن أبي صالح يحدث عن أبيه - فذكره» وذكر ابن التركماني أنه اختلف على سهيل، رواه عثمان بن الحاكم عن زهير بن محمد عن سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت.
قلت: إن كان هذا مخالفًا لذاك فذاك أثبت، (١) عثمان مصري، قال فيه أبو حاتم: «ليس بالمتين» وزهير أنكروا «عليه» الأحاديث التي يرويها عنه غير العراقيين. وروى المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة «أن النبي - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد» قال ابن التركماني: «مغيرة قال فيه ابن معين: ليس بشيء» .
أقول: هذا حكاه عباس عن ابن معين. وقد قال الآجري: قلت «لأبي داود: إن عباسًا حكى عن ابن معين أنه ضعف مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي ووثق (مغيرة بن عبد الرحمن) المخزومي. فقال: غلط عباس» احتج به الشيخان وبقية الستة، وقال أبو زرعة: «هو أحب إلي من أبي الزناد وشعيب»، يعني في حديث أبي الزناد. كما في (التهذيب) .وشعيب هو ابن حمزة ثقة متفق عليه. قال أبو زرعة: «شعيب أشبه حديثًا وأصح من ابن أبي الزناد» . وابن أبي الزناد تقدم ذكره في المسألة الثانية، وقد حكى الساجي عن ابن معين أنه قال: «عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة» . وحكى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: «ليس في هذا الباب حديث أصح من هذا» .
قال ابن التركماني: «قال صاحب (التمهيد): أصح إسناد لهذا الحديث حديث
_________________
(١) قلت: قد صحح الطريقين عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة، وعن سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت الإمامان: أبو حاتم وأبو زرعة الرازى، كما بينبته في «الإرواء»، فإشارة ابن التركماني الى إعلاله انتصارًا لمذهبه لاقيمة له. ن
[ ٢ / ٩٢٨ ]
قصة ابن المبارك مع الكوفيين حين أقام الحجة عليهم في النبيذ
ابن عباس. وهذا بخلاف ما قال ابن حنبل» .
أقول: كلاهما صحيح، ولا يفيد الحنفية الإختلاف في أيهما أصح.
وذكر ابن عدي أن ابن عجلان وغيره رووا عن أبي الزناد عن ابن أبي صفية عن شريح قوله. (١) وهذا لا يوهن رواية المغيرة، إذا لا يمتنع أن يكون الحديث عن أبي الزناد من الوجهين، وإنما كانم يكثر من ذكر المروي عن شريح لأن شريحًا عراقي، والخلاف في المسألة مع العراقيين، ومن عادتهم أنهم يخضعون للمقاطيع عن أهل بلدهم، ويردون الأحاديث المرفوعة من حديث الحجازين، ولذلك جاء عن محمد بن علي بن الحسين أنهم سألوه: أقضى النبي - ﷺ - باليمين مع الشاهد؟ قال: «نعم، وقضى به علي ﵁ بين اظهركم» . ذكره البيهقي ج ١٠ ص ١٧٣. وذكر البخاري عن زكريا بن عدي أن ابن المبارك ناظر الكوفيين في النبيذ «فجعل ابن المبارك يحتج بأحاديث
رسول الله - ﷺ - وأصحاب النبي - ﷺ - والمهاجرين والأنصار من أهل المدينة، قالوا: لا، ولكن من حديثنا! قال ابن المبارك عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: إذا سكر من شراب لا يحل له أن يعود فيه أبدًا. فنكسوا رؤوسهم، فقال ابن المبارك للذي يليه: رأيت أعجب من هؤلاء؟ أحدثهم عن رسول الله - ﷺ - وعن أصحابه والتابعين فلم يعبأو ابه،
وأذكر عن إبراهيم فنكسوا رؤوسهم!» حكاه البيهقي في (السنن) ج ٨ ص ٢٩٨.
وروى عبد الوهاب الثقفي وهو ثقة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد» . أعله جماعة بأن جماعة رووه عن جعفر عن أبيه مرسلًا. ونازع في ذلك الدارقطني ثم البيهقي. (٢)
_________________
(١) قلت: عزو هذا لابن عدي فيه نظر، فإنه ليس عنده في ترجمة المغيرة من «الكامل» (ق٣٨٦/٢-١)، والمصنف أخذه من «التهذيب»، ولكن هذا لم يصرح بعزوه الى ابن عدي وانما هو من قول الذهبي في «الميزان» مصرحًا به أنه من قوله. ن
(٢) قلت: وهب أن الراجح أنه مرسل. فهو مرسل صحيح الاسناد، وهو حجة عند الحنفية، لا سيما وله شواهد موصولة كما تقدم، فالحديث صحيح حجة عند الجميع لولا العصيبة المذهبية عفانا الله منها. وقد خرجت كثيرًا من الشواهد لهذا الحديث عن جماعة من الصحابة في «إرواء الغليل» .
[ ٢ / ٩٢٩ ]
تأويلات الحنفية للحديث وردها
وفي الباب أحاديث أخرى ومراسيل ومقاطيع عند الدارقطني والبيهقي وغيرهما، والحديث أشهر من كثير من الأحاديث التي يدعي لها الحنفية الشهرة، ويحتجون بها على خلاف القرآن والسنن المتواترة.
وأما قول الأستاذ: «مع عدم ظهور دلالته على التنازع فيه» . فيشير به إلى تأويلات أصحابه، فمنها زعم بعضهم في حديث مسلم: «قضى بيمين وشاهد» أن المعنى قضى بيمين حيث لا شاهدين، وقضى بشاهد حيث وجد الشهود، والمراد بـ (شاهد) الجنس وهذا التأويل كما ترى!
أولًا: لأنه خلاف الظاهر.
ثانيًا: لأنه يجعل الكلام لا فائدة له، فإن لا يخفى على أحد أنه يقضى باليمين حيث لا بينة، ويقضى بالشاهدين حيث وجدا.
ثالثًا: حمل شاهد على الجنس ثم إخراج الواحد منه لا يخفى حاله.
رابعًا: هذا اللفظ رواية زيد بن الحباب عن سيف. وقد رواه عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزومي عن سيف، فقال: «قضى باليمين مع الشاهد» . رواه الإمامان الشافعي وأحمد عن عبد الله بن الحارث كما في (الأم) ج ٦ ص ٢٧٣ و(مسند أحمد) ج ١ ص ٣٢٣ وزاد في رواية الشافعي: «قال عمرو: في الأموال» . وفي رواية أحمد: «قال عمرو: إنما ذاك في الأموال» . وعبد الله بن الحارث كأنه أثبت من زيد بن الحباب، فإن زيدًا قد وصف بأنه يخطئ، ولم يوصف بذلك عبد الله، وكلاهما ثقتان من رجال مسلم. وهكذا رواه محمد بن مسلم الطائفي عن عمروإلا أنه قال: «قال عمرو: في الحقوق» فقوله: «قضى باليمين مع الشاهد» . لا يمكن ولوعلى بعد بعيد على أجراء تأويلهم المذكور فيه، ورواية عن ابن عباس - وهو عمرو بن دينار ثقة جليل فقيه - أقره على المعنى الذي نقول به ولهذا خصة في الأموال، والقضاء باليمين حيث لا شهود فد يكون في غير الأموال، وكذلك القضاء بالشاهدين.
وهكذا جاء لفظ هذا الحديث «قضى باليمين مع الشاهد» في حديث أبي هريرة وحديث جابر وغيرهما. وفي بعض الشواهد والمراسيل والمقاطيع التصريح الواضح.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
ومن التأويلات في قول بعضهم في لفظ «قضى باليمين مع الشاهد» أن المعنى قضى بيمين المدعى عليه مع وجود شاهد واحد للمدعي، ورود بأوجه: منها أنه خلاف الظاهر، فإن الظاهر أن المعية بين اليمين والشاهد وأنه قضى بينهما معًا، ومنها أن الرواية الأولى ترد هذا التأويل، ومنها أن روية عن ابن عباس وهو ثقة جليل فقيه أقره على ظاهره كما سلف، ومنها ما ورد في بعض الشواهد والمراسيل والمقاطيع من التصريح الواضح.
وفي (الفتح) عن ابن العربي أن بعضهم حمله على صورة خاصة، وهي أن رجلًا اشترى من آخر عبدًا مثلًا فأدعى المشتري أن به عيبًا، وأقام شاهدًا واحدًا، فقال البائع: بعته بالبراءة، فيحلف المشتري أنه ما اشترى بالبراءة، ويرد العبد.
أقول: حاصل هذا التأويل أن البائع أنكر أولًا العيب، فأقام المدعي وهو المشتري شاهدًا واحدًا، فأعترف المدعي عليه وهو البائع، ولكنه أدعى دعوى أخرى وهي أنه باع بالبراءة فأنكر المشتري، ولم يكن للبائع بينة فيحلف المشتري. وأنت خبير أن هذه قضيتان قضي في الأولى بالاعتراف، وفي الثاني باليمين وذهب الشاهد لغوًا فكيف يعبر الصحابة عن هذا بلفظ «قضى باليمين مع الشاهد» و«قضى بيمين وشاهد»؟ فإن كلًا من هاتين العبارتين تعطي أن القضاء وقع باليمين والشاهد معًا.
فإن قيل: قد يقال: لم يعترف البائع بل قال لا عيب، فإن كان فلا يلزمني لأنني بعت بالبراءة.
قلت: فعلى هذا أن حلف المشتري على وجود العيب وعدم البراءة فقد قضى له في القضية الثانية بيمينه فقط وفي الأولى بشاهده ويمينه وهو الذي تفرون منه. وإن حلف على عدم البراءة فقط ومع ذلك قضى له برد العبد فقد قضى له في الثانية بيمينه فقط، وفي الثاني بشاهد واحد بلا يمين، وهو أشد مما تفرون منه. على أن الذي ينبغي في هذه الصورة أن لا يقبل قول البائع «لا عيب » بل يقال له: أما أن تعترف بوجود العيب، وإما أن تصر على إنكارك، فإن أعترف فقد تقدم، وإن أصر على إنكاره، قيل للمشتري ألك شاهد آخر؟ فإن قال: لا، فعلى قولكم يقال للبائع: احلف، فإن حلف قضي له يمينه وذهب الشاهد لغوا، ولم يحتج إلى دعوى
[ ٢ / ٩٣١ ]
رسالة الليث بن سعد إلى مالك في القضاء بشاهد ويمين
البراءة. وإن أبى قضي بوجود العيب لنكول المدعي عليه وذهب الشاهد لغوا وتمت القضية الأولى، ثم ينظر بالقضية الثانية.
وعلى قولنا يقال للمشتري احلف مع شاهدك، فإن حلف ثبت العيب بشاهده ويمينه، ثم ينظر في القضية الأخرى، وإن أبى قيل للبائع احلف أنه لا عيب، فإن أبى قضى له بيمينه واستغنى عن الدعوى الثانية وذهب الشاهد لغوا. وإن أبى قيل للمشتري احلف على وجود العيب (وهذه يمين مردودة ليست هي التي تكون مع الشاهد) فإن حلف قضى له بيمينه مع نكول البائع واستغنى عن الشاهد، ثم ينظر في القضية الثانية، وإن أبى سقط حقه واستغنى عن القضية الثانية.
فإن قال قائل: أنا أخالفكم في رد اليمين وفي القضاء بالشاهد واليمين إلا في صورة واحدة وهي ما إذا كان للمدعي شاهد واحد ونكل المدعي عليه عن اليمين فيحلف المدعي ويستحق، ففي هذه يقضى له بشهاده مع يمينه. قلنا: فأنت تقضي للمدعي الذي لا شاهد له بمجرد نكول خصمه ولا تقضي للمدعي الذي له شاهد بمجرد نكول خصمه بل تكلفه اليمين فوق ذلك فكأن وجود شاهد للمدعي يوهن جانب المدعي حتى لو لم يكن له شاهد لكن جانبه أقوى، فهل يقول هذا أحد؟ !
وأما قول الأستاذ: «والليث بن سعد رد على مالك ردًا ناهضًا في رسالته إليه» . فهذه الرسالة في (إعلام الموقعين) ج ٣ ص ٨٢ وهي تفيد أن مالكًا كتب إلى الليث يعاتبه في إفتائه بأشياء على خلاف ما عليه جماعة أهل المدينة فأجابه الليث بهذه الرسالة، فذكر أولًا أنه قد كان في الأقطار الأخرى جماعة من الصحابة، وكان الخلفاء يكتبون إليهم قال: «ومن ذلك القضاء بشاهد ويمين صاحب الحق وقد عرفت أنه لم يزل يقضي بالمدينة به ولم يقض به لأصحاب رسول الله - ﷺبالشام ولا بحمص ولا بمصر ولا بالعراق ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم ولي عمر بن عبد العزيز وكان كما قد علمت في حإياء السنن والجد في إقامة الدين والإصابة في الرأي والعلم بما قد مضى من أمر الناس، فكتب إليه رزيق إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد ويمين صاحب الحق، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذاك بالمدينة فوجدنا أهل الشام على غير ذلك، فلا نقضي إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين» .
[ ٢ / ٩٣٢ ]
مقصود الليث فيما يظهر أن الأحكام على ضربين، منها ما لا يسع فيه الاختلاف ومنها ما دون ذلك. وإن الخلفاء كانوا يكتبون إلي بالأقطار الأخرى من الصحابة في الضرب الأول كيلا يخالفون فيه، وإذا وقع منهم فيه خلاف كتب إليهم الخلفاء ينهو نم عنه، وأما الضرب الثاني فكانوا يقرون فيه كل مجتهد على اجتهاده؛ وأن هذه القضية من الضرب الثاني كان الخلفاء في المدينة يقضون بالشاهد واليمين وكان من بالأقطار التي سماها الليث من الصحابة لا يقضون بذلك فيما يعلمه الليث ولم يكتب إليهم الخلفاء يأمرونهم بالقضاء به، فدل ذلك أنها عندهم من الضرب الثاني، وأستشهد لذلك بما ذكره عن عمر بن عبد العزيز، وأنه لما كان في المدينة كأن فقهاءها ناظروه فقوي عنده قولهم فكان يقضي به، ثم لما كان في الشام كأن فقهاءها ناظروه فقوي عنه قولهم فصار إليه. فيرى الليث أن ما كان من الضرب الثاني فليس لمالك أن يجعل عمل أهل المدينة فيه حجة على الناس كلهم، ولا أن ينكر على من يخالفه فيه.
أقول: فهذا معنى معقول مقبول في الجملة، والمدار على الحجة، وأن حمل كلام الليث على غير هذا المعنى صار زللًا داحضًا لا ردًا ناهضًا.
ونحن لم ندع أن القضاء بالشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق من الضرب الأول الذي لا يسع خلافه وينقص قضاء القاضي بخلافه، وإنما ادعينا أنه ثابت بالحجة وأن المخالف له مخطئ. وليس في رسالة الليث ما يدفع هذا.
وأما قول الأستاذ: «حتى أن يحيى الليثي » فمخالفة بعض المالكية والشافعية للإمامين إنما تدل أنه قوي عند المخالفين أنه لا يقضى بذلك، وقوته عندهم لا تستلزم قوته في نفس الأمر، والمدار على الحجة وقد اقمناها.
وأما قول الأستاذ: «فسل قضاة العصر » فجوابه أنها إذا روعيت العدالة الشرعية كما يجب لم يكن هناك اختلال يعتد به، وقد قضى أهل العلم بذلك ويقضون به إلى اليوم في بعض الأقطار، ولا يدرك اختلال، وإنما الاختلال في جواز القضاء بشهادة فاسقسن على ما يقول الحنفية، أو رأيت أو قال قضاة العصر قد فسد الزمان فلا يقضى بأقل من ثلاثة شهود على شرط أن تكوت القرائن مساعدة لشهادتهم؟ . وكما أن الفساد يخشى من إدعاء الباطل، فإن أشد منه يخشى من جحد الحق.
[ ٢ / ٩٣٣ ]
فإن شددت بالشهادة دفعًا لما يخشى من ظلم المدعي للمدعي عليه، فقد سهلت بذلك ظلم المدعى عليه للمدعي، وهذا أشد، فإن الغالب أن يكون المطالب عند الحاكم هو الضعيف اتلذي لا يمكنه استيفاء الحق من المدعى عليه فكيف أن يظلمه؟ فالقسطاس المستقيم هو إتباع الشريعة، والله ﷿ متكفل بحفظهما، وضامن بقدره أن يسدد المتبع لها، ويسد ما قد يقع من الخلل في تطبيق العمل بشرعه على حكمته في نفس الأمر أو يجبره. وهو سبحانه اللطيف الخبير، على كل شيء قدير.
تتمة
يعلم من مناظرة الشافعي لمحمد بن الحسن في هذه المسألة أن محمدًا مع إنكاره أن يقضي بشاهد ويمين ورده الأحاديث في ذلك وزعمه أن ذلك خلاف ظاهر القرآن كان يقول: إن نسب الطفل إلى المرأة وبالتالي إلى صاحب الفراش مع ما يتبع ذلك من أحكام الرق والحرية والتناكح والتوارث والاستحقاق الخلافة وغير ذلك يثبت بشهادة وحدها. فاعترضه الشافعي بأن عمدته في ذلك أثر «رواه عن علي ﵁ رجل مجهول يقال له: عبد الله ابن نجي، ورواه عنه جابر الجعفي وكان يؤمن بالرجمة» .
فحاول الأستاذ الجواب عن ذلك بوجوه:
الأول: أن قبول شهادة القابلة إنما هو استهلال المولود ليصلى عليه أو لا يصلى.
الثاني: أن ابن نجي غير مجهول فقد روى عنه عدة ووثقه النسائي وابن حبان.
الثالث: أن جابر الجعفي روى عنه شعبة مع تشدده ووثقه الثوري.
الرابع: أنه قد تابعه عطاء بي أبي مروان عن أبيه عن علي.
الخامس: أنه قد روى عبد الرزاق بسنده إلى عمر قبول شهادة القابلة، والأسلمي الذي في السند مرضي عند الشافعي.
[ ٢ / ٩٣٤ ]
السادس: قال الأستاذ: «محمد بن الحسن استنبط قبول قول المرأة فيما يخص معرفته من قوله تعالى: «ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن»، ووجه دلالته أن الاستهلال مما تشهده النساء دون الرجال عادة فإبطال شهادتهن ينافي قبول قول المرأة فيما تخصها معرفته كما هو المستفاد من الآية» .
أقول: أما الأول فالموجود في كتب الحنفية أنه يثبت النسب بشهادة القابلة عن أبي حنيفة وصاحبيه في بعض الصور وعندهما في صور أخرى فمن شاء فليراجع كتبهم، وليقل معي: أحسن الله عزاء المسلمين في علم الأستاذ محمد زاهد الكوثري! فأما القبول في الاستهلال ليصلي عليه أو لا يصلي فهذا يوافق عليه الشافعي وغيره وليس بشهادة، وإنما هو خبر لا يترتب عليه أمر له خطر.
وأما الثاني: فابن نجي كان مجهول الحال عند الشافعي.
وقال البخاري: «فيه نظر» . وهذه الكلمة من أشد الجرح عند البخاري كما ذكره الأستاذ في كلامه في إسحاق بن إبراهيم الحنيني وتراه في ترجمة إسحاق من قسم التراجم، فأما توثيق ابن حبان فقاعته توثيق المجاهيل كم اذكره الأستاذ غيرة مرة ومرت الإشارة إليها في القواعد وفي ترجمة ابن حبان من قسم التراجم. (١) وتوثيق النسائي معارض بطعن البخاري، على أن النسائي يتوسع في توثيق المجاهيل كما تقدم في القواعد.
وأما الثالث: فجابر الجعفي اسقر الأمر على توهينه، ثم هو معروف بتدليس الأباطيل ولم يصرح بالسماع.
وأما الرابع: فذاك الخبر تفرد به سويد بن سعيد وهو إنما يصلح للاعتبار فيما صرح فيه بالسماع وحدث به قبل عماه، أو بعده وروجع فيه فثبت. وهب أنه يصلح
_________________
(١) قلت: هذا مثال آخر لاعتداد الكوثري بتوثيق ابن حبان إذا وافق مذهبه وهواه، وراجع تعليقنا في المكان الذي أشار اليه المصنف. ن
[ ٢ / ٩٣٥ ]
للاعتبار في هذا فأي فائدة في ذلك وخبر الجعفي طائح؟ !
وأما الخامس: فالأسلمي هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى هالك، وارتضاء الشافعي له إنما هو فيما سمعه عنه أما لأنه سمع من أصوله، وأما لأنه كان متماسكًا ثم فسد بعد ذلك (١) وهذا الخبر لم يسمعه منه الشافعي، ومع ذلك فشيخه فيه إسحاق بن عبد الله الفروي وهو هالك باتفاقهم. والزهري عن عمر منقطع.
ثم إن كان المراد بالقبول على الاستهلال لأجل الصلاة على المولود فليس هذا محل النزاع كما سلف.
وأما السادس: فقوله تعالى «وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِن» الكلام فيع على التوزيع، أي: ل يحل للمرأة أن تكتم ما خلق الله في رحمها، والنهي عن الكتمان يقتضي أنه مظنة أن يقع، وإنما يظن بالمرأة أن تكتم حيث كان لها غرض فمآل النهي عن الكتمان إلى الأمر بالاعتراف، فغاية ما في هذا الدلالة على أنه يقبل منها الاعتراف، فإذا ذكرت أنها قد تمت أقراؤها كان هذا اعترافًا بأنه لا نفقة لها، وادعاء لأنه لا رجعة للزوج عليها فيقبل منها الاعتراف وينظر في الادعاء، فإن قبل منها الادعاء أيضًا فهل تجعلون الولادة من هذا القبيل؟
فإن قلتم: نعم!.
لزمكم أن تقبلوا قول الأم نفسها: هذا ابني من فلان، وتثبتوا بذلك نسبه وميراثه وغير ذلك.
فإن قلتم: إنما هو موضع الاستنباط أن الآية أشعرت بأنه يقبل قول المرأة في الحيض والحمل وأن علة ذلك هو أنه يتعسر العلم بذلك إلا من جهتها فقلنا:
_________________
(١) قلت: وإما لأنه لم يتبين له حاله، ولم يعرفه كما عرفه غيره من الأئمة كمالك وأحمد وغيرها. قال ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٢٢٣) بعد أن روى عن الشافعي أنه كان يقول فيه: كان قدريًا: «لم يبين له أنه كان يكذب، وكان يحسب أنه طعن الناس عليه من أجل مذهبه في القدر» . ن
[ ٢ / ٩٣٦ ]
والولادة يعسر العلم بها إلا من جهة النساء فأخذنا النساء من ذلك قبول شهادتين فيها.
قلنا: أما قبول قولها وحدها في حيضها وحملها، فهذا مما تختص هي بمعرفته دون غيرها، والولادة ليست كذلك بل يطلع عليها غيرها من النساء، أفرأيتم إذا أخذتم من ذلك قبول شهادة النساء على الولادة فمن أين أخذتم أنها تكفي امرأة واحدة؟ فقد تحضر عدة قوابل وقد تحضر مع القابلة عدة نساء وقد يحيط رجال بالخيمة مثلًا بعد كشفها، والعلم بأنه ليس فيها إلا المرأة الحامل، ثم يحرسون الخيمة إلى أن تكشف فلا يكون فيها إلا المرأة وطفل معها فيشهد الرجال شهادة محققة أنها ولدت ذاك الطفل، دع قضية الرجال فإنها نادرة، ولكن هل قلتم دلت هذه الآية على قبول شهادة النساء في الولادة، ودلت آية الدين على اشتراط العدد، فيؤخذ من الآيتين قبول شهادة أربع نسوة كما يقول الشافعي؟ أو ليس إذا قبلتم شهادة امرأة واحدة فيما يختص به النساء لزمكم قبول رجل واحد فيما يختص به الرجال كما يتفق في الجامع يوم الجمعة؟ بل في كل شيء إلا أنه إذا كفت امرأة واحدة فيما يختص به النساء ورجل فيما يختص به الرجال فما لا يختص لا يتجه فيه إلا أحد أمرين: إما أن يكفي الواحد رجلًا كان أو امرأة، وإما أن يشترط رجل أو امرأتان، فقد دلت السنة على هذا فيما يتعلق بالأموال ورادتكم يمينًا.
فإن قلتم لكن الشافعي لا يقول بقبول شهادة المرأتين مع اليمين.
قلنا: قد قال بذلك أستاذه مالك وهو مذهب قوي كما سلف؛ والله الموفق.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
الرد على إصرار الكوثري على أن حكم القاضي ينفذ ظاهرا وباطنا
المسألة السادسة عشرة: نكاح الشاهد امرأة شهد زورًا بطلاقها
في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٧١ من طريق الحارث بن عمير قال: قال «سمعت أبا حنيفة يقول ، قال الحارث بم عمير وسمعته يقول: لوأن شاهدين شهدا عند قاض أن فلان بن فلان طلق امرأته وعلما جميعًا أنهما شهدا بالزور ففرق القاضي بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها؟ قال: نعم. قال: ثم علم القاضي بعد أله أن يفرق بينهما؟ قال: لا» .
قال الأستاذ ص ٣٧: «مسألة نفاذ حكم القاضي ظاهرًا وباطنًا هو مقتضى الأدلة وإن كان شاهد الزور يأثم إثمًا عظيمًا لكن لا يحول ذلك دون نفاذ حكم القاضي ظاهرًا أو باطنًا وإلا لزم إباحة وطئها للزوج الأول في السر فيما بينه وبين الله وإباحة وطئها للزوج الجديد بحكم الحاكم، وأي قول يكون أقبح وأشنع من هذا؟ يكون لامرأة احدة زوجان في حالة واحدة أحدهما يجامعها في السر والآخر في العلانية، ونعترف أن أبا حنيفة لا يمكنه أن يرى مثل هذا الرأي رغم مل تشنيع، بل يرتد على مخالفيه ومشنعيه كما صورناه، وأبو حنيفة من أبرأ الناس من أن يحدث الفوضى في الأحكام، وأما عدم تفريق القاضي بينهما بعد علمه بحال الشاهدين فليس من مسائل أبي حنيفة وإنما مذهبه التروي في الحكم مطلقًا» .
أقول: يتفوه الأستاذ بالقبح والشناعة وينسى ما في صنيعه هذا منهما، أما إباحتها لزوجها الحقيقي فذلك حكم الله ﵎ من فوق سبع سموات! وأما إباحتها لذلك الشاهد الفاجر فإنما يقول بها أبو حنيفة، فأما مخالفوه ومنهم أصحابه أبو يوسف ومحمد وزفر فإنهم قائلون بحرمتها عليه أشد التحريم.
[ ٢ / ٩٣٨ ]
والحاصل أن أبا حنيفة يقول هي حرام في حكم الله تعالى على زوجها، مباحة في حكم الله تعالى للشاهد الفاجر! ومخالفوه يقولون بعكس هذا. غاية الأمر أن القاضي لجهله في نفس الأمر يحول بينها وبين زوجها ويسلط الشاهد الفاجر عليها، ولا قبح في هذا ولا شناعة، أرأيت إذا ادعى رجل على امرأة أنها زوجته فحكم القاضي بذلك، وكانت المرأة في نفس الأمر أم المدعي أو أخته أو بنته والقاضي لا يعلم، أليس يسلطه عليها في قول أبي حنيفة وغيره؟ ونظير مسألتنا ما إذا كان لزيد أمة فادعى بكر أنها أمته وأقام شاهدي زور فقضى له القاضي، فأبو حنيفة يوافق في هذه أن الأمة لا تزال في ملك زيد حلالًا له وحرمًا على بكر، وإن كان القاضي يحول بينها وبين زيد ويسلط عليها بكرًا. وليت الأستاذ كان ذكر الأدلة التي زعم أن نفاذ حكم القاضي ظاهرًا وباطنًا هو مقتضاها فكنت أنظر فيها، وعسى أن تكون في ذلك فائدة، ولكن الأستاذ عدل عنها إلى سلاحه الوحيد من المغالطة والتهويل على عادته. ومن العجيب قوله: «وأما عدم تفريق القاضي بينهما بعد علمه » أليس من المعلوم أنه في قول أبي حنيفة إذا علم حقيقة الحال قضى بأنها امرأة ذلك الشاهد الفاجر حلال له ظاهرًا وباطنًا؟ أو ليس إذا كان هذا قضاءه لم يكن هناك وجه عنده للتفريق بينهما؟ .
[ ٢ / ٩٣٩ ]
بيان أبا حنيفة لا يقول بمشروعيتها إطلاقا خلافا لما ادعاه الكوثري
المسألة السابعة عشرة: القرعة المشروعة
في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٣٩٠ من طريق يوسف بن أسباط قال: «وكان النبي - ﷺ - يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر، وأقرع أصحابه، وقال أبو حنيفة: القرعة قمار» قال الأستاذ ص ٨٧: «وأما مسألة القرعة فقد قصرها أبو حنيفة على موردها وقال: إنما يجري الإقراع عند إرادة السفر بين النساء، وعند القسمة التي ليس فيها باطل حق ثابت، باعتبار أن القرعة وردت في ذلك على خلاف القياس» .
أقول: الذي في كتب الحنفية عن أبي حنيفة أنه لا حكم للقرعة، وإنما تستحب تطييبًا للنفس ثم لا يلزم العمل بها، فللزوج أن يخرج بأي أزواجه شاء حتى لو أقرع فخرج سهم إحداهن فله الخروج بغيرها. وهكذا في القسمة يكون حق التعيين للقاضي. وقد بقين للقرعة موارد أخرى. ودعوى أنها خلاف القياس كأنه أريد بها في الأصل قمار. وسنوضح بعون الله ﷿ بطلان ذلك ونثبت أن القرعة في بابها قياس من أعدل الأقيسة وأقومها وأوفقها بالأصول، وأن جعل التعيين إلى الزوج والقاضي في الفرعين السابقين هو مخالف للأصول.
أعلم أن صورة القرعة قد تستعمل في أربعة أبواب:
الباب الأول: أن يقصد بها إبطال حق صاحب الحق وجعله لمن لا يحق له، كأن يقول الرجل لصاحبه ألق خاتمك وألقي خاتمي ونقترع عليهما فأينا خرج سهمه استحق الخاتمين. أو يقول أحدهما: أقارعك على خاتمي هذا فإن خرج سهمك
[ ٢ / ٩٤٠ ]
أخذته أنت. أو يتداعيا دارًا في يدهما فيقال أقرعوا بينهما فان خرج سهم المدعي أخذ الدار.
الباب الثاني: أن يتنازعا حقًا أن يكون لهما معًا ولا دليل يرجح جانب أحدهما، كأن يتنازعا دارًا بيدهما معًا، ولا دليل لأحدهما، وحلف كل منهما أنها جميعها له ليس لصاحبه منها شيء.
الباب الثالث: أن يختص الحق بأحدهما بعينه ويتعذر تعيينه، كمن طلق بائنًا إحدى امرأتيه وتعذر تعيينها.
الباب الرابع: أن يكون الحق في الأصل ثابتًا لكل منهما لكن اقتضى الدليل أن يخص به أحدهما لا بعينه.
فأما الباب الأول فلا نزاع أن القرعة إذا استعملت فيه فهي قمار، وكذلك الباب الثاني.
وأما الباب الثالث ففيه نظر وقد قال بعض الأئمة بصحة القرعة فيه.
وأما الباب الرابع فهو مورد القرعة، والفرق بينه وبين الأبواب الأولى بغاية الوضوح، فإنه إذا اقتضى الدليل أن يخص به أحدهما لا بعينه فما بقي إلا طلب طريق للتعيين لا ميل فيه ولا حيف، فإذا ظفرنا بطريق كذلك لم يكن فيه إبطال حق ثابت ولا إثبات حق باطل، فما هوهذا الطريق؟ من كانت له امرأتان واحتاج إلى السفر واستصحاب إحداهما فقط، فقد ثبت بالدليل باعتراف أبي حنيفة أن له ذلك وبقي التعيين، ومن مات عن ابنين فقسم القاضي المال نصفين فقد ثبت الدليل باعتراف أبي حنيفة أنه ينبغي تخصيص أحدهما بأحد النصفين والآخر بالآخر وبقي التعيين. فأبو حنيفة يقول: يعين الزوج والقاضي، ومخالفوه يقولون: الزوج والقاضي منهيان عن الميل وعن كل ما يظهر منه الميل، ولا ريب أن تعيينهما برأيهما ميل أو يظهر منه الميل والأصل في ذلك التحريم، فإباحته لهما مخالف للأصول والقياس وفتح لباب الهوى ومناف للحكمة. وإذا عين الزوج برأيه إحدى امرأتيه ظنت الأخرى أنه إنما عينها ميلًا إلى هواه فحزنها ذلك، وأدى ذلك إلى مفاسد،
[ ٢ / ٩٤١ ]
وإذا عين القاضي برأيه أحد النصفين لزيد وكان بكر يريده ظن بكر أن القاضي إنما مال مع هواه، وساءت ظنون الناس بالقاضي وجر ذلك إلى مفاسد. فإن قال أبو حنيفة: فما المخلص؟ قالوا قد بينه الله تعالى ورسوله وهو القرعة، فإن قال: القرعة قمار. قيل له: إنما تكون قمارًا في غير هذا الباب كما تقدم شرحه، وإذا صح أن أبا حنيفة إستحب القرعة فقد لزمه أنها ليس في هذا الباب بقمار وإنها مشروعة، وإذا اعترف بأنها مشروع فما بقي إلا أن يجب العمل بها أو يجوز تركها وجعل التعيين إلى الزوج والقاضي، والحجة قائمة على منع أن يكون التعيين إلى الزوج والقاضي لأنه فتح لباب الميل كما تقدم، ولا ضرورة إليه ولا حاجة.
وقد وردت القرعة في فروع أخرى من الباب الرابع، وبذلك ثبت أنها في ذلك الباب أصل من الأصول الشرعية يقاس عليه ما يشبه.
قال الله ﵎ في قصة مريم: «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا» إلى أن قال «وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» (آل عمران: من الآية٤٤) .
فالقوم وفيهم نبي الله زكريا ﵇ اختصوا في كفالة مريم، ففزعوا إلى القرعة، وظاهر أنهما إنما يرضون بالقرعة عند تساويهم في أصل الإستحقاق وإقتضاء مصلحة الطفلة أن يختص بكفالتها أحدهم. فقص الله تبارك وتعال ذلك في كتابه وأخبر أنها كفلها زكريا، أي والله أعلم بأن أخرج سهمه في القرعة فكان هو القارع.
وقال ﷿ في قصة يونس: «إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ الصافات» (الصافآت: ١٤٠ - ١٤٢) ذهب يونس إلى فلك مشحون أي موقر ليركب فيه فكأنه والله أعلم طلع إلى الفلك هو وجماعة حاجتهم كحاجته
[ ٢ / ٩٤٢ ]
فكأن صاحب الفلك أخبرهم أنه لا يمكنه أن يسافر بهم جميعًا لأن فلكه مشحون أي موقر، وطلب منهم أن ينزل بعضهم فتشاحوا فإقترعوا فطله سهم يونس في المدحضين أي في الذين خرجت القرعة بأن ينزلوا - والظاهر أن الفلك كان لا يزال بالمرفأ وليس في النزول منه خطر ظاهر، لكن الله ﷿ قضى على يونس بما قضى وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لويعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لأستهموا » وفي (صحيح مسلم) من حديثه أيضًا مرفوعًا: «لوتعلمون - أو يعلمون - ما في الصف المقدم لكانت قرعة» أي أنهم يحضرون معًا ويكثرون ويتشاحون ولا يكون هناك مرجع فيحتاج إلى القرعة وفي (صحيح البخاري)، وغيره من حديث أم العلاء قالت: «طار لنا عثمان بن مظعون في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين .» وفيه من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة » وفي (صحيح مسلم) وغيره عن عمران بن حصين: «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله - ﷺ - فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق أثنين وأرق أربعة» ووجه ذلك أن تصرف المريض مرض الموت وصية يصح منها الثلث فقط، ومن الأصول الشرعية مراعات أن تعتق الرقبة كاملة كما ثبت فيمن أعتق في حال صحته بعض مملوكة أنه يعتق عليه كله، وفيمن أتعق شركًا له في مملوك أنه أن كان المعتق موسرًا عتق المعتوق كله وغرم المعتق قيمة ما زاد على نصيبه لشريكه، وإن كان معسرًا فقد قال بعض أهل العلم: يعتق المملوك كله ويسعى في قيمة ما زاد على نصيب المعتق حتى يدفعها إلى الشريك، وقال آخرون: قد عتق منه ما عتق ويبقى باقيه على الرق. ومن المعنى في مراعاة عتق الرقبة كاملة أن مقصود العتق هو أن يحصل للملوك وعليه جميع الحقوق المختصة بالأحرار ويغني عن المسلمين غناء الحر، وليس المبعض كذلك، فإن من حقوق الأحرار ما لا يحصل له ولا عليه منها شيء، ومنها ما يحصل له جزء من فقط، ومع ذلك يكون التبعيض منشأ نزاع مستمر بين المبعض ومالك بعضه، فيلحق الضرر بكل منها، ويشتبه الحكم في كثير من الفروع على المفتي والقاضي، كما تراه في أحكام المبعض في كتب الفقه، فجاءت
[ ٢ / ٩٤٣ ]
السنة بأن يجزأ الستة ثلاثة أجزاء ليعتق إثنان كاملان فكلهم متساوون في أصل الحق، واقتضى الدليل أن يخص إثنان منهم وبقي التعيين، فهذه الصورة من الباب الرابع الذي وردت فيه القرعة. فثبت أن القرعة في ذاك الباب أصل من الأصول الشرعية قرره الكتاب والسنة، واقتضاه العدل والحكمة.
«والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه وسلم» .
[ ٢ / ٩٤٤ ]