مَنْ يَجُوزُ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ فِي وَصْفِهِ وَتَسْمِيَتُهُ بِالْحِفْظِ الْوَصْفُ بِالْحِفْظِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً وَهُوَ سِمَةٌ لَهُمْ لَا يَتَعَدَّاهُمْ وَلَا يُوصَفُ بِهَا أَحَدٌ سِوَاهُمْ لِأَنَّ الرَّاوِي يَقُولُ نَا فُلَانٌ الْحَافِظُ فَيُحْسَنُ مِنْهُ إِطْلَاقُ ذَلِكَ إِذْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُمْ يُوصَفُ بِهِ عُلَمَاءُ أَهْلِ النَّقْلِ وَنُقَّادُهُمْ. وَلَا يَقُولُ الْقَارِئُ لَقَّنَنِي فُلَانٌ الْحَافِظُ وَلَا يَقُولُ الْفَقِيهُ دَرَّسَنِي فُلَانٌ الْحَافِظُ وَلَا يَقُولُ النَّحْوِيُّ عَلَّمَنِي. فُلَانٌ الْحَافِظُ فَهِيَ أَعْلَى صِفَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَسْمَى دَرَجَاتِ النَاقِلِينَ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ قُبِلَتْ أَقَاوِيلُهُ وَسُلِّمَ لَهُ تَصْحِيحُ الْحَدِيثِ وَتَعْلِيلُهُ غَيْرَ أَنَّ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا يَقِلُّ مَعْدُودُهُمْ وَيَعِزُّ بَلْ يَتَعَذَّرُ وُجُودُهُمْ فَهُمْ فِي قِلَّتِهِمْ بَيْنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مَقَالَتِهِمْ أَعَزُّ مِنْ مَذْهَبِ السُّنَّةِ بَيْنَ سَائِرِ الْآرَاءِ وَالنِّحَلِ وَأَقَلُّ مِنْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فِي مُقَابَلَةِ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ
[ ٢ / ١٧٢ ]
١٥١٨ - أنا أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسْنَوَيْهِ الْكَاتِبُ، بِأَصْبَهَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَعْبَدٍ السِّمْسَارُ، نا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّنِّيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الطَّبَّاعِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، يَقُولُ: «السُّنَّةُ فِي الْإِسْلَامِ كَالْإِسْلَامِ فِي الشِّرْكِ»
[ ٢ / ١٧٢ ]
١٥١٩ - وأنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ نا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ يَعْقُوبَ بْنَ إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيَّ، يَقُولُ: قَالَ لَنَا ابْنُ أَبِي بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: سَمِعْتُ أَبِيَ يَقُولُ: «السُّنَّةُ فِي الْإِسْلَامِ أَعَزُّ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي سَائِرِ الْأَدْيَانِ» وَلِقِلَّةِ مَنْ يُوجَدُ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ قِيلَ إِنَّ أَحَدَهُمْ يُولَدُ بَعْدَ بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمَانِ
[ ٢ / ١٧٢ ]
١٥٢٠ - كَمَا أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِينِيُّ أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ، أنا عُمَرُ بْنُ سِنَانٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُعَيْدٍ، نا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، قَالَ: «الْحَافِظُ يُولَدُ فِي الزَّمَانِ»
[ ٢ / ١٧٣ ]
١٥٢١ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، أنا الْخَصِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، بِمِصْرَ أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الطَّرَسُوسِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نُوحٍ، قَالَ: قَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ: سَمِعْتُ هُشَيْمًا، يَقُولُ: " مَنْ يَحْفَظُ الْحَدِيثَ قَلِيلٌ ثُمَّ قَالَ: «هُمْ أَقَلُّ مِنْ ذَاكِ» فَمِنْ صِفَاتِ الْحَافِظِ الَّذِي يَجُوزُ إِطْلَاقُ هَذَا اللَّفْظِ فِي تَسْمِيَتِهِ: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَصِيرًا مُمَيِّزًا لِأَسَانِيدِهَا يَحْفَظُ مِنْهَا مَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ عَلَى صِحَّتِهِ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ لِلْاجْتِهَادِ فِي حَالِ نَقْلَتِهِ يَعْرِفُ فَرْقَ مَا بَيْنَ قَوْلِهُمْ: فُلَانٌ حُجَّةٌ وَفُلَانٌ ثِقَةٌ وَمَقْبُولٌ وَوَسَطٌ وَلَا بَأْسَ بِهِ وَصَدُوقٌ وَصَالِحٌ وَشَيْخٌ وَلَيِّنٌ وَضَعِيفٌ وَمَتْرُوكٌ وَذَاهِبُ الْحَدِيثِ، وَيُمَيِّزُ الرِّوَايَاتِ بِتَغَايِرِ الْعِبَارَاتِ نَحْوَ عَنْ فُلَانٍ وَأَنَّ فُلَانًا وَيَعْرِفُ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى صَحَابِيًّا أَوْ تَابِعِيًا وَالْحُكْمَ فِي قَوْلِ الرَّاوِي قَالَ فُلَانٌ وَعَنْ فُلَانٍ وَأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنَ الْمُدَلِّسِينَ دُونَ إِثْبَاتِ السَّمَاعِ عَلَى الْيَقِينِ. وَيَعْرِفُ اللَّفْظَةَ فِي الْحَدِيثِ تَكُونُ وَهْمًا وَمَا عَدَاهَا صَحِيحًا وَيُمَيِّزُ الْأَلْفَاظَ الَّتِي أُدْرِجَتْ فِي الْمُتُونِ فَصَارَتْ بَعْضَهَا لِاتِّصَالِهَا بِهَا وَيَكُونُ قَدْ أَنْعَمَ النَّظَرَ فِي حَالِ الرُّوَاةِ. بِمُعَاناةِ عِلْمِ الْحَدِيثِ دُونَ مَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ عِلْمٌ لَا يَعْلُقُ إِلَّا بِمَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَضُمَّ غَيْرَهُ مِنَ الْعُلُومِ إِلَيْهِ
[ ٢ / ١٧٣ ]
١٥٢٢ - كَمَا أنا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ الطَّبَرِيُّ أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ، يَقُولُ: " مَرَّ الشَّافِعِيُّ بِيُوسُفَ بْنَ عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ وَهُوَ يَذْكُرُ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ فَقَالَ: يَا يُوسُفُ تُرِيدُ أَنْ تَحْفَظَ الْحَدِيثَ وَتَحْفَظَ الْفِقْهَ؟ هَيْهَاتَ "
[ ٢ / ١٧٣ ]
١٥٢٣ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَزْرَقُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ النَّقَّاشُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّامِيَّ، أَخْبَرَهُمْ بِهَرَاةَ، قَالَ: أنا عَلِيُّ بْنُ الْجَهْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ قَاضِيَ الْقُضَاةِ يَعْنِي أَبَا يُوسُفَ، يَقُولُ: «الْعِلْمُ شَيْءٌ لَا يُعْطِيكَ بَعْضَهُ حَتَّى تُعْطِيَهُ كُلَّكَ وَأَنْتَ إِذَا أَعْطَيْتَهُ كُلَّكَ مِنْ إِعْطَائِهِ الْبَعْضَ عَلَى غَرَرٍ»
[ ٢ / ١٧٤ ]
١٥٢٤ - سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ النَّيْسَابُورِيَّ، بِالرَّيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ عَزِيزَ بْنَ نَاصِحٍ الْفَقِيهَ بِأَيْلَاقَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا أَحْمَدَ نَصْرَ بْنَ أَحْمَدَ الْعِيَاضِيَّ الْفَقِيهَ السَّمَرْقَنْدِيَّ يَقُولُ: «لَا يَنَالُ هَذَا الْعِلْمَ إِلَّا مَنْ عُطِّلَ دُكَّانُهُ وَخُرِّبَ بُسْتَانُهُ وَهَجَرَ إِخْوَانَهُ وَمَاتَ أَقْرَبُ أَهْلِهِ إِلَيْهِ فَلَمْ يَشْهَدْ جَنَازَتَهُ» فَإِنِ احْتِيجَ إِلَى أَقَاوِيلِهِ وَفَتَاوِيهِ فِي حَدِيثٍ وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهِ
[ ٢ / ١٧٤ ]
١٥٢٥ - فَقَدْ أَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ الضَّبِّيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ جَدِّي، يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، وَسُئِلَ: " أَيُفْتِي الرَّجُلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ؟ قَالَ: لَا قُلْتُ وَمِنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ ثَلَاثِمِائَةٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: خَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: أَرْجُو " وَلَيْسَ يَكْفِيهِ إِذَا نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا أَنْ يَجْمَعَ فِي الْكُتُبِ مَا ذَكَرَهُ يَحْيَى دُونَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ وَنَظَرِهِ فِيهِ وَإِتْقَانِهِ لَهُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْفَهْمُ وَالدِّرَايَةُ وَلَيْسَ بِالْإِكْثَارِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الرِّوَايَةِ
[ ٢ / ١٧٤ ]
١٥٢٦ - نا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ، إِمْلَاءً نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَبْهَرِيُّ نا أَبُو مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الصَّابُونِيُّ الْقَاضِي بِأَنْطَاكِيَّةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، نا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: «إِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ إِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ»
[ ٢ / ١٧٤ ]
١٥٢٧ - وأنا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنُ الْقَاضِي، قَالَ: أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَاتِبُ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُفَيْرٍ، نا أَبُو هَمَّامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ شَرِيكًا " سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] قَالَ: الْفَهْمَ " فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ كِتَابَةً وَسَمَاعًا وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ نَظَرًا فِي عِلْمِهِ وَاطِّلَاعًا مُدِيمًا ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ وَمُشَمِّرًا فِيهِ غَايَةَ التَّشْمِيرِ فَإِنَّ ذَاكَ سَبَبُ حِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ لِمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ وَمَنَّ عَلَيْهِ بِمَوْهِبَتِهِ
[ ٢ / ١٧٥ ]