يزعم بعضهم بأنه: يحتمل أن يكون الراوي تحمل عن
[ ٢٦ ]
المُبَدَّعِ قبل تمذهبه بذلك المذهب، وهذا جهل بمذاهب الرواة، ومشارب الرجال، فإن كل من أَلَّفَ في نقد الرجال لم يذكر في المشاهير منهم أنه كان على مذهب كذا، أو أن الحافظ الفلاني تَحَمَّلَ عن فلان قبل تمذهبه بمذهب كذا، ومثل هذا إنما يؤخذ عن النقلة الأثبات كالمصنفين في أحوال الرجال، ولا يمكن الاجتهاد فيه بحال من الأحوال، ولذا تراهم يقولون في ترجمة الراوي: كَانَ خَارِجِيًّا. ونحو ذلك قولًا واحدًا. وحبذا أن يكون ما ذكره مأثورًا عن إمام مُؤَرِّخٍ مشهور، وأما القول بالاحتمال، فإذا فُتح أَوْرَثَ الاضمحلال، لكل ما يُعَوَّلُ عليه في الاستدلال، ومثل ذلك ما يقال: يحتمل أن يكون روى عنه وهو غير عالم بما هو عليه من فساد العقيدة! فهذا يزيد عما قَدَّمْنَا من الجهل بمذاهب الرُوَّاةِ تجهيل أئمة الحديث، ووصمهم بما هم بَرَآءٌ من الغباوة والبلاهة، وأنهم يتحملون عمن لا يعرفون مذهبه ولا مشربه، وأنهم كَحَاطِبِ لَيْلٍ، نعوذ بالله من ذلك، وأي عاقل يَجْرُؤُ على مثل ذلك في البخاري صاحب " التاريخ " في الرجال؟ بل من دونه من أرباب السنن وغيرهم ممن تكلم في الجرح والتعديل، وَمَيَّزَ بين صحيح الحديث وضعيفه، لثقة رجاله أو ضعفهم، وهل يعقل في صحاح، وسنن، ومسانيد، وموطآت، عليها مدار أدلة الأحكام، وَحُجَجِ الفروع، صنفت على الأسانيد المنوعة والمكررة بالأسماء وَالكُنَى
[ ٢٧ ]
والألقاب - أن يكون جامعوها لا يدرون مشرب رجالها ولا ما يتحملونه - مع أن العَامِّيَّ وَالأُمِّيَّ نراه إذا خدم عَالِمًا لا يخفى عليه مشربه ومذهبه ورأيه وفكره، فكيف بعالم مؤلف، لا بل بإمام مجتهد يستنبط الأحكام من الأحاديث ويترجم عليها، ويزاحم من تقدمه من الأئمة في التخريج وَالرَدِّ والاستدراك والتفريع والتأصيل؟ ألا يدري مذهب رجال إسناده ونحلتهم، وهم عمدته في الاستدلال، وركنه في الاحتجاج؟؟ بلى! ثم بلى! وهو أجلى من أن يبرهن عليه، أو يرد على من كابر فيه، ولقد كان علم الجرح والتعديل، ومعرفة طبقات الرجال وتراجمهم من أوئل ما يدريه طلاب الحديث وَمُرِيدُو التحمل عن الحفاظ، ولكن من أين يدري أبناء هذا الجيل، ما كان عليه السلف من فنون التحصيل، وقد اندرست تلك العلوم، ولم يبق منها ولا الرسوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما قول بعضهم: فكيف يستدل بإخراج الشيخين على عدم جواز المعاداة مع قيام هذه الاحتمالات؟ وكيف يسوغ للإنسان أن يتمسك بالمحتمل الذي لا تقوم به حُجَّة؟ فقد علمت سقوط هذه الاحتمالات،وأنها أشبه بالأوهام والخيالات، والتلاعب في الحقائق الواضحات، والمحتمل الذي تقوم به حُجَّةٌ هو الذي يتطرق إليه احتمال معقول، أو تأويل مقبول، جارٍ على قوانين التأويلات، والأوجه المعروفة في نظائره.
[ ٢٨ ]
وأما احتمال في مقابلة حقيقة ثابتة، وأمر واضح، فلا يقال له احتمال، وإنما هو تلاعب وهوس خيال، يقول أئمة الجرح والتعديل في كتبهم عن رَاوٍ - مِمَّنْ خَرَّجَ له الشيخان أو أحدهما -: إِنَّهُ شِيعِيٌّ، أَوْ خَارِجِيٌّ، أَوْ قَدَرِيٌّ، أَوْ مُرْجِئٌ، ثم يأتي من يريد أن ينقض هذا بالاحتمال، وهو لم يضرب في هذا الفن بسهم، ولا يمكن أن يُرْجَعَ إليه في رأي ولا علم، كيف لا وقد اجتمعوا على الرجوع إلى أئمة الفن في هذا الباب، لأنه أمر لم يبق فيه مجال ولا نظر ولا احتمال، وهذا من البديهيات الغنية عن الحُجَّةِ والبرهان.