يقول بعضهم: إنَّ مُسْلِمًا روى عن ابن عباس أنه قال في
[ ٣٥ ]
نَجْدَةَ الحَرُورِيِّ: «[وَاللهِ] لَوْلاَ أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ نَتْنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، وَلاَ نُعْمَةَ عَيْنٍ». قال النووي: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْرَهُهُ لِبِدْعَتِهِ وَهِيَ كَوْنُهُ مِنَ الخَوَارِجِ».
والجواب: أنه لا يلزم من كراهة الفرد كراهة المجموع، وإلاَّ لما خَرَّجَ لثقاتهم وعلمائهم الشيخان وغيرُهما، وهل يؤخذ الجميع بجريرة الفرد؟ على أَنَّ نَجْدَةَ ليس من رجال الرواية عند المُحَدِّثِينَ، فقد ضَعَّفَهُ الذهبي في " ميزان الاعتدال " وقال عنه: ذكر في " الضعفاء " للجوزجاني، على أنَّ الحال وصل إليه في قومه أنْ يختلفوا عليه وينبزوه بالكفر كما تراه في كتاب " الفرق " للإمام أبي منصور البغدادي، و" الملل والنحل " للشهرستاني وغيرهما، فلا نعمة عين - كما قال ابن عباس - ولو كان يُكْرَهُ كل خارجي لبدعته لما أخرج لأثباتهم أئمةُ السُنَّةِ في الصحاح والمسانيد، ويكفي أن الإمام مالكًا - ﵁ - عُدَّ مِمَّنْ يرى رأيهم، كما رواه الإمام المبرد في " كامله " (١). ومن عزا لك ما يأثره، وأراك مصدره، فقد أوقفك من المسالك على الصراط المستقيم.
ومن الغريب أن يستدل بعضهم على معاداة المُبَدَّعِينَ بأمر النبي - ﷺ - بهجر الثلاثة الذين خُلِّفُوا، ورفض تكليمهم حَتَّى تِيبَ عَلَيْهِمْ، مع أنه لا تناسب بين دليله والدعوى بوجه ما، لأن
_________________
(١) جـ ٢.
[ ٣٦ ]
البحث في الرُوَّاةِ المجتهدين الثقات المتقنين الذين ما نبذ السلف مرويهم لرأي رأوه أو مذهب انتحلوه، فهل كان المُخَلَّفُونَ كذلك؟ وما المناسبة بين قوم هجرهم النبي - ﷺ - لذنب محقق اعترفوا به حتى تيب عليهم، وقوم لا يرون ما هم عليه إلا طاعة وعقدًا صحيحًا يدان الله به، وتنال النجاة والزلفى بسببه؟ فالإنصاف يا أولي الألباب الإنصاف، وحذار من الجري وراء التعصب والاعتساف.
غريب أمر المُتَعَصِّبِينَ وَالغُلاَةِ الجَافِينَ، تراهم سراعًا إلى التكفير والتضليل والتفسيق والتبديع، وإن كان عند التحقيق لا أثر لشيء من ذلك إلا ما دعا إليه الحسد، أو حمل عليه الجمود وضعف العلم، وجهل مشرب البخاري ومسلم، وأصحاب المسانيد والسنن هداة الأمة، ولا قوة إلا بالله.