إنَّ تخريج أئمة السُنَّةِ وحفاظ الهدي النبوي - حديث من نُبِذُوا بالابتداع على طبقاتهم - فيه حكمة بليغة، وفائدة عظيمة، ألا وهي النهم بالعلم، والسعي وراءه والجد في طلبه، والتنبه لحفظه من الضياع، وسن نبذ التعصب، والتشيع والتحزب، والتقاط الحكمة من أي قائل. قال حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر في كتاب " جامع العلم وفضله " في (باب جامع في الحال التي تنال بها العلم) ما مثاله:
وروينا عن علي - ﵀ - أنه قال في كلام له: «العلم ضالة المؤمن، فخذوه ولو من أيدي المشركين، ولا يأنف أحدكم أنْ يأخذ الحكمة مِمَّن سمعها منه». وعنه أيضًا أنه قال: «الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أيدي الشرط». اهـ، فأئمة الحديث رأوا أنَّ السُنَّة من الحكمة بل هي الحكمة - في تفسير الإمام الشافعي كما أوضح ذلك في " رسالته "
[ ٨ ]
الشهيرة (١) في (باب بيان ما فرض الله من اتباع سُنَّة نبيه - ﷺ -) فلذا عمدوا إلى تلقيها من كل ذي علم، واشترطوا للعناية بها أنْ تكون من مسلم عدل صدوق، ثبْت في روايته، ولم يبالوا بما غُمز أو نُبز أو رُمي به، علمًا بأنَّ المسائل النظرية، أو التي دخل على أصولها تأويل بنظر المأول هي من المجتَهد فيها، والمجتهد مأجور أصاب أو أخطأ، فعلام يُترك الأخذ عن المأجور، وقد يكون رأيه هو الحق، ومذهبه هو الأدق - ما دام الأمر فيه احتمال ولا قاطع، أو اعترض النص ما رجعه ظاهرًا - كما يعلمه من أعار نظر الإنصاف مآخذ الأئمة ومداركهم - وقد أوضح جملًا من ذلك الإمام تقي الدين ابن تيمية في كتاب " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " (٢) فكان أئمة الحديث بهذا - أعني التلقي عن كل عالم ثبت - مثال الإنصاف وكبر العقل، وقدوة كل من يلتمس الحكمة، ويتطلب العلم، فجزاهم الله أحسن الجزاء.