سبق أني قلت في هذا المعنى كلمة في كتابي " نقد النصائح
_________________
(١) مطبوعة مرتين.
(٢) مطبوع مرتين في الهند ومصر.
[ ٩ ]
الكافية " (١) بعد أنْ سَبَرَتْ رجال من خَرَّجَ لهم الشيخان أو أحدهما في " صحيحيهما " - مِمَّن نُبِزَ بالابتداع - وهي قولي: فترى من هذا أنَّ التنابز بالألقاب والتباغض لأجلها الذي أحدثه المتأخرون بين الأمَّة عقوا به أئمتهم وسلفهم - أمثال البخاري ومسلم والإمام أحمد بن حنبل، ومن ماثلهم من الرُواة الأبرار، وقطعوا به رحم الأخوة الإيمانية الذي عقده تعالى في كتابه العزيز، وجمع تحت لوائه كل من آمن بالله ورسوله، ولم يُفَرِّقْ بين أحد من رسله، فإذن كل من ذهب إلى رأي محتجًّا عليه، ومبرهنًا بما غلب على ظنه، بعد بذل قصارى جهده وصلاح نيته في توخي الحق فلا ملام عليه ولا تثريب؛ لأنه مأجور على أي حال، ولمن قام عنده دليل على خلافه، واتضحت له المحجَّة في غيره، أنْ يجادله بالتي هي أحسن ويهديه إلى سبيل الرشاد، مع حفظ الأخوَّة، والتضافر على المودة والفتوة: هذا ما قلته ثمة مِمَّا يُبيِّنُ أنه لو كانت الفِرق التي رُميت بالابتداع تهجر لمذاهبها وتُعادى لأجلها لَمَا أخرج البخاري ومسلم وأمثالهما لأمثالهم. نعم إنَّ هؤلاء المُبَدَّعِين وأمثالهم لم يكونوا معصومين من الخطأ حتى يعدوهم الانتقاد، ولكن لا يستطيع أحد أنْ يقول: إنهم تَعَمَّدُوا الانحراف عن الحق، ومكافحة
_________________
(١) مطبوع بدمشق.
[ ١٠ ]
الصواب عن سوء نِيَّةٍ، وفساد طوية، وغاية ما يقال في الانتقاد في بعض آرائهم: إنهم اجتهدوا فيه فأخطأوا، وبهذا كان ينتقد على كثير من الأعلام سَلَفًا وَخَلَفًا لأنَّ الخطأ من شأن غير المعصوم، وقد قالوا: المجتهد يخطئ ويصيب، فلا غضاضة ولا عار على المجتهد إنْ أخطأ في قول أو رأي، وإنما الملام على مَنْ ينحرف عن الجادة عَامِدًا مُتَعَمِّدًا، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك في مجتهد ظهر فضله وزخر علمه.