وسأكتفي هنا بذكر أنموذج لما سماه المؤلف «تحفة الباقي»، لأنه عده من
[ ٢ / ٨٢٤ ]
جهوده هو، وذلك أن العراقي قال في «أقسام الحديث»:
وأهل هذا الشأن قَسَّموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن (^١)،
فعلق على ذلك بقوله: «هذا التقسيم الكلي إلى بعض أجزائه، كتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، ولذا فإنه يتعين التعبير بالواو، واعلم أن هذا التقسيم بالنظر إلى المتن أما إذا نظرنا إلى أوصاف الرواة فقيل: هو ثقة، عدل ضابط، أو غير ثقة، أو متهم، أو مجهول، أو كذاب، أو نحو ذلك، فيكون البحث عن الجرح والتعديل.
وإذا نظرنا إلى كيفية أخذهم، وطرق تحملهم الحديث، كان البحث عن أوصاف الطالب، وإذا بحث عن أسمائهم وأنسابهم، كان البحث عن تعينهم وتشخيص ذواتهم «تحفة الباقي» (^٢)، وبمراجعة كتب المصطلح، نجد أن هذه التعليقة مأخوذة عن كتاب «الخلاصة في معرفة الحديث» للإمام الطيبي مع بعض تصرف (^٣)، ولكنه لم يعزها لا إلى الخلاصة، ولا إلى غيرها.
هذا وقد كان طبع تلك الحاشية بالمطبع الفاروقي، في دهلي بالهند، وتقع في ١٦٢ صفحة من القطع الكبير، وقد عنى المؤلف بتصويب أهم أخطاء الطبع، ولكن شكل الطبعة يجعل الاطلاع عليها صعبًا، لأن التعليقات مطبوعة، إما بين سطور الألفية، أو على هامش الصفحات في اتجاهات متعددة، ومن أعلا إلى أسفل، وبالعكس، بحيث يضطر المطلع إلى إدارة الكتاب أمامه في كل الإتجاهات، فضلا عن أنه قد مر على تلك الطبعة نحو.
_________________
(١) والألفية» / ١٦٩.
(٢) انظر «تحفة الباقي» / ٣.
(٣) انظر «الخلاصة» / ٣٤.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
قرن من الزمان، ولهذا فإنه ينبغي إعادة طبعها، طبعة محققة تيسر الانتفاع بها، وانتشارها.
تعقيب:
ولعلي بهذا قد وفقت في عرض عناية العلماء والدارسين لعلم المصطلح بشرح تلك الألفية وبحثها والعمل على نشرها والاستفادة بها في مختلف العصور والأقطار، حتى عصرنا الحاضر. وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
٢ - الشرح الكبير للعراقي لألفيته وأهميته، ولماذا لم يكمله؟
ذكرت من قبل أنه كان من عناية العراقي المستديمة بألفيته، تأليف شرحين لها، وهذا هو الشرح الأول منهما، وقد كان من مناهج التأليف المعتادة في عصر العراقي، أن العالم بعد أن يؤلف كتابًا موجزًا في أحد الفنون، منثورًا أو منظومًا، ويُعرف بـ «المتن»، يتصدى لشرحه بشرح أو أكثر، وتعتبر مباشرة مؤلف المتن لشرحه، ذات أهمية كبيرة، من ناحية أنه يكشف بنفسه عما أودعه في كلامه الوجيز أو المنظوم، من معان وإشارات دقيقة، وما أراده من مقاصد متعددة، قد يعسر أو يتعذر على غيره الاهتداء إليها (^١).
ولهذا فإن الحافظ ابن حجر لما سبقه كمال الدين الشُّمُنِّي، المتوفى ٨٢١ هـ (^٢) إلى شرح كتابه «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر» بشرح ضخم، ثم تصدى هو بعد ذلك لشرحه بنفسه، قال في مقدمة الشرح معرضًا بالشمني: «فبالغت في شرحها في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خبايا زواياها؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه» (^٣).
ومن هنا كان تصدي العراقي لشرح ألفيته بنفسه، له أهميته الكبرى في توضيح محتوياتها للدارسين، وبيان مقاصده العلمية فيها، سواء في هذا الشرح الكبير، أو المتوسط الآتي بعده، بالمشيئة.
_________________
(١) «كشف الظنون» / ٢٨.
(٢) «الضوء اللامع» للسخاوي ج ٩/ ٩٤.
(٣) «شرح ابن حجر لنخبته بهامش لقط الدرر» / ٢٢، ٢٣ .. والجواهر والدرر للسخاوي/ ١٥٦ أ.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
ويزيد من أهمية (الشرح الكبير) - وإن كان لم يكمل - أنه شرح موسع كما أنه أول شروح الألفية مطلقا؛ حيث إن شروح وتعليقات العلماء على الألفية، متأخرة كلها عن شرحي العراقي، كما قدمت بيانه، ثم صرح العراقي نفسه في مقدمة شرحه المتوسط، بتقدم الشرح الكبير، حيث قال بعد ذكر نظمه للألفية: «وشرعت في شرح لها بسطته وأوضحته، ثم رأيته كبير الحجم فاستطلته، ومللته، ثم شرعت في شرح لها متوسط .. إلخ» (^١).
ومن هذا يتضح أنه شرع في الشرح الكبير وأنجز ما أنجزه منه، بعد نظم الألفية وقبل شروعه في الشرح المتوسط، ومع أنه لم يحدد تاريخا، للشروع ولا التوقف، إلا أنه بالرجوع لتاريخي فراغه من الألفية، ومن شرحها المتوسط الذي ذكر فيه ذلك، يمكن حصر الفترة التي ألف فيها العراقي ما تيسر له من هذا الشرح، بين أواخر ٧٦٨ هـ، وأوائل ٧٧١ هـ، لأنه فرغ من الألفية كما تقدم في ١٤ رجب ٧٦٨ هـ، ومن شرحها المتوسط كما سيأتي في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، ويلاحظ أن العراقي لم يحدد اسما لهذا الشرح ولكنه لقبه بـ (الشرح الكبير)، وذلك عند إحالته عليه في مواضع من شرحه المتوسط (^٢) وتبعه على ذلك غيره كما سيأتي ذكره.
يلاحظ كذلك أن العراقي جعل السبب في انصرافه عن إتمام هذا الشرح والملل منه، هو توسعه الكبير فيه، بحيث رأى أنه لو أتمه لكان كبيرا في حجمه، مطولا في مضمونه، ولا ينبغي أن يفهم من هذا تقليله القيمة العلمية لما أنجزه من هذا الشرح، لقوله عنه بعد ذلك عند الإحالة عليه: إن
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬٦.
(٢) انظر: «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬١٤، ١٧، ٢٥، ٢٩، ٤٠.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
فيه فوائد مهمة، لا يستغني عنها طالب الحديث (^١).
كما أنه سيتضح لنا جودة المعلومات والآراء التي حدَّد بنفسه، فضلا عن غيره، وجودها فيه، وعليه، فإن كلامه السابق عن عدم إتمام هذا الشرح ينبغي حمله على أنه كان يميل أساسًا إلى التركيز والتوسط في التأليف في علم المصطلح، دون استطراد أو إطناب، نظرًا لأن موضوعه، وهو القواعد والحدود المصطلح عليها بين علماء السنة، طابعها الإيجاز، بعكس المجال التطبيقي لذلك في شرح الأحاديث، وبيان أحوال أسانيدها وفقهها، فإنه حبذ التوسع في ذلك وانتهجه في التأليف كما سيأتي.
القدر الذي أنجزه العراقي من الشرح:
لم يحدد العراقي في كلامه السابق عن هذا الشرح، القدر الذي أنهاه منه كما أني لم أجده تعرض لذلك في موضع آخر خلال إطلاعي على أكثر مؤلفاته، ولكني وقفت على تحديد ابن فهد المكي، لذلك إجمالًا، حيث قال بعد ذكر الألفية: إن العراقي شرع في شرح مطول عليها، كتب منه نحوًا من ٦ كراريس (^٢).
أما الإمام البقاعي فقد حدَّد ذلك تفصيلًا، حيث علق في حاشيته الآتي ذكرها بعد، على قول العراقي المتقدم عن هذا الشرح: «ثم رأيته كبير الحجم»، فقال: قوله كبير الحجم، أي ظننت أنه إذا أكمل، يكون كبيرًا.
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/¬١٤.
(٢) «لحظ الالحاظ» / ٢٣٠.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
وَإِلَّا فهو لم يوجد منه إلا قطعة يسيرة، وصل فيها إلى الضعيف (^١).
ومبحث الحديث الضعيف هذا هو الباب التاسع من الألفية، البالغ عدد أبوابها ١٠٤ أبواب، وَيُعْتَبَرُ تحديد البقاعي هذا مؤكدًا؛ لأنه صرح باطلاعه على هذه القطعة من الشرح بخط المصنف (^٢)، ونقل عنها في حاشيته مرارًا كما سيأتي.
ما وقفت عليه من نصوص الكتاب ومضامينه، ونماذجها، وأثرها: لم يوفقني البحث في فهارس كثير من مكتبات العالم، فضلا عن مصر على أي شيء من نسخ تلك القطعة من الشرح، لكني وقفت على تعريف العراقي نفسه ببعض مضامينها، حيث أحال عليها في خمسة مواضع من شرحه المتوسط، كما أشرت لذلك من قبل، ثم وقفت على أكبر قدر من النقول عنها في حاشية البقاعي، حيث نقل في ١٤ موضعًا منها، عن هذا الشرح (^٣).
ونقل عنه أيضًا الحافظ قاسم قطلوبغا الحنفي في حاشيته الآتية بعد، وذلك في موضوعين (^٤)، ونقل عنه السخاوي في شرحه الذي تقدم ذكره، للألفية وذلك في موضع واحد (^٥)، ونقل عنه الأنصاري في شرحه المتقدم أيضًا للألفية.
_________________
(١) «النكت الوفية» للبقاعي/ ٣ أ.
(٢) و«النكت الوفية» / ٨٠ ب.
(٣) انظر و«النكت الوفية» للبقاعي/ ١٧ أ، ١٩ ب، ٢١ ب، ٢٥ أ، ٣٦ ب، ٣٩ أ، ٤١ ب، ٤٨ أ، ٧٣ أ، ٧٥ ب، ٨٠ ب، ٢٢٢ أ.
(٤) انظر/ ٤٥ أ، ٤٩ أ منها.
(٥) (فتح الغيث) للسخاوي جـ ١/ ٦٦.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
وذلك في ٣ مواضع (^١)، أما السيوطي فنقل عنه في موضع واحد في شرحه لألفيته في المصطلح (^٢)، وفي التدريب نقل في موضع مع العزو إلى العراقي (^٣)، وفي آخر نقل الفكرة بدون عزو (^٤).
وبالنظر إلى تاريخ وفاة هؤلاء العلماء، يظهر لنا أن قطعة الشرح المذكور كان موجودًا بعض نسخ منها، ومتداولة للاستفادة منها، خلال قرن من الزمان بعد وفاة العراقي، ثم تداول نقولهم السابقة، من جاء بعدهم كما سيأتي في الأمثلة، ومع تعدد هذه النقول، إلا أنها متفرقة، لا تصور منهج العراقي المتكامل في هذا الشرح، ولذا فإني سأكتفي بذكر بعض النماذج الموضحة لمضمون الكتاب وآراء العراقي فيه، وآثارها.
الآراء في أصح الأسانيد:
فمن ذلك أول موضوع أحاله العراقي بنفسه على هذا الشرح، في مبحث أقسام الحديث، حيث ذكر في شرحه المتوسط، الأقوال التي ذكرها ابن الصلاح في أصح الأسانيد، ثم قال: (وفي المسألة أقوال أخر، ذكرتها في الشرح الكبير) (^٥).
وقد علق على قول العراقي هذا، الشيخ زكريا الأنصاري في شرحه للألفية فقال: «قال الناظم وفي المسألة أقوال أُخر ذكرتها في (الشرح الكبير)
_________________
(١) انظر: فتح الباقي، للانصاري/ ٢ أ، هـ أ، ٧ ب.
(٢) انظر: البحر الذي زخر:/ ١٧ أ.
(٣) انظر: «تدريب الراوي» / ٤٠.
(٤) «التدريب» / ٣٩.
(٥) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬١٤.
[ ٢ / ٨٣١ ]
وعقب قائلًا: جملتها على ما ذكره ستة» (^١)، وهذا يدل صراحة على وقوفه على تلك الأقوال في هذا الشرح وإحصائها تفصيلًا، لكنه لم ينقل منها في شرحه شيئًا، بل اكتفى بالإشارة المذكورة إلى عددها، أما الحافظ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي، فإنه ذكر الأقوال الستة في حاشيته على شرح العراقي المتوسط، حيث قال: «قوله: وفي المسألة أقوال أخر، ذكرتها في الشرح الكبير» قلت: منها أن قومًا قالوا: أصح الأسانيد يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، حكاه الحاكم … ..، وساق الأقوال الخمسة الأخرى (^٢)، وهذا مما يدل على إطلاعه على الشرح المذكور ونقلها منه واستفادته عمومًا به.
وكذا علق البقاعي في حاشيته على قول العراقي المذكور قائلًا: «قوله: أقوال أخر ذكرتها في الشرح الكبير» جملتها مع ما هنا - يقصد المذكور في الشرح المتوسط، عشرة، فقيل: يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة … …، وساق ثلاثة آراء آخرين، مثلما عند ابن قطلوبغا (^٣)، مما يدل على اتفاقهما في الاعتماد على قطعة الشرح المذكورة نصًا.
بيان العراقي لأوائل المصنفين للحديث:
هذا هو الموضوع الثاني الذي قرر العراقي أنه تناوله في «الشرح الكبير» وذلك أنه في شرحه المتوسط في مبحث «أقسام الحديث» ذكر أول من صنف في جمع الحديث الصحيح، ثم قال: «وأما أول من صنف مطلقًا لا
_________________
(١) «فتح الباقي» للأنصاري/ ١٨.
(٢) «حاشية ابن قطلوبغا» / ١٤٥.
(٣) «النكت الوفية» للبقاعي/ ١٧.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
يقيد جمع الصحيح، فقد بينته في «الشرح الكبير» (^١).
وقد علق ابن قطلوبغا في حاشيته على ذلك فقال: «قوله: فقد بينته في الشرح الكبير: المذكور ثمة، أن أول من صنف العلم وبوبه: ابن جريج بمكة ومالك وابن أبي ذئب بالمدينة والأوزاعي بالشام، والثوري بالكوفة، وسعيد ابن أبي عروبة، والربيع بن صبيح بالبصرة، ومعمر باليمن، وكل هؤلاء، في عصر واحد فلا يدري أيهم أسبق» (^٢).
فقول ابن قطلوبغا: «المذكور ثمة»، يعني في «الشرح الكبير» للعراقي وهذا يدل على وقوفه عليه، ونقله المباشر منه، لكنا نجد البقاعي في حاشيته يشرك شيخه ابن حجر مع العراقي في ذكر هذا الموضوع بنصه المتقدم، حيث يقول: قال شيخنا - يعني ابن حجر - أول من صنف في العلم وبوبه .. إلى آخر النص المتقدم، ثم قال: «هكذا في شرح المصنف - يعني العراقي - الكبير» (^٣)، فهذا يدل على أن ابن حجر قد أخذ ذلك عن شرح شيخه العراقي وأقره عليه، ويعتبر هذا الموضوع أشهر الموضوعات التي تناولها العلماء بعد البقاعي، منسوبة إلى العراقي وتلميذه ابن حجر معا (^٤).
رأي العراقي في الرواة الذين احتج بمثلهما البخاري ومسلم، أو غيرهما وبماذا تعرف المثلية؟
ذكر العراقي في شرحه المتوسط قول الحاكم في مقدمة مستدركه على
_________________
(١) «فتح الغيث»، للعراقي/ ج ١/¬١٧.
(٢) و«حاشية ابن قطلوبغا» / ٤٩ أ (مخطوطة).
(٣) و«النكت الوفية»، للبقاعي/ ٢٥ أ.
(٤) انظر: «شرح السيوطي لألفيته في المصطلح» /¬١٧ أ و(التدريب) له أيضًا/ ٤٠ و«حاشية =
[ ٢ / ٨٣٣ ]
الصحيحين: وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث رواتها ثقات، احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما.
ثم قال: «وقد بينت المثلية في «الشرح الكبير» (^١) فقال البقاعي في حاشيته: عبارته فيه: «ثم ما المراد بالمثلية عندهما أو عند غيرهما؟ فقد يكون بعض من لم يخرج عنه في الصحيح، مثل من خرج عنه فيه، أو أعلا منه عند غير الشيخين، ولا يكون الأمر عندهما على ذلك، فالظاهر أن المعتبر وجود المثلية عندهما، ثم المثلية عندهما تعرف، إما بتنصيصهما على أن فلانا مثل فلان أو أرفع منه، وقلما يوجد ذلك، وإما بالألفاظ الدالة على مراتب التعديل، كأن يقولان في بعض من احتجا به: ثقة، أو ثبت، أو صدوق، أو لا بأس به، أو غير ذلك، من ألفاظ التوثيق، ثم وجدنا عنهما أنهما قالا ذلك، أو أعلا منه، في بعض من لم يحتجا به في كتابيهما فيستدل بذلك على أنه عندهما في رتبة من احتجا به؛ لأن مراتب الرواة معيار معرفتها، ألفاظ التعديل والجرح» ثم استدرك العراقي قائلا: «ولكن هنا أمر فيه غموض لابد من الإشارة إليه، وذلك أنهم لا يكتفون في التصحيح بمجرد حال الراوي في العدالة والاتصال من غير نظر إلى غيره، بل ينظرون في حاله مع من روى عنه، في كثرة ملازمته له أو قلتها، أو كونه من بلده، ممارسا لحديثه أو غريبا عن بلد من أخذ عنه، فهذه أمور تظهر بتصفح كلامهم وعملهم في ذلك، والله تعالى أعلم»» (^٢).
_________________
(١) = الطوخي» / ٤٩ أ و(إتحاف الرواة بمسلسل القضاة) لابن الشلبي/ ٢٢١ (مخطوط).
(٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬٢٥.
(٣) «النكت الوفية» / ٤١ ب.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وبالتأمل فيما ذكر نجد أن بيان العراقي للمثلية عند الشيخين وغيرهما وتحقيقه ما تعرف به المثلية عندهما، وكشفه الجوانب الغموض، وكيفية التغلب عليها، كل ذلك من آرائه واستنتاجه العلمي، الذي قرره اعتمادًا على بحثه في تصرف البخاري ومسلم في صحيحيهما، وتصرف غيرهما، وعلى خبرته الجيدة بقواعد الجرح والتعديل والتصحيح والتمريض وتطبيقها، ولم أجد من تعرض لهذا البحث على النحو المذكور غيره، وقد نقله البقاعي برمته كما ترى عن الشرح الكبير، وأقره. ثم تلقفه عنه من بعده (^١). وبهذا توالى امتداد أثر بحوث العراقي وآرائه.
رأي العراقي في التقسيم، والترتيب الموضوعي لبعض المباحث مقارنا بغيره:
ذكر الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث) في نوع الجرح والتعديل عددًا من آراء العلماء في أصح الأسانيد، ثم ذكر عددًا من الآراء أيضًا في أوهى الأسانيد (^٢)، فجاء ابن الصلاح من بعده وألحق بيان الجرح والتعديل بمبحث «معرفة من تقبل روايته ومن ترد» (^٣). وألحق بعض الأقوال في أصح الأسانيد بنوع الحديث الصحيح لتناسبهما (^٤)، وأهمل كلية ذكر الآراء في أوهى الأسانيد، فجاء بعده الإمام البلقيني قرين العراقي، فذكر بيان أوهى الأسانيد في مبحث الحديث الصحيح، عقب بيان أصح الأسانيد رعاية لتقابلهما، حيث قال بعد
_________________
(١) انظر (حاشية الطوخي) / ٨٧ ب، ٨٨ أ.
(٢) انظر (معرفة علوم الحديث) للحاكم ص ٥٢ - ٥٨.
(٣) انظر (مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) / ١٣٦، ١٥٧ - ١٦١.
(٤) انظر (المقدمة) / ٢٢، ٢٣.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
ذكر الآراء في أصح الأسانيد: زيادة مقابلة لما تقدم: «قال الحاكم: أوهى أسانيد أهل البيت عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث عن علي … وساق بقية الآراء» (^١).
أما العراقي فرأى أن علاقة المقابلة بين أصح الأسانيد وأوهاها، لا تكفي مبررا لذكرها معها في مبحث الصحيح كما فعل البلقيني، لعدم مناسبة الواهي للصحيح، وعليه قرر في شرحه الكبير للألفية: أن الأولى ذكر أوهى الأسانيد في مبحث «الحديث الضعيف» لتناسبهما، ثم طبق ذلك فعلا بعد ذلك في نظمه لكتاب «الاقتراح» لابن دقيق العيد كما سيأتي. فلما ألف البقاعي حاشيته على شرح العراقي المتوسط، تبع البلقيني في ذكر أوهى الأسانيد ضمن مبحث الصحيح، في مقابلة أصح الأسانيد؛ لكنه أعقب ذلك بذكر رأي العراقي السابق، وصدقه عليه، حيث قال: «قال العراقي فيما وجد من شرحه الكبير: إن ذكر أوهى الأسانيد في قسم الضعيف أليق، وصدق» (^٢).
أما السيوطي فذكر ذلك في (التدريب) وطبقه فعلا، لكنه لم ينسبه للعراقي، بل ذكر أصح الأسانيد، ثم قال: «ذكر الحاكم هنا، والبلقيني في «محاسن الاصطلاح»، أوهى الأسانيد، مقابلة لأصح الأسانيد، وذكره في نوع الضعيف أليق، وسيأتي إن شاء الله تعالى - يعني في نوع الضعيف (^٣)، ثم ذكرها فعلا فيه» (^٤).
_________________
(١) انظر: محاسن الاصطلاح بهامش مقدمة ابن الصلاح» / ٨٧، ٨٨.
(٢) «النكت الوفية» / ١٩ ب.
(٣) انظر: «التدريب» /¬٣٩.
(٤) «التدريب» ٤/ ١٠٦، ١٠٧.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
ويلاحظ أن إشراك السيوطي للحاكم مع البلقيني في ذكر أوهى الأسانيد مع أصحها هنا، أي في مبحث الحديث الصحيح الذي أورد فيه كلامه السابق غير دقيق؛ لأن الحاكم لم يوردهما في مبحث الصحيح كالبلقيني، بل أوردهما في مبحث (الجرح والتعديل) كما قدمت، كأمثلة تطبيقية لقواعدهما، وبذلك كان ذكر الحاكم لهما معًا في هذا المبحث، غير منتقد لشموله لهما بعكس ذكر البلقيني لهما في مبحث (الصحيح) الذي لا يشمل الواهي، ولهذا فإن ابن الصلاح اقتصر على ذكر أصح الأسانيد مع الصحيح، فكان على من بعده تتميما للتقسيم والترتيب الموضوعي، ذكر أوهى الأسانيد في مبحث الضعيف؛ لمناسبتها له، وهذا ما رآه العراقي وطبقه، وصدقه البقاعي والسيوطي عليه، كما أشرنا.
تعريف العراقي للمُحدِّث:
من الضوابط الاصطلاحية التي تناولها العراقي في شرحه الكبير تعريفه للمحدث، حيث كان ذِكْرُ حَدٌ ضابط ومميز له عن غيره، من المشتغلين بالسنة، مما يشغل معاصريه، فضلًا عمن قبلهم (^١)، وقد ذكره في شرح قوله في الألفية: «وأهل هذا الشأن قسموا السنن …» (^٢).
وذكر عنه أبو سعيد الهزاروي الهندي في حاشيته على الألفية كما تقدم ذكرها، فقال: «وأهل هذا الشأن، وهم المحدثون رضوان الله عليهم، قال الناظم في الشرح الكبير: المحدث من كتب وقرأ وسمع ووعى ورحل إلى
_________________
(١) انظر «التدريب» ٤/¬٧ - ١٢.
(٢) الألفية/ ١٦٩.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
المدائن والقرى، وحصل أصولًا من متون الأحاديث وفروعًا من كتب الأسانيد، والعلل، والتواريخ التي تقرب من ألف، من التصانيف» هـ (^١).
تعقيب:
ولعل هذه النماذج توضح لنا بجلاء، القيمة العلمية لما أنجزه العراقي من هذا الشرح الكبير، وتؤكد أن إعراضه عن تكملته ليس قدحًا في أهمية محتواه كما تدلنا على امتداد وعمق تأثير العراقي بتأليفه وآرائه في مصطلح علوم السنة.
انتقاد بعض مضامين الشرح:
ومع ذلك فإن من العلماء الذين اطلعوا على هذه القطعة من الشرح واستفادوا منها، من عارض العراقي في بعض ما أودعه فيها من آرائه، فمن ذلك: أن الترمذي قال في العلل التي بآخر جامعه: «وما ذكرنا في هذا الكتاب (حديث حسن)، فإنما أردنا به حسن إسناده، وعندنا كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا. ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حديث حسن» فاعترض بعض العلماء على الترمذي بأنه حكم بنفسه في جامعه على بعض أحاديث بالحسن وصرح بأنها لا تروى إلا من وجه واحد (^٢).
فتصدى العراقي للجواب عنه في (الشرح الكبير) ونقل السخاوي عنه ذلك.
_________________
(١) انظر: حاشية الهزاروي ١/¬٣.
(٢) «فتح الغيث» للعراقي ج ١/¬٣٦، ٣٧، وقوله: «وعندنا كل حديث يُروى .. إلخ» جاء في نسخة الترمذي مع التحفة ١٠/ ٥١٩: «عندنا .. إلخ» بدون «واو»، والمعنى على ذكرها أوضح.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
فقال: «إن العراقي قال في شرحه الكبير: الظاهر أنه، أي الترمذي لم يرد بقوله «عندنا» حكاية اصطلاحه مع نفسه - أي في جامعه - وإنما أراد عند أهل الحديث، كقول الشافعي: «وإرسال ابن المسيب عندنا» أي أهل الحديث، فإنه كالمتفق عليه بينهم»، انتهى، ثم عقب السخاوي على ما استظهر العراقي حمل كلام الترمذي عليه، بالرد فقال: «ويبعده قوله - أي الترمذي - وما ذكرنا في هذا الكتاب» وكذا قوله: «فإنما أردنا به» وحينئذ فالنون لإظهار نعمة التلبس بالعلم المتأكد تعظيم أهله، وعلى كل حال، فما اقتصر عليه الترمذي أليق (^١).
والذي أراه أن السخاوي على صواب في استبعاد توجيه العراقي السابق لكلام الترمذي، وباقي كلام الترمذي فعلا، لا يساعد عليه، ولكن مثل هذا الانتقاد قليل بجانب باقي آراء العراقي الصائبة وبحوثه الجيدة السابق ذكر نماذجها، واعتماد العلماء عليها، وما من عالم إلا يؤخذ منه ويرد عليه، والله الموفق للصواب.
٣ - الشرح المتوسط للعراقي على ألفيته
زمن تأليفه: هذا هو الشرح الثاني للعراقي على ألفيته في المصطلح، وهو يعتبر أول شرح كامل عليها، وإذا أطلق شرح العراقي لألفيته يكون هو المقصود، وقد أوضح العراقي في مقدمته، أنه شرع فيه بعد انصرافه عن إتمام «الشرح الكبير» الذي تقدم، حيث يقول: «فاستطلته ومللته، ثم شرعت في شرح لها متوسط» (^٢).
_________________
(١) انظر «فتح المغيث» للعراقي للسخاوي ج ١/ ٦٦.
(٢) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/¬٦.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
ثم حدد تاريخ ومكان فراغه منه فقال في نهايته: «وكمل هذا الشرح عليها - أي الألفية - في يوم السبت ٢٩ رمضان المعظم سنة ٧٧١ هـ بالخانقاة الطَّشْتُمُرِيَّة، خارج القاهرة المحروسة» (^١).
وقد ذكر صاحب «كشف الظنون» ٢٥ من رمضان بدلا من ٢٩ (^٢) وتبعه على هذا غيره (^٣)، ولكن الموجود بعامة نسخ الشرح الخطية الموثقة، هو ٢٩ فيكون أصوب.
تعدد أسمائه وأهم نسخه الخطية في مكتبات العالم
أما تسمية الشرح فلم أجد تصريحًا للعراقي بتسميته باسم معين، لا في الشرح نفسه، ولا في خارجه، ولهذا تعددت تسميته، واحتدم الخلاف فيها، ففي بعض النسخ الخطية الموثقة لهذا الشرح، وجدت إثبات العراقي بخطه قراءة الشرح عليه بقوله: «قرأ علي هذا الشرح على الألفية في علم الحديث» (^٤)، وهكذا ذكره عدة مرات بعبارة «شرح الألفية» (^٥)، وعليه جرى عامة من ترجم للعراقي وعدد مؤلفاته، من تلاميذه ومن تبعهم (^٦).
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ١٦٥.
(٢) (كشف الظنون) ١/ ١٥٦.
(٣) انظر (مقدمة تحفة الأحوذي بشرح الترمذي)، للمُباركفوري ج ١/ ٢٢١.
(٤) انظر آخر نسخة الشرح رقم (٨٤) مصطلح الأزهر.
(٥) (التقييد والإيضاح) للعراقي ٣٩١، ٣٩٥، ٣٩٦.
(٦) انظر (ذيول تذكرة الحفاظ) / ٢٣٠ و(المجمع المؤسس) / ١٧٧ و(إنباء الغمر)، ج ٢/ ٢٧٦ كلاهما لابن حجر، و(الضوء اللامع) ج ٤/ ١٧٣ و(فتح المغيث) ج ١/¬٧، ٨ كلاهما للسخاوي ومجموع ابن خطيب الناصرية (ترجمة العراقي) و(طبقات الشافعية)، لابن قاضي شهبة/ ١١٠ ب و(بهجة الناظرين) للغزي/ ١٣٠ والمنهل الصافي/ ج ٢/ ٣١٣.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
ولهذا فإن نسخ الشرح التي في أعلا درجات الصحة والتوثيق، قد عنونت بكلمة «شرح» فقط، مضافة إلى العراقي، أو إلى الألفية، أو إليهما معا. وقد وقفت من ذلك على ذكر نسخ متعددة من مكتبات العالم شرقا وغربا.
فمن ذلك: نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم (٢١٨) مصطلح الحديث بمكتبة طلعت، وعنوانها «شرح الألفية في علوم الحديث».
وقد وجدت عليها توثيقات متعددة، وفي مكتبات تركيا توجد عدة نسخ (^١).
منها: نسخة بمكتبة أحمد الثالث باستامبول رقم (٦٦٧) أصول الحديث منها صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة رقم (٢٨٦) حديث ومصطلح، وقد جاء بفهرس المعهد أنها بخط المصنف سنة ٧٧١ هـ وأن عدد أوراقها/ ١٣٣ ورقة (^٢) ولكني اطلعت عليها فوجدتها ناقصة من آخرها عدة أبواب وعدد أوراقها ٨٩ ورقة فحسب، كما أنها ليست بخط العراقي ولا كتبت حتى في حياته، وذلك لأن عنوانها «كتاب شرح الألفية في علم الحديث» للشيخ العلامة … زين الدين العراقي طيب الله ثراه وجعل الجنة متقلبه ومثواه» فهذا صريح في أنها كتبت بعد موته، كما أن
_________________
(١) = و«حسن المحاضرة» جـ ١/ ٣٦٠ و«ذيول تذكرة الحفاظ» / ٣٧٠، و(البدر الطالع) جـ ١/ ٣٥٤، و«شذرات الذهب» جـ ٥/ ٥٥.
(٢) انظر (فهرس مكتبة راغب باشا)، و(فهرس مكتبة لاله لي) المطبوع/ ٣١ وفهرس مكتبة عاطف أفندي/ ٢٣ والفهرس المخطوط لمكتبة فيض الله أفندي الله، أصول الحديث النسخ أرقام ٢٤٩ - ٢٥٠، ٢٥١ وتلك المكتبات جميعها في إستنبول.
(٣) انظر فهرس المعهد جـ ١/ ٨٣.
[ ٢ / ٨٤١ ]
خط النسخة، نسخ، جميل، واضح، مع النقط، والضبط بالحركات للكلمات المشتبهة وهذا مخالف لما رأيته من خط العراقي.
وفي مكتبات الموصل بالعراق توجد أيضًا عدة نسخ (^١) منها نسخة بمكتبة مدرسة الملا زكريا، وقد ذكرت بالفهرس برقم (٧٠) وعنوانها «شرح ألفية العراقي» وذكر المفهرس أنها كاملة، وأنها بخط المؤلف، ثم ذكر أن بآخرها إجازة من المؤلف بالشرح وغيره، مكتوبة بخطه، ونقل نصها (^٢)، وهذا ينفي قوله السابق إن النسخة كلها بخط المؤلف، حيث لا يسوغ كتابة الإجازة منه على نسخته التي بخطه.
وفي المكتبة الظاهرية بدمشق توجد ٤ نسخ (^٣)، ومن أهمها نسخة برقم عام (٩٢٨٦) ومنها صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات برقم (٢٣٥) مصنف غير مفهرس، وقد اطلعت عليها فوجدت عنوانها «شرح ألفية العراقي في علم الحديث»، كما أن بهامشها توثيقا، بمقابلتها وبسماعها على ولي الدين بن العراقي.
ومن نسخ هذا الشرح ما هو معنون ومذكور في الفهارس «بشرح التبصرة والتذكرة» وقد يوجد في فهرس المكتبة الواحدة بعض نسخ معنونة بهذا وبعضها الآخر معنون بشرح الألفية، أو ألفية العراقي، كما قدمت، ثم لا يُعْنى المفهرس بالتنبيه على أن الجميع نسخ لكتاب واحد، وإن تعددت التسمية. فمن لا يعلم أن الألفية هي «التبصرة والتذكرة»، كما قدمنا، يظنهما.
_________________
(١) انظر فهرس مخطوطات الموصل/ ١٧٦.
(٢) انظر: «فهرس مخطوطات الموصل» للدكتور داود جلبي/ ١٩٤.
(٣) انظر «الفهرس القديم للمكتبة الظاهرية/ علم الحديث».
[ ٢ / ٨٤٢ ]
شرحين لكتابين.
ومن أمثلة ذلك: نسخة لمكتبة الظاهرية بدمشق رقم (٤٠٤) علم الحديث وقد ذكرت في الفهرس بعنوان «شرح التبصرة والتذكرة للمؤلف».
وقد قدمت أنه توجد بنفس الفهرس عدة نسخ بعنوان «شرح الألفية» دون تنبيه المفهرس على أن الكل نسخ لكتاب واحد، مع اختلاف العنوان.
وهكذا فعل مفهرس مخطوطات الموصل، فذكر النسخة رقم (٨٠) بمكتبة مدرسة الحجيات، وعنوانها «شرح التبصرة والتذكرة» (^١)، دون أن يربط بينها وبين النسخ الأخرى التي ذكرها في نفس الفهرس بعنوان «شرح ألفية العراقي» كما تقدم.
ومن النسخ المعنونة بشرح «التبصرة والتذكرة» بمكتبات تركيا: نسخة بمكتبة كوبريلي زادة باستانبول برقم (٢٢٢) أصول الحديث.
ومن نسخ هذا الشرح ما جمع في عنوانه ذكر «الألفية» و«التبصرة والتذكرة» معا، وأورد هكذا في فهرس المكتبات الموجود بها، وهذا أفيد للباحثين في دفع توهم التعدد والاختلاف، والتمكين من الحصول على عدد أكبر من نسخ الشرح الخطية، بضم ما يحمل اسم «الألفية» أو «التبصرة والتذكرة» منفردين كما قدمنا، ومن هذه النسخ الجامعة بين «الألفية» و«التبصرة والتذكرة» نسخة بدار الكتب المصرية برقم (١٣٩) مصطلح تيمور، وعنوانها كما رأيته: «كتاب شرح الألفية في الحديث، المسماة بالتبصرة والتذكرة».
_________________
(١) انظر: «فهرس مخطوطات» الموصل/ ١٠٥.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
وعلى هذا جرى فهرس مكتبة تيمور المطبوع سنة ١٩٤٧ م (^١).
وتعتبر النسخة المذكورة أجود وأهم النسخ التي وقفت عليها، فإن بأولها لوحتين منقوشتين بزخارف عربية بديعة ومذهبة، وجميع عناوين الأبواب مذهبة أيضا، وأما خطها فواضح، والكلمات المشكلة النطق مضبوطة بالحركات.
وفي آخرها أنها كتبت بخط محمد بن محمد اللاذقي، في مستهل صفر سنة ٨٤٠ هـ، وقد أثبت في عدة مواضع منها وبآخرها بخط «سبط العجمي» تلميذ العراقي، قراءة شرف الدين أبو بكر بن محمد بن عمر بن النصيبي، جميع الشرح عليه، وسماع جماعة معه، ومناولة السبط جميع الشرح لكل منهم، وذلك في غرة صفر سنة ٨٤١ هـ، كذلك أثبت بعدة مواضع بهامشها، أنها قوبلت بأصل «سبط ابن العجمي» وتوقيعه بذلك، ثم أثبت بآخرها مراجعتها أيضا على نسخة صحيحة قرئت على المصنف، وهذه كلها توثيقات، قل أن تجتمع لنسخة غيرها، وهي بذلك جديرة بأن يعتمد عليها في بحث الكتاب وتحقيق نصوصه، ولهذا فقد استعنت بها في النماذج والنصوص التي احتاجها البحث من هذا الشرح.
أما عدد أوراقها فيبلغ (٤٧٣) ورقة في مجلد ضخم، وعدد سطور الصفحة/ ١٢ سطرا.
ومما امتازت به هذه النسخة أيضا وجود بعض تعليقات ملحقة بها مع أوراق صغيرة ملصقة بين أوراق النسخة في عدة مواضع، وكل منها تسمى «طيارة».
_________________
(١) انظر «الفهرس» / جـ ٢/¬١٩، ٢٠.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
إلا أن بعضها ملصق في غير محله (^١). كذلك
امتازت هذه النسخة باشتمال هوامشها على استدراكات سبط ابن العجمي على شيخه العراقي في بعض المسائل التي فاته نظمها من مقدمة ابن الصلاح كما مر ذكره، وفي غيرها، ومع كثرة البحث ومراجعة كثير من نسخ الشرح الخطية، فإني لم أجد تلك الإستدراكات متكاملة إلا بهوامش تلك النسخة، ولذا عولت عليها في بحث تلك الإستدراكات كما تقدم. وبالإضافة إلى ذلك كله، توجد بهوامشها تعليقات منقولة عن العراقي، وتعليقات تبين ما أصلحه من عبارات الشرح عند قراءة تلميذه سبط ابن العجمي عليه (^٢).
ومن النسخ الموجودة ببعض مكتبات تركيا ومعنونة بالعنوان الجامع بين «الألفية» و«التبصرة والتذكرة»، نسخة بمكتبة «لاله لي»، باستانبول برقم (٣٦٤) أصول الحديث. تسمية هذا الشرح بـ «فتح المغيث» وردُّها: أول من وجدته ذكر هذا الشرح باسم (فتح المغيث في شرح ألفية الحديث) هو صاحب كشف الظنون، حيث قال: (فتح المغيث في شرح ألفية الحديث) لمؤلف المتن الحافظ زين الدين العراقي (^٣). ولم يكتف بذلك بل قرر أن العراقي نفسه هو الذي سماه بهذا الاسم (^٤)، وقد اطلع صاحب «كشف الظنون» على
_________________
(١) انظر ما عند ص ١٨٥.
(٢) انظر صفحات ٥٤، ٨٥، ٢٨٧.
(٣) «كشف الظنون» / ١٢٣٥.
(٤) «كشف الظنون» / ١٥٦.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
شرح العراقي، لأنه ذكر في مقدمة الكشف أن ما رآه من الكتب ذكر شيئًا من أوله (^١)، وقد فعل ذلك بالنسبة له، فنقل بعض مقدمته في التعريف به (^٢)، بل نقل عنه في مواضع أخرى من الكشف (^٣).
ثم إنه ذكر شرح السخاوي المتقدم التعريف به، بدون اسم (^٤)، وقد مر هناك إثباتي تصريح السخاوي بتسمية شرحه بـ «فتح المغيث»، كما قدمت في صدر كلامي عن هذا الشرح أنه لم يعرف تسمية العراقي لشرحه كلية باسم معين، وجرى تلاميذ العراقي وغيرهم ممن ترجمه، وعدد مؤلفاته على هذا، ثم ذكرت نسخا منه متعددة، وفي غاية التوثيق الذي يجعلها حاكمة على سواها، ولم تحمل أية نسخة منهم هذا الاسم.
وعليه يكون صاحب «كشف الظنون» قد وهم في ذكر شرح العراقي باسم «فتح المغيث»، وأخطأ في دعواه - بلا دليل -: أن العراقي هو الذي سماه بذلك.
ولعله وجد هذه التسمية على النسخة التي اطلع عليها من الشرح، فاعتمدها ونسبها للعراقي، كما لا أستبعد أن يكون سها، فذكر كُلاًّ من شرح العراقي وشرح السخاوي، مكان الآخر، وقد وجدت هذا العكس وقع منه غير مرة كما سيأتي ذكره، وجل من لا يسهو.
ومع ذلك فإن كثيرا ممن جاء بعد صاحب «كشف الظنون» من المعنيين.
_________________
(١) «الكشف» / ٣.
(٢) «الكشف» / ١٥٦.
(٣) ١٠٤٧، ١٢٠٢ وغيرهما.
(٤) «كشف الظنون» / ١٥٦.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
يبحث التراث، وتحقيقه، وفهرسته، والترجمة لأعلامه، قد تبعوه على هذا الوهم والخطأ، فذكروا - دون نقد أو تمحيص -، شرح العراقي باسم «فتح المغيث»، سواء في بيان مؤلفاته، أو في فهرسة نسخه الخطية في مكتبات العالم مع الإحالة على «كشف الظنون» (^١) أو بدونها (^٢) وعلى سبيل المثال فإن مفهرسي دار الكتب المصرية (^٣) والأزهر (^٤) قد ذكروا جميع النسخ الموجودة بالمكتبتين باسم «فتح المغيث» مع أني رجعت لنفس النسخ جميعها بالمكتبتين فلم أجد واحدة منها قد عنونها ناسخها بهذا الاسم، بل بعضها بدون عنوان كلية (^٥) والباقي معنون بكلمة «شرح» مضافة إلى العراقي، وإلى الألفية، ومن
_________________
(١) انظر «الأعلام»، للزركلي ج ٤/ ١١٩ وما بعدها و«معجم المطبوعات»، لسركيس جـ ٢/ ١٣١٨.
(٢) انظر «هدية العارفين» للبغدادي ج ١/ ٥٦٢ و«اكتفاء القنوع بما هو مطبوع»، لأدوارد فنديك/ ١٣٦ و«مقدمة الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف» لتحقيق كتاب «تدريب الراوي» ص هـ و«مقدمة تحفة الأحوذي» للمباركفوري ج ١/ ٢٢١ و«فهرس مكتبة دير الاسكوريال بإسبانيا»، نسخة رقم (١٤٤٦) و«فهرس مكتبة الجمعية الأسيوية» بالبنغل ج ١/¬٩ علم الحديث نسخة رقم (٨٠٢) قديم، و«فهرس مكتبة نور عثمانية» باستنبول ص ٣٦ نسخة رقم (٦١٤) أصول الحديث، و«فهرس مكتبة ولي الدين» باستنبول أيضًا نسختان برقمي/ ٤٥٦، ٤٥٧ أصول الحديث، و«فهرس مكتبة بشير أغا» باستنبول نسخة برقم (٧٩٠) علم الحديث، و«فهرس المكتبة العامة للأوقاف» ببغداد نسخة رقم (٣٩١) حديث وعلومه ورقم مسلسل في الفهرس/ ٤٠٣ ثم خمس نسخ بعدها.
(٣) انظر «فهرس الكتبخانة الخديوية» جـ ١/ ٢٤١ وما بعدها و«فهرس الكتب العربية» والتي اقتنتها الدار حتى منتصف سنة ١٩٢٤ جـ ١/ ٧٧ وما بعدها و«الفهرس المخطوط لمصطلح الحديث بمكتبة طلعت الملحقة» بدار الكتب، و«فهرس المخطوطات بدار الكتب المصرية» المجلد/ ١ الخاص بعلم المصطلح - ٢٦٧ وما بعدها.
(٤) انظر «الجزء الأول من فهرسها» ص ٢٥٣ و٣٦٢.
(٥) انظر النسخ أرقام ٦٣، ٢١٩، ٤٨٠ مصطلح طلعت.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
نسخ مكتبة الأزهر، نسخة كتبت في حياة العراقي نقلا عن نسخته، ونسخة ولده وقرئت على العراقي، وكتب على أول كل كراسة منها «كراسة رقم كذا من شرح التبصرة» (^١).
وقد وجدت بعض مفهرسي دار الكتب، تجرأوا وكتبوا على عدد من النسخ بجانب عنوانها الأصلي عنوان «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث»، ومنهم من دعم هذا بنقل كلام صاحب «كشف الظنون» السابق ذكره (^٢).
ومنهم من وقع باسم «اللبان» وأرخ كتابته للعنوان الدخيل في ١٧/¬١٠ /¬١٩٣٥ م (^٣)، وهذا مخالف لقواعد الفهرسة، كما أن طابع الشرح بمصر كما سيأتي، قد عنونه بـ «فتح المغيث»، رغم تصريحه بأن النسخ الخطية التي اعتمد عليها لا تحمل هذا الاسم، وقد قرر أنه طبع الكتاب بهذا الاسم، تبعا لصاحب «كشف الظنون» ومن تبعه من المفهرسين كما أشرت، ولا شك أن هذا مخالف أيضا لقواعد تحقيق النصوص ونشرها.
نتيجة البحث:
وعلى ضوء ما تقدم أقرر الآتي:
١ - أنه لم يثبت تسمية العراقي لهذا الشرح باسم معين، وقد جرى على ذلك جمهور من ترجم العراقي وعدد مؤلفاته.
٢ - أن نسخ هذا الشرح الخطية منتشرة بكثرة في مكتبات العالم شرقا وغربا.
_________________
(١) انظر النسخة رقم (٨٤) (مصطلح الأزهر).
(٢) انظر النسخة رقم ٦ مصطلح خليم.
(٣) انظر النسخ أرقام ١٤٦، ١٤٧، ١٤٨. مصطلح الحديث.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
من الهند إلى أسبانيا.
٣ - أن أعلا نسخ الشرح صحة وتوثيقا، معنونة بكلمة «شرح» مضافة للعراقي وللألفية، أو للألفية، والتبصرة والتذكرة.
٤ - أن تسمية هذا الشرح بـ (فتح المغيث) تسمية دخيلة ولم يثبت تصريح العراقي بها، وإنما تثبت هذه التسمية لشرح السخاوي، وقد صرّح بها بنفسه وعليه فإن عنونة شرح العراقي أو تسميته بهذا الاسم، خطأ يجب تصحيحه.
طبعات الكتاب وتصحيح الخطأ في ذلك:
١ - جاء في (معجم المطبوعات) أن شرح العراقي هذا قد طبع بالهند بدون ذكر تاريخ لذلك (^١).
وجاء بفهرس مكتبة الأزهر أيضًا ذكر ثلاث نسخ طبع حجر بالهند (^٢) واطلعت على إحداهن وهي النسخة رقم (٦٥٧) مصطلح بخيت، فوجدتها نسخة من شرح السخاوي المطبوع بالهند كما قدمت ذكره، وليس شرح العراقي كما جاء بالفهرس.
أما صاحب (اكتفاء القنوع بما هو مطبوع) فذكر ألفية العراقي وقال: «له عليها شرح سماه (فتح المغيث)» … طبع في لكناو بالهند سنة ١٣٠٣ هـ مع شرح آخر عليها لشمس الدين محمد السخاوي (^٣). والصواب أن شرح العراقي لم يطبع بالهند كلية، وإنما الذي طبع في المكان والتاريخ المذكورين،
_________________
(١) انظر (معجم المطبوعات)، لسركيس جـ ٢/ ١٣١٨.
(٢) انظر: «فهرس المكتبة» جـ ١/ ٣٥٣ وما بعدها.
(٣) (إكتفاء القنوع)، لاداورد فنديك/ ١٣٦.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
هو شرح السخاوي وحده كما تقدم.
٢ - أما شرح العراقي فقد طبع حتى الآن طبعتان:
أولاهما: بمدينة فاس بالمغرب سنة ١٣٥٤ هـ وتقع في ثلاثة أجزاء كبيرة وبهامشها شرح الشيخ زكريا الأنصاري المتقدم ذكره (^١)، وقد عنونت هكذا: «شرح ألفية العراقي المسماة بالتبصرة والتذكرة» (^٢) ولكن أكثر من يحيل عليها من الباحثين يحيلون عليها هكذا «التبصرة والتذكرة» فقط، وهذا خطأ شائع للأسف؛ لأن هذا إسم الألفية فقط كما هو معروف.
ويظهر أيضًا من النصوص المنقولة عن تلك الطبعة وجود اختلاف بينها وبين نسخ الشرح الموثقة، وكذا المصادر التي اعتمد عليها العراقي (^٣).
وهذا يدل على أن الطابع اعتمد على أصل أقل صحة وتوثيقًا، كما يدل على أن الطبعة غير محققة تحقيقًا علميًا يطمأن إليه، وهي الآن سنة ١٣٩٨ هـ في حكم المخطوطة، وقد أَسْهَمَتْ عموما في توسيع دائرة انتشار الشرح والاستفادة منه، بالإضافة المصاحبته لشرح الأنصاري أيضا.
أما طبعته الثانية: فكانت بالقاهرة لأول مرة سنة ١٣٥٥ هـ أي في السنة التالية للطبعة السابقة، وتقع في ٤ أجزاء صغيرة أولها ١٤٨، وثانيها ٨٠، وثالثها ١٠٧، ورابعها ١٦٨ صفحة، وذلك على نفقة الناشرين: أحمد نشأت، ومحمود سكر، وقام بتحقيق الشرح بعض أعضاء جمعية النشر.
_________________
(١) انظر «الرفع والتكميل» للكنوي/ ٣٥ هامش.
(٢) انظر «الإلماع» للقاضي عياض/ ١٠٣ هامش، ٣٨٧.
(٣) انظر «الرفع والتكميل» / ٣٦ أصل وهامش وقابل بالنسخة الخطية الموثقة للشرح بدار الكتب المصرية برقم (١٣٩) مصطلح تيمور/ ١٢٣ و«هـ بالكفاية» للخطيب البغدادي/ ١٧٨.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
والتأليف الأزهرية برئاسة الشيخ محمود حسن ربيع ﵀، الذي درس لي بمعهد القاهرة الديني، وقد كتب ﵀ مقدمة الطبعة وخاتمتها وبعض تعليقات كما سيأتي.
وقد عنونت هذه الطبعة بـ (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) وذكر في مقدمة الطبعة أن تسميتهم الشرح بهذا الاسم، تبعا لصاحب (كشف الظنون) و«الفهارس دار الكتب المصرية» و«الأزهرية» ولما رآه نَفَرٌ مِنَ العلماء: أن هذه تسمية العراقي لشرحه، وإن استعارها بعض تلاميذ السخاوي، فوضعها على ظهر نسخة من شرحه أيضًا (^١)، وقد سبق ردي على ذلك.
ويظهر أنهم أنفسهم لم يروا هذا كافيًا في القطع بتلك التسمية لشرح العراقي، نظرًا لأن النسخ التي اعتمدوا عليها في الطبع لا تحمل واحدة منها هذه التسمية، ولهذا ذكروا أنهم احتاطوا للأمر، فكتبوا تحت العنوان السابق ما نصه (وهو الشرح المتوسط على المتن المسمى بتبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي) (^٢) وما أن تم طبع أجزاء الشرح حتى تحقق الشيخ محمود ربيع أن (فتح المغيث) اسم لشرح السخاوي، لا لشرح العراقي، فأثبت ذلك في خاتمة الطبع (^٣)، لكنه لم يكن بالإمكان تغيير العنوان على الصواب بعد تمام الطبع.
ولهذا بقيت الطبعة كما هي، وعنوانها الرئيسي (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) مثل عنوان طبعة شرح السخاوي المتقدم، وأصبح الشرحان مطبوعين بعنوان واحد، نتيجة لما قرره صاحب «كشف الظنون» خطأ، ثم
_________________
(١) هـ فتح المغيث، للعراقي ج ١/¬٣، ٤.
(٢) و«فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬٤
(٣) ج ٤/ ١٦٥
[ ٢ / ٨٥١ ]
تابعه عليه من بعده، ولكن ينبغي تصحيح ذلك عند إعادة طبع شرح العراقي. هذا وقد جاء في مقدمة الطبعة المذكورة لشرح العراقي، أن المحققين اعتمدوا على نسخ خطية، ثم عرفوا بها تعريفا ناقصا ومجافيا في معظمه لواقع تلك النسخ بحسب إطلاعي على خمس نسخ منها (^١) كما أن اعتمادهم عليها لم يجر على قواعد التحقيق العلمي (^٢)، حيث جعلوا أصل الطبعة نسختهم الخطية الخاصة، مع نقصها وعدم توثيقها حسب وصفهم هم لها (^٣)، ومع أنهم بذلوا جهدا مشكورا في إخراج نص الكتاب قريبا إلى الصحة والكمال، إلا أنه ظهر لي من فحصي للكتاب جميعه، وجود مخالفات متعددة في هذه الطبعة للنسخ الأوثق مما اعتمد عليه المحققون، وذلك مثل النسخة رقم (١٣٩) مصطلح تيمور السابق التعريف بها، فقد وجدت بينها وبين تلك الطبعة اختلافات متعددة في بعض الألفاظ وخاصة الاصطلاحية منها، والأعلام، وبعض العبارات، والسياق، والنقص (^٤)، كما وجدت بها مخالفات متعددة لأوثق النسخ التي صرحوا بالاعتماد عليها في الطبع (^٥).
_________________
(١) هي النسخ ٦٣، ٦٤ مصطلح دار الكتب، وقد وجدتُ بهما بطاقتي إستعارة المرحوم الشيخ محمود ربيع لهما، ومحررة بخطه في ٢٣/¬٦/¬١٩٣٥ م، ونسخ ٨، ٧٣، ٨٤ مصطلح الأزهر.
(٢) انظر ج ١/¬٣٥، ٤٦.
(٣) انظر ج ١/¬٣، ٣٥، ٣٦.
(٤) انظر ج ٤/ ٦٤ وقابل بصفحة/ ٣٨١ من نسخة تيمور المشار إليها وج ٤/ ٧٩ مع/ ٣٧٦ من النسخة، ج ٢/¬٤٨ مع/ ١٥٥ من النسخة وج ٤/ ٨٤ مع/ ٣٨١ من النسخة ..
(٥) انظر ج ١/ ٨٣ وقابل بنسخة ٨٤ مصطلح الأزهر/ ٢١ ب وج ١/ ٨٧ ونسخة ٨ مصطلح الأزهر/ ٢٢ ب.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
هذا بالإضافة إلى بعض الألفاظ الساقطة من الطبعة والتي لم تستدرك، وعموما فإن هذه الطبعة قد أسهمت - بلا شك - في إخراج الكتاب إلى عالم المطبوعات، مثل طبعة فاس السابقة، ووسعت دائرة انتشاره، والاستفادة منه على الصورة التي خرج عليها، ولكن الكتاب ما زال بحاجة إلى طبعة محققة تحقيقا علميا يعتمد على النسخ الأوثق، والأكمل، ويراعى فيها أصول التحقيق العلمي للنصوص، ويعدل فيها عنوان الكتاب من فتح المغيث إلى «شرح العراقي لألفيته في المصطلح» أو «شرح الألفية المسماة بالتبصرة والتذكرة، للعراقي».
تعليقات شيخنا الشيخ محمود ربيع، على الشرح، ونقدها:
عمل الشيخ محمود ربيع تعليقات على الشرح أسماها «الدراري الفاخرة على شرح التبصرة» (^١) وطبعت بهامش الطبعة المذكورة، وقد قمت ببحث هذه التعليقات تفصيلا، فوجدتُ معظمها منقولا بنصه، حتى بأخطائه النسخية، من هوامش بعض النسخ الخطية التي اعتمد عليها في تحقيق الكتاب كالنسختين ٧٣، ٨٤ مصطلح الأزهر، والنسخة رقم (٦٤) مصطلح دار الكتب المصرية، ولكن الشيخ ﵀ لم يُصرح بذلك، وأحيانا يحيل بعبارات مبهمة كقوله: «في بعض الهوامش كذا» وهذا مخالف للأمانة العلمية، ولأصول التحقيق المعتبرة.
_________________
(١) ج ١/¬٢ من «فتح المغيث» للعراقي.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
مصادر العراقي في شرحه، وكيفية اعتماده عليها ونقدها
لم يذكر العراقي بيانًا إجماليا لأهم المصادر التي اعتمد عليها في شرحه كما يفعل غيره، وإنما اكتفى بذكر كل منها عند النقل عنه خلال الشرح، ولهذا فإن بيان مصادره اقتضى مني قراءة الشرح من أوله إلى آخره لاستخراجها، وقد تبين لي أنه اعتمد على نفس مصادره في الألفية كما سبق بيانها، بالإضافة إلى أكثر من مائة وخمسين مصدرًا آخر.
وكيفية اعتماده على تلك المصادر مختلفة، فتارة يصرح باسم الكتاب واسم مؤلفه، بل قد يحدد الموضع الذي نقل منه، كقوله قال الحاكم في خطبة المستدرك (^١)، وقد يحدد نوع النسخة التي اعتمد عليها من الكتاب، وبعض مضامينه، كذكره أن في خط الخطيب البغدادي: الاقتصار على كتابة الصلاة فقط، على النبي ﷺ، ثم قال: «شاهدته بخطه كذلك في كتاب «الموضح» (^٢)، ثم قال في مبحث «من ذكر بنعوت متعددة» وصنف فيه الخطيب البغدادي كتابًا كبيرًا سماه (الموضح لأوهام الجمع والتفريق)، بدأ فيه بأوهام البخاري في ذلك، وهو عندي بخط الخطيب (^٣). لكنه لم يلتزم مثل هذه التحديدات الدقيقة التي تدل على الأمانة العلمية، مع التوفير على الباحث من بعده عناء البحث والتنقيب، إذا أراد تحقيق الكتاب وإحالة مضامينه إلى مصادرها الأصلية، أو التوسع في الاطلاع.
_________________
(١) ج ١/¬١٧.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/¬٢٧.
(٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٧٥.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
بل أحيانًا يكتفي بالعزو إلى الشخص، مع تعدد مؤلفاته، وعدم وجود قرينة محددة، كقوله: قال النووي كذا (^١)، وقال ابن حبان كذا (^٢)، وقال الدارقطني كذا (^٣)، وقد يكون الشخص من المتقدمين، وليس له مؤلفات متداولة، مثل ابن معين (^٤)، وعلي بن المديني (^٥)، وغيرهما.
وقد يكتفي أيضًا بذكر اسم الكتاب، دون ذكر مؤلفه، مع عدم شهرة ذلك الكتاب، فلا يدل ذكره على مؤلفه، مثل قوله: «وفي كتاب «عمدة المحدثين» كذا (^٦)، وهذا كتاب غير مشهور، لا هو ولا مؤلفه، وقد يحيل على بعض المراجع بصيغة مبهمة مثل قوله: «وفي بعض كتب الأصول للحنفية كذا» (^٧)، وذكر بعض أهل التاريخ كذا (^٨)، وهذا كله مما يعرقل وصول الباحث إلى مصدر تلك النقول والآراء، ولكنه من الإنصاف أن نقول: إنَّ العراقي لم يكن بدعًا في ذلك؛ بل هكذا كان يفعل عامة معاصريه في مؤلفاتهم بالإضافة إلى أن الغالب هو التزامه بذكر مصادره بطريقة محددة، بالكتاب والمؤلف، كما كان معتادًا في عصره.
ولما كانت مصادره كثيرة العدد، كما أشرت، فإني سأذكر هنا بعضًا من
_________________
(١) جـ ٢٧/¬١.
(٢) جـ ١/ ١٣٤.
(٣) جـ ٢/¬١٤.
(٤) جـ ٢/¬١٤.
(٥) جـ ١/ ٦٩، ٧٨.
(٦) جـ ٤/ ٩٦.
(٧) جـ ١/ ٧٤.
(٨) جـ ٤/ ١٤٤.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
المصادر الهامة، أو النادرة، أو التي كثر اعتماده عليها، بالإضافة للمصادر السابق ذكرها بالنسبة للألفية.
فمما اعتمد عليه بالنسبة لعلوم السنة: البزار في جزء له في معرفة من يترك حديثه أو يقبل (^١)، والحاكم في كتابه «المدخل إلى الإكليل» (^٢)، وفي «المستدرك على الصحيحين (^٣)»، والخطيب البغدادي في كتابه «الجامع بين آداب الراوي والسامع (^٤)»، وفي «المدرج (^٥)»، وفي جزء له في «الإجازة للمعدوم والمجهول (^٦)»، وفي «تمييز المزيد في متصل الأسانيد (^٧)»، وفي «المتفق والمفترق (^٨)»، وفي «رواية الآباء عن الأبناء (^٩)»، والترمذي في «العلل» التي في آخر جامعه (^١٠)، وابن أبي حاتم في كتابه «العلل (^١١)»، وفي «الجرح والتعديل (^١٢)»، وفي كتاب له في «أوهام البخاري في تاريخه (^١٣)»، والإمام مسلم في كتاب «الطبقات (^١٤)»، وفي «التمييز (^١٥)»، وفي «المنفردات والوحدان (^١٦)»، وفي «الكنى (^١٧)»، والنسائي في «السنن الكبرى (^١٨)»، وفي «الكنى (^١٩)»، وفي «جمعه لحديث مالك (^٢٠)»،
_________________
(١) ج ١/ ٨٤.
(٢) ج ٤/ ٧٤.
(٣) ج ١/ ٦٣.
(٤) ج ١/ ٥٩.
(٥) ج ١/ ١١٧.
(٦) ج ٢/ ٧٠.
(٧) ج ٤/¬٢٦.
(٨) ج ٤/¬٤٩.
(٩) ج ٤/ ٦٠.
(١٠) ج ١/¬٣٦.
(١١) ج ١/ ٨٨.
(١٢) ج ٤/ ٧٧.
(١٣) ج ٤/ ١٢٥.
(١٤) ج ٤/ ٥٣، ٥٩.
(١٥) ج ١/ ٩٦، ٩٧، ١٠٣، ١٠٠٠.
(١٦) ج ٤/ ٧٣.
(١٧) ج ٤/ ٩٠.
(١٨) ج ١/ ٩٧، ج ٤/ ١٥٦.
(١٩) ج ٤/ ٦٣.
(٢٠) ج ٤/¬١٧.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
والخلال في كتاب «العلل» (^١)، وابن ياطيش في كتابه «مشتبه النسبة» (^٢)، والحافظ أبو البركات بن الأنماطي، شيخ ابن الجوزي في «جزء له في منع إجازة المجاز» (^٣)، والوليد بن بكر الغمري في كتابه «الوجازة في تجويز الإجازة» (^٤)، وأبو محمد بن خلاد الرامهرمزي في كتابه «المحدث الفاصل» (^٥)، والبرقاني في كتاب «اللفظ» (^٦)، وأبو جعفر الطحاوي في «جزء التسوية بين حدثنا وأخبرنا» (^٧)، وأبو الشيخ ابن حيان في «تاريخه» (^٨)، وفي «طبقات الأصبهانيين» (^٩)، وعلي بن إبراهيم البغدادي في «كتاب الخط ورقومه» (^١٠)، والبيهقي في «الزهد»، وفي «شعب الإيمان» (^١١)، وفي «السنن الكبرى» (^١٢)، وفي «الاعتقاد» (^١٣)، وفي «معرفة السنن والآثار» (^١٤)، وفي «دلائل النبوة» (^١٥)، والحافظ أبو جعفر الكاتب في تصنيفه فيمن أجاز الإجازة العامة (^١٦)، والحافظ أبو طاهر السلفي في «جزء له في شرط القراءة على المحدث» (^١٧)، وفي «فهرسته» (^١٨)، والحازمي في «شروط الأئمة» (^١٩)، وفي
_________________
(١) ج ٢/¬٧.
(٢) ج ٤/ ٩٣.
(٣) ج ٢/ ٧٦.
(٤) ج ٣/¬٩، ١٢.
(٥) ج ٢/¬٤٤، ج ٣/¬١٢، ج ٤/ ١٢١.
(٦) ج ٣/ ٦١.
(٧) ج ٢/ ٥٢.
(٨) ج ٤/¬٤٨.
(٩) ج ٤/ ٥٢.
(١٠) ج ٣/¬١٩.
(١١) ج ١/ ١٣٣.
(١٢) ج ٤/ ٧٤.
(١٣) ج ٤/¬٤١.
(١٤) ج ١/ ١٠٩.
(١٥) ج ٤/ ١٣٦.
(١٦) ج ٢/ ٦٧.
(١٧) ج ٢/¬٣٥.
(١٨) ج ٣/ ١٠٦.
(١٩) ج ١/¬١١.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
«الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار» (^١)، وابن خزيمة في (صحيحه) (^٢) والنووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (^٣)، وفي «شرح مسلم» (^٤)، وفي «الإرشاد» (^٥)، وفي «مختصر المبهمات» (^٦)، والحافظ محمد بن طاهر المقدسي في (شروط الأئمة) (^٧)، وفي «أطراف الغرائب» (^٨)، وفي (جزء له في الإسناد العالي) (^٩)، والذهبي في «مختصر المستدرك للحاكم» (^١٠)، وفي تاريخ الإسلام (^١١)، وفي «الوفيات» (^١٢)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية»، وفي «الموضوعات» (^١٣)، وفي التحقيق في أحاديث الخلاف (^١٤)، وفي «التلقيح» (^١٥)، وابن عبد البر في «التمهيد» وفي «التقصي» (^١٦)، وفي «الاستذكار» (^١٧)، والدارقطني في «العلل» (^١٨)، وفي «السنن» (^١٩)، وفي «تأليف له في المدبج» (^٢٠)، وابن المواق في «بغية النقاد» (^٢١)، والحافظ المزي في «الأطراف» (^٢٢)، وأبي علي الجياني في
_________________
(١) ج ٤/¬٢٣.
(٢) ج ١/ ١١٠.
(٣) ج ٤/¬٣٧.
(٤) ج ٤/¬١٢.
(٥) ج ٤/ ١١١.
(٦) ج ٤/ ١٣١.
(٧) ج ١/¬٢٤.
(٨) ج ٢/ ٧٧.
(٩) ج ٣/ ٩٩.
(١٠) ج ١/¬٢٥.
(١١) ج ٣/ ١٠٠.
(١٢) ج ٤/¬٤٦.
(١٣) ج ١/¬٣٧.
(١٤) ج ١/ ١١٠.
(١٥) ج ٤/ ٦٥.
(١٦) ج ١/ ٦٦.
(١٧) ج ١/ ١١٠.
(١٨) ج ١/ ١٠٣.
(١٩) ج ١/ ١١٩.
(٢٠) ج ٤/ ٦١.
(٢١) ج ١/ ٨٠.
(٢٢) ج ٤/ ١٠٨.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
«تقييد المهمل» (^١)، والحافظ أبو الحسن الرشيد العطار في «الغرر المجموعة» (^٢)، وعبد الغني بن سعيد في «الإكمال» (^٣)، وفي «إيضاح الإشكال» (^٤)، والخطابي في «معالم السنن» (^٥)، والبغوي في «مصابيح السنة» (^٦)، وأبو نعيم في «علوم الحديث» (^٧)، وفي «تاريخ أصبهان» (^٨)، والقرطبي في «المفهم شرح صحيح مسلم» (^٩)، وأبو يعلى الخليلي في «الإرشاد» (^١٠)، وابن ماجه في «سننه» (^١١)، والعقيلي في «الضعفاء» (^١٢)، وابن عدي في «الكامل» (^١٣)، والحافظ علاء الدين التركماني شيخ العراقي في «الدر النقي في الرد على البيهقي» (^١٤)، وأبو موسى المديني في «الصحابة» (^١٥)، والإمام أحمد في «مسنده» (^١٦)، وفي «سؤالاته» (^١٧).
ومن كتب الفقه والأصول: الإمام الشافعي ﵁ في «الرسالة» (^١٨)، وفي «الأم» (^١٩)، وإمام الحرمين في «الإرشاد» (^٢٠)، والروياني في «البحر» (^٢١)، وسيف الدين الآمدي صاحب «الإحكام» (^٢٢).
_________________
(١) جـ ١/ ٧٤.
(٢) جـ ٤/ ٧٤.
(٣) جـ ٤/ ٥٩.
(٤) جـ ٤/¬٧٥.
(٥) جـ ١/¬١٠.
(٦) جـ ٤/¬١٠.
(٧) جـ ٤/ ٧٤.
(٨) جـ ٤/¬٣٤.
(٩) جـ ١/ ١٣٣.
(١٠) جـ ١/¬١٢.
(١١) جـ ١/ ٧٢.
(١٢) جـ ٢/¬٧.
(١٣) جـ ١/ ٥٩.
(١٤) جـ ١/ ١٠٣.
(١٥) جـ ٤/ ٥٧.
(١٦) جـ ١/ ١١٠.
(١٧) جـ ٢/¬٦.
(١٨) جـ ١/ ٧١.
(١٩) جـ ٤/ ٥٧.
(٢٠) جـ ٤/¬٤٢.
(٢١) جـ ٢/¬٢٥.
(٢٢) جـ ١/ ٦٢.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
وأبو الحسن الماوردي في كتابه «الحاوي» (^١)، وأبو عمر بن الحاجب صاحب «المختصر في الأصول» (^٢)، والبغوي في «التهذيب» (^٣)، والقاضي أبو بكر الباقلاني (^٤)، والإمام النووي في «الخلاصة» (^٥)، وفي زياداته على «الروضة» (^٦)، وأبو بكر الصيرفي في «الدلائل والأعلام» شرح رسالة الإمام الشافعي (^٧)، وابن حزم في «المحلى» (^٨).
ومن كتب اللغة: الجوهري صاحب «الصحاح» (^٩)، وابن سيده صاحب «المحكم» (^١٠)، والزمخشري في «المفصل» (^١١)، وابن الأعرابي (^١٢)، وابن فارس (^١٣).
وإن نظرة فاحصة وشاملة في تلك المصادر وغيرها مما قدمته في مصادره في الألفية، تكشف لنا عن مدى اتساع وعمق إطلاع العراقي وثقافته، سواء في مجال تخصصه وهو علوم السنة، أو فيما يتصل به من العلوم الأخرى من فقه وأصول ولغة.
كما تكشف لنا قيمة هذا الشرح، في اشتماله على نصوص كثير من المصادر العلمية التي تعد في حكم المفقودة حاليًا، أو يندر وجود نسخها.
_________________
(١) ج ٢/ ٦٦
(٢) ج ٢/¬٥
(٣) ج ٢/¬٢٥
(٤) ج ٢/¬٤
(٥) ج ١/ ١١٧
(٦) ج ٢/ ٦٧
(٧) ج ١/ ٨٥
(٨) ج ١/¬٣٣
(٩) ج ١/ ١٠٦
(١٠) ج ١/ ١٠٦، ١٠٧
(١١) ج ٤/¬٣٧
(١٢) ج ٣/¬١٤
(١٣) ج ٢/ ٧٨
[ ٢ / ٨٦٠ ]
الخطية، أو ما تزال حتى الآن مع توفر نسخها الخطية، لم تخرج إلى عالم المطبوعات.
كذلك يظهر لنا الجهد العلمي الكبير الذي بذله العراقي في جمع المادة العلمية لهذا الشرح، مصداقا لقوله الآتي: إنه ضمنه ما لا يوجد مجتمعًا إلا فيه ثم إنه قد قام بعرض مادته وتنسيقها ووضع كل جزئية في موضعها، وبالإضافة إلى هذا فإن طريقة اعتماده على تلك المصادر لم تقتصر على النقل والتوزيع على الموضوعات، وإنما نجده يوضح بخبرته منهج كثير من المصادر ومحتواها العام (^١) والنص المنقول، ثم يستنبط منه أو ينتقد ما لا يرتضيه ويصح غيره، ويقارن ويرجع ما يراه، وغير ذلك مما يميز كتابه كمرجع مستقل، ويظهر شخصيته العلمية بين أصحاب المصادر التي اعتمد عليها من المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، كما ستأتي أمثلة ذلك.
_________________
(١) ج ٤/¬٩، ٢١، ٢٦، ٢٨، ٧٧.
[ ٢ / ٨٦١ ]
منهج العراقي في شرحه وأهم آرائه عرض ومقارنة ونقد
أجمل العراقي في مقدمة هذا الشرح منهجه فيه، فذكر أنه شرح متوسط غير مفرط، ولا مفرّط يوضح مشكل الألفية ويفتح مقفلها، ما كثر فأمل، ولا قصر فأخل، مع فوائد لا يستغني عنها الطالب النبيه، وفوائد لا توجد مجتمعة إلا فيه (^١).
وهذا الإجمال يحتاج إلى تفصيل لا يتأتى إلا يبحث الشرح جميعه ومقارنته بغيره من شروح الألفية، وبعض مؤلفات علم المصطلح.
وهذا ما قمت به مستعينا بالله تعالى، وذلك على النحو التالي:
١ - المنهج الشكلي للشرح:
جرى العراقي في شرحه على أن يقسم الباب من أبواب الألفية إلى فقرات، كل فقرة عبارة عن بيت أو أكثر، بحيث تتضمن الفقرة مسألة أو أكثر من مسائل الباب، وربما يُعبّر عنها بالفصل، ثم يتناولها بالشرح، وينتقل إلى غيرها، وهكذا، حتى ينتهي الباب.
وفي الشرح، يذكر اللفظ أو العبارة من الألفية، أو طرفًا منها، فيقول: قولي كذا، أو يُعبّر عن نفسه بضمير الغائب فيقول: قوله كذا، ويتناوله بالشرح كما سنرى في الأمثلة، وتعرف هذه الطريقة بطريقة الشرح بالقول، وتختلف بذلك عن طريقة الشرح الممزوج التي اتبعها غير العراقي من شراح الألفية السابق ذكرهم، وهم: السخاوي، والسيوطي، والأنصاري، وتمتاز
_________________
(١) (فتح المغيث) ج ١/¬٦، ٧.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
طريقة الشرح بالقول التي اتبعها العراقي عن طريقة الشرح الممزوج التي اتبعها غيره، بالوضوح، حيث لا يكون الشارح فيها متقيدًا بسياق معين، ولا بألفاظ خاصة، حتى ينسبك الشرح مع المتن، كما قدمت بيانه، في الشروح السابقة. كما أنه لا يحتاج إلى كثرة استخدام الجمل الاعتراضية، والفصل بين أجزاء الجملة الواحدة من الفعل والفاعل، أو المفعول، أو بين الجار والمجرور ومتعلقه، ويترتب على ذلك تشتت المعنى وغموضه.
مثال ذلك أن العراقي قال في الألفية:
«لكن قال يحيى البر … لم يفت الخمسة إلا النزر»
فقال السخاوي في شرحه: «لكن قال الشيخ محيي الدين أبو زكريا (يحيى) النووي (البر)، لما اجتمع فيه من الزهد والورع وأصناف البر ما فاق فيه (^١)، بحيث قال بعضهم: إنه كان سالكًا منهاج الصحابة، لا نعلم في (^٢) عصره من سلكه غيره، في كتابه (الإرشاد) بعد قوله: فالصحيح قول غير ابن الأخرم: إنه فاتهما كثير، ويدل عليه المشاهدة، قلت: والصواب قول من قال: «لم يفت «الكتب» «الخمسة» أصول الإسلام، وهي الصحيحان والسنن الثلاثة (^٣)، إلا النزر»: يعني القليل» (^٤).
وخلاصة ما ذكر: أنه يريد أن يقول: «لكن قال الشيخ يحيى النووي في كتابه (الإرشاد): الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة
_________________
(١) في المطبوعة «مافات» وهو خطأ لا يستقيم المعنى عليه.
(٢) في المطبوعة (من) ولا يستقيم المعنى عليه.
(٣) بالمطبوعة الثانية والإصلاح من مخطوطة دار الكتب/ ٧ ب.
(٤) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬٣٢.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
إلا القليل من الحديث الصحيح».
لكن من أجل مزج الشرح بالمتن، فصل السخاوي كما ترى بين الجار والمجرور وهو «في كتابه» وبين متعلقه وهو «قال» بنحو ٣ سطور، كما فصل بين «قال» أيضا ومفعولها بنحو ٤ سطور.
وبهذا يشتت المعنى على القارئ، ويجد معاناة في استخلاصه، خاصة وأن الفاصل قد يصل أحيانا إلى عشرة سطور.
أما العراقي فيقول في شرح البيت المذكور:
ويحيى هو الشيخ محيي الدين النووي، قال في «التقريب والتيسير»: والصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني «الصحيحين» و«سنن أبي داود» و«الترمذي» و«النسائي» (^١).
وبذلك شرح معنى البيت في وضوح وترابط وإيجاز.
٢ - بيان العراقي المراده بألفاظ وعبارات الألفية:
من العناصر الهامة في شرح مؤلف المتن كما أشرت من قبل، أنه يوضح بنفسه ما يقصده بألفاظ المتن وعباراته، وقد فعل العراقي ذلك في شرحه للألفية.
مثال ذلك: أنه قال في الألفية في تعريف الحديث الصحيح:
«فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد»
فقال في شرحه: «فقولي: «المتصل الإسناد»، احتراز عما لم يتصل،
_________________
(١) (فتح المغيث) ج ١/¬١٨.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
وهو المنقطع، والمرسل، والمعضل»، وسيأتي إيضاحها.
وقوله: «بنقل عدل» احتراز عما في سنده من لم تعرف عدالته، إما بأن يكون عُرف بالضعف أو جهل عينًا أو حالا كما سيأتي في بيان المجهول. وقولي: «ضابط»: احتراز عما في سنده روا مغفل، كثير الخطأ وإن عرف بالصدق والعدالة (^١).
وقال في بيان الآراء في أصح الأسانيد:
«أو فابن سيرين عن السلماني … عنه أو الأعمش عن ذي الشأن»
فقال في الشرح: «أو» هنا في الموضعين ليست للتخيير، ولا للشك ولكنها لتنويع الخلاف (^٢).
وقال في مبحث المستخرجات:
«واستخرجوا على الصحيح كأبي … عوانة ونحوه واجتنب
عزوك ألفاظ المتون لهما … إذ خالفت لفظًا أو معنى ربما»
فقال في الشرح: «والمستخرجون لم يلتزموا لفظ واحد من الصحيحين بل رووه بالألفاظ التي وقعت لهم من شيوخهم مع المخالفة لألفاظ الصحيحين وربما وقعت المخالفة أيضًا في المعنى، فلهذا، قال» يعني نفسه:
«واجتنب عزوك ألفاظ المتون لهما»: أي لا تَعْزُ ألفاظ متون المستخرجات للصحيحين، فلا تقل أخرجه البخاري ومسلم بهذا اللفظ إلا إن علمت أنه في المستخرج بلفظ الصحيح، بمقابلته عليه، فلك ذلك، فقوله «ربما» متعلق
_________________
(١) ج ١/¬١٠، ١١.
(٢) ج ١/¬١٤.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
بمخالفة المعنى فقط، لأن مخالفة الألفاظ كثيرة كما تقدم.
ثم قال فيها أيضًا:
«أو ما تزيد فاحكمن بصحته فهو مع العلو من فائدته» فقال في الشرح: «أي ما تزيد المستخرجات، أو ما يزيد المستخرج على الصحيح من ألفاظ زائدة عليه، من تتمة لمحذوف، أو زيادة شرح في حديث أو نحو ذلك».
«فاحكم بصحته»: لأنها خارجة من مخرج الصحيح.
وقوله: «فهو مع العلو من فائدته»: هذا بيان لفائدة المستخرج، فمنها: زيادة الألفاظ المذكورة، لأنها ربما دلت على زيادة حكم، ومنها علو الإسناد؛ لأن مصنف المستخرج لو روى حديثًا مثلًا عن طريق مسلم، لوقع أنزل من الطريق الذي رواه في المستخرج. ثم قال: ولم يذكر ابن الصلاح للمستخرج إلا هاتين الفائدتين، وأشرت إلى غيرهما بقولي: من فائدته، فمن فوائده أيضًا: القوة، بكثرة الطرق للترجيح عند المعارضة (^١).
وقد تبع العراقي على ما تقدم شراح الألفية من بعده (^٢).
وبهذا أراحهم مع غيرهم من راغبي الاستفادة بها، من محاولة التماس الوجوه والمحامل لكلامه، وربما يكون ما يذكرونه أو يتبادر لأذهانهم غير مقصوده.
_________________
(١) جـ ١/¬٢١، ٢٢.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬١٧، ١٩، ٢٤، ٤٠، و«قطر الدرر» للسيوطي ٢/ أ، ب، ب و«فتح الباقي» / ٥ أ، ب، ٨ أ، ١٢ ب، ١٣ أ.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
لكنه في الواقع لم يلتزم ببيان مراده بكل ألفاظ وعبارات الألفية، بل تناول ما رأى أن ظاهره مُشكل، ويحتاج في نظره لبيان، كما أشار إلى ذلك في مُجمل منهجه المُتقدّم ذكره، ولهذا ترك كثيرًا من ألفاظ وعبارات «الألفية» دون بيان مراده بها، وقد ترتب على ذلك وجود اختلاف في توجيهها بين أصحاب الشروح والحواشي على الألفية من بعد العراقي، ما بين مُنتقد ومُدافع.
فمن ذلك: أن العراقي قال في تعريف الحديث الصحيح، كما قدمته:
«فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد»
ولم يتعرض في شرحه لبيان قصده من تقييد الضبط بقيد «الفؤاد»، وهو القلب مع أن الذي استقر عليه اصطلاح العلماء ومنهم العراقي نفسه، كما سيجيء: أن الضبط قسمان: ضبط فؤاد بالحفظ والاستحضار، وضبط كتاب وهو صونه لكتابه عن تطرق الخلل إليه، من حين سمع فيه وقابله بأصله، إلى أن يؤدي منه (^١)، وكل منهما كاف في صحة الرواية، وقد سلك الشراح وأصحاب الحواشي مسالك في تناول عبارة العراقي، فمشى السخاوي (^٢) والسيوطي (^٣) والأنصاري (^٤) في شروحهم، على أن «ضابط» في كلام العراقي يشمل نوعي الضبط، ولم يعتبروا ذكره كلمة «الفؤاد» قيدًا مقصودًا له، وأشار السخاوي إلى أنه ربما أراد به العراقي الإشارة إلى أن بعض العلماء منع الرواية من الكتاب.
_________________
(١) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬١٧، ١٨.
(٢) فتح المغيث له جـ ١/¬١٨، ١٩.
(٣) «قطر الدرر»، له/ ٢ أ.
(٤) «فتح الباقي»، له/ ٥٧ أ، ب.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
أما البقاعي في حاشيته على شرح العراقي المذكور، فقد قال: قوله: «ضابط الفؤاد» يمكن أن يكون «الفؤاد» قيدًا يُدخل من لم يكن لسانه ضابطًا، بأن كان يسبق إلى الخطأ ثم يرده حفظه إلى الصواب، ثم استدرك قائلا: «لكن يخل التقيد به، بضبط الكتاب» (^١).
فجاء الطوخي من بعده، وتصدى للجواب عن هذا، فقرر أن «ضابط» في كلام العراقي، تشمل نوعي الضبط، وأنه يمكن الجواب: بأن العراقي إنما قيد بـ «الفؤاد» نظرًا للغالب، من أن أهل الحديث لا يتقيدون إلا بالحفظ، ولا يعتمدون إلا عليه، خصوصًا أهل العصر الأول … أو أن يراد بـ «الفؤاد» حقيقة، أو حكمًا، والكتاب فؤاد حكمًا (^٢)، وبذلك لا يكون التقييد به مخلا.
وهكذا تعددت الآراء في توجيه كلام العراقي، نتيجة لعدم بيانه في شرحه. والذي يظهر لي: أن تقييده الضبط بـ «الفؤاد»، في النظم، لم يقصد به إخراج ضبط الكتاب، لأنه ذكرهما معا بعد ذلك في «صفة من تقبل روايته» فقال:
«يحفظ إن حدث حفظًا يحوي كتابه إن كان منه يروي» (^٣).
وقال في شرحه: «وقولي يحوي كتابه، أي يحتوي عليه ويحفظه من التبديل والتغيير» (^٤).
_________________
(١) «النكت الوفية»، له ١٠ ب.
(٢) «حاشية الطوخي» ٢٦ أ، ٢٧ ب.
(٣) «الألفية» / ١٨٤.
(٤) جـ ٣/¬٢، ٣.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
فلعله اعتمد على أن هذا التفصيل سيجيء بعد، لكن هذا لا يعفيه من النقد لأن الأولى أن يحذف من المتأخر لدلالة المتقدم عليه، وليس العكس كما فعل، وكان عليه مع ذلك أن ينبه في الشرح على أنه سيأتي تفصيل في محله، كما نبه في غير موضع على مثل ذلك، ولكنه لم يفعل أيضًا.
ثم إن جواب الطوخي الأول عن العراقي، بأن غالب أهل الحديث لا يعتمدون إلا على الحفظ، مخالف لما استقر عليه الاصطلاح عند المتقدمين (^١)، والمتأخرين بما فيهم العراقي نفسه، كما مر كلامه، من تقسيم الضبط إلى ضبط صدر وضبط كتاب، والاعتماد على كل منهما، ثم صرّح أيضًا في «صفة من تقبل روايته» بأن ما عليه أكثر أهل الحديث: تجويز الاعتماد على الكتاب المصون في ضبط المسموع، حتى يجوز له أن يروي ما فيه، وإن كان لا يذكر أحاديثه، أما جوابه الثاني، بأن الفؤاد كتاب حكمًا، فالتكلف فيه واضح.
على أن العراقي ربما شرح عبارته بما يخالف المعنى الصحيح، وإن كان ذلك قليلًا.
مثاله أنه قال في الألفية في بيان أصح الأسانيد:
« فقيل مالك … عن نافع بما رواه النّاسِكِ» (^٢)
فقال في شرحه: «وقولي: فقيل مالك»: أي فقيل أصح الأسانيد: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر (^٣)، وهكذا عبّر في بيان باقي الأقوال فيها (^٤)
_________________
(١) انظر «الرسالة للشافعي» / ١٦٠ و«الكفاية» للخطيب/ ٣٢٤ - ٣٥٤.
(٢) «الألفية» / ١٦٩.
(٣) جـ ١/¬١٢.
(٤) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬١٣، ١٤.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
والصواب أن لا يذكر عبارة «ما رواه». بل يقول: أصح الأسانيد: مالك عن نافع .. وهكذا كما عبر الحاكم (^١)، وابن الصلاح (^٢)؛ لأن ما رواه مالك وغيره، ليس الأسانيد، بل متون الأحاديث، والكلام على الأسانيد .. والعجيب أن السخاوي، والسيوطي، لم يتنبها لذلك، فعبرا مثل تعبير العراقي (^٣)، أما الأنصاري فتنبه لذلك فقال: «وفي قول الناظم في شرحه: أصح الأسانيد ما رواه مالك» تجوز؛ لأن ما رواه متن لا سند، فكان حقه أن يقول كابن الصلاح: أصح الأسانيد: مالك … الخ». وكذا الكلام في نظائره (^٤).
٣ - شرحه لاصطلاحه في الألفية، وتحديده للزيادة، والنقص، والتغيير فيها عن كتاب ابن الصلاح:
من مميزات شرح العراقي هذا أيضًا لألفيته، أنه تولى فيه بنفسه شرح اصطلاحه الخاص في الألفية، وتحديد أكثر الزيادات التي زادها فيها على ما في كتاب ابن الصلاح، والنقاط التي لم يذكرها فيها مع وجودها في كتاب ابن الصلاح، ووجه إسقاطها، وكذلك بين فيه وجوه مخالفته أو موافقته لابن الصلاح، وقد مرت أمثلة ذلك في بحث الألفية، حيث اعتمدت على إشاراته، وتصريحاته في هذا الشرح بذلك.
ولا شك أنه لولا تصدي العراقي في شرحه لكل ذلك، لأوقع الشارحين.
_________________
(١) (معرفة علوم الحديث) له/ ٥٣ وما بعدها.
(٢) و«المقدمة» / ٢٢، ٣٣.
(٣) (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬٢٢ - ٢٥ و٥ قطر الدرر، للسيوطي ٢ أ، ب.
(٤) (فتح الباقي) / ٧ أ.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
والدارسين من بعده في خلافات كثيرة كما رأينا في المثال المتقدم، وربما استعصى أو صعب على غيره إيضاح هذه النقاط على وجهها، خاصة ما لم يضع هو له علامة مميزة، ولا تميز بذاته: من زياداته، وما أسقطه، ومخالفاته المنهجية لابن الصلاح أو غيره، ومن ذلك أيضًا إجابته عن بعض النقاط التي لم يستدركها في الألفية على ابن الصلاح، مثال ذلك: أن ابن الصلاح في باب (المؤتلف والمختلف) قال: «لا نعلم في الصحيحين البزار بالراء المهملة في آخره، إلا خلف بن هشام البزار، والحسن بن الصباح البزار» (^١) فاعترض عليه بعض العلماء بأن من شيوخ البخاري في صحيحه، يحيى بن محمد بن السكن البزار، وأنه روى فيه أيضًا استشهادًا، عن بشر بن ثابت البزار، ولكن العراقي لم يذكر هذين الشخصين في الألفية.
واكتفى بمن ذكرهما ابن الصلاح (^٢)، وذكرهما أيضًا في الشرح، ثم قال: «قال ابن الصلاح: لا نعلم في الصحيحين بالراء المهملة إلا هما، ثم عقب قائلا: قلت: ذكر الجياني في تقييد المهمل في هذه الترجمة: يحيى بن محمد بن السكن البزار من شيوخ البخاري، وبشر بن ثابت البزار، استشهد به البخاري، قلت، ولم يقع ذكرهما في البخاري منسوبين، أي ملقبين بالبزار؛ بل خاليين من النسبة، فلذلك لم أستدركهما في النظم على ابن الصلاح (^٣). وهكذا صرح في مواضع أخرى (^٤).
_________________
(١) «المقدمة» / ٤٠١.
(٢) «الألفية» / ٢٢٣.
(٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٠٨.
(٤) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٤ ص ١١٠، ١١١.
[ ٢ / ٨٧١ ]
٤ - الجوانب اللغوية في الشرح، وأهميتها، وتأثيرها:
يعتمد علم المصطلح الذي هو موضوع الألفية في تعريفاته وقواعده وألفاظه الاصطلاحية، على ضبط الكلمات المستعملة، ومعرفة مأخذها اللغوي، وتحديد مفهومها، وصلته بالمعنى الاصطلاحي (^١)، ثم إن العراقي قد ارتبط اصطلاحه في الألفية بقواعد النحو والصرف، حيث أورد كثيرا من الأفعال مسندة للضمير المفرد المستتر، أو الضمير المثنى الظاهر، قاصدًا بالأول ابن الصلاح، وبالثاني البخاري ومسلم، كما قدمنا، وبالإضافة لهذا فإن صياغة النظم جعلته يرتكب بعض الضرورات الشعرية، كما جعلت التركيب البلاغي والإعرابي لكثير من جمل الألفية تحتاج إلى بيان حتى يتضح المعنى المقصود منها، ولهذا عنى العراقي في شرحه بتلك الجوانب عموما، بالنسبة لألفاظ وعبارات الألفية، بل وبالنسبة للنصوص والنماذج التي اعتمد عليها في شرحها، لكنه بحسب منهج التوسط الذي سلكه لم يستوعب، بل تناول ما اختلف فيه، وما بدا له أن فيه غموضًا أو إشكالا، خاصة على المبتدئين، سواء من ناحية الضبط بالشكل أو الإعراب، أو بيان الاشتقاق أو المعنى اللغوي، والمقصود منه في الاستعمال، أو وجه الضرورة الشعرية، أو التركيب البلاغي، وتركزت عنايته على الألفاظ والعبارات المستعملة في اصطلاح علماء السنة، أو الواردة في متون الأحاديث، أو أسماء الرواة، والعلماء، وكناهم، ونسبهم، وألقابهم، ومواطنهم، وأبدى في ذلك جهدًا علميا واضحا، وآراء مفيدة.
_________________
(١) ينظر مثلا (فتح المغيث) للسخاوي ٣/ مبحث تعريف الصحابي/ ٨٦، ٨٧.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
وإليك بعض النماذج لذلك مع التحليل والمقارنة والنقد:
قال العراقي في الألفية: «ويكتب الساقط وهو اللحق …» (^١).
وقال في الشرح: «أهل الحديث والكتابة يسمون ما سقط من أصل الكتاب فألحق بالحاشية أو بين السطور: «اللحق»: بفتح اللام والحاء المهملة معا. وأما اشتقاقه: فيحتمل أنه من الإلحاق، قال الجوهري: واللحق بالتحريك شيء يلحق بالأول، قال: واللحق أيضا من الثمر الذي يأتي بعد الأول. وقال صاحب المحكم: اللحق كل شيء ألحق شيئا، أو ألحق به، من الحيوان والنبات، وحمل النخل، وأنشد: ولحق يلحق من أعرابها».
ثم أضاف احتمالا آخر مع التدليل اللغوي عليه، فقال: «ويحتمل أنه من الزيادة يدل عليه كلام صاحب المحكم، فإنه قال: «واللحق الشيء الزائد»» قال ابن عيينة:
«… … … … … … كأنه بين أسطر لحق»
ثم بين وجها آخر في ضبطه غير الذي ذكره أولا، فقال: وقد وقع في شعر نسب لأحمد بن حنبل، بإسكان الحاء، أنشده الشريف أبو علي محمد بن أحمد بن أبي حوس الهاشمي، لأحمد بن محمد بن حنبل، وذكر أربعة أبيات عن طالب الحديث ثالثها قوله:
«يضجره الضرب في دفاتره … وكثرة اللحق في حواشيها»
ثم عقب على ذلك بقوله: «وكأنه خفف حركة الحاء لضرورة
_________________
(١) والألفية» / ٢٠٣.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
الشعر (^١) وهذا يعد ترجيحًا منه لضبطه الأول، بفتح الحاء، وعندما نرجع إلى قريني العراقي وهما: البلقيني وابن الملقن، نجدهما لا يعلقان على هذه الكلمة الاصطلاحية بشيء (^٢).
أما من بعده فقد تبعوه على ما قرره فيها لغة واصطلاحا، سواء في شرحهم لألفيته أو في غيرها (^٣).
ومن ذلك أيضًا أنه قال في الألفية:
ماتستفيد عاليًا ونازلًا … لكثرة الشيوخ صيتًا عاطِلًا
ومن يقل إذا كتبت قمشَن ثم إذا رويته ففتِشَن
فليس من ذا … … (^٤).
وقال في الشرح: «ولتكن همة الطالب تحصيل الفائدة، سواء وقعت له بعلو أو ينزل، ولا يأنف أن يكتب عمن هو دونه ما يستفيده …، وليحذر الطالب أن تكون همته بكثرة الشيوخ لمجرد اسم الكثرة وصيتها» ثم قال: «قال ابن الصلاح: وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي: إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش» وأوضح اللفظ بقوله: «والتقميش، والقمش أيضًا، جمع الشيء من ها هنا وها هنا» ثم قال: «ولم يبين ابن الصلاح ما المراد بذلك؟،
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/¬٢٩ - ٣٠.
(٢) «المقنع» لابن الملقن/ ٧٨ و«محاسن الاصطلاح» للبلقيني/ ٦٦ وما بعدها.
(٣) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ٢/ ١٧٢ و«قطر الدرر» للسيوطي/ ٢٥ أ، وكذا و«تدريب الراوي» له/ ٢٩٦ و«النكت الوفية» للبلقاعي/ ٢٨٨ ب.
(٤) «الألفية» / ٢١١.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
وتصدى هو لبيانه فقال: «وكأنه أراد: اكتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخر ذلك حتى تنظر فيمن حدَّثك أهو أهل أن يؤخذ عنه أم لا، فربما فات ذلك بموت الشيخ أو سفره أو سفرك، فإذا كان وقت الرواية عنه أو وقت العمل بذلك، ففتشن حينئذ، وقد ترجم عليه الخطيب «باب من قال يكتب عن كل أحد» ثم وجه توجيها آخر فقال: «ويحتمل أن مراد أبي حاتم: استيعاب الكتاب المسموع، وترك انتخابه، أو استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمل، ويكون النظر فيه حال الرواية» (^١).
وهكذا أوضح العراقي المعنى اللغوي لكلمة «قمش» والمعنى العام الذي يمكن أن تحمل عليه العبارة عموما عند المحدثين في ضوء ذلك، مستعينا بالأدلة المساعدة على ذلك من اللغة، واستعمال المحدثين، بينما اكتفى سابقه وهو ابن الصلاح بترديد العبارة كما قالها ابن أبي حاتم، وكذا مر عليها في كلام ابن الصلاح، كل من: ابن الملقن والبلقيني، بلا تعليق (^٢).
وقد أقر العراقي على ما ذكر، من بعده، وتناقلوه عنه في شرحهم لألفيته وغيرها (^٣).
ومما يتعلق بمتون الأحاديث قوله في «غريب ألفاظ الحديث» ولا ينبغي أن يقلد من الكتب المصنفة في الغريب إلا ما كان مصنفوها أئمة جلة، في هذا الشأن، فمن لم يكن من أهله تصرف فيه فأخطأ»، ثم بين خبرته وممارسته.
_________________
(١) فتح المغيث للعراقي ٣/ ٩٠
(٢) والمقنع، ٩٨ و٥ محاسن الاصطلاح ٥/ ٨٣ أ وما بعدها.
(٣) و«فتح المغيث» للسخاوي ج ٢/ ٣٢٨ و٥ «قطر الدرر» / ٣١ أ وهـ التدريب، كلاهما «للسيوطي» / ٣٥٠ و٥ «فتح الباقي» للأنصاري ١٥٠ أ، ب.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
العملية في هذا، فقال: «وقد كان بعض العجم يقرأ علي من مدة سنين في «المصابيح» للبغوي، فقرأ حديث «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها، وإذا سافرتم في الجدب فبادروا بها نقيها»، فقرأها: نقبها، بفتح النون وبالباء الموحدة بعد القاف، فقلت له: إنما هي «نقيها» بالكسر والياء آخر الحروف، فقال: هكذا ضبطه بعض الشراح في طرة الكتاب (أي هامشه)، فأخذت منه الكتاب وإذا على الحاشية كما ذكر، وقال: النقب: الطريق الضيق بين جبلين، فقلت: هذا خطأ وتصحيف فاحش، وإنما هي النقي، أي المخ الذي في العظم، ومنه قوله في حديث (أم زرع): «لا سمين فينتقى»، وفي حديث الأضحية «العجفاء التي لا تنقى»، وهكذا نبه العراقي على الخطأ والتصحيف الفاحش، اللدين وقع فيهما غيره من شراح الحديث، ثم بين لتلميذه ضبط اللفظة ومعناها على الصواب، مؤيدا له بأحاديث أخرى، ثم عقب على ذلك بقوله: فليحذر طالب العلم ضبط ذلك، (أي الغريب) من الحواشي، إلا إذا كانت بخط من يعرف خطه من الأئمة» (^١).
ومع أنه حدد منهجه في الشرح بالتوسط، فإن هناك بعض مباحث لغوية توسع فيها أزيد مما يقتضيه هذا المنهج، وما يقتضيه المقام أيضا، مثل «الوجادة»، فقد قال في الألفية:
«ثم الوجادة وتلك مصدر … وجدته مولدا ليظهر
تغاير المعنى … » (^٢)
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/¬١٠، ١١.
(٢) «الألفية» / ٢٠١.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
ثم قال في الشرح: القسم الثامن من «أقسام أخذ الحديث ونقله» الوجادة - بكسر الواو، وهي مصدر مولد، لوجد يجد، قال المعافي بن زكريا النهرواني: إن المولدين فرعوا قولهم: «وجادة» فيما أخذ من العلم من صحيفة، من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة، من تفريق العرب بين مصادر «وجد» للتمييز بين المعاني المختلفة، قال ابن الصلاح: يعني قولهم: وجد ضالته وجدانا، ومطلوبه وجودًا، وفي الغضب موجدة، وفي الغني وجدًا، وفي الحب وجدًا، ثم أردف على كلام ابن الصلاح قائلًا: قلت: ولوجد مصدران آخران لم يذكرهما، وهما: جدة في الغضب وفي الغني، واجدان بكسر الهمزة، في الضالة وفي المطلوب، حكاهما ابن الأعرابي، قال ابن سيدة: «وهذا على بدل الهمزة من الواو»، ثم قال: «وليس معنى من المعاني التي ذكرها مقتصرا على مصدر واحد إلا في الحب، فإن مصدره: وجد بالفتح لا غير، كما قال ابن سيدة، وكذلك هو مصدر وجد بمعنى حزن»، قاله الجوهري وغيره.
ثم قال: «وأما في المطلوب فله مصدران وذكرهما …» ثم قال: «وأما بمعنى الغضب فله مصادر» وذكر أربعة.
ثم قال: «أما بمعنى الغني فله أيضًا مصادر أربعة»، وذكرهم، ثم أضاف أنه قرى بثلاثة منهم في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] (^١).
ويلاحظ أن المقام كان يكفي في توضيحه ما نقله عن ابن الصلاح فقط،
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬١٤، ١٥.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
وأما ما أضافه بعد ذلك من بيان المصادر العديدة للفعل، ومعانيها، وما يقصد ببعضها من القراءات، فذلك وإن دل على وفرة محصول العراقي من اللغة، إلا أنه استطراد زائد عن المطلوب، ولهذا فإن غيره ممن علق على كتاب ابن الصلاح، أو شرح الألفية، اكتفى بما ذكره ابن الصلاح فقط، وهو الأليق (^١)، لأن مباحث اللغة هنا وسيلة للإيضاح، وليست غاية، حتى يتوسع فيها كما رأينا، وإن كان فعله لذلك نادرًا.
وأما اهتمامه بضبط الأعلام من أسماء، وكنى، وألقاب، ونسب، فيرجع إلى أن ضبطها لا يدرك بالقياس، ولا يستدل عليه بسابق ولا لاحق، وإنما الاعتماد فيه على النقل (^٢)، وقد تركز اهتمام العراقي على الأنواع المتعلقة بعلم الرجال، مثل: أفراد العلم، والأسماء، والكنى، واهتم أكثر بما يتوقف التمييز فيه بين الأشخاص على ضبط أسمائهم، أو كناهم، ونحوها، وذلك كالمؤتلف والمختلف، والمتفق والمفترق، والمتشابه (^٣).
ومن أمثلة ضبطه للاسم واللقب: أن ابن الصلاح ذكر في «المؤتلف والمختلف»: حبّان - بكسر الحاء - بن العرقة، دون تعرضه للتعليق على العرقة (^٤)، وكذا ابن الملقن من بعده (^٥)، أما البلقيني فنقل عن الواقدي أن العرقة
_________________
(١) انظر «محاسن الاصطلاح» للبلقيني ٥٩ أ، ب و«المقنع» لابن الملقن/ ٧٣، و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ١٣٥ و«قطر الدرر» للسيوطي/ ٢٣ ب.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/ ٢١٣.
(٣) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ٧٧ - ١٢٦.
(٤) «المقدمة» ص ٣٩٤.
(٥) «المقنع» ١٥٦.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
بفتح الراء -، وأن أهل مكة يقولون كذلك، ونقل عن ابن الكلبي أنها العرقة بنت سعيد بن سهم (^١).
وأما العراقي في شرحه للألفية فقال: «واختلف في ضبط هذا الحرف» فالمشهور أنه بعين مفتوحة ثم راء مكسورة بعدها قاف، وحكى ابن ماكولا عن الواقدي: أنه بفتح الراء، والأول أشهر. ثم قال: وقيل لها ذلك لطيب رائحتها، واسمها فيما قال ابن الكلبي: قلابة - أي بكسر القاف - بنت سعيد - أي بضم السين - ابن سهم، وتكنى أم فاطمة (^٢).
ويتضح من المقارنة: أن العراقي أوفى بيانا من ابن الملقن الذي اكتفى بذكر ضبط حرف واحد منها، وهو الراء، وذكر ضبطه بالفتح، وسكت عليه، مع أنه غير الأشهر، بينما ضبط العراقي حروف الكلمة الثلاثة، وبين أن الأشهر في ضبط رائها هو الكسر، لا الفتح الذي أقره البلقيني، وبين العراقي أيضا أن العرقة هي أم حبان المذكورة، ثم بين أن هذا لقب لها، ووضح سبب تلقيبها به، ثم بين اسمها، ونسبها، مع ضبط الحرف المشكل من اسمها واسم أبيها، ولم يذكر البلقيني من ذلك غير اسم أبيها وجدها، كما مر، وقد تبع العراقي على ما ذكر من بعده، سواء في شرح ألفيته (^٣) أو في غيرها (^٤).
ومن ضبطه للكنى: أن ابن الصلاح ذكر أن من الرواة من انفرد بكنية
_________________
(١) «محاسن الاصطلاح مع مقدمة ابن الصلاح» ٥/ ٥٤٢.
(٢) : فتح المغيث، للعراقي ج ٤/ ٩٩، ١٠٠.
(٣) : فتح المغيث، للسخاوي ج ٣/ ٢٣٤.
(٤) : تدريب الراوي ٥/ ٤٧٣.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
«أبو معيد» واكتفى في ضبطه بقوله: «إنه مصغر مخفف الياء» (^١) ومشى على ذلك البلقيني (^٢)، وابن الملقن (^٣)، أما العراقي فذكر في الألفية «أبو معيد» هذا (^٤). ثم قال في ضبطه في الشرح: أبو معيد- بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحت وآخره دال مهملة (^٥). ولا شك أن هذا الضبط أدق وأكمل من ضبط ابن الصلاح السابق.
ومن ضبطه للنسبة وتمييزها: أن ابن الصلاح ذكر من المؤتلف والمختلف في النسبة: «السلمي» فقال: «السلمي» إذا جاء في الأنصار، فهو بفتح السين نسبة إلى بني سلمة منهم، ومنهم جابر بن عبد الله، وأبو قتادة، ثم إن أهل العربية يفتحون اللام منه في النسبة، كما في النمري والصدفي وبابهما، وأكثر أهل الحديث يقولونه بكسر اللام على الأصل، وهو لحن والله أعلم (^٦).
وقد نظم العراقي ذلك في الألفية (^٧)، وقال في شرحه: «إن السلمي إذا جاء في الأنصار، بفتح السين واللام أيضا، كجابر بن عبد الله، وأبي قتادة وغيرهم، نسبة إلي بني سلمة - بفتح السين وكسر اللام - وفتحت في النسب كالنمري والصدفي وبابهما، قال السمعاني: وهذه النسبة عند النحويين، قال: وأصحاب الحديث يقولونه بكسر اللام على الأصل، وهو لحن، ثم
_________________
(١) «المقدمة» / ٣٦٦
(٢) «محاسن الاصطلاح» / ١٢٤ أ.
(٣) «المقنع» / ١٤٢
(٤) «الألفية» / ٢٢٠
(٥) «فتح المغيث» جـ ٤/ ٧٨
(٦) «المقدمة»: ٤٠٥
(٧) «الألفية»: ٢٢١
[ ٢ / ٨٨٠ ]
عقب عليه بقوله: واقتصر ابن باطيش في (مشتبه النسبة) على كسر اللام، وجعل المفتوح اللام نسبة إلى (سلمية) من عمل حماة، ثم بين ما يشتبه بهذه النسبة أيضًا فقال: وتشتبه هذه النسبة بالسلمي بضم السين وفتح اللام نسبة إلى بني سليمة، كعباس بن مرداس، وبالسلمي بالفتح وسكون اللام، نسبة إلى بعض أجداد المنتسب» (^١).
وبمقارنة هذا بكلام ابن الصلاح المتقدم عن هذه النسبة، نجد أن العراقي زاد ضبط حرف اللام بالفتح، وضبط اسم القبيلة المنسوب إليها، وهي: بني سلمة، ثم بين أن ما قرره ابن الصلاح من كون ضبط أهل الحديث للسلمي بكسر اللام لحن ليس كذلك، حيث قرره من علماء الأنساب: ابن باطيش في كتابه في مشتبه النسبة، وجعل ما هو بفتح اللام، نسبة إلى بلد تابعة لحلب لا لبني سلمة من الأنصار، وبين ما يشتبه بهذه النسبة وميزه.
أما النووي ومن بعده ابن الملقن، فلم يزيدا على القول بأن الكسر ليس لحنا بل يجوز في لغة قليلة، وأنه جاء السلمي بضم السين في النسبة إلى بني سليم (^٢). وبهذا كان ما ذكره العراقي أكمل وأوفى، واستفاد منه السخاوي في شرحه للألفية (^٣).
لكن لا يفوتني هنا أن أقرر: أن العراقي يضبط بعض الحروف على طريقة الأقدمين، تبعا لابن الصلاح فيقول مثلا: «البزار» آخره راء مهملة (^٤).
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٩٣.
(٢) «التقريب للنووي بهامش التشريب» / ٤٧٨ و«المقنع» / ١٥٨.
(٣) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٢٧.
(٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٠٨ و«مقدمة ابن الصلاح» / ٤١٠.
[ ٢ / ٨٨١ ]
والحزامي، بالزاي غير المهملة (^١)، فتقييده للراء بالمهملة، وللزاي بغير المهملة لا حاجة إليه، حيث لا توجد راء معجمة، ولا زاي مهملة، ولهذا انتقده في ذلك تلميذه سبط ابن العجمي (^٢). وأنا أقره على ذلك، ولكني أقرر: أن العراقي لم يلتزم هذا باطراد، بل فعله قليلا، كما في المثال الأول من المثالين السابقين، ونقله عن ابن الصلاح أحيانا وأقره، كالمثال الثاني.
وأما اهتمامه بإعراب المشكل، أو المختلف فيه، من الألفية فمن أمثلته: أنه قال في نوع الحديث المرسل:
«لكن إذا صح لنا مخرجه … بمسند أو مرسل يخرجه
من ليس يروي عن رجال الأول … نقبله. . . . . . .» (^٣).
وقال في الشرح: وقوله: «نقبله» هو مجزوم، جواب الشرط - يعني: «إذا» التي في البيت الأول، وذلك على مذهب الكوفيين والأخفش، ثم استشهد لذلك بقول الشاعر:
وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها … وإذا تصبك خصاصة فتحمل (^٤)
وقد أقر الأنصاري في شرحه للألفية العراقي على هذا (^٥)، أما البقاعي فقال في حاشيته على الشرح: ولو جعل الشيخ العراقي «متى» موضع «إذا» يعني
_________________
(١) «فتح المغيث»، للعراقي جـ ٤/ ١١١.
(٢) انظر النسخة الخطية من «شرح العراقي» رقم (١٣٩) مصطلح تيمور/ هامش صـ ٤٠٦، ٤٠٧.
(٣) «الألفية»» / ١٧٦.
(٤) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/ ٧١.
(٥) «فتح الباقي» / ٢٥/ أ.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
في النظم»، لكان جاريًا على الكثير الفاشي، ولم يحتج إلى أن يُخَرِّجَهُ على مذهب الكوفيين، أو كان يَبْقي (إذا) ويسقط الهاء ويقول: يقبل مرفوعًا (^١).
ونقل السخاوي نحو ذلك عن شيخه ابن حجر وأقره (^٢)، وقال العراقي أيضًا في الألفية:
ومعظم الكوفة والحجاز … مع البخاري إلى الجواز
وابن جريح وكذا الأوزاعي … . . . . . . . . . . . (^٣)
والذي يتبادر إلى الذهن أن قوله: (وابن جريح) معطوف على ما قبله، ولكن المعنى المطلوب لا يستقيم على ذلك، ولهذا فإن العراقي يقول في إعرابه: وقولي: «وابن جريح» مبتدأ، وليس بمعطوف (^٤)، ولم يتعرض كل من السخاوي والسيوطي والأنصاري في شرحهم لإعراب تلك الكلمة مع إشكالها كما ترى (^٥).
وقد أخطأ العراقي في نسبة إعراب بعض الكلمات المختلف فيها بين النحويين إلى مصدره، فقد قال في الألفية عن استعمال بعض المتأخرين لفظ «عن» في الإجازة، وفي السماع المشكوك فيه:
_________________
(١) «النكت الوفية»، ١١٧ أ، ب.
(٢) «فتح المغيث»، للسخاوي جـ ١/ ١٣٨.
(٣) (الألفية) / ١٩٢.
(٤) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٢/ ٥٢.
(٥) انظر (فتح المغيث) للسخاوي جـ ٢/¬٣٠، و(قطر الدرر) للسيوطي/ ١٨ ب، و«فتح الباقي» للأنصاري/ ٧٥ أ.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
« … وحرف «عن» بينهم فمشترك» (^١).
وقال في الشرح «وقولي: فمشترك» دخلت الفاء في الخبر، على رأي الكسائي (^٢).
فاستدرك عليه الأنصاري في شرحه: فقال: «إن ذلك رأي الأخفش، لا الكسائي، كما وقع للناظم» (^٣). ونحو ذلك قال السخاوي (^٤).
أما السيوطي فقال في شرحه: «قال المصنف: والفاء مزيدة في الخبر، على رأي الكسائي».
وعقب قائلًا: «قلت: ولو قال بدله: «قد اشترك» لسلم من ذلك» (^٥)، ونحوه ذكر البقاعي في نكته على شرح العراقي (^٦).
وهذا يفيد أنهما يقران العراقي على ما خطأه فيه السخاوي والأنصاري من نسبة الرأي للأخفش، ولعلهما لم ينتبها لذلك.
ومن المسائل النحوية المتعلقة باصطلاح المحدثين: ما اختلف فيه العراقي مع بعض معاصريه من علماء العربية، ورد عليه في هذا الشرح، وذلك أن العراقي قرر كابن الصلاح وغيره، اصطلاح المحدثين على حذف كلمة «قال» الواقعة فيما بين رجال إسناد الحديث، سواء تكررت كقوله البخاري: ثنا صالح بن
_________________
(١) والألفية» / ١٩٩.
(٢) (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬٩.
(٣) (فتح الباقي) / ٨٠ أ.
(٤) (فتح المغيث) له ج ٢/ ١٢٠.
(٥) (قطر الدرر) / ٢٢ ب.
(٦) «النكت الوفية»، ٢٦٤ ب.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
حبان قال: قال عامر الشعبي … إلخ، أم لا، وذلك في الكتابة فقط، مع اشتراط النطق بها عند قراءة الحديث» ثم قال: «وقد كان بعض من لقيته من أئمة العربية ينكر اشتراط المحدثين للتلفظ بـ «قال»، في أثناء السند، وهو العلامة شهاب الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز بن المرحل، وما أدري وجه إنكاره لذلك؟ لأن الأصل الفصل بين كلامي المتكلمين، للتمييز بينهما، وحيث لم يفصل فهو مضمر، والإضمار خلاف الأصل» (^١).
ولكن الحافظ ابن حجر رجح رأي ابن المرحل، فذكر أن وجه إنكاره معروف، وبين ذلك بما خلاصته: أنه يوجد أيضًا بين رجال السند «حدثنا» فلان ونحوها، وهي بمنزلة «قال لنا» وبمعناها، فيصير النطق بها تكريرا بلا موجب (^٢)، وقد تبعه على هذا السيوطي (^٣) والسخاوي (^٤)؛ لكن البقاعي قدح في هذا قدحًا وجيها، وهو أن «قال» موضوعة في اللغة لتحكى بها الجمل، بخلاف «حدث»، فلابد لها من آلة تهيئوها لحكاية الجملة (^٥)، وعليه فلا يكون التلفظ بها مع «حدثنا» أو «أخبرنا» تكريرًا، بل ينبغي فعله، كما قرره العراقي وكذا قرره البلقيني (^٦)، وابن الملقن (^٧).
وأما اهتمام العراقي بمباحث البلاغة وقواعد النظم المتعلقة بعبارات الألفية
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬٤٠.
(٢) و«النكت الوفية» / ٢٩٦ أ، ب.
(٣) والتدريب» / ٣٢٤
(٤) و«فتح المغيث» له ج ٢/ ١٩١.
(٥) والنكت الوفية» / ٢٩٦ ب.
(٦) و«محاسن الاصطلاح» ٨٧ أ، ب.
(٧) و«المقنع» / ٨٩، ٩٠.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وأسلوبها، فمن أمثلته: أنه قال في الألفية عن عدد الصحابة:
والعد لا يحصرهم فقد ظهر … سبعون ألفًا بتبوك وحضر
الحج أربعون ألفًا وقبض … عن ذين مع أربع آلاف تنض (^١).
وقال في الشرح: «وقولي (تنِضُّ) بكسر النون وتشديد الضاد، أي تيسر يقال خذ ما نض لك من دين، أي تيسر، حكاه الجوهري» ثم قال: «والنض والناض، وإن كان إنما يطلق على الدنانير والدراهم، فقد استعير للصحابة، لرواجهم في النقد وسلامتهم من الزيف بعدالة كلهم».
وانتقل لقواعد النظم فقال: «وأسقطت الهاء من «أربع» لضرورة الشعر، وإن كان «الألف» مذكرًا» (^٢) وقد نقل الأنصاري في شرحه للألفية ما ذكره العراقي وأقره (^٣)، أما السخاوي، فذكر أن في «تنِضُّ» تشبيهًا بنِضِّ الدراهم (^٤) وهذا تقصير في البيان، لأن التشبيه هو المرحلة الأولى فقط من الاستعارة كما هو مقرر عند البلاغيين، والتعبير به لا يكفي في الدلالة عليها.
ومن أمثلة بيان العراقي لبلاغة الأسلوب: أنه قال في الألفية في «رواية الأبناء عن الآباء»:
«والثاني أن يزيد فيه بعده … كبهز أو عمرو أبا أو جده» (^٥).
وقال في الشرح: «وفي البيت المذكور: لف ونشر، وتقديم وتأخير، تقديره:
_________________
(١) «الألفية» / ٢١٦.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٣٩، ٤٠.
(٣) «فتح الباقي» / ١٧٢ ب، ١٧٣ أ.
(٤) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١١١.
(٥) «الألفية» ٢١٩.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
والثاني أن يزيد بعد الأب أبا، كبهز بن حكيم، أو جدا كعمرو بن شعيب (^١). ومن بيانه أيضًا لقواعد النظم أنه قال في نوع «الأخوة والأخوات من الرواة»:
وأفردوا الأخوة بالتصنيف … فذو ثلاثة بنو حنيف (^٢)
وذكر في الشرح أن قوله: «بنو حنيف» مصغر، وعليه تكون نونه مفتوحة بينما نون «التصنيف» الواقعة في القافية المقابلة مكسورة، فأجاب العراقي عن ذلك بقوله: «ولا يضر عند أهل العلم بالقوافي فتح نونه، في مقابلة كسر نون التصنيف»، وأيد ذلك بقول حسان بن ثابت:
صلى الإله على الذين تبايعوا … يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا
فلم تتفق القافيتان في الحركات كما ترى، ويفهم من قوله: «ولا يضر عند أهل العلم بالقوافي»، ومن تأييد كلامه بشاهد الشعر، أنه كان يؤلف منظوماته مثل هذه الألفية وما سيأتي غيرها، عن دراية جيدة بعلمي العروض والقوافي كما قدمنا في جوانب شخصية، كما أن تناوله للجوانب اللغوية عموما على النحو المتقدم، يدل على إلمام جيد بفروعها المختلفة، والاستعانة بها في تخصصه، بالإضافة لما سيأتي في بحث باقي عناصر منهجه ومؤلفاته.
٥ - بيان العراقي للضوابط والتعريفات الاصطلاحية، وآراؤه في ذلك وآثارها:
يختص علم المصطلح، ببيان القواعد العامة الضابطة للمسائل الجزئية من علوم السنة، وبالتعريفات المحددة والمميزة لماهية أنواع السنة، ولهذا اهتم
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٦٨.
(٢) «الألفية» / ٢١٨.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
العراقي في شرحه للألفية ببيان ما تضمنته من ذلك، أو رأى هو إضافته، مع ذكر الأمثلة التطبيقية الموضحة، وتركزت عنايته أكثر على المختلف فيه بين العلماء، أو ما لم يتناوله كثيرون غيره، فظهر في ذلك جهده وآراؤه، واستفاد منه من بعده، وإليك بعض النماذج لذلك:
قال العراقي في الألفية، في مبحث (الحديث المرسل):
(مرفوع تابع على المشهور … مرسل أو قيده بالكبير
أو سقط راو منه، ذو أقوال … والأول الأكثر في استعمال) (^١).
وقال في الشرح: (اختلف في حد الحديث المرسل:
فالمشهور: أنه ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ، سواء كان من كبار التابعين، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، وأمثالهم، أو من صغار التابعين، كالزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأشباههم).
والقول الثاني: أنه ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي ﷺ، وهذا معنى قوله: أو قيده بالكبير، أي بالكبير من التابعين، فهذه الصورة لا خلاف فيها، كما قال ابن الصلاح، أما مراسيل صغار التابعين، فإنها لا تسمى مرسلة على هذا القول، بل هي منقطعة، هكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم من أهل الحديث؛ لأن أكثر رواياتهم عن التابعين، ولم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والإثنين.
والقول الثالث: أنه ما سقط راو من إسناده فأكثر، من أي موضع كان، فعلى هذا، المرسل والمنقطع واحد، قال ابن الصلاح: (والمعروف في الفقه:
_________________
(١) (الألفية) ١٧٦.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
أن ذلك يسمى مُرسَلًا، وبه قطع الخطيب، قال الخطيب: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال، ما رواه التابعي عن النبي ﷺ وقطع الحاكم وغيره من أهل الحديث: أن الإرسال مخصوص بالتابعين).
ويلاحظ أن هذه الأقوال الثلاثة، هي التي ذكرها العراقي في النظم، واعتمد في بيانها في الشرح على ما ذكره ابن الصلاح في المقدمة (^١)، مع تصرف من جانبه، وتنسيق في السياق، وبعض إضافات مستمدة من مصدر آخر.
ثم زاد قولًا رابعًا فقال: «وسيجيء في فصل التدليس أن ابن القطان قال: «إن الإرسال روايته، أي الراوي، عن من لم يسمع منه، فعلى هذا من روى عمن سمع منه، ما لم يسمعه منه، بل بينه وبينه فيه واسطة ليس بإرسال، بل تدليس، وعقب بقوله: وعلى هذا فيكون هذا قولًا رابعا في حد المرسل»» (^٢). وقد أقره على ذلك السيوطي في «التدريب» (^٣).
ولكن عارض البقاعي في عد هذا قولًا رابعًا في حد المرسل، فقال: «قوله: وعلى هذا فيكون قولا رابعًا، ليس كذلك، بل التحقيق أنه مُقَيِّدٌ للقول الثالث، كأنهم لما قالوا: ما سقط من إسناده راو فأكثر، قال: بشرط أن لا يكون تدليسًا، بأن لا يكون للراوي سماع ممّن فوقه، فيحمل ذلك الإطلاق على كلامه»، وأتبع ذلك بقوله: (وإنما القول الرابع الذي لابد منه، قول من يسوي بين المرسل والمنقطع فيقول: المرسل: ما سقط من إسناده راو واحد،
_________________
(١) ص ٧٠، ٧٢ مع «التقييد والإيضاح».
(٢) (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ٦٨، ٦٩.
(٣) ص ١١٩.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
وهذا موجود في استعمال أهل الحديث ..) (^١)، وأقره على ذلك الأنصاري أيضًا في شرحه للألفية واستوجهه (^٢)، ويشير إليه أيضًا كلام السخاوي في شرحه للألفية (^٣).
لكن هذه معارضة منهم في التقسيم الشكلي، دون قدح في الضابط العلمي الذي قرره العراقي، ولكل وجهته في التقسيم.
ومن القواعد التي قررها العراقي أيضًا في شرحه لما هو مُخْتَلَفٌ لضبط المختلف فيه، مع تطبيقها: أنه ذكر في الألفية مجمل ما ذكره ابن الصلاح في حكم الاتصال والإرسال في الإسناد المعنعن، وهو ما فيه «فلان عن فلان»، والمؤنن، وهو ما فيه «أن فلانًا قال» وعقب قائلا:
قلت:
والصواب أن من أدرك ما … رواه بالشرط الذي تقدما
يحكم له بالوصل كيفما روى … بقال، أو بعن، أو بأن، فسوا (^٤)
وفي الشرح فصل آراء العلماء في حكم الإسناد المعنعن والمؤنن، من حيث الاتصال والإرسال، وعقب على ذلك بقوله: «ثم بينت ذلك بقاعدة يعرف بها المتصل من المرسل، وتقرير هذه القاعدة: أن الراوي إذا روى حديثا فيه قصة أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه، بأن حكى قصة وقعت بين النبي ﷺ وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك صحابي أدرك تلك الواقعة، فهي
_________________
(١) «النكت الوفية» / ١١٥ أ، ب.
(٢) «فتح الباقي» ٢٤ ب.
(٣) «فتح المغيث» له ج ١/ ١٣٠.
(٤) «الألفية» / ١٧٧.
[ ٢ / ٨٩٠ ]
محكوم لها بالاتصال، وإن لم يُعْلَم أنه شاهدها، وإن لم يدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي تابعيًا فهو منقطع، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلًا، وإن لم يدرك وقوعها وأسندها إلى الصحابي كانت متصلة، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فهي منقطعة، كرواية ابن الحنفية الثانية عن عمار (^١)، ولابد من اعتبار السلامة من التدليس في التابعين ومن بعدهم، ثم أيد تلك القاعدة وبين مثالًا تطبيقيًا آخر لها فقال: «وقد حكى أبو عبد الله بن المواق، اتفاق أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك في كتابه (بغية النقاد) عند ذكر حديث عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة قُطِعَ أنفه يوم الكلاب، والحديث» فقال: الحديث عند أبي داؤد مرسل، وقد نبه ابن السكن على إرساله فقال: فذكر الحديث مرسلا، قال ابن المواق: وهو أمر بين، لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروى كذلك، إذا علم أن الراوي لم يدرك زمان القصة، كما في هذا الحديث» (^٢).
وقد أقر العراقي على تلك القاعدة التي قررها وطبقها، العلماء من بعده سواء في شرحهم لألفيته أو غيره، كالسخاوي (^٣) والأنصاري (^٤) والبقاعي (^٥) ونقله عنه
_________________
(١) يقصد رواية سعد بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية أن عمارًا مر بالنبي ﷺ وهو يصلي (ج ١/ ٧٩ من الشرح).
(٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٧٩، ٨٠.
(٣) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ١٦١، ١٦٢
(٤) «فتح الباقي» / ٢٧ ب، ٢٨ أ.
(٥) «النكت الوفية» / ١٣٢ أ - ١٣٣ أ.
[ ٢ / ٨٩١ ]
السيوطي في «التدريب» وأقره (^١).
ومن التعريفات التي ناقش الخلاف فيها وحرر عباراتها لتسلم من الاعتراض، مع الشرح، والتمثيل، وبيان المحترزات: «تعريف الصحابي» فقد قال في الألفية:
«رائي النبي مسلما ذو صحبة … وقيل إن طالت ولم يثبت (^٢)»
وقال في الشرح: «وقد اختلف في حد الصحابي من هو؟ على أقوال: إحداها: وهو المشهور بين أهل الحديث: أنه من رأى النبي ﷺ في حال إسلامه، هكذا أطلقه كثير من أهل الحديث، ومرادهم بذلك، مع زوال المانع من الرؤية كالعمى، وإلا فمن صحبه ﷺ، ولم يره لعارض بنظره، كابن أم مكتوم ونحوه، معدود في الصحابة بلا خلاف، قال أحمد بن حنبل: «من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه»، وقال البخاري في صحيحه: «من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه».
ثم انتقد تعريف البخاري بكونه غير جامع فقال: «وفي دخول الأعمى الذي جاء إلى النبي ﷺ ولم يصحبه ولم يجالسه، في عبارة البخاري نظر».
ثم بين وجه تعبيره في الألفية، فقال: «ولو قيل في النظم: لاقي النبي» يعني بدل «رائي النبي» كان أولى، ولكن تبعت فيه عبارة ابن الصلاح».
وأتبع ذلك بقوله:
والعبارة السالمة من الاعتراض أن يقال: «الصحابي من لقي النبي ﷺ:
_________________
(١) «التدريب» / ١٣٥.
(٢) «الألفية» / ٢١٥.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
مسلمًا، ثم مات على الإسلام، ليخرج من ارتد ومات كافرًا، كابن خطل وربيعة بن أمية، ومقيس بن صبابة، ونحوهم ..» ثم قال: «والمراد برؤية النبي ﷺ، رؤيته في حال حياته، وإلا فلو رآه بعد موته قبل الدفن أو بعده فليس بصحابي على المشهور».
ثم قال: «واحترزت بقولي: (مسلمًا) عما لو رآه وهو كافر ثم أسلم بعد وفاته ﷺ، فإنه ليس بصحابي على المشهور، كرسول قيصر، وقد أخرجه أحمد في المسند» (^١).
وهكذا صاغ بخبرته وفهمه، تعريف الصحابي، صياغة فنية جامعة، وسالمة من الاعتراض، لتعبيره باللقاء بدلًا من الرؤية التي عبر بها المتقدمون، وتابعهم عليها المتأخرون حتى عصره، كما أضاف من القيود المانعة، ما لم يذكروه (^٢) فأصبح تعريفه محررًا، وأجمع، وأمنع من غيره، وأقر العلماء بعده بحسنه وأولويته، وتداولوه عنه في شرحهم لألفيته، وفي غيرها، حتى الآن (^٣).
نقد بعض التعريفات والضوابط التي ذكرها العراقي:
وقد تبين لي أن العراقي لم يوفق في بعض التعريفات والضوابط التي أوردها في هذا الشرح.
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/¬٢٩، ٣٠.
(٢) انظر: (التقريب للنووي مع التدريب) / ٣٩٦، و(اختصار علوم الحديث) لابن كثير/ ١٧٩ و(المقنع) لابن الملقن/ ١١٣، ١١٤، و(محاسن الاصطلاح) للبلقيني/ ٩٨ ب.
(٣) انظر: (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/ ٨٧، و(قطر الدرر) للسيوطي/ ٣٥ أ، و(فتح الباقي) للأنصاري/ ١٦٩ أ، و(ألفية السيوطي مع شرح الترمسي) / ٢٨٨ و(تدريب الراوي) / ٣٩٦ والإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر الفصل الأول في تعريف الصحابي ١/¬٦ بتحقيق البجاوي.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
فمن ذلك: أنه عرف المستخرج - بفتح الراء - بقوله: أن يأتي المصنف إلى كتاب البخاري أو مسلم، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق البخاري أو مسلم، فيجتمع إسناد المصنف مع إسناد البخاري أو مسلم في شيخه، أو من فوقه، كالمستخرج على صحيح البخاري لأبي بكر الإسماعيلي …، وكالمستخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة (^١).
وبهذا قصر التعريف وأمثلته التطبيقية كما ترى على المستخرجات على الصحيحين، مع أن هناك مستخرجات على غير الصحيحين، كالمستخرج على سنن أبي داؤد لمحمد بن عبد الملك بن أيمن، وعلى الترمذي لأبي علي الطوسي، ومستخرج أبي نعيم على كتاب (التوحيد) لابن خزيمة (^٢)، بل ألف العراقي نفسه متسخرجًا على (مستدرك الحاكم)، كما سيأتي، وهذا كله لا يشمله التعريف الذي ذكره، مع أن شرط التعريف أن يكون جامعًا لأفراد المعرف أو أغلبهم، ولهذا فإن العلماء بعد العراقي، بعضهم أدخل على تعريفه تعديلًا فقال: «والاستخراج: أن يعمد حافظ إلى صحيح البخاري مثلا، فيورد أحاديثه حديثا حديثا بأسانيد لنفسه .. الخ» (^٣)، فزيادة لفظ (مثلا) جعلت البخاري، مثالًا فقط، وصار التعريف شاملا للمستخرج على غيره، وقدم البقاعي عبارة أخرى للتعريف، فقال: (وحق العبارة أن يقال: أن يأتي المصنف إلى كتاب من كتب الحديث فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير
_________________
(١) فتح المغيث، للعراقي ج ١/¬٢١.
(٢) «النكت الوفية» / ٣٢ ب.
(٣) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬٣٩ وفتح الباقي، للأنصاري/ ١٢ ب.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه الخ (^١)، وتبعه على هذا السيوطي في شرحه لألفية العراقي (^٢)، أما في شرحه لألفيته، فذكر تعريف العراقي السابق، ونسبه للزركشي معه» (^٣)، وفي التدريب نسب عبارة التعريف العام التي قررها البقاعي، إلى العراقي (^٤)، فلعله سهو منه.
ثم إن البقاعي حاول الإجابة عن العراقي في تقييد تعريف المستخرج بالصحيحين بأنه أورد مبحث المستخرجات، ضمن كلامه عن نوع الحديث الصحيح، فقال: «وعذر المصنف في ذلك، أن كلامه سابقا ولاحقا في الصحيح (^٥)».
وهذا في تقديري لا ينهض عذرًا؛ لأنه وإن كان كلامه سابقا ولاحقا في الصحيح، إلا أنه عنون المبحث بعنوان عام هو «المستخرجات» ولم يقيدها بالصحيحين، ومقتضى هذا أن يكون تعريفه لها عاما غير مقيد بالصحيحين كما فعل.
كذلك ذكر العراقي في القسم السابع من أقسام المتفق والمفترق من الرواة أن يتفق أكثر من راو في الاسم فقط، أو الكنية، ويقع أيهما مطلقا من غير ذكر أبيه أو نسبة تميزه، أو نحو ذلك.
ثم ذكر ضابطًا لتمييزه فقال: «ويتميز ذلك عند أهل الحديث بحسب من
_________________
(١) انظر «النكت الوفية» / ٣٢ ب، ٣٣ أ.
(٢) انظر «قطر الدرر» / ٣ ب.
(٣) انظر «البحر الذي زخر» للسيوطي/ ٤٤ أ.
(٤) «التدريب» ٢/ ٥٦.
(٥) «النكت الوفية» / ٣٢ ب.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
أطلق الرواية عنه (^١). أما ابن الصلاح فقد زاد على ذلك: أنه قد يتميز ذلك الراوي أيضا بالنظر في حال المروي عنه، أو في رواياته؛ لأنه كثيرا ما يأتي مميزا في بعضها (^٢)، وبذلك يكون هذا الضابط أوفى وأشمل من الضابط الذي ذكره العراقي.
بيان العراقي للأدلة، والأمثلة التطبيقية، وآراؤه في ذلك، وأثره: أولا: الأدلة:
قدمت في منهج العراقي في ألفيته، أنه حذف في النظم كثيرا من الأدلة والأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح في مقدمته، وأقرر هنا: أنه عوض ذلك في شرحه للألفية، فاهتم بذكر وتحقيق الأدلة والأمثلة التطبيقية لقواعد وأنواع ومسائل علوم السنة، وخاصة ما اختلف العلماء فيه، أو أهمل ابن الصلاح أو غيره التدليل أو التمثيل له كلية، أو لم يستوعبوه، أو كان ما ذكروه منتقدا، كما أنه استمد بعض الأدلة والأمثلة من واقع الحياة العلمية في عصره، فصار شرحه هذا سجلا علميا لها، والخبرته بها، وإليك نماذج ذلك:
ذكر ابن الصلاح من أمثلة المؤتلف والمختلف من الرواة «سلام» والد محمد بن سلام بن الفرج البيكندي البخاري، شيخ البخاري، وذكر خلاف العلماء في ضبطه، بتخفيف اللام وتشديدها، ثم قرر أن التخفيف أثبت، واستدل بأن غنجار ذكره بالتخفيف في (تاريخ بخارى) وأنه أعلم بأهل بلاده (^٣).
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٢٠.
(٢) «المقدمة» / ٤١٦.
(٣) «المقدمة»، ٣٨٢.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
وأما صاحبي كتابي «المطالع، والمشارق» فرجحا التشديد، واستدلا بأنه الأكثر (^١)، فأصبح معنا دليلان، كل منهما يرجح خلاف ما يرجحه الآخر، وبهذا بقي الخلاف قائما، فعرضه العراقي في الشرح، ثم عقب عليه بأن من جعل سلام والد شيخ البخاري بتشديد اللام، كأنه اشتبه عليه بشخص آخر، يُسمى محمد بن سلام البيكندي أيضًا، مثل شيخ البخاري، وهو بالتشديد فعلًا، لكنه يعرف بالبيكندي الصغير، … وعرف به، ثم قال: فأما البيكندي شيخ البخاري فقد روينا بالإسناد إليه، أي إلى البخاري، أنه قال: «أخبرنا محمد بن سلام، بالتخفيف، وعقب قائلًا: «وهذا قاطع للنزاع فيه»» (^٢).
وهكذا وفق العراقي لتقديم الدليل القاطع للنزاع بين المتقدمين والمتأخرين، حيث روى بسنده عن البخاري التصريح بضبط اسم والد شيخه بالتخفيف وقد تبع العراقي على هذا السخاوي في شرحه للألفية (^٣).
ومن الأدلة التي ذكرها للأنواع، دليل نوع رواية أكابر الرواة عن الأصاغر، فقد ذكره ابن الصلاح (^٤) والنووي (^٥) دون ذكر دليل عليه، أما العراقي فبدأ شرحه لهذا النوع بدليله حيث قال: «الأصل في هذا الباب رواية النبي ﷺ
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ٨٦.
(٢) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ٨٦، ٨٧.
(٣) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ٢١٥، ٢١٦.
(٤) (المقدمة) / ٣٢٨.
(٥) (التقريب) / ٤٢٣.
[ ٢ / ٨٩٧ ]
عن تميم الداري، حديث الجساسة، وسو عند مسلم (^١)، وقد قرر ابن كثير والبُلقِيني، أن هذا أجل ما يذكر في رواية الأكابر عن الأصاغر (^٢)، ثم تابع العراقي على جعله هذا الدليل أصل الباب، العلماء من بعده في شرحهم لألفيته، وغيرها حتى الآن (^٣).
ومن أدلة العراقي على بعض المسائل من واقع عصره: أنه دلل على أهمية معرفة المحدث بأسماء الرواة بقوله: «ولقد بلغني عن بعض من درس الحديث ممن رأيته، أنه أراد الكشف عن ترجمة أبي الزناد، فلم يهتد إلى معرفة ترجمته من كتب الأسماء، مع كون اسمه معروفًا عند المبتدئين من طلبة الحديث، وهو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد لقب له، وكنيته أبو عبد الرحمن» (^٤).
ونلاحظ أنه لما كان في هذا الدليل تعريض بصاحب الواقعة أبهمه العراقي سترًا لحاله، بينما صرح السخاوي بأنه جمال الدين بن هشام، إمام العربية المشهور (^٥)، أما السيوطي فنقل هذا الدليل عن العراقي ملتزمًا الإبهام مثله (^٦).
نقد بعض استدلالات العراقي:
ومع هذا، فليس كل ما استدل به العراقي في شرحه مُسَلَّم له، بل ربما
_________________
(١) (الشرح) للعراقي ج ٤/ ٦٠.
(٢) انظر (اختصار علوم الحديث)، لابن كثير/ ١٩٥ و(محاسن الاصطلاح) للبُلقِيني/ ١١٠ أ.
(٣) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ١٧٥ و(قطر الدرر) / ٣٧ و(التدريب) / ٤٢٣ كلاهما للسيوطي و(فتح الباقي) للأنصاي ١٨٠ و«شرح الترمسي لألفية السيوطي» / ٣١٣.
(٤) (الشرح) للعراقي ج ٤/ ٧٩.
(٥) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ١٩٩.
(٦) (التدريب) / ٤٥٠.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
استدل بما يرد عليه من نفس كلامه، مثال ذلك، أنه ذكر أن المواضع التي رواها مسلم في صحيحه بإسناده المتصل ثم قال عقبها: وراه فلان، ليست من باب التعليق، إنما أراد ذكر من تابع راويه الذي أسنده من طريقه عليه، أو أراد بيان اختلاف في السند، كما يفعل أهل الحديث، وأتبع ذلك بقوله: «ويدل على أنه ليس مقصوده بهذا إدخاله في كتابه، أنه يقع في بعض أسانيد ذلك، من ليس هو في شرط مسلم، كعبد الرحمن بن خالد بن مسافر» (^١).
وقد تعقب البقاعي العراقي في هذا، فقال: «قوله: وهذا ليس من باب التعليق، قال شيخنا - يعني ابن حجر - بلى، قد ذكره أصحاب الأطراف في المعلق، ثم أضاف قائلًا: قلت: واستدلاله على ذلك بأنه قد يقع في السند ما ليس من شرطه، يكفي في رد إطلاقه ما قاله بعده، من أن المعلق تارة يكون صحيحًا، وتارة يكون غير صحيح، فالذي جزم به مسلم، لا مانع من إدخاله في مقصود الكتاب، والله أعلم» (^٢).
ثم نقل الطوخي في حاشيته عن البقاعي هذا الانتقاد وأقره (^٣)، وهو انتقاد في محله، وإن كان لا يغض من إصابة العراقي في غالب استدلالاته، وأخذ من بعده بها، كما تقدمت أمثلته.
ثانيا: الأمثلة:
وأما بيانه للأمثلة التطبيقية فقد قرر رأيه بشأنها عمومًا، وهو: أن الأنواع
_________________
(١) (الشرح) ج ٢٩/¬١.
(٢) «النكت الوفية»، للبقاعي/ ٤٨ أ.
(٣) (حاشية الطوخي) / ٩٧ أ.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
التي تكثر أفرادها وتشتهر، لا ينبغي التوسع في ذكر أمثلتها في كتب القواعد والمصطلحات، وذلك أنه في باب «الأسماء والكنى»، ذكر القسم التاسع، من اشتهر باسمه، دون كنيته، وذكر بعض الأمثلة التي مثل بها ابن الصلاح.
ثم قال: «وفي هذا النوع كثرة لا يحتاج مثله إلى مثال» (^١).
فقوله هذا عقب اقتصاره على بعض الأمثلة، يدل على أنه يرى عدم التوسع في التمثيل لمثل هذا.
ومما ترك ابن الصلاح وغيره التمثيل له، ومثل له العراقي في شرحه، القسم الثاني من «أفراد الحديث»، وهو الأحاديث المفردة بالنسبة إلى جهة خاصة، كتقييد الفردية بثقة، أو بلد معين، كمكة، والبصرة، والكوفة، أو يكون الحديث لم يروه من أهل البصرة أو الكوفة مثلا إلا فلان، أو لم يروه عن فلان إلا فلان، ونحو ذلك، فقد قال ابن الصلاح بعد ذكر هذه الأنواع: «ولسنا نطول بأمثلة ذلك، فإنه مفهوم دونها» (^٢) وتبعه على هذا آخرون، كالنووي (^٣) وابن كثير (^٤) والبلقيني (^٥) وابن الملقن (^٦).
لكن أبا عبد الله الحاكم، المتقدم على ابن الصلاح، ذكر الأنواع السابقة ومثل لكل منها بمثال (^٧)، فتبع العراقي مسلكه، وذكر أمثلة بعض الأنواع.
_________________
(١) «الشرح» للعراقي ج ٤/ ٨٣.
(٢) «المقدمة» / ١١٥.
(٣) انظر «التقريب مع التدريب» / ١٥٩.
(٤) «اختصار علوم الحديث»، له/ ٦١.
(٥) «محاسن الاصطلاح»، له/ ٣١ ب، ٣٢ أ.
(٦) «المقنع»، له/ ٤٢.
(٧) انظر «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ ٩٦ وما بعدها.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
السالفة من عنده، وبعضها من مصادر أخرى مع التوضيح (^١).
ونكتفي هنا بأحد الأمثلة التي ذكرها، حيث قال: «ومثال تقييد الانفراد بالثقة، حديث: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفطر والأضحى بـ (ق)، و«اقتربت الساعة» رواه مسلم وأصحاب السنن من رواية ضمرة بن سعد المازني عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي واقد الليثي عن النبي ﷺ».
ثم بين العراقي وجه التفرد فقال: «وهذا الحديث لم يروه أحد من الثقات إلا ضمرة، ودلّل لذلك فقال: قال شيخنا علاء الدين التركماني في الدر النقي: مداره على ضمرة، وفسر مراد شيخه بقوله: يريد حديث أبي واقد»، ثم أردف قائلًا: «وإنما قيدت هذا الحديث بقولي: أحد من الثقات؛ لأن الدارقطني رواه من رواية ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ. وابن لهيعة ضعفه الجمهور» (^٢). وقد حذا غير واحد من العلماء بعد العراقي حذوه، سواء في شرحهم للألفية أو في غيرها، واعتمدوا على ما ذكره من أمثلة وتوضيح (^٣).
وهذا يدل على سلامة رأيه ومنهجه في هذا، وتأثيره فيمن بعده. ومن الأمثلة ما زاد فيه على من تقدمه لكونه أفيد، فقد ذكر الحاكم في نوع الحديث المسلسل، ثمانية أمثلة للأحاديث التي يدل تسلسلها على اتصال
_________________
(١) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ١٠٢ - ١٠٤.
(٢) وفتح المغيث، للعراقي جـ ١/ ١٠٣
(٣) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٠٥ - ٢٠٧، و(قطر الدرر) / ١٠ ب و«التدريب» / ١٥٩ - ١٦١ كلاهما للسيوطي و(فتح الباقي) للانصاري/ ٣٤ ب، ٣٥ أ.
[ ٢ / ٩٠١ ]
السند (^١)، فذكرها العراقي جميعًا ثم عقب عليها بأن هناك أمثلة أخرى تدل على الاتصال، ولم يذكرها الحاكم، وعد منها خمسة فقال: «كالمسلسل بقولهم: أطعمنا وسقانا، والمسلسل بقولهم: أضافنا بالأسودين التمر والماء والمسلسل بقولهم: أخذ فلان بيدي، والمسلسل بالمصافحة، والمسلسل بقص الأظافر يوم الخميس، ونحو ذلك» (^٢) وبهذا بلغ مجموع الأمثلة التي ذكرها ١٢ مثالًا.
ثم أتبعها بقول ابن الصلاح: «إن خير المسلسلات، ما كان فيه دلالة على اتصال السماع، وعدم التدليس، للإشارة بأنه أكثر من ذكر تلك الأمثلة الدالة على الاتصال وعدم التدليس، لهذا السبب، حتى لا يظن إكثاره الأمثلة بدون داع». ويؤيده قول السخاوي: «إن ما يدل على الاتصال هو غاية المقصد من نوع المسلسل هذا» (^٣).
ومن الأنواع ما توسع العراقي في تتبع أمثلته من عصر الصحابة حتى عصره مع استبعاده لما رآه منتقدا من تمثيل غيره، مثل: «رواية الآباء عن الأبناء»، فقد استبعد منه الأمثلة التي رآها منتقدة مما ذكره ابن الصلاح، ثم أضاف ٢٢ مثالًا آخرين، أولهم أنس بن مالك ﵁، وذكر أنه روى عن ابن له غير مسمى حديثا واحدًا، واستمر في ذكر الشخص وابنه الذي روى عنه، وعدد الأحاديث التي رواها، حتى قال: وروى قاضي القضاة بدر الدين ابن
_________________
(١) انظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ ٢٩ - ٣٤.
(٢) (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/¬١٤ و«المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة، لمحمد عبد الباقي اللكنوي» / ١٠، ١١، ٢١ - ٢٤، ٤٦، ٤٧، ٥٣، ٥٤، ٢٠٩، ٢١١،
(٣) : فتح المغيث، للسخاوي ج ٣/ ٥٥.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
جماعة عن ابنه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة حكاية عجيبة (^١).
وقد مشى السخاوي على منهج العراقي، وفصل الحكاية المشار إليها، فقال: أخبرني بها أبو الفتح المراغي حدثنا المصنف - يعني العراقي - لفظا إملاء، أنشدنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة .. الخ (^٢).
وبهذا وصل العراقي ماضي تطبيق أنواع الرواية بحاضرها في عصره، ومستقبلها لمن بعده، ولعله توسع على النحو المشار إليه في بيان أمثلة هذا النوع، نظرًا لأن العلماء من قبله قد اهتموا به، حتى أفرده الخطيب البغدادي بمؤلف خاص، ذكر السخاوي أنه لطيف الحجم، لكن فيه أمثلة كثيرة (^٣). ويزيد أهمية تلك الأمثلة العديدة التي ذكرها العراقي في شرحه، أن كتاب الخطيب المشار إليه يعد حاليًا في حكم المفقود، وبذلك نجد فيما ذكره العراقي العزاء والعوض، خاصة وأن في ضبط هذا النوع كما ذكر السخاوي: الأمن من التحريف الناشئ عن كون الإبن أبا (^٤)، ولهذا تناقل العلماء عن العراقي جميع تلك الأمثلة على كثرتها، سواء في شرحهم لألفيته، أو في غيره، تعميمًا للاستفادة بها (^٥).
من أمثلة العراقي المنتقدة:
ومن الأمثلة ما ذكره العراقي، ولكن لم يوفق فيه، وذلك نادر لا يغض من
_________________
(١) «فتح المغيث»، للعراقي ج ٤/ ٦٥، ٦٦.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٧٣.
(٣) «فتح المغيث» له ج ٣/ ١٧٠.
(٤) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٨٠.
(٥) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٧١ - ١٧٣، ووتدريب الراوي، للسيوطي/ ٤٣٢.
[ ٢ / ٩٠٣ ]
قيمة ما تقدم، كتمثيله للحديث الغريب من الصحيح، بحديث مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا «السفر قطعة من العذاب» (^١) ومثل به مرة ثانية أيضًا قبل هذه (^٢).
وقد اعترض السخاوي على هذا، بأن الغرابة فيه منتقضة برواية أبي مصعب عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِي، عن سهيل عن أبيه أبي صالح، وهي صحيحة، واستدرك قائلا: «بل وبطريق عصام بن رواد عن أبيه عن مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة، ولكنها رواية ضعيفة (^٣)، ويعتبر ما ذكره السخاوي دليلا كافيا في رد تمثيل العراقي بالحديث».
٧ - بيان العراقي لآراء العلماء، وموقفه منها، تعبيرًا عن رأيه الخاص، وأثر ذلك فيمن بعده:
اعتنى العراقي في شرحه، ببيان آراء العلماء في قضايا ومسائل المصطلح، ومتعلقاتها، بأجمع وأوضح مما أورده في الألفية، مع تحديد موقفه في الغالب، معبرًا بذلك عن رأيه الخاص، سواء بالإقرار، أو الرد، أو الترجيح، أو التصحيح، أو التضعيف، أو الجمع، أو التوقف، وقد تبين لي من البحث التفصيلي الكامل للشرح: أن الآراء التي تناولها العراقي فيه، إما آراء صرح بها أصحابها، وإما آراء استنبطها غيره، أو استنبطها هو من كلام أصحابها، ومناهجهم وتصرفاتهم العلمية، معتمدًا في ذلك على قواعد للاستنباط قررها خلال الشرح أيضًا، كما شمل تناوله وتمحيصه، آراء المتقدمين، والمتأخرين.
_________________
(١) «فتح المغيث»، للعراقي ج ٤/¬٤.
(٢) «الشرح» ج ١/ ٥٢، ٥٣
(٣) و«فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/¬٢٨.
[ ٢ / ٩٠٤ ]
حتى عصره، وسجل من آرائه ما ظهر له حتى وقت تأليف الشرح، واستمد من كل ذلك، من جاء بعده من العلماء.
وإليك بعض النماذج التوضيحية لهذا كله: فمن طرق الاستنباط التي قررها وطبقها في بيان الآراء، أن من حكى رأيًا أو رأى عملًا لغيره وسكت عليه، فإنه يعتبر قائلًا بالرأي المحكي، وينسب إليه، كما يعتبر قائلًا بالرأي المجيز للعمل الذي أقره.
مثال الأول: أن ابن الصلاح قال عن الاحتجاج بالحديث المرسل: وقال مسلم في صدر كتابه الصحيح: «المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة»، فذكر العراقي هذا، وعقب بقوله: هكذا أطلق ابن الصلاح نقله عن مسلم، ومسلم إنما ذكره في أثناء كلام خصمه الذي رد عليه اشتراط ثبوت اللقاء، فقال: «فإن قال: قلته لأني وجدت رواة الأخبار قديما وحديثا كلهم يروي أحدهم عن الآخر الحديث ولما يُعَايِنُهُ، وما سمع منه شيئًا قط، فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا، على الإرسال، من غير سماع والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، احتجت لما وصفت من العلة، إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن راويه … إلى آخر كلامه ..»
ثم اتجه العراقي إلى قارئ كلامه؛ ليشركه معه في هذا البحث والاستنتاج، فقال: «فهذا كما تراه حكاه، أي الإمام مسلم، على لسان خصمه، ولكنه لما لم يَرُدُّ هذا القدر منه حين رد كلامه، كان
[ ٢ / ٩٠٥ ]
كأنه قائل به، فلهذا نسبه ابن الصلاح إليه» (^١).
وقد أقر العلماء من بعد العراقي تلك الطريقة في الاستنباط، وبيانه لنسبة الرأي إلى الإمام مسلم على ضوئها، وتناقلوا ذلك عنه في شروحهم للألفية، وحواشيهم على شرحه (^٢)، ومما يدل على إقرار تلك القاعدة عموما، أن العلماء من قبل العراقي ومن بعده، جروا على نسبة القول السابق برد الحديث المرسل، إلى الإمام مسلم مباشرة (^٣)، كما أنه على أساسها جرى غير واحد من العلماء، في نسبة آراء المتقدمين، إلى من يحكيها عنهم ويقرها من المتأخرين، وبالتالي فإن كل ما حكاه العراقي في شرحه هذا عن غيره وأقره، يعد من آرائه، وسيأتي تصريحه بذلك.
وأما المثال الثاني:
فقد ذكر في جواز الإجازة برواية الحديث للكافر، كما تقدم في بحث الألفية: أن شخصا من الأطباء، ممن رآه هو بدمشق، سمع الحديث في حال يهوديته، على ابن عبد المؤمن الصوري، وكتب اسمه في السماع مع السامعين، وأجاز ابن عبد المؤمن لمن سمع، وهو من جملتهم، وكان السماع والإجازة بحضور الحافظ المزي، وبعض السماع بقراءته، ولأكثر من جزء،
_________________
(١) «الشرح» ج ١/ ٦٩، ٧٠ مع مقدمة صحيح مسلم ١/¬٣٠ باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن.
(٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ١٣٢، ١٣٦ و«فتح الباقي» للأنصاري/ ٢٣ ب، ٢٥ أ و«النكت الوفية» للبقاعي/ ١١٦ ب، ١١٧ أ.
(٣) انظر «اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ٤٨ و«المقنع» لابن الملقن/ ٢٩ و«التدريب» / ١١٩ و«قطر الدرر» / ٨ أ كلاهما للسيوطي.
[ ٢ / ٩٠٦ ]
وعقب العراقي على ذلك بقوله: «فلولا أن المزي يرى جواز ذلك، ما أقر عليه (^١)، وبهذا استنبط من إقرار المزي لإجازة ابن عبد المؤمن لهذا اليهودي، أنه يرى جواز الإجازة برواية الحديث للكافر حال كفره، على أن يؤدي بعد إسلامه».
وقد أخذ العلماء من بعد العراقي بهذا الرأي، وأقروا استنباطه له، سواء من حيث التقعيد، أو من حيث الاستنتاج، وتناقلوا ذلك عنه (^٢).
ومن طرق الاستنباط التي قررها واستنتج الآراء على أساسها: فعل الشخص فقد ذكر ابن الصلاح في النوع السابع من أنواع الإجازة، وهو إجازة المجاز، أن الصحيح الذي عليه العمل، جواز ذلك، وذكر من أدلته: أن الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي، كان يروي بالإجازة عن الإجازة، حتى ربما والى في روايته بين إجازات ثلاث (^٣)، فذكر العراقي ذلك في الألفية (^٤)، ثم قال في الشرح: إن فعل نصر لذلك، دال على جوازه عنده، ثم أتبع ذلك بذكر فعل بعض العلماء، كما وقف عليه هو بنفسه، تدليلًا على رأيهم، فقال: «قلت: وقد رأيت في كلام غير واحد من الأئمة وأهل الحديث، الزيادة على ثلاث أجائز فرووا بأربع أجائز متوالية، وخمس، وقد روى الحافظ أبو محمد عبد الكريم الحلبي في «تاريخ مصر»، عن عبد الغني بن سعيد الأزدي، بخمس أجائز.
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٢/ ٧٤.
(٢) انظر (فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/ ٨٤، ٨٥ و(قطر الدرر) / ٢١ أ و(التدريب) / ٢٦٣ كلاهما للسيوطي و(فتح الباقي) للأنصاري ٨٠ أ، ب و(منهج ذوي النظر) للترمسي/ ١٧٣.
(٣) (المقدمة) / ١٨٩.
(٤) ص ١٩٧.
[ ٢ / ٩٠٧ ]
متوالية، في عدة مواضع (^١).
وقد تناقل العلماء ذلك عن العراقي، وأخذوا به في استنباطهم للآراء (^٢).
كذلك قرر العراقي: أنه إذا كان في المسألة أكثر من رأي، وساق ذلك شخص دون أن يصرح بدرجة كل رأي في نظره، فإنه يمكن استنباط ذلك من السياق، فما بدأ به منها، يعتبر مرجحًا عنده على باقيها، وما ثنى به يعتبر أقوى عنده من الثالث، … وهكذا.
مثال ذلك أن ابن الصلاح ذكر ثلاثة آراء في آخر من مات بالمدينة المنورة من الصحابة، وبدأ بذكر الرأي القائل: إنه جابر بن عبد الله، ﵁ (^٣)، فذكر العراقي الآراء الثلاثة بعكس ترتيب ابن الصلاح لها، بحيث كان هذا الرأي المذكور، ترتيبه الأخير، وساقه قائلًا: «القول الثالث: أن آخرهم موتا بها، أي بالمدينة، جابر بن عبد الله، رواه أحمد بن حنبل عن قتادة، وبه صدر ابن الصلاح كلامه، فاقتضى ترجيحه عنده» ثم كر العراقي بالرد على ما استنتج ترجيح ابن الصلاح له، فقال: «وهو رأي ضعيف؛ لأن السائب مات بالمدينة بلا خلاف، وقد تأخر بعده، أي بعد جابر ﵁» (^٤) وبهذا قرر ضعف الرأي القائل بأن جابرًا آخر من مات بالمدينة من الصحابة، رغم أنه مروي عن قتادة وعن غيره من المتقدمين، ورَغْمَ استنتاجه ترجحه عند
_________________
(١) (الشرح) للعراقي ج ٢/ ٧٧.
(٢) انظر: (فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/ ٩١ و(قطر الدرر) للسيوطي/ ٢١ أ و(فتح الباقي) للأنصاري ٨١ ب.
(٣) (المقدمة) / ٣١٤.
(٤) (الشرح) ج ٤/¬٤٨.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
ابن الصلاح من المتأخرين، وقد أيد تضعيفه كما نرى بالدليل، وعندما نقارن، نجد أن البلقيني وابن الملقن (^١)، قد أقرا ترجيح ابن الصلاح لهذا الرأي الضعيف، أما السيوطي فنقل تضعيف العراقي له، ودليله، وأقره (^٢)، وقد طبق العراقي القاعدة المذكورة على نفسه أيضًا، فقرر كما سيأتي: أن ما يُصَدِّرْ به كلامه دون تعقيب عليه، يعتبر راجحًا عنده، وإن لم يصرح بذلك.
ومثال ما جعل العراقي فيه تقديم الرأي، مفيدًا للتقوية فقط: أنه بين آراء العلماء في سن سيدنا علي ﵁، عند وفاته، وذكر في نهايتها الرأي بأنه كان سنه حينذاك ٥٧ سنة، وقال: وبه صدر ابن قانع كلامه، وقدمه ابن الجوزي والمزي عند حكاية الخلاف (^٣)، فنلاحظ أنه فرق بين من صدر كلامه بهذا الرأي، فاقتضى ترجيحه عنده، كما تقدم، وبين من قدمه فقط على غيره، ولكن لم يصدر به كلامه، فأشار بالتقديم إلى تقويته فقط عن غيره.
وقرر العراقي أيضا: أنه إذا كان في المسألة أكثر من رأي، فاقتصر الشخص على ذكر رأي واحد منها فقط، فإنه يعتبر جازما بصحته، وإن خالفه غيره، مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر أن الصحابي الجليل عامر بن الطفيل توفي سنة مائة من الهجرة.
ولم يذكر آراء أخرى (^٤). فذكر العراقي ذلك في (الشرح)، وعقب عليه بقوله: «كذا جزم به ابن الصلاح» ثم ذكر هو عدة آراء أخرى مخالفة،
_________________
(١) ومحاسن الاصطلاح» / ١٠٣ أ، وهـ «المقنع» / ١١٩.
(٢) والتدريب:/ ٤١٣.
(٣) (الشرح) للعراقي ج ٤/ ١٣٦.
(٤) ٥ «المقدمة» / ٣١٢
[ ٢ / ٩٠٩ ]
ومنها ما جزم به غير ابن الصلاح، حيث قال: «وجزم ابن حبان وابن قانع وأبو زكريا بن مندة: أنه أي ابن الطفيل، توفي سنة ١٠٧ هـ» (^١).
ومثال الآراء التي استنبطها من كلام العلماء، وإن لم يصرحوا بها، قوله عن تعليق الإجازة برواية الشيء المعين، على إرادة المجاز: إن ابن الصلاح وإن لم يصرح بتعليق الإجازة في المعين، فتعليله وبعض أمثلته يقتضي الصحة فيه بعمومه (^٢).
وقد نقل عنه ذلك السخاوي في شرحه للألفية، وأقره (^٣).
ومما يظهر تميز العراقي في الاستنباط: أنه قد يختلف مع غيره فيما يستنبط من كلام الشخص الواحد، إثباتا أو نفيا، فمن ذلك: أن ابن معين قال: «إذا قلت: فلان ليس به بأس، فهو ثقة» فذكر ابن الصلاح: أن كلام ابن معين هذا يقتضي تسويته بين اللفظين، فرد عليه العراقي قائلا: «قلت: ولم يقل ابن معين: إن قولي: ليس به بأس، كقولي: ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال فيه هذا، فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير عنه بقولهم: ثقة، أرفع من التعبير عنه بأنه لا بأس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة، والله أعلم» (^٤).
لكن الحافظ ابن حجر عارض استنباط شيخه العراقي في هذا، وأقر استنباط ابن الصلاح، فذكر أن قول ابن معين يلزم منه التساوي، فإنه حكم أن هذا
_________________
(١) (الشرح) ج ٤/¬٤٦.
(٢) (الشرح) ج ٤/ ٧١.
(٣) (فتح المغيث) له ج ٢/ ٨١.
(٤) (الشرح) للعراقي ج ٢/¬٣٩.
[ ٢ / ٩١٠ ]
ذاك، فإما أن يكون الموضوع (^١)، الذي هو: ليس به بأس، مساويا لـ «ثقة»، أو أخص منه، وعلى كل حال يكون حكمه، حُكمَه (^٢).
ولكني أرى أن رد ابن حجر غير موفق، حيث قرر أن عبارة ابن معين غير قاطعة في إفادة التساوي، بل تحتمل الدلالة على التساوي، والدلالة على أن: ليس به بأس، أخص، وهو ما ذهب إليه العراقي، وما انتهى إليه ابن حجر من أن حكم اللفظين واحد، لا يعارض ما قرره العراقي، لأنه قرر اشتراكهما في الدلالة على مطلق الثقة، وإن تفاوتا في الدرجة.
ولهذا فإن أبرز تلاميذ ابن حجر نفسه، وغيرهم، لم يتبعوه في هذا، وأخذوا باستنباط العراقي، مع استحسانه وتعزيزه، فنقله السيوطي وأقره (^٣)، وذكر السخاوي خلاصته واستحسنه (^٤)، ونقل البقاعي رد شيخه ابن حجر، ثم أعقبه بتعزيز بعض تلاميذه لرأي العراقي (^٥).
وبهذا يكون استنباط العراقي هو الراجح، وبه يُجمع بين رأي ابن معين، ورأي باقي العلماء القائلين بتفاوت اللفظين.
نقد بعض استنباطات العراقي:
ومما ترجح فيه استنباط غير العراقي: أنه ذكر قول الحاكم في مقدمة (المستدرك على الصحيحين): وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث
_________________
(١) يقصد «الموضوع» المقابل «للمحمول»، عند المناطقة.
(٢) «النكت الوفية» للبقاعي/ ٢٣٦/ أ.
(٣) «التدريب» / ٢٣١.
(٤) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٤١.
(٥) «النكت الوفية» / ٢٣٦ أ.
[ ٢ / ٩١١ ]
رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، ثم قال: «فقوله: بمثلها أي بمثل رواتها، لا بهم أنفسهم، ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وإنما تكون بمثلها، إذا كانت بنفس رواتها، وفيه نظر» (^١)، أي لأن واقع المستدرك أنه خرج أحاديث لغير رواة الشيخين (^٢).
وبهذا رجع العراقي أن المراد بالمثلية في كلام الحاكم معناها الحقيقي وهو مشابهة من أخرج له الحاكم، لرجال الصحيحين في الدرجة، بينما رأى ابن الصلاح وابن دقيق العيد والذهبي: أن المثلية في كلام الحاكم أراد بها المعنى المجازي، وهو عين رواة الصحيحين، على حد قولهم: مِثْلُكَ لا يفعل كذا، أي أنت، فقد ذكر ابن الصلاح: أن الحاكم أودع في مستدركه ما أخرج الشيخان عن رواته في كتابيهما، وابن دقيق العيد والذهبي، ينقلان عن الحاكم تصحيحه للحديث على شرط البخاري مثلًا، ثم يعترضان عليه بأن في سنده فلانًا، ولم يخرج له البخاري.
وقد رد العراقي على الثلاثة فقال: (ليس ذلك منهم بجيد، فإن الحاكم صرح في خطبة كتابه المستدرك بخلاف ما فهموه عنه) وذكر … كلام الحاكم، وبيانه أنه ليس المراد بالمثلية فيه نفس الرواة، كما قدمت.
لكن ما فهمه ابن الصلاح ومن معه، من أن المراد بالمثلية نفس رواة الصحيحين، هو الذي اختار رجحانه الحافظ العلائي شيخ العراقي، وأيده بواقع صنيع الحاكم خلال المستدرك، وقرر على أساسه أن يمن أخرج لهم.
_________________
(١) (الشرح) ج ١/¬٢٥.
(٢) «حاشية ابن قطلوبغا على شرح العراقي للألفية» / ٥٣ ب.
[ ٢ / ٩١٢ ]
الحاكم ممن هم في مرتبة رجال الصحيحين لا أعينهم، قليلون بالنسبة لمن أخرج عنهم، من نفس رجالهما (^١).
ولهذا رد ابن حجر على شيخه العراقي انتقاده لما فهمه ابن الصلاح ومن معه عن الحاكم، وقال: «إنهم أجادوا وأصابوا، وأيد ذلك بنحو ما ذكرته عن العلائي، مع إضافات أخرى مرجحة، وتبعه على ذلك تلاميذه وغيرهم» (^٢).
هذا عن الآراء الاستنباطية ومواقفه منها تعبيرا عن رأيه.
أما الآراء التي صرح بها أصحابها، فمنها ما ذكره وسكت عليه، وبهذا يعتبر مقرا له وقائلا به، حسبما قدمت من قواعد استنباط الآراء التي قررها العراقي بنفسه.
ومنها ما يذكره ويصرح، أو يلمح بتوقفه فيه، مثال ذلك أنه ذكر آراء العلماء من متقدمين ومتأخرين حتى عصره وشيوخه، في الإجازة العامة، وهي التي لا يعين الشيخ فيها المجاز له كقوله: «أجزت لجميع المسلمين» ومجمل ما ذكره، أن بعضهم صحح جوازها، وعليه جمهور المتأخرين، وبعضهم منعها، وبعضهم جوزها، ولكن لم يستعملها بنفسه تورعا، وبعضهم جوزها واستعملها تحملا وأداء، وعقب العراقي على ذلك بعمله ورأيه هو فيها فقال: «وقرأت بها عدة أجزاء على الوجيه عبد الرحمن العوفي، بإجازته العامة من عبد اللطيف بن القبيطي، وأبي إسحق الكاشغري، وابن رواج، والسبط، في آخرين، من البغداديين والمصريين» وأردف قائلا: «وفي
_________________
(١) والجواهر والدرر وللسخاوي/ ٢١٢ ب.
(٢) انظر و«النكت الوفية» للبقاعي/ ٤٠ أ، ب و«التدريب» / ٦٨ و(حاشية الطوخي) ٤/ ٨٦ ب، ٨٧ أ
[ ٢ / ٩١٣ ]
النفس من ذلك شيء، وأنا أتوقف عن الرواية بها»، ثم اعتذر عما تلقاه عن شيخه المتقدم فقال: «وأهل الحديث يقولون: إذا كتبت فَقَمش، وإذا حدثت ففتش» (^١)، وقد قدمت تفسيره لهذه العبارة من قبل.
وهذا التوقف من العراقي في حكم الإجازة العامة، يعد أنموذجا لآرائه المؤقتة بزمن تسجيلها في هذا الشرح، ثم غيره فيما ألفه بعد ذلك كما سيأتي. ومما ألمح فيه إلى التوقف: أنه ذكر من أمثلة ما يقع مبهما من الأشخاص في الحديث، ما جاء في حديث عقبة بن الحارث قال: «تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالتْ إني قد أرضعتكما» الحديث. ثم ذكر عن ابن بشكوال أن اسم زوجة عقبة التي أبهمها: غنية بنت أبي إهاب بن عزيز بن قيس، وعقب بقوله: «قلت: ووقع في بعض طرق الحديث من رواية إسماعيل بن أمية عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت زينب بنت أبي إهاب، فالله أعلم» (^٢). فقوله عقب سياق الرأيين: فالله أعلم، إشارة إلى توقفه في تحديد الصواب، أو الراجح منهما، وقد ذكرها السخاوي مثله على التوقف أيضًا (^٣). لكني لاحظت أن ما توقف فيه العراقي من الآراء، خلال الشرح كله قليل جدا بالنسبة لما حدد موقفه منه.
اعتدال العراقي في رأيه، وفي موقفه من الآراء: كما لاحظت أن موقفه عموما يتسم بالاعتدال، فلا يقر التشدد، ولا
_________________
(١) «الشرح» ج ٢/ ٦٧، ٦٨.
(٢) و«الشرح»، ج ٤/ ١٣٢.
(٣) و«فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٧٨.
[ ٢ / ٩١٤ ]
التساهل فمن رده لرأي المتشددين، ما ذكره من أن من مذاهب أهل التشديد في الرواية: أنه لابد من ذكر السند في كل حديث، وإن كان الإسناد واحدًا إلى صاحب الكتاب، وعقب على ذلك بقوله: والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعادة السند في كل حديث (^١).
وقد أقره على هذا السخاوي والأنصاري والسيوطي في شروحهم للألفية (^٢) ونقله عنه السيوطي في «التدريب» (^٣).
ومن تصويبه لعدم التساهل حتى في كتابة الحديث، ما ذكره من أن من رمز في الكتابة إلى اسم راو برمز بدلا من ذكر اسمه، أو بلون مداد، كالأحمر أو الأخضر، فعليه أن يبين المقصود بذلك الرمز في أول الكتاب أو في آخره، ولا يعتمد على حفظه في ذلك، فربما نسي، وأتبع ذلك بقوله: «فالصواب كما قال القاضي عياض: أن لا يتساهل في ذلك ولا يهمله»، وعلل ذلك بقول ابن الصلاح: «إنه قد يقع كتاب هذا الشخص في يد غيره، فيقع في حيرة من رموزه» (^٤)، أي إذا تساهل وأهمل بيانها.
وهناك أمثلة أخرى، رد فيه الرأي المتساهل ونقد دليله (^٥)، وأقره من بعده (^٦).
_________________
(١) (الشرح) ج ٢/ ٥٤.
(٢) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/¬٣٢ و(قطر الدرر)، للسيوطي/ ١٩ أ و(فتح الباقي)، للأنصاري/ ٧٥ ب.
(٣) انظر ٢٤٦ من التدريب.
(٤) (الشرح) ج ٣/¬٣٨، ٣٩.
(٥) انظر (الشرح) ج ٢/¬٦ - ٨.
(٦) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/ ٢٧٧، ٢٧٨.
[ ٢ / ٩١٥ ]
وعلى ضوء هذا المنهج المعتدل بين التساهل والتشدد، تناول العراقي عامة الآراء التي أوردها في الشرح وبين رأيه حيالها.
فمما أورده واستحسنه: أن الرامهرمزي ذكر في التخريج للساقط من كاتب الحديث عند كتابته، أن الأجود أن يخرج من موضع السقط خطا، ويمده حتى يلحق به طرف الحرف الأول من الكلمة الساقطة المكتوبة في الحاشية، فلم يرتض القاضي عياض وابن الصلاح هذا، متعللين بأنه وإن كان فيه بيان، لكن فيه تسخيم وتسويد له، لا سيما إن كثرت الإلحاقات والنقص ولكنهما لم يتعرضا لحالة الإضطرار لإلحاق الساقط في موضع من الحاشية غير مقابل لمكان سقوطه، فنقل العراقي عنهما ما تقدم، وأتبعه بقوله: (قلت فإن لم يكن اللحق قبالة موضع السقوط، بأن لا يكون مقابله خاليا، وكتب اللحق في موضع آخر، فيتعين حينئذ جر الخط إلى أول اللحق، أو يكتب قبالة موضع السقوط: يتلوه كذا وكذا في الموضع الفلاني ونحو ذلك، لزوال اللبس)، ثم قال: وقد رأيت في خط غير واحد ممن يعتمد، اتصال الخط إذا بَعُدَ اللحق عن مقابل موضع النقص، وهو جيد حسن (^١)، وقد استمد السخاوي ذلك في شرحه للألفية، وأقر العراقي على استحسانه (^٢).
ومما بين فيه رأي الجمهور وصححه وصوبه، مع بيان مجمله: الخلاف في أصح كتب الحديث، حيث قرر أن كتاب (صحيح البخاري) أصح من كتاب (صحيح مسلم) عند الجمهور، وعقب بقوله: (وهو الصحيح، وقال النووي إنه الصواب)، ثم بين مجمل رأي الجمهور هذا فقال: والمراد ما
_________________
(١) (الشرح) ج ٣/¬٣١، ٣٢.
(٢) (فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/ ١٧٤.
[ ٢ / ٩١٦ ]
أسنده البخاري دون التعليق والتراجم (^١).
وقد أقر العراقي على ذلك العلماء من بعده، كالحافظ ابن حجر في (شرح نخبته) (^٢) و«مقدمته لفتح الباري» (^٣)، والبقاعي في (نكته على شرح العراقي) للألفية (^٤)، والسخاوي في «شرحه للألفية» (^٥)، والسيوطي في (شرحه للألفية) (^٦)، و(شرحه لألفيته) (^٧)، و(لتقريب النووي) (^٨).
ومما بين فيه رأي الجمهور ورد دليله، ثم صوب غيره، ودلل للتصويب: تحديد الوقت الذي يصح فيه للصغير سماع الحديث، حيث قال: «وفي الوقت الذي يصح فيه السماع نزاع بين العلماء على أربعة أقوال:
أحدهما: ما ذهب إليه الجمهور: أن أقله خمس سنين، وحكاه القاضي عياض في «الإلماع» عن أهل الصناعة».
وقال ابن الصلاح: «هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، وحجتهم في ذلك، ما رواه البخاري في «صحيحه»، والنسائي، وابن
_________________
(١) (الشرح) جـ ١/¬١٥.
(٢) انظر (الشرح مع لقط الدرر) / ٤٣.
(٣) انظر هدي الساري مقدمة فتح الباري، جـ ١/¬٢٠ - ٢٢ الفصل الثاني، في بيان موضعه، والكشف عن مغزاه فيه.
(٤) انظر ٢١ أ منها.
(٥) (فتح المغيث) جـ ١/¬٢٧.
(٦) قطر الدرر (٢ ب).
(٧) ١٨ ب، وما بعدها.
(٨) (٤٢، ٤٣).
[ ٢ / ٩١٧ ]
ماجه، من حديث محمود بن الربيع قال: «عقلت عن النبي ﷺ مجة مجها في وجهي من دلو، وأنا ابن خمس سنين»، وبوب عليه البخاري: متى يصح سماع الصغير» (^١).
وقال ابن عبد البر: «حَفِظَ ذلك عنه وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين»، وعقب العراقي بقوله: «وليس في حديث محمود سُنَّة متبعة، أي دليل للاطراد، إذ لا يلزم منه أن يميز كل أحد تمييز محمود، بل قد ينقص عنه وقد يزيد، ولا يلزم منه ألا يعقل مثل ذلك وسنه أقل من ذلك، ولا يلزم من عقل المجَّة أن يعقل غير ذلك مما يسمعه».
ثم قال: القول الثاني: من الخلاف في صحة سماع الصغير: اعتبار تمييزه على الخصوص، فمتى كان يفهم الخطاب ويرد الجواب كان سماعه صحيحًا وإن كان ابن أقل من خمس سنين، وإن لم يكن كذلك لم يصح، وإن زاد على «الخمس»، وعقب على ذلك قائلا: «وهذا هو الصواب»، ثم قال: «ومما يدل على اعتبار التمييز في صحة سماع الصبي قول أحمد بن حنبل وقد سئل متى يجوز سماع الصبي للحديث؟ فقال: إذا عقل وحفظ».
ثم ذكر الرأيين الآخرين (^٢).
وقد أقر العراقي على ما ذكر العلماء من بعده، كتلميذه ابن حجر (^٣).
_________________
(١) (صحيح البخاري مع فتح الباري) ج ١/ ١٨٠ - ١٨٣ - كتاب العلم - باب: متى يصح سماع الصغير.
(٢) (الشرح) ج ٢/¬٤٥، ٤٩.
(٣) (فتح الباري) ج ١/ ١٨٠، ١٨٣.
[ ٢ / ٩١٨ ]
وغيره، سواء في شرحهم لألفيته، أو في غيره، وذكروا عن غيره ما يوافقه (^١).
ومما رجح فيه خلاف ما رجحه أو صححه غيره من المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، مع رد ما لم يرتضه: «تعريف الحديث المنقطع»، فقد رجح النووي: أنه ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه (^٢).
وذكر ابن الصلاح أن هذا أقرب لمفهوم الانقطاع، دون استعمال الكثير من المحدثين (^٣). وقال الحاكم وغيره غير ذلك.
أما العراقي فقال: «اختلف في صورة الحديث المنقطع، فالمشهور أنه ما سقط من رواته راو واحد غير الصحابي».
ثم أردف باقي الآراء فقال: «وحكى ابن الصلاح عن الحاكم وغيره من أهل الحديث أنه ما سقط منه قبل الوصول إلى التابعي شخص واحد، وإن كان أكثر من واحد سمي معضلا، ويُسمى أيضا منقطعًا»، وعقب بقوله: فقول الحاكم: «قبل الوصول إلى التابعي، ليس بجيد، فإنه لو سقط التابعي كان منقطعا أيضًا، فالأولى أن يعبر بما قلناه في «الألفية»: قبل الصحابي» ثم ذكر رأي ابن عبد البر فقال: «وقال ابن عبد البر: المنقطع ما لم يتصل إسناده، والمرسل مخصوص بالتابعين»، وعقب بقوله: «فالمنقطع أعم، أي من المرسل، عند ابن البر».
_________________
(١) انظر «النكت الوفية» للبقاعي/ ٢٣٩ ب، ٢٤٠ أو «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬٩ وما بعدها و«قطر الدرر» / ١٧ ب، ١٨ أو «التدريب»، ٢٣٧، ٢٣٨ كلاهما للسيوطي و«فتح الباقي» للأنصاري/ ٧١ ب، ٧٢ أ.
(٢) «التقريب مع التدريب» / ١٢٦، ١٢٧.
(٣) «المقدمة»: (٨٠)
[ ٢ / ٩١٩ ]
وختم برأي ابن الصلاح فقال: «وحكى ابن الصلاح عن بعضهم: أن المنقطع مثل المرسل، وكلاهما شامل لكل ما لا يتصل إسناده، قال: أي ابن الصلاح وهذا المذهب أقرب، صار إليه طوائف الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الخطيب في كفايته، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال: ما رواه التابعون عن الصحابة، وأكثر ما يوصف بالإنقطاع: ما رواه من دون التابعين عن الصحابة، مثل مالك عن ابن عمر، ونحو ذلك» (^١).
وهكذا نلاحظ أن العراقي حدد الرأي المشهور، وصدر به كلامه، إشارة إلى ترجيحه له كما تقدم تقريره في قواعد الاستنباط، وهذا الرأي كما ترى مخالف لما صححه ورجحه النووي، ثم رد العراقي عبارة الحاكم في تعريف المنقطع، لعدم شمولها لسقوط التابعي، وبين أن عبارته هو أولى، لشمولها، ثم ذكر رأي كل من ابن عبد البر وابن الصلاح، وفي تأخيره لهما إشارة إلى عدم ترجيحهم عنده، وقد أقر العراقي على ذلك تلميذه ابن حجر وغيره (^٢). وهذا الأنموذج من بيان العراقي للآراء، وموقفه منها، له أهميته؛ لأن مبحث الحديث المنقطع من المباحث التي لم يعلق هو عليها كلية في نكته على ابن الصلاح، كما سيأتي ذكره.
ومما ذكر فيه غيره الإجماع وبين هو وجود خلاف فيه، مع بيان رأي الجمهور: تعديل من لم يلابس الفتن من الصحابة، فقد فقال ابن الصلاح: إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم:
_________________
(١) الشرح، ج ١/ ٧٥.
(٢) فتح المغيث، للسخاوي ج ١/ ١٤٩ - ١٥١ و«فتح الباقي»، للأنصاري ٢٦ أ و«تدريب الراوي»» / ١٢٧.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع (^١)، وأقره على هذا البلقيني (^٢)، والنووي (^٣)، أما العراقي فقال: «هكذا حكى ابن الصلاح إجماع الأمة على تعديل من لم يلابس الفتن منهم، وفيه نظر؛ فقد حكى الآمدي وابن الحاجب قولًا: «أنهم كغيرهم، في لزوم البحث عن عدالتهم مطلقا».
وقولًا آخر: أنهم عدول إلى وقوع الفتن، فأما بعد ذلك فلابد من البحث عمن لَيْسَ ظاهر العدالة … ثم ذكر ثلاثة آراء أخرى وعقب قائلا: «والذي عليه الجمهور كما قال الآمدي وابن الحاجب: أنهم كلهم عدول مطلقا».
وقال الآمدي: «إنه المختار»، ثم نقل إجماعًا خاصا فقال: «وحكى ابن عبد البر إجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة، على أن الصحابة كلهم عدول» (^٤)، وقد أقر العراقي على هذا العلماء من بعده (^٥) وتفسيره لأهل الحق بأنهم أهل السنة والجماعة، دليل على مذهبه الاعتقادي كما قدمت في جوانب شخصيته.
ومن الآراء التي تردد فيها غيره، فبين هو الصواب منها: أن ابن الصلاح في مبحث «المبهمات» قال عن المرأة التي سألت الرسول ﷺ عن الغسل من الحيض: هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، وكان يقال لها خطيبة.
_________________
(١) «المقدمة» / ٣٠١.
(٢) «محاسن الاصطلاح» ١٠٠ ب.
(٣) «التقريب مع التدريب» / ٤٠٠.
(٤) «الشرح» ج ٤/¬٣٦.
(٥) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٠٠ - ١٠٤ و«فتح الباقي» للأنصاري ١٧٠ ب، ١٧١ أو «تدريب الراوي» / ٤٠١.
[ ٢ / ٩٢١ ]
النساء، وفي رواية لمسلم، تسميتها أسماء بنت شكل، والله أعلم (^١)، وبهذا لم يقطع فيها برأي، وتبعه على هذا ابن الملقن (^٢)، والبلقيني (^٣)، والنووي في «التقريب» (^٤)، ثم قال في مختصره للمبهمات: يحتمل أن تكون القصة جرت للمرأتين في مجلس أو مجلسين (^٥)، وبهذا جمع بين الرأيين، لكن دون قطع أيضًا.
أما العراقي فقال: اختلف من صنف في المبهمات في تعيين أسماء هذه، فقال الخطيب: «هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية».
وقال ابن بشكوال: «هي أسماء بنت شكل» وعقب قائلا: وهذا هو الصواب، ودلّل بقوله: «فقد ثبت في بعض طرق الحديث، في صحيح مسلم»، ثم أتبع ذلك بذكر جمع النووي بين الرأيين كما تقدم (^٦)، مشيرًا بتأخيره إلى عدم رجحانه عنده.
لكن الحافظ ابن حجر والسيوطي مالا إلى القول بالجمع مثل النووي، غير أنهما لم يقدما دليلا مرجحا (^٧)، بينما قدم العراقي الدليل لما صوبه، كما ذكرت. ومن الموضوعات التي تضمن بيانه للآراء فيها أكثر من عمل علمي دال على
_________________
(١) «المقدمة» ٢/ ٤٢٨.
(٢) «المقنع» / ١٦٨.
(٣) «محاسن الاصطلاح»، ١٣٩ ب.
(٤) «التقريب مع التدريب» ٢/ ٤٥١.
(٥) (التدريب) / ٤٥١.
(٦) «الشرح» ج ٤/ ١٣٠، ١٣١.
(٧) «فتح المغيث» وللسخاوي ج ٣/ ٢٧٦ و(التدريب) / ٤٥١.
[ ٢ / ٩٢٢ ]
جهده وشخصيته: «قبول الجرح والتعديل» فقد اكتفى فيه ابن الصلاح وغيره بذكر رأي واحد مع وصفه بالصحة والشهرة كما سيأتي (^١) وكذا اقتصر عليه العراقي في «الألفية» (^٢).
أما في شرحها فقال: اختلف في التعديل والجرح هل يقبلان أو أحدهما من غير ذكر أسبابها أم لا يقبلان إلا مفسرين؟ على أربعة أقوال:
الأول: وهو الصحيح المشهور، التفرقة بين التعديل والجرح، فيقبل التعديل من غير ذكر سببه، لأن أسبابه كثيرة فتثقل ويشق ذكرها …، أما الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسرا مبين السبب، لأن الجرح يحصل بأمر واحد، فلا يشق ذكره، ولأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناء على ما اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الأمر، فلابد من بيان سببه، ليظهر أهو قادح أم لا؟ ثم أتبع ذلك التوجيه للرأي بالدليل فقال: «ويدل على أن الجرح لا يقبل غير مفسر، أنه ربما استفسر الجارح فذكر ما ليس بجرح، ومثل لذلك بقوله: فقد روى الخطيب بإسناده إلى محمد بن جعفر المدائني قال: قيل لشعبة لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون (^٣)، فتركت حديثه»، وبين العراقي أن ذلك لا يستدعي الجرح فقال: «فماذا يلزم من ركضته على برذون؟» ثم ذكر ثلاثة أمثلة أخرى لمن سئل عن جرحه للراوي فذكر ما لا يعد جارحا في نظر غيره، وأتبعها بقوله: «وقد عقد
_________________
(١) انظر (المقدمة» / ١٣٨، ١٤٠ وواختصار علوم الحديث) لابن كثير/ ٩٤ و«التقريب» للنووي مع «التدريب» / ٢٠٢.
(٢) «الألفية» / ١٨٥.
(٣) أي يحث يرجله نوع الخيل المذكور على العدو بسرعة.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
الخطيب لهذا بابا في «الكفاية»، يعني «باب من استفسر في جرحه فذكر ما لا يصلح جارحًا» (^١)، ثم انتقل للرأي الثاني، وبدأ بمقارنته بالأول فقال:
القول الثاني: عكس القول الأول، ثم بينه، وهو: أنه يجب بيان سبب العدالة، ولا يجب بيان سبب الجرح، وعلّل بقوله: «لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها، فيبني المعدلون على الظاهر، ثم بين مصدره مع تأصيله» فقال: «حكاه صاحب المحصول وغيره»، ونقله إمام الحرمين في «البرهان»، والغزالي في (المنخول) تبعا له، عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وتعقب هذا التتابع على نسبته إلى القاضي أبي بكر، فقال: (والظاهر أنه وهم منهما)، وقدم البديل عن ذلك بقوله: «والمعروف عنه أنه لا يجب ذكر أسبابهما معا، كما سيأتي».
ثم انتقل للرأي الثالث: وهو أنه لابد من ذكر أسباب العدالة والجرح، وعزاه لمصدره، مع بيان وجهه ودليله فقال: «حكاه الخطيب، والأصوليون: قالوا: وكما قد يجرح الجارح بما لا يقدح، كذلك قد يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة»، كما روى يعقوب الفسوي في «تاريخه» قال: «سمعت إنسانًا يقول لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيف؟ قال: إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه»، لو رأيت لحيته وخضابه، وهيئته، لعرفت أنه (ثقة) وبين وجه الاستدلال المذكور حيث قال: فاستدل أحمد بن يونس على ثقته - أبي عبد الله المذكور - بما ليس بحجة، لأن حسن الهيئة يشترك فيه العدل والمجروح.
ثم ذكر الرأي الرابع: وبدأ بمقارنته أيضًا بالثالث فقال: «إنه عكسه» ثم
_________________
(١) انظر (الكفاية) للخطيب/ ١٨١ وما بعدها.
[ ٢ / ٩٢٤ ]
ذكره، وهو: «أنه لا يجب ذكر سبب واحد منهما إذا كان كل من الجارح والمعدل عالمًا بصيرًا»، ثم بين درجة هذا الرأي ومصدره فقال: «وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني، ونقله عن الجمهور». ثم بين تقوية الباقلاني له إذ يقول: «والذي يقوى عندنا، ترك الكشف عن ذلك، إذا كان الجارح عالمًا، كما لا يجب استفسار المعدل عما به صار عنده المزكى عدلا»، ثم بين تضارب الغزالي في ذكر رأي الباقلاني هذا، فقال: «وممن حكاه عن القاضي أبي بكر: الغزالي في «المستصفى»، خلاف ما حكاه عنه في «المنخول»، أي أن الغزالي ذكر في كتابه «المستصفى»: أن القاضي الباقلاني يرى هذا الرأي الرابع، وذكر في كتابه «المنخول» (^١): أنه يرى الثالث، وهو عكسه كما ذكرت».
وبهذا التتبع والمقارنة، أظهر العراقي ما وقع فيه الغزالي من تضارب في كتابيه، ثم قرر الصواب من ذلك فقال: «وما ذكره عنه في «المستصفى»: هو الذي حكاه صاحب «المحصول».
ثم عاد العراقي مرة أخرى إلى القول الأول من تلك الآراء الأربعة، فقال: والقول الأول هو الذي نص عليه الشافعي»، وقال الخطيب: «هو الصواب» وقال ابن الصلاح: «وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله» لكن ابن الصلاح استشعر أن تقرير هذا الرأي، يثير تساؤلًا: بأن الناس يعتمدون في جرح الرواة ورد حديثهم على مصنفات أئمة الجرح والتعديل، وقلما يتعرض فيها لبيان السبب، وكذلك كتب متن الحديث، يكتفون في غالبها بوصف الحديث
_________________
(١) فتح المغيث للعراقي ٢/¬١١.
[ ٢ / ٩٢٥ ]
بالضعف، دون تفصيل، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل تلك الأحاديث، وسد باب الجرح في غالب الرواة وقد أورد العراقي تساؤل ابن الصلاح هذا، ثم أتبعه بجواب ابن الصلاح عليه بقوله وجوابه «إن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية، يوجب مثلها التوقف، ثم من انزاحت عنه الريبة منهم يبحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته، قبلنا حديثه ولم نتوقف، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما، ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم». واعتبر ابن الصلاح أنه قد وفق في هذا الجواب فقال: «فافهم ذلك فإنه مخلص حسن (^١)».
والواقع أن ابن الصلاح في تقديري لم يوفق في هذا المخلص الذي استحسنه لأن السؤال المثار، مؤداه كما تقدمت عبارته: أن الكتب المصنفة بعد بحثها جميعها، ظهر لنا عدم اشتمالها على سبب جرح أكثر الرواة، فأين نجد بيان هذه الأسباب، حتى نحكم بموجبها؟ وهذا ما لم يجب عنه إلا بالتوقف في قبول مروياتهم، وهو ما يؤدي بنا إلى سد باب الجرح غالبا، وإلى تعطيل كثير من الأحاديث المدونة، وما استدل به منها الأئمة المجتهدون من قبله، ولهذا فإن العلماء من بعد ابن الصلاح، منهم من وافقه على ترجيحه للرأي الأول وعلى جوابه السابق عن السؤال المترتب عليه، ومن هؤلاء النووي (^٢) وابن الملقن (^٣). وخالفه الكثيرون، ومنهم العراقي، فتعقب ترجيحه وجوابه عن
_________________
(١) فتح المغيث للعراقي ٢/¬١٢.
(٢) «التقريب»: ٢٠٢، ٢٠٣.
(٣) «المقنع»: ٤٩، ٥٠.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
السؤال: بأنَّ إمام الحرمين أبا المعالي الجويني قال في كتابه (البرهان): الحق أنه إن كان المزكي عالمًا بأسباب الجرح والتعديل، اكتفينا بإطلاقه (الجرح وإلا فلا)، وأردف قائلًا: وهذا هو الذي اختاره أبو حامد العزالي، والإمام فخر الدين بن الخطيب، وتقدم نقله عن القاضي أبي بكر، وأنه نقله عن الجمهور، وممن اختاره أيضًا من المحدثين الخطيب، فقال بعد أن فرق بين الجرح والتعديل في بيان السبب: على أنا نقول أيضًا: إن كان الذي يُرْجَعُ إليه في الجرح عدلًا مرضيًا، في اعتقاده، وأفعاله، عارفًا بصفة العدالة والجرح وأسبابهما، عالمًا باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك، قبل قوله فيمن جرحه مجملًا، ولا يسأل عن سببه (^١).
وبهذا رد العراقي ترجيح ابن الصلاح للقول الأول، ورد أيضًا جوابه عن فائدة ذكر الجرح المجمل، الذي استحسنه، مع أنه يفضي إلى التوقف المطلق في قبول كثير من الأحاديث، وأقر ترجيح الرأي الرابع الذي عليه الجمهور، وبه يرتفع التساؤل كلية، ويمتنع التوقف في قبول حكم العلماء المجمل، سواء على الراوي أو المروي؛ لأن أئمة هذا الشأن لا يوثقون ولا يجرحون إلا عن فحص وتأمل كاف.
وهكذا نجد في هذا المثال صورة واضحة، لمباحث العراقي القيمة والجامعة في هذا الشرح، فقد اشتمل تناوله لهذا الموضوع على نماذج عديدة لبحثه للقضايا، ومعالجته للآراء المتعلقة بها، وتحديد موقفه منها، بحيث يمكنني الاكتفاء بذلك عن تعديد أمثلة أخرى، فقد رأينا أنه حدد درجة الآراء: من الصحة، والشهرة، والصواب، والظاهر، والمعروف، والقوي، والمختار، وقارن بين الآراء وبعضها البعض، وبين وجهة نظر القائل بالرأي ودليله، ومثاله، وقام بتأصيل الرأي المتداول.
_________________
(١) انظر في تفصيل هذه الآراء جميعها (فتح المغيث) للعراقي ج ٢/¬٩ - ١٥ و٥ مقدمة ابن الصلاح» / ١٣٨ - ١٤٢.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
بِتَتَبُّعِ انتقاله من المُتَقَدِّم إلى المُتَأَخِّر، وهو ما يعرف بالمنهج التاريخي في البحث، ونَبَّهَ على وَهْمِ بعض العلماء وتضاربهم، وَرَدَّ ذلك، مُبَيِّنَا ما ظهر له بشأنه، وبين من المؤلفات ما خَصَّ بعض الموضوعات بباب كامل، كما رَجَّح، واختار، من الآراء ما لم يرجحه أو يختاره غيره، ورد ما لم يرتضه.
وكلُّ عمل من هذه الأعمال العلمية التي تَجَلَّتْ في هذا المثال، له نظائر عديدة، تَبَيَّنْتُها خلال البحث التفصيلي المقارن لعامة الشرح، ومن يراجعه يجد مِصداق ذلك، ثم إن ما قرره في مسألة قبول الجرح والتعديل هذه، عندما نقارنه ونتتبع أثره نجد العراقي يلتقي فيه مع ما قرره شيخه ابن كثير (^١) وقرينه البلقيني (^٢) مع توسعه كثيرًا عنهما في عرض الآراء وبحثها، كما نجد العلماء من بعده، حتى عصرنا الحاضر، قد سلكوا مسلكه هذا، في العرض والبحث، وتناقلوه عنه، مع إضافة ما بدى لهم (^٣)، ونسب السيوطي إلى العراقي والبلقيني تصحيح الرأي الرابع (^٤).
تم الجزء الثاني من «كتاب الحافظ العراقي وأثره في السنة» ويليه الجزء الثالث وأوله: «رجوع العراقي عن بعض آرائه الواردة في الشرح، ورأيه في تقليد الغير».
_________________
(١) انظر «اختصار علوم الحديث» له/ ٩٤، ٩٥.
(٢) «محاسن الاصطلاح» / ٥٤٢.
(٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٢٨٠ - ٢٨٥ و«قطر الدرر» / ١٤ ب، ١٥ أ و«فتح الباقي» للأنصاري ٥٨ ب، ٥٩ أ و«الرفع والتكميل» للكنوي/ ٢٧ - ٣٧.
(٤) «تدريب الراوي» له/ ٢٠٣، ٢٠٤.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
٨ - رجوع العراقي عن بعض آرائه الواردة في الشرح، ورأيه في تقليد الغير:
وإذا كان العراقي قد وفق في عرضه للآراء، وتمحيصها مع بيان رأيه الخاص قبولا أو ردا، وتأثر به من بعده على النحو الذي فصلته، فإنه لم يسلم بدوره من بعض الانتقادات والأوهام اليسيرة فيما قرره وارتآه، ومن أظهر الأمثلة لهذا ما صرح هو بنفسه برجوعه عنه.
وذلك أن ابن الصلاح قرر في «المؤتلف والمختلف» أن زياد بن رياح - بالياء المثناة - الواقع في الصحيح، هو أبو قيس، الراوي عن أبي هريرة في أشراط الساعة ومفارقة الجماعة (^١)، وتبعه على هذا غيره (^٢).
أما العراقي فقال في شرحه: «إن زياد بن رياح هذا، هو القيسي البصري، ويكنى أبا رياح أيضا، كاسم أبيه»، ثم قال: «وقيل: كنيته أبو قيس، تابعي له في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة حديثان …» وذكرهما (^٣).
لكنه عاد في نكته على ابن الصلاح التي فرغ منها بعد الشرح كما سيأتي، فقال معلقا على زياد بن رياح هذا: «إن ما ذكره المصنف، أي ابن الصلاح، من أن كنيته أبو قيس، قد خالفه المزي في «التهذيب»، فرجح «أبا رياح» بالمثناة، كاسم أبيه فقال: زياد بن رياح، ويقال ابن رباح القيسي، أبو رياح، ويقال أبو قيس»، وأتبع ذلك بقوله: «وقد كنت قلدت المزي في ترجيحه
_________________
(١) و(المقدمة) ٢/ ٣٩٤/ ٣٩٥.
(٢) و(التقريب) للنووي مع (التدريب) ١/ ٤٧٣.
(٣) و(الشرح) ج ٤/ ١٠١.
[ ٣ / ٩٢٩ ]
لذلك، فصدرت به كلامي في شرح الألفية، ثم تبين لي أنه وهم، أو خلاف مرجوح، وأن الصواب ما ذكره المصنف» ثم بين دليل الصواب الذي تبين له قائلا: فقد وقع كذلك مكنى في (صحيح مسلم) في كتاب المغازي من رواية غيلان بن جرير عن أبي قيس بن رياح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات، ميتة جاهلية) الحديث (^١)، ولم يقع مكنى بـ (أبي قيس) في موضع من الصحيح إلا هنا، عند مسلم، وله عند مسلم حديث آخر في (الفتن، وقع فيه مسمى غير مكنى، وهكذا كناه البخاري في (التاريخ الكبير)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، ومسلم في (الكنى)، والنسائي في «الكنى»، وأبو أحمد الحاكم في (الكنى)، وابن حبان في (الثقات)، والدارقطني في «المؤتلف والمختلف»، والخطيب في كتاب «المتفق والمفترق»، وابن ماكولا في الأكمال)، و«صاحب المشارق»، وغيرهم.
ثم انتقل إلى بيان المصدر الأساسي للخطأ الذي وقع فيه هو مع غيره، وحاول استنتاج مبعثه فقال: (وفي المؤتلف والمختلف) للدارقطني: أن جرير بن حازم كناه - يعني أبا رباح - كذلك، وبه جزم المزي في (الأطراف)، ولم أر أحدا من المتقدمين كناه أبا رباح، ولكن المزي تبع صاحب (الكمال) في ذلك، وكأن سبب وقوع الوهم في ذلك، أن لهم شيخا آخر يسمى زياد بن رياح أيضًا، وهو بصري كالأول، ولكنه متأخر الطبقة عن ذلك، رأى أنسًا وروى عن الحسن البصري، وكنية هذا أبو رياح، كما كناه البخاري في
_________________
(١) هو هكذا في كتاب الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة من (صحيح مسلم) (طبعة دار الشعب ج ٦/¬٢٠، ٢١).
[ ٣ / ٩٣٠ ]
«التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والنسائي في «الكنى»، وابن حبان في «الثقات»، وأبو أحمد الحاكم في «الكنى»، والدارقطني، وابن ماكولا، في «المؤتلف والمختلف»، والخطيب في «المتفق والمفترق».
ثم ختم العراقي بحثه هذا بقوله: «وإنما نبهت على ذلك، وإن كان الصواب ما قاله المصنف، لئلا يُغْتَر بكلام المزي في «التهذيب» وبتقليدي له في شرح الألفية» (^١). ومن هذا يتجلى لنا عدة حقائق:
أحدها: توسع العراقي في بحث المسألة للوقوف على الحقيقة، فتتبعها في ١٤ مرجعا، للمتقدمين والمتأخرين حتى عصره، وأغلبها من كتب الرجال الأصلية في الموضوع، كما قدم إحصاء دقيقا، بنفي وجود الكنية المختلف فيها في الصحيح، وهذا يدل على سعة اطلاعه، وإحاطته، وعمق خبرته بعلم الرجال، ومصادره.
وثانيها: أنه يقرر مع هذا، أنه هو وغيره من العلماء، قد يقلدون غيرهم من ثقات العلماء، فيأخذون بآرائهم، وترجيحاتهم، دون بحثها، لكنه ينبه الباحث إلى أنه لا ينبغي أن يتخذ التقليد قاعدة، ولا يغتر بما يقرره أو يرجحه غيره، ولو كان العراقي نفسه، بل عليه أن يبحث بنفسه بعمق، وتوسع، ويعتمد على ما أسفر عنه بحثه، ولو خالف ما قرره غيره.
ثالثها: أن العراقي طبق على نفسه وعلى غيره قاعدة استنباط الآراء السابق ذكرها، وهي أن ما يصدر به الباحث كلامه من الآراء، يعتبر راجحًا عنده،
_________________
(١) «التقييد والإيضاح» للعراقي/ ٣٩٥، ٣٩٦.
[ ٣ / ٩٣١ ]
إذا لم يصرح بخلافه.
رابعها: تحلي العراقي بالأمانة العلمية، وبالثقة بالنفس، بحيث لم يستنكف عن تسجيل الإعتراف بخطئه، ورجوعه عنه، في أحد مؤلفاته المتداولة، ومارس بذلك نقده لذاته، وهو من أصعب الأمور على النفس، خاصة في عصره، الذي اشتد فيه تنافس العلماء، وقد مر في بحث آرائه في الألفية، مثال لذلك أيضًا، بل ومثال لقبوله للنقد من بعض تلاميذه، دون تبرم.
خامسها: أن شرح العراقي للألفية، يمثل آراء العراقي العلمية حتى وقت تأليفه، وبالتالي ينبغي الرجوع لما ألفه في علم المصطلح بعد ذلك، لمعرفة آرائه النهائية، وإن كان هذا التغير في الآراء ليس كثيرًا عنده.
وقد أخذ العلماء من بعد العراقي بما انتهى إليه أخيرًا في تصويب هذه الكنية، وتمييز صاحبها، وبرده للوهم المتتابع فيها من العلماء، وبيان مبعثه (^١).
مؤلفات العلماء عن شرح العراقي لألفيته، وأهميتها:
بينت في المبحث السابق، النماذج المتعددة، الدالة على أن حفاظ السنة وعلماءها البارزين بعد العراقي، وحتى الآن، قد اعتمدوا نصا وروحا، في بحوثهم، ومؤلفاتهم، على الشرح المتوسط للعراقي على ألفيته، وتأثروا في كثير من آرائهم قبولًا وردا، بما أودعه في هذا الشرح من بحوثه وآرائه، وأضيف هنا: أن العلماء لم يقتصر ارتباطهم بالشرح ومؤلفه على ذلك، بل جعلوا الشرح نفسه موضوعا لبحوثهم ومؤلفاتهم، وعكف الأفذاذ فضلا عن سواهم، على ذلك، منذ عصر العراقي وحتى الآن، في شرق العالم
_________________
(١) انظر «فتح المغيث»، للسخاوي ج ٣/ ٢٣٥ و«تدريب الراوي» ٢/ ٤٧٣
[ ٣ / ٩٣٢ ]
الإسلامي وغربه، وهذا من أوضح الأدلة على كثرة الإقبال المستمر في مختلف العصور، والأمصار على تدارس هذا الشرح، والاستفادة بمحتواه، من بحوث العراقي، وتحقيقاته وآرائه في مصطلح علوم السنة ومتعلقاته، وقد قرر السخاوي وغيره، أن هذا الشرح واكب الألفية في النفع والانتشار، في أكثر الأقطار (^١).
فكان ذلك محركًا لهمم العلماء، لينهضوا في مختلف الأمصار والأزمنة لتيسير الاستفادة بالشرح ككل، لمختلف المستويات العلمية.
وقد أوصلني البحث المضني، والاطلاع التفصيلي، على ما وجدته من المؤلفات، إلى أن العلماء، منهم من اختصر هذا الشرح، لتسهيل الإحاطة بمضمونه، خاصة على المبتدئين، ومنهم من عمل عليه حاشية، أو نكتا، مع التعرض لألفاظ، وعبارات، الألفية أيضًا، بحكم وجودها في خلال الشرح.
ومجمل ما تناولته هذه الحواشي، بحسب اطلاعي المفصل، على ما وجدته منها: هو توضيح ما أجمله العراقي في الشرح، بحكم منهجه المتوسط، وشرح ما أهمله من ألفاظ وعبارات الألفية؛ لوضوحه وعدم إشكاله في نظره، والدفاع عن الآراء التي وردت في الشرح وفي الألفية، سواء كانت للعراقي، أو لغيره، أو الانتقاد لها، كما أنهم يعتمدون على مؤلفات العراقي الأخرى، لاستكمال آرائه ومقارنتها ببعضها البعض، أو بغيرها، وبهذا أعطت تلك المؤلفات امتدادًا واتساعًا لأثر العراقي في علوم السنة.
وتبين لي أيضًا وجود بعض أخطاء شائعة، عن تلك المؤلفات، بين
_________________
(١) «وفتح المغيث» للسخاوي/ ج ٣/ ٣٦٣ و٥ و«إنباء الغمر» لابن حجر/ ج ٢/ ٢٧٩.
[ ٣ / ٩٣٣ ]
مؤرخّي التراث ومحققّيه.
وسأتناول بالتعريف الموجز، ما توصلت إليه من تلك المؤلفات، خاصة وأنها ما بين مفقود حاليًا، أو مخطوط نادر، كما سأبين ما وفقت لتصويبه من الأخطاء الشائعة، وذلك على النحو التالي:
١ - مختصرات الشرح:
أ - مختصر الشمس بن العماد المالكي (^١):
وهذا المختصر، ذكره السخاوي في آخر شرحه للألفية، حيث ذكر أن شرح العراقي - مع إيجازه - فقد اختصره الشمس بن العماد المالكي.
ويبدو أنه أقدم المختصرات، حيث ذكر السخاوي، مع درايته بمصنفات علوم السنة حينئذ، أنه حين ألف شرحه الذي فرغ منه سنة ٨٨٢ هـ كما تقدم لم يعلم بوجود شرح آخر لغير المصنف إلا مختصر ابن العماد هذا، لشرح المصنف، لكنه لم يقدم عنه، ولا عن مؤلفه تفاصيل أخرى (^٢) ولا وقفت أنا رغم البحث الكثير، على شيء من نسخه، أو نصوصه.
ب - مختصر عبد الرحمن العيني، وما وجدته من نسخه الخطية:
ذكر صاحب «كشف الظنون» من الشروح المشهورة للألفية: شرح زين الدين، أبي محمد عبد الرحمن بن أبي بكر العيني المتوفى سنة ٨٩٣ هـ (^٣) وهو غير العيني شارح البخاري، وتلميذ العراقي كما تقدم.
_________________
(١) سبق التعريف به.
(٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٣٦٢.
(٣) «كشف الظنون» ٤/ ١٥٦.
[ ٣ / ٩٣٤ ]
وقد ذكر المفهرسون أيضا هذا المختصر باسم «الشرح» (^١)، وقد وقفت على نسخة خطية وحيدة منه، بدار الكتب المصرية برقم (٤٠٢) مصطلح. وهي نسخة عادية، خطها رقعة، وعدد أوراقها ٥٧ ورقة من الحجم الصغير، وعدد سطور الصفحة ٢١ سطرا، وجاء في نهايتها قول المؤلف: «وكمل هذا التعليق في ١٣ جمادى الأولى سنة ٨٧٢ هـ بصالحية دمشق المحروسة، وهذا يحدد لنا زمان ومكان تأليف الكتاب، وقد عنونت النسخة بـ «شرح ألفية الحديث» للعيني، والمتن للعراقي رحمهما الله».
وقد قال المؤلف في مقدمته: «قصدت أن ألخص من كلام الحافظ العلامة زين الدين العراقي تغمده الله برحمته، تعليقا لطيفا، على أرجوزته في علم الحديث، وأن أجعله ممزوجا (^٢)، تسهيلا للنظم، وتقريبا للفهم».
ومن هذا يظهر أنه مختصر لشرح العراقي، مع مخالفته في المنهج الشكلي، بجعله الشرح ممزوجا بالمتن، بينما شرح العراقي، غير ممزوج كما قدمت عنه، وقد تتبعت كثيرا من أبواب هذا المختصر، من أوله إلى آخره، وخاصة في الموضوعات المشكلة، والمختلف فيها، فلم أجد المؤلف خرج عما ذكره العراقي في شرحه، ولا أضاف من جانبه شيئا، كما يفعل بعض الملخصين لمؤلفات غيرهم، وعلى هذا، فإنه كان الأولى أن يعنون الكتاب بـ «مختصر شرح العراقي» ويذكر بهذا في الفهارس، وكان على صاحب «كشف الظنون» ذكره مع بعض ملخصات الشرح التي ذكرها (^٣)، بدلا من عده ضمن الشروح.
_________________
(١) انظر (فهرس مخطوطات المصطلح بدار الكتب المصرية) ص ٢٤٦/ نهر (١).
(٢) سبق التعريف بمزج الشرح.
(٣) انظر: كشف الظنون ٤/ ١٥٦.
[ ٣ / ٩٣٥ ]
كما أشرت؛ لأن من بعده قد تبعوه على عده شرحًا مستقلا، وهو مخالف لواقعه، كما بينتُ فَلْيَتَنَبَّه لذلك.
ج - مختصر قاضي القضاة أحمد بن إبراهيم الحنبلي:
مؤلف هذا المختصر هو: أحمد بن إبراهيم بن نصر الله، الحنبلي، الملقب بـ «قاضي القضاة» في زمنه، وأحد شيوخ السيوطي، الذي ترجمه، فذكر أنه ولد سنة ٨٠٠ هـ، وأن العراقي أجازه برواية الحديث، وذكر أنه درس بمدارس مصر العظيمة، وتوفي سنة ٨٧٦ هـ، وأن من مؤلفاته في المصطلح «مختصر شرح ألفية الحديث» للعراقي، ولكنه لم يذكر تفصيلات أخرى عن هذا المختصر، رغم أن مؤلفه هو أحد شيوخه (^١)، ولم أقف أنا على شيء من نسخه، ولا على نصوص منه.
د - ملخص أمير بادشاه، البخاري، المكي، وبعض نسخه الخطية:
وقد ذكره صاحب «كشف الظنون» عقب ذكره لشرح العراقي فقال: وملخص هذا الشرح، للسيد الشريف: محمد أمين، الشهير بأسير بادشاه البخاري، نزيل مكة، وبيض لتاريخ وفاته، ولم يذكره، ويظهر أنه اطلع على هذا الملخص، حيث نقل عبارة من أوله فقال: «أوله: الحمد لله الذي أسند حديث الوجود …» إلخ، ثم حدد تاريخ ومكان الفراغ من تأليفه، فقال: فرغ عنه بمكة، في رمضان سنة ٩٧٢ هـ (^٢). وقد وقفت على ذكر نسخة خطية منه في فهرس مكتبة «قاضي عسكر
_________________
(١) «نظم العقيان» للسيوطي/ ٧ ب، ٨ أ.
(٢) انظر: «كشف الظنون» / ١٥٦.
[ ٣ / ٩٣٦ ]
محمد مراد» باستانبول، وذكرها المفهرس بعنوان (شرح ألفية العراقي) وذكر أنها في مجلد واحد، وخطه نسخ ورَقْمُه في المكتبة (٣٢٩) (^١)، ولم يتح لي الاطلاع على تلك النسخة، كما لم أقف على غيرها بفهارس المكتبات المصرية، والعربية.
٢ - أهم الحواشي على الشرح:
أ - حاشية إبراهيم الحلبي، المعروف بسبط ابن العجمي:
ذكر صاحب (كشف الظنون) من شروح الألفية المشهورة، شرح الشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى سنة ٩٥٥ هـ (^٢)، ولم يذكر عنه تفصيلات أخرى. وقد وجدت السخاوي ترجم لإبراهيم بن محمد بن خليل المعروف بالبرهان الحلبي، وبسبط بن العجمي، وهو من أعيان تلاميذ العراقي كما قدمت، وذكر السخاوي من مؤلفات إبراهيم هذا، تعليقا يسيرًا على ألفية العراقي وشرحها، ولكنه ذكر وفاته في ٢٦ شوال سنة ٨٤١ هـ (^٣)، فلعل صاحب الكشف قصد ذكر هذه الحاشية، وأخطأ في تاريخ وفاة المؤلف، كما هو معروف عنه في كثير من الوفيات، ولكن العلماء من بعده، والكاتبين عن التراث، تابعوه على ما ذكر، دون تمحيص (^٤) فليتنبه لهذا.
_________________
(١) انظر «فهرس المكتبة» (/ ٢٩ و(نوادر المخطوطات) للشيخ طاهر الجزائري ٢/ ٨٥.
(٢) و(كشف الظنون) ٤/ ١٥٦.
(٣) و(الضوء اللامع) ج ١/ ١٣٨ وما بعدها.
(٤) انظر (مقدمة تحفة الأحوذي) للمباركفوري ج ١/ ٢٢٢، و(مقدمة شيخنا عبد الوهاب عبد اللطيف الجزائري لتحقيق كتاب) تدريب الراوي) ص هـ و(مقدمة عبد الرحمن عثمان لطبع فتح المغيث) للسخاوي بمصر سنة ١٩٦٨ ج ١/¬٤.
[ ٣ / ٩٣٧ ]
وعموما فإن البحث الدائب لم يوقفني على شيء من تلك الحاشية ولا على تفصيلات أخرى عنها.
ب - حاشية ابن حجر العسقلاني:
هذه الحاشية ذكرها السيوطي ضمن مؤلفات ابن حجر فقال: ومما شرع فيه وكتب منه اليسير: «النكت على شرح ألفية العراقي» (^١)، وهذا يفيد أنه لم يتمها ومع ذلك فقد وجدتُ الحافظ ابن حجر نفسه، أجاز بما كتبه منها بعض تلاميذه مع الألفية وشرح العراقي عليها، فقال: «قرأ علي جميع هذه المنظومة الألفية، من نظم شيخنا شيخ الإسلام أبي الفضل عبد الرحيم … العراقي، وأذنت له أن يروي عني، بقراءتي لجميعها على شيخي المذكور مع شرحها … وأذن لي في إقرائها، وقد أذنت للشيخ القارئ علي ذلك، أن يروي عني جميع ما يجوز عني روايته، ومن ذلك: ما كتبته حاشية على الشرح المذكور … وأجزت له أن يفيد ذلك لمن رآه أهلا لذلك، وقال: وكتبه أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في سنة ٨٤٥ هـ (^٢)، ونص هذه الإجازة يدل على تداول ودراسة ما أنجزه ابن حجر من حاشيته المذكورة، كما يشير إلى أنه أنجزه قبل تاريخ تلك الإجازة في سنة ٨٤٥ هـ، ويدل أيضًا على تداول الألفية، وشرح العراقي عليها، سواء بروايتهما بالسند المتصل عن العراقي، أو بدراستها والاستفادة بهما.
وللأسف لم أقف على شيء من نسخ أو نصوص ذلك القدر من حاشية ابن حجر.
_________________
(١) «نظم العقيان»، للسيوطي/ ١٢ ب.
(٢) انظر آخر النسخة الخطية من ألفية العراقي، بدار الكتب المصرية برقم (٨٨٠) مجاميع طلعت رقم ١ من المجموعة.
[ ٣ / ٩٣٨ ]
ج - حاشية الحافظ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، وبعض نسخها الخطية:
ذكر صاحب «كشف الظنون» هذه الحاشية وذكر وفاة مؤلفها سنة ٨٧٩ هـ (^١) وقد وقفت على ذكر نسخة خطية منها موجودة بمكتبة «لاله لي» باستانبول برقم (٣٥٨).
وجاء بفهرس المكتبة المخطوط: أن النسخة تقع في مجلد واحد في حجم الثمن، وخطها نسخ، ولكن لم يذكر اسم مؤلفها (^٢)، وقد ذكر في الفهرس المطبوع أنه: محمد بن قاسم (^٣)، وتبعه الشيخ طاهر الجزائري (^٤). وهذا وهم، والصواب أنه قاسم، كما سيأتي تصريحه بذلك في مقدمتها، ويظهر أن النسخة المشار إليها كاملة، ولكني لم أتمكن من الاطلاع عليها، وإنما وقفت على قطعة وحيدة من تلك الحاشية، موجودة بدار الكتب المصرية برقم (٧٩٨) مجاميع طلعت، وهي الثانية في المجموعة من ٣٨ - ٦٩ وتقرب من ثلث الكتاب، لأن آخر الموجود منها مبحث «زيادة الثقات»، وقد كتب تحت عنوان تلك القطعة، أنها بخط المؤلف، لكني وجدت بهوامش صفحاتها، إثبات مقابلتها بواسطة الشيخ الإمام محب الدين بن هشام، ودعاء المؤلف قاسم الحنفي له، وهذا يدل على توثيق النسخة بمقابلتها مع المؤلف وبواسطة هذا العالم المعروف، لكنه يُبْعِدُ القول بأنها بخط المؤلف فليتنبه لذلك، ولا يُغْتَر بما كتب بأولها أنها بخط المؤلف، كما ذكرت، وقد قال المؤلف في
_________________
(١) وكشف الظنون» / ١٥٦.
(٢) وفهرس مكتبة لاله لي والمخطوط/ ٢٢.
(٣) وفهرس المكتبة، المطبوع/ ٣١.
(٤) «منتخبات نوادر المخطوطات»، له/ ج ١/ ١٥٩.
[ ٣ / ٩٣٩ ]
المقدمة: أما بعد فإن الفقير إلى رحمة ربه الغني، قاسم بن قطلوبغا الحنفي، يقول: «هذه حاشية علقتها على شرح ألفية الحافظ الزين العراقي حين قراءته علي» (^١).
وبهذا يرد على من عد هذه الحاشية ضمن شروح الألفية (^٢) وعلى من سمى المؤلف محمد بن قاسم، كما أشرت من قبل. وقد اطلعت على تلك القطعة واستفدت منها، خاصة فيما امتازت به، من الاشتمال على بعض نصوص «الشرح الكبير» للعراقي، وبعض نصوص ما شرحه ولده أبو زرعة أيضًا من أبيات الألفية، وغير ذلك، كما يلاحظ من إحالاتي السابقة عليها، بحيث يكفيني ذلك عن ذكر نماذج أخرى منها، وقد لاحظت أيضًا أن الشيخ قاسم لم يعلق على كل مباحث الشرح، بل ترك بعض المباحث كلية دون تعليق، مثل: مباحث: «الحديث المرفوع» و«المتصل» و«الموصول» و«المقطوع». ولكن تعليقاته على باقي المباحث جيدة ومفيدة في جملتها، ومتممة المضامين شرح العراقي.
د - حاشية البقاعي، وتسميتها، وإثبات إكماله لها، وبعض مميزاتها، ونسخها الخطية: هذه الحاشية ألفها الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي المتوفى ٨٨٥ هـ، وهو من أبرز تلاميذ ابن حجر العسقلاني، وقال السيوطي: «إن من مؤلفات البقاعي الحسنة: «النكت الوفية على شرح الألفية» (^٣).
_________________
(١) انظر «الحاشية» ٣٨ ب.
(٢) «مقدمة عبد الرحمن عثمان لفتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬٤.
(٣) «نظم العقيان»، له/ ٦ أ.
[ ٣ / ٩٤٠ ]
أما البقاعي فصرح في مقدمته كما سيأتي بتسميتها بـ «النكت الوفية بما في شرح الألفية»، وقد ذكر صاحب «كشف الظنون»: أن البقاعي بلغ إلى نصفها فقط، ونقل عبارة من أولها، مما يدل على إطلاعه عليها (^١)، وتبعه على هذا كثيرون حتى عصرنا الحاضر (^٢)، وقد تبين لي أن هذا خطأ، رغم تداوله وشيوعه، والصواب: أن البقاعي أكمل هذه الحاشية، وأقرب الأدلة التي توفرت لي على ذلك وأطرفها أيضًا، أن صاحب «كشف الظنون» نفسه الذي قرر توقف البقاعي عند النصف، قد نقل في هامش كتاب «الكشف» نصوصًا، وعزاها إلى تلك الحاشية، وهي من المباحث الواقعة في النصف الثاني، ذلك: أن نصفها الأول كما في النسخة التي وقفت عليها منه، ينتهي بـ «مبحث كتابة التسميع»، والنصوص التي نقلها صاحب «الكشف» بعضها من مبحث «آداب طالب الحديث» (^٣)، وهو المبحث الخامس عشر بعد مبحث «كتابة التسميع»، وبعضها من مبحث «غريب ألفاظ الحديث» (^٤)، وهو المبحث الثامن عشر بعد مبحث «كتابة التسميع»، فلعله حين كتب عن هذه الحاشية، لم يكن وقف على هذا النصف الثاني، ولما وقف عليه لم يتيسر له تصحيح ما سبقت كتابته. وهذا التصويب لم أجد من سبقني إلى إثباته فلله الحمد على توفيقه، ثم إني وجدت الطوخي في حاشيته على شرح
_________________
(١) وكشف الظنون ١/ ١٥٦.
(٢) انظر «مقدمة تحفة الأحوذي» للمباركفوري جـ ١/ ٢٢٢ و«مقدمة شيخنا عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ لتحقيق تدريب الراوي» / ص هـ.
(٣) انظر هامش «الكشف» ٥/ ١٨٤٩.
(٤) انظر هامش «الكشف» ٢/ ١٢٠٤، ١٢٠٦.
[ ٣ / ٩٤١ ]
الأنصاري للألفية كما قدمت، قد نقل عن تلك الحاشية في عدة مباحث من النصف الثاني منها، إلى آخر المبحث الثالث عشر منه (^١).
كما وجدت نقولا منه بهوامش بعض نسخ شرح العراقي الخطية، حتى آخر مبحث «الحديث المسلسل» وهو المبحث التاسع عشر منه (^٢)، وسيأتي بعض الأدلة أيضًا، في التعريف بنسخة النصف الأول التي وقفت عليها، لكن يظهر أن البقاعي تراخى بين تأليف النصف الأول وتأليف النصف الثاني، بحيث تم تداول الناس النصف الأول وحده، والثاني وحده، وكان تداول الثاني أقل، بدليل أن النسخ التي وقفت على ذكرها هي للجزء الأول فقط، فقد ذُكِرَتْ نسخة بفهرس مكتبة فيض الله باستانبول برقم (٢٥٢)، وذكر المفهرس: أنه المجلد الأول فقط (^٣)، ونسخة ثانية بمكتبة عاطف أفندي بالآستانة أيضًا برقم (٢٦٨)، وذكر المفهرس: أنه مجلد واحد (^٤)، وكذا ذُكِرَتْ نسخة ثالثة المجلد واحد بمكتبة قاضي عسكر، باستانبول أيضًا برقم (٣٢٥) (^٥)، ولم يتح لي الاطلاع على أي من تلك النسخ، أما النسخة التي وقفت عليها فهي موجودة بالمكتبة العامة للأوقاف ببغداد برقم (١٥٠٧) حديث وعلومه، ورقمها في فهرس المكتبة المطبوع (٤٩١) حديث، وقد حصلت على صورة
_________________
(١) انظر «حاشية الطوخي» ٥/ ٢٦٧ أ.
(٢) انظر «النسخة» رقم (١٤٦) مصطلح طلعت، بدار الكتب المصرية).
(٣) «فهرس مكتبة فيض الله» المخطوط/ ٣٢.
(٤) انظر: «فهرس مكتبة عاطف أفندي» / ٢٣ و(منتخبات نوادر المخطوطات) للشيخ طاهر الجزائري ج ٢/ ٥٨.
(٥) «فهرس المكتبة» / ٢٩ و«منتجات الجزائري» ج ٢/ ٨٥.
[ ٣ / ٩٤٢ ]
الباب الثالث: أثر العراقي والقلقيلي والوادآشي في مصطلح علوم السنة وعلو رجالها
ميكروفيلمية لها بمعونة صادقة من بعض الزملاء الأفاضل وهو الأخ الدكتور: «عبد الستار القدسي» جزاه الله خيرا.
ويبحثها من أولها إلى آخرها، تبين لي أنها نسخة من الجزء الأول فقط، كما سأفصله، كما أن بها خرما أزيد من ورقة من أثنائها، ولولاه لكانت في غاية الجودة، نظرًا لتوثيقاتها المتعددة، فهي مكتوبة في حياة المؤلف، وبخط بعض تلاميذه، بدليل قوله في عنوانها: تأليف شيخنا وسيدنا الإمام … . برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي … أدام الله النفع بعلومه، وأبقاه في عافية آمين.
ثم أُثبت بهامشها بخط البقاعي، في مواضع متعددة، قراءة تلميذه، مالك النسخة شهاب الدين الحمصي لها عليه، قراءة بحث وتقرير، وكذا أثبت بهامشها مقابلتها على المؤلف، ثم كتب في نهايتها تاريخ الفراغ من نسخها، وهو: ٥ من شهر ذي الحجة سنة ٨٨٠ هـ، أي قبل وفاة البقاعي بخمس سنوات تقريبا وهذا وقت متأخر عن تأليف الحاشية، حيث صرح البقاعي كما سيأتي بتأليفها في حياة شيخه ابن حجر المتوفى سنة ٨٢٥ هـ.
وآخر الموجود بهذا الجزء مبحث «كتابة التسميع»، وجاء في نهايته ما نصه: «آخر الجزء الأول، ويتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى «صفة رواية الحديث وأدائه»».
وهذا صريح في أن البقاعي لم يتوقف عند هذا الموضع المساوي للنصف الأول للحاشية تقريبا، بل واصل المسيرة من بعده حتى أتمها، كما قررت من قبل، وقد وجدتُ فعلا نقول الطوخي عنه كما قدمت، ومنها نقله في أول
[ ٣ / ٩٤٣ ]
مبحث (صفة رواية الحديث) هذا الذي قرر تلميذ المؤلف أنه أول الجزء الثاني من الحاشية، فكان أول كلام الطوخي على هذا المبحث منقولًا عن البقاعي في شرح عنوان المبحث، وهو «رواية الحديث وأدائه» حيث قال: «قال البقاعي: الظاهر أنه معناهما - أي الرواية والأداء - واحد، من حيث صدقهما على تبليغ الحديث إلى الغير …» الخ (^١).
ويقع هذا الجزء من الحاشية في ٣١١ ورقة، من الحجم العادي، وعدد سطور الصفحة ١٩ سطرًا، وخطها نسخ واضح، وبهامشها تصحيحات وتعليقات، وتمتاز حاشية البقاعي هذه، باشتمالها على أكبر قدر وقفت عليه من (الشرح الكبير) للعراقي على الألفية، وهو كما قدمت في حكم المفقود، فحفظ لنا البقاعي فيها قدرًا حسنًا من تراث العراقي وجهده العلمي، الذي لا نجده بذاته حاليا.
كما أن بها نقولًا أخرى عديدة عن مؤلفات العراقي الأخرى.
وتمتاز أيضا بتناول البقاعي فيها جميع أبواب الألفية بالتعليق، بخلاف ما فعله ابن قطلوبغا في حاشيته السابقة، من ترك التعليق على بعض الأبواب. ولهذا فإني اطلعت على هذا الجزء جميعه، واستفدت منه في هذا البحث كما يلاحظ ذلك من الإحالات عليه، وخير ما يعرفنا بتلك الحاشية هو مؤلفها حيث يقول في مقدمتها: «أما بعد فهذه فوائد، ونكت، وأبحاث، تتعلق بالألفية الحديثية وشرحها، كلاهما لشيخ الحفاظ، زين الدين … العراقي» في مصطلح أهل الحديث، قيدت فيها ما استفدته من تحقيق تلميذه.
_________________
(١) «حاشية الطوخي» / ٢٥٩ ب.
[ ٣ / ٩٤٤ ]
شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر، أبي الفضل، ابن حجر الكناني العسقلاني …، أيام سماعي لبحثها عليه، بارك الله في حياته … سميتها «النكت الوفية بما في شرح الألفية»، ثم قال: «واعلم أن ما كان فيها من بحثي صَدَّرْتُه في الغالب بـ (قلت)، وختمته بقولي: والله أعلم، وما نقلته عن شيخنا من بعض الكتب، عزوته إليه، وما عدا ذلك، وهو جل الأمر، فهو من كلام شيخنا، فإن كان مِنْ بَحْثِهِ، فإني عبّرت عنه بعد انفصالي عن مكان الدرس بحسب فهمي، وإن كان ناقلا له، فإني كتبت اسم المنقول عنه من لفظه في الحال، وعبرت عن مقوله، كما تقدم» (^١).
هـ - حاشية السخاوي، أو نكته:
ذكر السخاوي هذا الكتاب مرة باسم الحاشية (^٢)، وأخرى باسم النكت (^٣)، وكلا الاسمين معتاد إطلاقهما على مسمى واحد، وهو التأليف الذي يتناول من كتاب بعض ألفاظه، وعباراته، وموضوعاته، بالتعليق، حسبما يظهر لمؤلفه وقد تناول فيه السخاوي الألفية أيضا، مع شرح العراقي لها، نظرا لأن الشرح مشتمل على كثير من عباراتها، بحكم التصدي لشرحها، ويظهر أنه ألفها قبل شرحه للألفية السابق التعريف به، لأنه ذكر في مقدمة الشرح المذكور: أنه لم يتوسع فيه، استغناء بهذا التصنيف المضبوط، الذي جعله كالنكت على الألفية، وعلى شرح المؤلف لها (^٤) ثم أحال عليها خلال الشرح،
_________________
(١) والنكت الوفية ٢/¬٥ أ.
(٢) انظر (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬٣٠ و٥ الجواهر والدرر ٤/ ٨٦ ب، ٨٧ أ.
(٣) (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬٢٣ و٥ الضوء اللامع: ج ٨/¬١٦ وما بعده.
(٤) (فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬٧، ٨.
[ ٣ / ٩٤٥ ]
في عدة مواضع (^١)، واعتبرها أصلًا لشرحه (^٢)، لكن يبدو أنه يتض الشرح قبلها؛ حيث قال في الشرح: «فليراجع أصله بعد تحريره، إن شاء الله تعالى» (^٣)، وتعتبر هذه الحاشية بحسب وصف المؤلف لها، أوسع ما علمته من المؤلفات على شرح العراقي، فقد قال السخاوي: إنه بيض نحو ربعها في مجلد (^٤)، وذلك يفيد أن مبيضتها إذا كملت تقع في ٤ مجلدات، بينما شرح السخاوي - على اتساعه - يقع في مجلد مخطوط كما قدمنا، وعموما فإني لم أقف على شيء من نسخها في فهارس المكتبات المصرية والعالمية المتعددة التي اطلعت عليها وهي كثيرة.
ومما يصور اتساعها، بعض إحالات السخاوي نفسه في شرحه عليها، حيث يقول: إنه ذكر فيها من الأقوال في أصح الأسانيد ما يزاحم عشرين قولا (^٥)، وفي مبحث «المستخرجات» قال: إنه أورد من فوائدها في النكت نحو العشرين فائدة (^٦)، والله أعلم.
و- حواشي شيخنا الشيخ محمود ربيع ﵀ -:
وهي التعليقات التي ذكرها ﵀ بهامش طبعة الشرح المصرية، وسماها: «الدراري الفاخرة» وقدمت التعريف بها مع الطبعة، ومع أن المؤلف ﵀
_________________
(١) ج ١/¬٢٣، ٢٥، ٤١، ٥٢، ج ٢/¬٣٠.
(٢) ج ١/¬٢٦، ٦٠.
(٣) «فتح المغيث» ج ١/¬٢٦.
(٤) (الضوء اللامع) ج ٨/¬١٦ وما بعدها.
(٥) «فتح المغيث» ج ١/¬٢٥.
(٦) «فتح المغيث» ج ١/¬٤١.
[ ٣ / ٩٤٦ ]
لم يكن له فيها من جهد إلا الجمع من هوامش النسخ الخطية لشرح العراقي، إلا أنها على أي حال تمثل امتداد الإهتمام بالتعليق العلمي على شرح العراقي هذا، حتى عصرنا الحاضر، وبالتالي امتداد أثره، وبالله التوفيق.
ختام:
ولعل من خير ما نختم به الكلام عن الألفية وشرحها، قول الحافظ ابن حجر عنهما في رثاء شيخه العراقي:
«ونَظْمُ ابنِ الصَّلاحِ له صلاح … وهذا شرحه في الأفقِ راق» (^١).
_________________
(١) حسن المحاضرة للسيوطي ١/ ٣٦١.
[ ٣ / ٩٤٧ ]
٤ - نكت العراقي على كتاب ابن الصلاح ومكانتها، وأثرها
أ - مكانتها:
أشرتُ من قبل إلى أن مقدمة ابن الصلاح كانت محور مؤلفات من بعده نظمًا ونثرا في علم المصطلح، وكما أسهم العراقي بألفيته في التصنيف المنظوم، كما قدمت، فقد أسهم بكتاب «النكت» هذا في المؤلفات المنثورة المتعلقة بمقدمة ابن الصلاح، وقد شاركه في هذا غير واحد من شيوخه ومعاصريه، فمن شيوخه علاء الدين مغلطاوي، في كتابه (إصلاح ابن الصلاح)، ومن معاصريه: بدر الدين الزركشي، في نكته، وسراج الدين بن الملقن في (المقنع)، والإمام البلقيني في «محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح» (^١)، ولكن نكت العراقي منذ تأليفها، نالت تقدير العلماء أكثر من غيرها، حتى قرر الأبناسي تلميذ العراقي وقرينه: أنه نظر فوجد أحسن شيء وضع على كتاب ابن الصلاح، كلام الحافظ زين الدين العراقي (^٢)، وما تزال تلك النكت حتى الآن، هي أشهر التعليقات والشروح على كتاب ابن الصلاح، وأكثرها انتشارًا، وبالتالي كانت أوسعها وأعمقها تأثيرًا في علوم السنة، كما سنوضحه بعد.
ولما كان البلقيني وابن الملقن هما أبرز أقران العراقي، فإني حرصت على الاطلاع على كتابيهما السابق ذكرهما، رغم ندرة نسخهما الخطية،
_________________
(١) انظر «البحر الذي زخر» للسيوطي/ ٢ ب و«كشف الظنون» / ١١٦٢ و«التقييد والإيضاح» للعراقي/ ١١، ١٢.
(٢) انظر «الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح» للأنباسي/ ١ ب. (مخطوط مصور)
[ ٣ / ٩٤٨ ]
فوجدت تصريح البلقيني في مقدمة كتابه، بأنه جعله كالشرح لكتاب ابن الصلاح، مع التنبيه على بعض ما أغفله (^١)، ثم قرر ابن حجر أن كل ما زاده البلقيني في محاسنه، على ابن الصلاح، قد استمده من «إصلاح ابن الصلاح» لمغلطاي (^٢)، وبذلك فهو يمثل كتابين معا، على كتاب ابن الصلاح.
أما ابن الملقن فصرح في مقدمة كتابه، بأنه عني فيه بتلخيص كتاب ابن الصلاح، وتقريبه وتنقيحه، مع زيادات مهمة، وفوائد جمة (^٣).
وبمقارنتي العامة، والتفصيلية، بين هذين الكتابين الجامعين، وبين نكت العراقي، تبين لي أنها أجمع محتوى، وأعمق وأشمل في تناول المسائل، وتمحيص الآراء كما سيتضح خلال بحثي المفصل لها فيما يأتي:
ب - تسميتها:
ذكر العراقي في مقدمة هذا الكتاب أنه أراد أن يجمع على كتاب علوم الحديث لابن الصلاح نكتا، تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه (^٤)، ثم قال: «وسميته التقييد والإيضاح، لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح» (^٥).
وبذلك صار الكتاب يطلق عليه «نكت العراقي على كتاب ابن الصلاح» أو «التقييد والإيضاح»، ومن نسخه الخطية ما كتب عليه الاسمين معا (^٦)،
_________________
(١) انظر: محاسن الاصطلاح/ ١ ب.
(٢) «الجواهر والدرر» / ٨٥ ب.
(٣) «المقنع» / ٢.
(٤) «التقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح»، ص ١١.
(٥) المرجع السابق ص ٢٢.
(٦) انظر النسخة الخطية بدار الكتب المصرية برقم (٢٥٣٣٧) ب.
[ ٣ / ٩٤٩ ]
لكن العراقي نفسه اعتاد أن يطلق عليه، اسم «النكت على كتاب ابن الصلاح»، سواء في الإحالة عليه، أو فيما كتبه بخطه، من إثبات قراءته أو سماعه عليه، أو الإجازة، كما ستأتي أمثلة ذلك أيضًا، ولهذا فإن أكثر المترجمين للعراقي، والمعددين لمؤلفاته، من لدن عصره حتى الآن، يذكرونه باسم «النكت على كتاب ابن الصلاح» (^١)، جريا على المعتاد في استعمال المؤلف، ولكونه أخصر من الاسم التفصيلي، وهناك من راعى ذكره باسمه الأصلي، كابن فهد (^٢)، وصاحب «هدية العارفين» (^٣)، وخير الدين الزركلي (^٤)، وكارل بروكلمان (^٥)، وغيرهم، وذكره المناوي باسم «شرح مختصر ابن الصلاح» (^٦).
لكن الأكثر استعمالًا هو: «النكت على كتاب ابن الصلاح»، أو «النكت على ابن الصلاح»، على حذف المضاف، ويليه استعمال الاسم الأصلي، وخاصة في الفهارس، وطبعات الكتاب.
_________________
(١) انظر ابن حجر: «المجمع المؤسس» ص ١٧٧ و«ابناء الغمر» ج ٢ ص ٢٧٦ وابن خطيب الناصرية: المجموع (ترجمة العراقي) والغزي: «بهجة الناظرين» ص ١٣٠. وابن قاضي شهبة: «طبقات الشافعية» ١١٠/ ب والسخاوي: «الضوء اللامع» ج ٤ ص ١٧٣ والسيوطي: «ذيول تذكرة الحفاظ»، ص ٣٧١، وابن العماد الحنبلي و«شذرات الذهب» ج ٧ ص ٥٥، والكتاني: «فهرس الفهارس» ج ٢ ص ١٩٨.
(٢) ذيول «تذكرة الحفاظ»، ص ٢٣٠.
(٣) مجلد ١ ص ٥٦٢.
(٤) «الأعلام»، ج ٤ ص ١١٩.
(٥) «تاريخ الأدب العربي» ج ٢ ص ٧٧ وما بعدها والملحق رقم ١ ص ٦١١.
(٦) «مقدمة شرحه الموجز على ألفية العراقي في السيرة».
[ ٣ / ٩٥٠ ]
جـ - تحقيق زمن تأليفها، وتصحيح الخطأ فيه:
ولم يحدد العراقي تاريخ شروعه في هذه النكت، ولا الفراغ منها، وإنما أحال عليها في شرح ألفيته المتوسط، مرتين في أوائله (^١)، ومرتين في أواخره (^٢)، ثم أحال في أواخر كتاب «النكت»، مرتين، على شرح الألفية (^٣).
وهذه الإحالات من كل منهما للآخر، تدل على أنه اشتغل بتأليفهما معا في فترة زمنية واحدة، بحيث كان ينجز من كل منهما ما تتوفر لديه مادته، ويتضح له، ولذلك نجد كلا منهما متمما للآخر، حتى في الموضوعات التي لم يحل فيها من أحدهما للآخر، كما سيأتي.
ويظهر أن العراقي فرغ من شرح الألفية أولًا، ثم فرغ من النكت بعده؛ لأن الموضعين المحال فيهما من النكت على شرح الألفية، يقعان في أواخر الكتاب كما أشرنا، كما أنه فيهما يقرر رجوعه عن بعض ما قرره في الألفية وشرحها، في نفس الموضوع، وذكر في ثانية الإحالتين كما قدمت ذكره في بحث الشرح: أنه نبه على وهم ما أثبته في شرح الألفية، لئلا يغتر به من يقف على الشرح.
فهذا يدل على فراغه منه من قبل هذا التنبيه، وتداوله بين من يخشى اغترارهم بما قرره فيه في هذا الموضوع، ولو أنه لم يكن فرغ منه، وتداوله الناس، لأمكنه إصلاح الأصل على حسب ما ظهر له، ولم يحتج للتصويب.
_________________
(١) ج ١/ ٧٤ ص ١٠٠ «فتح المغيث» للعراقي.
(٢) نفس المرجع ج ٤ ص ٢٥، ص ١١٠.
(٣) «التقييد والإيضاح» ص ٣٩١، ٣٩٥، ٣٩٦.
[ ٣ / ٩٥١ ]
لما فيه، في الكتاب الآخر، وهو النكت، وقد تقدم أنه فرغ من شرح الألفية في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، فيكون فراغه من تأليف النكت متأخرا عن هذا التاريخ وقد جاء في آخر بعض النسخ الموثقة كما سيأتي ما نصه: «قال مؤلفه أمد الله تعالى مدته: وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة، في يوم الأحد ٢١ ذي القعدة الحرام سنة ٧٨٢ هـ».
وقد فهم بعض الباحثين أن هذا يعد تاريخ تبييض أصل الكتاب (^١)، كما ذكر في بعض الفهارس: أن هذا تاريخ تأليف الكتاب (^٢)، وعبارة المؤلف السابقة «وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة» واضحة الدلالة على أن التاريخ المذكور، هو تاريخ تبييض هذه النسخة فقط، وليس تاريخ تبييض أصل الكتاب، فضلا عن تأليفه، فالتعبير بالتبييض، يفيد سبق وجود مسودة لأصل الكتاب كاملًا، وتقييد التبييض بكونه لهذه لنسخة، يمنع أن يكون هذا تبييضا لأصل الكتاب، ويفيد أيضًا تبييض غيرها من قبل، وعليه فما ذكر من أن التاريخ المذكور هو تاريخ تبييض أصل الكتاب أو تأليفه، وهم ممن قاله، نتيجة لعدم تأمل العبارة المذكورة، مع وضوحها في الدلالة على ما ذكرت.
وأكثر وهما مما تقدم، قول صاحب «كشف الظنون»: (إن العراقي فرغ من تبييضه يوم الأحد ٢١ ذي القعدة سنة ٧٩٦ هـ) (^٣)، لأنه سيأتي من نسخ الكتاب الموثقة، ما أُثْبِتَ فيها: أنها منسوخة سنة ٧٩٣ هـ، ومقابلة على نسخة المؤلف المبيضة سنة ٧٨٣ هـ كما تقدم، كراسة، كراسة، وذلك ابتداء
_________________
(١) انظر «مقدمة الشيخ محمد راغب الطباخ لتحقيق علوم الحديث لابن الصلاح ونكت العراقي».
(٢) انظر: فهرس مكتبة لاله لي، باستانبول/ ٣١
(٣) «كشف الظنون» ص ١١٦٢"
[ ٣ / ٩٥٢ ]
من آخر المحرم سنة ٧٩٦ هـ، وأثبت العراقي بخطه قراءتها وسماعها عليه في مجالس، أولها في ٢٤ جمادى الآخرة سنة ٧٩٦ هـ، وتلك كلها تواريخ سابقة على ما ذكره صاحب (كشف الظنون)، فيعد هذا وهما منه أيضًا، كما وهم سابقوه.
وللأسف أنه تابعه عليه غيره من الباحثين بعده، مثل المباركفوري في (مقدمة شرحه للترمذي)، فصار خطأ متداولًا في المؤلفات في تاريخ تراث السنة (^١)، فلينتبه له
د - أهم النسخ الخطية في مكتبات العالم:
١ - نسخة بمكتبة «لاله لي» باستانبول برقم (٣٦٦) أصول الحديث، ومعها شرح الألفية، كلاهما في مجلد واحد، وذكرت في الفهرس بالاسم الأصلي للكتاب (^٢)، وذكر أن تاريخ تأليفه سنة ٧٨٢ هـ (^٣)، وقد بينت فيما تقدم عدم صحة ذلك، فلينتبه له من يطلع على الفهرس
٢ - نسخة بمكتبة عاطف أفندي باستانبول برقم (٣٨٠) أصول الحديث، وذكرت باسم: «نكت ابن الصلاح»، ونسبت لحسين العراقي، والصواب: عبد الرحيم بن الحسين، كما هو معروف، وتقع تلك النسخة في مجلد وخطها نسخ (^٤).
_________________
(١) انظر: مقدمة تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي لابى العلا محمد المباركفوري ج ١/ ٢٢٠.
(٢) وهو: «التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح»، وهذا مرادي بالاسم الأصلي فيما أذكره بعد هذا، للاختصار
(٣) «فهرس المكتبة» المطبوع ص ٣١
(٤) «فهرس المكتبة» المطبوع ص ٢٤
[ ٣ / ٩٥٣ ]
٣ - نسخة بمكتبة جامعة (يايل) في نيوهافن، بأمريكا برقم (٨٦) وذكرت بالاسم الأصلي للكتاب (^١).
٤ - نسخة بمكتبة برلين تحت رقم (٣٩٧٦)، ومذكورة بالاسم الأصلي للكتاب (^٢).
٥ - نسخة بمكتبة بانكبور بالهند برقم (٤٤٢/¬٢/¬٥) ومذكورة باسم الكتاب الأصلي (^٣).
٦ - نسخة بمكتبة حلب برقم (٣٧٠)، وعنوانها كالسابقة (^٤)، ولعلها هي التي اعتمد عليها الشيخ محمد راغب الطباخ ﵀ في طبع الكتاب كما سيأتي.
هـ - بعض النسخ الدالة على أثر العراقي في منهج تحقيق النصوص، وبه يرد زعم المستشرقين في السبق إلى ذلك:
هذه النسخة هي إحدى نسخ دار الكتب المصرية، ورقمها (٣٦) مصطلح، وتعتبر أوثق وأكمل ما رأيته، وقد عنونت بالاسم الأصلي للكتاب، وفي نهايتها ما نصه: «قال مؤلفه أمد الله تعالى في مدته: وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة، في يوم الأحد ٢١ من ذي القعدة الحرام سنة ٧٨٢ هـ» وعقب ذلك كتب: «كتبه بيده لنفسه … يعقوب بن أحمد بن عبد المنعم الأزهري.
_________________
(١) «كتاب المخطوطات العربية في دور الكتب الأمريكية» ص ١٧.
(٢) «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان ج ٢ ص ٧٧ وما بعدها.
(٣) «ملحق تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان ج ١ ص ٦١١.
(٤) المرجع السابق.
[ ٣ / ٩٥٤ ]
الأطفيحي، وكان الفراغ من كتابته يوم الإثنين المبارك لثمان وعشرين ليلة خلت من شهر شعبان سنة ٧٩٣ هـ».
ثم كتب تحت ذلك بخط العراقي … «قرأ عَلَيَّ الشيخ المحدث … شرف الدين يعقوب بن أحمد …، كاتب هذه النسخة، جميع هذه النكت على كتاب ابن الصلاح، فسمع جميع ذلك الشيخ …، المحدث جمال الدين يوسف بن إسماعيل بن يوسف الأنبايي، وآخرون …، وذلك في مجالس، آخرها في يوم الثلاثاء ٢٩ ربيع الآخر سنة ٧٩٩ هـ، وأجزت لهم …، قاله وكتبه: عبد الرحيم بن الحسين بن العراقي». وهذا الخط مشبه فعلا خط العراقي في غير هذه النسخة، وقد بلغ عدد مجالس قراءتها عليه ٥٤ مجلسًا وأثبت في نهاية المقروء في كل مجلس، بخط العراقي قراءة الإطفيحي عليه، وسماع ولده، والجماعة، وذلك فيما عدا المجلس الأول، وبعض مجالس بعده حيث أثبت أنها بقراءة الشيخ زين الدين القمني، وسماع الأطفيحي، والجماعة (^١)، وقد أرّخ المجلس الأول في ٢٤ جمادى الآخرة سنة ٧٩٦ هـ (^٢)، كما أُثبت بهامش النسخة، أيضًا مقابلتها على نسخة المؤلف، وهي أدق مقابلة رأيتها، حيث أُثبت بهوامش النسخة، آخر عبارة منها، ينتهي بها كل كراس من كراريس نسخة المؤلف.
حتى آخر هذه النسخة، كما أُثبت بهامشها أيضًا: أن تلك المقابلة كان أغلبها أثناء قراءة النسخة على العراقي (^٣).
_________________
(١) انظر/ ٤ أ، ١٠ أ/ هامش.
(٢) انظر/ هامش/ ٤ أ.
(٣) انظر/ ٤٢ أ/ هامش.
[ ٣ / ٩٥٥ ]
ومقتضى هذا أن المقابلة على ذلك النحو الدقيق، قد تمت بإشرافه ومشاركته، وهي تعد أدق وأحدث مناهج توثيق النص وتحقيقه، التي جرى عليها الغربيون، وبعض الشرقيين مؤخرًا، عند تحقيق المخطوطات ونشرها، حيث يذكرون بهامش الكتاب المطبوع علامة أول الوجه والظهر لكل ورقة من النسخة الخطية المعتمد عليها في نشر الكتاب، توثيقًا للنص المطبوع، وتمكينًا للباحث من الرجوع للأصل الخطي في أي موضع من الكتاب، في يسر.
بل أكثر من هذا دقة: أن صاحب النسخة المذكورة، أثبت بجانب تحديد القدر المقابل لما في نسخة العراقي، تاريخ مقابلته بها، مثل قوله: «فهكذا آخر الكراس السابع من نسخة المؤلف، بلغ في ٢٢ صفر سنة ٧٩٦ هـ (^١)» ومثل ذلك أرخ بقية المقابلات (^٢).
كما أن هناك قدر صفحة ونصف، لم يقابله، فأثبت ذلك بالتحديد (^٣). وبهذا كله تمثلت في تلك النسخة غاية الدقة في توثيق النص، ومقابلته وتحقيقه، ومن المعروف أن علم المصطلح الذي ألف العراقي فيه نكته هذه وغيرها، قد خصص مبحثًا لبيان كيفية مقابلة النسخ الحديثية بأصولها (^٤)، وجعل أيضًا من مهمات المحدث، أن يقابل مع طلبته ما كتبوه عنه، أو عن غيره، لتصحيحه وتوثيقه، وقد نهض العراقي بتلك المهمة كما قدمت في وظائفه العلمية، وباشر عمليًا مع طلابه، المقابلة، وتحقيق النص، على هذا
_________________
(١) انظر/ ٣٨ أ/ هامش.
(٢) انظر/ ٣٦ ب/ هامش.
(٣) انظر ٢٢ أ - ٢٣ أ.
(٤) انظر والألفية» / ٢٠٢ و٥ «شروحها للعراقي» وغيره ممن قدمنا ذكرهم.
[ ٣ / ٩٥٦ ]
المنهج الدقيق الباقي نموذجه بين أيدينا في النسخة المذكورة حتى الآن، وهي أنموذج كفيل بالرد العملي على بعض المستشرقين حيث يقول: «إن حنين بن إسحاق المتوفى سنة ٢٦٢ هـ، كان معنيًّا بفن المقابلة التطبيقية، في ترجمة الكتب ولم يكن للمقاييس التي استخدمها ما يناظرها أو يفوقها في الأدب العربي المتأخر» (^١).
ولو أنه اطلع على النسخة المشار إليها ما وسعه الجزم بمقولته هذه، حيث تمت مقابلتها بأدق المقاييس، كما رأينا، وبواسطة أحد المتأخرين، وهو الحافظ العراقي، مع تلاميذه.
وتعد تلك النسخة أيضًا أكمل من النسخ المبيضة قبلها، وذلك لأنها تضمنت زيادات - وإن كانت يسيرة - أضافها المؤلف لنسخته المقابل بها، قبل تاريخ كتابة هذه النسخة بنحو شهرين (^٢)، كما أن كاتب هذه النسخة عندما قرأها على العراقي، أضاف بعض ألفاظ شفاهة، فأثبتها القارئ بهامش النسخة، مبينا دخولها في الأصل، في الموضع الذي أضافها فيه العراقي (^٣)، وقد خلت من هذه اللفظة، غير النسخة المذكورة مما هو مقروء على المؤلف، فضلا عن غيره (^٤).
وتمتاز هذه النسخة أيضًا بأنه يوجد بآخرها بنفس خطها، وتوثيقها، المجلس.
_________________
(١) انظر «أصول نقد النصوص ونشر الكتب للمستشرق الألماني» / برجستراسر ٢٧، ٩٤.
(٢) انظر هامش/ ٢٦ ب.
(٣) انظر هامش/ ١٤ ب.
(٤) انظر النسخة رقم (٢٥٣٣٠) ب بدار الكتب المصرية/ تنبيه ٦ من مبحث الحديث الحسن، و١٤ ب من النسخة المذكورة.
[ ٣ / ٩٥٧ ]
٨٢ من الأمالي الحديثية للعراقي، ويقع في صفحتين ولم ينبه عليه بفهرس دار الكتب (^١).
وعدد أوراق تلك النسخة ١٠٦ ورقات، بما فيها الورقتان المكتوب فيهما المجلس المذكور، وخطها نسخ جيد، والكلمات المشكلة الضبط، مشكولة بالحركات، وعدد سطور الصفحات مختلف، من ٢٤ إلى ٢٥ سطرًا.
و- طبعات الكتاب ونقدها:
إذا كان العراقي وتلاميذه قد اعتنوا بنسخ هذا الكتاب، وتصحيحه، وانتشرت نسخه الخطية كما رأينا، في المراكز العلمية في العالم، فإنه قد نال أيضًا العناية بتحقيقه ونشره في عصر الطباعة، تقديرًا لأهميته، ولم يعرف طبع تعليق على كتاب ابن الصلاح قبله، وقد طبع حتى الآن مرتان:
الأولى: طبعة المطبعة الحلبية، بحلب سنة ١٣٥٠ هـ، والموافق سنة ١٩٣١ م، وهي طبعة محققة بواسطة الشيخ محمد راغب الطباخ ﵀، وقد كان من ذوي الخبرة والعناية بنشر التراث، وخاصة علوم السنة التي قام بتدربها ثلاث سنوات، قبل طبع هذا الكتاب (^٢)، وتقع هذه الطبعة في مجلد عدد صفحاته ٤٣٢ صفحة من الحجم الكبير، وقد ذكر في أولها: الطبعة الأولى للكتاب، وطبع معه في أعلا الصحيفة كتاب (علوم الحديث لابن الصلاح)، ويليه نكت العراقي عليه، ويليهما تعليقات للمحقق وجعل عنوان الطبعة على نفس ترتيب محتواها فقال: (علوم الحديث)
_________________
(١) انظر (فهرس الكتنجانة الخديوية) / ج ١/ ٣٣٢ و٥ فهرس مخطوطات والمصطلح/ ١٨٣
(٢) انظر مقدمة الطبعة المذكورة.
[ ٣ / ٩٥٨ ]
المعروف بمقدمة ابن الصلاح، وشرحه «التقييد والإيضاح» وتعليقات عليه في الذيل، لناشر الكتابين سماها «المصباح على مقدمة ابن الصلاح».
وقد جرى الشيخ الطباخ في إخراج هذه الطبعة على القواعد العلمية للتحقيق، في حدود المتعارف عليه حينئذ، بكل دقة وإتقان، وعمل مقدمة شافية بين فيها منهجه في التحقيق، وعرف بالنسخ الخطية التي اعتمد عليها في طبع الكتاب، وهي نسخ ثلاث موثقة، أولها: نسخة مكتبة التكية الإخلاصية بحلب، وهي بخط الحافظ ابن حجر العسقلاني، ولعلها هي النسخة السابق ذكر وجودها بمكتبة حلب.
وقد تضمنت تعليقات الشيخ الطباخ، التعليق على ١٩ نوعا من كتاب ابن الصلاح لم يعلق العراقي عليها، كما سيأتي، وبذلك سد المحقق فراغا كبيرا، بالإضافة إلى تعليقات توضيحية على كتابي ابن الصلاح، ونكت العراقي، فأدى بذلك خدمة جليلة للكتابين على قدر وسعه.
هذا وقد قمت بمقابلة نماذج عديدة، من تلك الطبعة، بنسخ دار الكتب المصرية، وخصوصا في المواضع التي لاحظت اختلاف النسخ فيها، فوجدت أن تلك الطبعة فيها اختلافات عن أوثق نسخ الدار السابق ذكرها وهي نسخة (٣٦) مصطلح، وتتمثل هذه الاختلافات في تحريف بعض الكلمات فيها، وسقوط بعض آخر، ووجود خلل في السياق، مع نقص مخل بالمعنى (^١)، وهذا مع قلته، فعذر المحقق فيه: عدم توفر النسخة المشار إليها لديه، ولو أنها توفرت له، لما قصرت همته المشهورة عن مراجعة هذه النواقص وتلافيها.
_________________
(١) انظر صفحات/ ١٨١، ٢٨٠، ٢٨٧ وقابلها من النسخة المشار إليها بـ ٤٣ أ، ٦٣ أ، ٦٤ ب.
[ ٣ / ٩٥٩ ]
فَلْيَتَنَبَّه لذلك غيره، من المحققين والباحثين.
كذلك لاحظت على هذه الطبعة من حيث الشكل عدم الالتزام بوضع أوائل الأبواب، والفقرات، تحت مقابلها من كتاب ابن الصلاح كما هو المطلوب، في وضع الشرح مع المتن، منعًا لتشتت القارئ، وفيما عدا هاتين الملاحظتين، تعد تلك الطبعة أضبط وأتقن وأوفى من الطبعة التالية.
الطبعة الثانية: ولما ندرت نسخ الطبعة السابقة، أعيد طبع الكتاب لأول مرة بالقاهرة سنة ١٣٨٩ هـ الموافق سنة ١٩٦٩ م، وتقع هذه الطبعة في ٤٩١ صفحة، من القطع العادي وناشرها هو محمد بن عبد المحسن الكتبي، صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، أما المحقق فهو عبد الرحمن محمد عثمان، وقد طبع «التقييد والإيضاح» مع «مقدمة ابن الصلاح»، لكنه جعل عنوان الطبعة: «التقييد والإيضاح شرح «مقدمة ابن الصلاح»، واكتفى بالإشارة في المقدمة إلى أنه طبع مع الشرح مقدمة ابن الصلاح.
وأقل ما توصف به هذه الطبعة: أنها مزورة، وساقطة الاعتبار، ذلك أن المحقق لم يبين الأصل الذي اعتمد عليه في طبع مقدمة ابن الصلاح، أما «التقييد والإيضاح» مقصوده الأصلي، فقد قرر في التقديم: أنه اعتمد فيه على نسخة دار الكتب المصرية رقم (٢٥٣٣٧) ب، وذكر أن على ظاهرها عبارة تملك، نصها «ملك صاحب النعم، الوزير الحاج إبراهيم باشا والي جدة، دام عزه ومجده إلخ» (^١)، ثم وضع صورة صفحتين خطيتين، بأول الطبعة وثلاثة بآخرها، على أنهم نماذج
_________________
(١) انظر/ ٤ من المقدمة.
[ ٣ / ٩٦٠ ]
للمخطوطة المعتمد عليها، وكل هذا زور محض، فعبارة التملك التي ذكرها، والصفحات المصورة، كلاهما وجدته من النسخة الخطية رقم (٣٦) مصطلح، السابق التعريف بها، لا النسخة رقم (٢٥٣٣٧) ب كما ذكر، ثم إن النسخة ذات الرقم المذكور قد اطلعت أنا عليها، ووجدت بها من العيوب ما يمنع صلاحيتها للاعتماد عليها على أنها أصل لتحقيق الكتاب، والأدهى من هذا، أن في الطبعة سقوطا متعددة أقلها كلمة، وأكثرها ٣٥ سطرا، ومعظم الساقط موجود بالنسخة التي صرح بالاعتماد عليها في الطبع، فضلا عن غيرها (^١).
كما يوجد بالطبعة أيضًا بعض أخطاء واختلال في السياق، مع سلامة النسخة المصرح بالاعتماد عليها من ذلك (^٢)
هذا فضلا عن العيوب الشكلية، مثل عدم ترتيب الشرح مع المتن، كما ذكرت عن الطبعة الحلبية، ومثل الخطأ في تقسيم النص إلى فقرات، وفي وضع الفواصل الإملائية، مما يؤدي كثيرًا، لاختلاف المعنى وتفرقه.
ولهذا فإن هذه الطبعة، لا يصلح الاعتماد عليها وحدها، بل ينبغي الإستعانة معها بالطبعة الحلبية، أو ببعض النسخ الخطية الموثقة، مثلما فعلت فيما اعتمدت فيه عليها.
كذلك ينبغي العناية بإعادة طبع الكتاب طبعة علمية محققة، لتلافي أخطاء
_________________
(١) انظر ص ١٤٨، ١٤٩ من الطبعة، وقابلها بنسخة (٢٥٣٣٧) ب/ ٣٩ ب حيث يبلغ السقط من الطبعة/ ٣٥ سطرا تقريبا.
(٢) انظر مثلا ص ٣٥ سطر ٧ وقابل بالنسخة المشار إليها/ ٧ ب.
[ ٣ / ٩٦١ ]
الطبعتين السابقتين، ويعتمد فيها على أكبر قدر ممكن من نسخ الكتاب الموثقة، مثل نسخة دار الكتب المصرية (٣٦) مصطلح، ويجب أيضًا طبع مقدمة ابن الصلاح معه، نظرًا لأن العراقي لم يلتزم نقل نص كتاب ابن الصلاح الذي يعلق عليه، بل قد يذكر طرفًا منه، أو يذكر معنى كلام ابن الصلاح، وبهذا يحتاج الشخص إلى الوقوف على نص كتاب ابن الصلاح كاملًا، حتى يعرف كيفية تعليق العراقي عليه في نكته، بوضوح ويسر، والله الموفق.
ز - الداعي لتأليف الكتاب والهدف منه:
ذكر العراقي في مقدمة النكت: أن كتاب ابن الصلاح أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح، ثم استدرك قائلًا: «إلا أن فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أخر تحتاج إلى تقييد وتنبيه، فأردت أن أجمع عليه نكتا تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه، وقد أورد عليه غير واحد من المتأخرين إيرادات ليست بصحيحة، فرأيت أن أذكرها وأبين صواب كلام الشيخ وترجيحه، لئلا يتعلق بها من لا يعرف مصطلحات القوم، وينفق من مزجي البضاعات ما لا يصلح للسوم» (^١).
ومن ذلك نفهم، أن حسن كتاب ابن الصلاح في موضوعه، وهو علم المصطلح، لم يمنع من وجود ثغرات فيه، تتمثل عند العراقي، في بعض المسائل، والآراء، التي قررها ابن الصلاح، وخالفه فيها غيره، أو وجه إليه اعتراض بشأنها، أو أطلقها وهي محتاجة إلى التقييد، أو لم يتضح المراد منها لمن بعده، فاحتاجت إلى توضيح وتنبيه، فكان ذلك مما دعى العراقي لتأليف هذه النكت.
_________________
(١) انظر: التقييد والإيضاح» / ١١، ١٢.
[ ٣ / ٩٦٢ ]
وهدف فيها إلى ثلاثة أمور أساسية، هي: تقييد ما يحتاج إلى التقييد مما أطلقه ابن الصلاح، وإيضاح ما هو غامض أو مشكل، والجواب عن الاعتراضات غير الصحيحة التي وجهت إلى ابن الصلاح من المتأخرين عنه، ومن هذا يتضح لنا أن العراقي لم يقصد إلى عمل شرح كالمعتاد، لعامة الأبواب، والموضوعات، والألفاظ، والعبارات التي اشتمل عليها كتاب ابن الصلاح، وإنما قصد تناول مواضع وقضايا معينة، رآها تحتاج أكثر من غيرها إلى الشرح والتمحيص، وإحقاق الحق، ولهذا ترك عددا من الأبواب لم يعلق عليه كلية، كما سنوضحه، وقد تبين لي من البحث الكامل للكتاب، أن العراقي وفى فيه بتلك الأهداف التي قصدها وحددها، بل وزاد عليها زيادات لها قيمتها وتأثيرها، في مصطلح علوم السنة، كما سيأتي تفصيله.
ح - مصادر العراقي في النكت، ورأيه في الرجوع إلى المصادر ونقده:
لما كانت الموضوعات الأساسية في مقدمة ابن الصلاح هي نفس موضوعات ألفية العراقي وشرحه لها السابق ذكره، فإني وجدت أن معظم المصادر التي اعتمد عليها في الألفية وشرحها، قد اعتمد عليها أيضًا، في هذه النكت، غير أنه لما كان من هدفه في النكت كما قدمت، أن يجيب عن الاعتراضات الموجهة إلى ابن الصلاح ممن جاء بعده، فإنه احتاج إلى الرجوع إلى المصادر التي اشتملت على تلك الاعتراضات لنقلها، تمهيدا لمناقشتها والجواب عنها، كما أن اختلاف منهجه في النكت، وتقدمه العلمي كما سنفصله، جعلاه يرجع إلى مصادر أخرى لم يسبق إشارته في الألفية وشرحها للاعتماد عليها.
وأهم المصادر التي وجدته أشار إلى الاعتماد عليها، زيادة على ما قدمته في.
[ ٣ / ٩٦٣ ]
مصادره في الألفية وشرحها، ما يأتي: «ابن الصلاح في القطعة التي شرحها من صحيح مسلم (^١)، وفوائد رحلة ابن الصلاح أيضًا بخطه (^٢)، وفتاواه (^٣)، وكلهم الآن قليل الوجود» (^٤)، والأزهري في «تهذيب اللغة» (^٥)، وابن عساكر في «أطراف الكتب الستة» (^٦) وفي «أماليه» (^٧) وفي «كتاب الأوائل» (^٨)، وابن دقيق العيد في «الإمام شرح كتاب الإلمام في أحاديث الأحكام» (^٩)، وقد كان الموجود من هذا الشرح نادرًا حتى في عصر العراقي، وابن الأشعث في «سننه» (^١٠)، والطبري صاحب «التاريخ، والتفسير، والصحابة» (^١١)، وأبو بكر الجياني في «الأربعين العلوية» (^١٢)، و«مسند الشهاب» (^١٣)، للقضاعي، وابن فتحون في «التنبيه على ما أوهمه ابن
_________________
(١) «النكت» / ٣٩ وهذه القطعة مطبوعة الآن، بعنوان: «صيانة صحيح مسلم» بتحقيق تلميذي النجيب الفاضل الدكتور/ موفق عبد القادر.
(٢) «النكت» / ١٣٩.
(٣) «النكت» / ٤٢٩.
(٤) لكن فتاواه الآن وجدت، وطبعت، أما فوائد رحلته، فلم أقف عليه.
(٥) «النكت» / ٤٦.
(٦) و«النكت» / ٤٢٩.
(٧) و«النكت» / ٢٦٨.
(٨) و«النكت» / ٣٢٢.
(٩) و«النكت» / ٢٧١.
(١٠) و«النكت» / ٢٦٨ وهو سليمان بن الأشعث، أبو داود السجستاني.
(١١) «النكت» / ٣٤١، ٢٤٢.
(١٢) و«النكت» / ٢٦٨.
(١٣) و«النكت» / ٢٦٨.
[ ٣ / ٩٦٤ ]
عبد البر، أو وهم فيه في «كتاب الاستيعاب» في الصحابة» (^١)، وأبو عبد الله الربيع الجيزي في «حديث من دخل مصر من الصحابة» (^٢)، وتمام الرازي في «جزء جمع فيه حديث أبي العشراء» (^٣)، والرشيد العطار في «جزء من تخريجه» (^٤)، وابن الجوزي في «موضوعاته»، النسخة الأولى، بخط الحافظ المنذري (^٥)، والأخيرة بخط ولد ابن الجوزي (^٦)، ومحمد بن إسحاق في «سيرته» (^٧)، وهي الآن في حكم المفقودة، وعبد الغني الأزدي في «جزء فيمن روى من التابعين عن عمرو بن شعيب» (^٨)، والباوردي في «الصحابة» (^٩)، وابن أبي حاتم في «الكنى» (^١٠)، وأبو عمرو الكندي في «موالي أهل مصر» (^١١)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (^١٢)، و«مشارق الأنوار في شرح الموطأ» للقاضي عياض (^١٣)، والخطيب البغدادي في «تالي
_________________
(١) «النكت» / ٣٤٢.
(٢) «النكت» / ٣٦٣.
(٣) «النكت» / ٣٥٥.
(٤) «النكت» / ٢٦٨.
(٥) «النكت» / ٢٦٩.
(٦) «النكت» / ٢٧٠.
(٧) «النكت» / ٣٠٩، ٤٣١.
(٨) «النكت» / ٣١٩.
(٩) «النكت» / ٣٦٢.
(١٠) «النكت» / ٣٦٩، ٣٦٠. ولعل مقصوده قسم الكنى من كتاب الجرح والتعديل.
(١١) «النكت» / ٣٧٠.
(١٢) «النكت» / ٢٣٢.
(١٣) «النكت» / ٢٩٥.
[ ٣ / ٩٦٥ ]
التلخيص» في علم الرجال (^١)، وفي «رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض» في جزء (^٢)، والدارقطني في «المدبج». وكان العراقي يمتلك نسخة صحيحة منه، ولخصه في «النكت» (^٣)، وأبو الحسن بن الأثير في «أسد الغابة في معرفة الصحابة» (^٤)، وابن الدبيئي في «ذيل تاريخ بغداد» (^٥)، وموسى بن عقبة في «مغازيه» (^٦)، وأبو أحمد بن عدي فيمن أتفق الشيخان على إخراج حديثه (^٧)، وحمزة الكناني في «أماليه» (^٨).
وأما كتب المتأخرين المتعلقة بالاعتراضات: فمنها: لشيخ العراقي علاء الدين التركماني اختصاره لكتاب ابن الصلاح (^٩)، ولشيخ العراقي أيضًا الحافظ ابن كثير، اختصاره لكتاب ابن الصلاح (^١٠).
ومنها: لتاج الدين التبريزي المتوفى سنة ٧٤٦ هـ، كتاب «الكافي»،
_________________
(١) «النكت» / ٤٢٢.
(٢) «النكت» / ٣١٩.
(٣) «النكت» / ٣٣٤.
(٤) «النكت» / ٣٦٣.
(٥) «النكت» / ٤٠٨.
(٦) «النكت» / ٤٣٥.
(٧) «النكت» / ٤٠٣.
(٨) «النكت» / ٤٤٣.
(٩) «النكت» / ٤١٨.
(١٠) «النكت» / ٤٥، ٦١.
[ ٣ / ٩٦٦ ]
مختصر كتاب ابن الصلاح أيضًا (^١)، ولشيخ العراقي أيضًا علاء الدين مغلطاي كتاب «إصلاح ابن الصلاح».
وقد قال العراقي في مقدمة «النكت»: إن شيخه مغلطاي أوقفه على هذا الكتاب، وقرأ له من لفظه موضعًا منه، وذكر أنه لم ير هذا الكتاب بعد ذلك (^٢)، لكن بعض الاعتراضات التي نقلها للرد عليها خلال الكتاب، نسبها تلميذه ابن حجر، والسيوطي بعده، للحافظ مغلطاي (^٣)، فلعل العراقي رأى الكتاب مرة ثانية واطلع عليه، بعد كتابة مقدمة النكت؛ لأنه كتب المقدمة قبل الفراغ من تأليف النكت، ولذلك يقول في آخرها: «والله أسأل، وأستعين، أن يوفق لإكماله ويعين (^٤)».
ثم إن العراقي أشار غير مرة، إلى رأيه في الرجوع إلى المصادر، فقد قال ابن الصلاح: «ذكر الخطيب البغدادي في أجوبة مسائل سئل عنها: «إن المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم تعرفه العلماء، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد … إلخ»» (^٥)، فعلق العراقي على ذلك بقوله: «إن المصنف (أي ابن الصلاح) عزى ما ذكره عن الخطيب، إلى أجوبة سئل عنها، والخطيب ذكر ذلك بجملته مع زيادة، فيه في كتاب «الكفاية»، والمصنف
_________________
(١) «النكت» / ٢٩٤.
(٢) انظر «النكت» / ١٢.
(٣) انظر: فتح الباري، ج ٥/ ٤٦٩ و«النكت» له/ ٣٧، ٣٨، و«البحر الذي زخر» للسيوطي/ ١٨ ب و«النكت» / ٢٥.
(٤) «النكت» / ١٢.
(٥) «النكت» / ١٤٦.
[ ٣ / ٩٦٧ ]
كثير النقل منه، فأبعد النجعة في عزوه ذلك إلى مسائل سئل عنها، ثم نقل كلام الخطيب السابق من «الكفاية» (^١)، وهذا يفيد أن العراقي يرى أنه إذا ذكر الشخص مسألة في أكثر من كتاب له، فالأولى عزوها للكتاب المشهور المتداول منها، حتى يسهل على الباحث مراجعتها، فإذا عكس، فقد أبعد النجعة.
لكني وجدتُ العراقي نفسه لم يلتزم بهذا، لا في النكت التي قرر فيها ذلك ولا في غيرها من مؤلفاته، فحديث المعازف الذي علقه البخاري في صحيحه عن هشام بن عمار (^٢)، خَرَّجه العراقي في «النكت»، وفي «تكملة شرح الترمذي» موصولًا من عند الطبراني في كتاب له يعرف بـ «مسند الشاميين» (^٣)، فذكر تلميذه ابن حجر: أن الطبراني أخرج الحديث في «معجمه الكبير»، من رواية. اثنين، عن هشام، ثم قال: «والمعجم الكبير، أشهر من «مسند الشاميين»، فعزوه إليه أولى» (^٤).
كذلك نقل العراقي عن المزي أنه حكى في كتابه «التهذيب» عن ابن عبد البر: أنه قد روى عن عمرو بن تغلب - غير الحسن البصري -، الحكم بن الأعرج.
ثم تعقب المزي قائلا: «قلت: ولا حاجة لإبعاد النجعة في حكايته عن ابن
_________________
(١) انظر «النكت» / ١٤٧.
(٢) (البخاري مع فتح البارى) ج ١٢/ ١٥٠ - ١٥٥ - كتاب الأشربة - باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه ..» ولفظه: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (الحديث).
(٣) انظر «النكت» / ٩٢ و٥ فتح الباري، ج ١٢/ ١٥٣.
(٤) انظر: «فتح الباري» ج ١٢/ ١٥٣.
[ ٣ / ٩٦٨ ]
عبد البر، فقد حكاه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وهو من أشهر ما صنف في أسماء الرجال (^١).
وهذا يفيد: أنه يرى، أن المسألة إذا كانت في أكثر من كتاب، فالأولى عزوها إلى المصدر المختص بموضوعها، مع تقدمه الزمني وشهرته، بدلا من المصدر العام مع تأخره، وذلك لأن ابن أبي حاتم متقدم عن ابن عبد البر، وكتابه مختص بعلم الرجال، بينما كتاب ابن عبد البر المشار إليه هو «جامع بيان العلم وفضله»، على ما يبدو، وهو غير مختص بتراجم الرجال.
لكني وجدت العراقي أيضًا لا يلزم نفسه بهذا، ففي شرحه المتوسط للألفية، في مبحث «المبهمات» قال: «وفي الصحيح من حديث جابر، في قتل أبيه يوم أحد، فجعلت عمتي تبكيه» الحديث، ثم قال: اسم عمته: فاطمة بنت عمرو بن حرام، وبين مصدره في تحديد اسمها فقال: وقعت مُسمَّاةً في «مسند أبي داود الطيالسي، وسماها الواقدي هندا» (^٢).
بينما وجدتها أنا مسماة بفاطمة، كما في صدر كلامه، في نفس «صحيح مسلم» عقب ذكر الرواية المبهمة فيها مباشرة (^٣)، وفي «صحيح البخاري» قبل الباب المذكورة فيه مبهمة بـ ٣١ بابا، من كتاب الجنائز (^٤).
وبالتالي فإن عزو العراقي لها إلى مسند الطيالسي، أو غيره، إبعاد كبير للنجعة،
_________________
(١) انظر «النكت مع مقدمة ابن الصلاح» / ٣٥٤.
(٢) «فتح المغيث» له ج ٤/ ١٣٢.
(٣) «صحيح مسلم»، طبعة الشعب كتاب فضائل الصحابة - فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام ج ٧/ ١٥٢.
(٤) «البخاري مع فتح الباري» ج ٤/ ٣٥٨، ٣٥٩، ٤٠٥، ٤٠٦.
[ ٣ / ٩٦٩ ]
على حد تعبيره السابق، ومخالفة منه لما قرره في الرجوع إلى المصادر، ونَقَدَ المزي على أساسه، ولكنه في الأكثر، يتبع ما قرره، وإن كان لم يلتزمه كما بينته والله الموفق.
ط - تمثيل الكتاب لنضج العراقي العلمي، في بحوثه، وآرائه، وأثر ذلك:
قدمت أن الفترة التي ألف العراقي فيها نكته، كانت متصلة بفترة تأليفه لشرح الألفية المتوسط، ولهذا فإني وجدتُ كثيرًا من مباحث الكتابين المشتركة، يكمل أحدها الآخر، بمعنى أن بعض ما توسع العراقي فيه، في النكت، وجدته قد أوجزه في الشرح (^١)، وبالعكس (^٢)، وبذلك تميز كل منهما عن الآخر في هذه الناحية، ثم إن الشرح قد تميز كما قدمت باشتماله على آراء العراقي في علم المصطلح، حتى وقت فراغه منه سنة ٧٧١ هـ، أما كتاب «النكت» فتميز بتمثيله المرحلة النضج العلمي للعراقي في بحوثه وآرائه في علوم السنة، ويتضح ذلك مما يأتي:
فمن ذلك: إثباته لسعة اطلاعه، وبحثه، وإحاطته بأمهات كتب علوم السنة متنا وسندا، حيث ذكر ابن الصلاح أن الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر قرر: أن الوليد بن مسلم، إذا أطلق الرواية عن سفيان، يكون مراده سفيان بن عيينة؛ لأن الوليد كان مليئًا به، وروى سفيان عن الثوري أحاديث معدودة،
_________________
(١) انظر (الشرح) ج ١/ ٩٣ و(النكت) ١٠٧، ١٠٨ وج ٢/¬٧ وهـ «النكت» / ١٣٩ و٤/¬٤٧ و«النكت» ٣١٢ - ٣١٤ ج ٤/ ١٣١ و٥ «النكت» / ٤٢٨ وج ٢/ ١١٠، ١٦٠ وهـ «النكت» ٤٠٣، وغير ذلك.
(٢) انظر (النكت) / ١٠٩، ١١٠ و(الشرح) ج ١/ ٩٦ وج ٢/ ١٢١ و«النكت» / ١٤٣ وج ٤/ ١٤٣، ١٤٤، وهـ «النكت» / ٤٣٣ وغير ذلك.
[ ٣ / ٩٧٠ ]
وصوب ابن الصلاح ذلك (^١)، فذكر العراقي في (النكت): أن ذلك فيه نظر، من حيث إنه لا يلزم من كونه مليا بابن عيينة - على تقدير تسليمه - أن يكون هذا من حديثه عنه إذا أطلق، بل يجوز أن يكون هذا من تلك الأحاديث المعدودة التي رواها الوليد عن سفيان الثوري، ثم بين بحثه الواقعي للموضوع في أمهات المصادر، بسعة وعمق، فقال: «وإذا عرف ذلك، فإني لم أر في شيء من كتب التواريخ، وأسماء الرجال، رواية الوليد بن مسلم عن سفيان ابن عيينة البتة، وإنما رأيت فيها ذكر روايته عن سفيان الثوري، ثم عدد بعض ما رأى ذكر روايته فيه» فقال: فممن ذكر ذلك البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن عساكر في (تاريخ دمشق)، والمزي في «التهذيب»، ثم انتقل لكتب الحديث فقال: «وكذلك لم أر في شيء من كتب الحديث رواية الوليد عن ابن عيينة، لا في الكتب الستة، ولا غيرها»، ثم بين ما وجد فيه رواية الوليد عن الثوري فقال: «وروايته عن الثوري في «السنن الكبرى» للنسائي، فروى في «اليوم والليلة» حديثا عن الجارود بن معاذ الترمذي عن الوليد بن مسلم عن سفيان الثوري. والله أعلم» (^٢)، ولا شك أن هذا المسح الشامل، والتتبع التفصيلي، لعامة كتب السنة، متنا وسندا، وإصدار الأحكام الفاصلة بشأن محتوياتها، نفيا وإثباتا، كل ذلك لا يتأتى إلا لعالم متمكن وباحث ضليع. وعندما نقارن هذا ونتتبع أثره، نجد في مجال المقارنة، أن البلقيني، وابن الملقن (^٣) قد أقرا ابن الصلاح على ما صوّبه من رأي الحافظ أبي طالب،
_________________
(١) و«المقدمة» (٤٨).
(٢) و«النكت» (٤١٦، ٤١٧).
(٣) انظر و«المحاسن» / ١٣٦ أ، و«المقنع»» / ١٦٢.
[ ٣ / ٩٧١ ]
رغم مجافاة ذلك للواقع في جمهرة مصادر السنة، كما بين العراقي، ولهذا ظهر أثره فيمن بعده.
فقد تبعه السيوطي فيما ذكر، ونقل عنه خلاصة بحثه السابق (^١).
ومن ذلك أيضا: أن ابن الصلاح مثل للنوع الأول من «متشابه الرواة» بموسى بن علي - بفتح العين - وموسى بن علي - بضمها (^٢)، فلما اختصر النووي كتاب ابن الصلاح في (الإرشاد)، ثم في «التقريب»، ذكر فيهما: أن المسمين بـ «موسى بن علي» بفتح العين، من الرواة كثيرون (^٣)، فتعقبه العراقي في «النكت» بأن فيما قاله نظر، ودلل على ذلك ببحثه الشخصي الناضج والمتناهي السعة والحصر، فقال: «وليس في المتقدمين أحد يسمى هكذا، لا في رجال الكتب الستة، ولا في تاريخ البخاري، ولا في كتاب ابن أبي حاتم، ولا ثقات ابن حبان، ولا في كثير من التواريخ، أمهات تواريخ الإسلام، كتاريخ أبي بكر بن أبي خيثمة»، و«الطبقات» لمحمد بن سعد، و«تاريخ مصر» لابن يونس، و«الكامل» لابن عدي، و«تاريخ نيسابور» للحاكم، و(تاريخ أصبهان) لأبي نعيم، وفي «كتاب تاريخ بغداد» للخطيب، رجلان، وفي «تاريخ دمشق» رجل واحد.
ثم بين قيمة تتبعه لهذا الاسم في هذه الموسوعات الأصلية، فقال: «وهذه الكتب العشرة، المذكورة بعد «تاريخ البخاري»، هي أمهات الكتب المصنفة
_________________
(١) انظر: «التدريب» / ٤٨٩.
(٢) والمقدمة مع «النكت» / ٤١٦.
(٣) انظر والتقريب مع «التدريب» / ٤٩٠ والإرشاد/ ٢٣٠ بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ نور الدين عتر.
[ ٣ / ٩٧٢ ]
في هذا الفن، كما قال المزي في «التهذيب».
وبهذا أشار إلى أن ما انتهى إليه من بحث هذه الأمهات، وقرره لم يبق وراءه غاية لباحث، ولا مصدرًا أصيلًا يمكن أن يحصل منه على خلاف ما قرره، ثم لم يكتف بهذا، فقام برد إحصائي دقيق، لمن تسمى بهذا الاسم من الرواة، وأثبت ذلك، مبتدئًا بأقدمهم، فقال: (وقد رأيت ذكر من وقع ذكره في التواريخ، من القسم الأول، فالأول: موسى بن علي بن موسى أبو عيسى الختلي وهو أقدمهم روى عنه أبو بكر بن الأنباري النحوي وابن مقسم والصواف) وبين مصدره، وتوثيقه، فقال: «ذكره الخطيب في «التاريخ»، وكان ثقة»، ثم ذكر ستة آخرين على هذا النحو، فصار الجميع سبعة، ما بين مشرقي، ومغربي، معتمدًا على خمسة مصادر، غير العشرة السابق ذكرها، وهي: «تلخيص المتشابه» للخطيب، و«الإكمال» لابن ماكولا، و«الميزان» للذهبي، و«التكملة» لابن الأبار، وهو من مصادر «تاريخ الأندلس»، ثم عقب على ذكر أولئك السبعة بقوله: «فهؤلاء المذكورون في تواريخ الإسلام من الشرق، والغرب، إلى زمن ابن الصلاح، لم يبلغوا حد الكثرة، فوصف الشيخ محيي الدين ﵀، لهم بأنهم كثيرون، فيه تجوز والله أعلم» (^١).
وعند المقارنة وتبيين الأثر لبحث العراقي هذا، نجد أن ابن الملقن قد نقل رأي النووي المذكور، وأقره (^٢)، رغم مجافاته للحقيقة والواقع كما ترى، ولهذا نجد السيوطي قد اعتمد في شرح (تقريب النووي) رد العراقي عليه، ونقل
_________________
(١) «النكت» ٥/ ٤١٩
(٢) «المقنع» ٥/ ١٦٣.
[ ٣ / ٩٧٣ ]
خلاصة بحثه السابق، دليلا على ذلك (^١).
ومن تتبعه وبحوثه الاستقصائية لأمهات كتب السنة، ومعارضته بنتائج ذلك، ما تتابع الحفاظ من قبله على إثباته، أنه ذكر عن صاحب كتاب «الكمال» في أسماء الرجال، وهو الحافظ عبد الغني المقدسي قوله: «إن الإمام مالكا روى عن ثور بن يزيد». ثم قال: «وتبعه المزي في «تهذيب الكمال»، وعقب على ذلك بنتيجة بحثه هو فقال: ولكني لم أر رواية مالك عنه، لا في «الموطأ» ولا في شيء من الكتب الستة، ولا في «غرائب مالك» للدارقطني، ولا في غير ذلك» (^٢).
وهناك موضوعات أخرى بين فيها خبرته ونتائج بحثه التفصيلي في كتب السنة وشروحها (^٣)، والمصنفات في الرجال عموما (^٤)، وفي الصحابة (^٥)، وفي التابعين (^٦)، وفي السير (^٧)، وفي المؤتلف والمختلف (^٨)، وفي الكنى (^٩).
ومن دلائل تقدمه في البحث، أنه اعترض في شرح الألفية، على ابن الصلاح في ذكره الزهري ضمن صغار التابعين الذين لم يلقوا إلا واحدا أو
_________________
(١) «التدريب» / ٤٩٠.
(٢) «النكت»» / ٤٢٠.
(٣) «النكت» / ٣٩٧، ٣٩٨.
(٤) «النكت» / ٣٤٨، ٣٥٦، ٣٦٦، ٣٧٢.
(٥) «النكت»» / ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٦، ٣٥٢.
(٦) «النكت»» / ٣٢٠.
(٧) «النكت» / ٣٠٨.
(٨) «النكت» / ٣٩٧.
(٩) «النكت» / ٣٦٠، ٣٧٠.
[ ٣ / ٩٧٤ ]
اثنين من الصحابة، وعدَّد ١٢ صحابيًا ممن لقيهم الزهري (^١).
ثم عاد في «النكت» فأثبت وقوفه على إجابة ابن الصلاح نفسه عن هذا الاعتراض، إذ قال: «إن قوله الواحد والاثنين، كالمثال، وإلا فالزهري قد قيل إنه رأى عشرة من الصحابة، وسمع منهم».
وذكر العراقي خمسة منهم، ثم قال: «وهو مع ذلك، أكثر روايته عن التابعين، والله أعلم».
كما أن هناك بعض الاصطلاحات، قرر ابن الصلاح أنه لم يجدها، فأثبت العراقي أنه هو قد وجدها، مثل قول ابن الصلاح عن الحديث المعلق: «ولم أجد لفظ التعليق مستعملًا في مثل قوله: يُروى عن فلان، ويُذكر عن فلان، وما أشبهه، مما ليس فيه جزم عمن ذكر ذلك عنه، بأنه قاله وذكره» (^٢)، فعقب العراقي على ذلك بقوله: «قد سمَّى غير واحد من المتأخرين ما ليس بمجزوم تعليقًا، منهم الحافظ أبو الحجاج المزي: كقول البخاري في باب مس الحرير من غير لبس، ويروى عن الزبيدي عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ، فذكره المزي في «الأطراف»، وعلم علامة التعليق للبخاري، وكذا فعل غير واحد من الحفاظ، «يقولون: ذكره البخاري تعليقا مجزوما، أو تعليقا غير مجزوم به»، ثم التمس لابن الصلاح في نفيه وجود ذلك بعض العذر، فقال: «إلا أنه يجوز أن هذا الاصطلاح متجدد، فلا لوم على المصنف في قوله: أنه لم يجده»» (^٣).
_________________
(١) (الشرح) جـ ٢/ ٦٨.
(٢) (المقدمة مع النكت) ١/ ٩٣.
(٣) (النكت مع المقدمة) ١/ ٩٣، ٩٤.
[ ٣ / ٩٧٥ ]
وبالمقارنة نجد أن البلقيني (^١)، وابن الملقن (^٢)، قد اكتفيا بتقرير ابن الصلاح على ما ذكره، دون إضافة. وقد أخذ البقاعي بإضافة العراقي السابقة وأقرها (^٣).
وهناك أيضًا بعض المسائل التي تردد فيها ابن الصلاح، وتبعه العراقي على ذلك في شرح الألفية، ثم قطع فيها الرأي في «النكت»، بناء على بحثه الشخصي، فقد نقل ابن الصلاح عن القاضي عياض: أنه ليس في «الموطأ» و«الصحيحين» من نسبته «الأبلي» بالباء الموحدة المضمومة، فقال ابن الصلاح تعقيبًا عليه: «قلت: روى مسلم الكثير عن شيبان بن فروخ، وهو أبلي - بالباء الموحدة - لكن إذا لم يكن في شيء من ذلك منسوبا، لم يلحق عياضًا تخطئة، والله أعلم» (^٤)، وبهذا توقف في الحكم، نظرًا لعدم قيامه بفحص كتاب «صحيح مسلم»، ومعرفة ذكر هذا الراوي فيه منسوبا أو لا، ونقل العراقي عن ابن الصلاح هذا التردد في شرح الألفية وسكت عليه (^٥).
أما في النكت، فعقب عليه قائلا: «قلت: وقد تتبعت كتاب مسلم، فلم أجد فيه «شيبان بن فروخ» منسوبًا، فلا تخطئة على القاضي عياض حينئذ فيما قاله» (^٦).
_________________
(١) انظر «محاسن الاصطلاح» / ٢٣ أ.
(٢) انظر «المقنع» / ٣٣.
(٣) «النكت الوفية»، ٥٣ أ.
(٤) «المقدمة» / ٤٠٠.
(٥) «فتح المغيث» للعراقي/ ج ٤/ ١٠٨.
(٦) «النكت» / ٤٠٠.
[ ٣ / ٩٧٦ ]
فهذا يدل على أن العراقي حين كتب عن هذه المسألة في شرح الألفية، لم يكن قد قام بتتبعه المذكور لهذا الراوي، في جميع «صحيح مسلم»، ليقطع شك ابن الصلاح باليقين، أما حين تعليقه على هذا في النكت، فإنه كان قد قام بالتتبع والبحث، فأثبت رأيه القاطع بناء عليه، وبرأ القاضي عياضًا من الخطأ.
وعند المقارنة نجد أن البلقيني (^١)، وابن الملقن (^٢)، تبعا ابن الصلاح في تردده، وكذا السخاوي من بعدهما (^٣)، أما السيوطي فقد اعتمد ما، قطع به العراقي، ونقل خلاصة كلامه السابق (^٤) وكذا من بعده (^٥).
ومن دلائل النضج التي تضمنها كتاب النكت أيضًا: أن هناك أوهاما علمية تداولها كبار حفاظ السنة، وأئمتها في مصنفاتهم المعتمدة، من قبل ابن الصلاح ومن بعده، حتى عصر العراقي، فتتبعها على طول تسلسلها وردها، مع التنبيه على أنه قصد بذلك أن لا يغتر من يقف على تلك الأوهام في مصادرها، بجلالة قائليها، فيتابعهم عليها.
مثال ذلك: أن ابن الصلاح قرر: أن مرداسًا الأسلمي، الصحابي، لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم، وأن ربيعة بن كعب الأسلمي، الصحابي أيضًا، لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن (^٦).
_________________
(١) «المحاسن» / ١٣٤.
(٢) «المقنع» / ١٥٧.
(٣) «فتح المغيث» له/ ج ٣/ ٢٤٠.
(٤) «التدريب» / ٤٧٧.
(٥) «شرح الترمسي لألفية السيوطي» / ٣٧١.
(٦) «المقدمة» / ١٤٨.
[ ٣ / ٩٧٧ ]
فقال العراقي في «النكت»: «إن النووي في مختصريه لكتاب ابن الصلاح وهما «الإرشاد» و«التقريب»، وفي «شرح مسلم» أيضًا، قد تابع المصنف، أي ابن الصلاح، على تفرد أبي سلمة عن ربيعة، وتفرد قيس عن مرداس»، ثم واصل تتبعه فقال: «وتبع المصنف في ذلك أبا عبد الله الحاكم، فإنه كذلك قال في «علوم الحديث»، وتبع الحاكم في ذلك مسلم بن الحجاج، فإنه كذا قال في كتاب «الوحدان» له».
وعقب على هذا بقوله: «وليس ذلك بجيد بالنسبة إلى ربيعة فقد روى عنه أيضًا: نعيم بن المجمر، وحنظلة بن علي، وأبو عمران الجوني».
ثم قال: «وذكر الحافظ أبو الحجاج المزي أنه روى عنه أيضًا: محمد بن عمرو بن عطاء، وليس بصحيح، إنما روى محمد بن عمرو عن نعيم بن المجمر عنه، كذا رواه أحمد في «مسنده»، والطبراني في «المعجم الكبير»، وبعد هذا التصحيح ودليله أورد احتمالا آخر فقال: «اللهم إلا أن يكون محمد بن عمرو، قد أرسل عنه، وأسقط نعيما، والله أعلم».
ثم انتقل لمرداس الأسلمي فقال: «وأما مرداس فقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في «التهذيب» أنه روى عنه أيضًا زياد بن علاقة»، وتبعه عليه الذهبي في مختصره للتهذيب، ثم عقب بقوله: «وهو وهم منهما، من حيث إن الذي روى عنه زياد بن علاقة»، إنما هو مرداس بن عروة، صحابي آخر، والذي روى عنه قيس: مرداس بن مالك الأسلمي، وهذا، لا أعلم فيه خلافا»، وأيد ذلك بقوله: «وممن ذكره كذلك البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وابن حبان في «الصحابة»، وأبو عبد الله بن:
[ ٣ / ٩٧٨ ]
منده في «معرفة الصحابة»، والطبراني في «المعجم الكبير»، وأبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب»، وابن قانع في «معجم الصحابة»، وغيرهم»، ثم ختم العراقي بحثه بقوله: «وإنما نبهت على ذلك، وإن كان ما ذكره ابن الصلاح بالنسبة إلى مرداس صحيحا، لئلا يَغْتَر من يقف على كلام المزي، بذلك، لجلالته والله أعلم» (^١).
وعندما نقارن، لا نجد قريني العراقي قد تتبعا هذه الأوهام، ابتداء من الإمام مسلم، إلى الحافظ الذهبي، على نحو ما فعل العراقي، بل نجدهما يقران المزي على أن زياد بن علاقة قد روى عن مرداس الأسلمي (^٢)، ولكن الحافظ ابن حجر قد أخذ بما قرره شيخه العراقي وصوّبه، مع بعض إضافات من جانبه (^٣)، ونحوه فعل البقاعي (^٤)، والسيوطي (^٥).
ومما تضمنه الكتاب من دلائل نضج آراء العراقي، أن الرأيين اللذين قرر أحدهما في الألفية، والآخر في شرحها، ثم تبين له خطؤهما، قد أثبت رجوعه عنهما، مع بيان الصواب فيهما، في كتاب النكت هذا، كما قدمت نقل ذلك عنه.
هذا بالإضافة إلى أن بعض الآراء التي توقف فيها في شرحه السابق للألفية،
_________________
(١) انظر «النكت» / ٣٩ ب، ٤٠ أ، وص ١٢٥، ١٢٦ طبع حلب.
(٢) انظر: «محاسن الاصطلاح» / ٤٤ أ، وهـ المقنع ٢/ ٥٣.
(٣) انظر «تهذيب التهذيب» لابن حجر ترجمة «مرداس بن مالك الأسلمي» و«الكاشف» للذهبي ترجمة/ ٥٤٤٨، والتعليق عليها بالهامش للمحققين الفاضلين.
(٤) «النكت الوفية» / ٢١٠ أ.
(٥) «التدريب» ٢١٢.
[ ٣ / ٩٧٩ ]
قد قطع برأيه فيها في هذا الكتاب، فقد قدمت أنه في شرح الألفية توقف عن القطع برأي في الإجازة العامة (^١)، أما في «النكت» فأنه بعد عرض آراء المانعين والمجيزين، حتى عصره، قال: «وبالجملة ففي النفس من الرواية بها شيء، والإحتياط ترك الرواية بها، والله أعلم» (^٢).
وبهذا استقر رأيه على منعها، وسيأتي أن بعض مؤلفاته التي كان ألفها قبل كتاب «النكت» هذا، وروى فيها بالإجازة العامة، قام بعد تأليف النكت وتقرير المنع فيها، باستبعاد تلك المرويات من تأليفه السابق، طبقا لما استقر عليه رأيه من المنع.
وعندما نتأمل ما استقر عليه رأي البلقيني، وابن الملقن، نجدهما مختلفين مع العراقي، حيث قررا جواز الرواية بالإجازة العامة، وصرح ابن الملقن بتحمله شخصيًا بها عن بعض شيوخه (^٣)، لكن الذي استقر عليه عامة المحققين من العلماء بعد العراقي حتى الآن، هو الأخذ برأيه في منع الرواية بها، إلا لضرورة، كأن يؤدي ترك الرواية بها إلى رواية الحديث منقطعًا، فتكون روايته بالإجازة العامة أولى، وقد تناقلوا رأي العراقي المذكور، وأقروه في مؤلفاتهم، ومن هؤلاء الحافظ ابن حجر (^٤)، والبقاعي (^٥)، والسخاوي (^٦)،
_________________
(١) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/ ٦٨.
(٢) «النكت» / ١٨٣.
(٣) انظر «محاسن الاصطلاح» ٥٢ ب و«المقنع» / ٦٧.
(٤) انظر «توضيح نخبة الفكر له مع لقط الدرر» / ١٢٥ و«الجواهر والدرر» للسخاوي ٢٧ أ، ب.
(٥) «النكت الوفية» / ٢٥٣ أ.
(٦) «فتح المغيث» له ج ٢/ ٧٣ وترجمته للإمام النووي/ ٣٢.
[ ٣ / ٩٨٠ ]
والسيوطي (^١)، ومن المتأخرين: العلامة الشيخ محفوظ الترمسي الهندي (^٢)، وهذا دليل وجاهة رأي العراقي، وامتداد تأثيره.
ومن دلائل نضج آرائه أيضا: أن بعض ما أقره في مؤلفاته السابقة، قد نقده أو رجح خلافه، في هذا الكتاب، واستقر عليه.
فمن ذلك: أن الإمام الغزالي ذكر في «الإحياء»: أن الرسول ﷺ مات عن ٢٠ ألفا من الصحابة، فرد عليه العراقي قبل تأليف «النكت»، وذلك في تخريجه لأحاديث الإحياء، المسمى بـ «المغني عن حمل الأسفار» كما سيأتي، فقال: «قلت: قوله مات عن ٢٠ ألفا، لعله أراد بالمدينة، وإلا فقد روينا عن أبي زرعة الرازي أنه قال: قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف، وأربعة عشر ألفا من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه (^٣)، فأقر قول أبي زرعة، واحتج به كما ترى».
فلما ذكر ابن الصلاح في مقدمته قول أبي زرعة هذا (^٤)، تعقبه العراقي في تحديد هذا العدد قائلا: «وأما ما ذكره المصنف عن أبي زرعة: «فلم أقف له على إسناد، ولا هو في كتب التواريخ المشهورة، وقد ذكره أبو موسى المديني في «ذيله على كتاب الصحابة» لابن منده بغير إسناد»، ثم ذكر العراقي عن الشافعي بإسناد جيد، تحديده لعدد من توفي عنهم الرسول ﷺ من الصحابة، بأقل مما ذكر أبو زرعة بكثير»، حيث قال الشافعي ﵁: «قبض الله
_________________
(١) انظر «التدريب» ٤/ ٢٥٩ و«نظم العقيان» ٧ أ، ٣٢ ب.
(٢) «منهج ذوي النظر» ٤/ ١٦٩.
(٣) انظر «الإحياء ومعه المغني عن حمل الأسفار» ٤ جـ ١/ ٢٩٤.
(٤) انظر «المقدمة» ٤/ ٣٠٥.
[ ٣ / ٩٨١ ]
الرسول ﷺ والمسلمون ستون ألفًا»، ثم عقب العراقي فقال: (ومع ذلك فجميع من صنف الصحابة، لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف، مع كونهم يذكرون من توفي في حياته ﷺ، وفي المغازي وغيرها، ومن عاصره وهو مسلم، وإن لم يره، وجميع ما ذكره ابن منده في (الصحابة)، كما قال أبو موسى المديني، قريب من ثلاثة آلاف وثمانمائة ترجمة، يمن رآه، أو صحبه، أو سمع منه، أو ولد في عصره، أو أدرك زمانه، أو من ذكر فيهم، وإن لم يثبت له ذلك، ومن اختلف فيه) ثم قال: «ولا شك أنه لا يمكن حصرهم بعد نشر الإسلام»، وأضاف قائلا: «وقد ثبت في صحيح البخاري: أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «وأصحاب رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، يعني الديوان» الحديث»، وعقب بقوله: «هذا في غزوة خاصة، وهم مجتمعون، فكيف بجميع من رآه مسلما؟ والله أعلم» (^١).
وبهذا تدرج العراقي في الرأي، تبعا لتدرجه في البحث، والنضج العلمي، فعارض أولا تحديد الغزالي لعدد الصحابة عموما، بعشرين ألفا، ثم نقد في نكته - سندا ومعنى - ما سبق له إقراره في (التخريج)، من تحديد عدد الصحابة بأزيد من عشرين ألفًا، واستقر رأيه في «النكت» بعد بحثه وتمكنه العلمي كما ترى، إلى ترجيح عدم التحديد كلية.
أما البلقيني (^٢)، وابن الملقن (^٣)، فاقتصرا على إيراد أقوال أبي زرعة.
_________________
(١) النكت مع المقدمة ص ٢٦٤ - ٢٦٥ ط مصورة عن الحلبية.
(٢) و«المحاسن» / ١٠١ ب.
(٣) و«المقنع» / ١١٦ ..
[ ٣ / ٩٨٢ ]
والشافعي وغيرهما، دون نقد أو ترجيح، ولكن ما استقر العراقي على ترجيحه في «النكت»، هو الذي اعتمده العلماء (^١) من بعده، ومع أن السيوطي أثبت وجود إسناد لقول أبي زرعة المتقدم، فإنه نقل عن العراقي خلاصة بحثه السابق وأقره (^٢).
ومما أقره في شرح الألفية، ثم توصل بالبحث إلى ما يخالفه، وقرر ذلك في «النكت»، أنه ذكر في الشرح حكاية ابن حبان لاتفاق أئمة الحديث على الاحتجاج برواية المبتدع غير الداعية لبدعته، متى كان صدوقا متقنا، وأقر ذلك (^٣).
أما في «النكت»، فتعقب ذلك بقوله: «وفيما حكاه ابن حبان من الاتفاق نظر، فإنه يُرْوَى عن مالك رد روايتهم مطلقا، كما قاله الخطيب في «الكفاية»» (^٤)، وقد أقر العراقي على ذلك العلماء من بعده، وقال تلميذه ابن حجر: «أن ابن حبان أغرب في حكاية الاتفاق» (^٥).
ومن ذلك أنه من المتفق والمفترق من الرواة، حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، فيستعين المحدثون على تمييز أحدهما عن الآخر، بمن روى عنه، فقال ابن الجوزي: «إن موسى بن إسماعيل التبوذكي، ليس يروي إلا عن حماد ابن سلمة خاصة»، وبمقتضاه، فأنه إذا روى عن «حماد»، ولم يميزه،
_________________
(١) انظر «فتح المغيث»، للسخاوي ج ٣/ ١١٤.
(٢) «التدريب» / ٤٠٦.
(٣) «فتح المغيث» للعراقي ٢/¬٢٩، ٣٠.
(٤) «النكت»» / ١٥٠.
(٥) انظر «فتح المغيث»، للسخاوي ج ١/ ٣٠٧ و(تدريب الراوي) / ٢١٦.
[ ٣ / ٩٨٣ ]
عرفنا أن مراده «حماد بن سلمة»، بدون إشكال، فذكر العراقي في الشرح قول ابن الجوزي السابق، وأقره عليه (^١).
أما في «النكت» فتعقبه، حيث قال: «إن ما ذكره ابن الجوزي غير مُسَلَّمٌ»، وذلك بقوله: فقد ذكر المزي في «تهذيب الكمال» أن التبوذكي روى عن حماد بن زيد أيضًا، ثم ذكر تفصيل كلام المزي، وانتهى من مجموعه إلى أن التبوذكي اشتهر بالرواية عن حماد بن زيد، دون الإنفراد عنه وبذلك أصبح إطلاقه الرواية عنه مشكلًا (^٢).
ومما يصور أهمية الرجوع لكتاب «النكت» لمعرفة أراء العراقي النهائية: أن العلماء من بعده كالسخاوي (^٣)، والسيوطي (^٤)، اقتصروا على ما ذكره عن ابن الجوزي وأقره في الشرح، مع أنه كما ترى قد خالفه في «النكت»، ودعم مخالفته بما انتهى إليه أخيرًا بالبحث والنظر.
فليتنبه لذلك الباحثون من بعد، ويرجعوا إلى كتاب «النكت» هذا، بجانب «شرح الألفية»، حتى يحصلوا على بحوث العراقي المتكاملة وآرائه النهائية، التي استقر عليها في نكته.
على أن ذلك لا يُفقد شرح الألفية اعتباره مرجعا علميا مستقلا، في المسائل والآراء التي لم يدخل العراقي عليها تغييرا في النكت، وهي أكثر الكتاب، بل
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٢٠.
(٢) انظر «النكت» / ٤١١.
(٣) «فتح المغيث» ج ٣» / ٢٥٥، ٢٥٦.
(٤) «التدريب» ٤٨٥.
[ ٣ / ٩٨٤ ]
هناك مباحث في «النكت» كما هي في الشرح بالنص (^١).
بالإضافة إلى الأبواب التي لم يعلق عليها كلية في «النكت»، كما سيأتي، وقد تناولها جميعًا في «شرح الألفية».
بعض ما توقف العراقي فيه:
ومع ما تضمنه الكتاب كما ترى من دلائل ناصعة، على نضج آراء العراقي وعمق بحوثه في مسائل المصطلح، وإحاطته بأمهات مصادر السنة وعلومها، وتأثيره في ذلك، فإن بعض المسائل التي أثبت توقفه فيها في الشرح، أثبت أيضًا توقفه فيها في النكت، فقد ذكر ابن الصلاح في المتفق والمفترق من الرواة ممن تسمى «الخليل بن أحمد» ستة، وذكر الخامس منهم: الخليل بن أحمد، أبو سعيد البستي، القاضي، المهلبي، والسادس: الخليل بن أحمد بن عبد الله، بن أحمد أبو سعيد الفقيه الشافعي (^٢)، فعقب العراقي على ذلك في الشرح بقوله: «وأخشى أيضًا أن يكون هذا هو الذي قبله، ولكن هكذا فرق بينهما ابن الصلاح» (^٣)، ثم علّق عليهما في «النكت» كذلك قائلا: قلت: وأخشى أن يكون هذان واحدًا، فيحرر من فرق بينهما غير المؤلف، يعني ابن الصلاح (^٤)، وبهذا لم يقطع برأي، أما البلقيني، وابن الملقن (^٥)، فتابعا ابن
_________________
(١) انظر «الشرح» ج ٢/¬٢٩ و«النكت» ٥/ ١٥١ وج ١/¬٤٨ وج ٣/ ٦٧ و«النكت» ٥/ ٢٣٩، ٢٤٠، ج ٣/¬١٤ و٥ «النكت» ٥/ ٢٧٦ وغير ذلك.
(٢) «المقدمة» / ٤٠٧.
(٣) «فتح المغيث»، للعراقي في ج ٤/ ١١٥.
(٤) «النكت» ٥/ ٤٠٧.
(٥) «المحاسن»، ١٣٥ أ، و«المقنع» ٥/ ١٥٩.
[ ٣ / ٩٨٥ ]
الصلاح دون توقف، ولعل مما يشهد بتبحر العراقي فعلا، أن من بعده نقلوا توقفه، دون أن يتمكنوا من الإدلاء برأي قاطع من جانبهم (^١).
وهناك أيضا ما أثبت في «النكت» توقفه فيه، حيث قال عن خالد بن سيرين: «إني لم أجد له رواية، ولم أقف له على ترجمة» (^٢).
ولقد بحثت من جانبي فلم أجد من استدرك عليه، بوجود رواية لهذا الشخص أو ترجمة، رغم عد الطبراني له ضمن المحدثين (^٣)، وعموما فإن ما توقف فيه العراقي يعتبر نادرا، بجانب ما قطع فيه برأيه، قبولًا أو ردا، بعد بحث وتمكن، كما قدمت.
ى - منهج العراقي في الكتاب، وآراؤه، وأثر ذلك
تحليل نقدي مقارن
بينت من قبل أن العراقي هدف من تأليف كتابه «النكت» إلى ثلاثة أهداف أساسية هي: تقييد ما يحتاج إلى تقييد مما أطلقه ابن الصلاح، وتوضيح ما رأى فيه غموضًا أو إشكالا، ورد الاعتراضات غير الصحيحة الموجهة إلى ابن الصلاح.
وقد ظهر لي من البحث الكامل للكتاب: أن العراقي جعل تحقيق هذه الأهداف الثلاثة عناصر أساسية لمنهجه، وبين خلال ذلك آراءه وبحوثه، فيما تناوله من مسائل المصطلح، وما يتصل بها، كما وجدته تطرق من تلك
_________________
(١) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٤٨ و«التدريب»، ٢/ ٤٨١
(٢) «النكت»» / ٣٣٩.
(٣) «النكت»، ٣٣٩.
[ ٣ / ٩٨٦ ]
العناصر إلى جوانب أخرى متممة وممحصة لمحتوى كتاب ابن الصلاح أولًا، ولمصادره، وما تفرع عنه ثانيا، وألحق بذلك عدة بحوث مفردة، لها أهميتها وأثرها حتى اليوم، في علوم السنة ومتعلقاتها، وكثيرًا ما وجدته في كل ذلك يتبع منهج البحث التاريخي، فيبين المصدر السابق للموضوعات والآراء، ويتتبع انتقالها إلى اللاحق، ويبين موقف اللاحق، وموقفه هو كذلك منها، وهذا ما تعتمده مناهج البحث العلمي الأصيل حتى اليوم، وقد حقق العراقي باتباع هذا المنهج، تأصيل كثير من النصوص والآراء المشتمل عليها كتاب ابن الصلاح، كما كشف المصادر الأصلية لكثير من الحقائق والأوهام المتعلقة بعلوم السنة، وقد مرت بعض أمثلة لذلك في بيان نضجه العلمي، وسيأتي غيرها في تفصيل عناصر منهجه على النحو التالي:
١ - تقييد العراقي لما يحتاج إلى التقييد، مما أطلقه ابن الصلاح، وبالعكس:
ذكر ابن الصلاح في مقدمته كثيرًا من المسائل والآراء بعبارة تفيد الإطلاق والتعميم، صراحة أو ضمنا، لكن العراقي رأى أن هذا الإطلاق غير مسلم لابن الصلاح، في مواضع عديدة، بل ينبغي تقييده وتخصيصه، خاصة وأن التقييد، والتعميم، في الاصطلاحات، له خطره، فتتبع هذه المواضع، وقام ببيان تقييدها، مع التوجيه والتدليل، محققا بذلك أحد أهدافه من تأليف الكتاب، وقد وجدته تارة يصرّح بأن ابن الصلاح أطلق كذا، ولابد من تقييده، أو والصواب تقييده بكذا، وتارة لا يعبر بذلك صراحة، اعتمادا على إفادة كلامه لهذا بوضوح، كما سيظهر من الأمثلة، ثم إني وجدته يعرض أيضا للعكس، حيث يعلق على بعض ما قيده ابن الصلاح، ببيان أنه ينبغي
[ ٣ / ٩٨٧ ]
إطلاقه، كما يضيف خلال هذا وذاك، تحقيقات مفيدة ومناقشات جيدة لغير ابن الصلاح من المتقدمين، والمتأخرين، وإن كان لم يشر لذلك في أهداف الكتاب كما تقدمت، وإليك الأمثلة التطبيقية لذلك:
فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر مما تعرف به صحبة الصحابي: «قوله وإخباره عن نفسه، بعد ثبوت عدالته: بأنه صحابي» (^١).
فعلق العراقي على ذلك قائلا: «هكذا أطلق المصنف أنه صحابي، وتبع في ذلك الخطيب، فإنه قال في «الكفاية»، في آخر كلام رواه عن القاضي أبي بكر الباقلاني، ما صورته: «وقد يحكم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينا مقبول القول، إذا قال: صحبت النبي ﷺ، وكثر لقائي له، فيحكم بأنه صحابي في الظاهر، لموضع عدالته وقبول خبره، وإن لم يقطع بذلك، كما يعمل بروايته»»، إهـ.
ثم عقب بقوله: (والظاهر أن هذا الكلام بقية كلام القاضي أبي بكر، فإنه يَشترطُ في الصحابي كثرة الصحبة، واستمرار اللقاء، وأما الخطيب فلا يشترط ذلك على رأي المحدثين)، ثم عقب على هذا بقوله عن ابن الصلاح: «وعلى كل تقدير فلابد من تقييد ما أطلقه، بأن يكون ادعاؤه أي الصحابي لذلك، يقتضيه الظاهر، أما لو ادعاه بعد مائة سنة من وفاته ﷺ، فإنه لا يقبل ذلك منه، كجماعة ادعوا الصحبة بعد ذلك، كأبي الدنيا الأشج ومكلبة بن ملكان، ورتن الهندي».
فقد أجمع أهل الحديث على تكذيبهم، وذلك كما ثبت في الصحيحين من
_________________
(١) والمقدمة مع النكت» / ٢٩٩.
[ ٣ / ٩٨٨ ]
حديث ابن عمر قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» الحديث، وكان إخباره بذلك قبل موته بشهر»، كما ثبت في «صحيح مسلم» من حدث جابر قال سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألونني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله، ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة، وفي رواية له «ما من نفس منفوسة اليوم، يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ»»، ثم انتقل إلى الجمع بين هذه الرواية وغيرها، فقال: وهذه الرواية المقيدة باليوم، يحمل عليها قوله ﷺ في بعض طرق حديث جابر عند مسلم: «ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة»، ثم تطرق من ذلك إلى تصويب فهم خاطئ لهذا الحديث، وجد بعض علماء عصره يصر عليه، فقال «فقد رأيت بعض أهل العلم استدل بهذه الرواية على أن أحدًا لا يعيش مائة سنة، ونازعته في ذلك فأصر عليه، مع أن في بقية الحديث عنده: فقال سالم يعني ابن أبي الجعد وهو الراوي له عن جابر: «تذاكرنا ذلك عنده، فقال: إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ»». وعند مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم».
وعقب العراقي على هذا قائلا: «والصواب، أن ذلك محمول على التقييد بالظرف، فقد جاوز جماعة من العلماء المائة، وحدثوا بعد المائة، وهم معروفو المولد» وذكر اثنين منهم، ثم قال: «وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث أن المراد بالمائة، من الهجرة، لا من وفاته ﷺ، رواه أبو يعلى
[ ٣ / ٩٨٩ ]
الموصلي في «مسنده» من رواية قيس بن وهب الهمداني عن أنس قال: حدثنا أصحاب النبي ﷺ أنه قال: «لا يأتي مائة سنة من الهجرة، ومنكم عين تطرف» ثم بين العراقي أهمية هذا الحديث في دفع بعض الآراء، فقال: «وهذا يرد قول من ادعى أنه تأخر بعد أبي الطفيل أحد من الصحابة» ثم قرر نتيجة بحثه واستدلاله قائلًا: «فعلى هذا، لا يُقبل قول أحد ادعى الصحبة بعد مائة سنة من الهجرة» وبعد تقرير رأي المحدثين بهذه الإستفاضة والتحقيق، ضم إلى ذلك خلاصة رأي الأصوليين، حتى تتكامل جوانب الموضوع، فقال: «وكلام الأصوليين أيضًا يقتضي ما ذكرناه، فإنهم اشترطوا في ثبوت ذلك، أي الصحبة، بادعائه، أن يكون قد عرفت معاصرته للنبي ﷺ …». وذكر نص كلام الآمدي وابن الحاجب في هذا (^١).
وعند المقارنة نجد أن الإمام النووي (^٢)، والبلقيني (^٣)، قد تابعا ابن الصلاح على إطلاقه السابق، أما ابن الملقن فأشار إلى التقييد، لكن بعبارة موجزة لا تقارن بما تقدم عن العراقي من البحث والتحقيق المستفيضين، فقد علق على قول ابن الصلاح: «إن الصحبة تعرف بقول الشخص عن نفسه إذا كان عدلًا»، فقال: «قلت: وكان ممكنا، فإن كان العدل معاصرا للنبي ﷺ، ففيه خلاف حكاه ابن الحاجب» (^٤)، ولهذا فإن العلماء من بعدهم وفي مقدمتهم الحافظ ابن حجر (^٥)، اعتمدوا على تفصيل العراقي السابق في البحث
_________________
(١) «النكت» / ٢٩٩ - ٣٠١.
(٢) «التقريب مع التدريب» ٣٩٩، ٤٠٠.
(٣) «المحاسن» / ١٠٠ أ.
(٤) «المقنع» / ١١٤.
(٥) انظر (فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ٩٧ و(التدريب) / ٤٠٠.
[ ٣ / ٩٩٠ ]
والاستدلال.
وقد يكون الإطلاق واردا عن المتقدمين، فيقيده ابن الصلاح من جانب، فيضيف العراقي تقييده من جانب آخر، مثال ذلك: أن ابن الصلاح نقل عن ابن المبارك، والإمام أحمد بن حنبل، والحميدي، وغيرهم: أن من غلط في حديث، وبين له غلطه فلم يرجع، وأصر على رواية ذلك الحديث، سقطت روايته، ولم يكتب عنه. ثم عقب على هذا بقوله: «وفي هذا نظر، وهو غير مستنكر، إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد، أو نحو ذلك، والله أعلم» (^١). فقال العراقي في «النكت»: وما ذكره المصنف بحثًا - أي رأيا من جانبه - قد نص عليه أبو حاتم ابن حبان، فقال: «إن من بين له خطؤه، وعلم فلم يرجع عنه، وتمادى في ذلك، كان كذابًا بعلم صحيح» قال العراقي: (فقيد ابن حبان ذلك بكونه علم خطأه، وإنما يكون عنادًا إذا علم الحق وخالفه)، ثم بعد تأصيله هذا الرأي ابن الصلاح، بإرجاعه إلى ابن حبان، أضاف تقيدًا آخر عن بعض المتأخرين، وأقره، فقال: «وقيد بعض المتأخرين ذلك بأن يكون الذي بين له غلطه عالمًا عند المبين له، أما إذا كان ليس بهذه المثابة عنده، فلا حرج إذن» (^٢) وبالمقارنة نجد كلا من البلقيني (^٣)، وابن الملقن (^٤)، لا يتعرضان، لا لتأصيل تقييد ابن الصلاح، ولا لذكر التقييد الذي أضافه.
_________________
(١) «المقدمة مع النكت»: ١٥٥.
(٢) «النكت» / ١٥٧.
(٣) «المحاسن» ٤٦ أ، ب.
(٤) «المقنع» ٠/ ٥٦.
[ ٣ / ٩٩١ ]
العراقي، أما المتأخرون عن العراقي فقد اعتمدوا تأصيله وتقييده (^١).
ومما بين العراقي فيه تقييد ما أطلقه ابن الصلاح دون تصريحه بعبارة الإطلاق والتقييد: أن ابن الصلاح ذكر أن مرسل أحداث الصحابة، أي صغارهم، في حكم المتصل المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول (^٢).
فقال العراقي في (النكت): (إن قول ابن الصلاح: (لأن روايتهم عن الصحابة)، ليس بجيد، بل الصواب أن يقال: لأن أكثر روايتهم عن الصحابة)، وأيد ذلك بقوله: (إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين، وسيأتي في كلام المصنف في النوع الحادي والأربعين، أن ابن عباس وبقية العبادلة رووا عن كعب الأحبار، وهو من التابعين، وروى كعب أيضًا عن التابعين (^٣». وبهذا يتقرر تقييد ما أطلقه ابن الصلاح في عبارته.
وأما عكس ما تقدم، وهو إطلاق العراقي لما قيده ابن الصلاح، فمن أمثلته: أن ابن الصلاح قال في نوع الحديث المدبج: «اعلم أن رواية القرين عن القرين، تنقسم: فمنها المدبج، وهو: أن يروي القرينان، كل واحد منهما عن الآخر» (^٤).
فقال العراقي في (النكت): «إن تقييد المصنف للمدبج بالقرينين، إذا
_________________
(١) انظر «النكت الوفية» / ٢٣٠ ب و«التدريب» / ٢٢٨، و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٣٢، ٣٣٣.
(٢) «المقدمة» / ٧٥.
(٣) «النكت» / ٧٥، ٧٦.
(٤) «المقدمة» / ١٣٣.
[ ٣ / ٩٩٢ ]
روى كل واحد منهما عن الآخر، تبع فيه الحاكم في «علوم الحديث (^١)، وما قصره الحاكم، وتبعه ابن الصلاح، على أن المدبج رواية القرينين، ليس على ما ذكراه، وإنما المدبج: أن يروي كل من الراويين عن الآخر، سواء كانا قرينين أم كان أحدهما أكبر من الآخر، فيكون رواية أحدهما عن الآخر من رواية الأكابر عن الأصاغر»، ثم أرجع العراقي هذا إلى أصله الأول، يبحثه العملي، واستنتاجه، إذ يقول: «فإن الحاكم نقل هذه التسمية عن بعض شيوخه، من غير أن يسميه، والمراد به الدارقطني، فإنه أحد شيوخه، وهو أول من سماه أي المدبج بذلك فيما أعلم، وصنف فيه كتابا حافلا سماه «المدبج» ولم يتقيد في ذلك بكونهما قرينين، فإنه ذكر فيه رواية أبي بكر عن النبي ﷺ، ورواية النبي ﷺ عن أبي بكر، ورواية عمر عن النبي ﷺ، وروايته ﷺ عن عمر …» وسرد العراقي معظم ما أورده الدارقطني في هذا الكتاب من أمثلة، لأنه تملك نسخة صحيحة منه، ثم قال: «فهذا يدل على أن المدبج لا يختص بكون الراويين اللذين روى كل منهما عن الآخر قرينين، بل الحكم أعم من ذلك، والله أعلم» (^٢).
وبهذا أثبت العراقي، أن تقييد ابن الصلاح، والحاكم من قبله، لمفهوم الحديث المدبج، الصواب إطلاقه وتعميمه، سواء في المفهوم الاصطلاحي له، أو في تطبيقه الواقعي على كتب السنة. أما البلقيني (^٣) وابن الملقن (^٤).
_________________
(١) انظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ ٢١٥ وما بعدها.
(٢) والنكت» / ٣٣٤.
(٣) والمحاسن» / ١١١ أ.
(٤) والمقنع، ١٢٧.
[ ٣ / ٩٩٣ ]
وغيرهما (^١) فتابعا ابن الصلاح على ما قرره، تبعا للحاكم، ولكن العلماء من بعد العراقي قد أخذوا برأيه (^٢)، ونقل السيوطي ومن بعده عنه خلاصة ما تقدم (^٣).
نقد بعض تقييدات العراقي لما أطلقه ابن الصلاح:
ورغم أن العراقي قد أصاب في غالب استدراكاته على ابن الصلاح بالتقييد والإطلاق، وتأثر العلماء به في ذلك كما أوضحت، إلا أن هناك بعض مسائل قليلة، لم يوفق العراقي في تقييد إطلاق ابن الصلاح لها، مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر أن عدة أحاديث الصحيح للبخاري ٧٢٧٥ حديثا بالأحاديث المكررة، وقال: (وقد قيل إنها باسقاط المكرر ٤ آلاف حديث وقد يندرج في ذلك آثار الصحابة والتابعين، والحديث الواحد المروي بإسنادين) (^٤).
فقال العراقي في (النكت): «هكذا أطلق ابن الصلاح عدة أحاديثه، أي «صحيح البخاري» والمراد بهذا العدد، الرواية المشهورة، وهي رواية محمد ابن يوسف الفربري، فأما رواية حماد بن شاكر، يعني عن البخاري، فهي دونها بمائتي حديث، وأنقص الروايات، رواية إبراهيم بن معقل - يعني النسفي - فإنها تنقص عن رواية الفربري ثلاثمائة حديث» (^٥).
ومعنى ذلك، أن العراقي يرى أنه كان على ابن الصلاح تقييد ما ذكره من
_________________
(١) انظر «التقريب للنووي» / ٤٢٦.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٦٠.
(٣) «التدريب» ٥/ ٤٢٦ و«منهج ذوي النظر للترمسي» / ٣١٨.
(٤) «المقدمة» / ٢٧
(٥) «النكت» / ٢٧
[ ٣ / ٩٩٤ ]
عدد أحاديث البخاري، بالرواية المشهورة فقط، وهي رواية الفربري وقد تعقب الحافظ ابن حجر شيخه العراقي في هذا، فقال ما إجماله: «إن ظاهر كلام العراقي: أن النقص في هاتين الروايتين، وقع في أصل التصنيف وليس كذلك، بل كتاب «البخاري» في جميع الروايات الثلاث في العدد سواء، وإنما فات حمادًا وابن معقل «النسفي»، لما سمعا الصحيح على البخاري شيء من أواخر الكتاب، فروياه بالإجازة، فعدّ العلماء ما فات حمادًا فبلغ مائتي حديث، فقالوا روايته ناقصة عن رواية الفربري هذا القدر، وفات ابن معقل «النسفي» أكثر من حماد، فعدوه نقصا كما فعلوا في رواية حماد» قال: وفي ذلك نظر، فإن رواية الثلاثة متفقة في الكتابة، وإنما اختلفت في أن الفربري سمع الجميع، وإبراهيم «النسفي» وحماد، فاتهما سماع القدر المذكور من أواخر الكتاب فقط، فالنقص إنما حصل من طَرَيَانِ الفوت، لا من أصل «التصنيف» ثم أيد ابن حجر كلامه بمن سبقه، وببحثه بنفسه فقال: «وقد بين شيئًا من ذلك أبو علي الجياني وابن طاهر، ووقع لي أصل أصيل من نسخة النسفي من البخاري، متواليا، إلا أن في آخره نقصا من الأصل وقال: «إلى هنا انتهى سماع النسفي»، أما عدد أحاديث البخاري التي قرر العراقي أنها مطابقة للرواية المشهورة، وهي رواية الفربري، فقد تعقبه في ذلك ابن حجر أيضًا، فذكر أن العراقي وغيره، قد أقروا هذا العدد تقليدًا للحموي الذي كتب البخاري، ورواه عن الفربري، وعد كل باب منه، ثم جمع الجملة وقلّده كل من جاء بعده، نظرًا منهم إلى أنه راوي الكتاب، وله به العناية التامة» قال: ثم لما شرعت في «مقدمة شرح البخاري»، قلدته كما قلدوه، إلى كتاب «السلم»، فوجدته قال: «إن فيه ثلاثين حديثا، أو
[ ٣ / ٩٩٥ ]
نحوها، - الشك مني -» قال: «فاستكثرتها بالنسبة إلى الباب، فعددتها فوجدتها نقصت عما قال كثيرًا، فرجعت عن تقليده، وعددت محررًا بحسب طاقتي فبلغت أحاديثه بالمكرر - سوى المعلقات، والمتابعات - سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثا» إلخ (^١).
ونلاحظ هنا، أن ابن حجر أشبه شيخه العراقي في تقليد من يثق به من العلماء، ثم الرجوع عن ذلك متى ظهر له خطؤه، ولا شك أن ما أيد به ابن حجر نقده، كاف في رد ما قرره شيخه العراقي لتقييد كلام ابن الصلاح، وما قرره في عدد أحاديث البخاري، ولهذا تابع ابن حجر العلماء من بعده على هذا النقد والتحرير، وتناقلوه عنه. وإن اختلف نقلهم عنه، واختلف كلامه هو أيضا اختلافًا يسيرًا في العدد المحرر لأحاديث البخاري، إجمالًا وتفصيلا، عما تقدم ذكره (^٢).
إيضاح العراقي لما أُغلق وأشكل من كتاب ابن الصلاح: هذا هو الهدف الثاني الذي جعل العراقي تحقيقه عنصرًا أساسيًا من منهجه، وصرح به في تسمية الكتاب كما تقدم بـ «التقييد والإيضاح، لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح» وهذا العنصر هو الذي جعل العلماء يعدون هذه النكت ضمن الشروح، وإن كانت كما أوضحت، تختلف عن الشرح المعتاد، حيث إنه لم يستوعب كل مشتملات الكتاب، وقد وجه عنايته لتوضيح
_________________
(١) انظر: (البحر الذي زخر) / ٣١ أ وب و(التدريب) / ٥٠ كلاهما للسيوطي، و(النكت الوفية) للبقاعي/ ٢٧ ب، ٢٨ أ.
(٢) انظر المصادر السابقة، وحاشية ابن قطلوبغا الحنفي على شرح العراقي المتوسط للألفية/ ٥٠ ب و٥١ أ: و«مقدمة فتح الباري»، ج ٢/ ٢٤٢، ٢٤٩.
[ ٣ / ٩٩٦ ]
وشرح المسائل التي رأى فيها غموضا أو إشكالا، أكثر من عنايته بتوضيح الألفاظ والعبارات، كما أن أكثر ما عني به، لم ينل عناية غيره، من معاصريه الذين تناولوا كتاب ابن الصلاح، شرحا وتنكيتا كما مر بنا في مقارنات الأمثلة، وكما سيأتي أيضا، وإليك بعض النماذج لما تناوله بالإيضاح:
أولا: الإيضاحات اللغوية:
وقد عني العراقي فيها بما يتعلق بالمصطلحات الحديثية، بناء على أن المعنى اللغوي ينبغي مراعاته في المعنى الاصطلاحي (^١)، فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر في النوع الثاني والأربعين من كتابه: (معرفة الحديث المدبج) كما سبق ذكري له في الفقرة السابقة، ولم يتعرض لبيان وجه تسمية هذا النوع بالمدبج ولا لوجه اشتقاقه، مع أنه تعرض لمثله، مما فيه غموض أو إشكال، كالمعلل، والمعضل، فقال العراقي في (النكت) متسائلا؟: ما المناسبة المقتضية لتسمية هذا النوع بالمدبج؟ ومن أي شيء اشتقاقه؟ وأجاب بقوله: (ولم أر من تعرض لذلك)، ثم تصدى هو للبيان، فقال: «والظاهر أنه سمي بذلك، لحسنه فإن المدبج لغة: هو المزين»، قال صاحب المحكم: «الدبج: النقش والتزيين، فارسي معرب»، قال: وديباجة الوجه حسن بشرته، ومنه تسمية ابن مسعود الحواميم: (ديباج القرآن)، قال العراقي: «وإذا كان هذا منه، فإن الإسناد الذي يجتمع فيه قرينان، أو أحدهما أكبر من الآخر، من رواية الأصاغر عن الأكابر، إنما يقع ذلك غالبا فيما إذا كانا عالمين أو حافظين، أو فيهما، أو في أحدهما، نوع من وجوه الترجيح، حتى عدل الراوي عن العلو
_________________
(١) انظر: (لقط الدرر) للشيخ خاطر/ ١١٢.
[ ٣ / ٩٩٧ ]
للمساواة، أو النزول، لأجل ذلك، فحصل للإسناد بذلك تحسين وتزيين، كرواية أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين، ورواية ابن معين عن أحمد، وإنما تقع رواية الأقران غالبًا من أهل العلم المتميزين بالمعرفة». ثم ساق احتمالًا آخر، فقال: ويحتمل أن يقال: «إن القرينين الواقعين في المديح في طبقة واحدة بمنزلة واحدة، فشبها بالخدين»، فإن الخدين يقال لهما: الديباجتان كما قاله صاحبا «المحكم» و«الصحاح». وأردف قائلًا: «وهذا المعنى متجه على ما قاله الحاكم وابن الصلاح: أن المدبج مختص بالقرينين»، وذكر احتمالًا آخر، واستبعده حيث قال: «ويحتمل أنه سمي بذلك، لنزول الإسناد، فإنهما إن كانا قرينين، نزل كل منهما درجة، وإن كان من رواية الأكابر عن الأصاغر، نزل درجتين، وقد روينا عن يحيى بن معين قال: «الإسناد النازل قرحة في الوجه، وروينا عن علي بن المديني، وأبي عمرو المستملي، قالا: النزول شؤم»». قال العراقي: «فعلى هذا، لا يكون المديج مدحًا له - أي للحديث - ويكون ذلك من قولهم: رجل مدبج، قبيح الوجه والهامة، حكاه صاحب المحكم»، وعقب العراقي قائلًا: «وفيه بعد» ثم قال: «والظاهر أنه إنما هو مدح لهذا النوع، أو يكون من الاحتمال الثاني، يعني تشبيه القرينين فيه بالخدين، والله أعلم» (^١).
وبهذا بين الأصل اللغوي للكلمة، ورجح مناسبة تسمية هذا النوع من الحديث بها، لمعنيين ملائمين، واستبعد معنى ثالثًا، وهذا إيضاح أشار إلى عدم وقوفه على من سبقه إليه، كما أني لم أجد البلقيني (^٢).
_________________
(١) «النكت» / ٣٣٤، ٣٣٩.
(٢) «المحاسن» / ١١١ أ.
[ ٣ / ٩٩٨ ]
ولا ابن الملقن (^١)، تعرضا لذلك، أما من بعد العراقي، فقد أخذوا بتوجيهه، كتلميذه ابن حجر في (توضيح النخبة)، حيث جزم بالمأخذ الثاني مما رجحهما شيخه (^٢)، وكالسيوطي في (التدريب)، وقد أقر العراقي على عدم سبق غيره له في هذا البحث، والتوجيه، ونقل خلاصته عنه (^٣)، وكذا من بعده إلى الآن (^٤).
ثانيا: تحديد المبهم:
أبهم ابن الصلاح ذكر مصدره في كثير من الآراء والمسائل، حيث يقول: «قال بعض المتأخرين كذا» (^٥)، أو قال بعض أئمتنا كذا (^٦)، أو عزى بعضهم كذا (^٧) أو بعض أهل الحديث (^٨) بذلك أصبح الرجوع إلى مصدر هذه المسائل والآراء، خاصة المختلف فيه منها، صعب المسلك، مستغلقا على الباحث، وربما جمعت عبارة ابن الصلاح في الإحالة بين الإبهام والتضعيف للرأي، دون أن يكون التضعيف واردا في المصدر المنقول عنه، كقوله: «ويقال كذا» فتتبع العراقي كثيرا من تلك الإحالات المبهمة وحدد المراد بها، وقد ينقل نص ما
_________________
(١) «المقنع» / ١٢٧.
(٢) توضيح «نخبة الفكر مع لقط الدرر» / ١١٢.
(٣) «التدريب» / ٤٢٦، ٤٢٧.
(٤) انظر (منهج ذوي النظر) / ٣١٨، ٣١٩.
(٥) «المقدمة مع النكت» / ٤٥.
(٦) «المقدمة مع النكت» / ١٤٥.
(٧) «المقدمة مع النكت» / ١٤٩٠.
(٨) «المقدمة مع النكت / ٢٦٧.
[ ٣ / ٩٩٩ ]
أحال عليه ابن الصلاح، ولا شك أنه عمل بالغ الأهمية، لا في الإيضاح للمبهمات فحسب، بل وفي توثيق كتاب ابن الصلاح، بتحديد مصادره، وتأصيل محتواه العلمي، كما أن له دلالة قوية على جهد العراقي المبذول في بحث نصوص الكتاب، وإرجاعها لمصادرها العديدة، كما هو المنهج العلمي المعتمد لتحقيق النصوص، حتى عصرنا هذا، ولذلك أيضًا دلالة قوية على سعة اطلاع العراقي، وتمكنه العلمي كما قدمت إيضاحه، وإليك بعض الأمثلة:
فمن ذلك: أن ابن الصلاح قال عن الحديث الطويل الموضوع في فضائل القرآن سورة فسورة: «بحث باحث عن مَخْرَجِه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه» (^١). فقال العراقي في «النكت»: «أبهم المصنف ذكر هذا الباحث الذي بحث عن هذا الحديث، وهو مؤمل بن إسماعيل»، ثم نقل النص المثبت لذلك فقال: «فروينا عن مؤمل أنه قال: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلت للشيخ من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فسرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي، فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بالبصرة فصِرْتُ إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان فصرتُ إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن» (^٢).
_________________
(١) «المقدمة مع النكت»» / ١٣٤
(٢) «النكت»» / ١٣٤
[ ٣ / ١٠٠٠ ]
ولم يعلق ابن الملقن (^١) ولا البلقيني (^٢) على إبهام ابن الصلاح المذكور بشيء، وقد أقر العلماء من بعد العراقي ما ذكره (^٣).
وقال ابن الصلاح أيضًا: قال بعض أئمتنا: «المستور من يكون عدلا في الظاهر ولا تعرف عدالة باطنه» (^٤).
فقال العراقي: «وهذا الذي أبهمه المصنف بقوله: «بعض أئمتنا» هو أبو محمد البغوي، صاحب «التهذيب»، فهذا لفظه بحروفه فيه، ويوافقه كلام الرافعي في الصوم، فإنه قال فيه: «إن العدالة الباطنة هي التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين»» (^٥).
وبذلك حدد مصدرين: أولهما بالنص، والثاني بالمعنى.
وتحديده لمصدر النص بحروفه، كما قال، يدل على أنه رجع إليه، وقابله تفصيلا، بما ذكره ابن الصلاح، وقد شارك العراقي في بيان هذا المبهم ابن الملقن (^٦).
ومما جمع فيه العراقي بين تحديد المصدر، ورفع التضعيف: أن ابن الصلاح، ذكر من متشابه الرواة موسى بن علي بن رباح اللخمي المصري، وذكر أنه عرف بضم العين في اسم أبيه، قال: «وقد روينا عنه تجريحه ممن يقوله بالضم».
_________________
(١) «المقنع» ٥/¬٤٦.
(٢) «المحاسن» / ٣٩ ب.
(٣) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٤٢ و٥ التدريب/ ١٨٨، ١٨٩.
(٤) «المقدمة» ٥/ ١٤٥.
(٥) «النكت» / ١٤٥.
(٦) «المقنع» ٥/ ٥٢.
[ ٣ / ١٠٠١ ]
ثم قال: «ويقال: إن أهل مصر كانوا يقولونه بالفتح، لذلك، وأهل العراق كانوا يقولونه بالضم، وكان بعض الحفاظ يجعله بالفتح اسما له، وبالضم لقبا» (^١).
فقال العراقي في «النكت» تعليقا على قوله: «ويقال أن أهل مصر» إلخ أبهم المصنف قائل ذلك وأتى بصيغة التمريض، والذي قال ذلك: محمد بن سعد، قاله في «الطبقات»، بلفظ: «أهل مصر يفتحون، وأهل العراق يضمون» وبنقله لنص ابن سعد، أوضح أن تضعيف هذا الرأي، هو من جانب ابن الصلاح، وليس من المصدر الأصلي الذي اعتمد عليه، وقد ذكر السخاوي: أن القول بفتح العين مشهور، وفتحها هو الصحيح (^٢).
ثم علق العراقي على قول ابن الصلاح أيضا: «وكان بعض الحفاظ يجعله إسما له»، إلخ.
فقال: «أبهم المصنف تسمية الحافظ القائل ذلك، وهو الدارقطني» (^٣) ولم يتعرض لأي من ذلك البلقيني (^٤) ولا ابن الملقن (^٥)، وقد أيد السيوطي العراقي في تحديد ما أبهمه ابن الصلاح (^٦).
وربما حدّد العراقي ما أبهمه ابن الصلاح بطريق الاستنتاج، حسبما يظهر له.
_________________
(١) «المقدمة» / ٤١٩.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٢٦٠.
(٣) «النكت» / ٤١٩.
(٤) «المحاسن» ١٣١ ب.
(٥) «المقنع» ١٦٣.
(٦) انظر «التدريب» / ٤٩٠، ٤٩١.
[ ٣ / ١٠٠٢ ]
مثال ذلك: أن ابن الصلاح قال عن سعيد بن المسيب: «وقد قال بعضهم: لا تصح له رواية عن أحد من العشرة (^١)، إلا سعد بن أبي وقاص» (^٢).
فقال العراقي: «قلت: هكذا أبهم المصنف قائل ذلك، والظاهر أنه أخذ ذلك من قول قتادة، الذي رواه مسلم في مقدمة «صحيحه»، من رواية همام قال: دخل أبو داود الأعمى على قتادة، فلما قام قالوا: إن هذا يزعم أنه لقي ثمانية عشر بدريًا، فقال قتادة: هذا كان سائلا قبل الجارف، لا يعرض في شيء من هذا، ولا يتكلم فيه، فوالله ما حدثنا الحسن عن بدري مشافهة ولا حدثنا سعيد بن المسيب عن بدري مشافهة، إلا عن سعد بن مالك» (^٣)، ولم يتعرض البلقيني (^٤)، ولا ابن الملقن (^٥)، لذلك، ولكن قد أقر العراقي من بعده على ما استظهره، في تحديد ما أبهمه ابن الصلاح (^٦)، ونقله عنه السيوطي (^٧).
وقد ينبه على أنه لم يجد مصدرا لما قرره ابن الصلاح.
مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر ممن يكنى أبا عبد الله من الرواة: عمارة بن حزم (^٨) فقال العراقي: «يُنْظَرُ فإني لم أر من كنّاه بذلك، ولم يذكروا له كنية
_________________
(١) أي المبشرين بالجنة.
(٢) «المقدمة» / ٣٢٠.
(٣) «النكت» / ٣٢٠، ٣٢١.
(٤) «المحاسن» ١/ ١٠٦ أ.
(٥) «المقنع» ١٢١.
(٦) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ١٤٣.
(٧) «التدريب» ٩/ ٤١٧.
(٨) «المقدمة» / ٣٧٥.
[ ٣ / ١٠٠٣ ]
فيما وقفت عليه، كالبخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والنسائي، وأبي أحمد الحاكم، وابن حبان، وابن منده، وابن عبد البر (^١)، ولم يعلق البلقيني (^٢)، ولا ابن الملقن (^٣)، على ما ذكره ابن الصلاح بشيء، ولكن السيوطي تبع العراقي في التوقف في ذلك» (^٤).
ثالثا: توضيحه للمشكل، والمجمل:
فمن المشكل أن ابن الصلاح ذكر عن الحافظ أبي نصر السجزي: أن قول الراوي: «بلغني» يسميه أصحاب الحديث «معضلا»، ومثل له بقول مالك: «بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: للمملوك طعامه وكسوته» الحديث (^٥). فقال العراقي: «قد استشكل كون هذا الحديث معضلا، لجواز أن يكون الساقط بين مالك وأبي هريرة واحدا، فقد سمع مالك من جماعة من أصحاب أبي هريرة: كسعيد المقبري، ونعيم ابن المجمر، ومحمد بن المنكدر، فَلِمَ جعله معضلا؟»، ثم تصدى للجواب فقال: «والجواب: أن مالكًا قد وصل هذا الحديث خارج «الموطأ»، فرواه عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة» (^٦).
فقد عرفنا سقوط اثنين منه، فلذلك سموه معضلا والله أعلم (^٧). وبالمقارنة
_________________
(١) «النكت» / ٣٧٥.
(٢) «المحاسن» / ١٢٦/ أ.
(٣) «المقنع» / ١٤٧.
(٤) انظر «التدريب» / ٤٥٧.
(٥) «المقدمة» / ٨٢.
(٦) انظر «معرفة علوم الحديث» للحاكم، فقد بين وصله هكذا/ ٣٧.
(٧) «النكت» / ٨٢، ٨٣.
[ ٣ / ١٠٠٤ ]
نجد أن البلقيني (^١)، وابن الملقن (^٢)، قد اكتفيا ببيان وصل الإمام مالك للحديث، كما ذكر العراقي، دون إشارة إلى أن التمثيل به مشكل، ثم دَفْعُه. وقد اعتمد العلماء من بعد العراقي ما قرره من الإشكال ودفعه (^٣).
ومن شرحه للمجمل الذي لم يشرحه سابقوه حتى عصر ابن الصلاح، أن ابن الصلاح قال في بيان ألفاظ التجريح والتعديل: «ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره من الألفاظ المستعملة في هذا الباب، قولهم: فلان روى الناس عنه، فلان وسط». وذكر تكملة اثنتي عشرة لفظة، كما سيأتي، ثم قال: «وما من لفظة منها، ومن أشباهها، إلا ولها نظير شرحناه، أو أصل أصلناه، ننبه إن شاء الله تعالى به عليها» (^٤)، لكنه كما ترى لم يلحق كل لفظ بنظيره أو أصله، كما لم أجد من فعل ذلك ممن اختصر الكتاب أو علق عليه (^٥). أما العراقي فقال في «النكت»: «إن المصنف، أي ابن الصلاح، ذكر هنا ألفاظا للتوثيق وألفاظا للتجريح، ولم يميز بينها».
وقال: «إن ابن أبي حاتم وغيره لم يشرحوها»، قال: «وأراد بكونهم لم يشرحوها، أنهم لم يبينوا ألفاظ التوثيق من أي مرتبة هي؟ من الثانية، أو الثالثة، مثلًا، وكذلك ألفاظ التجريح لم يبينوا من أي منزلة هي؟، وليس
_________________
(١) «المحاسن» / ٣٢.
(٢) «المقنع» / ٣١.
(٣) «النكت الوفية» / ٢٧ أو «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٥٢، ١٥٣ و«التدريب» / ١٣٠.
(٤) «المقدمة» / ١٦٠، ١٦١.
(٥) انظر «التقريب للنووي مع التدريب» / ٢٣٤/ ٢٣٥ و«الخلاصة للطيبي» / ٩١، ٩٢ و«اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ١٠٥ - ١٠٧ و«محاسن الاصطلاح» / ٣٤٧ و«المقنع» / ٥٧.
[ ٣ / ١٠٠٥ ]
المراد أنهم لم يبينوا هل هي من ألفاظ التوثيق أو التجريح؟! فإن هذا لا يخفى على أهل الحديث»، ثم تصدى العراقي للشرح فقال: «وإذا كان كذلك، فقد رأيت أن أذكر كل لفظة منها، من أي مرتبة هي؟! لتعرف منزلة الراوي به»!
فأقول: «الألفاظ التي هي للتوثيق من هذه الألفاظ التي جمع المصنف بينها أربعة ألفاظ، وهي: قولهم فلان روى عنه الناس، وفلان وسط، وفلان مقارب الحديث، وفلان ما أعلم به بأسا» قال: «وهذه الألفاظ الأربعة من الرتبة الرابعة، وهي الأخيرة من ألفاظ التوثيق» ثم قال: «وأما بقية الألفاظ التي ذكرها هنا، فإنها من ألفاظ الجرح، وهي سبعة ألفاظ»، وبين مراتبها فقال: «فمن المرتبة الأولى وهي ألين ألفاظ الجرح، قولهم: فلان ليس بذاك وفلان ليس بذاك القوي، وفلان ضعيف، وفلان في حديثه ضعف، ومن الدرجة الثانية، وهي أشد في الجرح من التي قبلها: قولهم: «فلان لا يحتج به، فلان مضطرب الحديث»، ومن الدرجة الثالثة: وهي أشد من اللتين قبلها، قولهم: فلان لا شيء. ثم عقب قائلا: «فهذا ما ذكره المصنف هنا مهملا من مراتبه»، قال: «وذكر فيها أيضا: فلان مجهول».
وقال: «وقد تقدم ذكر المجهول في الموضع الذي ذكره المصنف فيه، وذكر أنه على ثلاثة أقسام، فأغنى ذلك عن ذكره هنا»» (^١).
وقد تبع العلماء - حتى الآن - العراقي على هذا الشرح والترتيب لتلك الألفاظ في الجرح والتعديل، مع زيادة بعضهم لما وقف عليه من إضافات (^٢).
_________________
(١) «النكت» / ١٦١.
(٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٧ و«النكت الوفية» / ٢٣٥ أو «التدريب» / ٢٣٢ - ٢٣٥ و«الرفع والتكميل» للكنوي/ ٦٦ - ٨٢.
[ ٣ / ١٠٠٦ ]
الاعتراضات الموجهة إلى ابن الصلاح ومواقف العراقي منها، وأثرها:
جعل العراقي من هدفه كما قدمت، الجواب عن الاعتراضات غير الصحيحة التي وجهت إلى ابن الصلاح ممن اختصر كتابه، أو علق عليه، ولكني عندما فحصت نكت العراقي من أولها إلى آخرها، وجدته ذكر بجانب الاعتراضات غير الصحيحة وجوابه عنها، اعتراضات أخرى صحيحة وجهها العلماء أيضا لابن الصلاح، فذكرها العراقي وأقرها، كما وجدته افترض اعتراضات ثالثة، وأجاب عنها، ثم وجه هو انتقادات واعتراضات من جانبه إلى ابن الصلاح، وبهذا أصبحت الاعتراضات التي تناولها العراقي في نكته، على أربعة أنواع، وإن كان لم يصرح في مقدمة الكتاب إلا بالنوع الأول فقط، ولعل ذلك لأنه أكثرها، وسأقدم نماذج تفصيلية للأنواع الأربعة على النحو التالي:
أولا: الاعتراضات غير الصحيحة، واصطلاح العراقي فيها، وجوابه عنها:
تعتبر الاعتراضات غير الصحيحة، أكثر ما عنى العراقي به من الاعتراضات، حيث جعلها كما أشرت، هدفا أساسيا من أهداف تأليفه كتابه، وعنصرا أساسيا من منهجه فيه، وحتى لا يظن بالعراقي، أنه كان يميل إلى الشغب العلمي، أو التقليل من جهد غيره، أو الظهور عليه، خاصة وأن ممن رد عليهم بعض شيوخه كما سيأتي، من أجل ذلك نبه على غرضه من دفع تلك الاعتراضات، فقال: «فرأيت أن أذكرها، وأبين تصويب كلام الشيخ - أي ابن الصلاح - وترجيحه، لئلا يتعلق بها من لا يعرف مصطلحات القوم أي
[ ٣ / ١٠٠٧ ]
المحدثين - وينفق من مُزْجَي البضاعات ما لا يصلح للسوم (^١).
فهذا يشير إلى أن من يعرف مصطلحات المحدثين جيدا، يشارك العراقي الرأي، في دفع الاعتراضات التي ردها، كما يبين لنا أنه قصد بردها، حماية غير العارفين المتخصصين، من التعلق بها وترويجها، مع خطئها أو ضعفها.
وقد ظهر لي بالمقارنة والبحث ما يؤيد هذا، حيث وجدت قريني العراقي البلقيني وابن الملقن في تعليقهما على كتاب ابن الصلاح، قد أقرا بعض تلك الاعتراضات، ولم يتعرضا كلية لأكثر ما رده العراقي منها، كما وجدت أن ما شاركاه في تناوله، لم يتعمقا فيه تعمقه، مع قلة ما انفردا به، أو أحدهما عنه.
وقد أحصيت الاعتراضات غير الصحيحة التي أجاب العراقي عنها في جميع الكتاب، فبلغت قرابة ستين اعتراضًا، وفي بعضها يكون الاعتراض على أكثر من نقطة في الموضوع الواحد، فيقول العراقي مثلًا: «اعترض عليه بأمرين، ويجيب عنهما بجوابين، وأغلب تلك الاعتراضات وجدته موجها إلى ابن الصلاح ممن اختصر كتابه أو علق عليه، حتى عصر العراقي، مثل: تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ، والحافظين: مغلطاي وابن كثير، شيخي العراقي، وبدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ وبعضها موجه إليه من غيرهم، كالحافظ محمد بن عمر الأندلسي المعروف بابن رشيد المتوفى سنة ٧٢٢ هـ، وكالحافظ أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري المتوفى سنة ٧٣٤ هـ، وكالحافظ أبو الحجاج المزي المتوفي سنة ٧٤٢ هـ، وبعضها معترض عليه قبل ذكر ابن الصلاح له في كتابه، فسرى الاعتراض عليه.
_________________
(١) «النكت» / ١٢.
[ ٣ / ١٠٠٨ ]
ثم إن العراقي ذكر في «مقدمة النكت» اصطلاحا لذكر هذا النوع من الاعتراضات، يفيد عدم حرصه على التشهير بأحد، إذ يقول: «فحيث كان الاعتراض عليه - أي ابن الصلاح - غير صحيح، ولا مقبول، ذكرته بصيغة: «واعترض عليه» على البناء للمفعول (^١)، لكني وجدته قد خالف هذا الاصطلاح في بعض الاعتراضات التي من هذا النوع، فصرح بذكر المعترض» (^٢).
فكان التزامه به أغلبي، كما أنه قد وفق فيما أجاب به عن غالب تلك الاعتراضات، وأخذ العلماء من بعده بإجاباته وآرائه، وتناقلوها عنه في مؤلفاتهم في علوم السنة، على سبيل الاحتجاج بها، وإليك بعض النماذج:
بعض اعتراضات ابن دقيق العيد، وجواب العراقي عنه:
قال ابن الصلاح في تعريف الحديث الصحيح: «هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا» (^٣).
فقال العراقي في «النكت»: «اعترض عليه بأن من يقبل المرسل، لا يشترط أن يكون الحديث مسندا، وأيضا اشتراطه سلامته من الشذوذ والعلة، إنما زادها أهل الحديث»، كما قاله ابن دقيق العيد في «الاقتراح» حيث قال: «وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي
_________________
(١) «النكت» ٤/¬١٢.
(٢) انظر «النكت» ٤/¬٤٣، ٤٥، ٥٣، ٥٤، ١٢٢.
(٣) «المقدمة» ٤/¬٢٠.
[ ٣ / ١٠٠٩ ]
يعلل بها المحدثون، لا تجري على أصول الفقهاء»، قال: «ومن شرط الحد أن يكون جامعا مانعا.
ثم تصدى العراقي للرد فقال: «والجواب: أن من يصنف في علم الحديث إنما يذكر الحد عند أهله، لا من عند غيرهم من أهل علم آخر». وبين موقف المحدثين من حجية المرسل فقال: «وفي مقدمة مسلم: أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار، ليس بحجة» وعليه يكون إخراجه من الحد عند المحدثين ليس مسلما».
أما شرطا عدم الشذوذ والعلة، فأجاب عنهما بقوله: «وكون الفقهاء والأصوليين لا يشترطون في الصحيح هذين الشرطين، لا يفسد الحد عند من يشترطهما»، وتنزل في الرد أكثر فقال: «على أن المصنف قد احترز عن خلافهم، وقال بعد أن فرغ من الحد وما يحترز به عنه: فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث، وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث، لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف كما في المرسل». قال العراقي: فقد احترز المصنف عما اعترض به عليه، فلم يبق للإعتراض وجه، والله أعلم (^١).
وعند المقارنة نجد أن البلقيني ذكر في «محاسنه» الاعتراضين السابقين وأقرهما (^٢)، وذكر ابن الملقن ثانيهما فقط، وأقره كذلك (^٣)
_________________
(١) «النكت» / ٢٠.
(٢) «محاسن الاصطلاح» / ٢ ب.
(٣) «المقنع».
[ ٣ / ١٠١٠ ]
وقال الزركشي: «إن اشتراط نفي الشذوذ ليس متفقا عليه» (^١).
ولكن العلماء من بعدهم حتى الآن، قد أخذوا بما قرره العراقي في جوابه المتقدم، من اشتراط اتصال السند، وعدم الشذوذ، وعدم العلة في حد الصحيح، مع إضافة ما بدا لهم (^٢)، وتناقل بعضهم عنه جوابه السابق نصا أو معنى (^٣).
مما اعترض به المزي وأجاب عنه العراقي:
نقل ابن الصلاح عن الخطيب البغدادي أن الهزهاز بن ميزن، لا راوي عنه غير الشعبي، ثم استدرك عليه، بأنه قد روى عن الهزهاز: سفيان الثوري أيضًا (^٤) فتعقب ابن الملقن ابن الصلاح فقال: «قلت: هذا سهو، فإن الثوري لم يرو عن الشعبي، فكيف يروي عن شيخه؟، ثم قال: «نبه عليه الحافظ جمال الدين المزي (^٥) فبين أن مصدره هو الحافظ المزي، أما البلقيني فلم يذكر هذا الاعتراض كلية» (^٦)، لكن العراقي ذكر الاعتراض وأجاب عنه فقال:
_________________
(١) انظر «البحر الذي زخر»، للسيوطي/ ٣٨.
(٢) توضيح «نخبة الفكر لابن حجر مع حاشية لقط الدرر» / ٣٨، ٣٩ و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬١٧ - ٢١ و«البحر الذي زخر» للسيوطي/ ٨ أ، ب و«منهج ذوي النظر» للترمسي/ ١٠، ١١ و«علوم الحديث ومصطلحه» للدكتور صبحي الصالحي/ ١٤٥، ١٤٦.
(٣) انظر «النكت الوفية» / ١١ أ، ١٣ أ، و«التدريب» / ٢٣ و«المنهج الحديث» لشيخنا السماحي ٢٩ - ٣٣.
(٤) و«المقدمة» / ٤/ ١٤٦، ١٤٨.
(٥) و«المقنع» / ١/ ٥٢.
(٦) و«محاسن الاصطلاح» / ٤٤ أ.
[ ٣ / ١٠١١ ]
«اعترض على المصنف في قوله: «إن الثوري روى عن الهزهاز، بأن الثوري لم يرو عن الشعبي نفسه، فكيف يروي عن شيوخه؟، ثم أجاب بقوله: وقد يقال: لا يلزم من عدم روايته عن الشعبي، عدم روايته عن الهزهاز، ولعل الهزهاز تأخر بعد الشعبي» قال: «ويقوي ذلك: أن ابن أبي حاتم ذكر في كتاب «الجرح والتعديل»: أنه روى عن الهزهاز هذا، «الجراح ابن مليح» والجراح أصغر من الثوري، وتأخر بعده عدة سنين، والله أعلم (^١)، وقد نقل البقاعي هذا الاعتراض وجوابه نصا، عن نكت العراقي، وأقره» (^٢).
مما اعترض به الحافظ مغلطاي، شيخ العراقي، وجوابه عنه:
ذكر ابن الصلاح: أن الحديث المعلق: هو الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر، وذكر أن التعليق يكون بصيغة تفيد الجزم بنسبة الحديث إلى المعلق عنه، مثل: قال كذا، ورَوَى كذا، ويكون بصيغة تفيد التمريض والضعف مثل: روي بضم الراء، عن الرسول ﷺ، أو عن فلان من الرواة كذا، ثم قال: «إن ما علقه البخاري بلفظ فيه جزم، وحكم منه على من علقه عنه، فقد حكم بصحته عنه، وأما ما لم يكن في لفظه جزم وحكم، فليس في شيء منه حكم بصحته عمن ذكره عنه؛ لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضا» (^٣)
وقد قال العراقي في «النكت»: «إنه اعترض على المصنف فيما قاله» من
_________________
(١) «النكت» / ١٤٦.
(٢) «النكت الوفية» / ١٢١٠.
(٣) «المقدمة» / ٣٤.
[ ٣ / ١٠١٢ ]
أن ما كان مجزوما به فقد حكم (البخاري) بصحته عمن علقه عنه، وما لم يكن مجزوما به، فليس فيه حكم بصحته.
قال ابن الصلاح: «وذلك لأن البخاري يورد الشيء بصيغة التمريض، ثم يخرجه في صحيحه مسندا، ويجزم بالشيء، وقد يكون لا يصح» قال العراقي: «ثم استدل المعترض لذلك، بأن البخاري قال في كتاب الصلاة: «ويذكر عن أبي موسى: كنا نتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء، ثم أسنده في باب فضل العشاء»».
وقال في كتاب الطب: «ويذكر عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الرقى بفاتحة الكتاب»، وهو مذكور عنده هكذا: «قال: حدثنا سيدان بن مضارب حدثنا أبو معشر البراء، حدثني عبد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس به» وذكر مثالين آخرين، ثم انتقل إلى النوع الثاني، وهو ما جزم به البخاري وهو لا يصح، فذكر أن المعترض استدل على هذا بأن البخاري قال في كتاب التوحيد، في باب: وكان عرشه على الماء، إثر حديث أبي سعيد «الناس يصعقون يوم القيامة فإذا أنا بموسى» قال: «وقال الماجشون، وعن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة عن أبي هريرة». قال: المعترض: ورد البخاري بنفسه على نفسه (^١)، فذكر في «أحاديث الأنبياء» حديث الماجشون هذا عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج عن أبي هريرة، وكذا رواه مسلم والنسائي، ثم قال: «قال أبو مسعود - (أي الدمشقي) -
_________________
(١) ما بين القوسين فيما سيأتي ساقط من الطبعة المصرية، فاستدركته من مخطوطة دار الكتب الموثقة / ٧ ب وطبعة حلب/ ٢٣.
[ ٣ / ١٠١٣ ]
إنما يعرف أي الحديث السابق، عن الماجشون عن ابن الفضل عن الأعرج».
قال العراقي: «انتهى ما اعترض به عليه» (^١). ولم يصرح العراقي بصاحب هذا الاعتراض بناء على اصطلاحه السابق ذكره، ولكن تلميذه ابن حجر ذكر أن المعترض بهذا على ابن الصلاح، هو الحافظ مغلطاوي (^٢)، وهو شيخ العراقي كما تقدم، وقد ذكر ابن الملقن هذا الاعتراض، كاستدراك من جانبه هو على ابن الصلاح، وأقره (^٣)، وذكر نحوه البلقيني أيضًا بدون عزو لأحد، ثم أجاب بأن البخاري حافظ لا يعترض عليه بمجرد أنا لم نجد الحديث المعلق في قوله: وقال: (الماجشون إلخ ما تقدم) مثلما ذكره، ثم قال: «إن قول ابن الصلاح: إن ما ليس فيه جزم، لا يكون حكمًا بصحته، لا يلزم منه أن يكون حكمًا بالضعف، بل المراد، لا دلالة فيه على الصحة بمجرد هذا اللفظ، وقد يكون صحيحًا» (^٤).
أما العراقي فإنه بعد أن ذكر الاعتراض بأمثلته كما أشرت، قام بإجابة تفصيلية وعملية، إذ يقول: «والجواب: أن ابن الصلاح لم يقل: إن صيغة التمريض لا تستعمل إلا في الضعيف، بل في كلامه أنها تستعمل في الصحيح أيضًا»، قال العراقي: «ألا ترى قوله: لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضًا؟» فقوله: «أيضًا»، دال على أنها تستعمل في الصحيح أيضًا، فاستعمال البخاري لها في موضع الصحيح ليس
_________________
(١) «النكت» / ٣٥.
(٢) انظر: «فتح الباري» ج ٥/ ٤٦٩ ط مصطفى الحلبي.
(٣) «المقنع» / ١٢٠ أصل وهامش
(٤) «محاسن الاصطلاح» / هـ ب.
[ ٣ / ١٠١٤ ]
مخالفا لكلام ابن الصلاح، وإنما ذكر المصنف: أنا إذا وجدنا عنده حديثا مذكورًا بصيغة التمريض، ولم يذكره في موقع آخر من كتابه مسندًا أو تعليقا مجزوما به، لم يحكم عليه بالصحة، وهو كلام صحيح، ثم قال العراقي: ونحن لم نحكم على الأمثلة التي اعترض بها المعترض، إلا بوجودها في كتابه أي البخاري مسندة فلو لم نجدها في كتابه إلا في مواضع التمريض، لم نحكم بصحتها.
ثم قال العراقي: «على أن هذه الأمثلة الثلاثة التي اعترض بها، يمكن الجواب عنها بما ستراه».
وأضاف قائلا: «والبخاري ﵀، حيث علق ما هو صحيح، إنما يأتي به بصيغة الجزم، وقد يأتي به بغير صيغة الجزم لغرض آخر، غير الضعف وهو: إذا اختصر الحديث، وأتى به بالمعنى، عبّر بصيغة التمريض، لوجود الخلاف المشهور في جواز الرواية بالمعنى، والخلاف أيضًا في جواز اختصار الحديث».
ثم أحال العراقي القارئ على واقع صحيح البخاري نفسه، فقال: «وإن رأيت أن يتضح لك ذلك، فقابل بين موضع التعليق، وبين موضع الإسناد، تجد ذلك واضحا».
وانتقل إلى الجواب التفصيلي عن الأمثلة المعترض بها فقال:
فأما المثال الأول: فقال البخاري في باب ذكر العشاء والعتمة:
ويُذكر عن أبي موسى: «كنا نتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء، فأعتم بها»، ثم قال في باب فضل العشاء: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: «كنت أنا وأصحابي الذين
[ ٣ / ١٠١٥ ]
قدموا معي في السفينة نزولًا في بقيع بطحان، والنبي ﷺ بالمدينة، فكان يتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء كل ليلة، نفر منهم، فوافقنا النبي ﷺ وله بعض الشغل، في بعض أمره، فأعتم بالصلاة حتى أبهار الليل» الحديث.
وعقب العراقي بقوله: «فانظر كيف اختصره هناك، وذكره بالمعنى، فلهذا عدل عن الجزم؛ لوجود الخلاف في جواز ذلك، والله أعلم».
وهكذا أجاب العراقي عن باقي الأمثلة واحدا واحدا (^١).
وقد تابع العراقي على جوابه المفصل عن هذا الاعتراض العلماء من بعده، فقد قال البخاري بشأن النفاق: «ويذكر عن الحسن ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق»، فقال ابن حجر في شرحه: «وقد يُسْتَشْكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه، أي عن الحسن» ثم أجاب بقوله: «وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ ﵀، يعني العراقي «وهي: أن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى، أو اختصره، أتى بها أيضًا، لما علم من الخلاف في ذلك»، فههنا كذلك» (^٢).
ونلاحظ أن هذه القاعدة التي صرح ابن حجر بتلقيها عن شيخه العراقي، هي بعض جوابه عن الاعتراض المذكور، كما نقل أيضًا خلاصة هذا الجواب مرة أخرى، محتجا به (^٣)، ثم نقل عنه في بيان وصل المعلقات التي ذكرت في
_________________
(١) «النكت» / ٣٥ - ٣٨.
(٢) انظر «صحيح البخاري مع فتح الباري» كتاب الايمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر ج ١/ ١١٩.
(٣) «فتح الباري» / ج ٢/ ١٨٥ كتاب الصلاة - باب «ذكر العشاء والعتمة ..»
[ ٣ / ١٠١٦ ]
الاعتراض كما تقدم، وإن كان تعقبه في بعضها، مع إضافات أخرى (^١)، ونقل عنه أيضًا بعض ما تقدم كل من البقاعي (^٢) والسيوطي (^٣).
من الاعتراضات الصحيحة على ابن الصلاح، وإقرار العراقي لها:
فمن ذلك أن ابن الصلاح قال عن تصحيح الحاكم للأحاديث إنه واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به، فالأولى أن نتوسط في أمره، فنقول: «ما حكم بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح، فهو من قبيل الحسن، يحتج به، ويعمل به، إلا أن تظهر علة توجب ضعفه» (^٤).
فقال العراقي في «النكت»: «وقد تعقبه بعض من اختصر كلامه، وهو مولانا قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، فقال إنه - أي ما صححه الحاكم منفردا به عن غيره، يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله، من الحسن أو الصحة أو الضعف» قال العراقي: «وهذا هو الصواب» (^٥). وبهذا صوّب اعتراض ابن جماعة المذكور، الموجه إلى ابن الصلاح، وقد شاركه في هذا الزركشي في نكته أيضًا (^٦).
ومن ذلك أن ابن الصلاح قال: «وروينا عن مسروق قال: وجدتُ علم
_________________
(١) «صحيح البخاري مع فتح الباري»، ج ٥/ ٤٦٩، ج ١٢/ ٣٠٧.
(٢) «النكت الوفية»» / ٤٨ أ، ب.
(٣) «التدريب»:/ ٦٢، ٦٣.
(٤) «المقدمة» / ٢٩.
(٥) «النكت» / ٣٠.
(٦) انظر «البحر الذي زخر» ٨/¬٤٠ أ.
[ ٣ / ١٠١٧ ]
أصحاب النبي ﷺ انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين: علي، وعبد الله، قال ابن الصلاح: «وروينا نحوه عن المطرف عن الشعبي عن مسروق، ولكن ذكر أبا موسى الأشعري، بدل أبي الدرداء» (^١)
فقال العراقي في «النكت»: «وقد يستشكل قول مسروق: «إن علم الستة المذكورين انتهى إلى علي وعبد الله، من حيث إن عليا وابن مسعود، ماتا قبل زيد بن ثابت وأبي موسى الأشعري، بلا خلاف، فكيف ينتهى علم من تأخرت وفاته، إلى من مات قبله، وما وجه ذلك؟»». ثم قال: «وقد يقال في الجواب عن ذلك: إن المراد يكون علم المذكورين انتهى إلى علي وعبد الله أنهما ضما علم المذكورين إلى علمهما، في حياة المذكورين، وإن تأخرت وفاة بعض المذكورين عنهما، والله أعلم» (^٢). ولم يتعرض البلقيني، ولا ابن الملقن، كلية لفرض هذا الاعتراض، والجواب عنه.
من اعتراضات العراقي على ابن الصلاح:
من ذلك أن ابن الصلاح قال: «إن الحاكم أودع في كتابه «المستدرك على الصحيحين» ما ليس في واحد من الصحيحين» (^٣)
فقال العراقي في «النكت»: «إن قوله: أودع فيه ما ليس في واحد من الصحيحين، ليس كذلك، فقد أودعه أحاديث مخرجة في الصحيح، وهما
_________________
(١) «المقدمة» ص ٣٠٤.
(٢) «النكت» ص ٣٠٥.
(٣) «المقدمة» ٢٩.
[ ٣ / ١٠١٨ ]
منه في ذلك، وهي أحاديث كثيرة منها: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن» الحديث، رواه الحاكم في مناقب أبي سعيد الخدري، وقد أخرجه مسلم في صحيحه».
ثم ذكر العراقي مصدرًا جامعًا لكثير من تلك الأحاديث فقال: «وقد بين الحافظ أبو عبد الله الذهبي في «مختصر المستدرك» كثيرًا من الأحاديث التي أخرجها في «المستدرك» وهي في الصحيح (^١)، وقد شارك البلقيني العراقي في هذا الانتقاد» (^٢).
مناقشة العراقي، ومن يوافقه، في انتقاده لابن الصلاح في حكم تصحيح المتأخرين للأحاديث:
ومن الانتقادات التي وجهها العراقي إلى ابن الصلاح: حكم تصحيح المتأخرين للأحاديث التي لم يسبقوا إلى تصحيحها، فقد قال ابن الصلاح - في مبحث الصحيح -: «إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها، حديثا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصًا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار، الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد؛ لأنه ما من إسناد من ذلك، إلا ونجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ، والضبط، والإتقان، فآل الأمر إذن في معرفة الصحيح والحسن
_________________
(١) «النكت» / ٢٩، ٣٠.
(٢) «المحاسن» / ٤ ب.
[ ٣ / ١٠١٩ ]
إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة، التي يؤمن فيها - لشهرتها - من التغيير والتحريف (^١).
وقد تعقب العراقي ابن الصلاح، فذكر في «النكت»: «أنه قد خالفه في ذلك، الشيخ محيي الدين النووي فقال: «والأظهر عندي جوازه، لمن تمكن، وقويت معرفته»» إهـ.
وأتبع العراقي كلام النووي بقوله: «وما رجحه النووي هو الذي عليه عمل أهل الحديث، فقد صحح جماعة من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا …»، وضرب أمثلة ببعض الأحاديث التي صححها العلماء منذ عصر ابن الصلاح، حتى عصر العراقي.
ثم قال: «ولم يزل ذلك دأب من بلغ أهلية ذاك منهم، إلا أن منهم من لا يقبل ذاك منهم، وكذا كان المتقدمون، ربما صحح بعضهم شيئًا، فأنكر عليه تصحيحه، والله أعلم» (^٢)، وهذا الانتقاد وافق العراقي فيه غير واحد ممن قبله كالإمام النووي، وممن بعده، كتلميذه ابن حجر، ولكني وقفت على رسالة خطية للسيوطي سماها «التنقيح في مسألة التصحيح» ودفع فيها هذا الاعتراض على ابن الصلاح، دفعا أراه وجيهًا، إذ يقول: «ذكر الشيخ تقي الدين بن الصلاح: أن باب التصحيح انْسَدَّ في هذه الأزمان، وخالفه النووي ومن جاء بعده من الحفاظ، إلى الحافظ ابن حجر، فاعترضوا على ابن الصلاح في مقالته، وجوزوا التصحيح، وأنه لا ينقطع ذلك، ولا يمتنع، ممن
_________________
(١) «المقدمة» / ٢٣ - ٢٥.
(٢) «النكت» / ٢٣، ٢٤.
[ ٣ / ١٠٢٠ ]
له أهلية ذلك ..».
ثم قال: «وأطال الحافظ العراقي، والحافظ ابن حجر، في نكتهما، المناقشة مع ابن الصلاح في ذلك، والتحقيق عندي: أنه لا اعتراض على ابن الصلاح، ولا مخالفة بينه وبين من صحح في عصره أو بعده»، وتقرير ذلك: أن الصحيح قسمان:
صحيح لذاته، وصحيح لغيره. كما هو مقرر في كتاب ابن الصلاح وغيره، والذي منعه ابن الصلاح، إنما هو القسم الأول، دون الثاني كما تعطيه عبارته، وذلك أن يوجد في جزء من الأجزاء حديث يسند من طريق واحد، لم تتعدد طرقه، ويكون ظاهر ذلك الإسناد الصحة، لاتصاله، وثقة رجاله، فيريد الإنسان أن يحكم على هذا الحديث بالصحة لذاته، بمجرد هذا الظاهر، ولم يوجد لأحد من أئمة الحديث الحكم عليه بالصحة، فهذا ممنوع قطعا؛ لأن مجرد ذلك لا يُكْتَفَى به في الحكم بالصحة، بل لابد من فقد الشذوذ والعلة، والوقوف على ذلك الآن متعسر، بل متعذر؛ لأن الاطلاع على العلل الخفية، إنما كان للأئمة المتقدمين، لقرب أعصارهم من عصر النبي ﷺ، فكان الواحد منهم يكون شيوخه التابعين، أو أتباع التابعين، أو الطبقة الرابعة فكان الوقوف على العلل إذ ذاك متيسرا للحافظ العارف، وأما الأزمان المتأخرة، فقد طالت فيها الأسانيد، وتعذر الوقوف على العلل، إلا بالنقل من الكتب المصنفة في العلل، فإذا وجد الإنسان في جزء من الأجزاء حديثًا بسند واحد ظاهره الصحة، لاتصاله وثقة رجاله، لم يمكنه الحكم بالصحة لذاته، لاحتمال أن تكون له علة خفية، لم يطلع عليها، لتعذر الإحاطة بالعلل في هذه الأزمان، ثم قال السيوطي: «وأما القسم الثاني - أي الصحيح لغيره -
[ ٣ / ١٠٢١ ]
فهذا لا يمنعه ابن الصلاح، ولا غيره، وعليه يحمل صنيع من كان في عصره، ومن جاء بعده»، وأيد السيوطي ذلك بالإستقراء العملي من جانبه هو، إذ يقول: (فإني استقريت ما صححه هؤلاء، يعني المتأخرين، فوجدته من قسم الصحيح لغيره لا لذاته)، قال: «وقد أعطى أئمة الحديث المتقدمون قاعدة وهي: أنه إذا وجد للحسن طريق آخر يشبهه، حُكم بصحته، ويكون صحيحًا لغيره لا لذاته، فعمل هؤلاء المصححون بهذه القاعدة، فصححوا الأحاديث التي صححوها لتعدد طرقها، عملا بالقاعدة المذكورة، فهم في ذلك تابعون للأئمة فيما أصلوه، وعاملون بما رأوا صوابه، فلا ينسب إليهم منافاة ولا مخالفة».
قال السيوطي: «وبهذا انحلت المسألة، وعلم أنه لا مخالفة بين قول ابن الصلاح، وبين فعل أهل عصره، ومن بعده، وأن الفريقين لم يتواردا على محل واحد، بل ابن الصلاح مانع من التصحيح لذاته، وهؤلاء مجوزون التصحيح لغيره، وابن الصلاح لا يمنع ذلك» (^١).
والذي يبدو لي أن العراقي، والسيوطي، ومن وافقهما، لا يُسلم لهم ما قرروه بشأن رأي ابن الصلاح في هذه المسألة، وذلك لأمور: -
أولها: أنهم قرروا رأي ابن الصلاح بناء على كلامه في موضع واحد من كتابه، وهو النوع الأول: «معرفة الصحيح»، في حين نجد أن ابن الصلاح، في مبحث متأخر، وهو النوع الثالث عشر: «معرفة الشاذ» يصرح بإمكان حكم المتأخرين أمثاله، بالصحة، أو الحسن، أو الشذوذ والرد لما انفرد به أحد الرواة
_________________
(١) انظر: «الرسالة» المذكورة/ ص ١، ٢.
[ ٣ / ١٠٢٢ ]
الب الثالث: اثر العراقي مولفاته وارائة في مصطلح على السنة وعلومه حالها المستحق حديثهم لذلك، بحسب مرتبة الراوي النقدية، ولم يشترط وجود حكم بالتصحيح، أو التحسين، أو التضعيف، من أحد المتقدمين على حديث هذا الراوي المنفرد، ومقتضى ذلك، أنه يقر إمكان التصحيح الذاتي، أو التحسين الذاتي، أو التضعيف الذاتي، وإدراك الشذوذ والعلة ممن يتأهل لإدراك ذلك من المتأخرين وبيان ذلك: أنه في مبحث «الحديث الشاذ» يقول عن الراوي المنفرد بالحديث: «إذا انفرد الراوي بشيء نُظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه مَنْ هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو، ولم يروه غيره، فَيُنظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلًا حافظًا، موثوقا بإتقانه وضبطه، قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه …، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده خارما له، مزحزحا له عن حيز الصحيح».
ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة، بحسب الحال: -
فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط، المقبول تفرده، اسْتَحْسَنَّا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف.
وإن كان بعيدا من ذلك رَدَدْنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر (^١) وبذلك يكون كلام ابن الصلاح هذا في النوع المتأخر وهو السادس عشر، فيه مخالفة لما سبق تقريره له في النوع الأول، فيمكن اعتبار التأخر المكاني لكلامه الذي في «معرفة الشاذ» قرينة ظاهرة على تغير رأيه، وأن كلامه في نوع
_________________
(١) المقدمة مع النكت/ ٨٦ ط حلب.
[ ٣ / ١٠٢٣ ]
الشاذ هو قوله الأخير في الموضوع، كما هي القاعدة في تعدد الأقوال، لا سيما وقد عُرف أن ابن الصلاح قد أملى كتابه هذا شيئا بعد شيء (^١)، وقد تعقبه العراقي نفسه في أكثر من موضع غير هذا قد اختلف رأيه فيه في الموضع المتقدم، عما ذكره في الموضع المتأخر، وصوب العراقي قوله المتأخر (^٢).
وعليه يكون المعتمد من رأي ابن الصلاح هو ما يستفاد من كلامه في الموضع المتأخر وهو نوع (معرفة الشاذ) حيث أفاد أن المتأخرين أمثاله، المتأهلين للحكم والنظر، بإمكانهم الحكم على الأحاديث بالصحة الذاتية، أو الحسن الذاتي، أو التضعيف والرد، وإدراك الشذوذ، أو غيره من العلل القادحة، بناء على نظر كل منهم في حال الراوي والمروي، ومراعاة القواعد المعتبرة في ذلك، ولو لم يوجد للمتقدمين حكم على تلك الأحاديث، ولا بيان لعلة المعلول منها.
كما أنه لم يفرق في ذلك بين الأسانيد الطويلة المتأخرة، وبين القصيرة المتقدمة، ولا بين الموجود في مصادر مشهورة وبين الموجود في أجزاء الحديث غير المشهورة، ولا بين الراوي الذي يعتمد على ما في كتابه، وبين الذي يعتمد على حفظه وإتقانه في صدره.
الأمر الثاني: ما ذكره السيوطي ﵀ أنه استقرأ ما صححه الأئمة المتأخرون فوجده من قسم الصحيح لغيره، لا لذاته، يخالف الواقع الذي
_________________
(١) مقدمة نزهة النظر لابن حجر العسقلاني ص ١٢ مع شرح النزهة للملا علي قاري.
(٢) ينظر المقدمة ومعها نكت العراقي (النوع الأول الصحيح) مثال الحديث المعلق عند البخاري ص ٢٠، ٢١ مع النوع الحادي عشر معرفة المفصل (الفرع الرابع) ص ٧٣ ط حلب، وينظر النوع الأول أيضا ص ٢١ والنوع الثاني: معرفة الحسن؟ ص ٣٨ ط حلب.
[ ٣ / ١٠٢٤ ]
البالثالث: اثر العراقي والمائة والمالية في مصطلح على السنة وعلى حالها كان متوافرا لديه، وما زال متوافرا لدينا بعده، من مؤلفات المتأخرين مثل: «كتاب الأحاديث المختارة، مما ليس في الصحيحين» للضياء المقدسي، و«تفسير القرآن العظيم» و«البداية والنهاية» كلاهما للحافظ ابن كثير، و«المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار»، «تكملة شرح الترمذي» كلاهما للحافظ العراقي، و«فتح الباري، بشرح صحيح البخاري» و«نتائج الأفكار، في تخريج أحاديث الأذكار» كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني، فمن يراجع تلك المؤلفات يجد فيها ما صححه أو حسنه مؤلفوها لذاته؛ حيث يقيدون الصحة أو الحسن بسند معين للحديث، أو بطريق راو معين، ويجد فيها أيضا ما صححوه أو حسنوه لغيره، حيث يقيدون الصحة أو الحسن بمراعاة شاهد أو متابع.
الأمر الثالث: القاعدة التي نسبها السيوطي للمتقدمين، قد أشار إليها الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت له (١/ ٤٢٠، ٤٢١) وأشار إليها غيره (شرح شرح النخبة لعلي قاري/ ٧٢) لكن كنا نحتاج أن يعزو السيوطي أو من بعده هذه القاعدة لواحد معين أو أكثر، أو حتى مصدر معين من مؤلفات المتقدمين، حتى يمكن مراجعتها وتأصيلها.
الأمر الرابع: هناك نقطة كان ينبغي للعراقي والسيوطي تعقب الإمام ابن الصلاح فيها، وهي تعليله تعذر استقلال المتأخرين بالتصحيح، فإن فيما ذكره مبالغة، ومخالفة للقواعد، حيث يقول: «لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان» / المقدمة مع النكت للعراقي/ ص ١٢ ط حلب/
[ ٣ / ١٠٢٥ ]
فقوله: «ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه …» تعميم واسع، يقتضي إحاطة ابن الصلاح بكل الأسانيد المتأخرة الواقعة في غير الكتب المشهورة، وهو أمر فيه بعد، وتعذر ظاهر.
كما أن قوله: «عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان» مخالف لما قرره هو وغيره: من أن الضبط أو الحفظ المشترط في راوي الصحيح، إما ضبط وحفظ صدري، وإما ضبط وحفظ كتابي، وأن ما يوجد منهما يكفي في تحقيق شرط الصحة (^١).
وبالتالي فإننا لو سلمنا جدلًا أن كل الأسانيد التي في غير المصنفات المشهورة، لا تخلو ممن يعتمد على ضبط كتابه فقط، لم يكن ذلك بمفرده مانعا من الحكم بالصحة.
بحوث العراقي المفردة التي ألحقها بموضوعات النكت:
جعل العراقي من منهجه في النكت ذكر بحوث مفردة، ألحقها بالموضوعات المتصلة بها وصرح - غير مرة - بالفائدة العلمية التي قصدها بتلك البحوث، حتى لا ينتقد بالإستطراد بدون داع، أو بالخروج عن الموضوعية.
وقد أحصيت هذه البحوث فبلغت قرابة الثلاثين بحثًا، مع تفاوت أحجامها: من صفحة إلى صفحات، وبعضها ذكر جانبًا منه في شرح الألفية السابق، ثم ذكره مستوفى في «النكت»، كما أني لاحظت عدم تعرض قرينيه البلقيني، وابن الملقن، لأكثرها، واختلافهما معه في بعضها، كما وجدت العلماء من بعده قد استمدوا من تلك البحوث في مؤلفاتهم في علوم السنة.
_________________
(١) تنظر المقدمة مع نكت العراقي ص ١١٤، ١٣٢ ط حلب.
[ ٣ / ١٠٢٦ ]
وإليك بعض النماذج لذلك:
فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر أن حديث «الأعمال بالنيات» لا يصلح مثالا للمتواتر؛ لأن التواتر طرأ عليه في وسط إسناده، ولم يوجد في أوائله (^١)؟ فذكر العراقي في «النكت» أنه قد اعترض على ابن الصلاح بأن حديث الأعمال المذكور، ذكر ابن مندة أن جماعة من الصحابة رووه فبلغوا العشرين، ثم قام العراقي بالرد على ذلك فقال: «قلت لم يبلغ بهم ابن مندة هذا العدد، وإنما بلغ بهم ثمانية عشر فقط، فذكر مجرد أسمائهم من غير رواية لشيء منها، ولا عزو لمن رواه» أي الحديث، وساق العراقي كلام ابن مندة، ثم قال: «وبلغني أن الحافظ المزي سئل عن كلام ابن مندة هذا فأنكره واستبعده»، وعقب العراقي على استبعاد المزي وإنكاره، يبحث من جانبه هو، يوضح جلية الأمر، فقال: «وقد تتبعت أحاديث المذكورين، أي في كلام ابن مندة، فوجدت أكثرها في مطلق النية، لا بلفظ: «إنما الأعمال بالنيات»، وفيها ما هو بهذا اللفظ، ثم قال: وقد رأيت عزوها لمن خرجها ليستفاد: فحديث علي بن أبي طالب، رواه ابن الأشعث في «سننه»، والحافظ أبو بكر محمد بن ياسر الجياني في «الأربعين العلوية»، من طريق أهل البيت، بلفظ: «الأعمال بالنية»، وفي إسناده من لا يعرف، ثم ذكر بعد ذلك على نفس النمط، رواية ثلاثة وعشرين صحابيا آخرين، عشرة ممن ذكرهم ابن مندة، والباقين زادهم العراقي، واستغرق في ذلك صفحتين (^٢). وبهذا البحث في جمع روايات الصحابة لهذا الحديث، حقق العراقي ما لم يحققه ابن مندة، وقرب
_________________
(١) المقدمة/ ٢٦٥، ٢٦٦.
(٢) انظر «النكت» / ٢٦٧ - ٢٦٩.
[ ٣ / ١٠٢٧ ]
وعرف ما استبعده وأنكره المزي، وقد أخذ كل من الحافظ ابن حجر، والشوكاني من بعده، عن العراقي خلاصة بحثه هذا وأقره (^١).
ومن تلك البحوث أيضًا: «أن ابن الصلاح ذكر أن المخضرمين من التابعين: هم الذين أدركوا الجاهلية، وحياة رسول الله ﷺ وأسلموا، ولا صحبة لهم، واحدهم مُخَضْرَم بفتح الراء، كأنه خُضْرِمَ، أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة، ثم ذكر ابن الصلاح أن الإمام مسلما ذكر المخضرمين، فبلغ بهم عشرين نفسًا، وسرد منهم ٦، ثم أضاف من جانبه هو اثنين» (^٢).
وقد أفاض العراقي في ««النكت» في تعريف المخضرم من التابعين، وفي بيان اشتقاقه، مستدركًا في ذلك على ابن الصلاح، فقرر أن المخضرم على ما رجحه العسكري، ليس مأخوذا من القطع، كما قال ابن الصلاح؛ بل من الشيء المتردد بين أمرين، هل هو من هذا أو من هذا؟»
وقال: «فالمخضرم على هذا متردد بين الصحابة؛ لإدراكه زمن الجاهلية والإسلام، وبين التابعين؛ لعدم رؤية النبي ﷺ»، قال: «ويحتمل أنه من النقص؛ لكونه ناقص الرتبة عن الصحابة؛ لعدم الرؤية مع إمكانها»، ثم ذكر أنه لا يشترط في حد المخضرم - من حيث الاصطلاح - أن يكون إسلامه في حياة النبي ﷺ، وذكر أيضًا أنه لا يشترط في المخضرم في اصطلاح أهل الحديث أن يكون نصف عمره في الجاهلية، ونصفه في الإسلام، ثم ذكر أن المراد بإدراك الجاهلية في الظاهر، إدراك الشخص قومه أو غيرهم، على الكفر.
_________________
(١) انظر «نيل الأوطار» للشوكاني ج ١/ ١٥٦.
(٢) «المقدمة» ٢/ ٣٢٤.
[ ٣ / ١٠٢٨ ]
قبل فتح مكة، فإن العرب بادروا إلى الإسلام بعد فتح مكة، وزال أمر الجاهلية» ثم قال: «وقد اقتصر المصنف - أي ابن الصلاح - على ذكر ستة ممن ذكرهم مسلم، وذكر من عنده اثنين آخرين» يشير بذلك إلى أن مسلما أهمل بعضهم، قال العراقي: «فنذكر أولا بقية العشرين الذين ذكرهم مسلم، ثم نذكر زيادة عليه، وعلى المصنف»، وسرد ٣٤ مخضرما، منهم ١٤ تكملة للعشرين التي ذكرها الإمام مسلم، وعشرين زادها هو ببحثه الخاص، وتجميعه من كتب الرجال، وكتب الحديث، فقال: «وممن لم يذكره مسلم، ولا المصنف: أسلم مولى عمر، وأويس بن عامر القرني، وأوسط البجلي … إلخ، وبعد سردهم، ذكر أن بعضهم اختلف في صحبته، ولكن الصحيح أنه لا صحبة لمن ذكرناه ثم قال: «فهؤلاء عشرون نفرًا من المخضرمين لم يذكرهم مسلم، ولا المصنف، أي ابن الصلاح»» (^١).
ويجدر بالذكر أن العراقي قد ذكر في شرحه للألفية العشرين الذين ذكرهم الإمام مسلم، والاثنين اللذين ذكرهما ابن الصلاح، وزاد على ذلك ثلاثة فقط (^٢)، أما في «النكت» فقد استكمل ما زاده عشرين، كما تقدم.
وقد كان لهذا البحث أثره في التأليف في المخضرمين من بعده، حيث ألف سبط ابن العجمي، تلميذ العراقي كتابًا يسمى «تذكرة الطالب المعلم بمن يقال إنه مخضرم».
وصرح باعتماده فيه على ما ذكره شيخه في هذا البحث، سواء فيما يتعلق
_________________
(١) «النكت» / ٣٢٢ - ٣٢٥.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٥٧، ٥٨.
[ ٣ / ١٠٢٩ ]
بتعريف المخضرم، أو فيمن جمعهم منهم، فقال في مقدمة الكتاب: «وبعد، فهذا كتاب مختصر فيمن هو مخضرم، أو قيل إنه مخضرم، لم أسبق إلى إفراده فيما علمت، وقد ذكرهم أبو الحسين مسلم بن الحجاج فَبَلَّغهم ٢٠ شخصا، وزاد عليه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في علومه اثنين، ثم زاد عليهما شيخنا، الحافظ، الجهبذ، زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين ابن العراقي، في (شرح الألفية) له، ثلاثة، وزاد في «النكت» على كتاب ابن الصلاح، على مسلم وابن الصلاح، عشرين شخصا، فتم عددهم فيما ذكره الحفاظ الثلاثة، ٤٢ رجلًا (^١)، ثم قال السبط: «وقد كُنْتُ كتبتهم قديما (^٢) وزدت عليهم جماعة، والآن (^٣) أفردتهم باختصار التراجم جدا» ثم عرف المخضرم كما عرفه العراقي في «النكت»، مع تصرف من جانبه، ثم قال: وإذا قلنا بما قاله شيخنا، وهو الظاهر، تجتمع من المخضرمين جماعة كثيرة، وقال: «وقد ذكرت أنا بعضهم، وما أمكنني استيفاؤهم، لكثرتهم» ثم قال: «وقد أعلمت على ما ذكره مسلم (م)، وعلى من ذكره ابن الصلاح» (ص)، وعلى من ذكره شيخنا العراقي (عق)، وتركت من زدته بلا علامة، وترك العلامة لهم علامة (^٤)، وبهذا صار بحث العراقي المذكور في المخضرمين، عنصرًا أساسيا في كتاب تلميذه هذا، وهو الآن مطبوع طبعة
_________________
(١) لأن العشرين الذين زادهم العراقي في «النكت» منهم ثلاثة مكررون حيث سبق ذكره لهم في شرح الألفية
(٢) حدد في آخر الكتاب أن ذلك كان سنة ٧٩٣ هـ، أي في حياة شيخه العراقي
(٣) أي سنة ٨١٨ هـ كما في آخر الكتاب
(٤) انظر: «تذكرة الطالب المعلم» / ٢ - ٦
[ ٣ / ١٠٣٠ ]
محققة في ٢٧ صفحة (^١)، ولم يصادفني بعد البحث الموسع، مؤلف غيره عن المخضرمين بخصوصهم، مما يدل على تفرده في بابه.
ك - الأنواع التي لم يعلق عليها العراقي من كتاب ابن الصلاح:
لم يصرح العراقي في مقدمة النكت بأنه ترك بعض الأنواع من كتاب ابن الصلاح بدون تعليق عليها، ولعل مرجع هذا، أنه كتب المقدمة قبل تمام «النكت» كما قدمت، فلهذا لم يصرح بذلك، وإن كان قد قال: إنه سيعلق على مواضع فقط من الكتاب، كما قدمت، وهذا يشير إلى أنه لن يتناول كل أنواع الكتاب، وهذا من الفروق المعروفة بين «النكت» و«الشرح»، فالشرح يستوعب، والنكت تخص بعض المواضع بالتعليق حسب وجهة نظر المؤلف لها. وبهذا لا ينتقد العراقي بترك الأنواع الآتي ذكرها بلا تعليق؛ لأن هذا مقتضى منهج النكت الذي اختاره، وقد أحصيت هذه الأنواع فبلغت تسعة عشر نوعا هي: النوع الخامس: معرفة الحديث المتصل (^٢)، والنوع السادس: معرفة الحديث المرفوع (^٣)، والنوع السابع: معرفة الحديث الموقوف (^٤)، والنوع العاشر: معرفة الحديث المنقطع (^٥)، والنوع السابع عشر: معرفة الأحاديث الأفراد (^٦)، والنوع الثاني والعشرون: معرفة الحديث
_________________
(١) انظر قائمة المراجع.
(٢) «المقدمة» / ٦٥.
(٣) «المقدمة» / ٦٥.
(٤) «المقدمة» / ٦٦.
(٥) «المقدمة» / ٧٩.
(٦) «المقدمة» / ١١٥.
[ ٣ / ١٠٣١ ]
المقلوب (^١)، والنوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث (^٢)، والنوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب الحديث (^٣)، والنوع الخامس والثلاثون: معرفة المصحف من الأسانيد والمتون (^٤)، والنوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد (^٥)، والنوع الثامن والثلاثون: معرفة المراسيل الخفي إرسالها (^٦)، والنوع الثامن والأربعون: من ذكر بأسماء مختلفة، أو نعوت متعددة (^٧)، والنوع الثاني والخمسون: معرفة ألقاب المحدثين (^٨)، والنوع السادس والخمسون: معرفة الرواة المتشابهين في الاسم والنسب، المتمايزين بالتقديم والتأخير في الابن والأب (^٩)، والنوع الثامن والخمسون معرفة النسب التي على: خلاف الظاهر منها (^١٠)، والنوع التاسع والخمسون: معرفة المبهمات المذكورة في المتون والأسانيد من الرجال والنساء (^١١)، والنوع الحادي والستون: معرفة الثقاة والضعفاء من رواة الحديث (^١٢)، والنوع الثالث والستون: معرفة طبقات
_________________
(١) «المقدمة» / ١٣٤.
(٢) «المقدمة» / ٢٥٠.
(٣) «المقدمة» / ٢٧٤.
(٤) «المقدمة» / ٢٨٢.
(٥) «المقدمة» / ٢٨٩.
(٦) «المقدمة» / ٢٩٠.
(٧) «المقدمة» / ٢٠٨.
(٨) «المقدمة» / ٣٧٨.
(٩) «المقدمة» / ٤٢٣.
(١٠) «المقدمة» / ٤٢٦.
(١١) «المقدمة» / ٤٢٧.
(١٢) «المقدمة» / ٤٤٠.
[ ٣ / ١٠٣٢ ]
الرواة والعلماء (^١)، والنوع الخامس والستون: وهو معرفة أوطان الرواة وبلدانهم (^٢)، وهو النوع الأخير في كتاب ابن الصلاح.
ويظهر لي أن العراقي لم يجد في تلك الأنواع من الإشكالات، أو الاعتراضات ما يحتاج في نظره إلى التعليق، ويؤكد هذا أني وجدت قرينيه: البلقيني، وابن الملقن، اللذين علقا في عصره على كتاب ابن الصلاح، قد اتفقا معه في ترك عدد من تلك الأنواع السابق ذكرها بدون تعليق، وما علقا عليه منها، كان تعليقهما طفيفا، بين عبارة واحدة، وعدة سطور، ولا تمس صلب الموضوع (^٣). كما أني وجدتهما تركا التعليق على بعض الأنواع التي علق هو عليها باستفاضة (^٤)، ولكل وجهته.
وعموما فإن تلك الأنواع التي ترك العراقي التعليق عليها في «النكت»، قد تناولها جميعًا في شرحه السابق للألفية، فيمكن الرجوع إليها فيه. والله أعلم.
٥ - نظم العراقي لكتاب الإقتراح لابن دقيق العيد
أ - نسبة الكتاب للعراقي وتاريخ تأليفه:
عد المترجمون للعراقي من تلاميذه وغيرهم، من ضمن مؤلفاته: نظمه لكتاب «الاقتراح» لابن دقيق العيد، الآتي التعريف به وبمؤلفاته، ولكن لم
_________________
(١) «المقدمة» ٤/ ٤٦٦.
(٢) «المقدمة» ٤/ ٤٧٠.
(٣) انظر مثلا «محاسن الاصطلاح» للبلقيني/ ١٣٩ ب، ١٤٤ أ وما بعدها، والمقنع لابن الملقن/ ١٧٧، ١٧٩.
(٤) انظر المقنع/ ١٧٩، ١٨٠، والمحاسن/ ١٤٥/ أ ونكت العراقي/ ٤٤٢ - ٤٦٥.
[ ٣ / ١٠٣٣ ]
يذكروا لهذا النظم اسمًا، ولا تاريخا للتأليف (^١)، ولكن النسخة الخطية الوحيدة التي أتيح لي العثور عليها، جاء بآخرها: أن العراقي فرغ من تأليف هذا النظم في ٢٤ شعبان سنة ٧٩٣ هـ، وهذا يفيد أنه نظمه كان بعد مؤلفاته السابقة، في المصطلح عمومًا، وبعد نظم الألفية السابقة بأزيد من خمسة وعشرين عاما؛ لأنه فرغ من الألفية كما تقدم سنة ٧٦٨ هـ، وبذلك يكون نظمه للإقتراح هذا، جاء في قمة نضجه العلمي، وعند استقراره بالقاهرة متوليًا مشيخة الحديث، وعاكفا على التصنيف والتدريس، ولهذا تميز النظم المذكور عن الألفية وغيرها من مؤلفاته، كما سيأتي.
ب - نسخة الكتاب الخطية وعدد أبياته:
لقد مكثت سنين أبحث في فهارس المكتبات المصرية والعالمية عن نسخة لهذا النظم، كما بحثت في مصادر عديدة، عن نقول معزوة إليه، أو معرفة به، دون جدوى، وأخيرًا وقفت على نسخة مذكورة بفهرس مكتبة (لاله لي) باستانبول برقم (٣٩٢) أصول الحديث، وذُكر بالفهرس أنها تقع في مجلد في حجم الثمن، وذُكِرَ أن المؤلف فرغ من الكتاب في ٢٤ شعبان سنة ٧٩٣ هـ (^٢) لكن أنى لي الحصول على تلك النسخة أو بعضها من تركيا؟
_________________
(١) انظر «المجمع المؤسس» لابن حجر/ ١٧٧ و«ذيل التقييد» للفاسي/ ٢١٩ ب و«ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٣٠، ٣٧٠ و«الضوء اللامع» ج ٤/ ١٧٣ و«فتح المغيث» ج ١/ ٩١ كلاهما للسخاوي و«حسن المحاضرة» للسيوطي/ ٣٦٠، ٣٦٢ و«مقدمة شرح المناوي الموجز الألفية العراقي في السيرة» و«كشف الظنون» ١/ ١٣٥ و«هدية العارفين» للبغدادي/ مجلد ١/ ٥٦٢ و«فهرس الفهارس» للكتاني/ ج ٢/ ١٩٨ و«معجم المطبوعات» لسركيس/ ج ٢/ ١٣١٧
(٢) انظر «فهرس المكتبة» المخطوط ص ٢٣ والمطبوع ص ٣٣.
[ ٣ / ١٠٣٤ ]
فدون ذلك عقبات كأداء، يعلمها من كابد الإشتغال بالتراث.
«وَلَشدَّ مَا سُرِرتُ عندما هيأ الله لي أستاذة جامعية فاضلة، ذَهَبَتْ إلى استنبول، ونقلت - مشكورة - صفحتين من أول النسخة، وبعضا من آخرها، وعناوين عدة أبواب من أثنائها، فكان ذلك فضلا من الله ونعمة أتيح به لهذا البحث، إلقاء الضوء على إنتاج علمي للعراقي، يحول دون الوقوف عليه جم المصاعب، وهو في نفس الوقت يمثل جانبًا من نضج العراقي العلمي، فالشكر الجزيل لله تعالى ثم لتلك الأستاذة الفاضلة على ذلك، وفي حدود ما وصلني من هذه النسخة، وعنها، أُعَرِّفُ بها، لندرتها، فأقول: «أن عدد أوراقها ٨ ورقات متوسطة الحجم، وعنوانها «نظم كتاب الاقتراح لابن دقيق العيد» للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن العراقي، تغمده الله برحمته»، ومن هذا الترحم نفهم أنها منسوخة بعد وفاة العراقي، أما خطها فعادي، ولم يُذْكَرُ اسم ناسخها، ولا تاريخ النشخ، ولا وجود توثيقات عليها بالسماع، أو المقابلة ونحوهما، ثم إنه قد كتب بصفحة العنوان بها، نقلا عن ولي الدين ابن العراقي: أن عدد أبيات الكتاب ٤٢٧ بيتًا وهذا يعتبر عددًا موثقا؛ لأنه من أقرب الناس إلى العراقي، فهو ولده، ومن كبار تلاميذه، ودارسي هذا الكتاب عليه، وقد تبعه على ما ذكره ابن فهد أيضًا» (^١).
وعلى هذا يكون نظم الاقتراح هذا، مقاربا لنصف الألفية.
الداعي لتأليف الكتاب:
يعتبر كتاب «الاقتراح» الذي نظمه العراقي من أهم «مختصرات كتاب ابن
_________________
(١) انظر «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٣١.
[ ٣ / ١٠٣٥ ]
الصلاح» (^١)، حيث إن مؤلفه تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ كان مجدد عصره، ومع أن نسخه الخطية حاليًا في حكم المفقودة، إلا أنه يبدو من النصوص المنقولة عنه، أن المؤلف خالف في تبويبه تبويب ابن الصلاح، سواء بفصل بعض الموضوعات عن بعضها، أو إدماجها في بعضها، بناء على وجهة نظره الخاصة، كما أدخل أيضًا بعض التعديلات بالحذف والإضافة والاستدراك على ابن الصلاح (^٢).
ومن هنا كان الكتاب محل دراسة المشتغلين بالسنة منذ عصر مؤلفه، ولهذا اتجهت همة العراقي لنظمه، كما فعل في الكتاب أصله وهو «مقدمة ابن الصلاح» من قبله، وقد قال في مقدمته:
«يقول بعد حمده لربه … مصليًا على النبي وصحبه:
عبد الرحيم بن الحسين الآمل … نظم كتاب الاقتراح ليسهل» (^٣)
وبهذا أشار إلى أنه قصد بنظمه تسهيل الإحاطة به على دارسيه، سواء من ناحية تسهيل حفظه على المبتدئين، كما كانت عادة العصر حينذاك في التعليم، وذلك لأن موسيقى الأوزان الشعرية تساعد على الحفظ أكثر من
_________________
(١) انظر «البحر الذي زخر» للسيوطي/ ٢ أ.
(٢) انظر النقول عنه في «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/¬١٨، ٢١، ٢٢ و«فتح المغيث» للعراقي جـ/ ١٠٥ و«النكت» / ١٧٦، و«تدريب الراوي» للسيوطي/ ٣٦٦ ثم إن الكتاب ظهر له بعد كتابتي هذه عنه، عدة نسخ خطية، وحققه فضيلة الأخ الدكتور: علي بن إبراهيم اليحي، في رسالته للماجستير في السنة وعلومها، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٤٠٣ - ١٤٠٤ هـ، وشرُفتُ بأن أكون أحد أعضاء المناقشة، كما طبع الكتاب أيضًا أكثر من طبعة.
(٣) «نظم الاقتراح» / ١ ب.
[ ٣ / ١٠٣٦ ]
الكلام المنثور، أو من ناحية تمكين غير المبتدئين من الإلمام بمحتوى الكتاب واستحضاره بأيسر من حالة الكلام المنثور أيضًا.
وكلا الأمرين كانا من دواعي التأليف المعتبرة في عصر العراقي، هذا بجانب ما أدخله على الكتاب من تعديلات وإضافات كما سأوضح في منهج العراقي فيه، وفي دراسة بعض النصوص التي أُتيحت لي منه.
وليس نظم هذا الكتاب وتقديمه للدارسين مع وجود ألفية العراقي المتقدمة مما يغض من قيمتها العلمية، أو يفيد الإنصراف عنها، حتى اضطر العراقي لتقديم بديل جديد، فقد قدمنا من دلائل الإقبال عليها والعناية بها والاستفادة منها، ما يدفع ذلك كلية، وإنما المسألة ترجع إلى رعاية الحاجة العلمية، وتلبيتها على كل مستوى بحسبه، خاصة وأن العراقي حينئذ كان كما قدمت رائد مدرسة السنة داخل مصر وخارجها، فيعد مسئولًا علميًا عن ذلك، فجعل الألفية ككتاب عام، يفيد منه المبتدئ في دراسة هذا الفن، والمتبحر فيه، على السواء كما تقدم، فمن لم يتوافر له الاستعداد الكافي لحفظ الألفية واستيعابها فإن العراقي لا يهمله بل يقدم له نظما آخر جامعًا أهم مسائل الفن، مهذبة، مرتبة في أقل من نصف حجم الألفية، فإذا حصله ساعده على الإنتقال لما هو أوسع، وهو الألفية وغيرها من مؤلفاته، ومؤلفات سواه، وعلماء التربية والتعليم حتى اليوم، يقرون أهمية هذا المسلك الوجيه الذي سلكه العراقي، بمراعاته المستوى الإدراكي لطالب العلم في مراحله المختلفة، وتقديم ما يناسبه من المؤلفات في كل مرحلة، حتى يستوعبها بسهولة، ويفيد منها، وينطلق إلى ما فوقها، ولا يعكر على هذا أنه بدأ بالأكبر، وهو نظم الألفية، وثنى بالأصغر، وهو نظم «الإقتراح»؛ لأن ذلك يرجع لعوامل أخرى مؤثرة، منها
[ ٣ / ١٠٣٧ ]
اشتهار كتاب عن آخر في زمن معين، ومنها ما سجله التاريخ عمومًا من تناقص همم اللاحق عن السابق، في الإقبال على هذا العلم (^١).
وقد تأخر نظم (الاقتراح) عن الألفية بأزيد من ربع قرن كما قدمت وتأثير هذه المدة في انخفاض المستوى لا ينكر، فكان على العراقي أن يراعي متطلبات العصر والتأليف، حسب المستويات المختلفة، لتسهيل سبل هذا الفن أمام طلابه، كما صرح بذلك في مقدمة النظم.
منهج العراقي في الكتاب وموازنته بمنهجه في الألفية:
بعد أن أشار العراقي لما دعاه لنظم «الاقتراح» كما أوضحنا، انتقل لبيان منهجه فيه، وهو يتكون من عناصر ثلاثة:
أولها: استعمال اصطلاح خاص، طلبًا للاختصار:
وأشار إليه بقوله:
«فإن يجيء ضمير أو فعل ولم يذكر له اسم نحو «عنه» و«جزم» أو أطلق «الشيخ» فما مقصودي في الكل إلا ابن دقيق العيد» (^٢) فبين في البيتين ما جرى عليه في هذا النظم من أنه قد يورد ضمير المفرد مثلما في قوله «عنه» ولا يذاكر مرجعًا له، ويذكر الفعل المسند للواحد أيضًا مثل قوله: «جزم بكذا» ولا يذكر فاعله، ويذكر كذلك لقب «الشيخ» بدون تحديد اسمه، وفي هذه الأحوال الثلاثة يكون صاحب الضمير، وفاعل الفعل والمقصود بلقب «الشيخ» هو ابن دقيق العيد، صاحب كتاب «الاقتراح»
_________________
(١) «مقدمة ابن الصلاح»، ص ١٢، ١٣ مع «التقييد والإيضاح».
(٢) «نظم الاقتراح» ورقة ا ب (مخطوط).
[ ٣ / ١٠٣٨ ]
المتضمن في النظم، ونلاحظ أن هذا الجانب الاصطلاحي من المنهج يوافق ما جرى عليه في نظم مقدمة ابن الصلاح في الألفية، ونبه عليه أيضًا في مقدمتها كما مر بك.
وقد بين في شرح الألفية كما سلف، أنه وضع هذه الاصطلاحات للاختصار (^١) حتى لا يتضخم حجم الكتاب بذكر مرجع كل ضمير، وفاعل كل فعل، وقرنَ لقب «الشيخ» باسمه كلما تكرر جميع ذلك، فيكون خلاف الداعي الأول للنظم، وهو تسهيل حفظ الكتاب واستحضاره، وقد بينا من قبل، إصابة العراقي في التنبيه على اصطلاحه الخاص الذي ينتهجه في تأليفه، لكنك عندما تقارن بيانه لاصطلاحه هنا في نظم «الاقتراح»، ببيانه لاصطلاحه في نظم «مقدمة ابن الصلاح»، تجد بيانه هنا أكمل؛ لأنه مثل في نفس النظم للاختصارات الثلاثة التي اصطلح عليها فقال: نحو «عنه» و«جزم» وأطلق لفظ «الشيخ» إلخ، أما في الألفية فذكر فقط مثال الفعل، ولفظ الشيخ، ولم يذكر مثالا للضمير في النظم، ولذا تلافاه في «شرح الألفية» فمثل له (^٢).
ثانيها: تغيير ترتيب بعض الموضوعات عما هي عليه في «الاقتراح»:
وقد أشار إليه بقوله: «وربما قدمت للمناسبة» فبين بهذا أنه قدم بعض الموضوعات في النظم، عن محلها في كتاب «الاقتراح»، وبالتالي أخر بعضها عن محله فيه، وبذلك أصبح ترتيب الأبواب والموضوعات في النظم
_________________
(١) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/¬٩.
(٢) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/¬٩.
[ ٣ / ١٠٣٩ ]
يغاير أحيانًا، ترتيبها في (الاقتراح)، ونبه العراقي على أنه لم يفعل ذلك لمجرد المخالفة وإظهار الفرق أيا كان، بين عمله، وعمل ابن دقيق العيد، ولكنه قدم وأخر، بناءً على ما ظهر له من مناسبة وارتباط، بين موضوعات الكتاب، ربما لم تظهر من قبل لابن دقيق العيد، أو لم تدخل في اعتباره عند تأليف كتابه، واختلاف وجهات نظر الباحثين أمر مقرر، وعنه ينشأ اختلاف المناهج الذي يميز كل باحث عن غيره، وينطبق ذلك هنا كما ترى، فقد توارد عمل ابن دقيق العيد، والعراقي، على مواد علمية واحدة، ولكن كل منهما انتهج في سياقها وترتيبها منهجا مخالفًا للآخر، على أساس تصوره الخاص لتلك المواد، ومبلغ علمه بجزئياتها، وعلاقة بعضها ببعض، وما ينبغي أن تكون عليه، اجتماعًا وانفرادا، وفائدة ذلك، في رسم صورة منظمة الجوانب والقسمات، لهذا العلم، وتقديمه عليها للدراسة والاستفادة، وبهذا الاختلاف المنهجي في العرض، والتصور، تميز عمل العراقي في النظم، عن عمل ابن دقيق العيد في (الاقتراح)، واعتبر هذا من آثاره العلمية المنهجية، وهذا العنصر من المنهج، قد سار عليه العراقي أيضًا في نظم (مقدمة ابن الصلاح) في الألفية كما سلف؛ لكنه لم ينبه عليه في بيانه لمنهجه في مقدمة الألفية، بل استنبطناه كما تقدم، من مقارنة الألفية بمقدمة ابن الصلاح، أما هنا فقد نبه عليه، مع بيان وجهه في مقدمة النظم كما ترى، وبهذا يعد بيانه لعناصر منهجه هنا أتم، وأوضح، وأوفر الجهد الباحث، في التتبع والمقارنة والاستنباط، كما أن ذلك من أدلة تصوير هذا النظم التطور نضج شخصية العراقي العلمية، بحيث تنبه فيه لتلافي جوانب التقصير في رسم منهجه عما ألفَه من قبله.
[ ٣ / ١٠٤٠ ]
ثالثها: زيادة بعض الإضافات العلمية على ما في «الاقتراح»:
وقد أشار إلى هذا العنصر بقوله: وربما زدت لأمر ناسبه (^١)، فبين بهذا أنه أدخل بعض الزيادات العلمية على ما أودعه ابن دقيق العيد في «الاقتراح»، ونبه أيضا على أن ذلك ليس لمجرد حشد المعلومات، ولا لمطاولة صاحب «الاقتراح»، وإنما هو رعاية منه لبعض المناسبات التي رأى الموضوع فيها يحتاج لإيضاح، أو استكمال، مثلما رأى فيها بعض الموضوعات يحتاج لتقديم أو تأخير، ومن المثال الذي وقفت عليه كما سيأتي، يتضح أنه قد يقابل الزيادة حذف بعض محتوى «الاقتراح»، تبعا لوجهة نظر العراقي في أهمية ما أضافه، عما حذفه، ولهذا فإن هذا العنصر من منهجه يعد أوضح العناصر في الدلالة على نضج شخصيته، وبعد أثره العلمي، كما نلاحظ أن هذا العنصر موافق أيضًا لما انتهجه في نظم مقدمة ابن الصلاح، حيث أدخل فيه عدة زيادات، ونبه عليها في مقدمة الألفية مثلما فعل هنا، لكن لم ينبه هنا ولا هناك على الحذف المقابل، بل إن مقارنة ما حصلت عليه من نصوص «الاقتراح» ونظمه، يدل على أنه قد يحذف بدون إضافة مقابلة، كما سيأتي، وبذكر العراقي لهذا العنصر من منهجه، أنهى مقدمة النظم وانتقل للمبحث الأول في الكتاب وهو مبحث «الحديث الصحيح».
_________________
(١) «نظم الاقتراح» ورقة ١ ب (مخطوط).
[ ٣ / ١٠٤١ ]
دراسة نصية مقارنة لبعض محتويات الكتاب
١ - تعريف الحديث الصحيح:
يعتبر «مبحث الصحيح» هو أول مباحث النظم، وقد بدأه العراقي بقوله:
«حد الصحيح أن يكون عدلًا … ذا يقظة راويه، … ثم من لا
يحتج بالمرسل فزاد مسندا … زاد ألوا الحديث أن لا يوجدا
ذا علة وذا شذوذ، واحدُدِ … بذا الصحيح باتفاق ترشد»
وبتأمل هذه الأبيات الثلاثة تجدها تتضمن تعريف الحديث الصحيح، وبيان اختلاف العلماء فيه، ففي البيت الأول ذكر أن الحديث الصحيح يُعرف بأنه: ما رواه العدل الضابط، سواء كان متصل السند أم لا، وهذا تعريف من يحتج بالحديث المرسل من الفقهاء والأصوليين، فلم يشترطوا اتصال السند، أما من لا يحتج بالمرسل منهم فزاد شرطًا ثالثا، وهو اتصال السند، وإليه أشار العراقي بقوله: «ثم من لا يحتج بالمرسل زاد «مسندا»».
وعليه يكون الحديث الصحيح عند هؤلاء: ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه (^١).
أما المحدثون فزادوا على الشروط الثلاثة السابقة شرطين آخرين هما:
أن يكون الحديث غير شاذ ولا معلل، وإلى ذلك أشار العراقي بقوله: «زاد ألوا الحديث أن لا يوجدا، ذا علة وذا شذوذ»، وعليه، فالحديث الصحيح عندهم: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون:
_________________
(١) انظر «محاسن الاصطلاح» للبلقيني، مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (١٤١) مصطلح ورقة ٢ ب.
[ ٣ / ١٠٤٢ ]
شاذا ولا معللا (^١).
ولما كان التعريف على هذا جامعا لشروط جمهور الفقهاء، والأصوليين، والمحدثين، كما ترى، رأى ابن دقيق العيد أن الأولى أن يعتبر هذا حدًا للحديث الصحيح المجمع على صحته بين هؤلاء جميعًا، بدلا من إضافته لأهل الحديث فقط.
هذا بيان ما نظمه العراقي من كلام ابن دقيق العيد في «الاقتراح» في تعريف الصحيح، وعند بحثه ومقارنته يتضح لنا الآتي:
أولا: أنه ذكر ثلاثة تعاريف للصحيح، تبعا لذكر ابن دقيق العيد لها في كتابه، بينما نجده في الألفية اقتصر على التعريف الأخير منهم فقط، فقال:
فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد
عن مثله من غير ما شذوذ … وعلة قادحة فتوذي (^٢)
وذلك لاقتصار ابن الصلاح على هذا التعريف في مقدمته التي هي أصل الألفية، وهذا من أدلة اختلاف محتوى النظمين، حتى في الموضوعات المشتركة بينهما نتيجة لاختلاف محتوى الأصلين، وهما: «مقدمة ابن الصلاح»، وكتاب «الاقتراح».
ثانيا: أن العراقي حذف بعض كلام ابن دقيق العيد دون زيادة شيء في مقابلة، وذلك المحذوف عبارة عن تعليل ابن دقيق العيد لما رآه، من أن الأولى اعتبار التعريف الأخير، مما تقدم، تعريفا للحديث الصحيح المتفق على صحته بين
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬١٠، ١١ مع «متن الألفية».
(٢) «الألفية مع فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬١٠.
[ ٣ / ١٠٤٣ ]
جمهور الفقهاء والأصوليين والمحدثين، كما أشرنا، فلم يذكر العراقي ذلك التعليل في النظم كما رأيت، ونص كلام ابن دقيق العيد كما نقله العراقي نفسه عنه في «شرح الألفية»، هكذا: قال ابن دقيق: العيد لو قيل في هذا أي في التعريف الأخير -: «الحديث الصحيح المجمع على صحته: هو كذا وكذا» إلخ. لكان حسنا؛ لأن من لا يشترط مثل هذه الشروط، لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف، ومن شرط الحد أن يكون جامعا مانعا» (^١).
وما فعله العراقي هنا من الحذف بلا بديل، شبيه بفعله في نظم «مقدمة ابن الصلاح» في «الألفية»، وقد سبق بحثه.
ثالثا: أنه أقر ابن دقيق العيد على أن الأولى أن يعتبر التعريف الأخير للصحيح تعريفا له عند جمهور الفقهاء والأصوليين والمحدثين كما أسلفنا بدلا من اعتباره تعريفا للصحيح عند المحدثين فقط، وقد استدرك ابن دقيق العيد بهذا الرأي على ابن الصلاح في نسبة التعريف المذكور لأهل الحديث فقط (^٢)، فكأنه يقول له: «لأي معنى تخصه بأهل الحديث؟» مع أن ما ذكر فيه هو أصعب الشروط؟ فمن لم يشترط السلامة من العلة والشذوذ، يصحح ما سلم منهما من باب الأولى، فكان ينبغي أن نقول: «هذا هو الحديث الصحيح إجماعا (^٣)» فذكر العراقي لرأي ابن دقيق العيد، وإقراره عليه، دليل على موافقته له في ذلك وقد أقره أيضا في «شرح الألفية» (^٤)، بينما
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬١١.
(٢) «مقدمة ابن الصلاح أعلا التقييد والإيضاح»، ص ١٩، ٢٠.
(٣) «النكت الوفية» للبقاعي ورقة ١٢ أ مع توضيح يسير من جانبي.
(٤) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬١١.
[ ٣ / ١٠٤٤ ]
نجده في «الألفية»، مشى على نسبة هذا التعريف لأهل الحديث فقط، كما فعل ابن الصلاح، فقال:
«وأهل هذا الشأن قسموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن
فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد
عن مثله من غير ما شذوذ … وعلة قادحة فتوذي»
فهذا من أمثلة اختلاف مضمون النظمين، وتميزهما تبعا لاختلاف أصليهما في بعض المسائل المشتركة بينهما
ثانيا: أقسام الحديث الضعيف، ورأي العراقي فيها، وأثره:
ذكر ابن الصلاح في نوع «معرفة الحديث الضعيف» أن ابن حبان البستي أطنب في تقسيمه، فبلغ به (٤٩) قسما، ومع اعتباره ذلك إطنابا من ابن حبان، فقد ذكر أنه يمكن بسط أقسامه لأكثر من هذا، ووضع ضابطًا لذلك
يقوم على أساس افتقاد صفات قبول الحديث، وهي: اتصال السند، وجبر المرسل بما يؤكده، وعدالة الرجال، والسلامة من كثرة الخطأ والغفلة، ومجيء الحديث من وجه آخر عند الاحتياج لذلك، والسلامة من الشذوذ ومن العلة، فمن أراد بسط الأقسام يعمد إلى صفة معينة منها، فيجعل ما عُدِمَتْ فيه من غير جابر قسما واحدًا، ثم ما عدمت فيه تلك الصفة مع صفة أخرى معينة قسمًا ثانيًا، وهكذا، إلى انتهاء الصفات المذكورة، ثم يعود فيأخذ صفة غير التي بدأ بها، ويستمر هكذا، وما كان من الصفات له شروط، عمل في شرطه نحو ذلك، فتتضاعف بذلك الأقسام (^١). وبهذا
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٦٣، ٦٤.
[ ٣ / ١٠٤٥ ]
الضابط الذي رسمه، وعدد الأقسام على أساسه، فتح الباب لمن بعده فقسموا الضعيف بمقتضاه إلى مئات الأقسام الافتراضية (^١).
فلما نظم العراقي «مقدمة ابن الصلاح» في «الألفية»، تبعه فيما ذُكر من ضابط بسط أقسام الضعيف إلى أقسام عديدة، بناء على قاعدة فقد شروط القبول كما تقدم (^٢).
لكنه عندما شرح الألفية، بحث الأقسام التي يمكن تحققها فعلا، فيما هو موجود في كتب السنة من الضعيف، فوجدها لا تجاوز (٤٢) قسما، فذكرها تفصيلا في «شرح الألفية»، ثم ذكر أربعة أقسام أخرى، مما يمكن تفريعه على القاعدة السابقة، وقال: إنه ترك ذكر أمثالها، لأن انقسام الضعيف إليها ظني، ولا يمكن وقوعها على الصحيح (^٣).
وبالتالي لا فائدة من ذكرها.
وتصريح العراقي بالتوقف في تعديد أقسام الضعيف عند الذي رآه منها متحقق الوقوع فقط، وترك ما عداه من الأقسام الممكن تفريعها كما سلف، يفيد رجوعه عن متابعة ابن الصلاح في الألفية، على القول بتعديد الأقسام مطلقا، إلى القول بالتفصيل، وهو تعديد الممكن تحققه فعلا في المتوفر لدينا من كتب السنة، وترك الاشتغال بما عداه، لعدم جدواه تطبيقا، فلما نظم
_________________
(١) انظر مثلا رسالة محمد بن خليفة المرحومي، الشوبري، الشافعي، في أقسام الضعيف، حيث تصل الأقسام إلى (٥١١) قسما، (مخطوط بدار الكتب المصرية) برقم (١٥٣) مصطلح الحديث.
(٢) الألفية مع: «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٥٣.
(٣) «فتح المغيث» ج ١/ ٥٣ - ٥٥.
[ ٣ / ١٠٤٦ ]
«الاقتراح» بعد هذا، وكان ابن دقيق العيد قد مشى فيه على قول ابن الصلاح بالتعديد المطلق للأقسام، لم يتبعه العراقي، بل حذف كلامه في هذا من النظم، ووضع بدلا عنه، بيان أوهى الأسانيد، حيث إن المروي بها أشد أنواع الضعيف الموجودة فعلا عند عدم العاضد لها، وقد عد الحاكم منها أحد عشر إسنادا، الأول منها قوله: «إن أوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن الحارث الأعور، عن علي ﵁» (^١).
ويعتبر هذا العمل من العراقي تطبيقا منه لأحد آرائه التي سبق ذكره لها في «شرحه الكبير للألفية» كما قدمت توضيحه، حيث وجد قرينه البلقيني قد ذكر أوهى الأسانيد، عقب أصح الأسانيد، التي ألحقها ابن الصلاح بقسم الصحيح، فقرر في شرحه المذكور: أن إلحاق أوهى الأسانيد بقسم الضعيف أولى مقابل أصح الأسانيد في قسم الصحيح؛ وذلك لأن مناسبتها للضعيف أولى، وبهذا يعتبر «نظم الاقتراح» متضمنا لتحوله في الرأي، من تعديد أقسام الضعيف بحسب افتقاد شروط القبول، كما فعل في الألفية وشرحها، إلى حذف ذلك، واستبداله بأوهى الأسانيد المروي بها فعلا بعض الأحاديث الشديدة الضعف.
وبهذا يجد المطلع على نظم «الاقتراح»، الأمثلة التطبيقية الدالة على تفاوت درجات الضعيف، حتى تصل إلى أشدها وهو الواهي، مثلما يجد أمثلة أصح الأسانيد في قسم الصحيح، دالة على تفاوته في الصحة حتى يصل إلى أصح
_________________
(١) انظر: «معرفة علوم الحديث»، للحاكم ص ٥٦، ٥٨.
[ ٣ / ١٠٤٧ ]
الصحيح، وبهذا التغيير المنهجي، والحذف والإضافة، تميز «نظم الاقتراح» كما، وكيفا، عن أصله، وهو «الاقتراح»، وعن مؤلفات العراقي السابقة في المصطلح، من الألفية، وشرحيها، والنكت على كتاب «ابن الصلاح»، وقد بين السيوطي في «شرحه لألفية العراقي» عمل العراقي هذا ورجحه وبين التقاء رأي تلميذ العراقي ابن حجر معه في هذا، وقال: إنه لو كان العراقي حذف من الألفية تعديد أقسام الضعيف التي ذكرها ابن الصلاح، وذكر بدلها أوهى الأسانيد، كما فعل في «نظم الاقتراح»، كان أولى (^١).
وقد شارك العراقي في هذا، قرينه ابن الملقن (^٢).
ولم يكتف السيوطي بترجيح ما سار عليه العراقي في «نظم الاقتراح»، بل أخذ هو به فعلا في ألفيته التي حاذى بها ألفية العراقي، كما قدمنا (^٣) وفي «تدريب الراوي» (^٤)، وبذلك امتد أثره فيمن بعده.
عناية العلماء بشرح «نظم الاقتراح» وبحثه:
وبجانب ظهور هذا الأثر للكتاب من الناحية المنهجية، فإن العناية ببحثه وبشرحه، وجدت منذ عصر العراقي، فقد وجدت على ظاهر نسخة النظم السابق ذكرها، قول ولي الدين بن العراقي: «وكنت شرحت منه مواضع متفرقة عندما حضرت بحثه عليه»، يعني على والده.
_________________
(١) «قطر الدرر» للسيوطي/ ٦ ب.
(٢) انظر «المقنع» / ٢٢.
(٣) انظر: «ألفية السيوطي مع شرح الترمسي» ١/¬٤٩، ٥٠.
(٤) انظر: «التدريب» ١/ ١٠٦، ١٠٧.
[ ٣ / ١٠٤٨ ]
ثم إني وجدت تعقيبا على ذلك نصه: «قلت: وقد تتبعت أنا هذه القطع المفرقة من شرحه، ونقلت منها ما تيسر من خطه، وأرجو الله من فضله تمام شرحه، سالكا طريقه إن شاء الله تعالى» إهـ. لكني لم أجد هذا النص منسوبا لأحد مُعَيّن.
وقد ذكر كل من ابن فهد (^١)، والسخاوي (^٢)، مثلما ذكر ولي الدين عن نفسه: أنه شرح مواضع متفرقة من هذا النظم، وعلى هذا يحمل قول السيوطي: «إن ولي الدين شرح «نظم الاقتراح» لوالده، دون أن يفصل: هل أكمله، أو لا؟» (^٣)، وكذا صاحب «هدية العارفين» (^٤).
ثم ذكر السخاوي أيضا أنه شرح هذا النظم (^٥)، وذكر الشوكاني أن السخاوي سمّى هذا الشرح: (الإيضاح في شرح نظم الاقتراح)، وذكر أنه يقع في مجلد لطيف (^٦)، وهذا يدل على أن السخاوي أكمله، وتداوله العلماء حتى عصر الشوكاني.
لكني للأسف لم أقف على شيء مما شرحه ولي الدين، ولا على شرح السخاوي الذي أكمله.
_________________
(١) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٧٨.
(٢) «الضوء اللامع» ج ١/ ٣٤٣.
(٣) انظر «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٧٦.
(٤) انظر «هدية العارفين» للبغدادي مجلد/ ١/ ٢٢٣.
(٥) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٩١.
(٦) «البدر الطالع» ج ٢/ ١٨٤.
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
٦ - شرح كتاب النووي المسمى بـ «التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير» في أصول الحديث، والرد على السيوطي
ذكر صاحب «كشف الظنون» كتاب النووي المذكور، ثم ذكر الشروح العديدة له، وأول شرح ذكره هو شرح الإمام الحافظ زين الدين العراقي (^١) وذكر ذلك الشرح أيضًا صاحب «الرسالة المستطرفة» (^٢).
أما السيوطي في مقدمة شرحه لكتاب التقريب هذا المسمى بـ «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» فقد قال: «إن كتاب «التقريب» مع جلالته وجلالة صاحبه، وتطاول هذه الأزمان من حين وضعه، لم يتصد أحد إلى وضع شرح عليه، ولا الإنابة إليه، فقلت: لعل ذلك فضل ذخره الله تعالى لمن يشاء من العبيد» (^٣). يعني نفسه، وبهذا نفي كلية، أن يكون سبقه أحد إلى شرح الكتاب، لا العراقي ولا غيره.
وهذا في الحقيقة نفي جزافي منه، يدفعه ما ذكره صاحب «كشف الظنون» وأيده الواقع، فقد ذكر صاحب «كشف الظنون» ممن شرح «التقريب» بعد العراقي، وقبل السيوطي: برهان الدين القباقبي المتوفى سنة ٨٥٠ هـ، وهو تلميذ للعراقي، ثم شمس الدين عبد الرحمن السخاوي سنة ٩٠٢ هـ وهو معاصر السيوطي ومنافسه (^٤)، وقد وقفت على نسخة خطية من
_________________
(١) «كشف الظنون» ١ عمود/ ٤٦٥.
(٢) «الرسالة المستطرفة» للكتاني ص ١٦٠.
(٣) «تدريب الراوي» ص ٤
(٤) «كشف الظنون» ١ عمود ٤٦٥.
[ ٣ / ١٠٥٠ ]
شرح السخاوي، وهي تعد دليلا واقعيًا على نفي كلام السيوطي السابق، وقد حصلت - بفضل الله تعالى - على صورة لها، وأعددتها للطباعة في أقرب فرصة إن شاء الله، كما أن وجودها يكشف سر نفي السيوطي كلية وجود شرح لأحد قبله لهذا الكتاب، وهو أنه قصد إنكار أو تجاهل شرح منافسه السخاوي، بطريقة ضمنية، حتى يجعل لشرحه هو مكانة، ويحاول حماية نفسه مما هو معتاد بين المتنافسين من الرمي بالتقليد أو السطو، أو مجرد الاستفادة، كما حدث بين ابن حجر والعيني بالنسبة لشرحيهما لصحيح البخاري في وقت واحد، ولكن وجود شرح السخاوي فَوَّتَ عليه هدفه، وعليه فإن ما ادعاه السيوطي من عدم وجود أي شرح لتقريب النووي قبل شرحه، لا ينفي ما أثبته صاحب (كشف الظنون) وغيره، من وجود شروح سابقة على السيوطي، في مقدمتها شرح العراقي، والواقع العملي قد أيد ذلك، بوجود نسخة خطية حتى الآن، من شرح السخاوي، منافس السيوطي، وهي كافية في رد نفيه المطلق لأي شرح لغيره، لكني للأسف لم أقف على نسخة من شرح العراقي للتقريب، ولا على نقول عنه
[ ٣ / ١٠٥١ ]
القسم الثاني: اثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علوم رجال السنة
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
المقصود بعلم رجال السنة، وتقسيمه:
تسمية هذا العلم، بعلم الرجال، من باب التغليب، ولكنه في الحقيقة عِلْمٌ يشتمل على تاريخ وأحوال رواة السنة الذين تحملوها وأدوها سواء أكانوا رجالا أم نساء، ابتداءً من صحابة وصحابيات رسول الله ﷺ، وهلم جرا، ويشمل كذلك تاريخ وأحوال حفاظها وعلمائها الذين دونوها وبحثوا وألفوا في علومها المختلفة، وقد قسمه العلماء إلى قسمين كبيرين:
إحدهما: علم تاريخ الرجال، وثانيهما: علم الجرح والتعديل، وتحت كل منهما أقسام متعددة، كما سنرى في مؤلفات العراقي فيها، وقد قرر العلماء أن على دارسي السنة، العناية بدراسة علم رجالها بقسميه، وفروعهما (^١)، وقد صاحبت العناية بعلم رجال السنة، العناية بالسنة نفسها، منذ عصر الرسول ﷺ؛ لأن ثبوت السنة وتمييز صحيحها من سقيمها، وموصولها من مقطوعها، ونفي الدخيل عنها، كل ذلك متوقف على معرفة تاريخ وأحوال سلسلة إسنادها، مولدًا، ووفاة، ولقاء، ورحلة، وموطنا، وثقة، وقدحًا.
ونتيجة للعناية المتوالية في كل عصر، وصل هذا العلم إلى عصر العراقي وقد تقررت أسسه، ومعظم قواعده، وألفت فيه مؤلفات عديدة، منوعة المناهج، ومتفاوتة الأحجام، كل على قدر علمه واجتهاده (^٢).
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/ ٩٣ وج ٤/ ١٥٠، ١٥١.
(٢) انظر (علم الرجال الحديث) لتقي الدين النووي/ ٥٣، ٥٧، ١ وكشف الظنون، ٥٨٢، ٥٨٣، ٥٨٥، ٦٠٥، ٦٨٣، ٧٢٢، و(تذكرة الحفاظ) للذهبي ج ١/ ٧٢ و(الإعلان بالتوبيخ) للسخاوي/ ٣٨٦، ٣١٩، ٤٢٠، ٤٢٤، ٤٥٠، ٤٥٢، و«فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٢٨، ٥٢، ٥٣، ٥٥، ٥٦، ٥٧ وما بعدها وصفحات: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، =
[ ٣ / ١٠٥٥ ]
إجمال مهمات العراقي وغيره من المتأخرين في خدمة علم رجال السنة:
وبذلك أصبحت مهمة العراقي وغيره من المتأخرين، تتركز إجمالا في اتجاهين:
أولهما: العناية بمؤلفات السابقين، وذلك بجمع متفرقها، وتدارك ما لا يسلم منه علم بشري، من الخطأ، والوهم، وتعديل مناهجها بما يلائم الحاجات، والمطالب العلمية المتجددة.
وثانيهما: التذييل على تلك المؤلفات بما فات مؤلفيها، أو تجدد بعدهما. وكما توفرت للعراقي الدراية الكافية بعلم الرجال، والشروط المطلوبة فيمن يتصدى للجرح والتعديل، كما أوضحت في جوانب شخصيته، فإنه قام من خلال الإتجاهين المذكورين بتأليف عدد من المؤلفات، أثبت فيها جهده وإسهامه العمليين، وبث فيها آراءه في علم الرجال، تأريخا، وتعديلا، وجرحا، وسأتناول ذلك على النحو التالي:
_________________
(١) = ٧٢، ٧٣، ٧٥، ٧٧، ٧٨، ٧٩، ٨٣، ٨٥، ٨٦، ١١٣، ١١٤، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٥، ١٢٨، ١٣٠، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٥، ١٥٠، ١٥٢، ١٥٣، ١٦١، ١٦٢، ١٦٣، من «المختصر في علم رجال الأثر» لشيخنا عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ٩٠ - ٩٦ و«لسان الميزان» لابن حجر ج ١/¬٣.
[ ٣ / ١٠٥٦ ]
تفصيل مهمات العراقي في علم رجال السنة
أولا: تأليفه وآراؤه في الصحابة:
تذييله على مختصر الذهبي الأسد لغابة في معرفة الصحابة
ذكر العراقي في شرحه لألفيته في المصطلح، أن أجمع المؤلفات في بيان الصحابة حتى عصره، هو كتاب «أسد الغابة في معرفة الصحابة» لأبي الحسن ابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٣٠ هـ وذكر أن الذهبي اختصره في مختصر لطيف.
ثم قال: «وقد ذيلت عليه بعدة أسماء لم تقع له» (^١) وذكر ذلك من بعده محمد بن إبراهيم الوزير (^٢)، ثم السخاوي (^٣)، وذكر العراقي لهذا الذيل في شرحه للألفية، مما يدل على أنه ألفه قبل هذا الشرح، الذي فرغ منه في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ كما بينا، ولم يذكر هو ولا غيره اسما معينا لهذا الذيل، ولكني وجدت بروكلمان ذكر من مؤلفات العراقي كتابا باسم «تمييز الأصحاب» وقال: «إنه توجد منه نسخة بمكتبة فيض الله باستنبول برقم (٥٦)» (^٤)، قلت: لعله يكون هذا الذيل، ورجعت لفهرس المكتبة المذكورة المطبوع سنة ١٣١٠ هـ فوجدت الكتاب فعلا مذكورًا بهذا الرقم ضمن مؤلفات علم الحديث، ومنسوبا لزين الدين العراقي، وذكر
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ص ٢٩.
(٢) «الروض الباسم» له ص ٦٥.
(٣) «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ» ص ٥٤٢ و«فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» ج ٣ ص ٨٥ كلاهما للسخاوي
(٤) «ملحق تاريخ الأدب العربي لبروكلمان» ج ٢ ص ٦٨، ٧٠.
[ ٣ / ١٠٥٧ ]
المفهرس أنه يقع في مجلد، ولكن لم يذكر تفصيلات عن محتواه (^١)، فرجعت لفهرس المكتبة المخطوط الموجود بدار الكتب المصرية (^٢)، فوجدت المذكور تحت الرقم السابق في هذه المكتبة، عبارة عن قطعة من تفسير أبي حيان الأندلسي، المعروف بـ (البحر المحيط)، فأعطيت رقم الكتاب لبعض من ذهب لاستانبول للبحث في مخطوطاتها، لتحقيق هذا الموضوع، فطلب - مشكورا - الكتاب بنفس الرقم، فوجده قطعة من تفسير أبي حيان، تبدأ بقوله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ (^٣) فراسلت المسئولين عن المكتبة باستانبول لإفادتي عن سبب اختلاف فهرس المكتبة في هذا الكتاب، وبيان حقيقته وذلك كمحاولة أخيرة لمعرفة الحقيقة، وما زلت في انتظار الرد، على أن عدم وجود نسخة للكتاب، لا ينفي ثبوته، خاصة وأن العراقي هو الذي صرح بتأليفه له، واعتبره جهدًا علميا بذله، تتميما لجهود من سبقه كما بينا، فإن لم يصل إلينا، فقد يكون وقف عليه تلميذه ابن حجر واستفاد منه في مؤلفه المعروف الذي جَمَعَ فيه شتات ما ألف في الصحابة حتى عصره، ويسمى: «الإصابة في تمييز الصحابة».
على أن العراقي قد تعرض في مؤلفاته في المصطلح، السابق ذكرها لتعريف الصحابي، وشروطه، وأفاض في ذلك في «شرحه المتوسط للألفية» وفي «نكته على ابن الصلاح»، وكان لرأيه في ذلك أثره فيمن بعده، كما أشرت في موضعه، وقد ترجم في الكتابين المشار إليهما لعدد
_________________
(١) انظر ص ٧ من «فهرس مكتبة فيض الله» المطبوع.
(٢) برقم ٢٩ مكتبات.
(٣) سورة طه الآية ٨٢
[ ٣ / ١٠٥٨ ]
من الصحابة أيضًا، مع تحقيق وفياتهم، وأماكنها، وروايات المكثرين من الرواية منهم، وبيان أكابرهم في العلم، والفضل، وأولهم إسلاما، مع تحقيق ذلك، وبيان آخر من مات منهم مطلقا، وفي أقطار الإسلام المختلفة شرقا وغربا، وبعض من اختلف في صحبته منهم، مع تحقيق الخلاف، وغير ذلك (^١).
وإليك مثالًا لمن ذكرهم من الصحابة في شرحه للألفية:
أنموذج ترجمته لبعض الصحابة:
حيث قال: «وآخر من مات منهم بمصر، عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي، قاله سفيان بن عيينة، وعلي بن المديني، وأبو زكريا ابن منده، واختلف في سنة وفاته، فالمشهور سنة ٨٦، وقيل ٨٥، وقيل ٨٧، وقيل ٨٩، وذكر الطحاوي أنه مات بسفط القدور، وهي التي تعرف اليوم بـ (سفط أبي تراب) وقد قيل إنه مات باليمامة، حكاه أبو عبد الله بن مندة، وقال أيضًا إنه شهد بدرًا، فعلى هذا هو آخر البدريين موتا، ولا يصح شهوده بدرًا، والله أعلم» (^٢).
ونلاحظ أنه جمع الترجمة من عدة مصادر، وبين الأقوال المتعددة، مع تمييز المشهور من غيره، والتنبيه على ما لم يره صحيحًا، وذلك مما يثبت جهده في البحث وبروز شخصيته، ورأيه في الترجيح والتضعيف، والتحقيق.
كذلك أورد العراقي ترجمة عدد من الصحابة في رجال كتابه «تقريب
_________________
(١) انظر: «معرفة الصحابة في فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٢٨ - ٥٢ و«النكت» / ٢٩٢ - ٣١٧.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٥١، ٥٢.
[ ٣ / ١٠٥٩ ]
الأسانيد، في أحاديث الأحكام، كما سيأتي، وبذلك تيسرت لنا نماذج متعددة، تعوضنا في بيان أثره في تراجم الصحابة، عن تذييله المفتقد، وبالله التوفيق.
ثانيا: تأليف العراقي ومنهجه في: جمع المؤتلف والمختلف من أسماء، وألقاب، وكنى رواة السنة، وأثره:
ذكر العراقي أن من فنون الحديث المهمة: معرفة المؤتلف خطا، والمختلف لفظا من الأسماء والألقاب والأنساب ونحوها، الخاصة برواة السنة، وذلك مثل (سَلَّام) بتشديد اللام، وبتخفيفها، وقد بين أهمية معرفة هذا الفن فقال: «وينبغي لطالب الحديث أن يعتني بمعرفة ذلك، وإلا كثر عثاره، وافتضح بين أهله، ثم ذكر المصنفات فيه حتى عصره، وعقب عليها قائلا: «وقد فات جميع من صنف فيه ألفاظ كثيرة، علقت منها جملة، وإن يسر الله تعالى جمعتها، مع ما تقدم، في مجموع واحد، ليكون أسهل لتناولها، إن شاء الله تعالى»» (^١).
ولكني رغم البحث المتواصل، لم أقف على هذه الجملة التي علقها، كما أن المنهج الذي رسمه لتأليف كتاب جامع لما تفرق في مؤلفات من تقدموه، مع ضم الزيادات التي جمعها هو ببحثه واطلاعه، ذكر السخاوي أنه لم يتيسر له تطبيقه، بتأليف ذلك الكتاب الجامع (^٢).
ولكن الفكرة لم تمت أو تبتعد عن صاحبها كثيرا، حيث هيأ الله تعالى
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي باب المؤتلف والمختلف ج ٤/ ٨٦.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٤/ ٢١٥.
[ ٣ / ١٠٦٠ ]
تلميذ العراقي، ابن حجر، ليطبق هذا المنهج الذي رسمه شيخه، ويخرجه إلى حيز الوجود، ممثلا في كتابه المسمى «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه».
حيث ذكر في مقدمته أنه ضمنه خلاصة كتاب «المشتبه» للذهبي، وهو أجمع ما ألف حتى عصره، مع زياداته هو عليه، التي امتدت إلى معاصريه مميزا لها بقوله: «قلت» في أول كل منها، و«انتهى» في آخرها، ورتب الجميع على حروف المعجم (^١)، فجاء كتابًا حافلا، وهو مطبوع الآن في ثلاثة مجلدات كبار، محققا (^٢).
ومما لا شك فيه أن ابن حجر اطلع على منهج شيخه السابق، وكتبه بيده، نظرا لأنه قرأ على العراقي شرحه للألفية الذي ورد فيه هذا المنهج، بل وكتب الشرح بخطه (^٣) وبذلك يكون كتابه هذا أثرًا تطبيقيًا للمنهج الذي ارتاه شيخه، وتجسيدا لتصوره للوضع الذي ينبغي أن يكون عليه هذا الجانب من علم رواة السنة، ليكون سهل التناول كما قال أيضًا.
ولعل مما يزيد الأمر تأكيدًا، أن ابن حجر في مقدمة كتابه المشار إليه، انتقد كتاب الذهبي من ثلاثة أوجه: أولهم وثانيهم مذكوران في الألفية، لشيخه العراقي (^٤).
ثم إن العراقي تناول في ألفيته، وفي شرحها، وفي نكته، على ابن الصلاح كثيرًا من المباحث والتراجم الخاصة بالمؤتلف والمختلف من الرواة، وأبدى بعض
_________________
(١) انظر «تبصير المنتبه» لابن حجر ج ١/¬٢ وما بعدها.
(٢) «طبع المؤسسة المصرية للتأليف والنشر» سنة ١٩٦٤/ بتحقيق علي البجاوي وآخر.
(٣) «الجواهر والدرر» ورقة ١٦٤ ب.
(٤) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٨٦ و«تبصير المنتبه» لابن حجر ج ١/¬١.
[ ٣ / ١٠٦١ ]
الآراء التي كان لها تأثيرها كما قدمنا، في بحث تلك المؤلفات (^١).
ثالثا: تأليف العراقي في جمع بعض الأكابر، الرواة عن الأصاغر، ورأيه، وأثره في هذا النوع:
المقصود بالأكبر والأصغر ما هو أعم من السن، أو المكانة في العلم والفضل وقد ذكر العراقي وغيره من فائدة معرفة هذا النوع من علم الرجال، أن لا يتوهم كون المروي عنه أكبر وأفضل من الراوي عنه، لكون ذلك هو الأغلب فمعرفته تنزل أهل العلم منازلهم.
وقد ذكر ابن الصلاح من أمثلة رواية الأكابر عن الأصاغر هذا، رواية أكثر من عشرين من التابعين، عن عمرو بن شعيب، وقال: «إنه لم يكن من: التابعين، وأن عبد الغني بن سعيد، جمع الرواة عنه من التابعين، فبلغوا عشرين نفسا».
وقد تعقبه العراقي قائلا: «قلت: وعمرو بن شعيب، وإن عده غير واحد في أتباع التابعين، فهو من التابعين»، ودلل على ذلك بقوله: «فقد سمع من زينب بنت أبي سلمة، والربيع بنت معوذ بن عفراء، ولهما صحبة» ثم قال: «وقول ابن الصلاح: روى عنه أكثر من عشرين من التابعين، جمعهم عبد الغني، ليس بجيد، فإنه قد بلغ بهم تسعة وثلاثين رجلا»، ثم قال: «قلت: وقد جمعتهم في جزء، فبلغت بهم فوق الخمسين» (^٢)، ويفهم من ذكره الجمعهم
_________________
(١) وانظر كذلك مبحث المؤتلف والمختلف في «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١١٣٨٥ و«النكت» ٣٨١/ ٤٠٥
(٢) «فتح المغيث»، للعراقي ج ٤/ ٦١٠.
[ ٣ / ١٠٦٢ ]
في هذا الجزء في شرح الألفية أنه فرغ منه قبل الفراغ من شرح الألفية، وللأسف أني لم أقف على هذا الجزء، ولكن العراقي قدم لنا بديلا عنه، في بحوثه الملحقة بنكته على كتاب ابن الصلاح كما قدمت، وذلك بذكر من أوردهم الحافظ عبد الغني بن سعيد في الجزء الذي جمعه، وذلك كرد عملي من العراقي، على ابن الصلاح في قوله إن من ذكرهم عبد الغني، عشرين فقط، فقال: إن عبد الغني بن سعيد عدهم في الجزء المذكور أربعين نفسًا إلا واحدًا، وهذه أسماؤهم مرتبين على الحروف: إبراهيم بن ميسرة، وأيوب السختياني وبكير بن الأشج … وهكذا سرد الباقين، وبذلك حفظ لنا خلاصة هذا الجزء من مؤلفات الحافظ عبد الغني بن سعيد، حيث لا يكاد يوجد الآن حسب علمي، ثم ذكر أنه قد روى عن عمرو بن شعيب جماعة كثيرون من التابعين، لم يذكرهم عبد الغني بن سعيد، وهم: «ثابت بن عجلان، وحسان بن عطية …، وساق تمام إثني عشر واحدًا، ثم بين إجمال ما ذكره فقال: فهؤلاء زيادة على الخمسين من التابعين، قد رووا عنه» (^١).
وبهذا قدم العراقي لنا في النكت خلاصة لجزئه المذكور، الذي لم يتح لي العثور عليه.
هذا وقد كان لعمل العراقي ذلك، ورده على ابن الصلاح، أثرهما فيمن بعده، بحيث نقل السيوطي عنه ما تقدم برمته، وأقره عليه (^٢).
_________________
(١) «النكت» ٢٣٢.
(٢) انظر «تدريب الراوي»: ٤٢٥، ٤٢٦
[ ٣ / ١٠٦٣ ]
رابعًا: تأليفه وآراؤه في نقد رجال السنة:
أ - تذييله على «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» للذهبي:
أهمية الكتاب وتاريخ تأليفه:
ينقسم رواة السنة وعلماؤها عمومًا إلى ثقات معدلين، وإلى ضعفاء مجروحين، وإلى مجهولين عينًا وحالًا، أو حالًا فقط، ومعرفة الأقسام الثلاثة لازمة، لتمييز صحيح الحديث من سقيمه، ولذلك يقول العراقي: «واجعل من عنايتك معرفة الثقات والضعفاء، فهو أجل أنواع علم الحديث، فإنه المرقاة إلى التفرقة بين صحيح الحديث وسقيمه» (^١)
ويطلق على ذلك النوع من علوم الحديث علم «الجرح والتعديل» أو «نقد الرجال» كما عنون الذهبي كتابه، الذي ذيل عليه العراقي.
ومن أجل تلك الأهمية المعرفة كل من الثقات والضعفاء، لم تقتصر عناية علماء الرجال على التأليف في الثقات، بل اهتموا أيضًا بجمع الضعفاء في مؤلفات خاصة، وبينوا أحوال الفريقين المتفاوتة، تعديلًا أو جرحًا، وقبولا أو ردًا، مع ذكر بعض نماذج لمروياتهم في كثير من الأحيان.
وقد كان من أجمع ما ألف فيهم حتى عصر العراقي، هو كتاب الحافظ أبو عبد الله الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ المسمى «ميزان الإعتدال في نقد الرجال» (^٢)، وقد نظر فيه العراقي فوجد أن الذهبي رغم بسطه له، قد فاته جماعة ممن تُكُلِّمَ فيهم، كما وجد بعض أشخاص أوردهم الذهبي في
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٥١.
(٢) «لسان الميزان» لابن حجر العسقلاني ج ١/¬٤.
[ ٣ / ١٠٦٤ ]
سياق تراجم آخرين، وبالتالي لا يسهل الوقوف عليهم إلا بمطالعة الكتاب تفصيليا، فقام بتجريد كثير ممن فات الذهبي ذكره، فبلغ ذلك مجلدا لطيفا، وجعله ذيلا على الميزان، وقد بين العراقي بنفسه ذلك في شرحه للألفية، حيث ساق أهم المؤلفات والمؤلفين في الضعفاء، حتى وصل إلى كتاب «الميزان» للذهبي فقال: «وفاته جماعة، ذيلت عليه ذيلا في مجلد» (^١).
وبهذا وضع العراقي قدمه حيث انتهى سلفه المعاصر له، وهو الحافظ الذهبي، وتقدم بعده بتلك الإضافة العلمية ذات المحتوى المفيد، في هذا النوع الهام من علم الرجال، كما سنفصله.
ويفهم من ذكر العراقي لهذا الكتاب في شرحه للألفية الذي فرغ منه كما تقدم في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، قد أنه ألفه قبل التاريخ المذكور، كما يلاحظ أنه لم يسمه باسم معين، وكذا لم يذكر له غيره اسما (^٢).
نسخ الكتاب وما وقفت عليه من نصوصه:
ورغم أن الزمن الذي حدده العراقي لتأليف هذا الكتاب، يدل على أنه من أوائل مؤلفاته، إلا أن ابن فهد ذكر أن العراقي لم يبيضه بل تركه مسودة (^٣) وهذا يتفق فعلا مع وصف الحافظ ابن حجر له عند النقل عنه في كتابه (لسان الميزان) الآتي ذكره، كما وصفه أيضا من واقع اطلاعه عليه، بأنه في مجلد لطيف الحجم (^٤).
_________________
(١) : «فتح المغيث» ج ٤/ ١٥٠.
(٢) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ٣/ ٣١٥، و«تدريب الراوي» ٥/ ٥١٩.
(٣) «لحظ الالحاظ» / ٢٣١ ضمن «ذيول تذكرة الحفاظ».
(٤) انظر: (لسان الميزان) ج ١/¬٤ وترجمتي/ ٤١٩، ٦٠٧ وج ٤/ ترجمة ٨٢٤.
[ ٣ / ١٠٦٥ ]
ورغم هذا لم يتح للعراقي تبييضه بنفسه، كما اكتفى غيره من تلاميذه ومن بعدهم، بالاستفادة به على حاله، ولهذا لم يوقفني البحث الدؤوب على نسخة لهذا الكتاب، وإنما ذكر لي بعض الثقات من زملائي العرب (^١)، أنه توجد نسخة منه بمكتبة خاصة بأحد علماء بغداد (^٢)، وذكر لي أنها تقع في ١٢٠ ورقة تقريبا من القطع العادي، ولكن لم يتح لي الحصول عليها ولا على نصوص منها، ثم وقفت على ترجمة واحدة في مجموع، للعلاء بن خطيب الناصرية وتلميذ ولي الدين بن العراقي (^٣)، وقد كتبه بخطه، وصدر نقله لهذه الترجمة بقوله: «قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في «ذيله على الميزان»، ومن خطه نقلت … وساق الترجمة في ٦ أسطر كما سنذكرها بعد، ويظهر من ترحم ابن خطيب الناصرية على العراقي أنه نقل هذه الترجمة بعد وفاته، وتصريحه بأنه نقل من خطه يدل على وقوفه على المسودة المشار إليها، كما أنه أثبت في نفس المجموع، سماعه بالقاهرة من ولي الدين بن العراقي سنة ٨٠٨ هـ، فلعله وقف عليها حينذاك، وهذا يدل على وجود تلك المسودة بعد وفاة العراقي، بل نقل عنها بعض المتأخرين عن ذاك بكثير كما سيأتي.
_________________
(١) وهو الأخ الفاضل الدكتور/ عبد الستار القدسي، حفظه الله، وجزاه خيرا.
(٢) وهو الأستاذ/ «عباس غزاوي»، كما عرفت بعد ذلك، بل ظهر أن لديه نسختان للكتاب، وحصل مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، على صورتين لهما، وعنهما حقق الدكتور الفاضل/ «عبد القيوم عبد رب النبي» الكتاب، وطبع ضمن مطبوعات المركز سنة ١٤٠٦ هـ، وانظر مقدمة المحقق للكتاب/ ص ٤٢ - ٤٤.
(٣) سيأتي التعريف به.
[ ٣ / ١٠٦٦ ]
بيان نصوص الكتاب الموجودة في «لسان الميزان» لابن حجر، وتحريرها:
أما أكبر قدر من نصوص الكتاب، فقد وقفت عليه في كتاب «لسان الميزان» لابن حجر العسقلاني، حيث ذكر في مقدمته: «أنه اختصر كتاب «الميزان» للذهبي، بحذف من ذكروا فيه، وهم مذكورون في «تهذيب الكمال للمزي»، وزاد بدلهم تراجم أخرى، ووضع عليها علامة (ز)»، وأردف قائلا: «ثم وقفت على مجلد لطيف لشيخنا حافظ الوقت أبي الفضل بن الحسين، جعله ذيلا على الميزان، وذكر فيه من تكلم فيه، وفات صاحب «الميزان» ذكره، والكثير منهم، من رجال التهذيب، فعلمت على من ذكره شيخنا في هذا الذيل صورة (ذ)، فيه، إشارة إلى أنه من الذيل لشيخنا، وما زدته في أثناء ترجمة، ختمت كلامه بقول: انتهى، وما بعدها فهو من كلامي» (^١).
ومما ذكره ابن حجر نفهم أن كتاب العراقي اشتمل على عدد كثير ممن ذكرهم المزي في كتابه «تهذيب الكمال» وهو يضم رجال الكتب الستة المعروفة وعددا آخر من المصنفات لأصحاب الكتب الستة أيضا. ونفهم كذلك أن ابن حجر لم يذكر من هؤلاء أحدا، لأن من منهجه في الاختصار كما قدمت، حذف المذكورين في «التهذيب»، لكني وجدته ذكر بعض التراجم ليستدرك فيها على العراقي (^٢).
وبذلك يكون من ذكرهم من كتاب شيخه العراقي، أغلبهم ممن لم يذكروا في «تهذيب الكمال»، وعليه فهم يمثلون الجهد الأكبر للعراقي، في البحث،
_________________
(١) «لسان الميزان» ج ١/¬٤.
(٢) انظر «اللسان» ج ٢/ ٧٢٢.
[ ٣ / ١٠٦٧ ]
والتنقيب، لجمعهم من المصادر العديدة، كما أن هذا يرد قول بعض الباحثين الفضلاء: إن ابن حجر ذكر في كتابه ذيل شيخه العراقي كله (^١).
ويفهم من كلام ابن حجر أيضًا، أنه كما نقل من كتاب شيخه تراجم كاملة، فقد نقل أيضًا بعض نصوص متفرقة، وختمها بقوله: انتهى، وكتاب (لسان الميزان) الذي ضمنه ابن حجر بعض التراجم والنقول من كتاب شيخه، يقع في ٦ مجلدات في الطبعة الهندية، وقد توزعت تلك التراجم والنقول في الكتاب كله، حسب ترتيبه المعجمي، ولذا عانيت كثيرًا لتحديدها، حتى أبحث كتاب العراقي من خلالها، لافتقاد أصله حين إنجاز هذا البحث كما أشرت.
وقد وجدت عدد التراجم الكاملة التي عليها علامة ذيل العراقي يبلغ ١٥٢ ترجمة، أما التراجم التي نقل ابن حجر في أثنائها، فتبلغ ٣٤ ترجمة، فالمجموع ١٨٦ ترجمة، لكنه ظهر لي بالفحص أن ما ذكره ابن حجر من علامة الترجمة الكاملة المأخوذة عن ذيل شيخه، وهي «ذ» وعلامة النقل في الأثناء وهي: «انتهى» كلاهما غير مطرد الوجود والإنضباط في طبعة «لسان الميزان» المتداولة حاليًا، فهناك تراجم عليها علامتي ذيل العراقي وزيادة ابن حجر وهما: «ذ» و«ز» (^٢) وبعض تراجم عليها علامة «ذيل» العراقي، ثم تكرر بعضها، وعليها علامة زيادة ابن حجر (^٣).
_________________
(١) «الحديث والمحدثون» لأستاذنا الدكتور محمد أبي زه» / ٢٦٢ وبمراجعة طبعة الذيل الحالية نجد عدد تراجمه (٧٩٩) في حين يقل عدد ما ذُكِرَ منه في اللسان عن ذلك كثيرًا.
(٢) انظر «اللسان» ج ١ تراجمة/ ١٣٦٥.
(٣) انظر «اللسان» ج ٢ ترجمتي/ ٥١١، ٥٤٧.
[ ٣ / ١٠٦٨ ]
وهناك تراجم تُعَدُّ من ذيل العراقي، وليس عليها علامته مثل «جميل بن جرير عن عبد الله بن يزيد، فقد ذكر بدون علامة (^١)، ثم ذكر «عبد الله بن يزيد» وعليه علامة ذيل العراقي، وقال ابن حجر بعد ذكر كلام شيخه: قلت: «استدركه شيخنا تبعًا لابن حزم وقد ذكر ما يرد على ابن حزم من ذلك في ترجمة جميل» (^٢).
فهذا يدل على أن ترجمة جميل هذه من ذيل العراقي، وهي مشتملة فعلًا على رده على ابن حزم، كما أنني رجعت للميزان فلم أجد ترجمة «جميل» فيه، والمعروف أن ما ليس عليه علامتي زيادة ابن حجر. ولا ذيل العراقي، فهو من «الميزان» كما قدمت في بيان اصطلاح ابن حجر». وهناك أمثلة أخرى (^٣)
كذلك وجدت بعض التراجم عليها علامة ذيل العراقي، ومضمونها مصرح بأنها من «ميزان الذهبي»، حيث أحال فيها على كتابه المعروف بـ «تذكرة الحفاظ» (^٤).
وهذا كله لم أجد من نبه عليه من قبلي، ومنه يتضح أن تحديد ما استمده ابن حجر في «اللسان» من كتاب شيخه العراقي، بناء على طبعة «اللسان» الهندية المتداولة حاليًا، غير دقيق ولا محرر، ولذلك اعتمدت في بحثي على الاطلاع التفصيلي على التراجم، مع المقارنة بميزان الذهبي، وهكذا ينبغي أن
_________________
(١) «اللسان» ج ٢/ ترجمة/ ٥٧٧.
(٢) «اللسان» ج ٣ ترجمة ١٥١٠ مع ذيل الميزان للعراقي/ ١٧٣ ترجمة (٢٥٤)، وقد ذكرت هذا المثال استنتاجًا مني، قبل ظهور الذيل واطلاعي عليه. فلله الحمد والشكر.
(٣) انظر «اللسان» ج ٤ ترجمة ٦٦٤ ج ٦ ترجمتي/ ٢٣٨، ١١٧٣.
(٤) انظر «اللسان» ج ١/ ترجمة ٧٢٢.
[ ٣ / ١٠٦٩ ]
يفعل الذين يعتمدون على «اللِّسان» في بحوثهم، حتى لا ينسبوا شيئًا لغير قائله.
ثم إني وجدتُ العراقي قد بيَّن أحوال عدد من الرجال في سياق تراجم غيرهم لاشتراكهم في سند واحد، أو في حالة واحدة (^١)، وقد يقوم الحافظ ابن حجر بتجريد بعض هؤلاء، ويستوفي الكلام عليهم، ويعدهم من زياداته (^٢) وبناء على ذلك أقرر: أنه إذا كان ما أحصيته من التراجم التي استمدها ابن حجر، أو استمد فيها من شيخه العراقي، قد بلغ ١٨٦ ترجمة، فإنه يمكن القول: إنها تزيد في الواقع على مائتين، وهذا القدر يوازي ثلث ما زاده ابن حجر في «اللِّسان» جميعه، على «ميزان الذهبي»، حيث ذكر تقي الدين الفاسي قرين ابن حجر وتلميذه: أن زياداته في «اللِّسان» على ما في «الميزان» تزيد على ٦٠٠ ترجمة (^٣).
مصادر العراقي في «ذيل الميزان»، وكيفية اعتماده عليها:
قدمت من قبل قول ابن حجر: إن كثيرًا ممن ذكرهم شيخه في الذيل هم من رجال «التهذيب»، ومعنى ذلك أن «تهذيب الكمال» للمزي يُعدُّ في مقدمة المصادر التي استخدمها العراقي في محتوى كتابه، أما باقي المصادر فقد وقفت عليها بالفحص التفصيلي للتراجم والنقول التي ذكرها ابن حجر من «الذيل في اللِّسان».
_________________
(١) انظر «اللِّسان»: ج ١/ ٤١٥.
(٢) انظر ج ١/ ٤١٧، ٣٩٦.
(٣) انظر «ذيل التقييد» للتقي الفاسي ١/ ١٢٢ ب.
[ ٣ / ١٠٧٠ ]
وقد تبيّن لي أنها تزيد على خمسين كتابًا، من الكتب الأصلية: في علم الرجال، وفي متن الحديث، وعلله، كما أنها من مؤلفات المتشددين في الجرح والتعديل، والمتوسطين، والمتساهلين، والثقات من علماء الشيعة، والمتقدمين، والمتأخرين، حتى عصر العراقي.
وأكثر من اعتمد عليهم من كل هؤلاء: الإمام البخاري في «تاريخه» (^١)، وأبو حاتم الرازي وابنه، كلاهما في كتاب «العلل» (^٢)، وأبو سعيد بن يونس مؤلف «تاريخ مصر» الذي يعد حاليًا في حكم المفقود (^٣)، وأبو عبد الله بن مندة في «الأسماء والكنى» وفي «معرفة الصحابة» (^٤)، والترمذي في «العلل» (^٥)، وابن عدي في «الكامل» (^٦)، وابن حبان في «صحيحه»، وفي «الثقات»، وفي «الضعفاء» (^٧)، والخطيب البغدادي في «المتفق والمفترق»، وفي «تاريخ بغداد»، وفي الرواة عن مالك (^٨)، والدارقطني في «السنن»، وفي «العلل»، وفي «المؤتلف والمختلف»، وفي «غرائب مالك» (^٩)، وابن عبد البر في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»،
_________________
(١) انظر «اللسان» ج ١/ ترجمتي ٥٩، ١١٢٦.
(٢) انظر «لسان الميزان» ج ٣ ترجمتي ١٣٢٩، ترجمة ١٣٩١.
(٣) «اللسان»، ج ١/ ٣٦٨، ٤٣٩، ج ٤/ ٢٤٠.
(٤) «اللسان»: ج ١/ ٣٦٢، ج ٢/ ١٦٢.
(٥) «اللسان»: ج ٢/ ٨٩.
(٦) «اللسان»: ج ٦/ ٢٨٥.
(٧) «اللسان»، ج ١/ ٣٤١، ج ٢/ ٨١، ج ٤/ ٤٢٥.
(٨) «اللسان»، ج ١/ ١٢٦، ٣٤٣، ج ٢/ ٢٤٧ وج ٣/ ٣٧٤.
(٩) «اللسان»: ج ١/ ٩٩٥، ١٠٢٥، ج ٢/¬١٠، ١٢٢، ١٣٢، ١٨٤، ٤١٣.
[ ٣ / ١٠٧١ ]
وفي «جامع بيان العلم وفضله» (^١)، والطبراني في «معجميه الأوسط والصغير» (^٢)، والطوسي في «رجال الشيعة» (^٣)، وابن الجوزي في «المنتظم» وفي «الموضوعات» (^٤)، وأبو الحسن علي بن القطان في «الوهم والإيهام» (^٥)، وعبد الحق الأشبيلي في كتابه «الأحكام» (^٦)، وابن حزم في «المحلى» (^٧)، والبزار في «مسنده» (^٨)، وابن ماكولا في «المؤتلف والمختلف» (^٩)، والذهبي في «الميزان»، وفي «المغني في الضعفاء» و«ذيله» (^١٠).
وأما طريقة اعتماده على هذه المصادر وغيرها، فلم يكن مُجرَّدَ ناقل وجامع، رغم أن ذلك في حد ذاته كان له قيمته في عصره، إنقاذًا للتراث من الضياع كما أشرنا في حالة العصر العلمية، وكما ذكرت من مراجعه التي لا نجد كثيرًا منها اليوم، ولكن العراقي بجانب معاناته في جمع النصوص وترتيبها، وتكملة بعضها ببعض، كما سنوضحه في الأمثلة، كانت له شخصيته:
_________________
(١) «اللسان» ج ١/ ٣٤١، ج ٢/ ١٥٦.
(٢) «اللسان» ج ٢/ ١٦٢، ج ٦/ ٦٢.
(٣) «اللسان» ج ٢/¬١٠، ٢٤، ١٨٢.
(٤) «اللسان» ج ١/ ٤٣٧، ج ٢/ ١٦٢.
(٥) «لسان الميزان» ج ١ ترجمة ٦٧٨، ج ٦/ ترجمة/ ١٠٠٢.
(٦) «اللسان» ج ١ ترجمة/ ٦٤٧.
(٧) ج ١/ ٤٣٩.
(٨) «اللسان» ج ١/ ٥٥.
(٩) «اللسان» ج ٢/¬١٠، ٨٧.
(١٠) «اللسان» ج ١/ ترجمة ١٠٣٥ ج ٢/ ترجمة ١٧٦٣.
[ ٣ / ١٠٧٢ ]
الواضحة، حيث نجده تارة يقر من ينقل عنه، وتارات يتعقبه بالرد، أو التصويب، أو الترجيح، أو التضعيف، أو المقارنة بغيره، كما سيأتي في بيان منهجه وآرائه.
ومما يصور دقته: أن بعض الأسماء المشتبهة رجع فيها لثلاث نسخ من كتاب واحد، للتأكد من عدم التحريف أو التصحيف (^١)، على أني وجدت بعض تراجم قليلة، لم يحدد مصدره فيها كلية (^٢).