القسم الأول: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة
القسم الثاني: اثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علوم رجال السنة
[ ٢ / ٦٥٧ ]
ألف العراقي في هذين الجانبين مؤلفات متعددة قائمة بذاتها، وضمنها خلاصة جهود وآراء من قبله، مضيفًا إلى ذلك جهوده وآراءه.
كما قدم بحوثًا وآراء متفرقة في بقية مؤلفاته في جوانب علوم السنة الأخرى الآتي بيانها بعد، وفي أماليه المنثورة، وإجاباته عن بعض الأسئلة والفتاوى الحديثية وفي دروسه ومناقشاته مع طلابه وغيرهم للتوضيح والتفهيم، وتعد هذه المتفرقات مكملات لأثره ظفي جانبي المصطلح وعلم الرجال، لكني سأركز هنا على تناول ما هو قائم بذاته، وما قد يحتاجه البحث من المتفرقات لأن إيراد العراقي لما يتعلق بالمصطلح وعلم الرجال في بقية مؤلفاته وبحوثه الأخرى إيراد إضافي لأجل بعض المناسبات، كالاستدلال أو التطبيق العملي أو كعنصر مكمل.
ولهذا فإني سأتناول مثل هذا ضمن الإطار العام للموضوع الأصلي للكتاب أو البحث الذي يرد فيه، كما أن مؤلفاته في جانبي المصطلح وعلم الرجال تحتوي بدورها على ما يتعلق بغيرهما من بقية علوم السنة التي خصها العراقي بمؤلفات وبحوث مستقلة؛ نظرًا لأن علوم السنة يُكمل بعضها بعضًا وسأتناول ذلك أيضًا في إطار المؤلفات التي ورد فيها بطريق التبع، وأحيل ما يمكن إحالته على ما يتصل به، رعاية للوحدة الموضوعية.
هذا وقد رأيت تناول ما للعراقي في جانبي المصطلح وعلم الرجال على النحو التالي:
[ ٢ / ٦٥٩ ]
القسم الأول: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة
[ ٢ / ٦٦١ ]
١ - ألفيته في المصطلح وآثارها
أ - ترتيبها بين مؤلفاته ونسبتها إليه وزمن تأليفها وتبييضها:
قدمت في الرحلة الثالثة من رحلات العراقي الحجازية أن هذه الألفية هي باكورة مؤلفاته في قواعد علوم السنة المصطلح عليها بين علمائها، فلم يُعرف له في ذلك مؤلف قبلها.
كما ذكرت هناك تصريحه بنسبتها إلى نفسه، ومر أيضًا في نشاطه العلمي وفي التعريف بأهم تلاميذه وتأثيره فيهم، إثبات نسبتها إليه وتلقيها عنه، وقد نص في أولها على نسبتها إليه فقال:
يقول راجي ربه المقتدر … عبد الرحيم بن الحسين الأثري (^١)
وفي المباحث التالية سيأتي مزيد لذلك.
أما زمن تأليفها، فقد ذكر العراقي في نهاية شرحه المتوسط لها أنه فرغ منها بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وذلك في ٣ جمادى الآخرة سنة ٧٦٨ هـ (^٢).
وهكذا جاء في نهاية عدد من نسخها الخطية (^٣)، وجرى عليه صاحب «كشف الظنون» وغيره (^٤).
لكن البحث أوقفني على أن التاريخ المذكور هو تاريخ الفراغ من تسويدها
_________________
(١) انظر «الألفية» ضمن مجموعة مطبوعة بعنوان نفائس ص ١٦٩.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٦٥.
(٣) انظر آخر النسخة رقم (٣٢١) مصطلح دار الكتب.
(٤) «كشف الظنون» / ١٥٦ وفهرس مكتبة الأزهر ج ١ علم مصطلح الحديث مادة وألفية؟.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فقط، وأن المؤلف قد بيضها بنفسه في تاريخ لاحق، فقد عثرت في نهاية إحدى النسخ الموثقة للألفية (^١) على ما نصه: (قال ناظمها .. فرغت منها يوم الخميس المبارك ٣ جمادى الآخرة بالمدينة الشريفة … وأكملت تبييضها في يوم الثلاثاء ١٤ رجب سنة تاريخه) أي في نفس ٧٦٨ هـ، وهذا مما ينبغي إبرازه والتنبه له؛ لأن تحديد تاريخ تبييض الكتاب وتعيين القائم بالتبييض له أهميته في تحقيق نصوص الكتاب وترجيح أصوله الخطية عند الاختلاف وعندما يباشر المؤلف بنفسه التبييض كما هنا، تكون المبيضة أوثق من المسودة وأصح، باعتبارها الصورة النهائية التي اعتمدها المؤلف للكتاب وكثيرا ما تختلف نسخ الكتاب الواحد الاختلاف مسودة الكتاب عن مبيضته، أو لكونه لم يبيض بواسطة المؤلف.
وقد وقع فعلا بين نسخ هذه الألفية اختلاف في بعض النصوص واختلف تبعا لذلك المعنى المستفاد، كما سيأتي في بحث شروحها وحواشيها، وقد دعم البعض رأيه بموافقة ما ذكره لنسخة المؤلف.
ومن هنا كان التوصل لتاريخ تبييض الألفية وإثبات مباشرة العراقي لذلك بنفسه مما له أهميته في مجال اختلاف النسخ وترجيح نصوص المتأخر عن تاريخ التبييض على المتقدم عنه، خاصة وأنه بدئ في نسخ هذه الألفية وتدوالها منذ فراغ المؤلف منها بالمدينة كما قدمنا في الرحلة الحجازية الثالثة.
ب - تعدد تسمية العراقي وغيره للألفية، وأهم نسخها الخطية في العالم:
مع أن الاسم هو عنوان الكتاب وأول مميزاته عن غيره، فإن العراقي لم.
_________________
(١) سيأتي التعريف بها.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
يُصرّح في نفس الألفية بتسميتها، كما فعل في بعض ما عني بتسميته من مؤلفاته، لكنه قال في إجازته لتلميذه ابن حجر كما قدمنا: «.. وقرأ علي الألفية المسماة بـ «التبصرة والتذكرة» من نظمي» (^١).
فنص بذلك على وصفها بـ «الألفية»، وتسميتها بـ «التبصرة والتذكرة». أما في مقدمة شرحه المتوسط لها فقد قال بعد بيان ضرورة العناية بمعرفة علم المصطلح: «وقد نظمت فيه أرجوزة ألفتها ولبيان اصطلاحهم ألفتها (^٢) فأطلق عليها «أرجوزة»»، وكذلك قال في آخر شرحها المذكور: «.. وكملت هذه الأرجوزة بطيبة …» (^٣).
وأشار في عبارته السابقة بقوله: «ألفتها» الأولى، إلى عدد أبياتها أي جعلتها ألفا (^٤)، وعليه يكون قوله: «أَلْفتُها» الثانية بمعنى نَظَمْتُها. وصرح في آخر بعض النسخ التي قُرئت عليه من شرحه لها بتسميتها بالألفية فقال: «قرأ علي هذا الشرح على (الألفية) في علم الحديث .. الخ» (^٥).
وقد نتج من تعدد تسمية العراقي لها على هذا النحو، تعدد الأسماء التي تذكر بها في المجال العلمي والتاريخي عند النقل عنها أو التعريف بها، كما تعددت عناوين نسخها الخطية والطباعية، وتعدد تبعا لذلك ما تذكر به في
_________________
(١) «الجواهر والدرر» ٥/ ٥٢ أ، ب.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/¬٦.
(٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ١٦٤.
(٤) انظر «النكت الوفية» للبقاعي/ ٣ أ، و(حاشية ابن قطلوبغا الحنفي على شرح العراقي المتوسط) للألفية/ ٣٩ أ.
(٥) انظر آخر نسخة الشرح برقم (٨٤) مصطلح بمكتبة الأزهر.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
فهارس مكتبات العالم التي هي من مفاتيح البحث الهامة والمتداولة، وقد جعل هذا التعدد في الاسم بعض المختصين بدراسة السنة، فضلا عن غيرهم يعدون هذه الألفية كتابين، لا كتابًا واحدًا كما سنذكره.
لهذا رأيت لزوم بحث تسميتها وتتبع ورودها في أهم المصادر العلمية المتداولة والتعريف بأهم النسخ الخطية التي تحمل عناوينها وتسميتها المتعددة لتتضح الحقيقة ويرتفع اللبس لدى الباحثين من بعدي، فتسميتها بـ «الألفية» و«الأرجوزة» مرجعه للمنهج الشكلي، والكمي في تأليفها، فقد صاغها العراقي في قالب شعري، على وزن أحد بحور الشعر العربي المعروفة وهو بحر الرجز (^١). ولذلك أطلق عليها «الأرجوزة» كما بلغت كميتها ألف بيت مزدوج حيث جعل العراقي آخر الشطر الأول في جميعها، مثل آخر الشطر الثاني مثل قوله في مقدمتها:
«من بعد حمد الله ذي الآلاء … على امتنان جل عن إحصاء» (^٢)
وما كان كذلك يُسمَّى «مشطور الرجز» ويُعدُّ كل شطر بيتا مستقلا على المختار عند العروضيين (^٣).
وبذلك كان عدد أبياتها ألف بيت مزدوج، وسميت لذلك بـ «الألفية» ويعد هذا الاسم أشهر ما أطلق عليها، وعرفت به في الوسط العلمي، منذ عصر المؤلف، ورغم أن له ألفيتين أخريين في غير المصطلح كما سيأتي، إلا
_________________
(١) انظر: «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي»، للأنصاري/ ٣ ب.
(٢) انظر «الألفية»، ص ١٦٩.
(٣) انظر «المختصر الشافي على متن الكافي»، للشيخ محمد الدمنهوري ص ٢٠.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
أنه إذا أُطلقت «ألفية العراقي» خاصة في مجال علوم السنة، كانت هي المقصودة، ولهذا يقول الغزي في ترجمة العراقي: «ونظم علوم الحديث لابن الصلاح، المسماة اليوم بـ «الألفية»» (^١).
وذكر في ترجمة أحد علماء الحديث المتوفى سنة ٨٤٠ هـ أنه قرأ أرجوزة العراقي المسماة بالألفية في علوم الحديث (^٢).
أما الحافظ ابن حجر فيقول في إجازته لبعض تلاميذه: «قرأ علي جميع هذه المنظومة «الألفية» من نظم شيخنا … العراقي» (^٣).
وقال السخاوي أيضًا: ومن تصانيفه: «الألفية» في علوم الحديث (^٤).
ومثله قال الشوكاني (^٥) والمناوي (^٦) وصاحب «معجم المؤلفين» (^٧).
وقد ذكرت بهذا الاسم عدة نسخ خطية في فهارس مكتبات العالم مثل: النسخة رقم ٤٥٥ أصول الحديث، بفهرس مكتبة «ولي الدين» باستانبول وذكر أن عدد أوراقها ٨٨ ورقة وعدد سطور الصفحة منها ١٣ سطرًا. وأنبه هنا إلى أن المفهرس اختلط عليه العراقي بولده ولي الدين أبو زرعة، فذكر
_________________
(١) (بهجة الناظرين) ٤/ ١٣٠ وقوله: اليوم يعني زمنه وقد أتم كتابه الذي ذكر فيه ذلك سنة ٨٤٢ هـ.
(٢) (بهجة الناظرين) ١/¬٤٠.
(٣) انظر آخر نسخة الألفية، مخطوطة برقم (٨٨٠) مجاميع طلعت بدار الكتب المصرية.
(٤) «الضوء اللامع،» ج ٤/ ١٧٣.
(٥) (البدر الطالع)، ج ١/ ٣٥٤.
(٦) (مقدمة شرحه الموجز لألفية العراقي في السيرة).
(٧) جـ ٥/ ٢٠٤.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وفاته سنة ٨٢٦ هـ (^١) وهو تاريخ وفاة ولده كما قدمنا، فليتنبه لذلك.
أما البقاعي فأطلق عليها «الألفية الحديثية» (^٢).
وقال السيوطي «ألفية الحديث» (^٣) ويرجع هذا لقول العراقي في مقدمتها:
… تُوضِّحُ من علم الحديث رَسْمَه (^٤).
وقد ذكر بعنوان «ألفية الحديث»، هذا عدة نسخ خطية:
منها: نسخة بالمكتبة الظاهرية بدمشق برقم (٣٩٥) علم الحديث (^٥).
ونسخة بمكتبة مدرسة (الحجيات) بالموصل ضمن مجموعة برقم (٥٣) (^٦).
وذكرها الزركلي في مؤلفات العراقي بقوله: «الألفية في مصطلح الحديث» (^٧).
وقد فهرست عدة نسخ منها بنحو هذا منها: نسخة بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء باليمن الشمالي تحت رقم (٤٦) لغة، ومنها صورة ميكروفيلمية بدار الكتب المصرية برقم (٣٧١) (^٨).
_________________
(١) انظر الكتاب رقم ٤٥٥ بفهرس مكتبة ولي الدين باستانبول ط استانبول سنة ١٣٠٤ هـ.
(٢) (النكت الوفية) / ١ ب.
(٣) «شرح السيوطي المسمى قطر الدرر في شرح ألفية العراقي في علم الأثر» / ١ أ.
(٤) انظر الألفية ضمن مجموعة نفائس/ ١٦٩.
(٥) انظر: الفهرس القديم للمكتبة الظاهرية (علم الحديث).
(٦) انظر فهرس مخطوطات الموصل للدكتور داود الجلبي/ ١٠٢.
(٧) والأعلام، للزركلي ج ٤/ ١١٩، ١٢٠.
(٨) انظر: «قائمة المخطوطات المصورة لدار الكتب المصرية من اليمن» (علم الحديث).
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وقد اطلعت على هذه الصورة فوجدتُ عنوان النسخة «ألفية العراقي» وهي تُعتبر أقدم النسخ التي وقفت عليها، حيث أُثْبِتَ في نهايتها الفراغ من نسخها يوم السبت ٣ من شوال سنة ٧٧٥ هـ تجاه الكعبة المعظمة، أي أنها كتبت في حياة المؤلف وبعد قرابة ٧ سنين من تأليفها، كما أثبت بعدة هوامش من صفحاتها أنها قوبلت بغيرها (^١) وأثبتت بالهوامش بعض تصحيحات للأصل.
والنسخة مكتوبة بخط النسخ مع ضبط معظم كلماتها بالحركات، وعدد أوراقها ٤٥ ورقة متوسطة الحجم، وعدد سطور الصفحة ١٣ سطرا. وتوجد نسخة أخرى بمكتبة المسجد الأحمدي بطنطا برقم (١١٢) خ (١٣٣٣) ع وذُكرت في فهرس المكتبة بعنوان «ألفية العراقي في المصطلح» وخطها نسخ جيد مكتوب سنة ١٠٦٣ هـ (^٢).
وبنفس العنوان السابق ذُكرت نسخة أخرى موجودة بمكتبة البلدية بالإسكندرية ضمن مجموعة خطية برقم (٢٨٢٥ - ج) (^٣).
وفي بعض الفهارس ذُكرت عدة نسخ خطية بعنوان «ألفية العراقي» فقط دون أي إيضاحات، سوى وضعها في الفهرس ضمن علم الحديث وأصوله فمن ذلك: نسخة ذُكرت بفهرس المكتبة الأحمدية بحلب تحت رقم (٣٥٤) فن الحديث وعلومه، وأنبه هنا إلى أنه قد ذكر بنفس الفهرس بعد تلك النسخة، نسخة أخرى بعنوان مغاير، كما سيأتي ذكرها، ولم ينبه
_________________
(١) انظر هامش ورقتي/ ٦ ب، ١٣ ب وغيرهما.
(٢) انظر: فهرس مخطوطات المسجد الأحمدي، إعداد الدكتور النشار وآخرين (فن الحديث والمصطلح).
(٣) وفهرس الفنون المنوعة بالمكتبة» / لأحمد أبو علي.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
المفهرس على أنهما نسختان لكتاب واحد وإن «اخْتَلَفَ» العنوان، وهذا يجعل غير الخبير بتعدد أسماء هذه الألفية، فضلا عن باقي مؤلفات العراقي يظن أنهما كتابان لا كتاب واحد، ما لم يطلع على النسختين ويقابلهما بعضهما ببعض، وذلك ما لا يتاح لكل من يطلع على الفهرس المذكور.
ولقد وجدت الشيخ محمد عبد الحي الكتاني ﵀ وكان من المختصين بعلوم السنة - يُعد ألفية العراقي هذه، كتابين، لتعدد الاسم حيث قال في ترجمة العراقي: «ومن تأليفه الألفية الاصطلاحية والحديثية، وقد سارت بهما الركبان في كل مكان وزمان وشرحهما» (^١) مع أن الواقع كما ذكرت أنها كتاب واحد متعدد العنوان، وقد شرحها العراقي كما سيأتي بشرحين، لذلك كان على مفهرس المكتبة الأحمدية بحلب - وهو من المختصين بالسنة - وبتحقيق تراثها (^٢). كما أن على غيره من ذوي الخبرة بتراث السنة أن يُنبهوا على أن التعدد في العنوان فقط، دفعا لمثل هذا اللبس الذي حدث لمتخصص مثل الكتاني فضلا عن سواه.
ولعل هذا يوضح أهمية تتبعي للعناوين المتعددة لهذه الألفية، سواء في نسخها الخطية وطبعاتها أو في فهارس المكتبات الموجودة بها، أو في المصادر العلمية، وهناك نسخة أخرى بمكتبة «نور عثمانية» باستانبول برقم (٦١٩) (أصول الحديث) وتقع في مجلد بخط مختلف. وقد ذكرت في فهرس المكتبة بعنوان «ألفية العراقي» دون أي إيضاحات.
_________________
(١) انظر: فهرس الفهارس والأثبات، للكناني جـ ٢/ ١٩٨.
(٢) هو الشيخ محمد راغب الطباخ ﵀ كما وقع بخطه في نهاية الفهرس الموجودة صورته (بالفوتوستات) بمعهد المخطوطات بالقاهرة.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
أخرى، بل ذكر المفهرس وفاة العراقي سنة ٨٠٥ هـ (^١) وهو خلاف المتفق عليه كما مر ذكره. ويذكر صاحب «كشف الظنون» هذه الألفية بقوله: ألفية العراقي في أصول الحديث (^٢).
وقد وجدت عدة نسخ خطية بهذا العنوان منها: نسخة بمكتبة المدرسة الأحمدية بالموصل، كتبت سنة ٩٧١ هـ وهي رقم ٢ في مجموعة برقم (٢١٩) (^٣) وأنبه هنا إلى أنه قد ذكرت بالفهرس نسخة أخرى قبل هذه النسخة برقم (٨٩) (^٤) وهي موجودة بنفس المكتبة ومعنونة بـ «أصول الحديث» للعراقي ومكتوبة سنة ٨٥٣ هـ، ولم ينبه المفهرس إلى أنهما نسختان لكتاب واحد منعًا للاختلاط، وظنَّ غير المحيط بمؤلفات العراقي أنهما كتابين كما أشرت من قبل، فليتنبه لذلك من يطلع على هذا الفهرس وأمثاله.
وتوجد نسخة أخرى بمكتبة مدرسة «الخياط» بالموصل أيضًا، وعنوانها «ألفية العراقي في أصول الحديث»، ورقمها في المكتبة (٤٧) (^٥).
وهناك نسخة أخرى بدار الكتب الوطنية بلبنان برقم (٨٤) / ٢٤١٢ رقم تنسيقي، وهي ضمن مجموعة تبلغ ٤٣ ورقة (^٦).
وتوجد نسخة خطية أيضًا بمكتبة الجمعية الآسيوية بالبنغال، وتقع في مجلد
_________________
(١) انظر: فهرس المكتبة، المطبوع ص ٣٦.
(٢) وكشف الظنون» / ١٥٦.
(٣) انظر: فهرس مخطوطات الموصل» / ٣٨.
(٤) المصدر السابق/ ٢٨.
(٥) انظر: فهرس المخطوطات الموصل» / ١٤٣.
(٦) انظر: فهرس المخطوطات بدار الكتب بلبنان، ج ١/ ٥٣.
[ ٢ / ٦٧١ ]
بخط نسخ، تحت رقم (٦٠٥) قديم (و[١٢/ A.b] جديد) (^١).
وإذا كانت التسمية بـ (الألفية) مضافة للعراقي أو الموضوعها وهو علوم الحديث أو مصطلحه أو أصوله، قد اشتهرت على هذا النحو، فإنه يلي هذه التسمية في الشهرة، اسم (التبصرة والتذكرة) الذي صرح به المؤلف خارج الألفية كما قدمنا، وقد توصف مع ذلك بالقصيدة، فيقال: «القصيدة المسماة بـ (التبصرة والتذكرة) في علم الحديث» (^٢) أو بالألفية أيضًا مثل قول ابن فهد في بيان مؤلفات العراقي … . والألفية المسماة بـ «التبصرة والتذكرة» (^٣).
وقد ذكر السخاوي بعد أن أطلق عليها «ألفية الحديث» (^٤) أن قول العراقي في مقدمتها:
«نظمتها تبصرة للمبتدي … تذكرة للمنتهي والمسند»
قد أشير فيه بـ «التبصرة والتذكرة» إلى لقب هذه المنظومة.
وقال الشيخ زكريا الأنصاري في مقدمة شرحه لها: «وبعد فإن ألفية علم الحديث المسماة بالتبصرة والتذكرة …». ثم قال مثل السخاوي: إن العراقي أشار بـ (التبصرة والتذكرة) في البيت السابق إلى اسم منظومته (^٥).
وقد أقرهما على ذلك الطوخي في حاشيته على شرح الأنصاري (^٦).
_________________
(١) انظر: فهرس المكتبة المذكورة: جـ ١/¬٦.
(٢) انظر النسخة الخطية بدار الكتب المصرية برقم ٨٨٠ مجاميع طلعت هامش ورقة ٩ ب.
(٣) «لحظ الألحاظ» / ٢٣٠.
(٤) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١ ص ١٣.
(٥) «فتح الباقي» للأنصاري/ ٣ ب.
(٦) حاشية الطوخي نسخة رقم ٦٠٢ مصطلح الأزهر ٥ أ.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
أما العدوي في حاشيته على شرح الأنصاري أيضًا، فعارض ذلك قائلًا: «إن قول المصنف نظمتها تبصرة … الخ لا يقتضي تسميتها بذلك. إلا أن يُقال: ثبت عند الشارح أي الأنصاري، أن المصنّف، أي العراقي سماها بذلك (^١).
وفي تقديري أن هذه المعارضة من العدوي في محلها؛ لأن قول العراقي:
(نظمتها تبصرة .. الخ) بيان لهدفه من تأليفها، وليس إشارة لتسميتها ولكن المعول عليه هو تصريحه بهذه التسمية، وقد ثبت ذلك عنه في خارج الألفية كما قدمنا، وبذلك تحقق للعدوي مطلبه.
وقد ذُكرت بعض النسخ الخطية باسم «التبصرة والتذكرة» هذا، منها: نسخة بالمكتبة الأحمدية بحلب برقم (٣٦٢) (حديث وعلومه) وقد أشرت من قبل إلى أنه ذُكر بفهرس المكتبة نسخة أخرى قبل هذه باسم «ألفية العراقي» ولم ينبه المفهرس على أنهما نسختان لكتاب واحد وإن اختلف العنوان، منعًا للاشتباه كما أسلفت، فليكن في بياني هذا دفع لهذا اللبس عن الباحثين في فهرس المكتبة المذكورة وما يشابهه.
وهناك نسخة أخرى بمكتبة (قاضي عسكر) بتركيا، وقد ذكرت بعنوان تبصرة العراقي» تحت رقم (٣٤٨) (علم الحديث وأصوله)، ولم يذكر المفهرس أي إيضاحات أخرى عنها (^٢) بل إن الشيخ طاهر الجزائري ﵀ وهو من علماء السنة، عمل فهرسًا لنوادر المخطوطات ووقفت عليه بخطه، وذكر نفس هذه النسخة فيه برقم (٦٠) بنفس العنوان
_________________
(١) انظر (حاشية العدوي) / مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم (٢١٥٩٦) ب آ هـ ب.
(٢) «فهرس المكتبة المطبوع» ٤/¬٣٠.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
السابق دون أي إيضاح من جانبه (^١)
وتوجد نسخة أيضًا بدير الاسكوربال بأسبانيا برقم (١٤٨٩) وعنوانها «كتاب التبصرة والتذكرة» للحافظ العراقي (^٢).
وأفيد ما ذكرت به الألفية في المصادر العلمية أو الفهارس، هو الجمع بين «التبصرة والتذكرة» و«الألفية» على أنهما اسمان لمسمى واحد وبهذا يندفع الاشتباه، وحسبان التعدد كما مر.
وممن فعل ذلك مؤخرًا: كارل بروكلمان الألماني، حيث ذكر أول مؤلفات العراقي قائلًا: «التبصرة والتذكرة» أو «الألفية» في مصطلح الحديث.
وذكر عدة نسخ خطية بمكتبات العالم، منها نسخة بالمتحف البريطاني برقم (١٥٩٨) (^٣) ومثل ذلك فعل الدكتور محمد أسعد طلس في فهرسة بعض النسخ الموجودة بمكتبة الأوقاف العامة ببغداد (^٤).
وجرى على ذلك أيضًا مفهرسو دار الكتب المصرية فقالوا: «ألفية العراقي في أصول الحديث»، المعروفة بتبصرة المبتدي، وتذكرة المنتهي، وأوردوا عدة نسخ خطية منها (^٥).
ثم ذكروها ثانيًا بعنوان «تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي» وقالوا: وهي المشهورة بألفية العراقي، وأحالوا على النسخ المتقدمة (^٦).
_________________
(١) : فهرس منتخبات الشيخ طاهر الجزائري، ج ٢/ ٥٨.
(٢) انظر: فهرس الاسكوربال، ج ١/ ١٠٢.
(٣) انظر: تاريخ الأدب العربي، لبروكلمان الأصل الألماني ج ٢/ ٧٧ ط ثانية.
(٤) انظر: كشاف مخطوطات خزائن الأوقاف، ببغداد ج ١ نسختي/ ٢٩٥٥، ٢٨٩٩/ مجاميع.
(٥) انظر: فهرس الكتب العربية بدار الكتب المصرية، حتى نصف ١٩٢٤ م ج ١/ ٦٩، ٧٠ =
[ ٢ / ٦٧٤ ]
وقد بلغ عدد النسخ الخطية التي أحصيتها بدار الكتب المصرية عموما ٢١ نسخة، ثم قمت بفحص معظمها فوجدت من هذه النسخ ما يحمل العنوان المزدوج، مثل النسخة ذات الرقم (٤٠٣) مصطلح، حيث عُنونت بكتاب (التبصرة والتذكرة).
ثم كُتب عليها بخط مغاير (ألفية العراقي)، وبذلك اجتمع عليها الاسمان كما ذكر المفهرسون، وتعد هذه أقدم النسخ المذكورة عموما وأكثرها توثيقا وإن كان المفهرسون لم يبينوا ذلك، فقد جاء في نهايتها، أنها نقلت من نسخة منقولة من الأصل الذي بخط المصنف، في مجالس آخرها يوم الأربعاء ١٨ شوال المبارك سنة ٧٩٥ هـ، وأن النسخة المنقول منها قرئت أيضًا على المصنف، وقوبلت جهد الطاقة، وشرفها المصنف بخطه الكريم في النصف من شوال سنة ٧٧٥ هـ، ثم كتب بهامش عدة صفحات منها: (بلغ قراءة على مؤلفه)، كما أن ببعض هوامشها تصحيحات للأصل وحواش عليه وخطها واضح والكلمات المشكلة النطق مضبوطة بالحركات كما جاء في نهايتها ذكر العراقي لتاريخ فراغه من تسويد الألفية ثم تبييضه لها بنفسه في تاريخ لاحق، كما قدمت ذكره، وكل هذه توثيقات جيدة ومميزات هامة لم تتوفر لباقي نسخ الدار الأخرى رغم كثرتها كما ذكرت. ولهذا فإنها تترجح على غيرها، ويعتمد عليها عند اختلاف بعض النصوص عنها في النسخ الأخرى.
_________________
(١) = و(نشرة المخطوطات بدار الكتب المصرية) قسم ١/ ١٢٣، و(فهرس المخطوطات) .. مجلد/ ١ (مصطلح الحديث) / ١٦٣، ١٦٤، ١٧٣، و(فهرس المصطلح بمكتبة تيمور الملحقة بدار الكتب المصرية: مادة ألفية)، و(فهرس مجاميع تيمور، أيضًا ج ٣: مادة شرح).
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وقد أثبت في نهايتها أنه علقها (أي كتبها) لنفسه محمد بن يحيى بن محمد … المعروف بابن الرشيد. وعدد أوراقها ٣٤ ورقة متوسطة، وعدد سطور الصفحة ١٧ سطرا.
ووجدت نسخة أخرى برقم (٣٢١) مصطلح وعنوانها «هذا نظم فاخر لأصول الحديث»، ولم يذكر بها لا اسم «الألفية» ولا «التبصرة والتذكرة» كما بالفهرس، ولم ينبه المفهرس على ذلك، بل وضعها تحت العنوان المذكور بالفهرس، اعتمادا على مضمونها، لا على العنوان الذي تحمله، وهذا مخالف لأصول الفهرسة، فليتنبه لذلك.
وهذه النسخة متأخرة جدا عن النسخة السابقة، فقد جاء في نهايتها أن ناسخها هو: علي بن يحيى بن علي .. الدمشقي المجاور بالقدس الشريف وأنه نقلها في مجالس آخرها ١٥ رجب سنة ١٠٣٢ هـ. وكتب أيضا في نهايتها بالهامش: بلغ مقابلة من أولها إلى آخرها على نسخة مصححة، في تاريخه، وفي هذا توثيق لها، كما أن خطها نسخ واضح، ومعظم كلماتها مضبوطة بالحركات، وبين سطورها وعلى هوامشها تعليقات موقعة باسم «محمد»، وكثير منها منقول عن شرح العراقي المتوسط لها، تارة بالعزو إليه وتارة بدون عزو، وبأولها فهرس للموضوعات، وعدد أوراقها ٤١ ورقة متوسطة، وعدد سطور الصفحة ١٣ سطرا.
ثم وجدت نسخة برقم (٢٣٧٧٦ ب) وعنوانها «كتاب نظم الألفية في مصطلح الحديث المسماة بالمقاصد المهمة»، ولم ينبه المفهرس أيضا لوجود هذه التسمية على النسخة، مع أنها لم تعنون بغير ذلك، وهذه تسمية مستنبطة من
[ ٢ / ٦٧٦ ]
قول العراقي في مقدمة الألفية:
فهذه المقاصد المهمة … توضح من علم الحديث رسمه (^١)
وقد فهرست نفس النسخة مرة ثانية بهذا العنوان في فهرس آخر وهو القسم الثالث من نشرة المخطوطات بدار الكتب المصرية من سنة ١٩٣٦ - ١٩٥٥ م (^٢) فقال المفهرس: «المقاصد المهمة» ونسبها للعراقي ثم قال: وهي منظومة ألفية في مصطلح الحديث .. الخ.
ولعله استشعر عدم شهرة الكتاب باسم «المقاصد المهمة» هذا ففصل التعريف به كما أشرت دفعا لما توهمه هذه التسمية غير المشهورة من كون هذا كتابا آخر غير ألفية المصطلح المعروفة، وذلك خير من عمل المفهرس الأول لجمعه بين الإفادة الواضحة، والدقة، ببيان واقع عنوان النسخة.
وهذه النسخة بخط نسخ، وغالبها مضبوط بالشكل، وجاء في نهايتها ٧ أبيات من نظم الناسخ أحمد الرفاعي الشافعي الأزهري بين فيها أنها تمت بنقل محكم، وقوبلت بشرحها مع نسخ متعددة، وذلك في يوم الأحد غرة صفر سنة ١٠٩٢ هـ. وهي تقع في ٣٣ ورقة وسطور كل صفحة ١٧ سطرًا.
هذا ما يتعلق بنسخ دار الكتب المصرية وفهرستها.
أما مكتبة الأزهر الشريف: فقال مفهرسوها: «ألفية العراقي» في أصول الحديث، وقيل اسمها «التبصرة والتذكرة»، وهذا يشير إلى تضعيفهم التسمية الأخيرة، مع أن العراقي قد صرّح بها كما مر، فلعلهم لم يقفوا على
_________________
(١) أنظر «الألفية» / ١٦٩.
(٢) انظر ص ٨٨ من قسم ٣ من النشرة.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
تصريحه بها.
وقد أحصيت النسخ الخطية التي وردت بفهرس مكتبة الأزهر، فوجدتها ٢٧ نسخة (^١)، لكني لم أجد منها ما هو أقدم ولا أوثق مما عرفت به من النسخ فيما تقدم، ولذا أكتفي به.
ثم إني وقفت على ذكر نسخة موجودة بمكتبة «أيا صوفيا» باستانبول تحت رقم (٤٧٨٩) مجاميع، ورقمها في المجموعة (٥) وعنونت باسم «منظومة في الحديث» للعراقي (^٢) وكذا عنونت نسخة أخرى بدار الكتب برقم (١٥٢) مصطلح/ طلعت، وهي نسخة متأخرة جدًا وغير موثقة والتسمية بالمنظومة منطبق على الألفية باعتبارها شعرًا منظومًا، وقد أطلق الحافظ ابن حجر عليها ذلك في بعض نقوله عن شرح العراقي لها حيث يقول: «وقد بين شيخنا ذلك في شرح منظومته» (^٣) لكن الواقع أن تسميتها بـ «المنظومة» فقط غير مشهور.
ج - أهم طبعات الألفية وتقويمها:
قد طبع كتاب الألفية هذا في عدة طبعات، في عدة صور، نذكر منها ما يلي:
١ - طبعة باسم «ألفية مصطلح الحديث» ضمن مجموعة بعنوان «نفائس» ثالثها كتاب الألفية، وتلك المجموعة بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ﵀.
_________________
(١) انظر فهرس المكتبة الأزهرية جـ ١ (علم مصطلح الحديث) مادة (ألفية).
(٢) «فهرس المكتبة المطبوع» / قسم المجاميع/.
(٣) «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» لابن حجر جـ ٢/¬٤٥ الصلاة - «باب قبلة أهل المدينة، وأهل الشام والمشرق …».
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وطبعت مرتان وقفت على نسخة من الطبعة الثانية، المطبوعة بمطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة ١٣٧٢ هـ، وهي عبارة عن متن (الألفية) مع تعليقات ثمانية فقط للمحقق، وهي تعليقات ليست ذات أهمية؛ لأن سبعة منها عبارة عن تعريف ببعض الأعلام التي وردت في الألفية، تعريفا بمجرد ذكر اسم الشخص ونسبه ثنائيًا أو ثلاثيًا أو أكثر، وتعليق واحد لبيان إحدى العبارات الغامضة.
وقد عني المحقق بضبط بعض الكلمات المشكلة النطق بالحركات وهو عمل مفيد لكنه لم يقدم للطبعة بشيء، وبذلك لم نعلم الأصل الذي اعتمد عليه في الطبع. وقد قمت بمقابلة معظم الألفية في هذه الطبعة بأكثر النسخة الخطية المتقدمة توثيقا، وهي التي برقم (٤١٣) مصطلح دار الكتب المصرية، وبالنسخة ذات الرقم (٣٢١) مصطلح دار الكتب أيضًا وهي موثقة كما تقدم، كما قابلت بعضها بمتن الألفية المطبوع مع شرح المؤلف الآتي، وغيره.
وقد اتضح لي وجود اختلاف بين هذه الطبعة وبين تلك النسخ الجيدة التوثيق، مما يدل على أن المحقق اعتمد على أصل غير معتمد، وإن كانت هذه الاختلافات في مواضع قليلة، منها في باب المقطوع (^١) قول الناظم:
وسم بالمقطوع قول التابعي … وفعله وقد رئي للشافعي
فقد ذكر قوله «رئي» كما ترى وضبطه بضم الراء وكسر الهمزة، على أنه مبني للمجهول، والذي في نسخة (٤٠٣) وفي المطبوع مع شرح المؤلف (^٢)
_________________
(١) ص ١٧٥.
(٢) مج ١ ص ٥٩.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
«رأى» بفتح الراء والهمزة مبنيا للمعلوم، وعلق عليه بهامش من النسخة الخطية رقم (٤٠٣) بقوله: أي ابن الصلاح.
وسيأتي في منهج العراقي في هذه الألفية أنه إذا أورد فيها فعلا فاعله ضمير مفرد مستتر، كما في الفعل «رأى» هذا، فالمراد بالفاعل: ابن الصلاح ولهذا قال في الشرح: «وقد رأى» أي ابن الصلاح، ووجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع في كلام الشافعي، وبذلك يكون «رئي» المبني للمجهول في تلك الطبعة، مخالفا للمعنى المقصود للناظم ولمنهجه؛ لأن الرائي بموجب ما في الطبعة، يكون مجهولا بينما قصد الناظم ومنهجه، أنه معلوم.
٢ - وفي باب «الرواية من النسخ التي إسنادها واحد» قال:
«والأغلب البدء به ويذكر … مع بعده مَعْ وبه الأكثر»
فقوله «مع» الأولى ذكرها هكذا وضبطها بفتح الميم وسكون العين مما يدل على عدم كونه خطأ مطبعيًا.
والذي بشرح المؤلف (^١) وشرح السيوطي (^٢) «ما» بدل «مع» وهي الموافقة للمعنى كما في الشرحين المذكورين، بخلاف «مع» الواردة في هذه الطبعة فلا يستقيم المعنى عليها. وقد طبعت الألفية أيضًا ضمن شروحها وبعض حواشيها الآتي التعريف بها في موضعها.
_________________
(١) ج ٣ ص ٦١.
(٢) مخطوط سيأتي ذكره.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
الاستنتاج:
ومما تقدم يتضح الآتي:
١ - أن ألفية العراقي هي أول مؤلفاته في مصطلح علوم السنة، وأنها ثابتة النسبة إليه، وقد أتم تبييضها بنفسه عقب الفراغ من تسويدها بأيام.
٢ - تعدد الأسماء التي أطلقها المؤلف وغيره على الألفية، وبالتالي تعدد ما تذكر به في المصادر العلمية وفهارس مكتبات العالم.
فتارة تفرقت الأسماء حتى في المرجع الواحد، دون ربط بينها، فأوهمت تعدد المسمى، وتارة جمعت معا، أو ربط بينها، وهذا هو الصواب، لدفعه اللبس، ودلالته لأي باحث من أقرب طريق على أن المسمى كتاب واحد وإن تعددت الأسماء والعناوين.
٣ - يُعتبر أشهر ما عُرف به الكتاب اسم «الألفية»، مضافة إلى العراقي أو لموضوعها، وهو علم الحديث، أو مصطلحه أو أصوله، ولذا فإني سأجري في بحثي على هذا الإطلاق عند اللزوم.
٤ - أن بعض المختصين اعتبر هذه الألفية كتابين، لتعدد اسمها، وهذا خطأ كما أن بعض فهارس المكتبات الموجود بها نسخ الألفية، فيه قصور في فهرستها يوقع في اللبس، وخاصة فهارس المكتبات خارج مصر، ولعل ما أوضحته بشأن مواضع اللبس في بعض تلك الفهارس، يسهم في جبر نقصها فيما يستجد من بحث تراث السنة، وفهرسته فهرسة علمية دقيقة.
٥ - أن ما اطلعت عليه من النسخ الخطية العديدة الموثقة، والنسخ المطبوعة جميعها، تتفق في عدد أبيات الألفية وهو (١٠٠٣) بيت، فيما عدا نسخة.
[ ٢ / ٦٨١ ]
واحدة زادت بيتا في آخرها، وهي موجودة بدار الكتب المصرية برقم (٦) مصطلح، ضمن مجموعة من ورقة ٢٣١ - ٢٦٨، فقد انتهت عامة النسخ بقول العراقي:
«وأفضل الصلاة والسلام … على النبي سيد الأنام» (^١)
أما النسخة المشار إليها فجاء بها بعد هذا:
«وآله وصحبه وتابع … وناظر وقارئ وسامع»
وهي نسخة متأخرة، حيث جاء في نهايتها أن الفراغ من نسخها كان في ٦ من شعبان سنة ١٠٥٤ هـ، كما أنه ليس فيها علامات توثيق، بيان أصلها أو مقابلتها بغيرها، ونحو ذلك.
ولهذا فإني أرجح ما اتفقت عليه عامة النسخ الأخرى وهو عدم وجود البيت المذكور ضمن نص الألفية، فلعله من زيادة بعض النساخ مثلما زاد كاتب النسخة رقم (٢٣٧٧٦) ب السابق التعريف بها، في نهايتها ٧ أبيات من نظمه، لكنه كان أمينا، حيث فصلهم عن نص الألفية، كما أنهم متميزون بمحتواهم؛ لأنه ذكر فيهم أنه نقل الألفية بإتقان، وقابلها بغيرها بعكس هذا البيت، فقد ألحقه ناظمه بنص الألفية، وجعله منسبكًا مع آخر بيت منها فَلْيُتَنَبَّه لذلك، ثم إن هذا البيت كما مر، ليس فيه مادة علمية، بل هو استطراد في ختام الألفية، وعليه فإن استبعاده لا يخل بمضمونها العلمي بل ولا بختامها.
_________________
(١) انظر آخر النسخ الخطية السابق التعريف بها، والألفية المطبوعة/ ٢٨٨ و«فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٦٤ وللسخاوي ج ٣/ ٣٦٢ و«فتح الباقي» للأنصاري نسخة الأزهر الخطية برقم (٢٦١) مصطلح/ ٢٢٢ أ.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
د - موضوع الألفية والغاية من تأليفها وتحقق تلك الغاية:
قال العراقي في مفتتح الألفية:
«فهذه المقاصد المهمة … توضح من علم الحديث رسمه» (^١)
ثم قال في شرحها: «وبعد: فعلم الحديث خطير وقعه، كثير نفعه، عليه مدار أكثر الأحكام وبه يُعرف الحلال والحرام ولأهله اصطلاح لابد للطالب من فهمه، فلهذا ندب إلى تقديم العناية بكتاب في علمه، وكنت نظمت فيه أرجوزة ألفتها، ولبيان اصطلاحهم ألفتها» (^٢).
وقال في شرح البيت الأول: «والمراد بـ «رسم الحديث» آثار أهله التي بنوا عليها أصولهم»، وذكر أنه عبر بـ «الرسم» إشارة إلى دروس كثير من هذا العلم، وأنه بقيت منه آثار يُهتدى بها، ويُبنى عليها، وهي التي تكفلت تلك الألفية بتوضحيها.
وقال أيضًا في مقدمة الألفية:
«نظمتها تبصرة للمبتدي … تذكرة للمنتهي والمسند» (^٣).
ومما تقدم يتضح لنا تصريح العراقي بأن موضوع هذه الألفية بيان قواعد علم الحديث وأصوله الهامة، وما تنبني عليه تلك الأصول والقواعد والحدود التي استنبطها علماء السنة من استقراء أحوال السند والمتن، والمؤلفات فيهما واصطلحوا عليها في بيان حدود وأنواع علوم السنة المتعددة، وتمييز مقبولها.
_________________
(١) «الألفية» / ١٦٩.
(٢) «فتح المغيث»، للعراقي جـ ١/¬٦.
(٣) «الألفية» / ١٦٩.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
من مردودها، وقد بلغ مجموع ما تضمنته الألفية ٦٥ نوعًا، كل نوع منها يُعد علمًا من علوم السنة كما سنفصله.
وقد قدمت في الباب الأول أن مجموع تلك القواعد التي تضمنتها الألفية يطلق عليها «علم الحديث دراية» أو «علم أصول السنة» أو مصطلحها وقدمنا أيضًا تعريفه وشرح التعريف، بما يبين مشتملات هذا العلم، وبالتالي مشتملات مؤلفاته، وذكرنا أن الغاية منه تمييز أنواع علوم السنة سندا ومتنا ومعرفة ما يقبل منها وما يرد.
ولهذا ذكر العراقي هنا في بيان غايته من تأليفها: «أنه لابد لطالب السنة من معرفة مصطلح أهلها، قبل الشروع في دراستها، حتى يسير على بصيرة» وبين أن ذلك يتحقق بدراسة كتاب في علم المصطلح، وأتبع ذلك بذكر نظمه لتلك الألفية في علم المصطلح المذكور، ثم صرّح بأنه قصد بنظمها إفادة عامة للمشتغلين بالسنة وعلومها، وفي مقدمتهم الطلاب المبتدئون في دراستها الذين أشار إليهم، فتكون تلك الألفية تبصرة لهم وتوعية إجمالية بمسائل علم المصطلح عمومًا، خاصة وأن قالبها الشعري الموزون يعينهم على حفظها كما كان معتادًا في عصره (^١).
وقد وجه أنظارهم مرة أخرى لدراستها في باب آداب طالب الحديث فقال:
«واقرأ كتابًا في علوم الأثر … كابن الصلاح أو كذا المختصر» (^٢)
وذكر في شرحه: «أنه ينبغي للطالب أن يُقدم قراءة كتاب في علوم
_________________
(١) انظر: «حاشية الطوخي على شرح الأنصاري للألفية». مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ٢٢٨٢٢ ب/ ١٦ ب.
(٢) و«الألفية» / ٢١١.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
الحديث، حفظا وتفهما، ليعرف مصطلح أهله ومقاصدهم ومهماتهم التي ينقص المحدّث بالجهل بها نقصا فاحشا …».
ثم قال: (وقولي: (أو كذا المختصر) إشارة إلى هذه الأرجوزة) (^١) يعني أنه ينبغي للطالب أن يقرأها حفظًا وتفهمًا، ليعرف مصطلح علوم الحديث ويتخلص بذلك من النقص العلمي الفاحش، مثلما هو شأن كتاب ابن الصلاح الذي ذكره قبلها.
قال الأنصاري: «فكلاهما جدير بأن يتحصل العناية به» (^٢).
وقال السيوطي: «أشار الناظم ﵀، إلى منظومته هذه لما حوته من مسائل كتاب ابن الصلاح، مع الفوائد الزوائد» (^٣).
أما الصنف الثاني من المشتغلين بالسنة: الذي قصد العراقي إفادته بهذه الألفية فهو العالم المنتهي في هذا الفن، وهو من حصل أكثره وصلح لإفادته وتعلمه، فيتذكر بالاطلاع عليها أو حفظها ما علمه وغفل عنه، أو كان عنه ذاهلا (^٤)، من مجموع هذا الفن. وفي صورتها الشعرية ما يجعل استحضارها أيسر من استحضار النثر وأضبط.
وثالث من قصد العراقي إفادته بهذه الألفية، هم المسندون الذين تخصصوا في تحمل الحديث وأدائه بإسناده، سواء كانوا مبتدئين فيتبصروا بها كيفية
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/ ٩٣.
(٢) (فتح الباقي بشرح ألفية العراقي) للأنصاري/ ١٥١ ب، ١٥٢ أ.
(٣) (نظم الدرر في شرح ألفية العراقي في علم الأثر) للسيوطي ٣١ ب (مخطوط).
(٤) انظر: (فتح الباقي) / ٣ ب و(فتح المغيث) للسخاوي ج ١ ص ١٢، ١٣.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
التحمل والأداء ومتعلقاتهما، أو منتهين فيتذكروا بها ما ذهلوا عنه من ذلك (^١).
قال البقاعي: «حاصله أنها تذكرة وتبصرة للمبتدي والمنتهي، سواء كانا مسندين أم لا» (^٢).
«وإذا كانت الغاية منها تمتد إلى إفادة من بلغوا النهاية في التحصيل والخبرة من علماء السنة ومسنديها، فإن شمولها لإفادة المتوسطين بين الابتداء والانتهاء من باب أولى» (^٣)، وبذلك تعم الغاية منها إفادة سائر المشتغلين بعلوم السنة على تفاوت درجاتهم.
أما عن تحقق غاية العراقي هذه الشاملة، فقد قدمت شواهد عملية متعددة لذلك، سواء في رحلة العراقي الحجازية الثالثة التي أنجز فيها هذه الألفية، أو في وظائفه العلمية، أو في التعريف بنماذج تلاميذه وتأثيره فيهم، وثبت من تلك الشواهد أن الألفية منذ فراغ العراقي منها قد كُتِبَتْ منها النسخ، حتى بواسطة بعض شيوخ العراقي في الرواية، وانتشرت نسخها ودراستها على يد العراقي وتلاميذه في مصر وخارجها، وصارت مادة من منهج الدراسة العامة والمتخصصة، فيحفظها المبتدئون من طلاب السنة وغيرهم، ويعرضونها على العراقي وعلى غيره، ثم يدرسها المتجهون للتخصص بعلوم السنة، من المسندين والمحدثين والحفاظ، على اختلاف مستوياتهم، ثم ظلت محل دراستهم واستذكارهم، ومرجع استفادتهم في عامة مسائل المصطلح وقواعده.
_________________
(١) (فتح الباقي) / ٣ ب و(فتح المغيث) للسخاوي ج ١/¬١٣.
(٢) «النكت الوفية» بما في شرح الألفية، للبقاعي/ ٦ أ.
(٣) «حاشية العدوي على شرح الأنصاري» لألفية العراقي/ نسخة رقم (٢١٥٩٦) ب/ ٢٩ ب.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
وسيأتي مزيد من ذلك في بيان أثرها، والعناية بها بعون الله تعالى.
هـ - مصادر العراقي في الألفية وطرق اعتماده عليها:
أولا: مقدمة ابن الصلاح:
يُعتبر المصدر الأساسي للعراقي في ألفيته هذه، كتاب أبي عمرو بن الصلاح المعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح»، والمسمى «معرفة أنواع علم الحديث» (^١) وذلك لأن هذا الكتاب كان في عصر العراقي هو أشهر وأجمع ما ألف في بيان أنواع علوم الحديث، حيث نوعها فيه إلى ٦٥ نوعًا جمعت شتاتها المتفرق في مؤلفات من قبله من أهل الفن، وحل مشكلاتها وقعد قواعدها وبين أحكامها، وفصل أقسامها، وشرح مصطلحات أهل الحديث ومقاصدهم ومهماتهم (^٢).
ولذلك اتخذه عامة العلماء من بعده محورًا لمؤلفاتهم في المصطلح، حتى إنه لا يحصى من نظمه أو اختصره أو شرحه مع الاستدراك عليه بالزيادة أو النقص والتعديل، والانتقاد له أو الدفاع عنه.
فكان الحافظ العراقي ممن نظم ملخص هذا الكتاب في ألفيته (^٣) وصرّح في مقدمتها بذلك حيث يقول:
_________________
(١) انظر «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ١٣.
(٢) انظر المرجع السابق/ ١٣، ٢٥٦.
(٣) انظر «توضيح نخبة الفكر» لابن حجر العسقلاني مع «حاشية لفظ الدرر» عليه للشيخ خاطر ص ٢٠، ٢١ و«شرح السيوطي» لألفيته/ ٢ أو «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/¬١٣.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
«لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه … » (^١)
يعني كتابه المشار إليه، ولهذا نجد مؤرخي العراقي يعدون هذه الألفية ملخصا لمقدمة ابن الصلاح (^٢).
كما أن العراقي في شرحه الآتي للألفية صرّح في عدة مواضع بأنه أوردها في النظم على ما هي عليه، تبعا لابن الصلاح بحكم التزامه بتلخيص كتابه.
ففي مبحث «خفي الإرسال» قال: «وهذا النوع أشبه بروايات المدلسين وقد أفرده ابن الصلاح بالذكر عن نوع المرسل فتبعته على ذلك» (^٣).
وفي مبحث «المؤتلف والمختلف» ذكر أن القسم الثاني، منه ما يدخل تحت الضبط بضابط معين، ثم قال: «وقد ذكرت من هذا القسم الثاني جملة منه تبعا لابن الصلاح» (^٤) وهكذا صرّح في مواضع أخرى (^٥).
بل هناك بعض المواضع تبع فيها ابن الصلاح في النظم، ونبه في الشرح على مخالفة ابن الصلاح فيها لغيره، مثل مبحث «السماع على نوع من الوهن».
_________________
(١) انظر: الألفية ٥/ ١٦٩ (ضمن مجموعة نفائس).
(٢) «مجموع ابن خطيب الناصرية»، (ترجمة العراقي) و«عقد الجمان» للعيني ج ٢٥ قسم ٢ وفيات سنة ٨١٦ هـ و«ذيل الدرر الكامنة» ٤/ ٧١ و«إنباء الغمر» ج ٢/ ٢٧٦ و«الأعلام» ج ٤/ ٢١٩ أو «طبقات الشافعية» ٤/ ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و«بهجة الناظرين» للغزي/ ١٣٠ و«المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٣ أو «شذرات الذهب» ج ٧/ ٥٥.
(٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٢٥.
(٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٨٦.
(٥) المصدر السابق ج ٤/ ١٣٤، ١٤٨.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
فقد قال في الألفية:
ثم على السامع بالمذاكرة … بيانه كنوع وهن خامره (^١)
ثم قال في الشرح: هكذا قال ابن الصلاح: إن عليه بيان ما فيه بعض الوهن، وجعل من أمثلته ما سمعه في المذاكرة، فتبعته في ذلك، ثم أشار إلى مخالفة ما ذكره ابن الصلاح، ومن تبعه فيه، لرأي الخطيب البغدادي فقال: وفي كلام الخطيب البغدادي أنه (أي بيان السماع مذاكرة) ليس بحتم، فإنه قال: وأستحب أن يقول: (حدثناه في المذاكرة) (^٢) فهذا يفيد الاستحباب بينما عبارة ابن الصلاح (عليه) تفيد الإلزام والتحتم. أما في مبحث معرفة الصحابة، فقد قال العراقي في الألفية:
رائي النبي مسلما ذو صحبة … (^٣)
ثم قال في الشرح: «ولو قيل في النظم: لاقي النبي، كان أولى، أي ليشمل الأعمى، ولكن تبعت فيه عبارة ابن الصلاح» (^٤) كذلك ذكر غير العراقي من شراح الألفية أمثلة أخرى، كتأخير ما حقه التقديم رعاية لسياق ابن الصلاح (^٥)، وإهمال ما حقه أن يذكر، تبعا لما جرى عليه أيضًا (^٦) ومما يعفي العراقي من النقد في تبعيته لابن الصلاح في بعض ما هو منتقد من غيره على
_________________
(١) «الألفية» / ٢٠٩
(٢) «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/ ٦٨.
(٣) «الألفية» (٢١٥).
(٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/¬٢٩
(٥) «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي» للشيخ زكريا الأنصاري/ ٣٣ ب.
(٦) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ١٢١، ١٢٢.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
النحو المتقدم، أنه تدارك ذلك في شرحه للألفية، فنبه على مواضع الخلاف، وبين ما هو أولى، كما في المثالين السابقين وغيرهما (^١).
ثانيا: مصادر أخرى ونماذجها:
أضاف العراقي في الألفية إلى ملخص كتاب ابن الصلاح عدة إضافات رآها لازمة كما سيأتي، ونص على ذلك أيضًا في مقدمة الألفية، فبعد قوله:
«لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه»، كما تقدم قال:
«وزدتها علما تراه موضعه» (^٢).
وقد اعتمد في تلك الزيادات على عدة مصادر، منها ما صرح بالعزو إليه في نفس الألفية، إما بذكر اسم الكتاب والمؤلف معا، وذلك نادر، وإما بذكر أحدهما فقط للاختصار وهو الغالب.
مثال الأول: قوله في مبحث الحديث الحسن:
«ولأبي الفتح في الاقتراح … أن انفراد الحسن ذو اصطلاح
وإن يكن صح فليس يلتبس … كل صحيح حسن، لا ينعكس» (^٣)
فأبو الفتح المذكور، هو محمد بن علي المعروف بابن دقيق العيد من أئمة عصره في الحديث والفقه، وهو متأخر عن ابن الصلاح حيث توفي سنة ٧٠٢ هـ (^٤).
و«الاقتراح» اسم كتاب له، اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح مع إضافات
_________________
(١) انظر: «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/ ٧٣، ج ٤/ ٧٢، ١٣١.
(٢) الألفية/ ١٦٩.
(٣) والألفية» / ١٧٤.
(٤) و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٩٠، ٩١.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
علمية جيدة (^١) مما جعله عمدة من جاء بعده، كالعراقي والسخاوي والسيوطي وغيرهم، ومع هذا فإن نسخ الكتاب حاليا تعد في حكم المفقودة (^٢) وهذه الزيادة التي استمدها العراقي منه بقوله: (إن انفراد الحسن ذو اصطلاح .. الخ) عبارة عن جواب إشكال أورده ابن الصلاح في كتابه وهو أنه: إذا كان الحديث الحسن قاصرًا عن درجة الحديث الصحيح فكيف جمع الترمذي في (سننه) بينهما، حيث يقول عن كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن صحيح؟ وقد أجاب ابن الصلاح عن ذلك في كتابه المذكور بجوابين (^٣).
ولكن ابن دقيق العيد ردهما في (الاقتراح)، ثم أجاب بما ذكره العراقي عنه، وحاصله: أن الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة، إلا حيث انفرد فيراد به حينئذ الحسن الاصطلاحي، لكنه في قول الترمذي: (حسن صحيح) غير منفرد، بل مجتمع مع الصحيح، وبذلك ارتفع إلى درجته، ومتى ارتفع الحديث إلى درجة الصحة، فالحسن حاصل لا محالة تبعا للصحة؛ لأن وجود الدرجة العليا وهي الحفظ والإتقان في الراوي كما هو شرط الصحيح، لا ينافي وجود الدرجة الدنيا فيه وهي الصدق، فيصح بهذا أن يوصف الحديث بأنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا في راويه، وأن
_________________
(١) «البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر» للسيوطي/ ٢ أ.
(٢) أعني سنة ١٣٩٤ هـ، لكن عُرف له بعد ذلك أكثر من نسخة، وحققه الأخ الدكتور علي البحى، عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم، في رسالة علمية حصل بها على درجة الماجستير في السنة وعلومها، وشرفت بالمشاركة في مناقشة تلك الرسالة، كما طبع الكتاب بعد ذلك أكثر من طبعة، وفي مقدمتها طبعة بغداد بتحقيق د. قحطان الدوري عام ١٤٠٢ هـ.
(٣) «مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» / ٥٩.
[ ٢ / ٦٩١ ]
يُوصف بالصحة باعتبار وجود الصفة العليا فيه، وعليه فكل صحيح حسن ولا عكس، ويؤيد ذلك ما جرى عليه المتقدمون من أئمة الحديث في وصف الأحاديث الصحيحة بالحسن (^١).
ومثال ما اقتصر العراقي في النظم على عزوه إلى اسم الكتاب الوارد فيه أو إلى اسم المؤلف، ما ذكره في الفرع الخامس من مبحث «الحديث المقطوع»، حيث قال:
«وما أتى عن صاحب بحيث لا … يقال رأيا حكمه الرفع على
ما قال في المحصول، نحو من أتى … فالحاكم الرفع لهذا أثبتا» (^٢)
فعزى أولًا كما ترى إلى كتاب «المحصول» دون ذكر مؤلفه، وعزى ثانيا إلى «الحاكم» دون ذكر كتابه الوارد فيه ما ذكر، لكنه بين في «شرحه للألفية» ما تركه في نظمها، فقال: «أي وما جاء عن صحابي موقوفا عليه ومثله لا يقال من قبل الرأي، حكمه حكم المرفوع».
كما قال الإمام فخر الدين الرازي في المحصول .. وساق كلامه، ثم قال: «وقوله: نحو من أتى، أي كقول ابن مسعود: من أتى ساحرًا أو عَرَّافًا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ»، ترجم عليه الحاكم في «علوم الحديث»: معرفة المسانيد التي لا يُذكر سندها عن رسول الله ﷺ (^٣).
وبذلك أوضح رجوعه التفصيلي المباشر لهذين المصدرين وأوضح أن مؤلف:
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٥٢.
(٢) «الألفية» / ١٧٦
(٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٦٥، ٦٦.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
كتاب «المحصول» هو الإمام فخر الدين الرازي، وأن الحاكم ذكر ما نسبه إليه، في كتابه «معرفة علوم الحديث وقد رجعت إليه فوجدته فعلا كما قال» (^١) وبذكره لهذا في الشرح دل على أن تركه له في النظم لمجرد الاختصار، وليس لعدم المعرفة.
ويُعتبر كتاب «المحصول» من المراجع الأساسية في أصول الفقه وما يشترك معها من مباحث أصول الحديث، كالمسألة المذكورة، وهي حكم ما روي عن الصحابي موقوفا عليه مما لا مجال للرأي فيه، وأما كتاب «معرفة علوم الحديث» لأبي عبد الله الحاكم، فهو أيضًا من المؤلفات الأساسية في المصطلح وأجمع ما ألف في بيان أنواع علوم السنة قبل ابن الصلاح، حيث أورد فيه الحاكم (٥٢) نوعًا (^٢).
فالكتابان ومؤلفاهما من المصادر الأصلية المعتمدة في بابها، والمتقدمة على ابن الصلاح.
وقد يعزو العراقي ما زاده في «الألفية» على كتاب ابن الصلاح عزوا مجملا، كأن يقول: «نقلوا كذا، أو حكوا كذا، مثاله: ما ذكره في فروع مبحث الحديث المقطوع أيضًا حيث يقول:
« … قلت: من السنة عنه، نقلوا
تصحيح وقفه … » (^٣).
_________________
(١) انظر «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ ٢١.
(٢) انظر: معرفة علوم الحديث، للحاكم ص ٢٦٦.
(٣) انظر «الألفية» / ١٧٦.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
فقوله: «من السنة عنه» أي عن التابعي، مشار بها إلى مسألة هي: إذا قال التابعي: من السنة كذا، فهل يعد ذلك حديثًا موقوفا متصلًا أو مرفوعًا مرسلا؟
وقوله: «نقلوا تصحيح وقفه» إشارة مجملة إلى المصادر التي بينت حكم هذه المسألة، «فلم يبين الناقلين»، ولا المصدر المشتمل على المنقول. وقد بين ذلك أيضًا في «شرحه للألفية» فذكر أن هذه المسألة فيها وجهان لأصحاب الشافعي …
ثم قال: «وحكى الداودي في شرح مختصر المزني: أن الشافعي كان يرى في القديم أن ذلك مرفوع، إذا صدر من الصحابي أو التابعي، ثم رجع عنه لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد» إهـ.
ثم أتبع ذلك بقوله: والأصح في مسألة التابعي كما قال النووي في «شرح المهذب»، أنه موقوف (^١).
وبذلك اتضح أن قوله في «الألفية»: «نقلوا» مشاربه إلى مصدرين هما «الداودي» في كتابه «شرح مختصر المزني» والإمام النووي في كتابه «شرح المهذب» ويُعرف .. بـ «المجموع» كما سيأتي في موضعه.
وكلا الكتابين من المراجع الأساسية للفقه الشافعي، ومولفاهما من أعمدة المذهب، وأولهما متقدم على ابن الصلاح وثانيهما متأخر عنه.
ومن الزيادات ما كان مصدره فيها خبرته بكتب السنة، مثال ذلك: أن ابن
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ٦٤، ٦٥.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
الصلاح اعتبر (مسند الدارمي) من المسانيد (^١)، فرد عليه العراقي في الألفية قائلا:
«. . . . . . . . . . . . . . … وعده للدارمي انتقد» (^٢).
وأوضح ذلك في (شرحه للألفية) قائلا: وقد عد منها ابن الصلاح «مسند الدارمي» فوهم في ذلك؛ لأنه مرتب على الأبواب لا على المسانيد (^٣).
وبذلك ترى أن مصدره في بيان وهم ابن الصلاح خبرته هو بمسند الدارمي وبمنهج مؤلفه فيه، ولولا اطلاعه عليه وممارسته له ما أُتيح له كشف هذا الوهم الذي وقع لابن الصلاح والتنبيه عليه ضمن زياداته في الألفية.
ومن الزيادات ما بين أن مصدره فيه المشاهدة الواقعية لما جرى عليه بعض شيوخه في أداء رسالتهم الحديثية، مثال ذلك: الإجازة برواية الحديث للحمل في بطن أمه، فقد ذكر في الألفية أنه لم يجد في مصدر من المصادر المكتوبة نقلا عن أحد العلماء يبين حكم الإجازة برواية الحديث للحمل في بطن أمه بل ذكر تصريح الخطيب البغدادي بأنه لم يجد من فعله من العلماء، ثم عقب على ذلك بمشاهدته هو فقال:
« … قلت رأيت بعضهم قد سئله
مع أبويه فأجاز ولعل … ما أصفح الأسماء إذ فعل» (^٤)
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ٠/ ٥٦.
(٢) والألفية ٠/ ١٧٣.
(٣) وفتح المغيث، للعراقي ج ١/¬٥٠.
(٤) انظر والألفية ٠/ ١٩٧.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
ثم قال في شرح الألفية موضحا ذلك: «وقد رأيت بعض شيوخنا المتأخرين سيل الإجازة لحمل بعد ذكر أبويه قبله، وجماعة معهم، فأجاز فيها وهو الحافظ أبو سعيد العلائي»، ثم ذكر أن شيخا آخر من شيوخه تحرز عن ذلك وعقب بقوله: ومن عمم الإجازة للحمل وغيره أعلم وأحفظ وأتقن؛ إلا أنه قد يقال: «لعله ما أصفح أسماء الإجازة، حتى يعلم هل فيها حمل أم لا فقد تقدم أن الإجازة تصح ولو لم يتصفح الشيخ المميز أسماء الجماعة المسئول لهم الإجازة، إلا أن الغالب أن أهل الحديث لا يجيزون إلا بعد نظر المسئول لهم، كما شاهدناه منهم» (^١).
وهذا يفيد أن اعتماده على مشاهداته كان اعتمادًا واعيًا متدبرا، حيث قارن عمل شيخيه ورجح عمل الأحفظ والأعلم والأتقن منهما في تقديره، وهو العلائي، ثم دفع الاحتمال الممكن وروده عليه وهو عدم تصفح الأسماء المطلوب إجازتها حتى يعلم ذكر الحمل فيهم أم لا، معتمدًا أيضًا على ما شاهد عليه غالب أهل الحديث، من نظرهم إلى أسماء المطلوب إجازتهم لهم.
ومن الزيادات ما لم يعزها في الألفية لمصدرها، لا تصريحًا ولا تلميحا مثل قوله في مبحث (تاريخ الرواة والوفيات):
قلت حويطب بن عبد العزى … مع ابن يربوع سعيد يعزى
هذان، مع: حَمْنَي وابن نوفل … كل إلى وصف «حكيم» فاجمل (^٢)
فقد ذكر قبل هذين البيتين اثنين من الصحابة عاشا ١٢٠ سنة، نصفها في
_________________
(١) د فتح المغيث، للعراقي ج ٢/ ٧٤، ٧٥
(٢) والألفية» / ٢٢٦
[ ٢ / ٦٩٦ ]
الجاهلية ونصفها في الإسلام، وهما: حسان بن ثابت، وحكيم بن حزام وقد اقتصر عليهما ابن الصلاح في مقدمته، فأضاف العراقي في البيتين المذكورين ٤ آخرين هم: حويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع وحمن بن عوف، ومخرمة بن نوفل.
لكننا لم نجد في النظم، كما مر بك، تصريحًا، ولا تلميحا، بمصدره في ذكرهم، ويمكن تعليل ذلك بقصد الاختصار في النظم، بدليل أنه في شرحه لهذين البيتين بين المصادر التي اعتمد عليها في ذكر هؤلاء الأربعة، كالواقدي صاحب كتاب (المغازي) وغيره، والإمام البخاري صاحب (التواريخ الثلاثة) الجامعة لرجال الحديث وهي (الكبير) و«الأوسط» و«الصغير»، وخليفة بن خياط، وأبي الحسين بن قانع المتوفى سنة ٣٥١ هـ وهو مُؤلّف (معجم الصحابة) وكتاب «الوفيات»، وابن حبان، مؤلف كتابي «الثقات» و«الضعفاء والمجروحين»، وغير ذلك، وابن عبد البر صاحب «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»، والدارقطني في كتابه «الإخوة والأخوات»، وأبو زكريا بن مندة، في (جزء له لطيف جمع فيه من عاش ١٢٠ سنة من الصحابة) وأبو محمد بن عبد الله بن زبر البغدادي مؤلف كتاب «الوفيات»، وهو من أوائل المؤلفات فيها (^١).
ونلاحظ أن كل هؤلاء الذين اعتمد عليهم، هم من أئمة علم الرجال المتقدمين على ابن الصلاح، وتعتبر مؤلفاتهم المشار إليها عمدة من جاء بعدهم ومنها المشهور المتداول، ومنها النادر وجوده حاليًا ككتاب «الإخوة
_________________
(١) و(فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ١٣٤، ١٣٨، ١٤٢، ١٤٣، وو(فتح المغيث)، للسخاوي ج ٣/ ٢٨٤ - ٢٨٦.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
والأخوات» للدارقطني (^١) وكجزء ابن مندة فيمن عاش ١٢٠ سنة من الصحابة.
وهناك بعض زيادات يسيرة لم يشر العراقي كلية المصدره فيها، لا في الألفية ولا في شرحها مع تيسر ذلك له.
مثال ذلك: أنه نظم في الألفية مما ذكره ابن الصلاح في أصح الأسانيد: الشافعي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄، ثم أضاف إلى ذلك الإسناد: «الإمام أحمد بن حنبل ﵁»، فقال: قلت: عنه أحمد (^٢) ..
أي أنه من أصح الأسانيد: أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك … الخ لكنه لم يشر في الألفية ولا في شرحه لها إلى مصدره في إضافة الإمام أحمد إلى هذا الإسناد (^٣) بينما ذكر الحافظ ابن حجر والسخاوي أن القائل بذلك هو شيخ العراقي، الصلاح العلائي وغيره (^٤).
وإذا كان العراقي قد نبه على أنه ترك في الألفية نسبة بعض الأقوال إلى قائليها للاختصار (^٥) فإنه كان عليه تلافي ذلك في الشرح، بنسبة مثل هذا القول المصدره كما فعل في غيره، خاصة وأن أحد مصادره وهو العلائي من أبرز شيوخه كما تقدم، ولذا فإنه في نظري مؤاخذ بذلك.
_________________
(١) ثم طبع جزء منه بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور باسم فيصل الجوابرة.
(٢) انظر (الألفية) / ١٦٩ و(مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) / ٢٣.
(٣) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/¬١٢، ١٣.
(٤) (فتح المغيث)، للسخاوي ج ١/¬٢٣ و(البحر الذي زخر) للسيوطي/ ١١ ب.
(٥) (فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬٨.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
غير أن تتبعي لإضافاته التي اعتمد فيها على غيره عمومًا، أظهر أن تركه الكلي لبيان مصادره نادر، والغالب أنه يبينها بأحد الطرق المتقدم بيانها، وإذا كنا نعتبر تلك الطرق حاليًا قاصرة وغير دقيقة، لأنه ليس في أي منها تحديد موضع الأقوال في مصادرها بالجزء والصفحة كما نفعل حاليًا، إلا أن العرف العلمي في عصر العراقي كان يعتبر ما جرى عليه هو كافيًا، وبالتالي لا يتوجه إليه نقد في عدم تحديد الجزء والصفحة، بناء على عرفنا الحالي.
النتيجة:
وعلى ضوء ما قدمته عن مصادر العراقي في الألفية من خلال تتبعي العام لها يمكن تقرير الآتي:
١ - أن المصدر الأساسي في الألفية هو «مقدمة ابن الصلاح».
٢ - أن المصدر التالي لمقدمة ابن الصلاح هو المؤلفات في علوم السنة ومصطلحها، متنا وسندًا، سواء كانت للمتقدمين على ابن الصلاح، أو للمتأخرين عليه حتى شيوخ العراقي.
فمن أهم مؤلفات المتقدمين التي اعتمد عليها غير ما قدمت أمثلته:
* «الكفاية في معرفة أصول الرواية» (^١) وتقدم التعريف به في الباب الأول.
* و«تاريخ بغداد» (^٢) وكلاهما للخطيب البغدادي عائل أهل الفن بعده والمتوفى سنة ٤٦٣ هـ.
_________________
(١) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٦٦، ٧١ وج ٣/¬٤، ٦ وكتاب «الكفاية» نفسه/ ٤٦٦، ٤٦٩.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي ج ٢/ ٢٤٢، ٢٤٣.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
* وكتاب «الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع» (^١) للقاضي عياض المتوفى سنة ٥٤٤ هـ.
* و«جزء لطيف في بيان الحديث المنقطع» (^٢)، تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي البرذعي المتوفى ٣٠١ هـ، وهذا الكتاب يُعد نادر الوجود الآن إن لم يكن معدوما.
* وكتاب «الطبقات الكبرى» (^٣) لابن سعد.
* و«ذيل الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (^٤) لأبي بكر بن فتحون.
* و«تكملة الإكمال في معرفة المختلف والمؤتلف من أسماء وأنساب وألقاب الرواة» (^٥) لأبي بكر بن نقطة البغدادي.
* وكتاب «التصحيف» في بيان الأسماء والألفاظ المشكلة التي تتشابه في صورة الخط (^٦) تأليف أبو أحمد العسكري (^٧) المتوفى ٣٨٢ هـ وهو من أول
_________________
(١) انظر الألفية/ ١٩٥ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٢/ ٦٨ و٥ قطر الدرر للسيوطي/ ٢٠ أ، ب، وكتاب «الإلماع نفسه/ ١٠١ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬٤، ٥ وه النكت الوفية، للبقاعي/ ٢٦٢ ب وه الإلماع» نفسه/ ٧٩، ٨٣.
(٢) انظر: الألفية هـ/ ١٧٥ وو(فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ٥٩، ٦٠ و(فتح المغيث) للسخاوي ج ١/ ١٠٦.
(٣) انظر (فتح المغيث وللسخاوي جـ ٣/ ٣٠٠.
(٤) (فتح المغيث، للعراقي ج ٤/ ٨٧.
(٥) ١ فتح المغيث، للعراقي ج ٤/ ٩٧.
(٦) فهرس المصطلح بدار الكتب المصرية ص ١٧٨.
(٧) انظر والألفية) / ٢١٤ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٤/¬١٨ و٥ فتح المغيث) للسخاوي ج ٣/ ٦٧ وقد طبع الكتاب بتحقيق الأخ الدكتور/ محمود الميرة سنة ١٤٠٢ هـ.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
المؤلفات في موضوعه.
* و«الذيل على تاريخ بغداد»، تأليف الحافظ أبو سعد السمعاني (^١)
* و«المدخل إلى معرفة السنن»، تأليف الإمام البيهقي (^٢)
* وكتاب «الوهم والإيهام الواقعين في كتاب أحاديث الأحكام»، لعبد الحق الأشبيلي (^٣)، وهو تأليف الحافظ الناقد أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن القطان الفاسي المتوفى سنة ٦٢٨ هـ، وهو ما يزال إلى الآن مخطوطًا حسب علمي (^٤).
* وكتاب «اختلاف الحديث» للإمام الشافعي (^٥)
* وكتاب «صحيح البخاري» (^٦) و«صحيح مسلم» (^٧) و«السنن الأربعة» لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (^٨) وسنن الترمذي وحدها (^٩) وسنن أبي
_________________
(١) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ٧١ وللسخاوي ٣/ ١٧٢.
(٢) «فتح المغيث،» للعراقي ج ١/ ٧١.
(٣) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٨٨
(٤) ثم طبع الآن سنة ١٤١٧ هـ محققا باسم (بيان الوهم …، مع أن تسمية المؤلف له في مقدمته والوهم والإيهام … ..
(٥) «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/¬٢٥ و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٠١ وقد حقق في رسالة علمية حصل بها على درجة الماجستير في السنة وعلومها، الأخ الدكتور إبراهيم الصبيحي الأستاذ المشارك بقسم السنة وعلومها بكلية أصول الدين بالرياض
(٦) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٣/¬١٧، ١٨ و(البخاري مع فتح الباري) / كتاب العلم ج ١/ ٢١٧.
(٧) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١١١ وهـ فتح الباقي، للانصارى/ ٢٠٢ أ.
(٨) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ٩٣ ووقطر الدرر في شرح ألفية العراقي في علم الأثر) للسيوطي/ ١٠ أ.
(٩) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬٣٦، ٣٧
[ ٢ / ٧٠١ ]
داؤد وحدها (^١) و«مسند يعقوب ابن شيبة» وهو من نوادر المسانيد (^٢).
• ومن أهم مصادره من مؤلفات المتأخرين عن ابن الصلاح غير ما تقدمت أمثلته:
* كتاب «التقريب والتيسير» المعروف للإمام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ وهو مختصر لكتابه المعروف بـ «الإرشاد» الذي اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، مع بعض الإضافات العلمية (^٣).
* وكتاب «شرح الترمذي» لأبي الفتح محمد بن محمد المعروف بابن سيد الناس اليعمري، وهو شرح لم يكمله المؤلف وقد أكمل عليه العراقي كما سيأتي (^٤).
* وكتاب «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» وهو في بيان أحوال رجال الكتب الستة المشهورة ولواحقها، ومؤلفه الحافظ الناقد جمال الدين المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ (^٥) وما يزال الكتاب مخطوطا حتى الآن (^٦).
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬١٧، ١٨ و«السنن» نفسها كتاب العلم ج ٢/ ١٢٤.
(٢) انظر (الألفية) / ١٧٧ و٢١٢ و(فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ٧٩ وج ٣/ ٩٦ وقد طبعت حاليا قطعة منه من مسند عمر بن الخطاب ﵁ بتحقيق الأستاذ كمال الحوت.
(٣) انظر (مقدمة التقريب مع شرحه تدريب الراوي) للسيوطي ٢٠، ٢١ و(ألفية) العراقي ١٧٠، ١٧١ و(فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬١٧، ٢٥، ٢٦، ٣٤ و(التقريب) نفسه بهامش (التدريب) / ٤٧، ٧٠، ٧٩.
(٤) و(انظر الألفية) / ١٧٣ و(فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬٤٧، ٥٢، و(فتح المغيث) للسخاوي ج ١/ ٧٥.
(٥) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ٤/ ٩٤.
(٦) ثم طبع الآن محققا ولله الحمد، وأول طبعاته قد صدرت بتحقيق الدكتور بشار عواد ومعاونيه.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وعدة كتب للحافظ أبو عبد الله الذهبي - معاصر العراقي - وهي:
* كتاب «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» (^١).
* وكتاب «مشتبه النسبة» في بيان ما يشتبه وما يتصحف من الأسماء والأنساب والكنى وألقاب الرواة ومن يرد ذكرهم في متون الأحاديث (^٢).
* وكتاب «العبر في خبر من غبر» (^٣).
ومن مؤلفات شيوخ العراقي:
* كتاب «جامع التحصيل لأحكام المراسيل» (^٤)، وهو من أجمع المؤلفات في بيان أحكام وأحوال الحديث المرسل وما يزال مخطوطا حتى الآن بل إن نسخه الخطية نادرة (^٥).
* وكتاب «الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ» (^٦)، وهو أيضا من كتب علم الرجال النادر الوجود حاليا وهذان الكتابان تأليف الحافظ الحجة صلاح الدين العلائي من شيوخ العراقي البارزين كما مر في التعريف به.
_________________
(١) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٣٧ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ٣٤٧، ٣٤٨.
(٢) انظر «مقدمة تبصير المنتبه بتحرير المشتبه» لابن حجر العسقلاني جـ ١/¬١٣ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ٨٧.
(٣) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ١٤٣ وسيأتي التعريف «بالعبر» عند ذكر تذييل العراقي عليه.
(٤) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/ ٨١، ٨٥ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ١٧٥، ١٨٢.
(٥) ثم طبع بتحقيق الأستاذ/ حمدي السلفي، وحقق أيضا في رسالة علمية بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر.
(٦) انظر: «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ١٨١ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/ ١٨١.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
٣ - أما المصدر التالي لذلك في كثرة الاعتماد عليه، فهو كتب أصول الفقه المعتمدة في بابها، وغالبها للأئمة المتقدمين عن ابن الصلاح، ويليها كتب الفقه وخصوصا المذهب الشافعي لأنه مذهب العراقي.
فأهم ما اعتمد عليه من كتب أصول الفقه: كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي (^١) وكتاب «البرهان» للإمام أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين (^٢) وكتاب (المستصفى) للإمام الغزالي (^٣)
• وأهم ما اعتمد عليه من كتب الفقه غير ما تقدمت أمثلته:
* كتاب (العدة) لابن الصباغ (^٤)
* وكتاب (فتح العزيز في شرح الوجيز) المعروف بالشرح الكبير، تأليف الإمام أبي القاسم الرافعي (^٥)، وهو ابن الصباغ من أئمة الشافعية المتقدمين.
٤ - لم يكتف العراقي في مضمون ألفيته بما جاء في المصادر المكتوبة المشار إليها، بل اعتمد بجانبها على خبراته العلمية ومشاهداته الواقعية لما جرى عليه عمل واصطلاح علماء السنة وحفاظها المعتمدين في عصره، من شيوخه وغيرهم كما مر مثاله:
٥ - يدل كل ما تقدم على جهد العراقي في البحث، وجمع المادة العلمية
_________________
(١) «فتح المغيث»، للعراقي ج ١/ ٧١.
(٢) (الألفية) و(فتح المغيث، للعراقي ج ٢/¬١٥.
(٣) والألفية) ١٧٦، ١٨٥ و(فتح المغيث) للعراقي ج ٢/¬١٥ وج ٢/ ٦٤ و«فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٨٤، ٢٨٥
(٤) «فتح المغيث» للعراقي ج ١/ ٦٢، ٦٥.
(٥) «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/ ٧٥ و(فتح المغيث) للسخاوي ج ٢/ ٨٦.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
لألفيته، وعلى سعة اطلاعه وعمق ثقافته وفهمه وإلمامه بمسائل المصطلح وبمصادرها المباشرة وغير المباشرة، والخاصة بها والمشتركة مع غيرها واستخدامه لكل مصدر في موضعه، وقد رجعت لعدة مصادر مما اعتمد عليه فوجدت بها فعلا ما ذكره، أو أشار إليه (^١) وهذا يدل على أمانته العلمية وعلى دقته بالتزام بيان مصادره غالبا، وعدم التخلي عن ذلك إلا لعذر يراه مسوغا لذلك، وهذا لا يخلو منه باحث في القديم والحديث:
و- منهج العراقي في الألفية وآراؤه: تحليل ومقارنة ونقد:
بعد أن أعد العراقي المواد العلمية التي أراد إيداعها في ألفيته كما أوضحنا قام بصياغتها وترتيبها شكلا ومضمونا على منهج خاص، وعبر من خلاله عن تصوره العام لعلم المصطلح، وعن آرائه في عامة مسائله وقضاياه، وإليك بيان ذلك:
أولا: التزام نظم مصطلح علوم السنة في ألف بيت وأوليته في ذلك:
تقدم أن العراقي أطلق على منظومته هذه اسم «الألفية» الذي اشتهرت به نسبة إلى عدد أبياتها وهو ألف بيت، وتقدم أنه في مقدمة شرحه لها قال: «نظمت أرجوزة ألفتها ولبيان، اصطلاحهم ألفتها» فأشار بقوله «ألفتها» الأولى إلى أنه جعل عدد أبياتها ألفا، وبالثانية إلى تصنيفها وتنسيق مادتها العلمية (^٢).
_________________
(١) راجع إحالاتي السابقة بالهوامش على: «معرفة علوم الحديث» للحاكم وعلى «صحيح البخاري» و«سنن أبي داود» و«الكفاية» للخطيب و«الإلماع» للقاضي عياض و«التقريب والتيسير» للنووي.
(٢) النكت الوفية للبقاعي/ ٣ أ.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وعندما نرجع إلى واقع الألفية في عامة نسخها وأوثقها (^١) نجدها لا تزيد على ألف بيت، غير ثلاثة أبيات فقط وهي زيادة يسيرة لا تنافي اعتبارها ألفية وبذلك يكون العراقي قد التزم باستيفاء بيان أصول علوم السنة، ومصطلحها في ألف بيت، ووفى بما التزم.
ولقد بحثت في المنظومات التي ألّفت قبل العراقي، فلم أجد من سبقه إلى نظم مصطلح علوم السنة في ألف بيت، وبذلك يكون هو أول من فتح هذا الباب، وتعد ألفيته أول ألفية عُرفت في المصطلح، وكل ما عرف من المنظومات قبلها، إما أقل أو أكثر من ألف بيت بكثير، وقد اخترتُ من ذلك إحدى المنظومات المطولة، المقارنة ألفية العراقي بها، حتى تظهر قيمتها العلمية وجهده فيها.
وتعرف تلك المنظومة بكتاب «أنواع علوم الحديث» ومؤلفها قاضي القضاة محمد بن خليل بن الخوبي المتوفى سنة ٦٩٣ هـ وقد كان معنيًا بالتأليف بالنظم (^٢) وهو تلميذ لابن الصلاح حيث يُلقبه في تلك المنظومة بـ «شيخنا» وهي ما تزال مخطوطة حتى الآن (^٣).
وقد صرّح في نهايتها بفراغه منها سنة ٦٩١ هـ وبذلك تكون من آخر
_________________
(١) انظر النسخ الخطية والمطبوعة السابق التعريف بها.
(٢) انظر: كشف الظنون ٤/ ١١٦١ و«نزهة النظار في قضاة الأمصار» لابن الملقن/ مخطوط بدار الكتب المصرية برقم (١٨٣٦) تاريخ طلعت/ ٢٩ ب.
(٣) وقد وقفتُ منها على نسخة وحيدة بدار الكتب المصرية برقم (٧١١) مجاميع طلعت، وهي ناقصة من أولها ولذا عدها المفهرسون مجهولة المؤلف، ولكني وقفت على صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات لنسخة كاملة موثقة ورقمها في فهرس المعهد (١٠٠) حديث ومصطلح.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
مؤلفاته وأنضجها، لقرب هذا التاريخ من تاريخ وفاته المتقدم ذكره وباطلاعي عليها ومقارنتها تفصيليا بألفية العراقي، تبين لي أنهما يلتقيان في بعض النواحي الشكلية والموضوعية، ويختلفان في نواحي أخرى تثبت شخصية العراقي وجهده العلميين. فمن نواحي الالتقاء أن كلا الكتابين منظوم لا منثور، لكنهما يختلفان في عدد الأبيات، حيث التزم العراقي بعدد محدد هو ألف بيت كما مر، بينما لم يلتزم الخوبي بذلك، فبلغ عدد أبيات منظومته (١٥٠٠) بيت تقريبا، بزيادة تعادل نصف الألفية، واتفقا أيضًا في أن العراقي اعتمد في ألفيته أساسا على مقدمة ابن الصلاح كما مر وهكذا فعل الخوبي في منظومته وصرّح بذلك في مقدمتها حيث قال:
«فإن أنواع علوم السنن … أجدر ما بعلمه المرء عُني
وخير ما صُنّف فيها واشتهر … كتاب شيخنا الإمام المعتبر
وهو الذي بابن الصلاح يُعرف … فليس فيها مثله مصنف
وقد نظمت لبه مختصرًا … لا مسهب اللفظ ولا مقتصرا» (^١)
لكنهما اختلفا في الاختصار لكتاب ابن الصلاح بحسب ما ظهر لكل منهما وبالتالي اختلف مضمون الكتابين وتبويبهما، كما سنوضحه في بقية عناصر منهج العراقي الآتية، وآرائه.
ثانيا: اصطلاح العراقي في الألفية:
لما كان من منهج العراقي الالتزام باستيفاء علوم السنة في عدد معين من الأبيات وهو ألف بيت تقريبا كما مر، فإنه وضع اصطلاحات خاصة
_________________
(١) انظر نسخة دار الكتب السابق ذكرها/ ٤٦ ب.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
استعملها في النظم للاختصار وبينها في مقدمة الألفية فقال:
«فحيث جاء الفعل والضمير … الواحد ومن له مستور
كقال، أو أطلقت لفظ «الشيخ ما» … أريد إلا ابن الصلاح مبهما
وإن يكن لاثنين نحو «التزما» … فمسلم مع البخاري هما» (^١).
ثم قال في شرحه: هذا بيان، ما اصطلحت عليه فيها للإختصار، أي إذا أتى فعل لواحد، لا لجماعة أو اثنين، ولم يذكر فاعله معه ولا قبله، فالمراد به الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، كقوله: وقال:
بان لي بإمعان النظر … . (^٢)
وكذا إذا أتى بضمير موحد، لا يعود على اسم تقدم قبله، كقوله:
« كذا له .» (^٣)
أو أطلق لفظ «الشيخ» كقوله:
« … فالشيخ فيما بعد قد حققه» (^٤)
فالمراد بصاحب الضمير، وبـ «الشيخ»: ابن الصلاح أيضًا.
وأما إذا كان الفعل أو الضمير المذكوران لاثنين، كقوله في الفعل:
«واقطع بصحة لما قد أسندا … .» (^٥)
_________________
(١) «الألفية» / ١٦٩.
(٢) «الألفية مع فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬٣٨.
(٣) «الألفية» / مبحث حكم الصحيحين والتعليق/ ١٧١.
(٤) «الألفية» / التنبيهات الملحقة بمبحث «: المقلوب» / ١٨٤.
(٥) «الألفية» / حكم الصحيحين والتعليق/ ١٧١.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
وكقوله في الضمير:
«وأرفع الصحيح مرويهما … » (^١)
فالمراد بالاثنين البخاري ومسلم (^٢)
وقد وجدت العراقي التزم فعلا هذا الاصطلاح في عموم الألفية، وساعده ذلك على تقليل حجمها، مع استيعاب المعلومات المطلوبة.
وبمقارنة هذا بعمل الخوبي في منظومته، نجد أنه لم يضع لنفسه اصطلاحًا فيها، ولعل ذلك لعدم التزامه بعدد معين من الأبيات، كما التزم العراقي، غير أني وجدته في خلال المنظومة يُعبّر عن ابن الصلاح تارة بـ «الشيخ (^٣)» كما في اصطلاح العراقي، وتارة بـ «شيخنا (^٤)» لأنه من تلاميذ ابن الصلاح كما ذكرت من قبل، لكنه لم ينبه على ذلك كما فعل العراقي، وهذا مخالف لقواعد التأليف التي تقضي بأن يبين المؤلف اصطلاحه الخاص في كتابه حتى لا يشكل على من يطلع عليه غيره.
دفع نقد اصطلاح العراقي في الألفية:
وقد انتقد الحافظ ابن حجر اصطلاح شيخه العراقي في الألفية بأنه قد يلتبس لفظ «الفعل» المذكور لواحد والمقصود به ابن الصلاح، بلفظ «الفعل» المسند لاثنين، والمقصود به البخاري ومسلم، وذلك في حالة وقوع الفعل في
_________________
(١) «الألفية» / مراتب الصحيح/ ١٧١.
(٢) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ١/¬٩.
(٣) انظر «المنظومة» / ٦ أ.
(٤) انظر «المنظومة» ١/¬٦ ب و٨ أ، ب، ١٠ ب.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
قافية البيت، وإشباع فتحة الحرف الأخير، فتولّد ألف الإطلاق، مثل قوله في مبحث «المنقطع والمعضل»:
«وقيل ما لم يتصل وقالا … بأنه الأقرب لا استعمالا (^١)»
وقوله في مبحث اختلاف ألفاظ الشيوخ:
« … وما ببعض ذا وذا وقالا (^٢)»
فالمراد بفاعل (قال) في الموضعين، هو ابن الصلاح، ولكن وجود ألف الإطلاق فيهما المتولدة عن اشباع فتح اللام كما ترى، توهم التثنية التي يراد بها البخاري ومسلم، بناء على الاصطلاح المتقدم، بل إن بعض شيوخنا ذكر أن قول العراقي في البيت الأول: (وقالا) أراد به ابن الصلاح والنووي (^٣) مع: أن ذلك يخالف اصطلاحه، ويخالف ما قرره هو وغيره من شراح الألفية من: أن المراد ابن الصلاح فقط، وأن الألف للإطلاق (^٤).
وقد أجاب ابن قطلوبغا الحنفي عن العراقي في هذا بأنه يمكن التمييز بين ألف الإطلاق وألف التثنية برسم الكتابة (^٥)، وأقره السخاوي على ذلك (^٦).
لكني أرى أن هذا جواب غير سديد؛ لأنه مبني على القول بأن الحرف المتولد عن إشباع الحركة يُنطق ولا يُكتب، وهذا معارض بقول آخر: بأنه
_________________
(١) انظر «الألفية» / ١٧٧.
(٢) «الألفية» / ٢٠٧.
(٣) «المنهج الحديث في علوم الحديث» / قسم مصطلح الحديث لأستاذنا الشيخ محمد السماحي ١٥١.
(٤) «فتح المغيث» للعراقي جـ ١/ ٧٥، و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/ ١٥٠.
(٥) انظر «حاشية ابن قطلوبغا على شرح العراقي» للألفية/ ٤٠ ب (مخطوطة).
(٦) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬١٤، ١٥.
[ ٢ / ٧١٠ ]
يكتب في الشعر، كما هو الحال في الألفية، وقد أتبع ذلك فعلًا في طبعاتها المتداولة (^١)، وأشار العراقي بنفسه إلى إثباتها (^٢).
وهناك جواب آخر أشار إليه البقاعي: وهو أنه يمكن معرفة كون المراد بمثل هذا، ابن الصلاح، أو البخاري ومسلم، بواسطة القرائن المحيطة بلفظ (الفعل) (^٣) ولكن يعارض هذا أيضًا أن القرائن قد لا تكون كافية كما في المثالين السابق ذكرهما، إلا أنه يمكنني دفع ذلك من واقع بحثي للألفية، حيث وجدت أن ما هو بصورة المثالين السابقين نادر الوقوع فيها، والغالب جار على الاصطلاح بدون لبس فيعطى الحكم للغالب.
وهناك انتقاد آخر وجهه البقاعي للعراقي في تمثيله المتقدم لاصطلاحه المرموز به للبخاري ومسلم بقوله: (نحو التزما) فقال: (إن قوله «التزما» مشكل، حيث يحتمل أن يكون المراد بالملتزم ابن الصلاح، والألف للإطلاق لإمكان أن يكون التزم شيئًا في بعض مؤلفاته، وفي نفس الوقت لا توجد قرينة تعين أن المراد الشيخين) (^٤).
وقد أجاب ابن قطلوبُغَا أيضًا عن هذا بجواب أرتضيه؛ لاعتماده على واقع الألفية، وخلاصته، مع الإيضاح من جانبي: أن لفظ «التزما» الذي رأى البقاعي فيه الإشكال واللبس، لم يستعمله العراقي في الألفية مطلقًا، ولكنه ذكره في المقدمة على أنه مثال مفترض للأفعال التي تقع في الألفية مسندة.
_________________
(١) و(الألفية) / ١٧٧، ٢٠٧ و(فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ٧٠ وجـ ٣/ ٥٨.
(٢) و(فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٥٩.
(٣) و(النكت الوفية) / ٨ أ.
(٤) و(النكت الوفية) للبقاعي/ ٨ أ.
[ ٢ / ٧١١ ]
للمثنى، ولهذا قال «نحو التزما» ولم يقل «كالتزما»، بينما ذكر الفعل الواقع في الألفية فعلا وهو المذكور للواحد بدون تقديم كلمة «نحو». حيث قال: «كقال» (^١) ويؤكد هذا أنه في الشرح لم يذكر فعل «التزما» بل ذكر مثالا آخر من واقع الألفية كما مر ذكره.
وبذلك يندفع هذا الاعتراض على اصطلاح العراقي كما اندفع سابقه اعتمادًا على الواقع وهو خير دليل. وبالله التوفيق.
ثالثا: التقسيم الموضوعي لأنواع علوم السنة، وترتيب مباحثها في الألفية:
أهمية التقسيم والترتيب:
مع أن العراقي اعتمد في ألفيته أساسًا على كتاب ابن الصلاح كما بينت آنفًا إلا أنه أدخل تعديلات كلية وجزئية على منهج ابن الصلاح، في التقسيم العام لأنواع علوم السنة، وفي ترتيب مباحثها التفصيلية، وذلك بعكس ما فعل الخوبي في منظومته، حيث تبين لي من بحثها ومقارنتها، أنه جرى على تقسيم وترتيب شيخه ابن الصلاح، دون تغيير يذكر، وبهذا تميز منهج العراقي في الألفية عموما عن منهج الخوبي في المنظومة، كما تميز عن منهج المؤلفات الأخرى التي تناولت مصطلح علوم السنة في ضوء كتاب ابن الصلاح كما سنشير إليه.
وترجع أهمية تعديلات العراقي المنهجية عموما إلى أمرين:
أولهما: أن التقسيم والترتيب الذي انتهجه ابن الصلاح في كتابه، قد
_________________
(١) انظر (حاشية الطوخي على شرح الشيخ زكريا الأنصاري لألفية العراقي) ١٩/ أ (مخطوطة).
[ ٢ / ٧١٢ ]
انتقده العلماء من بعده حتى عصر العراقي (^١). ولهذا كان على العراقي الاهتمام بتخليص ألفيته مما انتقد به أصلها وهو كتاب ابن الصلاح، وذلك بأن يعيد النظر في تقسيمه، وترتيبه، ويدخل على ذلك من خلال منهجه في الألفية من التعديل والتغيير ما يراه مناسبا.
وثانيهما: أن تعديلات العراقي تمثل فهمه الخاص لمصطلح علوم السنة وتصوره لما ينبغي أن تكون عليه أنواعها، سواء من جهة التقسيم الموضوعي العام، أو من جهة الترتيب التفصيلي بين مباحثها، وعلاقة بعضها ببعض كما سيتضح لنا خلال المباحث التالية.