ونتيجة لجهد العراقي في تكوين شخصية ابنه العلمية والحديثية بالأخص، فإنه كان بمثابة إمتداد له في حياته، وبعد وفاته، فعندما توجه لقضاء المدينة استنابه في وظائفه العلمية بمصر، فتولاها ما عدا تدريس ومشيخة الحديث بـ «المدرسة الكاملية» فقد تمكن من انتزاعهما منه شيخه سراج الدين ابن الملقن فدفعه حماس الشباب إلى المعارضة، ولما كان شرط المدرسة كما سبق أن يكون مدرسها أعلم أهل القاهرة بالحديث، فإن أبا زرعة احتكم إلى هذا وقال: «يخرج الشيخ حديثا، وأنا أخرجه، لتتميز كفاءة كل منا»، فتوسل ابن الملقن بالسراج البلقيني والبرهان الأبناسي فكفا عنه أبا زرعة، واستقر في باقي وظائف والده، لحين عودته من المدينة، ثم لما توفي والده، أضيفت إليه أيضا وظائفه العلمية، وفي كلتا الحالتين سار في القيام بتلك الوظائف على طريقة والده، ودرس كثيرا من مؤلفاته (^١) وزادت بذلك مكانته العلمية ورياسته لملء فراغ والده ما استطاع، ونهوضه بواجباته على خير وجه، تحديثا وتدريسا وتخريجا لعلماء السنة وحفاظها، وكثير ممن تتلمذ لوالده أو أجازه استكمل دراسته عليه، كالحافظ ابن حجر، وتقي الدين بن فهد وغيرهما، وذكر تلميذه ابن فهد أن دروسه كانت من محاسن الدروس، يجري فيها من غير تلعثم ولا تحريف:
_________________
(١) انظر هوامش: «شرح ألفية العراقي»، نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم ٩٢٨٦ عام:
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وكذلك فإنه أعاد مجلس إملاء الحديث الذي انقطع بموت والده، بعد إحيائه له وأملى أيضا بمكة والمدينة، وقد تفرد بغالب ما أحضره أبوه له من المرويات، وحدث به، وبكثير من مسموعاته، سواء بالحجاز أو بالقاهرة أو بضواحيها، كساقية مكي بالجيزة، وبإمبابة، وبعض مدن «القليوبية» و«منوف» وكان يتولى ضبط أسماء سامعيه بنفسه، لقصور غالب الطلبة في ذلك.
أما مؤلفاته التي شملت الفقه وأصوله، وعلوم السنة المختلفة، فمنها ما أكمل به ما بدأه والده، ومنها ما ذيل به عليه، ومنها ما شرح به تأليفه، كما سنوضحه في موضعه، مع مؤلفات والده، وما ليس كذلك منها، فإنه استفاد فيه من والده، وأورد فيه بعض ما تلقاه عنه في دروسه شفاهة (^١) أو نقل فيه عن مؤلفاته بالتحديد أو بالإطلاق (^٢) كما سنبينه أيضا، ومن مؤلفاته ما اختلط على الباحثين والمؤرخين بمؤلفات والده، وبالعكس، كما سيأتي، ومن تقديره لوالده أنه ألف له ترجمة مفردة، كما قدمنا وسماها: «تحفة الوارد بترجمة الوالد».
وقد ذكر المترجمون له ومن شاهده غير مرة، من الصفات والأخلاق والأحوال، ما يشابه فيه والده، من جمال الصورة، ومتانة الدين، والتواضع وعذوبة اللفظ، والضبط، وقلة الكلام فيما لا يعنيه، كما ذكروا أنه كان ضيق العيش، كثير العيال، ومع ذلك كان عفيفا، قانعا، حتى إنه لما عزل قاضي القضاة جلال الدين البلقيني وطلب هو، امتنع، وقال: «صاحب
_________________
(١) «مختصر المهمات» جـ ١/¬٨ ب (مخطوط).
(٢) انظر: (البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح)، لولي الدين ابن العراقي ص ٩ وغيرها/ مخطوط مصور، والأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية/ ٧٠، ٧٤، ١٠٥، ١١٣ مكتبة التوعية الإسلامية - بمصر ١٤١١ هـ.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
الولاية أولى مني وهو أحق منا» (^١). فلما توفي البلقيني سنة ٨٢٤ هـ تولى المنصب بغير سؤال منه، مع وجود السعاة في تحصيله بدفع الأموال، وقد طلبه السلطان بنفسه مثلما حدث مع والده، ولقد سار فيه سيرة حسنة للغاية، فلما خولف في بعض الأمور عزل نفسه، فاستعطفه السلطان، وأعاده لنزاهته وصلابته في الحق، لكن ذلك ألب عليه أهل الدولة فيما بعد، فعزلوه وولوا مكانه أحد تلاميذه الأقل منه كفاءة، فتألم لذلك وقال: «لو عزلت بغير فلان ما صعب علي،»، ومع هذا حاول اجتياز الأزمة، والعودة إلى رسالته العلمية بالتحديث، والتدريس، والتصنيف، غير أن حياته لم تطل بعد ذلك، فمات مبطونا، على إثر حمى كبدية، وذلك في يوم الخميس ١٧ شعبان سنة ٧٢٦ هـ ودفن بجانب أبيه.