عندما نراجع كتاب الأربعين للعراقي نجد غالب أحاديثه من الصحيح لذاته، أو لغيره، وقد بين بنفسه ذلك حسب شرطه السابق، وبيانه للصحة متنوع،
_________________
(١) ينظر نظم اللآلئ/ ١٤٤ بتحقيق كمال يوسف الحوت.
[ ٥ / ١٩٦٤ ]
فمنه ما بين صحته بالعزو إلى البخارى ومسلم أو أحدهما، وذلك من بعض طرق الحديث التي تلتقى في أحد الرواه مع طريق العراقي التي أخرج الحديث بسنده منها، وعدد هذه الأحاديث بحسب النسخة المطبوعة حاليا (٢٢) حديثا، فتكون أزيد من نصف أحاديث الكتاب (^١) وقد بين الصحة أيضا بالعزو إلى من خرج الحديث وحكم بصحته كالإمام الترمذي، وهما حديثان (^٢) وهذه الطريقة في بيان الصحة من فوائد التخريج بالعزو كما تقدم.
ومن الأحاديث ما حكم بصحته من جانبه هو دون عزو لغيره، وذلك أربعة أحاديث، مع بيان سبب الحكم بالصحة في اثنين منهم، كما سيأتي، وذكر الحكم بالصحة فقط في اثنين (^٣)، كما بين تواتر حديث واحد من الصحيح الذى رواه في هذا الكتاب، وهو الحديث الرابع، فقد رواه بسنده من طريق سليمان التيمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
وقال: هذا حديث صحيح، وأيد ذلك بعزوه إلى البخارى في الصحيح عن أبي معمر عن عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس، ثم قال: هذا الحديث من أشهر الأحاديث (^٤) حتى ذكر مثالا للمتواتر؛ فقد ورد من حديث مائة من الصحابة، أو يزيدون، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة،
_________________
(١) ينظر الأحاديث رقم/ ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٥، ٢١، ٣٧، ٣٥، ٣٢، ٢٨، ٢٤، ٢٥، ٢٦، ٢٣، ٢٢
(٢) ينظر ص ١٢٥ وحديث (١٩)
(٣) ينظر الأربعين العشارية/ ص ١٦١، ١٦٧، ١٧٠، ٢١٢.
(٤) في المطبوع «الحديث» والمثبت من الحلبية.
[ ٥ / ١٩٦٥ ]
ثم قال: وحكى النووى في شرح مسلم عن بعضهم: أنه رواه مائتان من الصحابة، وعقب العراقى على ذلك بقوله: وفيه بعد (^١).
فمن هذا يستفاد تصحيحه للحديث، وإقراره بلوغ طرقه درجة المتواتر - وهو ما رواه في جميع حلقات سنده جمع أكثر من ثلاثة، ويستحيل عادة اتفاقهم على الكذب (^٢)، وإقراره أيضا أن عدد رواته من الصحابة يزيدون على المائة، بما فيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، واستبعاده للقول بأن عدد رواته مائتان من الصحابة.
وقد قرر هذه الأمور أيضا في شرحه لألفيته في المصطلح (^٣).
لكن في نكته على كتاب ابن الصلاح قرر خلاف هذا، فعدد (٧٥) صحابيا، وذكر أنهم هم الذين ورد الحديث عنهم باللفظ السابق ذكره، وأن من زادوا عن هؤلاء، فروايتهم في مطلق الكذب عليه ﷺ وأنه لذلك، لا تعتبر رواياتهم من طرق الحديث باللفظ السابق.
كما قرر أيضا أنه لا يمكن التواتر في شيء من طرقه، لأنه يتعذر وجود شرط التواتر في الطرفين والوسط من تلك الطرق؛ بل بعض طرقه الصحيحة إنما هي أفراد عن بعض رواتها.
وعقب على القول برواية الحديث عن مائتين من الصحابة، بقوله: ولعل هذا محمول على الأحاديث الواردة في مطلق الكذب، لا هذا المتن بعينه (^٤) يعنى (من كذب علي متعمدا).
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٣٥ - ١٣٦.
(٢) ينظر فتح المغيث للعراقي ٤/¬٦.
(٣) ينظر فتح المغيث للعراقي ٤/¬٥ - ٨.
(٤) ينظر التقييد والإيضاح مع كتاب ابن الصلاح/ ٢٧٠ - ٢٧٢.
[ ٥ / ١٩٦٦ ]
فيلاحظ من كلامه هذا على الحديث في النكت: أنه ينفى الحكم بتواتره مطلقا، وأنه يذكر محملا للقول بروايته عن مائتين من الصحابة، بدلا من استبعاده مطلقا. وقد نقل البرهان الحلبي كلام شيخه هذا في النكت وأقره (^١) لكن كتاب الأربعين هذا يعتبر زمن تأليفه متأخرا بنحو عشر سنوات تقريبا عن تاريخ فراغه من النكت، فيكون ما ذكره هنا في الأربعين هو الذي استقر عليه أخيرا.
وهو الموافق لما قرره ابن الصلاح (^٢) ووافقه عليه غير واحد، سواء من شيوخ العراقي كابن كثير (^٣) أو من أقرانه كالبلقيني (^٤) وابن الملقن (^٥) ومن بعدهما كابن حجر، مع إشارته إلى ما ذكره شيخه العراقى في نكته، ورده عليه دون تصريح باسمه (^٦) وتابعه على ذلك تلميذه السخاوى (^٧).
أما الحديثان اللذان صححهما العراقى وبين سبب تصحيحهما: فالحديث الأول منهما: حديث (٤) وقد رواه بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ أن أم سليم - وهي أم أنس أيضا - ذهبت به إلى رسول الله ﷺ لما قدم المدينة مهاجرا، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس غلام لبيب كاتب،
_________________
(١) ينظر الكشف الحثيث عمن رمى بوضع الحديث لبرهان الدين الحلبي، المعروف بسبط ابن العجمي/ ٣٠.
(٢) ينظر علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ الموضع السابق.
(٣) مختصر علوم الحديث له مع الباعث الحثيث ١/ ٢٤٠ (مبحث الحديث الموضوع).
(٤) محاسن الاصطلاح مع المقدمة/ ٣٩٣ - ٣٩٤.
(٥) المقنع له/ ص ١٠٤ مخطوط.
(٦) فتح البارى - كتاب العلم ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٧) فتح المغيث له ٤/¬١٦.
[ ٥ / ١٩٦٧ ]
يخدمك … (الحديث).
وقال العراقي عقبه: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات، قال الحافظ أبو نصر الوائلي: ما وقفت له على علة توجب تركه (^١).
فنلاحظ أنه لم يعز الحكم بالصحة إلى غيره، وأتبعه ببيان ما توافر فيه من شروط الصحة الأساسية وهى ثقة رجال الإسناد، وعدم وجود علة أخرى قادحة، لكنه اعتمد في الشرط الأخير على من سبقه وهو عبيد الله بن سعيد أبو نصر الوائلي السجزى المتوفى سنة ٤٤٠ هـ (^٢) وقد ذكر ابن حجر أن السجزى أخرج الحديث وصححه، لكن لم يذكر الكتاب الذي أخرج الحديث فيه، وإنما قال: قال أبو نصر السجزى بعد أن أخرج الحديث الذي رويناه - يعنى هذا الحديث من الطريق الذي رواه العراقي منه -: هذا حديث صحيح، ما وقفت له على علة توجب تركه (^٣).
فجعل الحكم بالصحة أيضا ممن سبق العراقي إلى تخريج الحديث بالسند نفسه، وهو السجزى.
والحديث الثاني: الذي بين العراقى سبب حكمه بصحته، قد رواه بسنده إلى سليمان التيمى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام، وقال: ثلاث ليال.
وقال العراقي عقبه: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم محتج بهم في الصحيحين (^٤).
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٠ - ١٦١.
(٢) ينظر السير ١٧/ ٦٥٤.
(٣) ينظر نظم اللآلئ لابن حجر/ حديث (٧١) ص ١٠٩.
(٤) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٧:
[ ٥ / ١٩٦٨ ]
ويلاحظ في بيان سبب التصحيح هنا أنه لم يذكر غير حال الرواة فقط المشترط في الصحة، فلعل سكوته عن باقى الشروط لعدم وجود قادح فيها في تقديره.
وأيضا الحديثان الآخران اللذان حكم بصحة كل منهما فقط، دون بيان توافر شروط التصحيح، لعل سكوته عن ذلك لعدم وجود قادح في صحة كل منهما في نظره.
لكن عندما تراجع الحديث الأول مما بين العراقي سبب تصحيحه، وكذلك الحديث الثاني مما لم يبين توافر شروط التصحيح فيهما، نجد أن هذين الحديثين من رواية حميد الطويل عن أنس بالعنعنة، وقد وصف حميد بالتدليس عن أنس، مع الخلاف في مرتبته، فالعلائى اعتبره من أهل المرتبة الثانية الذين لا تقدح عنعنتهم، لكونه عرف بأنه لا يدلس إلا عن ثقة (^١) لكن الحافظ ابن حجر اعتبره من أهل المرتبة الثالثة الذين يترجح قدح عنعنتهم، ووصفه بكثرة التدليس عن أنس (^٢) في حين نجد المتقدمين على الحافظ ﵀ منهم وصف حميدا، بمطلق التدليس ومنهم من وصفه بقلته (^٣) وجاء عن الحافظ نفسه في الفتح، قوله: اشتهر أن حميدًا كان ربما يدلس عن أنس (^٤) ومقتضى هذا عدم قدح عنعنته، وتقدم تصحيحه هو والسجزى لحديثه عن أنس أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة ذهبت أم أنس به إلى رسول الله ﷺ ليخدمه.
_________________
(١) جامع التحصيل/ ١١٣، ١٦٨.
(٢) طبقات المدلسين/ ص ٨٦ بتحقيق البنداري.
(٣) تهذيب التهذيب ٣/ ترجمة (٦٥).
(٤) ينظر فتح البارى ٤/ ٢٣٠.
[ ٥ / ١٩٦٩ ]
ونقل أيضا عن الذهبي ما يفيد عدم قدح عنعنة حميد الطويل عن أنس (^١) وبهذا يتأيد تصحيح العراقي لرواية حميد عن أنس بالعنعنة، مع توافر باقى شروط الصحة.
وروى العراقي الحديث (١٥) من طريق حميد عن أنس أيضا وصححه، مؤيدا ذلك باتفاق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيحين من طريق سالم بن أبي الجعد عن أنس ﵁ (^٢).
ثم روى الحديث نفسه من طريق آخر وهو طريق عثمان بن سعد قال: سمعت أنس بن مالك، به. وقال: عثمان بن سعد أخرجت (^٣) حديثه للمتابعة وفيه لين، وقد أخرج له أبو داود عن أنس ﵁ حديث: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة» وسكت عليه فهو عنده صالح (^٤) (^٥) وقد أفادنا العراقي في هذا الموضع أن الطريق التي تصلح للمتابعة لا يشترط أن تكون صحيحة ولاحسنة، بل يمكن أن تكون ضعيفة ضعفا خفيفا.
وأفادنا في هذا الموضع أيضا أن ما كان ضعفه خفيفا هكذا، وعضده طريق
_________________
(١) ينظر نظم اللآلئ بالمائة العوالي/ تخريج الحافظ ابن حجر/ ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٢ - ١٦٣.
(٣) في المطبوع (أخْرَجًا) والتصويب من النسخة الحلبية والمصرية، وبذلك يكون تعقب فضيلة المحقق في هذا الموضع للعراقي، في غير محله.
(٤) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٥.
(٥) كذا جاء في طبعة السنن بتحقيق الشيخ عوامة ٣/ حديث (٢٥٧٨) وفي طبعة الشيخ محيي الدين عبد الحميد ﵀ زيادة من بعض النسخ فيها تضعيف رواية سعد هذه فيكون ما ذكره العراقي من سكوت أبى داود، هو حسبما جاء في النسخة التي رجع إليها، فانتقاد فضيلة المحقق له في هذا بإطلاق، أيضا مدفوع.
[ ٥ / ١٩٧٠ ]
آخر صحيح لذاته، فإن الضعيف يرتقي إلى الصحة لغيره مباشرة، وليس إلى الحسن فقط، وهذا مما لا نجده مصرحا به عند العراقي في مظنته من مؤلفاته في مصطلح الحديث. فيكون ما ذكره العراقي من سكوت أبي داود، هو حسبما جاء في النسخة التي رجع إليها، فانتقاد فضيلة المحقق له في هذا بإطلاق، أيضا مدفوع.
ولعل العراقي اعتنى بذكر تلك المتابعة مع ضعفها، لتصريح المتابع فيها بالسماع من أنس ﵁ في مقابل عنعنة حميد عنه، وإن كان الراجح اتصالها كما قدمت.