أما الأحاديث التي حسنها العراقي في هذا الكتاب، فمنها حديث حسنه تبعا للترمذي (^١).
وبقية المواضع وهي الأكثر - لم يعز فيها التحسين لغيره، وقد أعقبها بتعليلات للتحسين، ضمنها بيانا لأحوال بعض رجال الإسناد الذين اقتضى حالهم تحسين الإسناد، مع تطبيقات هامة لقواعد الجرح والتعديل لا نجد تصريحا بها في مظانها من كتب مصطلح الحديث، وكتب الرجال بما في ذلك مؤلفات العراقي نفسه في ذلك.
وبذلك يكون لتعليلات العراقي وتطبيقاته في هذا الكتاب، آثارها الهامة في الاستفادة منها في بيان درجات الرواة المشابهين، ودرجات أحاديثهم، ودراسة الأسانيد عموما.
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ٢١١.
[ ٥ / ١٩٧١ ]
فمن ذلك أن العراقى روى الحديث الأول من الأربعين، من طريق عمار بن محمد عن الصلت بن قويد الحنفى قال سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: (الحديث).
ثم قال: وإسناده حسن، وعلل ذلك بقوله: عمار بن محمد، يكنى أبا اليقظان، وهو ابن أخت سفيان الثورى، وثقه يحيى بن معين، وغيره، واحتج به مسلم، ثم قال: والصلت بن قويد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وروى عنه غير واحد، وأما النسائى فقال: لا أدرى كيف هو؟. ثم قال: وقد صرح الصلت بسماعه له من أبي هريرة، وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: سمع أبا هريرة (^١).
فنلاحظ أنه علل تحسين الإسناد ببيان حال راويين فيه:
أولهما: «عمار بن محمد» فذكر أن يحيى بن معين وغيره قد وثقوه، ثم قال: واحتج به مسلم، وبذلك جمع في بيان حاله بين التوثيق القولي، من ابن معين وغيره، وبين احتجاج مسلم به في صحيحه، وهذا يسمى التوثيق الفعلى، أو التعديل بالرواية (^٢) وقد قرر ابن دقيق العيد أن المصحح لحديث الراوى المنفرد به، بمثابة قوله: إنه ثقة (^٣) وقد أفادنا العراقي هنا أنه يعتد في بيان حال الراوى بالتوثيق الفعلى بجانب التوثيق القولي، بينما لا نجده يصرح بهذا.
_________________
(١) ينظر العشارية/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) التعديل والتجريح للباجي ١/ ٢٩١ بتحقيق فضيلة الأخ الدكتور أبو لبابة حسين، والمنخول في علم الأصول للغزالي/ ٢٦٤/ بتحقيق الدكتور هيتو والمحصول للرازي ٤/ ٥٨٩ - ٥٩٠ - بتحقيق الأخ د/ طه علوان. والبحر المحيط للزركشى ٤/ ٢٨٩ - ٢٩١ وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر ١/ ٢٩٧ - ٢٩٩.
(٣) نصب الراية للزيلعي ١/ ١٤٨ - ١٤٩/ أحاديث التيمم.
[ ٥ / ١٩٧٢ ]
في مظناته من مؤلفاته في مصطلح الحديث.
وعندما نراجع مصادر ترجمة «عمار» هذا نجد مع توثيقه المتعدد بالقول والفعل، أن غير واحد من النقاد قد ضعفه تضعيفا مجملا، وفسر ابن حبان جهة الضعف بقوله: كان ممن فحش خطؤه، وكثر وهمه، فاستحق الترك من أجله (^١).
ولعل الدارقطني - وهو تلميذ ابن حبان - قد تبعه في وصفه «عمارًا» هذا بأنه متروك (^٢).
وبهذا يظهر أن عمارًا مختلف فيه، ويُفهم من اقتصار العراقي على ذكر توثيقه القولي والفعلي أنه يرجح توثيقه، في حين اختلف ترجيح الذهبي: بين ثقة وصدوق (^٣) وذكر الحافظ ابن حجر ما يفيد الجمع بين الأقوال، فقال: صدوق يخطئ، وكان عابدًا (^٤).
وهذا يلتقى مع القول بتحسين حديثه فيما لم يتبين خطؤه فيه.
وأما الراوى الثاني: وهو «الصلت بن قويد» فذكر العراقي أن ابن حبان ذكره في ثقات التابعين، وأنه روى عنه غير واحد، وعقب على ذلك بأن النسائي قال فيه: «لا أدرى كيف هو؟».
_________________
(١) المجروحين لابن حبان ٢/ ١٩٥.
(٢) ينظر التاريخ الكبير للبخاري ٧/¬٢٩ والأوسط المطبوع باسم الصغير ٢/ ٢٤٧ والجرح والتعديل ٦/ ترجمة (٢١٩٠) والموضوعات لابن الجوزي ١/ ١٥٩ ط أضواء السلف وتهذيب التهذيب ٧/ ترجمة (٦٥٩).
(٣) الميزان ٣/ ١٦٨ والكاشف ٢/ ترجمة (٣٩٩٧) والمغنى ٢/ ترجمة (٤٣٨٥)، والديوان/ ترجمة (٢٩٩٣) ومعرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد/ ترجمة (٢٥٢).
(٤) التقريب/ ترجمة (٤٨٣٢).
[ ٥ / ١٩٧٣ ]
وقد أفادنا العراقي بتحسين الإسناد: أن الراوى إذا روى عنه أكثر من واحد، ولم يوجد - بعد البحث الكافي - ما يفيد جرحه ولا تعديله، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، ولاسيما إن كان تابعيا، فإنه بمجموع ذلك تزول جهالة عينه وحاله، ويكون حديثه بمرتبة الحسن لذاته، ما لم تكن علة أخرى. وبناء على إشارته السابقة في تقريظ نظم الآلئ، يمكن وصف مثل هذا الراوى أيضا بأنه صدوق، حيث جعل وصف (الثقة) مقابل الصحة، ووصف أهل الصدق والسنن والصيانة المجزئة، مقابل الحسن كما أوضحته هناك وهذا التقعيد والتطبيق المستفاد من صنيع العراقي هنا، لا نجده أيضا مصرحا به في مظناته من مؤلفاته في مصطلح الحديث، مع أنه قد كرره أيضا في كتابه هذا، وفي بعض مؤلفاته الأخرى عند حكمه على بعض الأسانيد بالحسن، كما سيأتي.
وعبارة النسائي التي ذكرها العراقى في وصف «الصلت» فيها اختصار، وقد جاءت في نقل الذهبى موضحة، فذكر أن النسائي ساق للصلت حديثه الذي رواه العراقي هنا،، ثم قال النسائي: لا أدرى كيف هو، حديثه منكر (^١).
فأفاد بذلك أن عبارة «حديثه منكر» معناها هنا أنه منفرد بهذا الحديث، فلم يقف النسائى على متابع له عليه، ولم يجد ما يرفع جهالة حاله، ولذلك قرن مع تلك العبارة، عبارة «لا أدرى كيف هو؟» فتعتبر عبارة «حديثه منكر» ليست بيانا لحاله كما هو معتاد، ولكنها بمثابة تعليل من النسائي.
_________________
(١) المغنى في الضعفاء للذهبى ١/ ترجمة (٢٨٩٧).
[ ٥ / ١٩٧٤ ]
لجهالته بحال «الصلت» وهو أنه متفرد بحديثه هذا، فهو إطلاق للنكارة بمعنى مجرد التفرد فقط، لا بمعنى الجرح، بدليل السياق، ولذلك اعتبر الذهبي والعراقى أن عبارة النسائي هذه تفيد جهالته بحال الصلت، لكنهما اختلفا بعد ذلك، فاقتصر الذهبي على الحكم بجهالة «الصلت» تبعا لقول النسائي، فقال: لا يعرف (^١) ورأى العراقى أن رواية أكثر من واحد عنه، وعدم وجود ما يفيد جرحه، مع ذكر ابن حبان له في ثقات التابعين، يرفع جهالة حاله، ويجعله في مرتبة من هو صدوق، حسن الحديث، كما تقدم.
أما قول العراقي عن الحديث: وقد صرح الصلت بسماعه له من أبي هريرة، وتأييد ذلك بقول أبي أحمد الحاكم، فهو بيان لاستيفاء الحديث اتصال السند الذي هو شرط من شروط الصحيح والحسن لذاتهما، كما هو معروف.
وروى العراقي أيضا الحديث (٢٠) من طريق سحامة بن عبد الله، قال: قدم علينا أنس بن مالك ﵁ واسطا، فحدثنا أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فذكر من أمره حاجة وفقرا (الحديث).
وقال: هذا حديث حسن، «وسحامة» بفتح السين والحاء المهملتين. وقد ذكره ابن حبان في الثقات، إلا أنه سمى أباه «عبد الرحمن» وهكذا قال ابن أبي حاتم عن أبيه فيما صدر به كلامه، قال: وقيل: ابن عبيد الله، وقد روى عنه جماعة، وكيع، وأبو عامر العقدى، وآخرون (^٢).
فيلاحظ أنه علل تحسين الحديث من طريق «سحامة» هذا بنحو ما علل به تحسين الحديث السابق من طريق «الصلت» وهو أن راويه قد ذكره ابن حبان.
_________________
(١) الديوان/ ١٨٦.
(٢) الأربعين العشارية/ ١٧٩ - ١٨٠.
[ ٥ / ١٩٧٥ ]
في الثقات، وهو تابعي، وقد روى عنه جماعة، ولم نجد ما يفيد جرحه (^١) ونلاحظ هنا أن «سحامة» روى عنه أكثر من اثنين، فوصفه العراقي بأنه «روى عنه جماعة» والصلت لم نجد روى عنه سوى اثنين فقط، فوصفه بأنه «روى عنه غير واحد» وبهذا يستفاد أن الذي يطبق عليه العراقي قاعدة التحسين هذه، هو من روى عنه اثنان على الأقل، وذكره ابن حبان في الثقات، ولاسيما من كان من التابعين، ولم يوجد ما يفيد جرحه. وسيأتي تطبيق العراقي لتلك القاعدة أيضا في غير هذا الكتاب (^٢).
وكما خالف الذهبي العراقي في حال «الصلت» كما سبق، فقد خالفه أيضا تلميذه ابن حجر في حال «سحامة» هذا، فوصفه بأنه «مقبول» (^٣) ومقتضى اصطلاحه في هذا الوصف أن حديثه ضعيف لذاته، فلا يرتقى إلى الحسن إلا بعاضد يقويه.
والحديث التاسع والثلاثون، رواه العراقي من طريق عبد الله بن بكار قال: حدثنا عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم عيد الأضحى، يخطب على بعير، ثم قال: هذا حديث حسن، وعزاه إلى أبي داود من طريق هشام بن عبد الملك الطيالسي، وإلى النسائي من طريق أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان، كلاهما عن عكرمة بن عمار به.
ثم أشار إلى وجه تحسين الحديث فقال: وعبد الله بن بكار، ذكره ابن حبان.
_________________
(١) ينظر الثقات ٤/ ٣٥٠ - ٣٥١ والتهذيب ٣/ ٤٥٤.
(٢) ينظر قرة العين بالمسرة بوفاء الدين للعراقي/ ص ٣٥ بتحقيق مسعد السعدني.
(٣) التقريب (٢٢١١).
[ ٥ / ١٩٧٦ ]
في الثقات، وعكرمة بن عمار، احتج به مسلم في صحيحه، ووثقه العجلى والدارقطني، وقال ابن عدى: مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة (^١) ويُلاحظ أن مدار طرق الحديث التي معنا على عكرمة بن عمار، وقد ذكر العراقي توثيقه الفعلى باحتجاج مسلم به في صحيحه، وذكر توثيقه القولى عن جماعة، ولم يذكر فيه تجريحا، في حين نجد في مصادر ترجمته وصف غير واحد من النقاد له بضعف ضبطه لبعض مروياته (^٢).
فظهر أنه مختلفا في توثيقه المطلق الذى اقتصر العراقي عليه، فأفاد ترجيحه له، في حين جمع الذهبي وابن حجر بين الأقوال، فالذهبي مرة قال: ثقة إلا في حديثه عن يحيى بن أبي كثير (^٣) ومرة أخرى قال: صدوق مشهور (^٤). أما الحافظ ابن حجر فقال في التقريب: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب (^٥) وهذا هو الأقرب لجمع الأقوال في حاله، ويلتقى مع الحكم بتحسين الحديث الذي معنا من طريقه، لأنه ليس من روايته عن يحيى بن أبي كثير، لكن كان مقتضى ترجيح العراقي لتوثيقه المطلق، أن يصحح الحديث، لكون مدار طرقه عليه، كما أسلفت.
أما عبد الله بن بكار فلم يذكر العراقي من حاله إلا ذكر ابن حبان له في الثقات، وبالمراجعة نجد أن ابن حبان قد ذكره في الثقات، وروى هذا
_________________
(١) الأربعين العشارية/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٢) ينظر الميزان ٣/ ت (٥٧١٣).
(٣) الكاشف ٢/ ترجمة (٣٨٦٦).
(٤) ينظر المغنى في الضعفاء ٢/ ت (٤١٦٨).
(٥) التقريب/ ت (٤٦٧٢).
[ ٥ / ١٩٧٧ ]
الحديث من طريقه، ولم يتكلم عنه بشيء، ولم يذكر له راويا غير من روى عنه هذا الحديث، وهو أبو يعلى الموصلي، صاحب المسند (^١).
ولم أجد من ترجم له غير ابن حبان في ثقاته، وأخرج له في صحيحه حديثا توبع عليه (^٢) فدل على عدم احتجاجه به بمفرده.
وصنيع العراقي هنا يفيد ذلك، حيث ذكر من تخريج الحديث ما دل على متابعة اثنين من الثقات له وهما: هشام بن عبد الملك الطيالسي، أبو الوليد (^٣) عند أبي داود، وأبو نوح عبد الرحمن بن غزوان (^٤) عند النسائي، فيكون تحسينه للحديث من طريق ابن بكار، تحسينا لغيره.
حيث لم يتوافر فيه بقية الشروط التي أشار إليها العراقي فيمن حسن حديثه لذاته، ممن ذكره ابن حبان في الثقات، كما تقدم في الحديثين السابقين، إلا أنه توبع من ثقتين كما تقدم.
وقد حكم الحافظ ابن حجر على طريق أحدهما، وهو هشام بن عبد الملك، عند أبي داود، بأنه إسناد صحيح (^٥).
فكان مقتضى ما تقدم عن العراقى أن يحكم هنا بالصحة لغيره، لا بالحسن؛ لأنه تقدم ذكره متابعة (عثمان بن سعد) وبيان ضعفها الخفيف، وتقرير الحكم بصحة الحديث باعتبار صحة طريق من تابعه (عثمان) من رواة الحديث الثقات (^٦).
_________________
(١) ينظر الثقات ٧/ ٦٢.
(٢) ينظر الإحسان ١١/ حديث (٤٧٤٤، ٤٧٤٧، ٤٧٤٨).
(٣) ينظر التقريب (٧٣٠١).
(٤) التقريب (٣٩٧٧).
(٥) تنظر الإصابة ٤/ ترجمة (٨٩٤٦).
(٦) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٣ - ١٦٥.
[ ٥ / ١٩٧٨ ]
أما الحافظ الذهبي فقد أورد حديثنا هذا من طريق أبي يعلى الموصلي عن عبد الله بن بكار، به، وذلك في موضعين من كتابه (سير أعلام النبلاء) وفي أحدهما قال: هذا حديث حسن (^١) وفي الموضع الآخر قال: هذا حديث قوى الإسناد (^٢).
وما قدمته من حال «عبد الله بن بكار» يقتضى أن الحديث من طريقه ضعيف لذاته، وبمراعاة المتابعة الصحيحة يكون صحيحا لغيره، تبعا للقواعد. إلا أن الذي لاحظته بالنسبة إلى العراقى وغير واحد من الحفاظ المعتبرين، أن بعض القواعد التي يقررونها، لا يطرد تطبيقهم لها في كل المواضع المشابهة. وهذا في تقديرى لا يقدح في سلامة القاعدة نفسها، وإنما يقدح في الموضع الذي لا يُراعى فيه تطبيقها فقط، لسهو عارض، أو لغيره، مما لا يقدح أيضا في مكانة هؤلاء الحفاظ العلمية، وسبحان من له الكمال وحده.
وقد روى العراقى الحديث (١٣) بسنده من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق عن البراء بن عازب ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فأحرمنا بالحج (الحديث) وقال العراقي: هذا حديث حسن، وأتبع ذلك بأمرين: -
أولهما: بيان حال أبي بكر بن عياش، لكون مدار طرق الحديث عليه، وقد ذكر قول بعض من وثقه مطلقا، ومن قال فيه: ثقة ربما غلط، ومن أثنى على عدالته في الدين، كما ذكر من تعديله الفعلى أن البخارى احتج به في صحيحه، وأن الترمذى صحح من طريقه، وأن ابن حبان ذكره في الثقات،
_________________
(١) السير ١٤/ ١٨١.
(٢) ٧/ ١٣٨.
[ ٥ / ١٩٧٩ ]
كما ذكر قول ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا من رواية ثقة عنه، لكنه ذكر أيضا أن ابن نمير ويحيى القطان قد ضعفاه (^١) وبهذا أشار إلى أنه مختلف في توثيقه وتجريحه، وأن الأكثرين على ترجيح الاحتجاج به، وبذلك يكون الحديث من طريقه لا ينزل عن مرتبة الحسن لذاته، ما لم تكن هناك علة أخرى.
أما الأمر الثاني: فهو دفع العراقى لمظنة انقطاع الإسناد، ولضعف رواية أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق السبيعي، حيث إنه بعد بيان حال ابن عياش كما قدمت قال: وقد صحح الترمذي بهذا الإسناد حديث «كنا نتحدث أن أصحاب بدر بعدة أصحاب طالوت» الحديث (^٢).
والحديث المذكور قد أخرجه الترمذى فعلا من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق السبيعي عن البراء، به وقال: هذا حديث حسن صحيح (^٣).
وأبو إسحق السبيعي هو عمرو بن عبد الله، وقد وصف بالاختلاط بآخره، وبالتدليس القادح (^٤) وممن وصفه بالتدليس: الترمذى في غير هذا الموضع من جامعه (^٥) فتصحيحه للحديث السابق ذكره، يفيد مراعاته لعدم تدليس السبيعي فيه، كما أن تصحيحه لهذا الحديث يفيد أن رواية أبى بكر بن عياش عن السبيعي ليست في وقت اختلاط السبيعي، وهذا استنتاج تطبيقي من مقتضى الشروط
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٥٧ - ١٥٩ والكاشف ٢/ ترجمة (٦٥٣٥) والتهذيب ١٢/ ت (١٥١).
(٢) الأربعين العشارية/ ١٥٨.
(٣) جامع الترمذى (١٥٩٨).
(٤) الكواكب النيرات/ ترجمة (٤١) وطبقات المدلسين/ ١٠١ بتحقيق البنداري وزميله.
(٥) جامع الترمذي - كتاب الدعوات/ عقب الحديث (٣٤٧٥).
[ ٥ / ١٩٨٠ ]
المعتبرة في الصحيح، ومن حكم الترمذي به على المروى بهذا الإسناد، ومثل هذا لا نجده في مصادر ترجمة كل من أبى بكر بن عياش، وأبي إسحق السبيعي. ويؤيد هذا الاستنتاج تصحيح الذهبي للحديث بهذا الإسناد، كما سيأتي. وفي هذا أيضا معارضة لقول أبي حاتم الرازي: إن سماع أبي بكر بن عياش، من أبي إسحق السبيعي، ليس بالقوى (^١).
ومما يؤيد معارضة ذلك: أن كلا من البخارى ومسلم قد أخرجا في صحيحيهما عن أبي الأحوص عن أبي إسحق (^٢).
وقد سئل ابن معين: أبو الأحوص أحب إليك في أبي إسحق، أو أبو بكر بن عياش؟ فقال: ما أقربهما (^٣) فسوى بينهما كما ترى في روايتهما عن أبي إسحق، ومقتضاه أن رواية ابن عياش عنه مشاركة الرواية أبي الأحوص في الصحة، وفي كونها قبل اختلاط أبى إسحق، وأيضا جاء عن أبي بكر بن عياش ما يفيد عنايته بتمييز ما سمعه أبو إسحق من شيوخه (^٤).
وبما تقدم عن العراقي وبما يؤيده يندفع أيضا توقف البوصيري في الحكم على الحديث لأجل عدم وقوفه على حال رواية أبي بكر بن عياش عن السبيعي (^٥). أما الإمام الذهبي فأخرج الحديث بسنده المذكور، وقال: هذا حديث صحيح من العوالي (^٦).
_________________
(١) ينظر علل الراز ١/¬٣٥.
(٢) ينظر الكواكب النيرات وحاشيته/ ص ٣٥١ - ٣٥٢.
(٣) ينظر سؤالات عثمان الدارمي/ برقم (٨٦).
(٤) ينظر شرح العلل لابن رجب ٢/ ٥٣٨.
(٥) ينظر مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري/ حديث (١٠٤٦).
(٦) ينظر السير ٨/ ٤٣٨.
[ ٥ / ١٩٨١ ]
ومقتضى هذا ترجيحه لتوثيق أبى بكر بن عياش، في غير ما عرف وهمه فيه، كما يفهم هذا أيضا من تلخيصه لحاله في عدد من كتبه (^١).
لكنه أنزله إلى مرتبة من يحسن حديثه في غير ما وهم فيه، وذلك في كتابين آخرين من كتبه (^٢).
وهذا هو الموافق لصنيع العراقي هنا.
ومن هذا كله يتضح لنا عمليا أن الراوى المختلف في توثيقه وتجريحه، تختلف أنظار النقاد، بل الناقد الواحد، في تحديد مرتبته، ودرجة حديثه تبعا لذلك.
ويؤيد ذلك أيضا أن العراقي أخرج الحديث (٢٧) من طريق سلمة بن وردان، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: ارتقى رسول الله ﷺ المنبر فقال: آمين (الحديث) ثم قال: هذا حديث حسن، ثم أتبع ذلك ببيان حال «سلمة بن وردان» لكون مدار الحديث عليه، فقال: وسلمة بن وردان حسن له الترمذى حديثه عن أنس: من ترك المراء وهو باطل (الحديث)، وهو من أفراده عن أنس، فقال: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث سلمة، ثم قال العراقي: وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ليس حديثه بذاك، وقال أبو حاتم: ليس بقوى، عامة ما يرويه عن أنس منكر (^٣).
وروى العراقي الحديث (٣٠) أيضا من طريق مسلمة بن وردان عن أنس.
_________________
(١) ينظر الكاشف ٢/ ترجمة (٦٥٣٥) والمغنى ٢/ ت (٧٣٤٦) ومعرفة الرواة المتكلم فيهم/ رقم (٣٩٠) ط الباز.
(٢) ينظر الميزان ٤/ ترجمة (١٠٠١٦) والديوان/ ت (٤٨٧٧).
(٣) الأربعين العشارية ١٩٥ - ١٩٧.
[ ٥ / ١٩٨٢ ]
﵁ خرج رسول الله ﷺ يتبرز فلم يتبعه أحد (الحديث)، وقال العراقي: هذا حديث حسن، وأتبع ذلك بقوله: وسلمة بن وردان، فيه ضعف، وقد حسن له الترمذي أحاديث، كما سيأتي (^١).
وقوله: كما سيأتي، إحالة إلى حديث (٣٣)، فقد أخرجه من طريق سلمة بن وردان أيضا، وقال: هذا حديث حسن، أخرجه الترمذي عن يوسف بن عيسى عن الفضل بن موسى عن سلمة بن وردان، وقال: هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث سلمة (^٢).
ومن هذا تلاحظ أن العراقي يؤكد تقريره لنوع التعديل الفعلي، وإمكان ترجيحه على التجريح القولي، ولو تعدد، فقد ذكر ما يفيد أن الترمذي إذا حسن حديث الراوي مع إشارته لتفرده به عن شيخه، فإن ذلك يفيد تقرير اتصال رواية هذا الشخص عن شيخه، وتحسين حديثه لذاته، ما لم تكن هناك علة أخرى، ودون احتياج إلى ما قد يكون للحديث من شواهد (^٣) وأن ذلك يكون بمثابة وصف الترمذي للراوي بأنه صدوق، وما في حكم هذه اللفظة، وقد أفاد العراقي أيضا أن الترمذي يشير إلى تفرد الراوي بالحديث ببعض العبارات الاصطلاحية، كقوله: لا نعرفه إلا من حديث فلان، أو قوله: إنما نعرفه من حديث فلان.
_________________
(١) الأربعين العشارية/ ٢٠٢ - ٢٠٤.
(٢) الأربعين المشارية/ ٢١٠ - ٢١١ وجامع الترمذي (٣٥١٢) وفي طبعة الحلبي: حسن غريب، وهو الموافق لبقية كلام الترمذي بعده.
(٣) لأن الأحاديث الثلاثة السابقة لها شواهد/ ينظر تعليق فضيلة محقق الأربعين العشارية/ ١٩٦، ٢٠٤ - ٢٠٢، ١٩٧
[ ٥ / ١٩٨٣ ]
وقد سبق ابن دقيق العيد، العراقي إلى تقرير هذا بالنسبة إلى تصحيح الترمذى، فذكر أنه لا فرق بين أن يقول الترمذى عن الراوى: (إنه ثقة)، وبين أن يصحح له حديثا تفرد به، ولو كان هذا الراوى لم يُعرف أنه روى عنه غير راو واحد (^١) كما قرر الحافظ ابن حجر مثلما قرر شيخه بالنسبة إلى الحسن، فذكر أن من يقول الترمذى عن حديثه: (حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث فلان) فذلك يقتضى أن يكون هذا الراوى عند الترمذى صدوقا معروفا (^٢).
وبمثل ذلك يتقرر قبول التعديل الفعلى والاعتداد به، من حيث كونه قاعدة عامة يؤخذ بها، أما من حيث تطبيقها فيلزم مراعاة الملابسات الخاصة بكل راو على حدة، مع مجموع ما جاء في حاله من جرح أو تعديل آخر، إن وجد.
فإذا فعلنا هذا بالنسبة لسلمة بن وردان، وجدنا أن أكثر النقاد غير الترمذي، قد ضعفوه، مع تفسير بعضهم ذلك بما يتعلق بضبطه، ولاسيما روايته عن أنس ﵁ وهو في الحديث الذى معنا يروى عن أنس، وقد عزا ابن حبان ضعف ضبط سلمة إلى تغير حفظه بعد كبر سنه، ولم أجد من وافق الترمذى على الاحتجاج به بمفرده، إلا ما حكاه ابن شاهين عن أحمد بن صالح المصرى أنه قال: هو عندى ثقة حسن الحديث، حسن الحال، أما ابن سعد فقال: كان عنده أحاديث يسيرة، وكان ثبتا فقيها، ولا يحتج بحديثه، وبعضهم يستضعفه (^٣)
_________________
(١) ينظر نصب الراية للزيلعي ١/ ١٤٨ - ١٤٩/ باب التيمم.
(٢) ينظر تعجيل المنفعة/ ترجمة (عبد الله بن عبيد الديلي) رقم (٥٦١). وتحفة الأبرار للسيوطى/ ٤٤.
(٣) ينظر الميزان ٢/ ترجمة (٣٤١٤) والتهذيب ٤/ ترجمة (٢٧٥) وإكمال تهذيب الكمال =
[ ٥ / ١٩٨٤ ]
وفي عبارة ابن سعد هذه جمع بين الأقوال في حال سلمة، فأشار إلى أن ما يوصف به من التعديل، يحمل على عدالته في الدين، وما وصف به من تضعيف فيحمل على ضعف ضبطه، بحيث لا يرقى إلى الاحتجاج به بمفرده، وبهذا صرح ابن حبان أيضا في نهاية كلامه عنه (^١).
وسيأتى عن السخاوى نحو هذا الجمع.
وقد رجح تضعيفه مطلقا كل من الذهبى (^٢) والهيثمى (^٣) وابن حجر مع توقفه في تحسين الترمذى لحديثه هذا لذاته (^٤).
وبذلك لا يوافق الإمام الترمذى ولا أحمد بن صالح المصرى، على تحسين حديث «سلمة» لذاته، ولا يوافق الحافظ العراقى في متابعته للترمذى على ذلك، لمخالفتهم ما عليه أكثر النقاد من تضعيف «سلمة» من جهة ضبطه، لاسيما في روايته عن أنس بن مالك ﵄ فيكون حديثه ضعيفا لذاته، ويرتقى إلى الحسن أو الصحة بما يعضده.
وقد ذكر السخاوى ما يفيد هذا، فذكر الحديث المذكور من طريق «سلمة» عن أنس، وعزاه إلى البزار، وابن أبى شيبة في مسنديهما، وذكر قول البزار: سلمة، صالح، وله أحاديث يستوحش منها، لا يعلم رواها بألفاظه غيره.
وعقب السخاوى على ذلك، فقال: قلت: بل هو ضعيف، والظاهر أن قول
_________________
(١) = لمغلطاي ٣/ ٩٩٠ - ٩٩١ مخطوط.
(٢) ينظر المجروحين ١/ ٣٣٦.
(٣) ينظر الكاشف ١/ ترجمة (٢٠٥٢) والمغنى ١/ ترجمة (٢٥٤٩) والديوان ترجمة (١٧١٩).
(٤) مجمع الزوائد ١٠/ ١٦٦.
(٥) ينظر نظم اللآلئ له حديث (٩١).
[ ٥ / ١٩٨٥ ]
البزار: إنه صالح، عنى به الديانة؛ لكن لحديثه شواهد، كما ترى. وهو عند «تمام» من حديث موسى الطويل عن أنس بمعناه، وسنده ضعيف أيضا، ثم ذكر أن له شواهد، وذكر منها ما يزيد على عشرة، منها ما هو صحيح، وما هو حسن، وما هو ضعيف (^١).
فيعتبر «سلمة بن وردان» هذا مثالا للراوى المختلف في تعديله وتجريحه وبالتالي في درجة حديثه لذاته، مع ترجح تضعيفه وبالتالي تضعيف حديثه لذاته، وتقويته بما يعضده.
وروى العراقي الحديث التاسع والعشرين من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدثنا عطوان بن مشكان قال: حدثتني جمرة بنت عبد الله اليربوعية قالت: ذهب بي أبي إلى رسول الله ﷺ (الحديث).
ثم قال: هذا حديث حسن، ويحيى بن عبد الحميد الحماني، إمام حافظ، ولكن قد اختلف فيه، فوثقه ابن نمير، وابن معين، واختلف كلام أحمد بن حنبل، فوثقه مرة، ونسبه مرة إلى الكذب، وعطوان روى عنه جماعة، وقال فيه أبو حاتم: شيخ ليس بمنكر الحديث، كتبنا عن رجلين عنه (^٢).
فيلاحظ هنا أنه أعقب حكمه بالتحسين، ببيان حال راويين فقط من إسناده، هما: يحيى الحماني، وعطوان، إشارة إلى أنهما قد يستشكل بحالهما على حكمه بتحسين الحديث من طريقهما، وقد أشار في بيان حال يحيى إلى أن سبب نزول حديثه إلى درجة الحسن، أنه مع اتصافه بالإمامة والحفظ، فقد اختلف فيه اختلافا قويا، بين توثيقه، وصدقه، وبين تكذيبه وغفلته، وجاء
_________________
(١) ينظر القول البديع للسخاوى - الباب الثالث/ ٢٠٧ - ٢١٣.
(٢) الأربعين العشارية/ ٢٠٠ - ٢٠١.
[ ٥ / ١٩٨٦ ]
في عدة أقوال مفسرة، ما يفيد أن تكذيبه ليس لوضعه الحديث، ولكن لسرقته بعض مرويات غيره، ودعوى سماعه ما لم يسمعه، وكذبه في بدعته، وقد جاء عنه نفسه وعن ابن معين رد ما جرح به، بأنه من بعض حسدته، ومقتضاه عدم قدحه فيه، ولما سبر ابن عدى رواياته قال: لم أر في مسنده، وأحاديثه منكرا، وأرجو أنه لا بأس به (^١).
وعليه يكون تحسين العراقي للحديث هنا من طريقه متجها مع خلاصة رأى ابن عدى هذه فيه، وقد أشار الذهبى في الديوان إلى إقرار قول ابن عدى فيه، مع إضافته نسبته إلى غلو التشيع (^٢) وحديثه هنا كما نرى، ليس مؤيدا لبدعته، وقال عنه الذهبي أيضا: حافظ منكر الحديث (^٣).
وقال ابن حجر: حافظ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث (^٤)، وجزم في الفتح بأنه ضعيف (^٥) لكن في الإصابة، ذكر ما يفيد الاحتجاج به، كما سيأتي، والعراقي نفسه مع تحسين حديثه هنا، فإنه في كتابه «محجة القرب» ذكر الخلاف فيه بنحو ما ذكره هنا، وقال: وضعفه الجمهور (^٦)، وهذا يفيد ترجيحه لتضعيفه.
ومن هذا يظهر لنا أن الراوى المختلف في تعديله وتجريحه، بين أكثر من عالم، قد
_________________
(١) ينظر تاريخ بغداد ١٤/ ١١٩ والميزان ٤/ ترجمة (٩٥٦٧) والتهذيب ١١/ ٣٩٨.
(٢) ديوان الضعفاء/ ترجمة (٤٦٥٦).
(٣) ينظر المغنى في الضعفاء ٢/ ترجمة (٧٠٠٦).
(٤) التقريب (٧٥٩١).
(٥) فتح الباري ٣/ ٤٠٤، ٨/ ٢٣٥.
(٦) محجة القرب للعراقي/ ١١/ ب مخطوطة دار الكتب المصرية.
[ ٥ / ١٩٨٧ ]
يختلف أيضا رأى العالم الواحد في تقرير الراجح من حاله، وبالتالى درجة حديثه، كما ترى، فلابد من الاحتراس والتأنى في استخلاص الراجح في حال الرواة المختلف فيهم، والأخذ بما تقتضى به القواعد والقرائن.
وأما «عطوان بن مُشْكان»: فقد ترجم له ابن أبي حاتم، وذكر الرجلين اللذين رويا عنه، وذكر قول أبي حاتم السابق بأنه ليس بمنكر الحديث (^١)، ويضاف للراويين عنه المشار إليهما: يحيى الحماني الذي يروى عنه هنا، فيصبح الرواة عنه جماعة، كما ذكر العراقي، وقد اعتبر العراقي أيضا قول أبي حاتم السابق، أنه بمثابة وصفه بأنه صدوق، يُحسن حديثه، بل نقل ابن حجر عن ابن معين أنه قال: لا بأس به (^٢).
وقد تعقب ابن حجر أيضا قول ابن عبد البر عن حديث «جمرة» هذا بأنه لا يصح، فذكر أنه ليس في إسناده من هو محل نظر غير «عطوان» هذا وأن وصف ابن معين السابق له، يقتضى الاحتجاج به.
وبهذا يتأيد حكم العراقي بتحسين الحديث من طريقه كما تقدم.