ويشتمل على تقدمة وفصلين:-
التقدمة:
في الاحتجاج بالسنة النبوية
الفصل الأول:
في حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في الأحكام وفضائل الأعمال.
الفصل الثاني:
في حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في تفسير كتاب الله وقراءة شيء منه والمغازي.
[ ٢٤٥ ]
التقدمة في الاحتجاج بالسنة النبوية
السنة النبوية هي الأصل الثاني من أصول التّشريع الإسلامي، وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم على أنها مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال، وتحريم الحرام.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية (^١) وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية (^٣).
وروى الإِمام مالك عن النبي -ﷺ-، قال: "تركت فيكم أمرين: لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه" (^٤).
وفي السنن عن أبي رافع عن النبي -ﷺ- قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه" (^٥).
_________________
(١) الآية ٧ من سورة الحشر.
(٢) الآية ٦٣ من سورة النور.
(٣) الآية ٥٩ من سورة النساء.
(٤) رواه مالك في الموطأ ٢/ ٨٩٩.
(٥) رواه أبو داود رقم ٤٦٠٥، الترمذي رقم ٢٦٦٥، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه رقم ١٣، الحاكم في المستدرك ١/ ١٠٨ - ١٠٩.
[ ٢٤٦ ]
وفي رواية: "وأن ما حرم رسول الله -ﷺ- كما حرم الله" (^١).
وقال الإمام الشافعي: وإذا ثبت عن رسول الله الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرًا يخالف أمره (^٢).
وقال السيوطي: من أنكر كون حديث النبي -ﷺ- قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة، روى الإمام الشافعي -﵁- يومًا حديثًا، وقال: إنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به يا أبا عبد الله؟ فاضطرب وقال: يا هذا أرأيتني نصرانيًا، رأيتني خارجًا من كنيسة، أرأيت في وسطي زنارا. أروي حديثًا عن رسول الله -ﷺ- ولا أقول به؟! (^٣).
والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام (^٤).
وأما ما ورد عن ثوبان أن رسول الله -ﷺ- قال: "ألا إِن رحا الإِسلام دائرة قال: فكيف يصنع يا رسول الله؟ قال: أعرضوا حديثي على الكتاب، فما وافقه
_________________
(١) سنن الترمذي رقم ٢٦٦٦.
(٢) الرسالة للإمام الشافعي ص ٣٣٠.
(٣) مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي ص ٢ - ٣ المطبوع مع المجلد الثاني من مجموعة الرسائل المنيرية.
(٤) انظر: إرشاد الفحول للشوكاني ص ٣٣.
[ ٢٤٧ ]
فهو مني وأنا قلته" (^١).
فقد قال الخطابي: هو حديث باطل لا أصل له، وقال يحيى بن معين: هذا حديث وضعته الزنادقة (^٢).
وكون السنة كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام لا يعني أنَّهما في درجة واحدة من حيث الثبوت، فإن السنة تختلف عن الكتاب في هذا، لأن الكتاب كله قطعي الثبوت، ولا مجال للاختلاف فيه من هذا الجانب، أما السنة فإن فيها ما هو قطعي وهو المتواتر، وحكمه إفادة العلم القطعي الضروري (^٣)، وفيها ما هو ظني وهو الآحاد على خلاف في الصحيح لذاته هل يوجب العلم أو الظن؟ (^٤).
وأما الحسن: فإنه وإن أفاد الظن إلا أنه موجب للعمل كالصحيح عند الجماهير لترجح جانب الإصابة فيه (^٥).
وأما الحديث الضعيف، فلما كان مترددا بين أن يكون راويه قد حفظه وأداه على وجهه، وبين أن يكون قد أخل فيه لضعف ضبطه وسوء
_________________
(١) الحديث: رواه الطبراني في معجمه الكبير ٢/ ٩٤، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٧٠: فيه يزيد بن ربيعة وهو متروك منكر الحديث. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الرسالة للإمام الشافعي ص ٢٢٤: هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن، بل وردت فيه ألفاظ كثيرة كلها موضوع أو بالغ الغاية في الضعف حتى لا يصلح شيء منها للاحتجاج أو الاستشهاد.
(٢) معالم السنن لأبي سليمان الخطابي ٧/ ٩، وانظر: عون المعبود ٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧، الأحكام لابن حزم ٢/ ١٩٧ - ٢٠٠.
(٣) انظر: ص ٢٦، ٢٨ من هذه الرسالة.
(٤) انظر: ص ٣٩، ٤١ من هذه الرسالة.
(٥) انظر: ص ٤٢ من هذه الرسالة.
[ ٢٤٨ ]
حفظه، كان مثار اختلاف كبير بين العلماء في قبوله ورده، وهذا الاختلاف وإن تناول الأحكام والفضائل والتفسير والمغازي والسير وغيرها، فإنه لا يتناول العقائد كمعرفة الله تعالى وتوحيدة وأسمائه وصفاته وجزائه وقضائه وقدره، وإذ لا قائل به في ذلك، وقد اختلفوا في قبول خبر الآحاد وإن صح في هذا المجال، أولًا يقبل فيه إلا المتواتر، لكن الراجح في هذه المسألة هو قبول خبر الآحاد إذا صح في العقائد (^١)، ولذلك نجد ابن القيم يقسم الأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية -أي: العقائدية- إلى أربعة أقسام:
أحدها: متواتر لفظًا ومعنى.
الثاني: أخبار متواترة معنى، وإن لم تتواتر بلفظ واحد.
الثالث: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة.
الرابع: أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي إلى رسول الله -ﷺ- (^٢).
فالحديث الضعيف لا مدخل له في مجال العقائد، فاقتصرت في بحثي على حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، والأحكام والتفسير والمغازي والسير، وقد قسمته إلى فصلين:
الفصل الأول: في حكم الاحتجاج بالحدبث الضعيف في الفضائل والأحكام.
الفصل الثاني: في حكم الاحتجاج بالضعيف في التفسير والقراءة لكتاب الله، والمغازي.
_________________
(١) انظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/ ١٩ - ٢٠.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم ٢/ ٤٧٠، اختصار الشيخ الفاضل محمد بن الموصلي - ﵀.
[ ٢٤٩ ]
الفصل الأول حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في الفضائل والأحكام
اختلف العلماء في قبول الحديث الضعيف في الأحكام، وفضائل الأعمال على ثلاثة آراء:
الرأي الأول:
يرى بعض العلماء أنه يعمل بالحديث الضعيف مطلقًا، أي: في الحلال والحرام، والفرض الواجب، والفضائل، والترغيب، والترهيب، وغيرها، بشرطين:
١ - أن يكون ضعفه غير شديد، لأن ما كان ضعفه شديدًا، فهو متروك عند العلماء كافة.
٢ - أن لا يوجد في الباب غيره، وأن لا يكون ثمة ما يعارضه.
وجهة هذا الرأي:
يعلل أصحاب هذا الرأي قولهم بأن الحديث الضعيف لما كان محتملًا للإصابة، ولم يعارضه شيء قوي جانب الإصابة في روايته، فيعمل به.
كما أن من حجتهم أنه أقوى من رأي الرجال.
[ ٢٥٠ ]
من روي عنه هذا الرأي:
أ - الإِمام أبو حنيفة
نسب هذا القول للإمام أبي حنيفة (^١)، فقد ذكر ابن حزم أن ضعيف الحديث أولى عند الإمام أبي حنيفة من الرأي والقياس إذا لَمْ يجد في الباب غيره (^٢)، وقال ابن القيم: وعلى ذلك - يعني: تقديم الضعيف على القياس - بنى - يعني أبا حنيفة - مذهبه كما قدم حديث القهقهة (^٣) مع ضعفه على القياس والرأي، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر (^٤) مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بأقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف (^٥)، وجعل أكثر الحيض عشرة
_________________
(١) انظر: فتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٦٧، الأجوبة الفاضلة ص ٥١.
(٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٧/ ٩٢٩، مناقب أبي حنيفة للذهبي ص ٢١، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ١/ ٣.
(٣) حديث القهقهة: رواه الطبراني ولفظه عن أبي موسى قال: "بينما رسول الله -ﷺ- يصلي إذ دخل رجل فتردى في حفرة كانت في المسجد، وكان في بصره ضرر، فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة، فأمر رسول الله -ﷺ- من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة"./ انظر: مجمع الزوائد ٢/ ٨٢.
(٤) حديث النبيذ: رواه أبو داود رقم ٨٤، والترمذي رقم ٨٨، وابن ماجة رقم ٣٨٤ عن ابن مسعود بلفظ: "أن النبي -ﷺ- قال له ليلة الجن: ما في أداوتك؟ قال: نبيذ، قال: تمرة طيبة وماء طهور". وهو ضعيف باتفاق المحدثين. انظر: شرح النووي على مسلم ٤/ ١٦٩.
(٥) الحديث: رواه النسائي ٨/ ٨٣، الطحاوي في معاني الآثار ٣/ ١٦٣ عن أيمن قال: "يقطع السارق في ثمن المجن، وكان ثمن المجن على عهد رسول الله -ﷺ- دينارا أو عشرة دراهم".
[ ٢٥١ ]
أيام، الحديث فيه ضعيف (^١)، وشرط في إقامة الجمعة المصر، والحديث فيه كذلك (^٢)، وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة (^٣) (^٤).
وقال السندي (^٥): والمرسل حجة عندنا -يعني الحنفية- وعند الجمهور (^٦).
٢ - الإِمام مالك بن أنس
يدل على ذلك تقديمه الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول
_________________
(١) الحديث رواه الدارقطني ١/ ٢١٨، والطبراني عن أبي أمامة عن النبي -ﷺ-، قال: أقلّ الحيض ثلاث، وأكثره عشر". واللفظ للطبراني./ انظر: مجمع الزوائد ١/ ٢٨٠.
(٢) الحديث: رواه عبد الرزاق في مصنفه ٣/ ١٦٧، وابن أبي شيبة ٢/ ١٠١ عن علي قال: "لا جمعة ولا تشريق إلَّا في مصر جامع". زاد ابن أبي شيبة: "ولا صلاة فطر ولا أضحى"، قال البيهقي: لا يروى عن النبي -ﷺ- فيه شيء. انظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ١/ ٢١٤.
(٣) انظر: الآثار في مصنف عبد الرزاق ١/ ٨١ - ٨٣، وانظر: المبسوط للسرخسي ١/ ٩٠ - ٩٦، شرح فتح القدير ١/ ٩٨ - ١٠٧.
(٤) إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ٨١ - ٨٢.
(٥) هو: الشيخ العلامة المحدث الكبير أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي الحنفي السندي الأصل نزيل المدينة المنورة. له: حواشٍ على الكتب السبعة، وحاشية على فتح القدير لابن الهمام، وبهجة النظر على شرح نخبة الفكر، وغير ذلك، مات منة ثمان وثلاثين ومائة وألف. انظر: نزهة الخواطر في تراجم أعيان الهند لعبد الحي اللكنوي ٦/ ٦، هدية العارفين ٢/ ٣١٨.
(٦) حاشية السندي على سنن النسائي ١/ ١٠٤، ومعلوم أن المرسل من أقسام الحديث الضعيف كما تقدم.
[ ٢٥٢ ]
الصحابي على القياس (^١)، وكتابه "الموطأ" أكبر شاهد على ذلك، فهو مشتمل على كثير من الأحاديث المرسلة، والمنقطعة.
قال ابن عبد البر: وأصل مذهب مالك -﵀- والذي عليه جماعة من المالكيين أن مرسل الثقة تجب به الحجة، ويلزم به العمل، كما يجب بالمسند سواء (^٢).
وقال ابن العربي: تحقيق مذهب مالك أنه لا تقبل إلَّا مراسيل أهل المدينة (¬٣).
٣ - الإِمام محمد بن إِدريس الشافعي
تقدم رأيه في قبول المراسيل (^٤).
وقد عمل بعدة أحاديث ضعيفة، وقدمها على القياس، من ذلك:
تقديمه خبر تحريم صيد وج (^٥) مع ضعفه على القياس.
وقدم خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي (^٦) مع ضعفه، ومخالفته
_________________
(١) انظر إعلام الوقعين ١/ ٣٣.
(٢) التمهيد لابن عبد البر ١/ ٢.
(٣) عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي ١/ ٢٤٦.
(٤) انظر: ص ٨٤، ٨٥ من هذه الرسالة.
(٥) الحديث: أخرجه أبو داود رقم ٢٠٣٢، وأحمد ١/ ١٦٥، والبخاري في التاريخ ١/ ١/ ١٤٠، البيهقي ٥/ ٢٠٠ بلفظ: "إن صيد وج وعضاهه حرام محرم لله". قال النووي: إسناده ضعيف./ انظر المجموع ٧/ ٤٧٩ - ٤٨٠.
(٦) الخبر رواه أحمد ٥/ ١٦٥، البيهقي ٢/ ٤٦١ بلفظ: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب =
[ ٢٥٣ ]
لقياس غيرها من البلاد.
وقدم في أحد قوليه: حديث: "من قاء أو رعف فليتوضأ وليبن على صلاته" (^١)، على القياس مع ضعف الخبر وإرساله (^٢).
٤ - الإِمام أحمد بن حنبل
اشتهر هذا الرأي عن الإمام أحمد بن حنبل حتى قال ابن القيم: إنه الأصل الرابع الذي بنى عليبما فتاويه، وهو الأخذ بالمرسل، والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس (^٣).
وقال عبد الله بن أحمد (^٤): سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إليَّ من الرأي (^٥).
_________________
(١) = الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلَّا بمكة إلَّا بمكة". كذا في المسند مرتين، وفي البيهقي ثلاث مرات.
(٢) رواه ابن ماجة رقم ١٢٢١ عن عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي، فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم".
(٣) إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ٣٢.
(٤) إعلام الموقعين ١/ ٣١، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران ص ٤٣.
(٥) هو: عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل أبو عبد الرَّحمن، كان ثبتا فهما ثقة مكثرا عن أبيه وغيره، روى عن أبيه المسند والتفسير، وغيرهما، توفي سنة تسعين ومائتين. انظر: البداية والنهاية ١١/ ١٠٩، طبقات الحنابلة ١/ ١٨٠ - ١٨١.
(٦) إعلام الموقعين ١/ ٨١.
[ ٢٥٤ ]
وقال الأثرم (^١): رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي -ﷺ- في إسناده شيء يأخذ به، إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو ابن شعيب (^٢)، وإبراهيم الهجري (^٣)، وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجئ خلافه (^٤).
وفي الآداب الشرعية نقلًا عن الخلال (^٥): أن الحديث إذا ضعف إسناده عن رسول الله -ﷺ- ولم يكن له معارض قال به، فهذا مذهبه - يعني: الإمام أحمد.
وقال الخلال أيضًا في الجامع في حديث ابن عباس في كفارة وطء
_________________
(١) هو أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال: الكلبي، الأثرم الإسكافي أبو بكر جليل القدر حافظ إمام، أحد الآخذين عن الإمام أحمد والمكثرين من مسائله، توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين. انظر: تهذيب التهذيب ١/ ٧٨ - ٨٩، مختصر طبقات الحنابلة للنابلسي ص ٣٧ - ٣٩.
(٢) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال القطان: إذا روى عنه ثقة فهو حجة، وقال أحمد: ربما احتججنا به، وقال أبو داود: ليس بحجة، مات سنة ثمان عشرة ومائة. انظر: الكاشف للذهبي ٢/ ٣٣٢.
(٣) هو: إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري أبو إسحاق الكوفي، ضعفه النسائي وغيره، قال ابن عدي: إنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص عن عبد الله، وعامتها مستقيمة. انظر: الخلاصة للخزرجي ١/ ٥٦.
(٤) مسودة آل تيمية ص ٢٧٣.
(٥) هو: أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر المعروف بالخلال، صاحب التفاسير الدائرة، والكتب السائرة، من ذلك: الجامع لعلوم الإمام أحمد، والعلل، والسنة، والطبقات، وغيرها، توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. انظر: المنهج الأحمد ٢/ ٥ - ٧، مختصر طبقات الحنابلة للشطي ص ٢٢.
[ ٢٥٥ ]
الحائض (^١) قال: كأنه يعني الإمام أحمد - أحب أن لا يترك الحديث، وإن كان مضطربا، لأن مذهبه في الأحاديث إذا كانت مضطربة، ولم يكن لها مخالف قال بها.
وقال القاضي أبو يعلى (^٢) في التعليق في حديث مظاهر بن أسلم (^٣) في أن "عدة الأمة قرءان" (^٤): مجرد طعن أصحاب الحديث لا يقبل حتى يبينوا جهته مع أن أحمد يقبل الحديث الضعيف (^٥).
وقال القاضي أيضًا: قد أطلق أحمد القول بالأخذ بالحديث الضعيف، فقال مهنا (^٦): قال أحمد: الناس كلهم أكفاء إلَّا الحائك
_________________
(١) رواه أبو داود رقم ٢٦٤، والنسائي ١/ ١٥٣، ١٨٨، وابن ماجة رقم ٦٤٠، أحمد ١/ ٢٣٠، ٢٣٧، والحاكم ١/ ١٧١ - ١٧٢، والبيهقي ١/ ٣١٤، ولفظه عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: لم يتصدق بدينار أو نصف دينار".
(٢) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء أبو يعلى عالم زمانه، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره. له: أحكام القرآن، والمعتمد، عيون المسائل، الإحكام السلطانية، وغيرها، توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. انظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣ - ٢٣٠.
(٣) هو: مظاهر بن أسلم ضعفه أبو عاصم والنسائي، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: ميزان الاعتدال ٤/ ١٣٠ - ١٣١، تهذيب التهذيب ١٠/ ١٨٣.
(٤) رواه أبو داود رقم ٢١٨٩، والترمذي رقم ١١٨٢، وابن ماجة رقم ٢٠٨٠ عن عائشة بلفظ: "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان"، وفي رواية: "وقرؤها حيضتان".
(٥) الآداب الشرعية لابن مفلح ٢/ ٣١٥ - ٣١٦.
(٦) هو: مهنا بن يحيى الشامي السلمي أبو عبد الله، لزم الإمام أحمد ثلاثًا وأربعين سنة، وكتب عنه مسائل كثيرة، سئل عنه الدارقطني، فقال: ثقة نبيل. =
[ ٢٥٦ ]
والحجام والكساح. فقيل له: تأخذ بحديث: "كلّ الناس أكفاء إِلَّا حائكا أو حجامًا" (^١)، وأنت تضعفه؟! فقال: إنما نضعف إسناده، ولكن العمل عليه (^٢).
وسئل أحمد عن الرجل يكون ببلد لا يوجد فيها إلَّا صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه، وصاحب رأي فمن يسأل؟ قال: يسأل صاحب الحديث، ولا يسأل صاحب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي (^٣).
وقال أحمد: طريقتي لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه (^٤).
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا كان في المسألة عن النبي -ﷺ- حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة وربما كان الحديث عن النبي -ﷺ- في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما
_________________
(١) = انظر: المنهج الأحمد للعليمي ١/ ٣٣١ - ٣٣٣، مختصر طبقات الحنابلة للنابلسي ص ٢٥٠ - ٢٥٢.
(٢) رواه البيهقي ٧/ ١٣٤ عن ابن عمر بلفظ: "العرب بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل إلَّا حائك أو حجام"، وقال: هذا منقطع بين شجاع وابن جريج حيث لم يسم شجاع بعض أصحابه. ورواه أيضًا من عدة طرق كلها ضعيفة جدًا.
(٣) مسودة آل تيمية ص ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٤) انظر: مسائل الإمام أحمد بن خبل رواية ابنه عبد الله ص ٤٣٨، الأحكام لابن حزم ٦/ ٧٩٢، إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ٨١، القول البديع للسخاوي ص ٢٥٨.
(٥) انظر: خصائص المسند لأبي موسى المديني ص ٢٧ المطبوع في أول المجلد الأول من المسند بتحقيق الشيخ أحمد شاكر، الفروسية لا بن القيم ص ٤٨.
[ ٢٥٧ ]
أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه أثبت منه (^١).
٥ - أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني
يأخذ الإمام أبو داود مأخذ شيخه الإمام أحمد بن حنبل في العمل بالضعيف، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وعلى هذه الطريقة التي ذكرها أحمد بنى أبو داود كتاب السنن لمن تأمله، ولعله أخذ ذلك عن أحمد، فقد بين أن مثل عبد العزيز بن أبي رواد (^٣)، ومثل الذي فيه رجل لم يسم يعمل به إذا لم يخالفه ما هو أثبت منه (^٤).
وقد صرح بذلك أبو داود نفسه في رسالته لأبيل مكة حيث يقول: وإن من الأحاديث في كتابي "السنن" ما ليس بمتصل وهو مرسل، ومدلس، إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحكم (^٥)
_________________
(١) مسودة آل تيمية ص ٢٧٦.
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٣٤.
(٣) هو: عبد العزيز بن أبي رواد العتكي، قال يحيى القطان: ثقة لا يترك لرأي أخطأ فيه، ووثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال ابن عدي: في بعض أحاديثه مالا يتابع عليه، مات سنة تسع وخمسين ومائة. انظر: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٢/ ١٦٦.
(٤) المسودة في أصول الفقه ص ٢٧٥.
(٥) هو الحكم بن عتيبة أبو محمد الكندي مولاهم الكوفي عالم أهل الكوفة، قال سفيان بن عيينة: ما كان بالكوفة مثل: الحكم وحماد بن أبي سليمان، وقال العجلي: كان الحكم ثقة ثبتا =
[ ٢٥٨ ]
عن مقسم (^١) (^٢).
فقد جعل أبو داود الحديث المنقطع صالحا للعمل عند عدم الصحيح، والمنقطع من أنواع الضعيف.
ويقول أبو داود في شأن المرسل: فإذا لم يكن مسند غير المراسيل ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتّصل في القوة (^٣).
٦ - كمال الدين ابن الهمام
يرى الكمال ابن الهمام (^٤) أن الاستحباب يثبت بالحديث الضعيف غير الموضوع (^٥).
ومعلوم أن الاستحباب أحد الأحكام الخمسة.
_________________
(١) = فقيها من كبار أصحاب إبراهيم، وكان صاحب سنة واتباع، مات سنة خمس عشرة ومائة. انظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٣٣١ - ٣٣٢، سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٠٨.
(٢) هو: مقسم بن بجرة، ويقال: ابن نجدة أبو القاسم، ويقال: أبو العباس، قال الساجي: تكلم الناس في بعض روايته، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ضعيفا، توفي سنة إحدى ومائة. انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٨٨ - ٢٨٩.
(٣) رسالة أبي داود لأهل مكة ص ٣٠.
(٤) المرجع السابق ص ٢٥.
(٥) هو: محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد كمال الدين الشهير بابن الهمام السكندري السيواسي الحنفي الفقيه الأصولي الحافظ المفسر. له: شرح الهداية المسمى فتح الفدير، التحرير في أصول الفقه وغيرهما، مات سنة إحدى وستين وثمانمائة. انظر: الفوائد البهية ص ١٨٠ - ١٨١.
(٦) شرح فتح القدير لابن الهمام ٢/ ١٣٣.
[ ٢٥٩ ]
٧ - محمد المعين بن محمد الأمين.
يرى الشيخ محمد المعين بن محمد الأمين (^١) أن الحديث الضعيف يحتج به، بل يقدم على الإجماع وقول الصحابي، وقال: ترك الإجماع بالحديث الضعيف أولى من ترك الحديث بالإجماع (^٢).
وغير هؤلاء من العلماء يرون الاحتجاج بالضعيف مطلقًا، وقد زعم الشيخ أحمد بن محمد الصديق المغربي (^٣) أن جميع الأئمة يحتجون بالحديث الضعيف، وأن قولهم: الضعيف لا يعمل به في الأحكام قول ليس على إطلاقه، كما يفهمه جل الناس أو كلهم، لأنك إذا نظرت في أحاديث الأحكام التي أخذ بها الأئمة على الإجماع والانفراد تجد فيها الضعيف ما لعله يبلغ نصفها أو يزيد، وربما وجدت فيها المنكر والساقط القريب من الموضوع (^٤).
_________________
(١) هو: الشيخ الفاضل محمد معين بن محمد آمين بن طالب الله السندي، أحد العلماء المبرزين في الحديث والكلام والعربية. له: دراسات اللبيب، طريقة العون في حقيقة الكون، وغيرهما، توفي سنة إحدى وستين ومائة وألف. انظر: نزهة الخواطر في تراجم أعيان الهند لعبد الحى اللكنوي ٦/ ٣٥١ - ٣٥٥.
(٢) دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب ص ٦٨، ٦٩.
(٣) هو: الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق أبو الفيض محدث حافظ من أهل المغرب الأقصى. له: المعجم الوجيز للمستجيز وغيره، توفي سنة ثمانين وثلاثمائة وألف. انظر: معجم المؤلفين ٣/ ٣٦٨.
(٤) المثنوني والبتار في نحر العنيد المعثار الطاعن فيما صح من السنن والآثار ص ١٨٠.
[ ٢٦٠ ]
الرأي الثاني:
يرى بعض المحققين من أهل العلم أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا، لا في الأحكام، ولا في غيرها من الفضائل والترغيب والترهيب وجهة هذا الرأي:
يعلل أصحاب هذا الرأي قولهم بأن الحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح، واللّه ﷿ قد ذم الظن في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ الآية (^١). وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ الآية (^٢). وقال رسول الله -ﷺ-: "إِياكم والظن! فإِن الظن أكذب الحديث" (^٣).
كما أن في الأحاديث الصحيحة ما يغني المسلم عن الضعيف.
من قال بهذا الرأي:
١ - يحيى بن معين
قال ابن سيد الناس (^٤) عند الكلام في توثيق محمد بن
_________________
(١) الآية ٣٦ من سورة يونس.
(٢) الآية ١١٦ من سورة الأنعام.
(٣) الحديث أخرجه البخاري ٩/ ١٩٨ مع الفتح، ومسلم ١٦/ ١١٨ - ١١٩ مع النووي، وأبو داود رقم ٤٩١٧، والترمذي رقم ١٩٨٩.
(٤) هو: محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن سيد الناس أبو الفتح اليعمري الشافعي الحافظ الأديب المشهور. له: عيون الأثر في فنون المغازي والشمالْل والسير، ومختصره المسمى نور العيون، =
[ ٢٦١ ]
إسحاق (^١): وممن حكي عنه التسوية بين الأحكام وغيرها يحيى بن معين (¬٢).
٢ - الإِمام محمد بن إِسماعيل البخاري
الظاهر من صنيع البخاري في صحيحه، وشدة شرطه في الرواة، وعدم إخراجه شيئًا من الأحاديث الضعيفة أن مذهبه عدم العمل بالحديث الضعيف، وهو ما استظهره الشيخ جمال الدين القاسمي (¬٣).
٣ - الإِمام مسلم بن الحجاج القشيري
يظهر من تشنيعه في مقدمة صحيحه (^٤) على رواة الضعيف أن مذهبه عدم الاحتجاج بالحديث الضعيف مطلقًا.
قال ابن رجب (^٥): وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه
_________________
(١) = وغيرهما، توفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. انظر: الوافي بالوفيات ١/ ٢٨٩ - ٣١١، الدرر الكامنة ٤/ ٣٣٠ - ٣٣٥.
(٢) هو: محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، إمام أهل المغازي صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر، مات سنة خمسين ومائة. انظر: تقريب التهذيب ٢/ ١٤٤.
(٣) عيون الأثر لابن سيد الناس ١/ ١٥.
(٤) قواعد التحديث للقاسمي ص ١١٣.
(٥) انطر صحيح مسلم ١/ ٧٦ - ٨٣ بشرح النووي.
(٦) هو: الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرَّحمن بن أحمد بن رجب البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي العلامة الزاهد العمدة الثقة. له: فتح الباري شرح صحيح البخاري ولم يكمل، شرح الترمذي، لطائف المعارف، القواعد الفقهية، وغيرها، توفى سنة خمس وتسعين وسبعمائة. =
[ ٢٦٢ ]
لا يروي أحاديث الترغيب إلَّا عمن تروى عنه الأحكام (^١).
٤ - الحافظ أبو زكريا النيسابوري (^٢)
روى الخطيب البغدادي عن أبي زكريا النيسابوري، قال: لا يكتب الخبر عن رسول الله -ﷺ- حتى يرويه ثقة عن ثقة حتى يتناهى الخبر إلى النبي -ﷺ- بهذه الصفة، ولا يكون فيهم رجل مجهول، ولا رجل مجروح، فإذا ثبت الخبر عن النبي -ﷺ- بهذه الصفة وجب قبوله والعمل به، وترك مخالفته (^٣).
٥ - أبو زرعة الرازي.
٦ - أبو حاتم الرازي.
٧ - ابن أبي حاتم الرازي.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل ولا تقوم الحجة إلَّا بالأسانيد الصحاح المتصلة، وكذا أقول أنا (^٤).
_________________
(١) = انظر: شذرات الذهب ٦/ ٣٣٩، البدر الطالع ١/ ٣٢٨.
(٢) شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٧٤.
(٣) هو: المحدث الحافظ الشهير أبو زكريا يحيى ابن الحافظ الكبير محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، إمام نيسابور ومفتيها بعد أبيه، الملقب بجيكان، كان له بيت يتعبد فيه، قال الحافظ الذهلي، رأيت العلماء وأولادهم ولم أر مثل ابني يحيي، قتل سنة سبع وستين ومائتين انظر:: تذكرة الحفاظ ٢/ ٦١٧.
(٤) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٥٦.
(٥) المراسيل لابن أبي حاتم ص ٧.
[ ٢٦٣ ]
٨ - ابن حبان
يفهم من قوله في كتاب "المجروحين": ما روى الضعيف ومالم يرو في الحكم سيان (^١)، أنه لا يعمل بخبر الضعيف، وأن وجوده كعدمه.
٩ - الإِمام أبو سليمان الخطابي
عاب الإمام المحدث أبو سليمان الخطابي -﵀- على الفقهاء عدم تمييزهم بين صحيح الحديث وضعيفه واحتجاجهم بالأحاديث الواهية الضعيفة، وإطراحهم للصحيحة، فقال في كتابه "معالم السنن": وأما الطبقة الثانية -وهم أهل الفقه والنظر- فإن أكثرهم لا يعرجون من الأحاديث إلَّا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف، والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته (^٢) الألسن فيما بينهم من غير ثبت فيه أو يقين به، فكان ذلك ضلة من الرأي وغبنا فيه، وهؤلاء -وفقنا الله وإياهم- لو حكي عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاد من قبل نفسه طلبوا فيه الثقة واستبرؤا له العهدة (^٣).
١٠ - أبو محمد بن حزم
قال في سياق صفة النقل عند المسلمين: والخامس شيء نقل كما ذكرنا:
_________________
(١) المجروحين لابن حبان ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٢) تعاورته: أي تداولته، قال في القاموس مادة "عور": اعتوروا الشيء وتعوروه وتعاوروه تداولوه.
(٣) معالم السنن للخطابي ١/ ٧ - ٨.
[ ٢٦٤ ]
إما بنقل أهل المشرق والمغرب، أو كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة، حتى يبلغ إلى النبي -ﷺ-، إلَّا أن في الطريق رجلا مجروحا بكذب أو غفلة أو مجهول الحال، فهذا -أيضًا- يقول به بعض المسلمين، ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه، ولا الأخذ بشيء منه (¬١).
١١ - القاضي أبو بكر بن العربي
نعى القاضي أبو بكر بن العربي على الحارث بن أسد المحاسبي (^٢) -بعد أن أشاد به- أخذه بالأحاديث الضعيفة وبناءه الأصول عليها (^٣). كما أوصى تلاميذه أن لا يشتغلوا من الأحاديث بما لا يصح سنده (^٤).
وهذا الرأي هو المشهور عنه المذكور في كثير من كتب علوم الحديث (^٥) لكن يشكل على هذا قوله في شرح الترمذي: الصحيح قبول المراسيل (^٦).
وقوله فيه: والمرسل عندنا حجة في أحكام الدين من التحليل والتحريم في الفضائل وثواب العبادات (^٧).
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٢/ ٨٤.
(٢) هو: الحارث بن أسد المحاسبي البصري أبو عبد الله من علماء مشايخ الصوفية، سمي بالمحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه. له: كتاب الرعاية لحقوق الله، رسالة المسترشدين، وغيرهما، توفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين. انظر: طبقات الصوفية للسلمي ص ٥٦ - ٦٠، جمهرة الأولياء لأبى الفيض النوفي ٢/ ١٩١ - ١٩٧.
(٣) انظر: عارضة الأحوذي ٥/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(٤) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٨٠.
(٥) انظر: فتح المغيث ١/ ٢٦٨، تدريب الراوىِ ص ١٩٦.
(٦) عارضة الأحوذي ١/ ١٣، ٢/ ٥٠.
(٧) المرجع السابق ٢/ ٢٣٧.
[ ٢٦٥ ]
ومعلوم أن المرسل من أنواع الضعيف كما تقدم.
كما يشكل عليه قوله في الكتاب المذكور: المسألة العاشرة: إذا زاد -أي العاطس- على الثالثة، فقد روى أبو عيسى -يعني الترمذي- حديثا مجهولًا "إِن شئت فشمته، وِإن شئت فلا" (^١). وهو وإن كان مجهولا، فإنه يستحب العمل به، لأنه دعاء بخير، وصلة للجليس وتودد له (^٢).
فمما تقدم يتضح أن له في المسألة قولين:
أحدهما: المنع بالإطلاق، وهذا هو المشهور عنه الذي لم يذكر عنه أحد خلافه.
وثانيهما: التسامح والتساهل في فضائل الأعمال، حيث قبل حديث المجهول في تشميت العاطس، لأنه تودد للجليس.
وإذا أردنا تحرير رأيه في المسألة نجد أن المنع جاء في كتابه "أحكام القرآن"، والتسامح جاء في كتابه الآخر "عارضة الأحوذي"، فإذا قلنا: إن المتأخر يقضي على المتقدم وينسخه، ومن خلال البحث في الكتابين نجد أن الأول منهما هو أحكام القرآن" بدليل ما يلي:
قوله في العارضة: وقد مهدنا هذه المسألة في كتاب "أحكام القرآن" (^٣).
_________________
(١) الحديث رواه أبو داود رقم ٥٠٣٦، الترمذي رقم ٢٧٤٥، ولفظه: "يشمت العاطس ثلاثًا، فإن زاد فإن شئت فشمته، وإن شئت فلا". وقال الترمذي: هذا حديث غريب وإسناده مجهول.
(٢) عارضة الأحوذي ١٠/ ٢٠٥.
(٣) عارضة الأحوذي ١/ ١٢٤.
[ ٢٦٦ ]
وقوله فيها: وذكر الخلاف والأحاديث فيها قررناه في أحكام القرآن (^١).
وغير ذلك من الإحالات التي تفوت الحصر (^٢)، بينما لا نجد في أحكام القرآن أي إحالة على العارضة، فيكون كلامه في العارضة متأخرا عن كلامه في أحكام القرآن.
وإذا أردنا أن نسلك مسلكا آخر، وهو مسلك الجمع بين القولين نقول:
تحمل وصيته لتلاميذه بإطراح الضعيف والاشتغال بالصحيح في مجال الأحكام، والحلال والحرام، لا سيما والوصية المذكورة بصدد الكلام على أحكام الوضوء. ويحمل قوله في العارضة على فضائل الأعمال، كما هو رأي الجمهور.
لكن الذي أميل إليه هو الترجيح بين هذين القولين، فيرجح صريح لفظه بعدم الاحتجاج بالضعيف مطلقًا الذي أوصى به تلاميذه، لا سيما أنه لم ينقل عنه رأي آخر في المسألة.
١٢ - شيخ الإِسلام ابن تيمية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة (^٣).
_________________
(١) المرجع السابق ١/ ٢١٧.
(٢) انظر مثلا: ١/ ١١، ٣/ ١٤٨، ٣/ ١٦١، ١٠/ ١٣٩، وغير ذلك من المواضيع في كتاب "عارضة الأحوذي".
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص ٨٤.
[ ٢٦٧ ]
١٣ - أبو شامة المقدسي (^١)
قال أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" منكرا على الحافظ ابن عساكر (^٢) إيراده حديث أبي هريرة: "من صام السابع والعشرين من رجب كتب الله له صيام ستين شهرًا". قال: كنت أود أن الحافظ لم يقل ذلك، فإن فيه تقريرا للأحاديث المنكرة، فقدره أكبر من أن يحدث عن رسول الله -ﷺ- بحديث يرى أنه كذب، ولكنه جرى في ذلك على عادة جماعة من أهل الحديث يتساهلون في أحاديث فضائل الأعمال، وهذا عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الأصول والفقه خطأ؛ بل ينبغي أن يبين أمره إن علم، وإلا دخل تحت الوعيد في قوله
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان المقدصي الشافعي المعروف بأبي شامة، لأنه كان به شامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر، له، معرفة بالقراءات السبع والفقه والعربية والحديث والرجال. صنف: شرح الشاطبية، مختصر تاريخ دمشق، الروضتين في أخبار الدولتين، مختصر تاريخ بغداد، وغيرها، توفي سنة خمس وستين وستمائة. انظر: الذيل على الروضتين للمترجم ص ٣٧ - ٤٥.
(٢) هو: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف ابن عساكر الدمشقي، كان إماما في الحديث، ومن أعيان الفقهاء الشافعية. له: تاريخ دمشق في ثمانين مجلدا على وضع تاريخ بغداد، أتي فيه بالغرائب، ومن تصفحه علم منزلة مؤلفه في الحفظ، توفي سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. انظر: المختصر في أخبار البشر ٣/ ٥٩، العبر للذهبي ٤/ ٢١٢ - ٢١٣.
[ ٢٦٨ ]
-ﷺ-: "من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين" (¬١) (^٢).
١٤ - جلال الدين الدواني (^٣)
قال في أول رسالته "أنموذج العلوم": المسألة الأولى: اتفقو ا على أنَّ الحديث الضعيف لا يثبت به الأحكام الشرعية، ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحب العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، وممن صرح به النووي في كتبه لا سيما كتاب الأذكار (^٤)، وفيه إشكال، لأنَّ جواز العمل واستحبابه كلاهما من الأحكام الخمسة الشرعية، فإذا استحب العمل بمقتضى الحديث الضعيف كان ثبوته بالحديث الضعيف، وذلك ينافي ما تقرر من عدم ثبوت الأحكام بالأحاديث الضعيفة (^٥).
١٥ - محمد بن علي الشوكاني (^٦)
قال في كتابه "إرشاد الفحول": الضعيف الذي يبلغ ضعفه إلى حد
_________________
(١) الحديث: رواه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ٦٢ بشرح النووي، وأحمد في المسند ٥/ ٢٠، وابن ماجة بالأرقام ٣٨ - ٤١، ورمز له السيوطي في "الجامع الصغير" بالصحة./ انظر: الجامع الصغير ٦/ ١١٦ مع شرحه فيض القدير.
(٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ٦٤ - ٦٥.
(٣) هو: محمد بن أسعد الملقب جلال الدين الدواني الشافعي، إمام المعقولات، وصاحب المصنفات، منها: شرح التجريد للطوسي، وشرح التهذيب وحاشية على العضد، وغيرها، مات سنة ثمان عشرة وتسعمائة. انظر: البدر الطالع للشوكاني ٢/ ١٣٠.
(٤) انظر: الأذكار ١/ ٨٢ - ٨٣ مع شرحه الفتوحات الربانية.
(٥) أنموذج العلوم للدواني ص ٢.
(٦) هو: القاضي الحافظ الناقد الشهير محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الخولاني ثم الصنعاني، صاحب المصنفات الشهيرة النافعة، منها: نيل الأوطار شرح منتقى =
[ ٢٦٩ ]
لا يحصل معه الظن، لا يثبت به الحكم، ولا يجوز الاحتجاج به في إثبات شرع عام، وإنما يثبت الحكم بالصحيح والحسن، لذاته أو لغيره، لحصول الظن بصدق ذلك وثبوته عن الشارع (^١).
وقال معقبا على مقالة ابن عبد البر: أهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل، فيروونها عن كلّ، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام (^٢).
قال الشوكاني معقبا على هذه المقالة: وأقول: إن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام، لا فرق بينها، فلا يحل إثبات شيء منها إلَّا بما تقوم به الحجة، وإلا كان من التقول على الله بما لم يقل، وفيه من العقوبة ما هو معروف (^٣).
وقال في كتابه "نيل الأوطار": ما وقع التصريح بصحته أو حسنه جاز العمل به، وما وقع التصريح بضعفه لم يجز العمل به، وما أطلقوه ولم يتكلموا عليه، ولا تكلم عليه غيرهم لم يجز العمل به إلَّا بعد البحث عن حاله، إن كان الباحث أهلا لذلك (^٤).
لكن يشكل على هذا قوله: والآيات والأحاديث المذكورة في الباب
_________________
(١) = الأخبار، تحفة الذاكرين، الفو ائد المجموعة، فتح القدير، وغيرها، مات سنة خمسين ومائتين وألف. انظر: نيل الوطر ٢/ ٢٩٧ - ٣٠٢.
(٢) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ص ٤٨.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٢٢.
(٤) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٢٨٣.
(٥) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ١/ ١٥.
[ ٢٧٠ ]
تدل على مشروعية الاستكثار من الصلاة بين المغرب والعشاء، والأحاديث وإن كان أكثرها ضعيفا، فهي منتهضة بمجموعها، لا سيما في فضائل الأعمال (^١). وهذا يدل على تفريقه بين أحاديث الفضائل وغيرها.
١٦ - صديق حسن خان (^٢)
قال في كتابه "نزل الأبرار" الصواب الذي لا محيص عنه أن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام، فلا ينبغي العمل بحديث حتى يصح أو يحسن لذاته أو لغيره، أو انجبر ضعفه فترقى إلى درجة الحسن لذاته أو لغيره (^٣).
١٧ - أحمد محمد شاكر
يقول في كتابه "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث": والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب على كلّ حال، لأنَّ ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصا إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلَّا بما صح عن رسول الله -ﷺ- من حديث صحيح أو حسن (^٤).
_________________
(١) المرجع السابق ٣/ ٦٧.
(٢) هو: أبو الطيب صديق بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي، نزيل بهوبال، صاحب المؤلفات الكثيرة، منها: فتح البيان في تفسير القرآن، الروضة الندية، الدين الخالص، وغيرها، توفي سنة سبع وثلاثمائة وألف. انظر: التاج المكلل ص ٥٤١ - ٥٥٠، مقدمة الروضة الندية.
(٣) نزل الأبرار ص ٧ - ٨.
(٤) الباعث الحثيث لأحمد شاكر ص ٧٦.
[ ٢٧١ ]
١٨ - محمد ناصر الدين الألباني
قال في مقدمة كتابيه "صحيح الجامع الصغير" و"ضعيف الجامع الصغير": والذي أدين الله به، وأدعو الناس إليه أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا، لا في الفضائل والمستحبات، ولا في غيرهما (^١).
وقال في كتابه "سلسلة الأحاديث الضعيفة" بعد أن ذكر ما يروى عن النبي -ﷺ-: "من بلغه عن الله شيء فيه فضيلة فأُخذ به إِيمانا به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإِن لم يكن كذلك" (^٢).
وبعد أن قرر أنه حديث موضوع نقلا عن ابن الجوزي (^٣)، والسيوطي (^٤)، قال: ثم إن هذا الحديث وما في معناه كأنه عمدة من يقول بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ومع أننا نرى خلاف ذلك، وأنه لا يجوز العمل بالحديث إلَّا بعد ثبوته، كما هو مذهب المحققين من العلماء كابن حزم، وابن العربي المالكي، وغيرهم (^٥).
وقال في نهاية مقدمتي الكتابين المشار إليهما آنفا: وجملة القول أننا ننصح إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يدعوا العمل بالأحاديث الضعيفة مطلقًا، وأن يوجهوا همتهم إلى العمل بما ثبت منها عن النبي -ﷺ-، ففيها ما يغني عن الضعيفة، وفي ذلك منجاة من الوقوع
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير ١/ ٤٥، ضعيف الجامع الصغير ١/ ٤٥.
(٢) رواه الخطيب البغدادي في تاريخه ٨/ ٢٩٦.
(٣) انظر: الموضوعات لابن الجوزي ١/ ٢٥٨.
(٤) انظر: اللآلئ المصنوعة ١/ ٢١٤.
(٥) سلسلة الأحاديث الضعيفة ٥/ ٦٤ - ٦٧.
[ ٢٧٢ ]
في الكذب على رسول الله -ﷺ-، لأننا نعرف بالتجربة أن الذين يخالفون في هذا قد وقعوا فيما ذكرنا من الكذب؛ لأنهم يعملون بكل ما هب ودب من الحديث، وقد أشار إلى هذا بقوله: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع". رواه مسلم في مقدمة صحيحه (^١).
وعليه أقول: كفى بالمرء ضلالا أن يعمل بكل ما سمع (^٢).
١٩ - الدكتور صبحي الصالح
قال في كتابه "علوم الحديث ومصطلحه": لا نسلم برواية الضعيف في فضائل الأعمال، ولو توافرت له جميع الشروط التي لاحظها المتساهلون في هذا المجال، ثم ذكرت الشروط وقال: لا نسلم برواية الضعيف -رغم هذه الشروط- لأن لنا مندوحة عنه بما ثبت لدينا من الأحاديث الصحاح والحسان، وهي كثيرة جدا في الأحكام الشرعية والفضائل الخلقية، ولأننا -رغم توافر هذه الشروط- لا نؤنس من أنفسنا الاعتقاد بثبوت الضعيف، ولولا ذلك لما سميناه ضعيفا، وإنما يساورنا دائما الشك في أمره، ولا ينفع في الدين إلَّا اليقين (^٣).
الرأي الثالث:
إذا كان أصحاب الرأي الأول والثاني على طرفي نقيض في قبول الحديث الضعيف ورده، فإن الفريق الثالث -وهم جمهور العلماء-
_________________
(١) صحيح مسلم -المقدمة- ١/ ٧٢ - ٧٣ مع النووي.
(٢) مقدمة صحيح الجامع الصغير ١/ ٥١، ومقدمة ضعيف الجامع الصغير ١/ ٥١.
(٣) علوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي الصالح ص ٢١١ - ٢١٢.
[ ٢٧٣ ]
يسلكون مسلكا وسطا بين ذينك الرأيين، فهم لا يحتجون بالضعيف في الأحكام من الحلال والحرام، ويحتجون به في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب.
وهذا القول نسبه النووي في الأذكار إلى العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم (^١)، بل جاوز ذلك فنقل الاتفاق على ذلك في مقدمة كتابه "الأربعين (^٢) "، كما نقل الاتفاق أيضًا الملا علي القاري في موضوعاته الكبرى (^٣).
وجهة هذا الرأي:
وجه ابن حجر الهيتمي (^٤) هذا القول بأن الحديث الضعيف إن كان صحيحا في نفس الأمر فقد أعطي حقه من العمل به، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم، ولا ضياع حق للغير (^٥).
كما استدل له بحديث يروى عن النبي -ﷺ-: "من بلغه عني ثواب عمل فعمله حصل له أجره وإِن لم أكن قلته" (^٦).
_________________
(١) انظر: الأذكار ١/ ٨٢ مع شرحه الفتوحات الربانية.
(٢) الأربعين النووية ص ٣، وانظر: المنهل اللطيف لعلوي مالكي ص ١٣.
(٣) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص ٣١٥.
(٤) هو: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي، صاحب المصنفات الكثيرة، منها: تحفة المحتاج في شرح المنهاج، الزواجر، الصواعق المحرقة، شرح ا لإرشاد، وغيرها، توفي سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة. انظر: شذرات الذهب ٨/ ٣٧٠ - ٣٧٢، جلاء المعينين ص ٢٧.
(٥) الفتح المبين في شرح الأربعين ص ٣٦.
(٦) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١/ ٢٢ بلفظ: "من أدى الفريضة وعلم الناس الخير كان فضله على المجاهد العابد كفضلي على أدناكم رجلا، ومن بلغه عن الله =
[ ٢٧٤ ]
شروط العمل بالحديث الضعيف في الفضائل:
اشترط القائلون بهذا القول ستة شروط هي:
الأول: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه.
وقد نقل السخاوي الاتفاق على هذا الشرط (^١).
الثاني: أن يكون الضعيف مندرجا تحت أصل عام فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل معمول به أصلا.
الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، لئلا ينسب إلي النبي -ﷺ-، بل يعتقد الاحتياط (^٢).
الرابع: أن يكون موضوع الحديث الضعيف في فضائل الأعمال (^٣).
الخامس: أن لا يعارض حديثا صحيحا.
وهذا الشرط اعتبره البعض للإيضاح، وأسقطه الآخرون لظهوره.
_________________
(١) = فضل فأخذ بذلك الفضل أعطاه الله ما بلغه وإن كان الذي حدثه كاذبا". وهو حديث موضوع. انظر: تذكرة الموضوعات للفتني ص ٢٨، سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ٥/ ٦٨ - ٦٩.
(٢) انظر: القول البديع للسخاوي ص ٢٥٨، تدريب الراوي ص ١٩٦، الفتوحات الربانية ١/ ٨٣ - ٨٤.
(٣) انظر: القول البديع للسخاوي ص ٢٥٨، حاشية ابن عابدين ١/ ١٢٨، مغني المحتاج ١/ ٦٢، نهاية المحتاج ١/ ١٨١.
(٤) يفهم اشتراطه من كلام ابن الصلاح في علوم الحديث ص ٩٣، النووي في التقريب ص ١٩٦ مع التدريب.
[ ٢٧٥ ]
السادس: أن لا يعتقد سنية ما يدل عليه. قال الشيخ علوى مالكي: وهذا خلف في القول، لأنه لا معنى للعمل بالحديث الضعيف في مثل ما نحن فيه إلَّا كونه مطلوبا طلبا غير جازم، فهو سنة، وإذا كان سنة تعين اعتقاد سنيته (^١).
وقد زاد الحافظ ابن حجر شرطا غير هذه الشروط، وهو أن لا يشتهر ذلك لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة (^٢).
أمثلة للحديث الضعيف في فضائل الأعمال:
روي ابن ماجة في سننه عن أبي أمامة عن النبي -ﷺ- قال: "من قام ليلتي العيدين يحتسب لله لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" (^٣).
وهو حديث ضعيف لأنَّ في سنده بقية بن الوليد، وهو كثير التدليس عن الضعفاء، وهو هنا لم يصرح بما يثبت سماعه للحديث فيكون الحديث ضعيفا.
وهذا الحديث قد انطبقت عليه الشروط؛ إذ هو ليس بشديد الضعف وله أصل من الشرع، إذ قيام الليل والتعبد فيه قد حض عليه القرآن، والسنة الصحيحة، وهو بعمومه شامل لليلتي العيدين وغيرهما.
ومن أمثلته حديث صلاة التسبيح الذي رواه أبو داود عن ابن عباس
_________________
(١) المنهل اللطيف لعلوي مالكي ص ٩ - ١٠.
(٢) تبيين العجب لما ورد في فضل رجب لابن حجر ص ٣ - ٤.
(٣) رواه ابن ماجة رقم ١٧٨٢.
[ ٢٧٦ ]
أن النبي -ﷺ- قال للعباس بن عبد المطلب: "يا عباس يا عماه ألا أعطيك؟ ألا أمنحك؟ ألا أحبوك؟ ألا أفعل بك؟ عشر خصال إِذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمه وحديثه خطأه وعمده صغيره وكبيره سره وعلانيته، عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإِذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله والحمد للّه ولا إِله إِلَّا الله والله أكبر خمس عشرة مرّة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا، ثم تهوى ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد فتقولها عشرا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرا فذلك خمس وسبعون في كلّ ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات، إِن استطعت أن تصليها في كلّ يوم مرّة فافعل، فإِن لم تفعل ففي كلّ جمعة مرّة، فإِن لم تفعل ففي كلّ شهر مرّة، فإِن لم تفعل ففي كلّ سنة مرّة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرّة" (^١).
قال الحافظ ابن حجر: والحق أن طرقه كلها ضعيفة (^٢).
وقال النووي: جاء فيها حديث حسن في كتاب الترمذي وغيره (^٣).
وبالغ ابن الجوزي فأوردها في الموضوعات، وقال: هذه الطرق كلها لا تثبت (^٤).
_________________
(١) رواه أبو داود رقم ١٢٩٧، والترمذي رقم ٤٨١، ٤٨٣، وابن ماجة رقم ١٣٨٦، ١٣٨٧، والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام ص ٥٢.
(٢) تلخيص الحبير لابن حجر ٢/ ٧.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١/ ١٤٤.
(٤) الموضوعات لابن الجوزي ٢/ ١٤٣ - ١٤٦، عون المعبود ٤/ ١٧٦ - ١٨٣.
[ ٢٧٧ ]
من روي عنه هذا الرأي:
هذا الرأي مروي عن جمهور العلماء، وقد تقدم (^١) النقل عن النووي والملا علي القاري أن العلماء اتفقوا على العمل بالضعيف في الفضائل، ومن هؤلاء:
١ - سفيان الثوري.
روى الخطيب البغدادي بسنده عن سفيان الثوري قوله: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلَّا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، فلا بأس بما سوى ذلك من المشايخ (^٢).
فواضح من كلامه هذا تفريقه بين أحاديث الأحكام وغيرها.
٢ - عبد الله بن المبارك.
قال ابن أبي حاتم: حدثني أبي نا عبدة يعني: ابن سليمان (^٣) قال: قيل لابن المبارك، وروى عن رجل حديثا. فقيل: هذا رجل ضعيف فقال: يحتمل أن يروى عنه هذا القدر، أو مثل هذه الأشياء، قلت لعبدة: مثل أي شيء كان؟ قال: في أدب، في موعظة، في زهد، أو نحو هذا (^٤).
_________________
(١) انظر ص ٢٧٤ من هذه الرسالة.
(٢) الكفاية ص ٢١٢، شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٧٣.
(٣) هو: عبدة بن سليمان المروزي أبو محمد، ويقال: أبو عمرو، نزل المصيصة، وصحب ابن المبارك، وروى عنه، وثقه الدارقطني، وقال البخاري: أحاديثه معروفة، وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين. انظر: تهذيب التهذيب ٦/ ٤٥٩ - ٤٦٠.
(٤) الجرخ والتعديل ١/ ١/ ٣٠ - ٣١.
[ ٢٧٨ ]
وصنيعه في كتابه "الزهد والرقائق" يوحي بذلك، بل هو أكبر شاهد على ذلك، إذ حشده بكثير من الأحاديث الضعيفة من المراسيل، والمعضلات وغيرها (^١).
٣ - عبد الرحمن بن مهدي.
أخرج البيهقي في المدخل عن عبد الرَّحمن بن مهدي أنه قال: إذا روينا عن النبي -ﷺ- في الحلال والحرام، والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال (^٢).
٤ - سفيان بن عيينة.
ذكر الخطيب عن سفيان بن عيينة قوله: لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره (^٣).
٥ - يحيى بن معين.
قال ابن معين في موسى بن عبيدة (^٤) يكتب من حديثه
_________________
(١) انظر: ما أخرجه في كتابه "الزهد والرقائق" ص ٣٤ عن يزيد الرقاشي قال: كانت صلاة رسول الله -ﷺ- مستوية كأنها موزونة. ويزيد الرقاشي ضعيف كما في التقريب ٢/ ٣٦١. وما أخرجه في ص ٤٠ عن الحسن، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر". ومراسيل الحسن قال فيها الحافظ ابن حجر في الفتح ١١/ ٥٤٧: كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن، لأنه كان يأخذ عن كل أحد.
(٢) انظر: الأجوبة الفاضلة للكنوي ص ٥٠ - ٥١، قواعد التحديث للقاسمي ص ١١٤.
(٣) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٢١٢، شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٧٤.
(٤) هو: موسى بن عبيدة بن نشيط العدوي مولاهم أبو محمد الربذي ضعفه ابن المديني =
[ ٢٧٩ ]
الرقاق (^١). مع قوله: موسى بن عبيدة لا يحتج بحديثه (^٢)
فهذا يدل على تفريقه بين أحاديث الرقاق وغيرها.
٦ - أحمد بن حنبل.
روى الخطيب البغدادي عن الإمام أحمد قوله: إذا روينا عن رسول
الله -ﷺ- في الحلال والحرام والسق والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي -ﷺ- في فضائل الأعمال وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد (^٣).
وذكر أيضًا نقلا عن الميموني (^٤) قال: سمعت أبا عبد الله يقول أحاديث الرقاق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم (^٥).
وفي تاريخ يحيى بن معين قيل لأحمد: يا أبا عبد الله ما تقول في موسى بن عبيدة الربذي، وفي محمد بن إسحاق؟ فقال: أما محمد بن
_________________
(١) = والنسائي وابن عدي وجماعة، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث وليس بحجة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. انظر: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٣/ ٦٨.
(٢) شرح علل الترمذي ١/ ٧٣ - ٧٤.
(٣) التاريخ ليحيى بن معين ٣/ ٢٥٨.
(٤) الكفاية ص ٢١٣، وانظر: المسودة لآل تيمية ص ٢٧٣، الآداب الشرعية ٢/ ٣٠٩ - ٣١١.
(٥) هو: عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران الميموني الرقي أبو الحسن من أصحاب الإمام أحمد، وكان الإمام يكرمه، ويفعل معه ما لا يفعله مع أحد غيره، دون عن أحمد مسائل في ستة عشر جزءا. انظر: مختصر طبقات الحنابلة للنابلسي ص ١٥٥ - ١٥٧.
(٦) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٢١٣.
[ ٢٨٠ ]
إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث -كأنه يعني المغازي ونحوها- وأما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدث بأحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-، فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا، وقبض أبو الفضل (^١) على أصابع يديه الأربع من كلّ يد ولم يضم الإبهام (^٢).
تحقيق مذهب الإِمام أحمد في هذه المسألة:
تقدم في الرأي الأول (^٣) أن الإمام أحمد من القائلين به، ونراه هنا من القائلين بالتفريق بين أحاديث الفضائل والأحكام، والقاعدة عند الحنابلة أن الإمام أحمد -﵀- إذا نقل عنه في مسألة واحدة أقوال متعارضة، فإن أمكن الجمع، ولو بحمل عام على خاص، ومطلق على مقيد، فهما مذهبه، وإن تعذر الجمع وعلم التاريخ فالثاني مذهبه، وإن جهل التاريخ فمذهبه أقربهما من الأدلة، أو أقربهما من قواعده (^٤).
قلت: فمقتضى هذه القاعدة أن ما نسب إليه موافقا للرأي الأول مطلق
_________________
(١) هو: العباس بن محمد بن حاتم الدوري الحافظ البغدادي صاحب يحيى بن معين، قال الذهبي: كتابه في الرجال عن ابن معين مجلد كبير ينبئ عن بصره بهذا الشأن، وقال الأصم: لم أر في مشايخي أحسن حديثا منه، توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين. انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٩.
(٢) التاريخ ليحيى بن معين ٣/ ٦٠ - ٦١.
(٣) انظر: ص ٢٥٤ - ٢٥٧ من هذه الرسالة.
(٤) انظر: الفروع لابن مفلح ١/ ٦٤ - ٦٥، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ١/ ١٠، قاعدة نافعة جامعة للمرداوي الطبوعة في آخر الإنصاف ١٢/ ٢٤١ - ٢٤٣، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ٤٨.
[ ٢٨١ ]
في الأحكام والفضائل، وغيرها.
وما نسب إليه موافقا للرأي الثالث مقيد بالفضائل والترغيب والترهيب، فبحمل المطلق على المقيد يكون مذهبه على التحقيق هو الأخير، وهو التفريق بين أحاديث إلَّا حكام، وأحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، فإنه يتشدد في تلك ويتساهل في هذه، كما هو منطوق عبارته مما لا يدع للتأويل أي مجال.
٧ - أبو زكريا العنبري (^١)
روى عنه الخطيب البغدادي أنه قال: الخبر إذا ورد لم يحرم حلالا ولم يحل حراما ولم يوجب حكما، وكان في ترغيب أو ترهيب أو تشديد أو ترخيص وجما الأغماض عنه والتساهل في روايته (^٢).
٨ - أبو عمر بن عبد البر
قال ابن عبد البر: أهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل فيروونها عن كل، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام (^٣).
ونقل عنه السخاوي قوله: أحاديث الفضائل لا نحتاج فيها إلى من يحتج به (^٤).
_________________
(١) هو: يحيى بن محمد بن عبد الله بن العنبر بن عطاء بن صالح العنبري المفسر المحدث العلامة، قال ابن السمعاني: كان أديبا فاضلا عارفا بالتفسير واللغة، مات سنة أربع وأربعين وثلاثمائة انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ٨٦٥ - ٨٦٦، طبقات المفسرين للداوودي ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦.
(٢) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٢١٣.
(٣) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١/ ٢٢.
(٤) فتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٦٧.
[ ٢٨٢ ]
٩ - موفق الدين ابن قدامة (^١)
قال في المغني: النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث لها (^٢).
وقال في مسألة الاحتباء والإمام يخطب يوم الجمعة: ولا بأس بالاحتباء والإمام يخطب، روي ذلك عن ابن عمر وجماعة من الصحابة، ثم قال: والأولى تركه لما روي أن النبي -ﷺ- نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب (^٣). فالأولى تركه لأجل الخبر وإن كان ضعيفا (^٤).
١٠ - أبو زكريا النووي
قال في الأذكار بعد أن ذكر حديث: "من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه حين تموت القلوب" (^٥). قال: هو حديث ضعيف لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها (^٦).
وقال في شرح المهذب بعد أن ذكر حديث أبي أمامة: "لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله -ﷺ- في القبر، قال رسول الله -ﷺ-: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ
_________________
(١) هو: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمثسقي الفقيه الزاهد الإمام، أحد الأعلام موفق الدين. له: المغني، الكافي، المقنع، العمدة، وكلها في الفقه الحنبلي، وروضة الناظر في أصول الفقه، مختصر العلل، وغيرها، توفي منة عشرين وستمائة. انظر: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/ ١٣٣ - ١٤٩.
(٢) المغني ١/ ٧٧٣ ومعه الشرح الكبير.
(٣) رواه أبو داود رقم ١١١٠، والترمذي رقم ٥١٤ عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه.
(٤) انظر: المغني لابن قدامة ٢/ ١٧١.
(٥) تقدم تخريجه ص ٢٧٦ من هذه الرسالة.
(٦) الأذكار ٤/ ٢٣٦ مع الفتوحات الربانية.
[ ٢٨٣ ]
وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (^١) رواه أحمد (^٢) من رواية عبيد الله ابن زحر (^٣)، عن علي بن زيد بن جدعان (^٤)، عن القاسم (^٥)، وثلاثتهم ضعفاء، لكن يستأنس بأحادحث الفضائل وإن كانت ضعيفة الإسناد، ويعمل به في الترغيب والترهيب، وهذا منها (^٦).
١١ - الحافظ إِسماعيل بن كثير
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر الأحاديث والآثار الواردة
_________________
(١) الآية ٥٥ من سورة طه.
(٢) المسند للإمام أحمد بن حنبل ٥/ ٢٥٤.
(٣) هو: عبيد الله بن زحر الأموي مولاهم الأفريقي، ضعفه أحمد، وقال أبو زرعة: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وقال ابن عدي: يقع في أحاديثه ما لا يتابع عليه. انظر: الخلاصة ٢/ ١٩١.
(٤) كذا في المجموع شرح المهذب وهو: علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التميمي البصري، أصله حجازي، ينسب أبوه إلى جد جده، ضعيف من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: قبلها. انظر: تقريب التهذيب ٢/ ٣٧. والذي في المسند علي بن يزيد، وهو: الألهاني، ولعله هو الصواب، لأنَّ الحافظ المزي ذكر الألهاني من شيوخ عبيد الله بن زحر، ولم يذكر علي بن زيد بن جدعان، وهو من أهل الاستفصاء. انظر: تهذيب الكمال الورقة ٤٣٨ مخطوط.
(٥) هو: القاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفاني الجوشني، وثقه علي بن المديني وأبو داود، وذكر البخاري أن الحسن إذا سئل عن شيء من النسب قال: سلوا القاسم بن ربيعة، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٣١٢ - ٣١٣.
(٦) المجموع شرح المهذب ٥/ ٢٩٣ - ٢٩٤.
[ ٢٨٤ ]
في فضل غض البصر: وروي هذا مرِ فوعا عن ابن عمر وحذيفة وعائشة - ﵃- ولكن في أسانيدها ضعف، إلَّا أنَّها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه (¬١).
١٢ - جلال الدين المحلي (^٢)
قال في شرح المنهاج بعد أن ذكر الدعاء الذي يقال عند غسل كلّ عضو نقلا عن الروضة وشرح المهذب: لا أصل له، ثم استدرك قائلا: إنه روي عن النبي -ﷺ- من طرق في تاريخ ابن حبان، وغيره، وإن كانت ضعيفة للعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال (^٣).
١٣ - جلال الدين السيوطي.
قال في رسالته "طلوع الثريا": التلقين لم يثبت فيه حديث صحيح ولا حسن، بل حديثه ضعيف باتفاق المحدثين، ولهذا ذهب جمهور الأمة إلى أن التلقين بدعة، وآخر من أفتى بذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وإنما استحبه ابن الصلاح وتبعه النووي نظرا إلى أن الحديث الضعيف يتسامح به في فضائل الأعمال (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٥/ ٨٦.
(٢) هو: محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن هاشم الجلال المحلي. له تفسير لم يكمل، شرح جمع الجوامع، شرح الورقات، شرح المنهاج، وغيرها، مات سنة أربع وستين وثمانمائة. انظر: الضوء اللامع للسخاوي ٧/ ٣٩ - ٤١
(٣) شرح الجلال المحلي على المنهاج للنووي ١/ ٥٦ مع حاشتي القليوبي وعميرة.
(٤) طلوع الثريا بإظهار ما كان خفيا المطبوع ضمن الحاوي للفتاوى ٢/ ٣٧٧.
[ ٢٨٥ ]
١٤ - الخطيب الشربيني (^١)
قال في شرح المنهاج بعد أن ذكر حديث أنس أن النبي -ﷺ-، قال: "من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق" (^٢).
قال: هذا الحديث منقطع، لكنه من الفضائل فيتسامح فيه (^٣).
١٥ - تقي الدين الفتوحي (^٤)
قال في مختصر التحرير: ويعمل بالضعيف في الفضائل (^٥).
١٦ - الملا علي القاري.
قال في موضوعاته الكبرى: الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال
_________________
(١) هو: شمس الدين محمد بن محمد الشربيني القاهري الشافعي الخطيب، الإمام العلامة، صاحب المصنفات الشهيرة مثل: شرح المنهاج، شرح التنبيه، السراج المنير في التفسير، وغيرها، توفي سنة سبع وسبعين وتسعمائة. انظر: الكواكب السائرة ٣/ ٧٩ - ٨٠، شذرات الذهب ٨/ ٣٨٤.
(٢) رواه الترمذي رقم ٢٤١.
(٣) مغني المحتاج شرح المنهاج ١/ ٢٣١.
(٤) هو: محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المصري، الشهير بابن النجار الحنبلي تقي الدين أبو بكر، ولي قضاء مصر بسؤال جميع أهلها. له: منتهى الإرادات، مختصر التحرير وشرحه المسمى شرح الكوكب المنير، وغيرها، توفي في حدود سنة ثمانين وتسعمائة. انظر: مختصر طبقات الحنابلة لجميل الشطي ص ٨٧.
(٥) مختصر التحرير ص ٤٠.
[ ٢٨٦ ]
اتفاقا (¬١).
١٧ - محمد عبد الحي اللكنوي
قال في كتابه "الأجوبة الفاضلة": وليعلم أن الأحكام وغير الأحكام وإن كانت متساوية الأقدام في الاحتياج إلى السند -وما خلا عن السند فهو غير معتمد - إلا أن بينهما فرقا من حيث إنه يشدد في أخبار الأحكام من الحلال والحرام، وفي غيرها يقبل الإسناد الضعيف بشروط صرح بها الأعلام (^٢).
١٨ - الدكتور نور الدين عتر
قال في كتابه "منهج النقد في علوم الحديث": يبدو أن العمل بالضعيف في فضائل الأعمال هو أعدل الأقوال وأقواها، وذلك أننا إذا تأملنا الشروط التي وضعها العلماء للعمل بالحديث الضعيف فإننا نلاحظ أن الضعيف الذي نبحث فيه لم يحكم بكذبه، لكن لم يترجح فيه جانب الإصابة، وإنما بقي محتملا، وهذا الاحتمال قد تقوى بعدم وجود معارض له، وبانضوائه ضمن أصل شرعي معمول به، مما يجعل العمل به مستحبا، ومقبولا رعاية لذلك (^٣).
ومما سبق يتضح أن الرأي الثالث وهو العمل بالضعيف في الفضائل دون الأحكام هو رأي جمهور العلماء، وفي ذلك يقول العراقي: أما غير
_________________
(١) الأسرار المرفوعة ص ٣١٥.
(٢) الأجوبة الفاضلة للكنوي ص ٣٦.
(٣) منهج النقد في علوم الحديث للدكتور نور الدين عتر ص ٢٩٤.
[ ٢٨٧ ]
الموضوع فجوزوا التساهل في إسناده وروايته من غير بيان لضعافه، إذا كان في غير الأحكام والعقائد، بل في الترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحوها، أما إذا كان في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وغيرهما، أو في العقائد كصفات الله تعالي، وما يجوز وما يستحيل عليه، ونحو ذلك فلم يروا التساهل في ذلك (^١).
المراد بالضعيف عند هؤلاء الأئمة:
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن علان (^٢) أن المراد بالضعيف في كلام الإمام أحمد وغيره هو الحديث الحسن، لا الضعيف الذي جرى عليه العلماء المتأخرون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأي: ليس المراد به الضعيف المتروك، لكن المراد به الحسن، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث إبراهيم الهجري، وأمثالهما ممن يحسن الترمذي حديثه أو يصححه (^٣).
وقال: وأول من عرف أنه قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف
_________________
(١) شرح ألفية العراقي له ١/ ٢٩١.
(٢) هو: محمد علي بن محمد بن إبراهيم بن علان البكري الصديقي الشافعي، أحد العلماء المفسرين والأثمة المحدثين. له: ضياء السبيل إلى معالم التنزيل، شرح الأذكار، شرح رياض الصالحين، إعلام الإخوان بتحريم الدخان، وغيرها، توفي سنة سبع وخمسين وألف. انظر: خلاصة الأثر للمحبي ٤/ ١٨٤ - ١٨٩.
(٣) منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٢/ ١٩١.
[ ٢٨٨ ]
أبو عيسى الترمذي (^١).
وقال: والضعيف عندهم نوعان: ضعيف لا يحتج به، وهو الضعيف في اصطلاح الترمذي، والثاني: ضعيف يحتج به وهو الحسن في اصطلاح الترمذي، كما أن ضعف المرض عند الفقهاء نوعان:
نوع يجعل تبرعات صاحبه من الثلث، كما إذا صار صاحب فراش.
ونوع يكون تبرعات صاحبه من رأس المال كالمرض اليسير الذي لا يقطع صاحبه (^٢).
وقال ابن القيم: ليس المراد بالضعيف عنده -يعني الإمام أحمد- الباطل ولا المنكر، ولا ما في رواته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به، فللحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف (^٣).
ونحو هذا الكلام لابن علان (^٤).
ولي على هذا الكلام ملاحظتان:
الأولى: قولهم: المراد بالضعيف: الحسن فيه نظر، لأنه يلزم عليه أن هؤلاء الأئمة لا يحتجون بالحديث الحسن في الأحكام، وإنما يشترطون للأحكام الصحة، ويكتفون في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٨/ ٢٣.
(٢) شرح حديث: "إنما الأعمال بالنيات" ص ١١ - ١٢ المطبوع مع المجموعة الكمالية رقم ٢.
(٣) إعلام الموقعين ١/ ٣١ - ٣٢.
(٤) انظر: الفتوحات الربانية ١/ ٨٦.
[ ٢٨٩ ]
بالحديث الحسن، وهذا غير المعروف عن جماهير العلماء من الاحتجاج بالحديث الحسن في الأحكام وغيرها.
الثانية: قولهم: إن تقسيم الحديث إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف. لم يعرف قبل الإِمام الترمذي، وأن الحديث قبله إما صحيح، وإما ضعيف، ففيه نظر أيضًا، فقد ورد لفظ الحسن على لسان عدة من العلماء السابقين للترمذي من طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه، وأمثلة ذلك كثيرة.
منها: قول علي بن المديني في حديث عمر أن النبي -ﷺ- قال: "إِني ممسك بحجزكم عن النار" (^١).
قال: هذا حديث حسن الإسناد (^٢).
ومنها: قول الإمام البخاري في حديث رافع بن خديج أن النبي -ﷺ- قال: "من زرع في أرض قوم بغير إِذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته" (^٣).
قال البخاري: هذا حديث حسن (^٤).
ومنها: ما نقله ابن القيم عن الإمام أحمد من تحسين حديث ركانة في طلاقه امرأته ثلاثًا في مجلس واحد (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري ١١/ ٣١٦ مع الفتح، مسلم ١٥/ ٤٩، ٥٠ مع النووي، الترمذي رقم ٢٨٧٧ مطولا.
(٢) العلل لعلي بن المديني ص ١٠٢.
(٣) الحديث رواه أبو داود رقم ٣٤٠٣، الترمذي رقم ١٣٦٦، وابن ماجة رقم ٢٤٦٦.
(٤) انظر: مقالة البخاري هذه في سنن الترمذي بعد روايته هذا الحديث.
(٥) رواه أبو داود رقم ٢٢٠٦، الترمذي رقم ١١٧٧، ابن ماجة رقم ٢٠٥١.
[ ٢٩٠ ]
فقال: وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه (^١).
ولذلك قال ابن الصلاح: ويوجد -أي التعبير بالحسن في الحكم على الحديث- في متفرقات من كلام بعض مشائخه -يعني الترمذي- والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما (^٢).
وممن انتقد هذا الكلام محمد أنور الكشميري حيث قال في كتابه "فيض الباري": قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إن تقسيم الحديث عند قدمائهم كان إلى قسمين فقط صحيح وضعيف، والحسن لذاته كان عندهم داخلا في الصحيح، وإليه جنح غير واحد من الأئمة حتى أنه نقل الإجماع على ذلك!!! قلت: دعوى الإجماع غير صحيح لأن البخاري وعلي بن المديني ممن يفرقان بينهما، حتى جاء الترمذي وتبع في ذلك شيخه، فشهره ونوه بذكره، وعليه مشي في جميع كتابه (^٣).
معنى العمل بالحديث الضعيف:
يرى شيخ الإِسلام ابن تيمية أن العمل بالضعيف عند هؤلاء الأئمة هو مجرد رجاء الثواب المترتب عليه وخوف العقاب، لا أنه ملزم لأحد حيث يقول: العمل به بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب وتخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح، لكن بلغه أنَّها تربح ربحا كثيرا، فهذا إن صدق نفعه، وإن كذب لم يضره، ومثال ذلك: الترغيب والترهيب بالإسرائيليات، والمنامات وكلمات السلف والعلماء، ووقائع العالم
_________________
(١) إعلام الموقعين ٣/ ٣٩.
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٣٢.
(٣) فيض الباري شرح صحيح البخاري ١/ ٥٧.
[ ٢٩١ ]
ونحو ذلك، مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي لا استحباب ولا غيره، ولكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب والترجية والتخويف (^١).
وعندي أن في هذا الكلام نظرا؛ إذ في كتاب الله وما صح من سنة رسول الله -ﷺ- غنية عن هذا كله، فلا داعي لتضييع الأوقات بمثل هذه الأمور، والله المستعان.
وأما الشهاب الخفاجي (^٢) فيرى أن معنى ذلك أن يُروى حديث ضعيف في ثواب بعض الأمور الثابت استحبابها والترغيب فيه، أو في فضائل بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- أو الأذكار المأثورة (^٣).
معنى التساهل برواية أحاديث الفضائل:
يرى الشيخ عبد الرَّحمن بن يحيى المعلمي (^٤) أن معنى التساهل في
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/ ٦٦.
(٢) هو: أحمد بن محمد بن عمر المصري الفاضي شهاب الدين المعروف بالخفاجي، الأديب الحنفي. له: حاشية على تفسير البيضاوي، طراز المجالس، شفاء الغليل، شرح الشفاء، وغيرها، توفي سنة تسع وستين وألف. انظر: طرب الأماثل بتراجم الأفاضل ص ٢٥٥، هدية العارفين ١/ ١٦٠ - ١٦١.
(٣) انظر: نسيم الرياض شرح الشفاء للقاضي عياض ١/ ٤٣.
(٤) هو: الشيخ العلامة المحقق عبد الرَّحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي، تولى رئاسة القضاة في إمارة الإدريسي، ثم سافر إلى الهند فعمل في دائرة المعارف العثمانية مصححا كتب الحديث والتاريخ زهاء ربع قرن، ثم عاد إلى مكة سنة ١٣٧١ فعين أمينا لمكتبة الحرم المكي إلى أن مات سنة ست وثمانين وثلاثمائة وألف. =
[ ٢٩٢ ]
عبارات الأئمة هو التساهل بالرواية (^١)، فقد كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح أو قريب من الصحيح أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده، فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة، ومنهم من إذا وجد الحديث غير شديد الضعف وليس فيه حكم ولا سنة، إنما هو في فضيلة عمل متَّفق عليه كالمحافظة على الصلوات في جماعة ونحو ذلك لم يمتنع من روايته، فهذا هو المراد بالتساهل في عهاراتهم، غير أن بعض من جاء بعدهم فهم منها التساهل فيما يرد في فضيلة لأمر خاص قد ثبت شرعه في الجملة، كقيام ليلة معينة، فإنها داخلة في جملة ما ثبت من شرع قيام الليل، فبنى على هذا جواز أو استحباب العمل بالضعيف (^٢).
وقد بين الشاطبي خطأ هذا الفهم، فقسم الأعمال إلى ثلاثة أقسام:
- قسم منصوص على أصله جملة وتفصيلا.
- قسم غير منصوص عليه لا جملة ولا تفصيلا.
- وقسم منصوص عليه جملة لا تفصيلا.
فالأول: لا إشكال في صحته كالصلوات المفروضات، والنوافل المرتبة لأسباب وغيرها، وكالصيام المفروض أو المندوب على الوجه المعروف، فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحا، فإذا ورد في مثلها
_________________
(١) = له: التنكيل، الأنوار الكاشفة، العبادة، ديوان شعر، وغيرها. انظر: الأعلام للزركلي ٣/ ٣٤٢، الطبعة الرابعة سنة ١٩٧٩ م.
(٢) زعمه أن التساهل إنما هو بالرواية فقط أي دون العمل فيه نظر، إذ كثير من الأئمة يرون العمل به فضلا عن روايته، أما مجرد رواية الحديث الضعيف ونقله في كتب السنة فكثير شائع.
(٣) الأنوار الكاشفة للمعلمي ص ٨٧ - ٨٨.
[ ٢٩٣ ]
أحاديث ترغب فيها أو تحذر من ترك الفرض منها، وليست بالغة مبلغ الصحة، وليست ضعيفة بحيث لا يقبلها أحد، أو موضوعة لا يصح الاستشهاد بها، فلا بأس بذكرها، والتحذير منها، والترغيب بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح.
والثاني: ظاهر أنه غير صحيح، وهو عين البدعة، وذلك كالتعبد بالقيام في الشمس، أو بالصمت من غير كلام أحد، فالترغيب في مثل هذا لا يصح، إذ لا يوجد في الشرع، ولا أصل له يرغب في مثله، أو يحذر من مخالفته.
والثالث: ربما يتوهم أنه كالأول من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في الجملة فيسهل في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة، فمثلا: إذا جاء ترغيب في صلاة ليلة النصف من شعبان، فقد عضده أصل الترغيب في صلاة النافلة، وما أشبه ذلك، وليس كما توهموا، لأنَّ الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل، حتى يثبت التفصيل بدليل صحيح، ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح (^١).
وأما الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة (^٢)، فقد أثنى على المحدثين
_________________
(١) انظر: الاعتصام للشاطبي ١/ ١٨١ - ١٨٢ باختصار.
(٢) هو: الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة المولود في مصر سنة ١٣١١، انتقل إلى مكة المكرمة سنة ١٣٤٤ وعين مدرسا في الحرم المكي، ثم مدرسا في مدرسة دار الحديث بمكة، ثم مديرا لها مع التدريس في الحرم. له: ظلمات أبي رية أمام السنة المحمدية، رسالة الصلاة، المقابلة بين الهدى والضلال، وغيرها، توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وألف. =
[ ٢٩٤ ]
وأشاد بهم لتساهلهم في الفضائل والثواب والعقاب، ويرى أن ذلك من باب حفظ العلم، وعدم التفريط في شيء مما يروي، وقال: ومن شاء تساهل تساهلهم، ومن شاء تعنت، ورد ما تساهلوا فيه، وإذا تبين قدر النقل ووضع كل شيء في المرتبة اللائقة به فأي ضرر منه إلا عند من تعنت (^١).
المناقشات والترجيح:
بعد عرض الأقوال الثلاثة ومن قال بها، وما احتج به كل فريق، نلاحظ ما يلي: أولا: أن الرأي الأول المروي عن الأئمة الأربعة ليس فيه نصوص من كلامهم إلا مجرد إلزامات، ولازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر في علم الأصول، اللهم إلا ما روي عن الإمام أحمد وهو -إن صح عنه- كلام مجتهد يحتمل اجتهاده الخطأ والصواب، إذ ليس له دليل يقطع العذر (^٢)، على أنَّه قد روى عنه غيره، وقد حققت رأيه في المسألة جريا على قواعد الحنابلة (^٣)، مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن علان حملوا كلامه على الحسن (^٤).
ثانيا: ما ذكره الشيخ أحمد بن محمد الصديق أن جميع الأئمة
_________________
(١) = انظر: مشاهير علماء نجد، وغيرهم ص ٥١٤ - ٥١٦.
(٢) ظلمات أبي رية أمام السنة المحمدية ص ١٠١.
(٣) انظر: الاعتصام للشاطبي ١/ ١٧٩.
(٤) انظر: ص ٢٨١، ٢٨٢ من هذه الرسالة.
(٥) انظر ما تقدم ص ٢٨٩، ٢٩٠.
[ ٢٩٥ ]
يحتجون بالحديث الضعيف (^١)، فيه نظر، إذ تقدم ذكر من لا يرى الاحتجاج بالضعيف في الأحكام فقط، أو مطلقًا وهم كثر.
وأما قوله: وإن من الأحاديث التي أخذ بها الأئمة فيها الضعيف والمنكر والساقط، فحق لا مراء فيه، ومن طالع كتب الفقه عرف ذلك (^٢)، ولم يسلم من هذا حتى كبار فقهاء الأمة، فقد وقع للإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي -﵀- في كتابه "الرسالة" مستدلا محتجا بحديث: "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله" (^٣).
قال النووي: أسانيد هذا الحديث ضعيفة (^٤).
وأما قوله: بأن هذا مذهبهم، فجميعهم يأخذ بالحديث الضعيف فغير صحيح، لأن مجرد استدلالهم بأحاديث ضعيفة لا يلزم منه أنهم يحتجون بها، لأنه يلزم على قوله أنهم يحتجون بالأحاديث الموضوعة لوجودها في كتب الفقه.
فمثلا: هذا الإمام الكمال بن الهمام ذكر في كتابه "شرح فتح القدير" (^٥) حديث: "ناكح اليد ملعون". وقد نص الملا علي القاري بأنه لا أصل
_________________
(١) انظر: ص ٢٦٠، ٢٦١ من هذه الرسالة.
(٢) سوف أذكر بعض الأمثلة على اشتمال كتب الفقه على الأحاديث الضعيفة عند الكلام على مظان الحديت الضعيف في الباب الثالث إن شاء الله.
(٣) انظر: الرسالة للإمام الشافعي ص ٢٨٦، اختلاف الحديث له المطبوع مع الأم ٨/ ٥٢٢ - ٥٢٣، والحديث أخرجه الترمذي رقم ١٧٢، الحاكم ١/ ١٨٩ بلفظ: "خير الأعمال الصلاة في أول وقتها"، الدارقطني ١/ ٢٤٩، البيهقي ١/ ٤٣٥.
(٤) المجموع شرح المهذب ٣/ ٦٢.
(٥) شرح فتح القدير ٢/ ٣٣٠.
[ ٢٩٦ ]
له (^١)، نقلا عن شرف الدين الرهاوي (^٢).
ومما يستدل به على أنَّ الفقهاء لا يحتجون بالضعيف وإن أوردوه في كتبهم -من غير بحث وتثبت عن درجته- قولهم حينما يرد بعضهم على بعض ويفند قوله: هذا حديث ضعيف.
قال اللكنوي: فإن قلت: فما بالهم أوردوا في تصانيفهم الأحاديث الموضوعة -مع جلالتهم ونباهتهم- ولِمَ لَمْ ينقدوا الأسانيد مع سعة علمهم؟ قلت: لم يوردوا ما أوردوا مع العلم بكونه موضوعا، بل ظنوه مرويا، وأحالوا نقد الأسانيد على نقاد الحديث، لكونهم أغنوهم عن الكشف الحثيث، إذ ليس من وظيفتهم البحث عن كيفية رواية الأخبار، وإنما هو من وظيفة حملة الآثار، فلكل مقام مقال، ولكل فن رجال (^٣).
ثالثا: أن الرأي الثالث المروي عن جمهور العلماء، وهو التفريق بين أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب وأحاديث الأحكام فيه التفريق بين المتماثلات، وإذ الكل شرع متساوى الأقدام.
ثم إن الاستدلال بالضعيف في الفضائل إن كان المراد به إثبات استحبابها، فالاستحباب حكم شرعي، كما هو معلوم، والأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل صحيح أو حسن، ولا يجدي فيها الضعيف
_________________
(١) انظر: الأسرار المرفوعة ص ٣٧٦، المصنوع ص ١٦٣.
(٢) هو: الشيخ العلامة شرف الدين يحيى بن قراجا الرهاوي المصري الحنفي. له: حاشية على شرح المنار لابن الملك، قال النجم الغزى: كان نازلا بدمشق، وسافر مع الشيخ حسن الضيروطي إلى مصر سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة ولا أدري متى توفي. انظر: الكواكب السائرة ٢/ ٢٦٠، كشف الظنون ٢/ ١٨٢٥.
(٣) الأجوبة الفاضلة ص ٣٥.
[ ٢٩٧ ]
حتى على رأي هؤلاء.
وإن كان المراد به إثبات ما هو ثابت بدليل صحيح، أو قاعدة من قواعد الشرع، فوجود الضعيف وعدمه سيان.
رابعا: ما ذكره النووي وتبعه ملا علي القاري من الاتفاق على قبول الضعيف في الفضائل دون الأحكام، فيه نظر لأمرين:
١ - أن غير النووي والقاري نقل الخلاف في المسألة، كالسخاوي (^١) والسيوطي (^٢) وغيرهما، قال الشبرخيتي (^٣) في شرح الأربعين: في ذكر الاتفاق نظر، لأن ابن العربي قال: إن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا (^٤).
وإذا نقل عالم الإجماع، ونقل آخر النزاع، قدم ناقل النزاع، لأنه مثبت له، وناقل الإجماع: ناف للنزاع، والمثبت مقدم على النافي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا نقل عالم الإجماع، ونقل آخر النزاع، وإما نقلا سمي قائله؛ وإما نقلا بخلاف مطلقًا، ولم يسم قائله، فليس لقائل أن يقول نقلا لخلاف لم يثبت، فإنه مقابل بأن يقال: ولا يثبت نقل الإجماع، بل ناقل الإجماع ناف للخلاف، وهذا مثبت له،
_________________
(١) انظر: فتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٢) انظر: تدريب الراوي ص ١٩٦.
(٣) هو: برهان الدين إبراهيم بن مرعي الشبرخيتي المالكىِ. له: شرح مختصر خليل، شرح العشماوية، شرح ألفية السيرة، وغيرها، مات غريقا بالنيل سنة ست ومائة وألف. انظر: عجائب الآثار في التراجم والأخبار للجبرتي ١/ ١١٧ - ١١٨.
(٤) الفتوحات الوهبية للشبرخيتي ص ٤٠.
[ ٢٩٨ ]
والمثبت مقدم على النافي.
وإذا قيل: يجوز في ناقل النزاع أن يكون قد غلط فيما أثبته من الخلاف، إما لضعف الإسناد، أو لعدم الدلالة، قيل له: ونافي النزاع غلطه أجوز، فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه، أو بلغته وظن ضعف إسنادها، وكانت صحيحة عند غيره، أو ظن عدم الدلالة وكانت دالة، فكل ما يجوز على المثبت من الغلط يجوز على النافي، مع زيادة عدم العلم بالخلاف (^١).
٢ - أن النووي متساهل في نقل الإجماع، فكثيرًا ما ينقل الإجماع على مسألة: الخلاف فيها مشهور، بل قد يكون قد نقله بنفسه، من ذلك ما يلي:
أ - نقل الإجماع على عدم وجوب شيء من رفع اليدين في الصلاة (^٢)، ثم لم يلبث أن نقض هذا الإجماع بعد أسطر، فقال: حكي عن داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام، وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار السياري (^٣) من أصحابنا أصحاب الوجوه (^٤).
ب - نقل الإجماع على أن صلاة الجنازة لا تكره في الأوقات الثلاثة -حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٩/ ٢٧١.
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم ٤/ ٩٥، وانظر: شرح المهذب ٣/ ٣٠٥.
(٣) هو: أحمد بن سيار بن أيوب أبو الحسن المروزي الزاهد الحافظ، أحد الأعلام، كان يشبه بابن المبارك في الزهد والورع، توفي سنة ثمان وستين ومائتين. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ١٨٣.
(٤) انظر: شرح مسلم للنووي ٤/ ٩٥، تهذيب الأسماء واللغات له ١/ ١/ ١١٣.
[ ٢٩٩ ]
الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب - (^١) وقد نقل الخلاف قبل هذا الكلام بورقتين فقط (^٢)، كما نقله بعد ذلك في نفس الكتاب (^٣)، ونقله في شرح المهذب عن العبدري (^٤) في كتاب الجنائز: أن الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة وأحمد وإسحاق يقولون: إن صلاة الجنازة منهي عنها عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها (^٥).
والأمثلة على ذلك كثيرة جدا من كلام النووي وغيره، وهو ما حدا بالشوكاني أن يقول: وأما دعوى الإجماع فهي من الدعاوى التي لا يهابها طالب الحق، ولا تحول بينه وبين مراده منه (^٦).
خامسا: الشروط التي اشترطها أصحاب الرأي الثالث لقبول الضعيف في الفضائل صعبة التطبيق، لا تكاد تتوافر في مثال واحد، ولذلك نجد كثيرا من العلماء يخرقها، ولا يلقي لها بالا، فمثلا:
الشرط الأول: وهو أن يكون الضعف غير شديد يدل على وجوب معرفة حال الحديث الذي يريد أحدهم أن يعمل به، لكي يتجنب العمل به
_________________
(١) شرح مسلم للنووي ٦/ ١١٤.
(٢) المصدر السابق ٦/ ١١٠.
(٣) المصدر السابق ٧/ ١١.
(٤) هو: أبو الحسن علي بن سعيد بن عبد الرَّحمن البغدادي المعروف بالعبدري، منسوب إلى عبد الدار، توفي ببغداد سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. انظر: طبقات الشافعية لابن هداية الله ص ١٨٣.
(٥) انظر: المجموع شرح المهذب ٤/ ١٧٢، وانظر: الخلاف في هذه المسألة في كتاب معالم السنن للخطابي ٤/ ٣٢٧.
(٦) نيل الأوطار للشوكاني ١/ ٢٦٣.
[ ٣٠٠ ]
إذا كان شديد الضعف، وهذه المعرفة مما يصعب الوقوف عليها من جماهير الناس، ولذلك نجد الذين يعملون بالأحاديث الضعيفة قد خالفوا هذا الشرط مخالفة صريحة (^١).
والشرط الثاني: وهو أن يكون الضعيف مندرجا تحت أصل عام، فاشتراط الأصل للعمل بالضعيف يجعل الحديث الضعيف لا قيمة له، فالعمل في الحقيقة للأصل لا للضعيف.
وأما الشرط الثالث: وهو أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، فكالشرط الاول يتطلب ضرورة معرفة الحديث ومقدار ضعفه لكي لا يعتقد ثبوته.
وأما قولهم: أن لا يعتقد سنية ما يدل عليه، بل يعتقد الاحتياط (^٢)،
فقد تقدم رده نقلا عن الشيخ علوي مالكي (^٣)، والاحتياط في الدين ليس بالعمل فيما لم يثبت، فإن ذلك قول على الله بغير علم، وإنما الاحتياط الابتعاد عن العمل به أصلا.
وأما ما اشترطه الحافظ ابن حجر من أنه لا يشتهر ذلك، لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة، فقد قال الشبراملسي (^٤) -وهو ممن يرى الاحتجاج بالضعيف في الفضائل -: يتأكد في حق المقتدى به ليكون فعله سببا لإِفادة
_________________
(١) انظر: مقدمة صحيح الجامع الصغير للألباني ١/ ٤٨ - ٤٩.
(٢) انظر: التحفة المرضية في حل بعض المشكلات الحديثية للشيخ حسين بن محسن الأنصاري اليماني، المطبوع في آخر المعجم الصغير للطبراني ٢/ ١٨٧.
(٣) انظر: ص ٢٧٥، ٢٧٦ من هذه الرسالة، وقارن به حواشي الشرواني على تحفة المحتاج ١/ ٢٤٠.
(٤) هو: علي بن علي أبو الضياء نور الدين الشبراملسي الشافعي القاهري، قال المحبي: لم =
[ ٣٠١ ]
غيره الحكم المستفاد من ذلك الحديث (^١)، ويقصد بذلك إظهار العمل به ليتمكن الرائي من الاقتداء.
وبعد هذا كله، لا يستطيع تطبيق هذه الشروط إلا العالم المتمرس المتمكن، وهل كل الناس كذلك؟؟.
فهذا القول ضعيف، ونتائجه سيئة، ومنها: تساهل جمهور المسلمين علماء وخطباء ومدرسين وغيرهم في رواية الأحاديث الضعيفة والعمل بها، وعدم البحث في رجالها ودرجتها، محتجين بأنها في فضائل الأعمال، وهذا أمر خطير جدًا، وفيه مخالفة صريحة للأحاديث الصحيحة التي جاءت تحذر من التحديث إلا بعد التثبت من صحة الحديث، منها: ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (^٢).
قال ابن العربي: قال العلماء: لا يحدث أحد إلا عن ثقة، فإن حدث عن غير ثقة، فقد حدث بحديث يرى أنه كذب (^٣).
كما أن التحديث من غير بحث وتثبت يوقع الشخص في الكذب، ويدل عليه حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كفى بالمرء
_________________
(١) = يأت مثله في دقة النظر وجودة الفهم، وسرعة استخراج الأحكام من عبارات العلماء. له: حاشية على المواهب اللدنية، وحاشية على شرح الشمائل، وحاشية على شرح الورقات، وغيرها، توفي سنة سبع وثمانين وألف. انظر: خلاصة الأثر ٣/ ١٧٤ - ١٧٧، الأعلام ٥/ ١٢٩ - ١٣٠.
(٢) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ١/ ١٨١.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٦٩.
(٤) عارضة الأحوذي لابن العربي ١٠/ ١٢٩.
[ ٣٠٢ ]
كذبا أن يحدث بكل ما سمع" (^١).
وقال الإمام مالك: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع (^٢).
وقال ابن حبان في صحيحه: فصل -ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى -ﷺ- وهو غير عالم بصحته، ثم روى عن أبي هريرة حديثا: "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" (^٣).
وأقوال العلماء في هذا الباب كثيرة جدًا، علاوة على ما جرته آراء المتساهلين من إيغال في إيراد الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة التي صارت سببا لوجود كثير من الطوائف المبتدعة، لأن من خلالها يصلون إلى مقاصدهم السيئة، إذ من الطبيعي أن لايجدوا ما يؤيد بدعهم في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- الصحيحة، مع علمهم بعدم رواج هذه البدع مالم تستند إلى أدلة منسوبة إلى الشرع الشريف.
ومن خلال ما تقدم، يترجح الرأي الثاني، وهو عدم الأخذ بالحديث الضعيف مطلقًا، لا في الأحكام، ولا في غيرها، لما يلي:
١ - لاتفاق علماء الحديث على تسمية الضعيف بالمردود.
٢ - لأن الضعيف لا يفيد إلا الظن المرجوح، والظن لا يغني من الحق شيئًا.
٣ - لما ترتب على تجويز الاحتجاج به من ترك للبحث عن الأحاديث
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٢٧٣.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ١/ ٧٥ مع شرح النووي.
(٣) صحيح ابن حبان ١/ ١٢٠ - ١٢١.
[ ٣٠٣ ]
الصحيحة، والاكتفاء بالضعيفة.
٤ - لما ترتب عليه من نشوء البدع والخرافات، والبعد عن المنهج الصحيح، لما تتصف به الأحاديث الضعيفة -غالبا- من أساليب التهويل والتشديد بحيث صارت مرتعا خصبا للمتصوفة، فصدتهم عن دين الله الوسط.
وليس معنى هذا رد الحديث الضعيف بالكلية، بل يمكن أن يعمل به في غير مجال الاحتجاج، وذلك بترجيح معنى على غيره، فيما إذا عرض نص يحتمل لفظه معنيين دون ترجيح بينهما، وورد حديث ضعيف يرجح أحدهما، فحينئذ نأخذ بالمعنى الذي رجحه هذا الحديث ولو كان ضعيفا.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (^١).
فقوله: تعولوا يحتمل معنيين:
أولهما: أن لا تكثر عيالكم، وبه قال الشافعي.
ثانيهما: أن لا تجوروا ولا تميلوا وبه قال جمهور المفسرين.
وروي عن عائشة -﵂- عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ قال: "أن لا تجوروا". وفي رواية: "أن لا تميلوا" (^٢).
وهو حديث ضعيف، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا خطأ،
_________________
(١) الآية ٣ من سورة النساء.
(٢) رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن حبان في صحيحه./ انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٠١.
[ ٣٠٤ ]
والصحيح عن عائشة موقوف (^١).
ومع ضعفه، فقد قال ابن القيم: إنه يصلح للترجيح (^٢)
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٠١.
(٢) تحفة المودود في أحكام المولود لابن القيم ص ١٧.
[ ٣٠٥ ]
الفصل الثاني في حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في قراءة شيء من كتاب الله وتفسيره والمغازي
أولا: حكم إِثبات القراءة بالحديث الضعيف:
اتفق جميع من كتب في علوم القرآن على القراءة المقبولة لابد وأن تكون موافقة لأحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا، مع موافقتها للعربية ولو بوجه (^١).
لكنهم اختلفوا في الشرط الثالث، وهو سند القراءة على قولين:
الأول: يرى أبو شامة المقدسي وابن الجزري (^٢) أنه يكفي أن يصح سند القراءة إلى النبي -ﷺ-، بأن يرويها عدل تام الضبط عن مثله إلى الرسول -ﷺ- من غير شذوذ ولا علة قادحة.
قال أبو شامة: ولا يلزم في ذلك تواتر، بل تكفي الآحاد الصحيحة،
_________________
(١) انظر: الإبانة عن معاني القراءات لمكي بن أبي طالب القيسي ص ٣٩، النشر في القراءات العشر لابن الجزري ١/ ٩، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ٢١٠، وغيرها.
(٢) هو محمد بن محمد بن علي بن يوسف بن الجزري أبو الخير العمري الدمشقي ثم الشيرازي الشافعي، مقرئ محدث حافظ فقيه مفسر. له: شرح المصابيح، نشر القراء ات العشر، مختصره المسمى بالتقريب، وغيرها. توفي سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. انظر: غاية النهاية في طبقات القراء للمترجم ٢/ ٢٤٧ - ٢٥١، الشقائق النعمانية لطاش كبرى زادة ص ٢٥ - ٣٠.
[ ٣٠٦ ]
مع الاستفاضة، وموافقة خط المصحف، وعدم المنكرين لها نقلا وتوجيها من حيث اللغة (^١).
الثاني: يرى جمع من العلماء منهم: السفاقسي (^٢) أن الآحاد لا يكفي في ثبوت القراءة -وإن صح- بل لابد من التواتر، وقال بعد أن أورد القول الأول: هذا قول محدث لا يعول عليه، ويؤدي إلى تسوية غير القرآن بالقرآن (^٣).
ورد ابن الجزري على أصحاب الرأي الثاني بقوله: وقد شرط بعض المتأخرين التواتر، ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين (^٤).
ويرى الشيخ أحمد شاكر أن التواتر شرط في إثبات القرآن، وأما القراءة فيكفي فيها صحة السند، مع موافقتها لرسم المصحف، ولو احتمالا، وكان لها وجه من العربية (^٥).
ولسنا بصدد تقرير الراجح من القولين، فهذا لا يعنينا، أما الذي
_________________
(١) المرشد الوجيز لأبي شامة ص ١٤٥.
(٢) هو: علي بن محمد بن سليم النوري أبو الحسن السفاقسي مقرئ محدث متكلم. من آثاره: العقيدة النورية، تنبيه الغافلين، معين السائلين، وغيرها، توفي سنة سبع عشرة ومائة وألف. انظر: معجم المؤلفين ٧/ ٢٠١.
(٣) غيث النفع في القراءات السبع ص ١٧ بهامش سراج القارئ المبتدي.
(٤) النشر في القراءات العشر لابن الجزري ١/ ١٣.
(٥) انظر: شرح سنن الترمذي للشيخ أحمد شاكر ٢/ ٢١ - ٢٢.
[ ٣٠٧ ]
يهمنا هو أننا لا نجد قائلا بجواز الاحتجاج بما ضعف سنده في إثبات القراءة.
قال السفاقسي في حكم القراءة الشاذة: اعلم أن الذي استقرت عليه المذاهب وآراء العلماء أنه إن قرأ بالشواذ غير معتقد أنه قرآن، ولا موهم أحدا ذلك، بل لما فيها من الأحكام الشرعية عند من يحتج بها، أو الأدبية، فلا كلام في جواز قراءتها، وعلى هذا يحمل كل من قرأ بها من المتقدمين، وكذلك أيضا يجوز تدوينها في الكتب، والتكلم على ما فيها، وإن قرأها باعتقاد قرآنيتها أو بإيهام قرآنيتها حرم ذلك، ونقل ابن عبد البر في تمهيده إجماع المسلمين على ذلك (^١).
ومع هذا كله، نجد القراءات الضعيفة والشاذة تملأ كتب التفسير والحديث، وإليك بعض الأمثلة على ذلك.
١ - روى ابن جرير عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي -ﷺ- أنه قرأ: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ (^٢). عند الله علم الكتاب (^٣).
قال أبو جعفر: وهذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري (^٤).
٢ - روى ابن جرير أيضا عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان على
_________________
(١) غيث النفع ص ١٨ - ١٩.
(٢) الآية ٤٣ من سورة الرعد.
(٣) انظر: تفسير الطبري ١٦/ ٥٠٦، تفسير ابن كثير ٤/ ١٠٥، الدر المنثور للسيوطي ٤/ ٦٩، مجمع الزوائد ٧/ ١٥٥.
(٤) تفسير الطبري ١٦/ ٥٠٦.
[ ٣٠٨ ]
منبر رسول الله -ﷺ- عليه قميص قوهي (^١) محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "والذي نفس محمد بيده ما عمل أحد قط سرا، إلا ألبسه الله رداءه علانية، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ثم تلا هذه الآية: ﴿ورياشا - ولم يقرأها وريشا - ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله﴾ (^٢) قال: السمت الحسن"
قال ابن جرير: في إسناده نظر (^٣).
٣ - روى أبو داود والترمذي عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿إِنه عمل غير صالح﴾ الآية (^٤). قال: كان مخالفا له في النية والعمل (^٥).
٤ - روى الطبراني عن سلمان الفارسي أنه سئل عن قوله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾ الآية (^٦) قال: الرهبان الذين في الصوامع، قال سلمان: نزلت على رسول الله -ﷺ-: (ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا) (^٧).
_________________
(١) القوهي: ثياب بيض تنسج في قوهستان - كورة بين نيسابور وهراة./ انظر: القاموس المحيط مادة "القاه".
(٢) الآية ٢٦ من سورة الأعراف.
(٣) تفسير الطبري ١٢/ ٣٦٣، ٣٦٨.
(٤) الآية ٤٦ من سورة هود.
(٥) سنن أبي داود رقم ٣٩٨٢، ٣٩٨٣، الترمذي رقم ٢٩٣٢، التاريخ الكبير للبخاري ١/ ١/ ٢٨٦، ١/ ٢/ ٢٥١، تفسير الطبري ١٥/ ٣٤٨ - ٣٥١، مجمع الزوائد ٧/ ١٥٥.
(٦) الآية ٨٢ من سورة المائدة.
(٧) المعجم الكبير للطبراني ٦/ ٣٢٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٧: فيه يحيى =
[ ٣٠٩ ]
٥ - ومن ذلك القراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة -﵀- التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي (^١)، ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي (^٢)، وغيره، فإنها لا أصل لها، قال أبو العلاء الواسطي (^٣): إن الخزاعي وضع كتابا في الحروف نسبه إلى أبي حنيفة، فأخذت خط الدارقطني وجماعة أن الكتاب موضوع لا أصل له (^٤).
قال ابن الجزري: وقد رويت الكتاب المذكور منه: ﴿إِنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (^٥). برفع الهاء ونصب الهمزة، وقد راج ذلك على أكثر المفسرين، ونسبها إليه وتكلف توجيهها، وإن أبا حنيفة لبريء منها (^٦).
_________________
(١) = الحماني، ونصير بن زياد وكلاهما ضعيف.
(٢) هو: أبو الفضل محمد بن جعفر بن بديل الخزاعي، أحد القراء، له مصنفات في أسانيد القراءات، قال ابن حجر: ذكر لي بعض من يعتني بالقراءات أنه كان يخلط، ولم يكن مأمونا على ما يرويه. انظر: لسان الميزان لابن حجر ٥/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٣) هو: أبو القاسم الهذلي يوسف بن علي بن جبارة بن محمد بن عقيل بن سوادة المقرئ البكري المشهور، قال الذهبي: له أغاليط كثيرة في أسانيد القراءات، وحشد في كتابه أشياء منكرة، لا تحل القراءة بها، ولا يصح لها إسناد. انظر: معرفة القراء للذهبي ١/ ٣٤٦ - ٣٤٩، لسان الميزان لابن حجر ٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦.
(٤) هو: محمد بن علي بن أحمد بن يعقوب الواسطي أبو العلاء القاضي، نزيل بغداد، إمام محقق، وأستاذ متقن، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالعراق، مات سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. انظر: غاية النهاية في طبقات القراء ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٥) انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري ١/ ١٦، لسان الميزان ٥/ ١٠٧.
(٦) الآية ٢٨ من سورة فاطر.
(٧) النشر في القراءات العشر ١/ ١٦.
[ ٣١٠ ]
حكم تفسير القرآن الكريم بالحديث الضعيف:
السنة النبوية من أهم المصادر التي يعتمد المفسر عليها، بل هي المصدر الثاني من هذه المصادر، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الأمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله -ﷺ- فهو مما فهمه من القرآن (^١).
وقال أبو جعفر الطبري: إن مما أنزل الله على نبيه -ﷺ- ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول -ﷺ-، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره -واجبه وندبه وإرشاده- وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آية التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله -ﷺ- لأمته، وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله -ﷺ- له تأويله بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله (^٢).
بل قد جعل الزركشي (^٣) السنة هي المأخذ الأول من مآخذ طالب
_________________
(١) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص ٩٣.
(٢) تفسير الطبري ١/ ٧٤.
(٣) هو: محمد بن بهادر بن عبد الله التركي الأصل، المصري بدر الدين الزركشي، عني بالفقه والأصول والحديث. له: البحر المحيط في أصول الفقه، وشرع في شرح البخاري ولم يكمله وشرح =
[ ٣١١ ]
التفسير (^١).
فإذا كان الأمر كذلك، فهل نفسر القرآن الكريم بكل ما سمعنا عن رسول الله -ﷺ- سواء كان صحيحا أو ضعيفا، أو نقتصر على ما صح من ذلك؟
الأخير هو ما أوصانا به علماؤنا الأجلاء، قال الزركشي: يجب الحذر من الضعيف في التفسير، والموضوع، فإنه كثير، وإن سواد الأوراق سواد في القلب، قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثلاث ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير (^٢).
قال المحققون من أصحابه: ومراده أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة، وإلا فقد صح من ذلك كثير (^٣).
وحمله على الغالب هو الصحيح، لأن كتب السنة والتفسير كالصحيحين والموطأ وسنن الترمذي ومسند الإمام أحمد بن حنبل وتفسير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم فيها الكثير من المروي في التفسير بسند صحيح.
وقال ابن علان: تفسير كلام الله تعالى لا يكون إلا بحديث صحيح أو حسن (^٤).
_________________
(١) = الأربعين النووية، وغيرها، توفي سنة أربع وتسعين وسبعمائة. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ٤/ ١٧ - ١٨، شذرات الذهب ٦/ ٣٣٥.
(٢) البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٥٦.
(٣) انظر: مقدمة الكامل لابن عدي ص ١٩١.
(٤) البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٥٦.
(٥) الفتوحات الربانية شرح الأذكار النووية ١/ ٨٦.
[ ٣١٢ ]
وقال الشيخ علوي مالكي: لا يحتج بالضغيف في تفسير كلام الله تعالى، لأنه يتوقف على اعتقاد أن الله قصد بهذا اللفظ هذا المعنى، وهذا لابد فيه من حديث قوي دون الضعيف (^١).
فينبغي للمفسر أن يحذر من إيراد الأحاديث الضعيفة والموضوعة ويقتصر على ما صح عن نبي الله -ﷺ- وصحابته الكرام، وفي هذا يقول الشيخ محمد حسين الذهبي: أما تفسير القرآن بالقرآن، أو بما ثبت من السنة الصحيحة فذلك مما لا خلاف في قبوله، لأنه لا يتطرق إليه الضعف، ولا يجد الشك إليه سبيلا، وأما ما أضيف إلى النبي -ﷺ- وهو ضعيف في سنده أو متنه، فذلك مردود غير مقبول لم تصح نسبته إلى النبي -ﷺ- (^٢).
وقال الزرقاني (^٣): التفسير بالمأثور نوعان:
أحدهما: ما توافرت الأدلة على صحته وقبوله، وهذا لا يليق بأحد رده، ولا يجوز إهماله وإغفاله، ولا يجمل أن نجعله من الصوارف عن هدي القرآن، بل هو على العكس عامل من أقوى العوامل على الاهتداء بالقرآن
ثانيهما: ما لم يصح، وهذا يجب رده، ولا يجوز قبوله، ولا
_________________
(١) المنهل اللطيف لعلوى مالكي ص ٧.
(٢) التفسير والمفسرون ١/ ١٥٦.
(٣) هو: محمد عبد العظيم الزرقاني من علماء الأزهر بمصر، تخرج بكلية أصول الدين، وعمل بها مدرسا لعلوم القرآن والحديث. له: مناهل العرفان في علوم القرآن، بحث في الدعوة والإرشاد وغيرهما، توفي سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف. انظر: الأعلام للزركلي ٦/ ٢١٠ الطبعة الرابعة سنة ١٩٧٩ م.
[ ٣١٣ ]
الاشتغال به، اللهم إلا لتمحيصه والتنبيه إلى ضلاله وخطئه حتى لا يغتر به أحد (^١). ومع هذا كله، فإننا نجد الكثير مما يروى في التفسير منسوبا إلى النبي -ﷺ- يعتريه الضعف، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
١ - روى الترمذي بسنده عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿كالمهل﴾ (^٢). قال: كعكر الزيت، فإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه (^٣).
٢ - روى الطبراني في الأوسط عن سعد -يعني بن أبي وقاص- قال سألت النبي -ﷺ- عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (^٤). قال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها (^٥).
٣ - روى البزار عن أبي ذر رفعه: إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر: لِمَ نصب؟ وعجبت لمن ذكر النار: لِمَ ضحك؟ وعجبت لمن ذكر الموت لِمَ غفل؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله (^٦).
_________________
(١) مناهل العرفان للزرقاني ١/ ٤٩٣.
(٢) في قوله تعالى في سورة الكهف: آية ٢٩: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥)﴾ الآية رقم ٤٥ من سورة الدخان.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٧٠ - ٧١، الترمذي رقم ٢٥٨٤، ٣٣١٩ وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث رشيدين بن سعد، ورشيدين قد تكلم فيه.
(٤) الآية ٥ من سورة الماعون.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير ٧/ ٣٨١، مجمع الزوائد ٧/ ١٤٣، قال الهيثمي: فيه عكرمة بن إبراهيم، وهو ضعيف جدا.
(٦) انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٤١٥، مجمع الزوائد ٧/ ٥٣ - ٥٤، وفيه بشر بن المنذر =
[ ٣١٤ ]
٤ - روى ابن أبي حاتم عمن سمع أبا العالية الرياحي (^١) يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله -ﷺ- عن الحسنى (^٢) قال: " الحسنى: الجنة" (^٣).
وهو حديث ضعيف للجهل بمن سمع أبا العالية.
٥ - أورد القرطبي في تفسيره عن علي -﵁- قال: لما نزلت: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (^٤). قال النبي -ﷺ- لجبريل: "ما هذه النحيرة التي أمرني الله بها؟ قال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السماوات السبع، وأن لكل شيء زينة، وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة" (^٥).
هكذا أورد القرطبي بدون تعليق، ومن غير بيان لضعفه، وقد حكم ابن الجوزي بأنه موضوع (^٦)، أما السيوطي فقد اكتفى بتضعيفه فقط، وأنه
_________________
(١) = قاضي المصيصة، قال العقيلي: في حديثه وهم./ انظر: ترجمته في لسان الميزان لابن حجر ٢/ ٣٤.
(٢) هو: رفيع بن مهران أبو العالية الرياحي البصري، مخضرم إمام من الأئمة، مات سنة تسعين على الصحيح. انظر: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ١/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٣) أي في قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ آية ٦ من سورة الليل.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير ٧/ ٣٠٥.
(٥) الآية ٢ من سورة الكوثر.
(٦) تفسير القرطبي ٢٠/ ٢١٩.
(٧) انظر: الموضوعات لابن الجوزي ٢/ ٩٨ - ٩٩.
[ ٣١٥ ]
لا يصل إلى درجة الموضوع (^١).
ويرى الشيخ الزرقاني أن أسباب ضعف التفسير المأثور يرجع إلى الأشياء الآتية:
١ - ما دسه أعداء الإِسلام مثل: زنادقة اليهود والفرس، فقد أرادوا هدم هذا الدين المتين عن طريق الدس والوضع، حينما أعيتهم الحيل في النيل منه عن طريق الحرب والقوة، وعن طريق الدليل والحجة.
٢ - ما لفقه أصحاب المذاهب المتطرفة ترويجا لتطرفهم، كشيعة علي المتطرفين الذين نسبوا إليه ما هو منه بريء، وكالمتزلفين الذين حطبوا في حبل العباسيين فنسبوا إلى ابن عباس ما لم تصح نسبته إليه، تملقا لهم واستدرارا لدنياهم.
٣ - نقل كثير من الأقوال المعزوة إلى الرسول -ﷺ- أو الصحابة أو التابعين من غير إسناد ولا تحر، مما أدى إلى التباس الحق بالباطل، زد على ذلك أن من يرى رأيا صار يعتمده دون أن يذكر له سندا، ثم يجيء من بعده فينقله على اعتبار أن له أصلا، ولا يكلف نفسه البحث عن أصل الرواية، ولا من يرجع إليه هذا القول.
٤ - أن تلك الروايات مليئة بالإِسرائيليات، ومنها كثير من الخرافات التي يقوم الدليل على بطلانها، ومنها ما يتعلق بأمور العقائد التي لا يجوز الأخذ فيها بالظن، ولا برواية الآحاد (^٢). بل لا بد من دليل قاطع فيها، كالروايات التي تتحدث عن أشراط الساعة، وأهوال القيامة،
_________________
(١) انظر: اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ٢/ ٢٠.
(٢) تقدم ذكر الخلاف في الاحتجاج بخبر الآحاد في أمور العقائد.
[ ٣١٦ ]
وأحوال الآخرة، تذكر على أنها اعتقاديات في الإِسلام (^١).
ولما كان دخول الإسرائيليات في تفسير القرآن سببا في ضعف التفسير المأثور، فإنه يحسن بنا أن نشير إليها إشارة عابرة، فنقول:
يراد بالإِسرائيليات في اصطلاح علماء الإِسلام لفظ يطلق على القصص والأساطير التي تنسب إلى أصل يهودي أو نصراني.
وقد اختلفت وجهات نظر المفسرين تجاه هذه الإِسرائيليات، وما يروى عن أهل الكتاب، فنجد البرهان البقاعي (^٢) يرى أهميتها ويدافع عنها حيث يقول:
فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو الإِنجيل تلوت عليه قول الله تعالى استشهادا على كذب اليهود: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ الآية (^٤). في آيات من أمثال ذلك كثيرة.
_________________
(١) = انظر: ص ٢٤٨، ٢٤٩ من هذه الرسالة.
(٢) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن ١/ ٤٩١ - ٤٩٢.
(٣) هو: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط الخرباوي البقاعي برهان الدين أبو الحسن الشافعي، المحدث المفسر العلامة المؤرخ. له: المناسبات القرآنية، عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران، تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، وغيرها، توفي سنة خمس وثمانين وثمانمائة. انظر: الضوء اللامع للسخاوي ١/ ١٠١ - ١١١، شذرات الذهب لابن العماد ٧/ ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٤) الآية ٩٣ من سورة آل عمران.
(٥) الآية ٤٨ من سورة المائدة.
[ ٣١٧ ]
وذكرته باستشهاد النبي -ﷺ- بالتوراة في قصة الزاني (^١)، وروى الشيخان عن أبي سعيد -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة نزلا لأهل الجنة، فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى، قال: تكون الأرض خبزة واحدة. كما قال النبي -ﷺ-، فنظر النبي -ﷺ- إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه" (^٢). إلى آخر كلامه (^٣).
وأما الحافظ ابن كثير فيرى أنه لا داعي لذكر الإسرائيليات، وإن في القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة، ويعلل ذلك بأنها لا تخلو من تبديل وتحريف وزيادة ونقصان (^٤)، لكنه -﵀- لم يسلم منها، فقد أورد في تفسيره وتاريخه منها الشيء الكثير، إلا أنه كثيرا ما يتعقبها بالنقد والتفنيد.
وأما ابن عطية (^٥) فقد قلل من ذكر الإسرائيليات، فلم يذكر منها إلا بقدر ما يحتاج إليه، حيث يقول في مقدمة تفسيره: لا أذكر من القصص
_________________
(١) أخرجها البخاري ١٢/ ١٦٦ مع الفتح، ومسلم ١١/ ٢٠٨ - ٢١٠ مع النووي، وأبو داود بالأرقام ٤٤٤٦ - ٤٤٥٥، والترمذي رقم ١٤٣٦ مختصرا، وابن ماجة رقم ٢٥٥٨.
(٢) رواه البخاري ١١/ ٣٧٢ مع الفتح، ومسلم ١٧/ ١٣٥ مع النووي بنحوه.
(٣) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي ١/ ٢٧٢ - ٢٧٥.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٣٩٧.
(٥) هو: عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عطية المحاربي أبو محمد، فقيه حافظ محدث مشهور، أديب نحوي شاعر بليغ كاتب صاحب التفسير المشهور وغيره، توفي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقيل: سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. انظر: بغية الملتمس للضبي ص ٣٨٩ - ٣٩١، الصلة لابن بشكوال ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧.
[ ٣١٨ ]
إلا مالا تنفك الآية إلا به (^١).
وقد حمل الشيخ شاكر على رواية الإِسرائيليات وبالذات في تفسير كتاب الله حملة مسعورة، ويرى أن ذكرها بجانب كلام الله يخالف ذكرها بجانب غيره من الكلام، حيث يقول: إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن وجعله قولا أو رواية في معنى الآيات أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل منها شيء آخر!! لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لمعنى قول الله سبحانه، ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك، وأن رسول الله -ﷺ- إذ أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم (^٢)، فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله ونضعها منه في موضع التفسير أو البيان؟! اللهم غفرا (^٣).
وهذا الرأي الذي ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر رأي له قيمته، ووجاهته وأحرى بمن يتصدى لتفسير كتاب الله أن يلتزم به، وأن يحرص عليه.
_________________
(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية ١/ ٥.
(٢) في قوله ﵊: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا". رواه البخاري ١٣/ ٣٣٣ عن أبي هريرة.
(٣) عمدة التفسير لأحمد شاكر ١/ ١٥.
[ ٣١٩ ]
حكم الاحتجاج بالضعيف في المغازي والسير، وهل يلزم نقد الأخبار التاريخية؟
تسامح كثير من الأئمة في رواية بعض أخبار السيرة النبوية استنادا لما شاع عن بعض كبار الأئمة كالإِمام أحمد حيث يقول: ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث -يعني: المغازي ونحوها- وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا، وقبض أصابع يديه الأربعة (^١).
وعلى ضوء هذا التسامح جاء بعض أخبار السيرة غريبا في أسلوب قد لا يثبت عند التحقيق، وقد كان بعض الناس يستثيرهم كل غريب وعجيب، وكانوا يميلون إلى المبالغة والتهويل، مما أدى بكثير منهم إلى حشو الأخبار العجيبة والأمور الغريبة (^٢)، مما جعل كثيرا من العلماء لا يثق بجل ما ينقله المؤرخون، ومن هنا نادى كثير من المحققين قديما وحديثا بضرورة تنقيح السيرة النبوية والتاريخ الإِسلامي بصفة عامة، وإخضاعهما إلى معايير النقد، وموازين الجرح والتعديل عند أهل الحديث، فيثبت ما كان مقبولا لدى المحدثين، وينفي ما عداه من ضعيف أو موضوع.
_________________
(١) انظر: عيون الأثر لابن سيد الناس ١/ ١٢.
(٢) من ذلك قصص الأنبياء للثعلبي المسمى عرائس المجالس، وفتوح الشام للواقدي، وسيرة البكري التي أفتى ابن حجر الهيتمي وجلال الدين السيوطي بأنه لا تجوز قراءتها لأن غالبها باطل وكذب، وقد اختلط فحرم الكل حيث لا يتميز. انظر: الفتاوى الحديثية ص ١٣٨، الحاوي للفتاوى ١/ ٥٧١.
[ ٣٢٠ ]
قال الكافيجي (^١): ينبغي أن يشترط في المؤرخ ما يشترط في راوي الحديث من العقل والضبط والإِسلام والعدالة، ليكون كل واحد منهما معتمدا في أمر الدين، وأمينا فيه، ولتزداد الرغبة في تاريخه، وللاحتراز عن المجازفة، فيحصل له الأمن من الوقوع في الضلالة والإِضلال، ولابد له -يعني: المؤرخ- من مستند في تاريخه، فإن قلت: فما المستند؟ قلت: هو ما يصح له من أصله أن يروى ما رواه، ويقبل منه، فإن لم يحصل له ما فيه مستند لم يجز له شيء من ذلك شرعًا (^٢).
وقال ابن خلدون (^٣): وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنة الكذب، ومطية الهذر، ولابد من ردها إلى الأصول
_________________
(١) هو: محيي الدين محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الكافيجي الإمام المحقق، علامة وقته، أستاذ الدنيا في المعقولات، وصاحب المصنفات، المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة. انظر: حسن المحاضرة للسيوطي ١/ ٥٤٩، الضوء اللامع ٧/ ٢٥٩.
(٢) مختصر علم التاريخ للكافيجي ص ٣٣٦.
(٣) هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد الحضرمي الأشبيلي التونسي المالكي المعروف بابن خلدون العلامة المؤرخ، ولى قضاء المالكية بالقاهرة، ثم عزل وولي مشيخة البيبرسية ثم عزل عنها، صنف تاريخه الكبير في سبعة مجلدات كبار، مات سنة ثمان وثمانمائة. انظر: شذرات الذهب ٧/ ٧٦ - ٧٧.
[ ٣٢١ ]
وعرضها على القواعد (^١).
وقال التاج السبكي (^٢) نقلا عن والده (^٣): يشترط في المؤرخ الصدق، وإذا نقل يعتمد على اللفظ دون المعنى، وألا يكون ذلك الذي نقله أخذه في المذاكرة، وكتبه بعد ذلك، وأن يسمي المنقول عنه (^٤).
وقال السخاوي: وأما شرط المعتني به -يعني: التاريخ- فالعدالة مع الضبط التام الناشئ عنه مزيد الإِتقان والتحري، سيما فيما يراه في كلام كثير من جهلة المتعنتين بسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (^٥).
وهكذا نجد هؤلاء الأئمة ينادون بكتابة التاريخ العام، والسيرة النبوية جزء منه على ضوء القواعد المعروفة عند علماء الحديث، لكنهم أطلقوا الأمر فحتموا كتابة جميع ما يتعلق بالتاريخ على ضوء تلك القواعد
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون ص ٧.
(٢) هو: تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي السبكي الشافعي الإمام البارع المتفنن في سائر العلوم. له: شرح المنهاج، شرح مختصر ابن الحاجب، طبقات الشافعية، وغيرها، توفي سنة إحدى وسبعين وسبعمائة. انظر: النجوم الزاهرة ١١/ ١٠٨ - ١٠٩.
(٣) هو: تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي، الإمام الفقيه المحدث المفسر الأصولي المتكلم، ولي قضاء دمشق ست عشرة سنة. له: الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم، الابتهاج شرح المنهاج، تكملة شرح المهذب، وغيرها، توفي سنة ست وخمسين وسبعمائة. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٤٧ - ٥٣، شذرات الذهب ٦/ ١٨٠ - ١٨١.
(٤) طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٣.
(٥) الإعلان بالتوبيخ للسخاوي ص ٦٣.
[ ٣٢٢ ]
وإخضاعها لقوانين المحدثين.
والذي أراه أن يفرق بين ما يتعلق به حكم شرعي مثل كيفية تقسيم الغنيمة، وكيف يوزع الخمس، وكيف يعامل الأسرى، وعلى ذمة من ينزل العدو وبين ما لا يؤخذ منه حكم شرعي، ولا طائل تحته كعدد من رجع مع عبد الله بن أبي يوم أحد، ونحو ذلك، فيجب إخضاع النوع الأول لقوانين المحدثين، وأما النوع الثاني فلا داعي لوزنه وتحقيقه لأنه تعب ليس وراءه أرب.
وبهذا القدر ينتهي الفصل الثاني، وبانتهائه ينتهي الباب الثاني، ويليه الباب الثالث، نسال الله الإِعانة على إتمامه.
[ ٣٢٣ ]