قال ابن الوردي:
جمّل المنطق بالنحو فمن … يحرم الإعراب بالنحو اختبل
• ولا يمكن لطالب العلم أن يكون طالب علم بحق إلا بهذا العلم، وأول ما يبدأ به في هذا الباب:
• الآجرّوميّة، ويفضل حفظها، ويقرأ شرحها لمحي الدين عبد الحميد.
• قطر الندى وبل الصدى لابن هشام، مع شرح الشيخ عبد الله الفوزان.
• ثم ألفية ابن مالك، وعليه أن يهتم بحفظها، ولينظر في شرحها دليل السالك للفوزان.
وبعد فعلى طالب العلم أن يكون متعبدًا الله تعالى بما علمه من الشرع، لا يزيد ولا ينقص في العبادات، كذلك لا بد أن يكون عاملا بعمله في الأخلاق والمعاملة، واعلم أن حسن الخلق هو ما يقرب إلى الله -﷿-. وأولى الناس برسول الله -ﷺ- وأدناهم منه منزلة أحاسنهم أخلاقًا، كما قال -ﷺ-: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون». قالوا يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون» (^١).
العلم لا يكتمل إلا بالعمل، فكن ممتثلا لعلمك مطبقًا له، فإذا منَّ الله عليك بنعمة العمل بما تعلمته فلا تبخل على أهلك وذويك بهذه النعمة التي منّ الله بها عليك، مع الحمد والشكر لله عليها. فإن ثقل عليك شيء من العلم أو تطبيقه فعليك
_________________
(١) أخرجه الترمذي في السنن (٣/ ٤٢٨ ح ٢٠١٨).
[ ١٩٠ ]
بالصبر وعلو الهمة، فالعلم طويل وشاق، ومعالي الأمور لا تنال إلا على جسر من التعب. واحذر أخي طالب العلم من المزالق التي تهوي بصاحبها إلى الإثم
-والعياذ بالله-؛ كالكبر والعجب والجرأة على الفتوى بغير علم.
أسأل الله أن ينفعني وإياك، وأن يرزقنا لذة العلم وحلاوته في الدنيا، والرفعة به في الآخرة، إنه سميع قريب.
وبعد أن يسعى المؤمن الذي يشرع في تعاهد قلبه بما سبق ذكره ستتضح الصورة لديه فيما يتوجب عليه عمله من الأعمال وهي كثيرة جدًا، وسيفتح الله عليه بابًا من أبواب رحمته وبركته، وسينظر لحياته بمنظور إيماني ملؤه الطمأنينة والسكينة، وسيجد قوة وحماسًا في عبادة الله.
ونذكر هنا طرفًا من الأعمال التي بها صلاح القلب لأنها كثيرة؛ فمن أعظم الأمور التي تصلح القلب:
(١) الأعمال الصالحة بجميع أنواعها، من ذكر وصلاة وصوم … إلخ، والجد والاجتهاد بالإحسان فيها، وذلك بأدائها على ما وردت عن النبي -ﷺ- بأركانها وواجباتها وسننها.
والعبادة منها ما هو فرض، حكم من تركها؛ كافر. وأهمها الأركان الخمسة.
والفرائض أحب الأعمال إلى الله؛ للحديث الذي رواه أَبِو هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْه وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ
[ ١٩١ ]
عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).
وكما هو واضح من الحديث أن النوافل والأخذ بها سبب في محبة الله، وهي غاية العبادة القلبية وذروة سنامها. والنوافل قسمان؛ قسم داخلٌ في الفرض ومحسّنٌ له، وقسم مستقل. وتفصيل ذلك في كتب الفقه، وعلى المسلم تعلمه ليرقى بعبادته، ويصل إلى رضى ربه ومحبته.
ومن العبادات الذكر؛ من التسبيح والتهليل والحمدلة والحسبلة والحوقلة، والذكر إذا رُبط بالتدبر والتفكر في خلق الله، واتبع العابد الوقت المسنون فيه حتى يكون وردًا في يومه، وليلته، وفي الأسبوع، وفي العيدين، وغيرها؛ فإنه إن فعل ذلك كان أعمق في التأثير على القلب. وكلما كان القلب عامرًا بذكر الله كان أقرب منه سبحانه، وكانت الفرائض والنوافل أحب إليه مما حُبّب إليه من متاع الدنيا. لذا فليفزع إليها إذا شعر المسلم تكاسل وتثاقل في العبادة.
أما قراءة القرآن فلا تسأل عن عمار القلب بالارتباط بقراءة القرآن والعناية به والعمل به؛ ذلك أن التوحيد مستقر في الفطرة التي محلها القلب كما أسلفنا، وسماع القرآن وقراءته والعناية به يثير كامن التوحيد في فطرة الإنسان، ولذلك كان أهل القرآن هم أهل الله وخاصته؛ لأن توحيد الله متيقظ في قلوبهم؛ قال -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُه» (^٢).
و«أَهْل الْقُرْآنِ هُمْ أَهْل اللَّهِ وخاصَّتُه» أَيْ حَفَظة الْقُرْآنِ الْعَامِلُونَ بِهِ. هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ والمختَصُّون بِهِ اختصاصَ أهلِ الْإِنْسَانِ بِهِ (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٨/ ١٠٥ - ح ٦٥٠٢).
(٢) أحمد (٩/ ٢٩٦ - ح ١٢٢٧٨)، وابن ماجه (١/ ٧٨ - ح ٢١٥)، والحديث صححه الألباني.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٣).
[ ١٩٢ ]
قال ابن القيم: أهل القرآن هم العالمون به العاملون بما فيه وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله، وإن أقام حروفه إقامة السهم (^١).
والتدبر يقوم على أمرين؛ الفهم، والاتعاظ، وطريق الفهم في معرفة اللسان العربي ومراجعة كتب التفسير فيما يشْكل، وطريق الاتعاظ إزالة الحجب والأقفال التي تمنع تفاعل القلب مع مواعظ القرآن، وتخير أوقات الصفاء والفراغ من مشاغل الدنيا، ولذا كان في التلاوة ليلًا ميزة، قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦].
وأفضل القرآن ما كان في الصلاة وفي قيام الليل أخص؛ لقوله -ﷺ-: «لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ هَذَا الْكِتَابَ، فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ» (^٢).
والمقصود بالحسد في الحديث: الغبطة، حيث أفضل الأماني لدى المؤمن التي يغبطه عليها أقرانه من المؤمنين قيام الليل بالإطالة فيه بالقرآن.
ولا بد من إتقان تلاوته حتى يحظى بطبقة السفرة الكرام البررة لحديث عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ» (^٣).
_________________
(١) زاد المعاد (١/ ٣٣٨).
(٢) صحيح مسلم (١/ ٥٥٩ ح ٨١٥).
(٣) صحيح مسلم (١/ ٥٤٩ ح ٧٩٨)، والبخاري بنحوه (٦/ ١٦٦ ح ٤٩٣٧).
[ ١٩٣ ]
السفرة الكرام البررة:
قال القاضي في إكمال المعلم: يحتمل -والله أعلم- أَنَّ له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكة السفرة، لاتصافه بوصفهم بحمل كتاب الله، ويحتمل أن يكون المراد: أنه عامل بعملِ السفرة وسالك مسلكهم، كما يقال: فلان مع بني فلان، إذا كان يرى رأيهم ويذهب مذهبهم، كما قال لوط -﵇-: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقد جاء في بعض الأخبار أن من تعلَّمه من صغره وعمل به خلطه الله بلحمه ودمه، وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة (^١).
فمن تعاهد نفسه بالأعمال الصالحة وأدّاها بإحسان، ويومه مملوء بالأذكار وقراءة القرآن حتمًا سيكون قلبه مليئًا بنور ربه. لقد علم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك ووعوه جيدًا فكانوا يسمون الأذكار بالإيمان، فقد كان معاذ بن جبل -﵁- يقول لرجل: (اجلس بنا نؤمن ساعة) (^٢)، وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن رواحة -﵁- أنه يأخذ بيد النفر من أصحابه، فيقول: (تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ونزداد إيمانًا، تعالوا نذكره بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته) (^٣). وفي رواية عن أبي الدَّرْدَاءِ رضي الله تعالى قَالَ: كَانَ ابن رَوَاحَةَ يَأْخُذُ بِيَدِي وَيَقُولُ: «تَعَالَ نُؤْمِنْ سَاعَةً، إِنَّ الْقَلْبَ أَسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا» (^٤).
قال أهل العلم في معنى (نؤمن ساعة): نذكر الله (^٥).
_________________
(١) إكمال المعلم (٣/ ١٦٦).
(٢) هذا الأثر علقه البخاري -﵀- في الصحيح في باب قول النبي -ﷺ- «بني الإسلام على خمس) ١/ ١٠، وابن أبي شيبة (٣٠٣٦٣).
(٣) المصنف لابن أبي شيبة (٣٠٤٢٦).
(٤) الزهد والرقاق لابن المبارك (١٣٩٥).
(٥) الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته، تأليف أبي عبيد القاسم بن سلام (١/ ٢٤ - ح ٢٠).
[ ١٩٤ ]
إن للعبادات -بما فيها الأذكار- عظيم الأثر على صحة الأبدان، وسعة الرزق، وتيسير الأمور؛ فليفزع لها عند الضيق. قال ابن عباس -﵄-: "إن للحسنة نورًا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنا في البدن، ونقصًا في الرزق وبغضًا في قلوب الخلق" (^١).
وقال سليمان الخواص -﵀-: "الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسم، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا".
قال الشاعر:
دواء قلبك خمس عند قسوته … فاذهب عليها تفز بالخير والظفر
خلاء بطن وقرآن تدبره … كذا تضرع باك ساعة السحر
ثم التهجد جنح الليل أوسطه … وأن تجالس أهل الخير والخبر
فكان الصحابة -﵃- ولنا فيهم قدوة حسنة- يجلسون للذكر، والهدف تقوية الإيمان في قلوبهم.
(٢) ومما يحيي القلب: مجالسة الصالحين، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
إن مجالسة الصالحين تعين على علو الهمة وإعلاء القدوة، ذلك أن في صحبة أهل القلوب الربانية، وحضور مجالسهم، إعانة على صلاح القلوب وتوجيه النفس للطريق الصحيح. وأفضل هؤلاء الصالحين هم أهل العلم.
_________________
(١) ابن القيم في روضة المحبين (ص ٤٤١) لأنس، وابن عباس ﵃.
[ ١٩٥ ]
ومن أجمل ما قيل في الصحبة ما ذكره القرطبي بسنده إلى عَوْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: «إِنِ اسْتَطَعْتَ فَكُنْ عَالِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَكُنْ مُتَعَلِّمًا، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَأَحِبَّهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَلَا تَبْغَضْهُمْ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ -﷿- لَهُ مَخْرَجًا إِنْ قَبِلَ» (^١).
فإن عز وجودهم، فليصحبهم في كتب السير، ففي سيرة نبينا محمد -ﷺ- وأصحابه وسلف الأمة وصالحيها عبرة لكل مدكر، ومنارًا لكل طالب أسوة.
ومن مجالسة الصالحين في هذا الزمن وسائل الاتصال الحديثة كالتويتر واليوتيوب والفيس بك، وكذلك القنوات الفضائية، وغيرها، فإن أثرها عظيم في تغيير الفكر. والقلب تبعٌ للفكر.
(٣) ألا يغيب عن الذهن أن مصير كل حي الموت، ويذكّر نفسه بشكل مستمر بما بعد الموت من حياة البرزخ والحشر والحساب والجنة والنار، وأن الدنيا دار عمل لما بعد الموت، وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب. إن من آمن بهذه الحقيقة، وذكّر نفسه بشكل مستمر حتمًا سيصلح قلبه؛ لأنه سيعيش بين الرجاء والخوف. طمعًا فيما أعده الله للمؤمن الذي يعمل لآخرته من النعيم المقيم من أول الاحتضار وصعود روحه، إلى القبر، وما أعده الله من نعيم في حياة البرزخ، إلى أن ينتهي بالجنة. والخوف مما أعده الله للمفرط في دينه، من أول الفتن المتلاحقة التي يصطدم بها تباعًا، وأشدها أن يقبض على كفر أو شرك -نسأل الله السلامة-، ثم تتلاحق عليه الأهوال تباعًا والعياذ بالله.
إن ذكر الموت والحياة الآخرة يتأتى لمن يقرأ في ذلك. والمكتبة الإسلامية زاخرة بما يحيي القلوب من ذكر الحياة الآخرة. وأفضل من ذلك قراءة القرآن مع
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله للقرطبي (١/ ١٤٢ ح ١٤٣).
[ ١٩٦ ]
التفسير وبخشوع وتدبر.
ومن ذكر الموت زيارة القبور للرجال، ورؤية المحتضرين، وغسل الموتى، كل ذلك يحيي القلب، ويلين ما فيه من القسوة.
والسلف الصالح يعي ذلك جيدًا، وقصصهم في ذلك كثيرة؛ قال سعيد بن جبير -﵀-: "لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد علي" أي قلبه. معنى ذلك أن الموت ملازم لقلبه، يذكره في كل أحواله. وكان صفوان بن سليم يأتي البقيع، فيمر بمحمد بن صالح التمار، فتبعه في ذات يوم، فقال محمد: فقلت في نفسي سأنظر ما يصنع، فجاء صفوان على قبر من القبور في البقيع، فلم يزل يبكي حتى رحمته من كثرة البكاء، وظننت أنه قبر بعض أهله، فهو يأتي لزيارته، ويتذكر هذا القريب الحبيب فيبكي ويرق لذلك، يقول: ومر به مرة أخرى فتتبعته ففعل مثل ذلك فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر فقال: "كلهم أهله وإخوته إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات كلما عرضت له قسوة".
(٤) مجاهدة النفس بشكل مستمر، فإن النفس أمارة بالسوء، وزجرها عن الوقوع في الزلل ووسوسة الشيطان، عن طريق تربية القلب على الإخبات والخوف والمحبة والخشية، والمجاهدة والصبر واليقين، وما إلى ذلك من المعاني. وعلى المسلم ألا يثق بالنفس، وأن يبعد عن الشعارات المنادية بالثقة بالنفس، وأن يستبدلها بالثقة بالله الرحمن الذي بيده مقاليد السموات والأرض، كما أن مكابدة النفس هي من الجهاد.
يقول ابن المنكدر -﵀- وهو من علماء التابعين-: "كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي". ويقول أبو حفص النيسابوري -﵀-: "حرست قلبي عشرين سنة، ثم حرسني عشرين سنة".
[ ١٩٧ ]
(٥) أن يكون تعلقه بربه ومعبوده وخالقه ﷻ، لا بالمخلوق أيًّا كان هذا المخلوق سواء كان رجلًا، أو امرأة، أو ولد، أو سيارة، أو عقارات، أو مالًا، أو غير ذلك فإن من تعلق بغير الله عُذّب به. فعلى المسلم صرف أعمال القلب لله وحده لا شريك له، والحزم في ذلك، وزجر نفسه إن حادت عن ذلك، فإن استعان استعان بالله، وإن أحب أحب الله وأحب في الله، وإن توكل توكل على الله، وهكذا. وهذه العبادات تأتي تباعًا مع ما سبق ذكره من وسائل إصلاح القلب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "كلما ازداد القلب لله حبًا؛ ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية؛ ازداد له حبًا وحرية عمن سواه" (^١).
ويكون القلب عبدًا أسيرًا للمخلوق من وجهين: من جهة العبادة، ومن جهة الاستعانة والتوكل. فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يسر ولا يطيب، ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبة ومطلوبة.
ولهذا كان ابن القيم -﵀- يقول: "إن في القلب وحشة لا يذهبها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة لا يذهبها إلا صدق اللجوء إليه، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تذهب تلك الفاقة أبدًا.
(٦) قضاء حوائج المسلمين وايصال النفع لهم، فإنَّ السعي في قضاء حوائج الناس مِنْ صور الإحسان العظيمة؛ لأن المسلم المحسن يسعى إلى خدمة الآخرين؛ حبًّا في الله تعالى، وشفقةً على خَلْق الله تعالى، كما أن هذا العمل من أعظم أبواب الخير، ولها مكانة عالية جدًا في الإسلام الذي جاءت عقائده وشرائعه لإصلاح
_________________
(١) العبودية لابن تيمية (ص ٩٧)
[ ١٩٨ ]
العلاقة بين العبد وربه، وبين العباد أنفسهم، وهو من أعظم الأعمال التي تجعل القلب مستقرًّا مطمئنًّا لأنها سبب في محبة الله ومحبة الناس، انظر للحديث العظيم الذي يصف هذا العمل وفضله بعبارات تلامس القلب، فيها بيان أثر هذا العمل على المحسن والمحسن إليه، وفضله عند الله، وسوء نقيضة من سوء الخلق.
قال -ﷺ-: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله -﷿- سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا. ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد، (يعني مسجد المدينة) شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل» (^١).
• مفسدات العبادة القلبية:
مفسدات القلوب: وهي أيضًا كثيرة، ولو أنك عكست الأشياء السابقة؛ لظهر لك من هذا المعنى شيء كثير، ومن أعظم ما يفسد القلب:
(١) الجهل بالعلم الشرعي:
الجهل بالشرع سبب في الوقوع في الشبهات والشك. إن الشك هو السبب الرئيس في فساد العبادة القلبية، كما أن الجهل عند الناس على درجات؛ يمكن ذكرها فيما يلي:
_________________
(١) "قضاء الحوائج" لابن أبي الدنيا (ص ٨٠ رقم ٣٦)، وأبو إسحاق المزكي في "الفوائد المنتخبة" (١/ ١٤٧/ ٢) ببعضه، وابن عساكر (١١/ ٤٤٤/ ١)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٧٤ رقم ٩٠٦). ورواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٥٣ رقم ١٣٦٤٦) بإسناد ضعيف.
[ ١٩٩ ]
(أ) الجهل بالشرع بالكلية
(ب) قلة الفهم
(أ) الجهل بالشرع بالكلية، فلا يكاد المسلم أن يعرف من دينه ما تقوم به عبادته والعياذ بالله. أو أن يعرف الشيء اليسير من العبادات، فلو سألته ما أركان الصلاة وما واجباتها وما سننها وما الفرق بينها؟ لما استطاع أن يجيبك، ناهيك عن أمور العقيدة؛ كمعرفة حق الله عليه، ومعرفة نبيه -ﷺ-، ومنزلة السنة من الشرع؛ وهذا ما يقع فيه كثير من الشباب الجهل في أصول دينهم؛ وهو السبب الرئيس في إنكار بعضهم للسنه، ليدفع عن نفسه الحرج من الوقوع فيما ثبت تحريمه بالسنة، وما علم أنه لو فعل المحرم دون إنكار السنة لكان أهون في الذنب. فتارك السنة كافر. ومرتكب المعصية على مرتبة معصيته، فتجده ينكر السنة لأجل سماع الأغاني، أو اقتناء الكلاب في البيوت، وغيرها من المعاصي التي لم تصل إلى حد الكبائر. ولو علم عظم ما وقع فيه من الإثم ما قال ذلك.
كما أن قلة العلم توجب الاشتباه؛ وواسع العلم يعرف من العلم ما يجعل إيمانه ثابت لا تتسلل له الشبهات.
(ب) قلة الفهم: أي ضعف الفهم، وذلك بأن يكون صاحب علمٍ واسعٍ كثير، ولكنه لا يفهم، فهذا تشتبه عليه الأمور.
إن حسن الفهم يقوم على قاعدتين؛ دين متين، وعقل رزين؛ فصاحب الدين المتين ينشد الحق الموافق لكتاب الله وسنة رسوله أينما كان، ولا يجعل شهواته ورغباته حائلًا عن الأخذ بذلك الحق.
وصاحب العقل الرزين يرشح ما يسمع، فلا يقبل كل ما يسمع أو يقرأ حتى يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- إن كان له بهما علم، فإن وافقهما قبله، وإن خالفهما تركه، فليس عظم مصدر الكلمة، ولا الدرجة العلمية، ولا المكانة السامية في النفس لقائل ما تجعل الإنسان يسلّم بكل ما يقول ذلك، فالحق أحق أن يتبع، وإن لم يكن قائله في تلك المراتب.
[ ٢٠٠ ]
قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
لذا وجب على المسلم أن يحرص على الفهم الصحيح في أمر دينه أكثر من حرصه على طعامه وشرابه، وأن يحذر كل الحذر من أن تتسلل إليه طلائع سوء الفهم فتصيبه في مقتل، فيصير الحق أو بعض مفرداته في ذهنه باطلًا، أو يصبح الباطل أو بعض مظاهره لديه حقًا وصوابًا.
ومما يساعد على الفهم الصحيح العدل والإنصاف، الذي يجعل صاحبه يضع الأمور في مواضعها، والأوصاف على موصوفيها، والأسماء على مسمياتها حقًّا؛ لا كما سمع أو قرأ، ولا انتصارًا لنفسه أو لحزبه أو جماعته أو من ينتمي إليهم.
فصحة الفهم والتروي في الحكم على الأمور تورث صاحبها سلامة المعتقد والفكر، فيبني عقيدته وأفكاره على ما وافق الوحي، دون أن يتشرب عقله وقلبه الانحرافات والتأويلات والتشكيكات والتمويهات التي يبثها ذوو الفهم العقيم.
ومن أعظم الفهم: فهم فقه الواقع وهو الفهم للحياة والأحياء، وفهم ما ينفع الإنسان وما يضره في عاجل أمره وآجله، وتمييز الخير من الشر، والصديق من العدو، والحق من الباطل. فيكون عند الإنسان بعد ذلك تصور صحيح العاقبة لا يهدده شك ولا تراجع، ولا حيرة ولا اضطراب، وحتى يصبح فهمه كنور الصباح الذي يشرق على الحياة فيُري الناظرين الأشياء التي أخفاها عنهم ظلام الليل الدامس. وإن خفي الحق ولم يترجح الصواب من الخطأ فالصمت أولى.
قال ابن عباس -﵄- في معنى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] قال: «هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن، وينكف عن القبيح، فلا يتحدث به» (^١).
_________________
(١) أضواء البيان (٦/ ٣٥٨).
[ ٢٠١ ]
ومما لا شك فيه أن العالم الإسلامي اليوم تُشن عليه وأهله حرب فكرية؛ قائمة على ضرب الفهم الصحيح للإسلام، حيث ظهر فيه أهل سوء الفهم، وآل إليهم زمام الكلمة والإعلام المتنوع، فراحوا يبثون سمومهم في العقول والتصورات، فألبسوا على الناس دينهم، وأبعدوا كثيرًا منهم عن مصالح دنياهم وآخرتهم، وأصبح يضرب بعضهم بعضًا دون أن يعلموا.
وأخيرًا فالفهم الصحيح يتحقق مع صدق العبودية لله؛ فإن كان طالب العلم محبًّا لله صادقًا في عبوديته فسيبني فهمه على الحقائق الثابتة والتصورات التي لا يخالطها غبش ولا حيرة.
فعن عَائِشَةَ -﵂-، زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: "لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ؛ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] " (^١).
ومن ثمرات صحة الفهم أن يكون صاحبه عادلًا في أحكامه على الناس، فلا يحيد عن الحق في شعوره من حب أو بغض، ولا في أقواله من مدح أو ذم، بل يضع شعوره وأقواله وأوصافه في مواضعها اللائقة بها، كما أنها تقوده إلى النجاة في الدنيا والآخرة، فمن سلم فهمه عمل في دنياه ما يرضي الله، وما يعينه على الحياة حتى يلقى ربه. ومن سلم فهمه سعى سعيًا حثيثًا للعمل للآخرة، فأقبل على الطاعات واجبها ومستحبها فعملها، وعلى المعاصي فتركها وأبعد نفسه عنها؛ من غير غلو ولا تقصير، ولا ابتداع ولا خروج عن منهج الحق الذي جاء به محمد -ﷺ-.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥/ ١٨٠ - ح ٣١٧٥) وصححه الألباني.
[ ٢٠٢ ]
(ج) سوء القصد
(ج) سوء القصد: وهو أعظمها؛ بأن لا يقصد الإنسان من طلب العلم إلا نصرة قوله، بصرف النظر عن كونه صوابًا أو خطأ، فمن كانت هذه نيته فإنه يُحرم الوصول إلى العلم، نسأل الله العافية؛ لأنه يقصد من العلم اتباع الهوى.
والاشتباه لا يكون على جميع الناس بدليلين؛ أحدهما من النص وهو قوله -ﷺ-: «لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» (^١)، يعني: وكثيرٌ يعلمهن. والثاني من المعنى، فلو كانت النصوص مشتبهة على جميع الناس، لم يكن القرآن بيانًا ولبقي شيء من الشريعة مجهول، وهذا متعذر وممتنع.
(٢) التعلق بغير الله:
التعلق المذموم الذي يعكر صفو العبادة القلبية له صور عدة؛ منها ما هو ظاهر كتعلق المرء بالمال والولد، ومنها ما هو خفي يقع المسلم فيه دون أن يشعر. ومن أشكاله تعلق بعض الناس بالأسباب، فيلقي إليها بكل اعتماده، ويعلق عليها كلَّ آماله، حتى أدى بالبعض إلى نسيان رب الأسباب، وترك تعليق قلبه بمسبب الأسباب، فالله الذي هيأ الأسباب، ولولاه -سبحانه- ما كان لها أثر. وهذا منعطف خطير في العقيدة قد يفضي إلى الشرك.
كما أن ترك الأسباب نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، والسبيل هو التوكل، والرجاء مع بذل الأسباب.
ولذلك شرعت لنا عبادات فيها تسخير للسبب كالدعاء، ومن الدعاء الذي يتجلى فيه تسخير السبب صلاة الاستخارة، والدعاء الوارد فيها، كما جاء في حديث
_________________
(١) من حديث النعمان بن بشير ﵁ الذي أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٢١٩) «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ».
[ ٢٠٣ ]
(٣) الفضول من كل شيء
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵄-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي به»، قَالَ: «وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» (^١).
والحِكْمَةُ من مَشْرُوعِيَّةِ الاسْتِخَارَةِ، هِيَ التَّسْلِيمُ لأَمْرِ اللَّهِ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْحَوْلِ وَالطَّوْلِ، وَالالْتِجَاءُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ؛ لِلْجَمْعِ بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَيَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى قَرْعِ بَابِ الْمَلِكِ -﷾-، وَلا شَيْءَ أَنْجَعُ لِذَلِكَ مِنْ الصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالافْتِقَارِ إلَيْهِ قَالا وَحَالا، ثم بعد الاستخارة يقوم إلى ما ينشرح له صدره (^٢).
(٣) الفضول من كل شيء، كالأكل والشرب، والنوم، وكثرة الكلام، والمخالطة والمجالسة، والضحك، واللهو، فكل أمر فيه زيادة من هذه الأمور لها أثر على القلب سلبًا؛ فالذي يأكل كثيرًا؛ يقسو قلبه، والذي ينام كثيرًا؛ يتبلد قلبه، وتحصل له الغفلة، والذي يضحك كثيرًا؛ لا تسأل عن لهوه وغفلة قلبه، والذي ينظر كثيرًا فيما يحل، وما لا يحل؛ لا تسأل عن شرود قلبه ومعاناته، وهكذا في كثرة المخالطة؛ لأن المخالطة كما قال ابن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٦٢، ٦٣٨٢، ٧٣٩٠).
(٢) انظر شرح ذلك في فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر (١١/ ١٨٦)، وانظر فيض الباري على صحيح البخاري (٢/ ٥٧٩).
[ ٢٠٤ ]
(٤) المعاصي تفسد القلب
(٦) الإكثار من الذهاب إلى أماكن اللهو
القيم: لقاح وإنما يحتاج إليها لشحذ النفس، وتجديد العزيمة، ودفع السآمة، والتقاط أطايب الكلام، وأما الإكثار من ذلك؛ فإنه يضر ولا ينفع، فكل شيء من هذه الأشياء إذا أكثرت منه ضرك إلا العبادة، فكلما أكثرت منها؛ زاد ذلك صلاحًا في القلب.
يقول الفضيل بن عياض -﵀-: "خصلتان تقسيان القلب: كثرة الكلام وكثرة الأكل". ويقول أبو سليمان الداراني: "لكل شيء صدأ، وصدأ القلب الشبع".
(٤) المعاصي تفسد القلب، وفعل ما حرم الله -﷿- من نظر، أو سماع، أو أكل، أو بأي لون؛ كآفات اللسان من اللغو في المجالس والغيبة والنميمة؛ كل ذلك يفسد القلب.
(٥) الحسد والبغض والشحناء كلها داء قلبي، وعلة من علل القلوب تفسد القلب، وتذْهِب صفاءه، فالإنسان الحسود يتمنى أن تزول النعمة عن إخوانه، ولا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، وهذا يدل على اختلال في العمل القلبي الواجب من محبة الخير للمسلمين كما يحب لنفسه، وهي عبادة قلبية، كما أن الحسد يذهب الحسنات.
(٦) الإكثار من الذهاب إلى أماكن اللهو، كأن يكون الإنسان من أول نهاره إلى آخره في أماكن اللهو، فإن ذلك يؤثر على قلبه.
• أثر العبادة القلبية على العبادات الأخرى وعلى النفس والروح
من المعلوم أن المسلم إذا تعاهد نفسه وقلبه بما سبق ذكره؛ كان أثره واضحًا على قلبه وقوله وجوارحه، بل جميع الأعمال التي محلها القلب، وترتبط به، وأعظمها الإيمان بالله -﷿-، الذي يكون في القلب محله، ويكون بالتصديق التام بوجود الله ووحدانيته سبحانه، وبحقيقة اليوم الآخر، وبالجنة والنار، والإقرار
[ ٢٠٥ ]
بذلك، ويتبع ذلك الانقياد لله بالطاعات وترك المحرمات. هذا بالإضافة إلى المحبة التي تقع في قلب العبد لربه ومعبوده، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والصبر واليقين، والإخبات والإشفاق والخشوع، وما إلى ذلك.
إن العبادات القلبية أشق من عبادات الجوارح، لكنها أجمل أثرًا من عبادات الجوارح، بل هي مُجَمِّلَةٌ لعبادات الجوارح؛ فعبادات الجوارح على غاية الأهمية، وهذا أمر لا يُنَازع فيه، لكن عبادات القلب أوقع وأجمل أثرًا، وهذا ما يجده الإنسان في نفسه -إن كان قلبه موصولًا بالله -﷿-، كان بعض السلف يقول: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.
• الأعمال القلبية لا تنفك عن عبادة الجوارح وهي:
كالإخلاص: وهو عمل قلبي، فإذا زال الإخلاص من قلب العبد، وقع في الشرك، أو النفاق الأكبر؛ واضمحل إيمانه شيئًا فشيئًا، وإذا وقع في الرياء؛ فإن إيمانه يختل، وذلك العمل الذي خالطه الرياء يكون باطلًا؛ فالله طيب لا يقبل إلا طيّبًا، كما قَالَ اللَّهُ -﵎- في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^١).
فالله لا يقبل هذه الأعمال التي يخالطها الإشراك: سواء كان ذلك في أول العمل، أو في أثنائه واسترسل العبد معه، فإن ذلك يبطل العمل في هاتين الصورتين، فصارت عبادة العبد الظاهرة: كالصلاة والركوع، والسجود، أو الصيام، أو الزكاة وغير ذلك صار له منها التعب، ثم يعاقب عليها؛ لأنه صرفها لغير الله -﷿-.
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٨٩ رقم ٢٩٨٥).
[ ٢٠٦ ]
ومن الأعمال القلبية ما هو مرتبط بالآخرين ومن حوله، مثل التواضع: وهو عمل قلبي يظهر أثره على الجوارح، ويبطله ويفسده الكبر، والكبر هو تعاظم في القلب يظهر أثره على الجوارح، وهذا يدل على اختلال عبادة التواضع -وهي عبادة قلبية- لداء الكبر، ومعلوم أن الكبر مانع من دخول الجنة (^١).
• والعبادات القلبية أعظم من عبادات الجوارح أجرًا عند الله -﷿- ومثوبة:
وقد كان كثير من السلف يفضلون عبادات القلب على الإكثار من عبادة الجوارح، مع عدم إهمالهم لعبادات الجوارح، كان أبو الدرداء -﵁- يقول: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة"، (^٢) وقيل لأم الدرداء -﵂-: أي عبادة أبي الدرداء أكثر؟ قالت: "التفكر والاعتبار" (^٣).
ووصف لسعيد بن المسيب -﵀- عبادة قوم أنهم يصلون بعد الظهر إلى العصر قال: "إنما العبادة التفكر في أمر الله، والكف عن محارم الله"، (^٤) وهو لا يقصد أن يزهّد في صلاة النافلة، وإنما أراد أن يلفت أنظارهم إلى عبادة يغفلون كثيرًا عنها وهي: التفكر.
• والعبادات القلبية محركة ودافعة للجوارح:
فكلما عظم الإيمان، والتوحيد، ومحبة الله في القلب؛ كان ذلك دافعًا للجوارح للعبادة، يقول عتبة: "من عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه". فإذا وُجِد الإقبال والمحبة في قلب العبد؛ أقبلت جوارح العبد، وهان عليها التعب في الطاعة والعبادة.
_________________
(١) «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٩٣ رقم ١٤٧).
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٦١ رقم ١١٧)، وروي عن ابن عباس -﵄- والحسن البصري نحوه.
(٣) الحلية (٧/ ٣٠٠)، والزهد لابن المبارك (٢٨٦).
(٤) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٤١).
[ ٢٠٧ ]
• والعبادات القلبية تعظم عبادات الجوارح:
ومعلوم أن العبد قد يعمل عملًا من الأعمال، ويعمله آخر كما عمله هذا -من حيث الظاهر- فهذا تصدق بمائة، وهذا تصدق بمائة، وبينهما كما بين السماء والأرض. فقد يتصدق الإنسان وهو يعد هذه الصدقة مغرمًا، ولربما أخرجها كارهًا محرجًا، وآخر: أخرجها رغبة، لكن في نفسه أنه يمنّ بصدقته، وثالث: أخرجها وفي قلبه الحياء من الله والخوف منه، والإشفاق ألا تقبل، وأن هذا قليل من كثير مما أعطاه الله -﷿-، وأن الله هو الذي وفقه وهداه وسدده إلى هذه الصدقة والعمل الصالح، وأنه بحاجة للمزيد من العبودية؛ ليشكر الله على هذا الإنعام أولًا وآخرًا؛ فكل منهم له جزاء مختلف عن الآخر!.
النية في طلب العلم؛ قد يطلب الإنسان العلم لدنيا، وقد يطلبه ليعرف ربه ومعبوده، ويقترب إليه، فتكون له نية صحيحة، فكم بينهما من الفرق، والمجلس واحد، فهما في مجلس واحد، في مكان واحد، ومع ذلك كم من الفرق بين هذا وهذا؛ إنما كان الفرق بينهم لاختلاف النية، يقول ابن المبارك -﵀-: "رُبَّ عمل صغير تكثره النية، ورُبَّ عمل كثير تصغره النية" (^١).
وهذا كما يقال في الطاعات يقال في المعاصي؛ قد يعمل رجلان معصية واحدة لكن هذا عملها وهو مستهتر، مستخف، متبجح، يتباهى بعملها، ويجاهر في ذلك، وكأن معصيته ذباب جاء على وجهه فقال به هكذا. وآخر يعمل معصية وهو خائف من الله، مُسْتَحٍ منه، يستشعر أن الله يراه ويراقبه، لكنه غُلِب بفترة ضعفت نفسه فيها، ثم لا يلبث أن يراجع؛
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٠).
[ ٢٠٨ ]
فشتان بين هذا وهذا.
فعمل الأول نظير لعمل الثاني من حيث الظاهر إلا أن الأول يهوي به عمله في الدركات -إن لم يتداركه الله -﷿- بلطفه ورحمته-، والآخر معصيته تصغر وتتضاءل بسبب ما قام في قلبه من الخوف والحياء من الله تعالى، ولا يمكن أن يُطلع أحدًا على ذلك، فهو في غاية الوجل، وإذا تذكرها خاف وأشفق منها، فكم من الفرق بين هذا وهذا!.
• والعبادات القلبية قد تكون في بعض الأحيان معوضة للعبد عن عبادات الجوارح:
مثال ذلك الجهاد في سبيل الله؛ عندما أتى رجال للنبي -ﷺ- ليحملهم فقال لهم: "لا أجد ما أحملكم عليه" تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون، فهؤلاء كما قال النبي -ﷺ-: «مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ» (^١).
والسبب أن العذر قد حبسهم، فالإنسان قد لا يستطيع أن يعمل بعض الأعمال، ولكنه يبلغ مبلغ العاملين لها بنيته، ولهذا يقول النبي -ﷺ-: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» (^٢).
فدل على أن الإنسان إن لم يقم بالغزو ببدنه وجوارحه؛ فعليه أن يستحضر النية، ولهذا قال -﵊-: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (^٣). فالنية لربما تكون معوضة عن عمل قد يعجز عنه الإنسان، وقد قال النبي -ﷺ-: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو (٣/ ١٠٤٤)، رقم: (٢٦٨٤). وأخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر (٣/ ١٥١٨)، رقم: (١٩١١).
(٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٥١٧ رقم ١٩١٠).
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٥ رقم ٢٧٨٣)، ومسلم (٣/ ١٤٨٨ رقم ١٨٦٤).
[ ٢٠٩ ]
الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (^١).
ومثلها ما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه بسنده عن أبي بُرْدَةَ أنه قال: سَمِعْتُ أبَا مُوسَى مِرَارًا يقولُ: قالَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سَافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» (^٢).
فمن حبس عن العمل الصالح الذي اعتاده وتعلق قلبه به فإن الله يعوضه بمثل ما كان يعمل.
وأعمال الجوارح كما ذكر ابن القيم -﵀- في مدارج السالكين: لها حد معلوم وأما أعمال القلوب لا حد لها بل تضاعف أضعافًا: وذلك لأن أعمال الجوارح مهما كثرت وعظمت لها وقت معلوم؛ الصلاة لها وقت، والصيام له وقت، والحج له وقت وله حد محدود، أما العبادات إذا كانت متعلقة بالقلب -العبادات القلبية- فإنها تكون حالًا ملازمة للعبد في صحوه ونومه، وصحته ومرضه، وصفائه وكدره، وفي جميع أموره.
مثال ذلك: محبة الله -﷿-، لا تفارق العبد ولا تفارق قلبه في كل أحواله، قائم، أو قاعد، أو ماشٍ، أو مسافر، أو مقيم، يأكل، أو يتعبد أو غير ذلك، فهي ملازمة له.
التعظيم والإخلاص والشوق إلى لقاء الله -﷿-، وإذا تمكنت هذه الأمور من قلب العبد، واستحكمت؛ فإنها تكون حالًا ملازمة لهذا العبد، فلا تفارقه. وهذا يدل على شرف الأعمال القلبية على أعمال الجوارح فهي تنقطع وتنقضي.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٥١٧ رقم ١٩٠٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه الرقم: ٢٩٩٦.
[ ٢١٠ ]
• والعبادات القلبية يستمر بعضها في أحوال تنقطع فيها عبادات الجوارح أو تقل:
فمثلًا: إذا مات الإنسان انقطع عمله الذي يباشره بنفسه هو، ويبقى ما ورّثه من الولد الصالح … إلخ. أما الأعمال القلبية كالتوحيد؛ يسأله الملكان فيجيب، فيسألانه عن الإيمان، فإن كان قلبه متعلق بمولاه في الدنيا أجاب فكان من أهل الجنة.
كما أن أهل الجنة يحبون الله، ويعظمونه، ويجلونه، ويقدسونه، وهذا عمل قلبي، ولكنهم لا يصلون في الجنة، ولا يصومون في الجنة؛ فليست الجنة محلًا لهذه التكاليف، أما الأمور القلبية فهي تستمر، أو يستمر كثير منها، أما التسبيح والتحميد فإن أهل الجنة يلهمونه إلهامًا كما يلهمون النفس فلا يرد على هذا (^١).
والعبادات القلبية هي الأصل وأعمال الجوارح فرع عنها: ومعلوم من أصول أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فالقلب يصدق، واللسان يشهد.
أثر العبادات القلبية على أمة عم فيها طمأنينة القلوب فهي أمة تجتمع فيها الكلمة التي تنتج قوة المسلمين؛ لأنهم يدينون بدين واحد وعقيدة واحدة فيها الأمن والطمأنينة والصفاء الذهني، ومن ثم لا محالة تكون لها السيادة والاستخلاف في الأرض، والسمو والرفعة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٨٠ ح ٢٨٣٥).
[ ٢١١ ]
الخاتمة
وفي نهاية المطاف على المسلم إخلاص العبادة لله وحده، والإيمان برسوله -ﷺ-، وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله. فهي العبادة القلبية التي لا يكون المسلم مسلمًا إلا بها، كما أنها الدواء لكل داء، حيث عالج بها نبينا -ﷺ- الجاهلية الأولى، وبها يكون علاج كل مرض وداء يصيب المجتمعات المسلمة، فلنبدأ بتصحيح سوء الفهم لمعنى لا إله إلا الله. والواقع الأليم الذي تعيشه المجتمعات المسلمة سببه سوء تحقيق عبادة (لا إله إلا الله).
بعض التوصيات:
(١) دور أهل العلم من العلماء والدعاة والمصلحين والمعلمين والتربويين في بيان أهمية التوحيد، ومنزلته، وملازمته للعبادات، فإن تخلل التوحيد أي نوع من الشرك فهذا نذير لبطلان العمل كله ومصيره إلى النار والعياذ بالله.
(٢) نصيحة للوالدين في تربية الأبناء، وذلك بما يلي:
• السعي لإصلاح أنفسهم ومراقبة قلبيهما؛ ليكونا قدوة لأبنائهم. فهذا نصف التربية.
[ ٢١٢ ]
• والوالدان اللذان ينتظران مولودًا عليهما الاجتهاد في الدعاء والتضرع لله في صلاح المولود المنتظر، من وقت معرفة الأم بالحمل، وقبل نفخ الروح في الجنين، فإن ذلك آكد في الإجابة، والدعاء بصلاح قلب الابن فإن صلح قلبه جاء ما يرجو الوالدين في ابنهما تباعًا.
• التربية الصالحة، وزرع معرفة الله ومحبته ومحبة عبادته في قلب الابن من السنوات الأولى. وفي السنة عن النبي -ﷺ- الكثير من التوجيه في ذلك.
• اتباع السنة في طريقة التعامل مع الولد الضال ورده للطريق المستقيم.
• وليعلم الوالدين أن صلاح الابن يعود بالنفع العظيم على الوالدين في الدنيا والآخرة.
(٣) العمل على تحكيم الشرع في كل أمور المؤسسات الحكومية، وعلى من ولي أمرًا من أمور المسلمين أن يؤمن بذلك، ويفزع لحكم الله في كافة أمور ما وليه، ولا يحيد عنه؛ بل يقدم ما أمر به محتسبًا في ذلك، فإن في ذلك بركة وخيرًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦].
إن البركات والخيرات إنما تتنزل على المؤمنين حينما يحققون عبوديتهم لله وحده لا شريك له، فيكون شعارهم الصدع بهذه الكلمة، والإيمان بها، والاعتصام بها، والثبات عليها، والتزام أحكامها وشريعتها.
[ ٢١٣ ]
إننا حينما نلتزم الشريعة ونطبقها، ونحكم بين الناس بالكتاب والسنة؛ تتنزل علينا خيرات وبركات، وعدالة وأمن واطمئنان، وتظهر الأرض خيراتها، وفي ذلك خير عظيم، وله آثر كبيرة جدًا في صلاح الأفراد والمجتمعات.
د/ لطيفة بنت ناصر الراشد
لنتواصل: Lnr ١١١@hotmail.com
[ ٢١٤ ]
البحث الثاني
خطوات النجاح من خلال حديث
«لا تزول قدما امرئ حتى يسأل عن أربع …»
[ ٢١٥ ]
تقديم
• خطة البحث:
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آلة وصحبه. أما بعد ..
يتقاعس كثير من الناس في شتى أرجاء العالم ويتأخرون عن أقرانهم بعد مضي الثلث الأول من حياتهم - سن الثلاثون- أو النصف - سن الخمسون-. كما يتفهم معظمنا هذا الشعور عندما يمر الوقت دون إنجاز، من الشعور بالإحباط والكآبة. حيث يتوقع منه أن يكون قد حقق شيئا من أمور حياته يساعده على المرحلة التالية من عمره.
إن هذا التقاعس يفضي إلى مشكلات كبيرة تمس الفرد والأمة، إلا أن هذه المشكلة يمكن حلها مهما بلغ العمر وفات الكثير منه، عن طريق علاج أسباب هذا التقاعس.
ولأهمية هذا الموضوع فقد تشعبت الأبحاث في حل هذه المشكلة بين التربويين وعلماء النفس وعلم الاجتماع والمهتمين بتطوير الذات وكل منها فيه خير.
_________________
(١) تعليق الشاملة: في المطبوع «التربويون»!
[ ٢١٧ ]
وموضوع البحث؛ نعرض فيه كيف عالجت السنة هذا الموضوع من خلال حديث واحد من جوامع الكلم، تلك الأحاديث التي تعد معجزة من المعجزات التي جاء بها النبي -ﷺ-.
كما أن التوجيه الوارد في الحديث عام لكل إنسان حيث أنه يعد من السنن الكونية المنطبقة على كل زمان ومكان.
الحديث: أخرجه الترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ»
• مشكلة البحث:
الخطوات المُهمة لتحقيق النجاح في الحياة هي الموازنة بين الوقت والعلم والمال والجسم مجتمعة وعدم التركيز على بعض منها، فالموازنة بينها مجتمعة تؤدي إلى حياة سعيدة وناجحة بل ممتعة، وهي المذكورة في الحديث. والبحث يناقش كيف وضحت السنة طريقة العناية بكل منها. وابراز الضرر من إهمال أي منها. مع بيان الأحكام الشرعية في ضبط هذه الأمور. والتركيز على الأخطاء التي يقع فيها أفراد المجتمع المعاصر في هذه الأمور أو بعض منها. وضرورة معالجتها. بلغة بسيطة يفهمها القارئ.
• إشكالية البحث:
البحث يخاطب الشباب، كما يخاطب المربين، من الآباء والأمهات والمعلمين، ولا شك أن التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية بعامة، وفئة الشباب على وجه الخصوص اليوم في دينها وثقافتها لها انعكاس سلبي على هذه الفئة بالذات، وعلى الأمة جميعا، ولا يمكن لأحدنا أن ينكر مدى التأثر الذي أصاب
[ ٢١٨ ]
بعض أبناء الأمة - قليلًا كان أو كثيرًا - من التشتت الذهني الذي أصابهم، وذلك بسبب الجهل بحقيقة الإسلام وتراثه الزاخر وحضارته الغنية، وعدم الرجوع إلى تعاليم الشريعة السمحة، والتي يناقش هذا البحث جوانب مهمة منها، حيث يجيب على الأسئلة التالية:
• هل الحسنة والسيئة للآخرة فقط؟ أم أن أثرها في الدنيا أيضا؟
• ما الوقت؟ وما علاقته بالمخلوق؟ وما قيمة الوقت في الشرع؟ وما أهميته؟ وكيف رتب الإسلام للمسلم وقته؟
• ما العلم؟ وما القدر الواجب تعلمه؟ وهل يختص الأمر الواجب تعلمه في العلوم الشرعية؟ وهل الأجر خاصٌ بالعلم الشرعي؟ أم في كافة العلوم المتعلقة بحياة المسلم؟
• ما أثر المال على الإنسان؟ وكيف صان الإسلام مال المسلم؟
• ما علاقة الجسد بالروح؟ وكيف عُنِىَ الإسلام بهما؟
• أهمية الموضوع:
كل إنسان ينشد النجاح ويسعى لبلوغ العلا، ويخطئ كثير من الناس الدرب لتحصيل الأسباب، وتحقيق ذلك النجاح، بصورة شاملة، وهناك كثير من الأبحاث في هذا المجال، لكنها تنشد شيئًا من الأسباب، وتغفل عن غيرها، وأهمية موضوع هذا البحث أنه يجمع أربعة أسباب مجتمعة، في جماعها النجاح الكامل.
• أسباب اختيار الموضوع:
السبب الرئيس للبحث في هذا الموضوع هو الرغبة في التعريف بأهمية الموازنة في الاهتمام بين الوقت والعلم والمال والجسم فإن ذلك حتما سيؤدي إلى قاعدة متينة يؤسس عليها أي نجاح.
[ ٢١٩ ]
• أهداف البحث:
يظن بعض المسلمين أن الأجور في الأمر والنهي، ويتعداها إلى التقوى والإحسان؛ إنما هو في الآخرة فقط، وهذا غير صحيح، بل إنه شامل للدنيا أيضا، والبحث يوضح ذلك.
• حدود البحث:
بيان أهمية الأمور الأربعة المذكورة في الحديث، مفصلة، وعدم اهمال أي منها في بناء وأسس النجاح المطلوب.
دراسة النجاح من خلال حديث «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ» دراسة موضوعية، عن طريق استقراء السنة حول الأمور المذكورة في الحديث.
• الدراسات السابقة:
لم أقف على دراسة موضوعية للحديث، والموجود شرح تحليلي للحديث.
• خطة البحث
البحث عبارة عن تمهيد، وأربعة مباحث، و٣ ملاحق، وخاتمة.
التمهيد:
• الحسنة والسيئة، وأثرهما في حياة الإنسان، الدنيا قبل الآخرة.
• الحديث موضوع الدراسة تخريجه، وأفضل طرقه لتقوم عليه الدراسة.
• علاقة الحديث بأثر الحسنة والسيئة في الدنيا، وعلاقة الحديث بالنجاح.
[ ٢٢٠ ]
المبحث الأول: الوقت «عن عمره فيما أفناه».
المبحث الثاني: العلم «وعن علمه فيما فعل».
المبحث الثالث: - المال «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه».
المبحث الرابع: الجسم «وعن جسمه فيما أبلاه».
• ملاحق البحث:
١. كيف أخطط لحياتي؟
٢. كيف أقوّم عبادتي؟
٣. كيف أخطط لأمنياتي؟
الخاتمة.
• منهج البحث واجراءاته:
تتبع الدراسة المنهج الرابع: منهج الدراسة الموضوعية التي تعتمد على جمع روايات حديث واحد ودراسته دراسة موضوعيه؛ لحديث «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ»، وذلك بجمع الأحاديث الواردة في كتب السّنة النبوية عن الأمور الواردة في الحديث، على سبيل الاستقصاء، للوصول إلى أبعاد ونتائج تساهم في الوصول للنجاح، ومعالجة الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس ومعالجتها وبيان الوضع الصحيح في كل منها. ثم ذكر العوامل المعينة على إصلاح التعامل مع كل من الوقت والعلم والمال والجسد، ومناقشة ذلك بواقعية مما يساعد على تطبيقها في واقع الحياة.
[ ٢٢١ ]
• والمنهج البحثي المتبع:
يتبع البحث المنهج البحثي النوعي بكل فروعه، وذلك كما يلي:
(١) المنهج الوصفي:
عن طريق وصف فكرة البحث وبيان أهميته، بعد جمع الحقائق والمعلومات التي تحويها الأحاديث التي ذكر فيها خطوات النجاح من خلال الاهتمام بالوقت والعلم والمال والجسد، مستعينة على فهم الأحاديث بأقوال السلف، ومقارنتها، وتحليلها؛ للوصول إلى تعميمات وحقائق مقبولة مقنعة يقبلها العقل، والهدف هو وصف علمي متكامل يصل إلى عقل القارئ ووجدانه.
(٢) المنهج الاستنباطي:
استنبطت مشكلة البحث، وهي خطوات النجاح والتي يطمح لها كل إنسان من الحديث «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ»
وهي المقدمة الكبرى. ومن الحديث تنطلق عملية البحث المزدوج بين ما ورد في الحديث من الأربع أمور وما يعاني منه كثير من الناس من عوائق النجاح والبحث في النصوص الشرعية في تنظيم هذه الأمور، للوقوف على حقائق مذهلة قوامها الأحاديث، تلمس حاجة البشر. وهي المقدمة الصغرى.
(٣) المنهج الاستقرائي:
الاستقراء اليقيني والظني كان واضحًا ومجديًا في البحث، وفي كل مباحثه وتحديد ذلك بناء على الفئة المستفيدة من البحث حيث أن كل مبحث من مباحه يحتاج الكتابة فيه إلى مجلدات ولكن تم التركيز على أجزاء منها للتنبيه عليها فمن ذلك:
[ ٢٢٢ ]
• في التمهيد: جزاء الحسنة في الدنيا وكذلك السيئة.
• تنظيم الوقت من خلال مراعات الساعة البيلوجية والساعة الكونية.
• الاهتمام بالعلوم الشرعية وعلوم المهنة.
• الاهتمام بالمال والنظرة التعبدية في كسبه وانفاقه والإبداع في استثماره.
• أما الجسد فالنظر في العناية به من خلال النظر له كجسد وروح لا ينفصلان فإن كل منهما ذا تأثير على الآخر.
وما تم تحديده بين اليقيني والظني هو أن البحث فيه مبني على حاجة المستفيد من البحث لوجود مشكلة عند الكثير في تطبيقه وكذلك ضعف البحث فيه أو البحث فيه متناثر بين الكتب ذات التخصصات المختلفة.
(٤) المنهج الاستنتاجي:
يرتبط الاستنتاج مع كل المناهج السابقة؛ فهو نتيجة حتمية لها. لأنه عن طريق هذا المنهج يقف البحث على حقائق قابلة للتصديق، وتقنع العقل الإنساني، وتتوافق مع قواعد المنطق. وقوام ذلك في هذا كله الدليل الشرعي، كما يتم من خلالها إيجاد حلول لمشكلات البحث بطريقة علمية ومنطقية وواضحة ومقنعة.
وقد استخدم في البحث أنواع من الاستنتاج؛ منها: القياسي؛ وهو إثبات؛ أنه على الإنسان النظر في هذه الأمور بشكل متساوي دون إغفال شيء منها. كما أن من أهتم بهذه الأمور مجتمعة من شأنه البلوع للعيش الهني وبلوغ النجاح. هذا الاستنتاج المبني على القياس قوامه أن هذه الأمور على قدر مراعاة الله فيها والإحسان فيها يكون النجاة في الآخرة.
وأما الاستنتاج الاستقرائي؛ حيث من خلاله تم استقراء المشكلات التي تعيق
[ ٢٢٣ ]
النجاح؛ وتتبعها ومنها:
• عدم التنظيم في الوقت ومراعات حاجة الأجسام في ذلك.
• القصور في التطوير المهني وطلب العلم في ذلك مع سهول الحصول على المعلومة.
• النظرة الشرعية للمال وأسباب تكثيره والنظر في الاستثمار فيه وتحريكه.
• النظرة المزدوجة للجسد والروح وتأثير كل منهما على الآخر.
ومثله الاستنتاج الاستنباطي: عن طريق استنباط مشكلة البحث ومعالجتها من النص الشرعي.
(٥) المنهج التاريخي والاستردادي:
وتم ذلك من خلال نصوص السنة، وتتبعها، ودراسة ما حولها من إثبات صحة الحديث من جهة؛ والدراسات حول شرح الحديث، والوقوف على كل ما ذكر في معناه للوقوف على فهم النص والاستدلال به في الموضع الصحيح، من جهة أخرى.
وأيضًا: أقوال السلف وعلماء الأمه حول موضوعات البحث ومشكلاته.
• أسلوب البحث:
البحث موجه للعامة، والشباب على وجه الخصوص، وهو بحث تربوي، لذا فإنه يتخذ الأسلوب الإقناعي، بعبارات مختصرة موجزة، تعطي رسائل سريعة مقنعة، حتى لا يتسلل الملل للقارئ.
وفي الملاحق خاطبت الشباب بعبارات قصيرة جدًا، حتى يحتفظ الشاب بهذه الورقة في مكان في متناول يده، ليقرأها باستمرار، ففيها رسائل إيمانيه، وتحفيز للهمم. والله الهادي إلى سواء السبيل.
[ ٢٢٤ ]
• الأحاديث:
(١) حديث ابن عباس -﵄- قال: "إن للحسنة: ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة: سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق"
(٢) حديث صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا، وَكَانَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ» وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: "هُوَ صَخْرُ بْنُ وَدَاعَةَ".
(٣) عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْر موقوفًا عليه قَالَ: "نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ، وَأَوْسَطُهُ خُلُقٌ، وَآخِرُهُ حُمْقٌ".
(٤) حديث أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل».
(٥) حديث عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ فال: للْفَضْلِ ابْنِهِ وَهُوَ نَائِمٌ نَوْمَةَ الضُّحَى: "قُمْ؛ إِنَّكَ لَنَائِمُ السَّاعَةِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللهُ فِيهَا الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا؟ قَالَ: وَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا يَا أَبَتِ؟ قَالَ: زَعَمَتْ أَنَّهَا مُكْسِلَةٌ مُهْرِمَةٌ مُنْسِئَةٌ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ! نَوْمُ النَّهَارِ عَلَى ثَلاثَةٍ؛ نَوْمُ حُمْقٍ؛ وَهِيَ نَوْمَةُ الضُّحَى، وَنَوْمَةُ الْخُلُقِ؛ وَهِيَ الَّتِي رُوِيَ: «قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لا تَقِيلُ»، وَنَوْمَةُ الْخُرْقِ؛ وَهِيَ نَوْمَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ لا يَنَامُهَا إِلا سَكْرَانُ أَوْ مَجْنُونٌ".
(٦) حديث ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ
[ ٢٢٥ ]
رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
(٧) حديث عبد الرحمن بن عوف -﵁- أنه كان يقول: "حبذا المال أصون به عرضي، وأقرضه ربي، فيضاعفه لي".
(٨) حديث ابن عباس -﵄- في قوله ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. أي مالًا إلى مالكم،، وكان -﵁- يقول: "قد يشرف الوضيع بالمال".
(٩) حديث المِقْدَامِ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -﵇-، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ».
(١٠) حديث أَبو هُرَيْرَةَ -﵁-، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ».
(١١) حديث عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ».
(١٢) حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَفَعَ الْحَدِيثَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ -﷿- قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ: قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ».
(١٣) حدبث «إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله».
(١٤) وحديث جابر مرفوعا قال -ﷺ-: «لا تستبطئوا الرزق؛ فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه آخر الرزق، فأجملوا في الطلب».
[ ٢٢٦ ]
(١٥) حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا».
(١٦) حديث ابن عباس -﵄- قَالَ: «كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ: وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]. قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلا مَا تَعْلَمُ».
(١٧) حديث «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ».
(١٨) حديث «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ».
(١٩) حديث «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ».
(٢٠) حديث ابن عمر مرفوعًا: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالِه» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "يَتِرَكُمْ" "وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلا أَوْ أَخَذْتَ لَهُ مَالًا".
(٢١) حديث «إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ».
(٢٢) حديث زُهَيْرِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ الضَّبْعِيِّ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ سَيِّئُ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: أَلَكَ مَالٌ؟» قَالَ: نَعَمْ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَالِ. قَالَ: «فَلْيُرَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَهُ عَلَى عَبْدِهِ حَسَنًا، وَلا يُحِبُّ الْبُؤْسَ وَلا التَّبَؤُّسَ».
[ ٢٢٧ ]
(٢٣) حديث «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».
(٢٤) حديث أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ».
(٢٥) حديث أنس: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».
(٢٦) حديث عائشة -﵂-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: "انْتِقَاصُ الْمَاءِ: يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ".
(٢٧) حديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ «قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ قَالَ: دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الهَرَمُ».
(٢٨) حديث أبي هريرة مرفوعًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفق عليه.
(٢٩) حديث «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته».
[ ٢٢٨ ]
التمهيد
خطوات النجاح من خلال حديث «لا تزول قدما امرئ حتى يسأل عن أربع …».
إن المؤمنين المتبعين لشرع الله، الراجين لرحمة الله -﷿-؛ تكمن سعادتهم في الدنيا والآخرة، وهو ما ورد في جزاء الحسنات؛ تقيدًا بأوامر الشرع، وعقاب السيئات؛ جزاءً لمخالفة أوامره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "إن الله حمد أفعالًا هي الحسنات، ووعد عليها -أي الوعد في الآخرة- وذم أفعالًا هي السيئات وأوعد عليها- أي الوعيد في الآخرة - وقيَّد الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] " (^١).
وقال: " فعل الحسنات له آثار محمودة في النفس وفي الخارج، وكذلك السيئات، والله تعالى جعل الحسنات سببًا لهذا، والسيئات سببًا لهذا، كما جعل السم سببًا للمرض والموت. وأسباب الشر لها أسباب تُدفع بمقتضاها، فالتوبة والأعمال الصالحة يمحى بها السيئات، والمصائب في الدنيا تكفر بها السيئات" (^٢).
وقال ابن عباس -﵄-: "إن للحسنة: ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وقوة في
_________________
(١) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، نشر مجمع الملك فهد بالمدينة، ١٤١٦ هـ، أصول الفقه، ٢٠/ ٤٨.
(٢) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق محمد رشاد سالم، الطبعة الثالثة ١٤٠٦ هـ، ٣/ ٢٨. وانظر: السلمان، عبدالعزيز، مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار، ٢/ ٣٦١.
[ ٢٢٩ ]
البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة: سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق" (^١).
إذا كان الأمر كذلك فلماذا يرتكب الناس السيئات؟
يجيب شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- على هذا السؤال فيقول: " السيئات منشؤها الجهل والظلم، فإن أحدًا لا يفعل سيئة قبيحة إلا لعدم علمه بكونها سيئة قبيحة، أو لهواه وميل نفسه إليها، والإنسان لا يترك حسنة واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها، أو لبغض نفسه لها (^٢).
إذن: السيئات كلها ترجع للجهل، لكن لابد أن يُعلم أيضًا بأن الغفلة والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، فالهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل.
يقول شيخ الإسلام -﵀-: " فصاحب الهوى إذا علم قطعًا أن ذلك يضره ضررًا راجحًا انصرفت نفسه عنه بالطبع؛ فان الله تعالى جبل في النفس حبًا لما ينفعها وبغضًا لما يضرها، فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضررًا راجحًا، بل متى فعلته كان لضعف العقل" (^٣).
فأصل ما يُوقِع الناس في السيئات الجهل، وقد قال بعض الصحابة: "كل من عصى الله فهو جاهل" (^٤).
إذا كان الأمر كذلك وهو أن وقوع الناس في السيئات له علاقة قوية بالجهل،
_________________
(١) ابن القيم، روضة المحبين ونزهة المشتاقين، ٤٤١.
(٢) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، نشر مجمع الملك فهد بالمدينة، ١٤١٦ هـ، التفسير، ١٤/ ٢٨٧. وانظر: ابن تيمية، الحسنة والسيئة، تقديم محمد جميل غازي، ص ٥٩.
(٣) ابن تيمية، الحسنة والسيئة، تقديم محمد جميل غازي، ص ٦١.
(٤) ابن تيمية، الحسنة والسيئة، تقديم محمد جميل غازي، ص ٦٢.
[ ٢٣٠ ]
فان المسئولية التي تنتظرني وتنتظرك أنت أيها القارئ، بل وتنتظر كل الدعاة وطلبة العلم هي رفع الجهل عن الناس، تفقيههم بأمور دينهم ودنياهم.
إن أوامر الشارع ونواهيه إنما فرضها الشارع علينا؛ أنه لا يمكن الحياة إلا باتباع هديه، الذي سطره لنا سبحانه عن طريق الوحي؛ ليكون دليلًا ونبراسًا، نسير عليه فنغنم السلامة والسعادة في الدنيا والآخرة.
انظر الأمور الخطيرة الواردة في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ». قال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ هُوَ بَصْرِيٌّ، وَهُوَ مَوْلَى أَبِي بَرْزَةَ، وَأَبُو بَرْزَةَ اسْمُهُ: نضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ" (^١).
وورد الحديث من طريق آخر حسنه الألباني، أخرجه الترمذي في سننه، من طريق ابن مسعود أن النَّبِيِّ -ﷺ- قال: «لا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ». قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلا مِنْ حَدِيثِ الحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَفِي البَاب عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ (^٢).
والأولى حديث أبي برزة من حيث المتن والسند.
فمتن حديث أبي برزة أتم من حيث المعنى، حيث لم يرد في حديث ابن مسعود «جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ» وجاء فيه «وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ».
_________________
(١) الدارمي، سنن الدارمي، ١/ ٤٥٢ ح ٥٥٤، ومن طريقه أخرجه الترمذي ٤/ ٦١٤ ح ٢٤١٧.
(٢) الترمذي، سنن الترمذي، ٤/ ٦١٤ ح ٢٤١٦.
[ ٢٣١ ]
أما السند ففي حديث ابن مسعود: الحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ وهو الرحبي أبوعبدالله الواسطي، قال عنه الترمذي بعد أن ساق الحديث من طريقه يضعف من قبل حفظه، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب متروك (^١).
وبالجمع بين الطريقين يتضح أن الحديث أشار إلى أربعة أمور مهمة، وأنها من الخطورة بحيث جعلها الله سبحانه جسر الوصول إلى الجنة.
ومن المعلوم أن الشارع شدد على هذه الأمور لأنه لا يمكن الوصول للحياة في الدنيا بسعادة تامة، والبعد عن الأخطار إلا بمراعاة هذه الأمور، وعلى هذا فيجب العلم بها، ومراعاة أوامر الشرع في كل جانب منها.
إن هذا الحديث يجعلك تحدد ما يتوجب عليك العناية به، وترتيب حياتك، من خلال هذه الأربعة أمور، وهي: العمر، أي الوقت، والعلم، ومن خلاله مطلوب منك تطوير الذات وتنمية العقل، وتعلم كل ما يحقق الإيمان، ويسهل أمور الحياة، والمال، وطرق اكتسابه وصرفه وفق ما أمر به الدين، وأخيرًا الجسم، وطرق العناية به.
هذه الأمور الأربعة لا يجوز ولا يمكن فصل بعضها عن بعض، فكل منها مرتبط بالآخر، ولا يكون إلا به؛ لذا حدد الشارع أنه لا ينتهي الحساب إلا بالسؤال عنها جميعًا، لا عن أحدها وترك الآخر.
وفي هذه العجالة حديث عنها جميعًا، وعن مدى ارتباط بعضها ببعض، وأهمية كل منها مع الآخر، وأثرها في عملية تطوير الذات، وتحقيق النجاح.
_________________
(١) ابن حجر، تقريب التهذيب، ص ١٦٢ ت ١٣٤٢.
[ ٢٣٢ ]
(١) الساعة الكونية
(٢) الساعة البيلوجية
١ - الوقت «عن عمره في ما أفناه»
حظي الوقت بنصيب وافر من عناية الشارع الحكيم -﷾-، وأرشدت النصوص القرآنية والنبوية إلى العناية به، والتدبر في دلالاته، فقد أقسم الله بالوقت في أكثر من موضع فقال سبحانه ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١].
بل إنه -﷾- جعل العباداتِ مربوطةً بالوقت، الذي يجب أن تؤدَّى فيه، كي نتدبر فيه، وتمرينًا لنا على أنه ينبغي النظر في الأوقات، فقال تعالى عن الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وعند الحديث عن الوقت فإنه ينظر إليه من وجهين، وجَّهتنا النصوص الشرعية إلىهما، وهما:
(١) الساعة الكونية: أي الوقت من حولنا، حيث يسير الكون بمقاييس، وأشكال متعددة، وثابتة، لا تتغير؛ للتدبر في تأثيرها على ضبط وقت اليوم، والشهر، والسنة، بناء على حركة الشمس، والأرض، والقمر، ثم تعاقب فصول السنة، من صيف، وشتاء، وما بينهما.
(٢) الساعة البيلوجية: التي بداخل أجسامنا، بل داخل كل كائن حي؛ من إنسان، وحيوان، ونبات، هذه الساعة تعمل دون انقطاع، مركزها في الإنسان، والحيوان داخل الدماغ، في غدة، تحت المهاد وهو قلب هذه الساعة، أما عقاربها فهي موجودة في كل جزء من الجسم، بل في كل خلية.
[ ٢٣٣ ]
عمل هذه الساعة: تنظيم أجهزة الجسم الحيوية، فهي التي تنظم النوم واليقظة، والأيض، وإفراز الهرمونات، وإعادة بناء الخلايا، وتوجيه النشاط الموجي للدماغ، أي أنها هي المسئولة عن حيوية الإنسان، وفعاليته، بل إنها تتحكم في أمور عدة، كالنشاط العقلي، والنفسي، والحيوي.
إن إهمال هذه الساعة ومخالفتها تجعل الكائن الحي ممزقًا بين عقاربها البيلوجية، في داخل أجسامنا، إضافة إلى ارتباطها بالكون، ويظهر هذا واضحًا عند التنقل من قارة، إلى قارة بعيدة، فتجد أن حركة النهار في جسمك ترفض هذا التغيّر.
إن هذه الساعة مؤثرة في ما يحدث في أجسامنا من عمليات حيوية، كإفراز الهرمونات، التي تحفز على النمو - يؤخذ في الاعتبار تأثيرها على نمو الأطفال والمراهقين - وتؤثر في عمليات بناء الخلايا وهدمها، ونشاط الدماغ وحيويته، وغيرها كثير مما توصل العلم الحديث أو لم يصل إليه، وهي في الحقيقة عمليات موقوتة مرتبطة بتعاقب الليل والنهار.
لذا جاءت النصوص بمراقبة هذه الساعة، وأخذها بالاعتبار، بل الأمر والترغيب في مراعاة ذلك، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]، وقوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١].
في ضوء ما سبق من أدلةٍ نصل إلى أنه لابد من النظر للوقت من عدة زوايا، منها:
(١) إن مخالفة الساعة الكونية وارتباطها بالساعة البيلوجية الموجودة داخل أجسامنا له ضرر واضح علينا، وهذا ما يعاني منه الإنسان في الوقت الحاضر، من أمراض نفسية، وخلل في الهرمونات، بشكل واضح، عند الصغار والكبار، على حد
[ ٢٣٤ ]
سواء، وأمراض عصبية كثيرة يشتكي منها النساء والرجال، بل حتى الأطفال والكبار، كالصداع، والقولون العصبي، وآلام العضلات، وقد يمتد إلى المفاصل، ثم ما يلبث أن ينتهي إلى الأمراض الشائعة، كالخلل في ضغط الدم بين ارتفاع وانخفاض، ومرض السكر، وغير ذلك.
وربما كان سببه راجعًا إلى عدة ظروف معيشية، لكن يظل من أهمها - والله أعلم - عدم تفعيل الساعة البيلوجية، أي السهر ليلًا.
(٢) يشتكي كثير من الناس من ضيق الوقت وعدم بركته، ومنشؤه - والله أعلم - من العمل في وقت يكون العقل والجسم غير مستعد لذلك، كأن يبدأ الطالب بالاستذكار في الساعة التاسعة ليلًا، مع أن العقل والجسم غير مهيأ تمامًا لذلك، بل هو وقت راحته واسترخائه المفترض، وهذا أمر مهم لابد من أخذه بالحسبان.
كما أن هذا واضح من سيرة النبي صلى الله عليه والسلف الصالح من بعده، ومن ذلك الحديث الذي رواه أحمد في المسند وأبو داود والترمذي والنسائي وصححه الألباني لتعدد طرقه، من حديث صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا، وَكَانَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ» وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ صَخْرُ بْنُ وَدَاعَةَ " (^١).
(٣) يشتكي كثير من الناس عدم قدرته على مزاولة التمارين الرياضية، وأنها ثقيلة على أجسامهم، أو أنهم يزاولونها لكنهم لا يستفيدون منها في الشفاء من الأمراض كالكلوسترول، أو في تخفيف الوزن، وربما كان السبب هو مزاولتها والجسم غير
_________________
(١) أبو داود، سنن أبي داود، ٣/ ٣٥ ح ٢٦٠٦، و:، الترمذي، سنن الترمذي، ٢/ ٥٠٩ ح ١٢١٢، و: النسائي، السنن الكبرى ٨/ ١٢٠ ح ٨٧٨٢، و: ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ٢/ ٧٥٢ ح ٢٢٣٦، و: الدارمي، سنن الدارمي، ٢/ ١٥٨١ ح ٢٤٧٩.
[ ٢٣٥ ]
مهيأ تمامًا لذلك، حيث أثبتت التجارب التي أجراها علماء التربية البدنية أن الوظائف الجسمية تزداد قوتها وتنقص بين وقت وآخر خلال اليوم، حيث تظهر الكفاءة العضلية في الزيادة تدريجيًا عند الرابعة صباحًا، وتبلغ مداها الأقصى عند السابعة صباحًا، وتستمر حتى الحادية عشر ظهرًا، حيث تبدأ بالانخفاض التدريجي لغاية الثالثة عصرًا - هذا الوقت هو وقت القيلولة، الذي كان النبي وأصحابه يرتاحون فيه، إما قبل الظهر أو بعد الظهر إلى قبيل صلاة العصر- ثم يزداد النشاط تدريجيًا حتى السادسة مساء، ثم يعود بالانخفاض مجددًا عند التاسعة ليلًا، ويبلغ مداه حتى الثالثة صباحًا وهكذا.
لقد فَقِه السلف الصالح تقسيم النهار بين اليقظة والعمل، والخلو للراحة والقيلولة، ومن ذلك ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ (^١) موقوفًا عليه قَالَ: " نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ، وَأَوْسَطُهُ خُلُقٌ، وَآخِرُهُ حُمْقٌ" (^٢).
ومعنى "خرق": أي جهل.
ومعنى " خُلْقٌ ": المراد أن النوم في أوسط النهار خلق ممدوح.
وكذلك الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في" الطب " وفي" أخبار أصبهان " من حديث أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل» (^٣).
_________________
(١) خوات بن جبير الأنصاريّ، أبو عبد اللَّه وأبو صالح. ذكره موسى بن عقبة، وابن إسحاق، وغيرهما في البدريين، وذكره الواقديّ وغيره ممن شهد أحدا والمشاهد بعدها، مات سنة أربعين، انظر ترجمته: ابن الأثير، الإصابة في تمييز الصحابة، ٣/ ٢٩٣.
(٢) البخاري، الأدب المفرد، ١/ ٤٢٥، باب النوم آخر النهار، و: انظرتخريج الحديث والحكم عليه في: الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ٤/ ٢٠٢ ح ١٦٤٧.
(٣) أبو نعيم، الطب النبوي، ١/ ٢٦١ ح ١٥١، و: أبو نعيم، تاريخ أصبهان ١/ ٤١٧ ح ٧٨٨.
[ ٢٣٦ ]
ومن ذلك ما قاله عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ للْفَضْلِ ابْنِهِ وَهُوَ نَائِمٌ نَوْمَةَ الضُّحَى: " قُمْ؛ إِنَّكَ لَنَائِمُ السَّاعَةِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللهُ فِيهَا الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا؟ قَالَ: وَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا يَا أَبَتِ؟ قَالَ: زَعَمَتْ أَنَّهَا مُكْسِلَةٌ مُهْرِمَةٌ مُنْسِئَةٌ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ! نَوْمُ النَّهَارِ عَلَى ثَلاثَةٍ؛ نَوْمُ حُمْقٍ؛ وَهِيَ نَوْمَةُ الضُّحَى، وَنَوْمَةُ الْخُلُقِ؛ وَهِيَ الَّتِي رُوِيَ: «قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لا تَقِيلُ»، وَنَوْمَةُ الْخُرْقِ؛ وَهِيَ نَوْمَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ لا يَنَامُهَا إِلا سَكْرَانُ أَوْ مَجْنُونٌ" (^١).
وفي ضوء هذه النصوص فإن أفضل وقت لمزاولة الرياضة، إما الصباح باكرًا، أو بعد صلاة العصر، وهذا ما كان عليه السلف في مجالس العلم وطلب الرزق؛ مراعاةً لطبيعة وخصائص هذه الأوقات.
إن إغفال هذه الأمور يجعل الإنسان غير منتج، وعالة على غيره، وعبئًا على مجتمعه، فكيف وقد أصبحت هذه ظاهرة تشتكي منها قطاعات المجتمع كافة، من الأسرة والمدرسة والعمل؟ فالأباء يشتكون من أبنائهم، والأبناء يشتكون من الأباء، وأرباب العمل تكثر شكواهم من عدم إنتاجية موظفيهم، بل الزوجات تكثر شكواهن من هروب أزواجهن ليلًا إلى مناطق اللهو أو حتى الاستجمام، بعيدًا عن بيوتهم، فنتج عن ذلك أمراض كثيرة مادية وإجتماعية ونفسية، في المجتمع، إن لم تعالج؛ تثقيفًا وعلمًا، بجهودٍ رسمية، وغير رسمية؛ فإن الخطر عظيم.
لابد من تنظيم الوقت ومراعاة ما أمر الشرع به، فإن الشارع أعلم وأحكم وأقدر من ينظم ذلك، انظر إلى الصلوات الخمس التي قال عنها الله -﷾-: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فأوقاتها تتبع هذا البندول، وتتفاعل مع الضوء والظلمة، فيها مراعاة العمليات التي تحدث في أجسامنا، فأوقات الصلاة
_________________
(١) الدينوري، المجالسة وجواهر العلم، ٥/ ٢٢١ ح ٢٠٤٧.
[ ٢٣٧ ]
أعمق بكثير مما نظن ونعلم، وفي كل وقت من هذه الأوقات فائدة تعود بالنفع على الإنسان جسميًا وعقليًا ونفسيًا، لذا علينا أن ننظم حياتنا عبر الصلاة الموقوتة؛ فهي مرتبطة بحركة الكون.
كذلك نجد في أحكام الصيام: الحث على تأخير السحور، وتقديم الفطور؛ فإن في ذلك حكمة تتعلق بالوقت، وصيام النوافل كأيام البيض في اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر له علاقته بالدورة الدموية.
العبادات والأعياد قسمت السنة عند المسلم إلى مواسم يمكن أن يغتنم ويغترف منها ما أمكنه ذلك، حيث من الممكن وضع الخطط تبعًا لأوقاتها، مثل: شهر رمضان، وعيد الفطر وعشر ذي الحجة، وعيد الأضحى، وصيام عاشوراء بداية السنة الهجرية، فكلها محطات من الممكن استغلال توقيتها للتخطيط والتقويم.
[ ٢٣٨ ]
٢ - العلم «وعن علمه في ما فعل»
العلم التام الكامل صفة من صفات الله -﷿-، ولا تكون بمجموعها إلا له -﷾-؛ لأن العلم واسع غير محدود، ولا يمكن أن يُعطَى بمَجْمُوعِه لمخلوق، بل هو صفة لله وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
ووهب الله الإنسان جزءًا من هذه القوى العلمية للجنس الآدمي كله، فكلٌ ينهل من هذا العلم بما آتاه الله من الوسائل والقدرات، فالإنسان ناهل وكاسب منه، أوتي في أصل خلقه من المواهب والقدرات العقلية ما يجعله قادرًا على كسب شيء من هذا العلم، وكلما أوتي نصيبًا منه ظهر له المزيد.
الإنسان بهذه القوى العلمية غير محدود الرغائب، ولا محدود العلم، ولا محدود العمل، يولد ضعيفًا جاهلًا، لا يدفع عن نفسه شيئًا، ثم ما يلبث أن يتعلَّم، بما وهبه الله من الإلهام والعلم، شيئًا فشيئًا، حتى تكتمل قواه، فيكون له سلطانٌ بهذا العلم، وما يكتسبه من المهارات على كل الكائنات حوله، فيسخرها الله له بهذا العلم، ويذللها حتى تكون طوعًا له.
ثم الناس درجات مختلفة في طلبه، كل بما سخر عقله له من العلوم المختلفة، فمنهم من كان ذا همة عالية، ومنهم دون ذلك، والعلم دروبه كثيره، ونواياه كثيرة؛ فهو في الخير والشر على حد سواء؛ لذا يحاسب الإنسان عنه يوم القيامة، ولا تزول قدمه حتى يسأل عنه، وإنما ذلك لخطورة استعمال العلم في مجالات الهدم والشر.
[ ٢٣٩ ]
العلم غير محدود، وهو موجود لكل من يطلبه، وشامل لكل ما في الكون، وما على الأرض، حتى في الإنسان نفسه، وكل ما ازداد نهلًا منه شعر بالجهل والحاجة إلى طلب المزيد، وكل ما تعمق فيه قاده علمه إلى الإيمان بوحدة وعظمة خالقه وحقارة وصغر نفسه، لذا كان العلماء أكثر الناس تواضعًا، وإيمانًا وخشية من الله -﷿-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
العلم منه ما يعتمد على العقل، ويترجم عنه بالحواس، عن طريق البحث والاستدلال والتجارب، ومنه مالا يدرك إلا بالنقل، ويكون الضلال والزيغ عاقبة البحث عنه بمجرد العقل، حيث لا يمكن معرفته إلا عن طريق الوحي، دون أن يكون للعقل فيه أي سبيل، كالغيبيات من الذات الإلهية، والبعث، والجنة والنار، والروح، ونحو ذلك مما هو معلوم عند أهل الكتب السماوية.
فمن ذلك الحديث المتفق عليه عن ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] " (^١).
فإذا كان العلم بهذه السَّعة، وبهذه الأهمية؛ فما القدر الواجب تعلمه، حتى يحظى الإنسان بالسعادة في الدنيا والآخرة؟
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب العلم، ١/ ٢٢٣، و: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، ١٧/ ١٤٠.
[ ٢٤٠ ]
ويمكن الإجابة على هذا السؤال باختصار:
(١) علوم الدين، والقدر الواجب على المسلم معرفته منها اختصره العلماء بقولهم " كل ما هو معلوم بالضرورة" كمعرفة علاقة الإنسان بربه، وحفظ سور من القرآن تقوم بها عبادته لربه، ثم تعلم ما عليه من حقوق لله -﷿- من العبادات المختلفة، وترك المنهيات، واتباع الأوامر الشرعية التي تجعل نفسه مطمئنة قريبة من الله.
(٢) تعلم كل ما يحقق تطوير الذات، وتنمية العقل، وما يسهل أمور الحياة، فكل إنسان عليه تطوير ذاته، وتعلم كل ما يحقق له العيش الهنيء، في محيطه الذي يعيش فيه، فالزوجة عليها تعلم كل ما يحقق لها السعادة الزوجية، من معرفة حقوقها وواجباتها، وكيفية التعامل مع الزوج والأبناء، وطريقة الحديث مع الرجل والتودد له، وكذلك حل المشاكل الزوجية، وإدارة المنزل وتجميله، والمطبخ وكيفية جعله نقطةً يتميز بها منزلها. ولباسها وزينتها، ونحو ذلك، والوسائل لتحصيل هذا العلم كثيرة، سواء بالقراءة من الكتب، أو الإنترنت، أو البرامج التي تباع في الأسواق، أو عن طريق الدورات التدريبية، وغير ذلك، فإن هذا من العلم الذي تؤجر عليه الزوجة في الآخرة، وتسعد به في الدنيا.
(٣) وكذلك الزوج عليه تعلم ماتصح به عبادته، وحقوقه وواجباته الشرعية، وحقوق الأبناء، وكيفية التعامل مع الزوجة والأبناء، بالوسائل المتاحة له، وهكذا يظل كل فرد في المجتمع في حالة تطوير لذاته، بالنهل من العلم حتى يحظى بعيشة هنيئة.
(٤) تعلم مهنة يكسب بها قوت يومه، ويحسن بها معيشته، فعلى المسلم أن يتعلم المزيد في مهنته، ولا يقف عند حد معين، فالمعلم عليه تعلم المزيد وكل
[ ٢٤١ ]
جديد في هذه المهنة، التي عن طريقها يكسب المال، فمن الإخلاص في العمل تعلم المزيد منه، وكذلك الطبيب، والمهندس، حتى ربة المنزل، كل عليه أن ينهل من العلم ما يجعله يبدع في مهنته.
كل ما سبق ذكره هو أقل ما يجب على المسلم تعلمه، وكل إنسان محاسب عليه يوم القيامة، فمن أراد أن ينجو فعليه أن يتزود من العلم بما يحقق له النجاة.
[ ٢٤٢ ]
٣ - المال «وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه»
حب المال غريزة جعلها الله في النفس الإنسانية؛ لحكمة إعمار الأرض، ولأسباب أخرى، والحقيقة الملموسة، أنهم مهما امتدحوا الفقر، وتغنى به من تغنى، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أنه لا يمكن لأحد أن يحيا حياة حقيقية وناجحة لا ينقصها شيء إلا إذا كان ذا مال، بل إن الرغبة في حياة أكثر رخاء هي رغبة جميع العقلاء؛ لأن المال سبب للطموح والنهوض، للأفراد والمؤسسات، بل والدول، حيث تقوم عليه اقتصادياتها، التي هي مصدر قوتها وثباتها.
وامتدح الشارع -سبحانه- المال في القرآن وسماه خيرًا، بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وبقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. أي المال.
وروي عن عبد الرحمن بن عوف -﵁- أنه كان يقول: "حبذا المال أصون به عرضي، وأقرضه ربي، فيضاعفه لي".
وروى السدي عن ابن عباس -﵄- في قوله ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. أي مالًا إلى مالكم،، وكان -﵁- يقول: "قد يشرف الوضيع بالمال".
المال حق مشروع لكل إنسان، رجلًا أو امرأة، فمن حق الجميع الحصول عليه، وحق الملكية مكفول شرعًا لكل أحد، كما أنه من حقنا أن نعيش في رخاء ورفاهية
[ ٢٤٣ ]
وبالطريقة التي نريد، لكن في محيط الشرع، والحكمة تقول: "إن حق الإنسان في الحياة يعني حقه في الاستخدام الحر والمطلق لجميع الأشياء التي يتطلبها نموه العقلي والروحي والجسمي" وبعبارة أخرى " من حقه أن يكون ثريًا".
ثم أن الحياة في أيامنا هذه أصبحت أكثر تعقيدًا، مما ييزيد مسؤولية الإنسان العادي للحصول على قدر من الثروة؛ لكي ينعم بحياة تقترب من الكمال، ومما لا شك فيه أن كل إنسان بطبيعته يريد أن يحقق كل ما يمكن تحقيقه، وهذه الرغبة في الاستفادة من كل الإمكانات من حولنا هي في الحقيقة متأصلة في الطبيعة البشرية.
إن تحقيق الرخاء بذاتك وبعملك وإبداعك وأفكارك، من دون أن تكون عالة على غيرك؛ يجعل منك إنسانًا واثقًا، وهذا من الهدي النبوي، فقد روى البخاري في صحيحه عَنِ المِقْدَامِ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -﵇-، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (^١).
وعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ -﵁-، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» (^٢).
وكذلك الحديث الذي أخرجه الترمذي وصححه الألباني من حديث عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» (^٣).
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب البيوع، ٤/ ٣٠٣.
(٢) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب المساقاة، ٥/ ٤٦.
(٣) الترمذي، سنن الترمذي، ٣/ ٦٢١ ح ١٢٥٨.
[ ٢٤٤ ]
إن امتلاك المال الوفير -الثراء- متاحٌ للجميع، لا تحده بيئة معينة، ولا مدينة محددة، ما دام الإنسان في مجتمع ومع الناس، كما لا يُقصَر على جنس، فهو للذكر كما أنه للأنثى، ولا هو مربوط بالقدرة العقلية؛ فالموهوبون وغير الموهوبين يمكن أن يكونوا أثرياء، ما داموا يملكون القدر من العقل الذي يؤهلهم لذلك "أي الأهلية الشرعية" بل إنه لا يرتبط بمهنة بعينها، فالناس يحققون الثراء في مختلف الوظائف، والأعمال والمهن، كما أنه غير مرتبط بوقت معين أو عمر معين.
كما أن على المسلم أن يؤمن أن الرزق توفيق من الله، وليس من ذات نفسه، وبذلك يرضى وتطمئن نفسه، والحقيقة النبوية تقول: إن الرزق مكتوب لابن آدم وهو في بطن أمه، وأن رزقه مثل أجله، له وقت معلوم، وعملك يا ابن أدام سببٌ يسره الله لك، حتى تصل لرزقك الذي كتبه الله لك، فإن تيسر لك ذلك فعليك شكر الله ونسبة الفضل لله، لا لذاتك.
والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَفَعَ الْحَدِيثَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ -﷿- قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ: قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» (^١).
وقوله -ﷺ-: «إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله» (^٢)، وحديث جابر مرفوعا
_________________
(١) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، إشراف حسن قطب، كتاب القدر، نشر دارعالم الكتب بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ، ١٦/ ١٩٧.
(٢) ابن أبي عاصم، السنة، ١/ ١١٧ ح ٢٦٤. و: البزار، البحر الزخار، ١٠/ ٣٧ ح ٤٠٩٩، وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلاَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، ولَا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَ هَذَا الطَّرِيقِ، ولَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ الْوَلِيدِ إلاَّ هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ إلاَّ أَنَّهُ لَمْ يُتَابَعْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدِ احْتَمَلَهُ عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَذَكَرُوهُ عَنْهُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلاَّ مَا ذَكَرُوا مِنْ تَفَرُّدِ هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ بِهِ، ولَا نَعْلَمُ له علة" و: ابن حبان، صحيح ابن حبان، ٨/ ٣١ ح ٣٢٣٨. و: أبو نعيم، الحلية، ٦/ ٨٦، و: البيهقي، القضاء والقدر، ١/ ٢١٠ ح ٢٣٩، وصححه الألباني.
[ ٢٤٥ ]
قال -ﷺ-: «لا تستبطئوا الرزق؛ فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه آخر الرزق، فأجملوا في الطلب» (^١).
وعلى هذا مهما كنت فقيرًا، فإنه متى شرعت في القيام بأشياء مما يسره الله لك، وفق جدولة مرتبة، فإن ذلك طريقك للثراء، ورأس المال يدعو بعضه بعضًا، فيكون أسهل في تحصيل المزيد، بقدرة الله وتوفيقه.
المال غير محدود بكمية معينة، ولا يقف عند حد، فكلما زادت حاجة الناس إلى المزيد من الغذاء، والكساء، والمأوى، ووسائل الترفيه، والسياحة، والجمال، والمعرفة، والسعادة؛ فسييسر الله لهم وسائل وفرة المال، والسعي إلى كسبه.
ويخضع كل كائن حي إلى ضرورة التقدم المستمر، إلى طلب المزيد، فإن توقف الزيادة في الحياة يكون تمامًا؛ بمثابة إيذان بالمرض، ثم الموت والفناء، والناس بطبيعتهم يدركون ذلك تمامًا، ولهذا يسعون دائما إلى المزيد من الحياة، بل الشرع يؤكد هذه النظرية، ومنها الحديث الذي رواه أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» (^٢).
وأوضح منه دلالة ما فهمه ابن عباس -﵄- من أن توقف الزيادة دليل على حلول الأجل، قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ: وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي: ﴿إِذَا جَاءَ
_________________
(١) ابن ماجة، السنن، ٢/ ٧٥٢ ح ٢١٤٤، و: ابن حبان، صحيح ابن حبان، ٨/ ٣٣/ ح ٣٢٤١، و: البيهقي، شعب الإيمان، ٢/ ٤٠٦ ح ١١٤٢.
(٢) أحمد، المسند، ٢٠/ ٢٥١ ح ١٢٩٠، ورجاله رجال مسلم.
[ ٢٤٦ ]
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]. قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلا مَا تَعْلَمُ " (^١).
لكن ما علاقة ذلك كله بالحساب يوم القيامة؟
المال سلاح ذو حدين، فهو عظيم في القوة والخير، لكنه سيء جدًا إذا استخدم في الشر، في كسبه، أو انفاقه؛ لذا فإنه لا تزول قدما العبد، حتى يسأل عن كل ما يتعلق به، لأن الشرع ينظر إليه على النحو التالي:
• يجب أن تكون النظرة للمال على أنه وسيله، لا غاية، فهو وسيلة لتحقيق ما سبق ذكره من أمور الحياة، لا أنه هدف تُطَوع الحياة لكسبه، ويكون مالكه عبدًا له؛ لأن ضرر ذلك عظيم في نفس الإنسان ودينه، قال -ﷺ-: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» (^٢).
• اليقين من أن المال وسيلة لتحقيق ما تريد، لكن ليس بالضرورة أن يجلب السعادة، فهو كما وصفه القرآن قد يكون زينة، وفتنة، وسبب عذاب ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦].
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب التفسير، ٨/ ٧٣٤.
(٢) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب الجهاد، ٦/ ٨١.
[ ٢٤٧ ]
• أن هنالك قواعد لاكتسابه، ولا يجوز أبدًا مخالفة هذه القواعد؛ فإن عقابها من الله عسير، يصل إلى الحرب عليك، وهذا أمر عظيم، كما هي الحال في الربا، وأبوابه، والغش، والسرقة، والطرق غير المشروعة لاكتسابه، لذا من أراد أن يسلك طريق المال عليه تعلم حقوق هذا المال.
• إذا أنعم الله عليك بالمال، فلابد من إعطاء حقه من الزكاة والصدقة باستمرار، وفق ما أوجبه الشرع، فإن في ذلك نماء وزيادة له.
• لابد من الايمان بالحقيقة الواردة في الحديث، الآمرة بالنفقة، في قوله -ﷺ-: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ» (^١)، وقوله -ﷺ-: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (^٢).
• النهي البتة وتمامًا عن كنز المال، فهو أقرب طريق للفشل في تكثيره، يدل عليه ما سبق ذكره من الأحاديث، والنهي الكثير في القرآن والسنة عن كنزه.
• لابد من الإيمان بالقاعدة الاقتصادية الاسلامية أن الوسيلة المشروعة في نماء المال وتكثيره؛ هي في تحريكه وتقليبه بالوجه المشروع، في مجالات الاقتصاد المختلفة، لا عن طريق الإقراض، واستخدام الربا، وأشباه الربا، التي لا تعود بالفائدة على الناس واقتصاد المجتمع.
• مهما كنت معدمًا أو فقيرًا فإن الله هو الرازق، والمال مال الله، بيده وحده توزيعه على خلقه، وأن من اتبع الطرق الشرعية التي أرشد لها الشارع لجلب هذه النعمة؛ فإنه لابد أن يصل إلى ما يريد، ومن تلك الطرق: الاهتمام بصلاة العصر؛
_________________
(١) الترمذي، سنن الترمذي، ٤/ ٥٦٢ ح ٢٣٢٥، و: الطبراني، المعجم الكبير، ٢٢/ ٣٤١/ ح ٨٥٥، وصححه الألباني.
(٢) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، إشراف حسن قطب، كتاب البر والصلة، نشر دارعالم الكتب بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ، ١٦/ ١٤٣.
[ ٢٤٨ ]
للحديث المتفق عليه، من حديث ابن عمر مرفوعًا: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالِه» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "يَتِرَكُمْ" "وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلا أَوْ أَخَذْتَ لَهُ مَالًا" (^١)، وكذا الاستغفار بنية التوفيق فيه، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ ئج ئح ئم يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] أما كيفية الاستغفار فهو باللسان مع صدق الإخلاص والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة له، وإلا كان استغفارًا يحتاج إلى استغفار كما يراه أهل العلم، وهذا هو الأصل في إجابة المغفرة (^٢).
ومن تلك الطرق كذلك: بذل النفقة الواجبة، كالنفقة على الزوجة والأولاد والتوسيع عليهم فإنه مجلبة للرزق، والزكاة، والصدقة؛ لأن ذلك يورث الشعور بالرضى والقناعة.
(١) ثمة عوامل تساعد على الحصول على المال، كدقة الرؤية، ووضوحها: "ماذا أريد أن أكون لأحصل على المال"، ثم ثبات العزيمة، والإصرار، وقوة الإيمان بأن الله سيتفضل به عليه، ثم الشكر والعرفان لله بهذا الفضل، المترجم بالنفقة على النفس وعلى المقربين منه؛ لقول النبي -ﷺ- «إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» (^٣)، وكذلك الحديث المروي عن زُهَيْرِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب الصلاة، ٢/ ٣٠، و: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، إشراف حسن قطب، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، نشر دارعالم الكتب بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ، ٥/ ١٢٨.
(٢) القرطبي، تفسير القرطبي، ١٨/ ٣٠٣.
(٣) الترمذي، سنن الترمذي، ٥/ ١٢٣، ح ٢٨١٩، وقال: هذا حديث حسن، وقال الألباني: حسن صحيح. انظر تخريج الحديث والحكم عليه: الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها، ٢/ ٢١٠ - ٢١١، ح ١٣٢٠.
[ ٢٤٩ ]
الضَّبْعِيِّ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ سَيِّئُ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ؟» قَالَ: نَعَمْ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَالِ. قَالَ: «فَلْيُرَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَهُ عَلَى عَبْدِهِ حَسَنًا، وَلا يُحِبُّ الْبُؤْسَ وَلا التَّبَؤُّسَ» (^١).
(٢) البعد عن التفكير التنافسي، إلى التفكير الإبداعي، أي أن لا يفكر الإنسان عند جمعه المال أن يكون مسيطرًا على الآخرين، والمحيطين به، فالمال ليس هدفًا في ذاته، وإنما وسيلة للسعادة لمالكه، لذا علينا أن نبتعد عن الفكر التنافسي، إلى الإبداع القائم على النظرة إلى المستهلك أن أُحِبَّ له ما أحب لنفسي، ثم القناعة بالربح القليل، والرضى من غير استعجال؛ فإن من يبدأ صغيرًا، بقاعدة قوية متينة؛ أفضل مِنْ مَنْ يبدأ كبيرًا بقاعدة هشة معرضة للسقوط مع أي هزة.
_________________
(١) أبو نعيم، حلية الأولياء، ٧/ ١١٧، و: الطبراني، المعجم الكبير، ٥/ ٢٧٣، ح ٥٣٠٨، و: الهيثمي، مجمع الزوائد، ٥/ ١٣٢، ح ٨٥٨٢، وقال: رجاله ثقات. وصححه: الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ٢/ ٢١٠/ ح ١٣٢٠.
[ ٢٥٠ ]
٤ - الجسم «وعن جسمه فيما أبلاه»
الإنسان روح وجسد، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، أما الجسد فمخلوق من عناصر الأرض، والتحليل العلمي يثبت ذلك، موافقًا لما جاء به القرآن قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].
والجسد مادي أمرنا بالتدبر فيه ودراسته، وما زال الإنسان يكتشف قوانينه على مر العصور عن طريق العلم، أما الروح فهي سر إلهي لا يعلمها إلا الله، فَقِه ذلك من كان قبلنا، من اليهود، وتحدث القرآن والسنة عنه،، ولذلك فمن العبث البحث في كنه الروح، إلا ما جاء به الوحي من القرآن والسنة، ولا شيء غيره، أي أن الروح ستظل سرًا من أسرار الله تعالى إلى يوم القيامة.
فالإنسان في الإسلام ليس ماديًا فقط، ولا روحانيًا فقط، فهو ليس بحيوان، ولا بمَلَك. وسميت الروح روحًا لحصول الحياة بها (^١).
والروح ذات تأثير مباشر على الجسد، من الحركة، والحس، والإرادة، ولهذا جاء اللفظ في الحديث: «وعن جسمه فيما أبلاه»؛ لأن الجسد أداة يتحكم بها نفس الإنسان، وروحه تُسَيِّر الجسد كيف يشاء في الخير والشر، ولذا كان الحساب عليه.
إن من أعظم عطايا الرحمن للإنسان الإرادة، وهي الصفة التي من أجلها
_________________
(١) ابن القيم، الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة، ص ٢١٨.
[ ٢٥١ ]
سيحاسب؛ لأنه يختار بعقله بين البدائل المطروحة أمامه في الحياة، التي تفضي به إلى الخير أو الشر، ثم إلى الجنة أو النار.
وعند الحديث عن العناية بالجسد يبرز جانبان مهمان، هما:
• الجانب الروحي.
• الجانب المادي.
وقد عُنِيَ بهما الإسلام أشد عناية على التفصيل التالي:
• العناية بالجانب الروحي:
اهتم الشارع بتربية الروح والنصوص الواردة في ذلك كثيرة جدًا، وهي مرتبطة بالأعمال أحيانًا، ومفردة أحيانًا أخرى، كما تأتي في سياق وصف الشعور بالروح في حالة العصيان والإيمان وبينهما، في ضوء المعطيات التالية:
(١) الإسلام والإيمان في أصلهما أمران معنويان، وهما مرتكز التوجيه في الإنسان؛ فالإسلام قناعة فكرية يعتقدها المسلم ومحلها العقل، أما الإيمان فهو حلاوة قلبية وشعور جميل سعيد يتمتع به المؤمن ومحله القلب، وكلاهما يلقي بضلاله على أعضاء الجسد المادي، وله الأثر المباشر على صحة أعضائه، وقد ثبت ذلك علميًا، إضافة إلى القصص التاريخية التي تصف حال المؤمنين عميقي الإيمان، مما جعل ذلك صحةً في أجسادهم.
(٢) زرع الشعور بالإيمان والاستسلام، وأن الحياة كلها لله، وأن قدره سبحانه ماضٍ، ولا يمكن معاسرته مهما كان، وانظر إلى الآية العظيمة التي تحدد شعور المؤمن ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. فإن هدف المسلم واضح جلي، لا لبس فيه، ولا غموض، وهو إرضاء الله
[ ٢٥٢ ]
تعالى، نسأل المولى أن نبلغه. وعندما يصل المسلم إلى هذه القناعة فإنه حتمًا سيشعر بلذة الإيمان، التي ستنعكس على سلامة الجسد من الأمراض النفسية المؤثرة على أجهزة الجسم، كالقلق، والحزن، والاكتئاب، الخ.
(٣) النفس المطمئنة تلك النفس التي تحسن الظن بخالقها، المتفائلة، الراضية بما قسمه الله لها، المؤمنة بأن الحياة مجموعة من الامتحانات والابتلاءات، المستعدة لذلك، المؤمنة بعدل الله -﷿- المطلق، وبشكل مختصر ذات التفكير الإيجابي، والتي لا تدع مجالًا للسلبيات.
(٤) الإسلام دين الاجتماع، ودين العطاء، ويزرع دائمًا في نفس المسلم أن يحب للآخرين ما يحب لنفسه، ويحث على التكافل الاجتماعي، وقد ثبت علميًا أن من تكون هذه صفاته يكون راضيًا عن نفسه، ويحظى بمحبة من حوله، ولذلك فائدة في الحصول على صحة الجسد أيضًا.
وبشكل مختصر فإن الإيمان بالله يزرع الشعور بالإيجابية، ولا يمكن أن يجتمع في قلب مؤمن السلبية والاستسلام والبلادة المؤثرة على صحة الأجساد.
• رعاية الجانب المادي من الجسد:
الجسد أمانة فهو ليس ملكًا لصاحبه، يفعل به ما يشاء، بل هو مستخلف فيه، ومسؤول عنه، ويحاسب عن كل ضرر يُلْحِقُهُ به، ولذا علينا مراعاة الله -﷿- في أجسادنا، ولهذه المراعاة صور، ومنها:
(١) اتباع الشرع الحنيف في كل ما نهى عنه من المأكل والمشرب.
(٢) عدم العبث بهذا الجسد، أو إلحاق الضرر به، بالدفع به إلى ما يهلكه، أو يضره، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
[ ٢٥٣ ]
(٣) عدم اقتناء الحيوانات المحرم اقتناؤها في البيوت كالكلاب؛ فإنها ما حرمت إلا لضررها على الصحة؛ للحديث المتفق عليه «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» (^١).
(٤) العناية بالنظافة المتمثلة بالطهارة الواجبة، ثم اتباع سنن الفطرة الواردة في الحديث المتفق عليه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» (^٢).
وعلى المسلم أن يضع جدولًا لهذه العملية، فقد ورد في حديث أنس -﵁- مرفوعًا قَالَ أَنَسٌ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (^٣).
ووردت زيادات إلى عشر من الفطرة، في الحديث الذي أخرجه مسلم أيضًا، من حديث عائشة -﵂-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: " انْتِقَاصُ الْمَاءِ: يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ) (^٤).
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب الذبائح والصيد، ٩/ ٦٠٨، و: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب المساقاة، ١٠/ ٢٣٦، واللفظ لمسلم.
(٢) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب اللباس، ١٠/ ٣٣٤، و: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب الطهارة، ٣/ ١٤٦.
(٣) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب الطهارة، ٣/ ١٤٧.
(٤) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب الطهارة، ٣/ ١٤٨.
[ ٢٥٤ ]
ومعنى الفطرة: هي السُّنَّةُ القديمة، التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، وكأنها أمر جبلي فطروا عليها.
والاستحداد: استعمال الحديدة "الموس" لحلق العانة، وقال العلماء إن إزالة شعر العانة بغير الحديدة لا يكون على وجه السنة، أي لا تنتف.
والبراجم: هي العقد التي على ظهر مفاصل الأصابع.
أما النساء فمن الممكن أن يحددن فعل هذه الأمور بعد الانتهاء من الدورة الشهرية، ففي ذلك اتباع للسنة.
(٥) التداوي وطلب الشفاء إذا ألم بالجسم مرض؛ للحديث الذي رواه أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ قَالَ: دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «الهَرَمُ» (^١). والهرم: الموت.
(٦) تعاهد الجسم بالحِمْيات الصحية، التي تعيد له حيويته، خصوصًا في الأعياد والمناسبات، تلك الحميات التي من شأنها طرد السموم عن الجسد؛ فإن لها فائدة في جمال الجسد وصحته.
(٧) عمل التمارين الرياضية، وأن يكون ذلك مجدولًا ضمن أعمال الأسبوع.
(٨) شكر الله -﷿- على ما تفضل به علينا، بكمال نعمة الجسد، وما فيه من مزايا من المفاصل والعظام، مما يعيننا على عبادته سبحانه، ويكون ذلك كما ورد في حديث أبي هريرة مرفوعًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ
_________________
(١) أبو داود، سنن أبي داود، ٣/ ٤، ح ٣٨٥٥، و: الترمذي، سنن الترمذي، ٤/ ٣٨٣، ح ٢٠٣٨، و: البخاري، الأدب المفرد، ١/ ١٥١، ح ٢٩١، وصححه الألباني.
[ ٢٥٥ ]
عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (^١). متفق عليه.
مما سبق يتضح أن من أراد أن يحيا حياة كريمة ملؤها الإيمان، متوهجة بالحب والعزم والأمل، مليئة بالمشاعر والعواطف الإنسانية النبيلة، عامرة بالإيجابية والمبادرة، وتحمّل المسئولية؛ فعليه أولًا مراعاة هذه الأمور الأربعة الواردة في الحديث.
ثم إن ما سبق ذكره من توجيهات هو أقل ما يمكن فعله، وهو بداية المشوار في طريق النور والهداية، مادام المسلم مستعينًا بالله -﷿-، وهذا هو طريق الهداية إلى توجيه النفس الى الثقة بالله -﷿-، فإذا وصل إلى تلك القناعة بدأ بشكل جدي في التخطيط لجميع شؤون حياته تخطيطًا إيجابيًا مثمرًا.
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، مع فتح الباري شرح صحيح البخاري، بتحقيق الشيخ ابن باز، نشر رئاسة الإفتاء بالرياض ١٣٧٩ هـ، كتاب الصلح، ٥/ ٣٠٩، و: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، نشر دار عالم الكتب ١٤٢٤ هـ، كتاب الزكاة، ٧/ ١٠٢.
[ ٢٥٦ ]