[ ١٤٩ ]
البحث الأول
العبادة القلبية
[ ١٥١ ]
تقديم
• خطة البحث:
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيهم إلى يوم الدين، وبعد:
فإن رسالة الرسل لأقوامهم هي تصحيح الانحراف في عبادة االله تعالى. وعبادة االله سبحانه مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإيمان وتوحيد الله عزوجل؛ فلا عبادة مقبولة إلا بالتوحيد. والعلاقة بين عبادة االله وتوحيده تلازمية، لا يمكن الفصل بينهما. والتوحيد هو الركن الأساسي في قبول الإيمان، وقبول العمل.
إن مفهوم العبادة واسع وليس مقصورًا على عمل الجوارح؛ بل على ما ينبع من القلب لهذه الأعمال، ولمن تُصرف. وهي مرتبطة بالتوحيد والإيمان، بل هي أساسه ومنبعه، وهي المهيمنة على كل العبادات، فلا تقبل إلا ممن صرفها خالصة لله وحده، لا يخالجها شيء آخر.
والانحراف في عبادة االله موجود في كل عصر، ويزداد الانحراف كلما نقص العلم بالشرع، وكلما اختلط الإيمان بما يشوبه ويعكر صفوه.
وفي العصر الحاضر -ومع العولمة، وضعف العلم الشرعي- بات من الضروري إيضاح العبادة القلبية التي هي أساس الإيمان. ولبيان أهمية هذه العبادة لا بد من بيان أصلها وجذرها ومنبتها، ثم أثرها على العبادات المختلفة، وعلى النفس والسلوك؛ ليستشعر المسلم هذه العبادة، ومن ثم الأمراض والأخطاء التي تتسبب في إعاقة هذه العبادة، وهذا هو موضوع البحث.
[ ١٥٣ ]
• مشكلة الدراسة:
تجيب هذه الدراسة عن الأسئلة الآتية:
١. ما تعريف القلب؟ وما أهميته في الإسلام من خلال النصوص الشرعية؟
٢. ما العبادة؟
٣. ما العبادة القلبية؟ وهل مكانها في القلب كله؟ ومتى تودع في القلب؟ وهل التوحيد عند كل مولود؟
٤. ما الأعمال التي ينبغي على المسلم عملها ليتسنى له الدخول في الأعمال القلبية، إلى أن يصل إلى حلاوة الإيمان؛ التي بها صلاح القلوب؟
٥. ما مفسدات العبادة القلبية؟
٦. ما أثر العبادة القلبية على عبادة الجوارح؟ وما الفرق بينها وبين عبادة الجوارح؟ والمفاضلة بينها؟
٧. ما طرق العناية بهذه العبادة المهمة؟
• أهمية الدراسة:
تتلخص أهمية هذه الدراسة فيما يأتي:
١. الربط المنهجي بين القيام بالعبادات الشعائرية، والاعتقاد النابع من توحيد االله تعالى وإفراده بالعبودية.
٢. استشعار أهمية القلب، وتوجيه القارئ للعناية بهذا العضو المهم في الإسلام؛ حتى يستشعر ذلك عند أداء العبادات المختلفة، بما فيها الدعاء لإصلاحه.
٣. محاولة توجيه النظر إلى المفاسد التي قد تترتب على الفصل بين العبادة والتوحيد، من خلال إبراز النقيض، أي أداء العبادات وأعمال القلوب دون أن
[ ١٥٤ ]
تصرف تمامًا لله؛ كالمحبة، والخشية، والتوكل، وكذلك أعمال الجوارح كالصلاة والصدقة.
٤. النظر في العلاقة بين أساسين من أسس الإسلام، التي لا يقوم الإيمان إلا بهما؛ وهما: التوحيد والعبادة.
• خطة البحث:
المقدمة: بيان أهمية الموضوع.
المبحث الأول: معنى العبادة والقلب في الإسلام؛ ويشمل:
١. العبادة ومعناها في الإسلام.
٢. القلب وأهميته في الإسلام.
٣. المضغة التي في القلب، وأهميتها.
٤. أعمال القلوب التي لا يعلمها إلا الله، وعلاقتها بالعبادة القلبية.
المبحث الثاني: العبادة القلبية، وعلاقتها بالأمانة والفطرة.
المبحث الثالث: الأعمال التي ينبغي على المسلم عملها ليتسنى له الدخول في الأعمال القلبية، إلى أن يصل إلى حلاوة الإيمان؛ التي بها صلاح القلوب.
المبحث الرابع: مفسدات العبادة القلبية.
المبحث الخامس: تأثير العبادة القلبية وأعمال القلوب على المسلم وعبادته، بما فيها علاقته بمن حوله؛ ويشمل:
• أثر العبادة القلبية على العبادات الأخرى، وعلى النفس والروح.
• الأعمال القلبية لا تنفك عن عبادة الجوارح.
• تأثير الأعمال القلبية بعلاقة المرء بمن حوله؛ مثل: التواضع.
[ ١٥٥ ]
(١) المنهج الوصفي
(٢) المنهج الاستنباطي
• العبادة القلبية أعظم من عبادات الجوارح أجرًا عند الله -﷿- ومثوبة.
• العبادات القلبية هي الأصل، وأعمال الجوارح فرع عنها.
• أثر العبادات القلبية على الأمة.
الخاتمة: خلاصة البحث، وتوجيه مختصر للقارئ لإصلاح القلب.
• المنهج البحثي المتبع في الدراسة ونوع الدراسة:
تتبع الدراسة المنهج الأول الذي يستوعب جمع الأحاديث الواردة في كتب السّنة النبوية عن العبادة القلبية، على سبيل استقصاء كتب السنة، للوصول إلى أبعاد ونتائج تساهم في فهم العبادة القلبية، وموقعها من الجسد، وموقعها وأهميتها في حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، ثم ذكر العوامل المعينة على إصلاح القلب، وطريقة الوصول لها؛ مما يساعد على تطبيقها في واقع حياة المسلمين، والبحث فيه لربط موضوعات السّنّة النبوية بالواقع المعاصر؛ لمعالجة قضية مهمة عصفت بالمسلمين وأبعدتهم عن دينهم وعن الإيمان الصحيح؛ ألا وهي إصلاح القلوب.
• والمنهج البحثي المتبع:
يتبع البحث المنهج البحثي النوعي بكل فروعه، وذلك كما يلي:
(١) المنهج الوصفي: عن طريق وصف فكرة البحث وبيان أهميته، بعد جمع الحقائق والمعلومات التي تحويها الأحاديث التي ذكر فيها القلب، مستعينة على فهمها والوصول إلى الجوهر بأقوال السلف، ومقارنتها، وتحليلها؛ للوصول إلى تعميمات وحقائق مقبولة مقنعة يقبلها العقل، والهدف هو وصف علمي متكامل يصل إلى عقل القارئ ووجدانه.
(٢) المنهج الاستنباطي: حيث استنبطت مشكلة البحث، وهي: العبادة القلبية
[ ١٥٦ ]
وأهميتها للعبد في قبول عمله وصلاح أمره، وأهمية ما أودع الله في القلب من عبادات يقوم بها، وأهمية ذلك للجسد؛ هذا الأمر هو المقدمة الكبرى ومعْتَمد ذلك الحديث المتفق عليه من حديث النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ -﵁-، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «أَلَا وَإِنَّ أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلحتْ صَلحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
ومنه تنطلق عملية الاستنباط للوقوف على حقائق مذهلة قوامها الأحاديث، وهي المقدمة الصغرى، ومنها:
• الدور الأساسي للقلب، وهو أنه المتحكم بالجسد كله بما فيه العقل، لا العكس.
• أودعت العبادة القلبية في القلب؛ وبيان الترابط بين الدور الأساسي للعبادة القلبية وهيمنتها على الإنسان وعباداته، حتى إن قبول العمل معتمد على سلامة العبادة القلبية؛ كمثل أهمية القلب للجسد، وأن صلاح الجسد بصلاح القلب.
• إثبات أن ذلك حقيقة، ولا ينبغي حمله على المجاز.
• إثبات أن القلب هو المسؤول عن كثير من الوظائف المتحكمة في حياة الإنسان في دنياه وآخرته؛ كالإرادة والشعور.
• المسؤول عن كل ما سبق ذكره جزء من القلب -لا القلب كله- بقدر المضغة.
• علاقة العبادة القلبية بالأمانة، وعلاقة ذلك بالفطرة، وغير ذلك من الأمور التي أثبتت في البحث؛ ليقف البحث على النتيجة التي توصل لها البحث والهدف منه؛ وهي الحث على الاهتمام بالقلب والعبادة القلبية بكل الوسائل المشروعة، وهي ثمرة البحث.
[ ١٥٧ ]
(٣) المنهج الاستقرائي
(٣) المنهج الاستقرائي: الاستقراء كان واضحًا ومجديًا في البحث عن الأعمال التي يصح بها الإيمان، وتصح بها العبادة؛ فكان البحث في الأعمال التي ينبغي على المسلم عملها ليتسنى له الدخول في الأعمال القلبية، إلى أن يصل إلى حلاوة الإيمان، والتي بها صلاح القلوب. فالأعمال التي تعين على إصلاح القلب ووردت في السنة كثيرة؛ منها ما هو مباشر، ومنها ما هو غير مباشر. فالمباشر هو الاستقراء اليقيني، وقد دلت عليه النصوص من القرآن والسنة، وأثبتتها كتب الفقه، ويؤيده العقل، ولا يمكن صلاح القلب إلا به، وهي كما جاء في البحث:
• علو الهمة وصدق العزيمة على تزكية النفس وإصلاح القلب. والقصد هو الشعور بأهمية هذه العبادة، وهي لب الإيمان وأصله.
• الدعاء، وذلك ثابت بالنص من القرآن والسنة.
• طلب العلم الشرعي، وذلك أنه شرط لقبول العمل مع الإخلاص، ويحصل به كمال الاقتداء.
فهذه الأمور الثلاثة من الاستقراء اليقيني التي لا يمكن صلاح القلب إلا بها مجتمعة.
أما الأمور الأخرى التي جاءت تحت عنوان: "مما يصلح القلب" فلا يشترط أن تكون مجتمعة؛ بل بما يفتح الله للعبد منها، فهي من الاستقراء الظني.
لقد تم عمل تمييز الأعمال وتقسيمها بعد تطبيق خطوات المنهج، وهي الملاحظة القائمة على القراءة المستفيضة للأحاديث والكتب التي موضوعها إصلاح القلوب؛ للخروج بالأعمال المفترض أنها تصلح القلب بطريق مباشر أو غير مباشر، وهي الخطوة الثانية من المنهج الاستقرائي، ثم عمل عرض عن كل عمل تم استقراؤه، ومحاولة دراسته من خلال النص النبوي والدراسات حول الحديث قديمًا وحديثًا؛
[ ١٥٨ ]
(٤) المنهج الاستنتاجي
(٥) المنهج التاريخي والاستردادي
للوقوف على أنه ينطبق تمامًا على ما يراد إثباته لصلاح القلب.
(٤) المنهج الاستنتاجي: الاستنتاج نتيجة حتمية مع كل المناهج السابقة؛ لأنه عن طريق هذا المنهج يقف البحث على حقائق قابلة للتصديق، وتقنع العقل الإنساني، وتتوافق مع قواعد المنطق. قوامها الدليل الشرعي، وتتم خلالها إيجاد تفسيرات علمية ومنطقية واضحة ومقنعة، وتحاكي العقل البشري لكافة الظواهر المحيطة به.
وقد استخدم في البحث أنواع من الاستنتاج؛ منها: القياسي؛ وهو إثبات أن العبادة القلبية كما أنها لا تقوم صحة العمل إلا بها؛ فكذلك القلب إن صح صح معه البدن.
ومنها الاستنتاج الاستقرائي؛ حيث استقراء نتائج مهمة؛ منها على سبيل المثال: المراكز التي يحملها القلب؛ كالشعور والإرادة والعاطفة … إلخ، وكذلك أدوات إصلاح القلب، كل ذلك باستقراء القرآن والسنة للخروج بنتيجة أثبتها البحث لتكون حلا لمشكلة البحث حيث جمعت الأحاديث عن طريق الاستقراء، ودراستها وترتيبها حتى يسهل على القارئ التطبيق.
ومثله الاستنتاج الاستنباطي: عن طريق استنباط مشكلة البحث ومعالجتها من النص الشرعي.
(٥) المنهج التاريخي والاستردادي: وتم ذلك من خلال نصوص السنة، وتتبعها، ودراسة ما حولها من إثبات صحة الحديث من جهة؛ والدراسات حول شرح الحديث، والوقوف على كل ما ذكر في معناه للوقوف على فهم النص والاستدلال به في الموضع الصحيح، من جهة أخرى.
وأيضًا: الدراسات حول القلب قديمًا وحديثًا طبيًّا وروحيًّا.
[ ١٥٩ ]
• الأحاديث:
(١) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه المَلَك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات؛ بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" متفق عليه.
(٢) عن حُذَيْفَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ: حَدَّثَنَا: «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ» أخرجه البخاري.
(٣) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَتَاهُ جِبْرِيلُ -ﷺ- وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ -يَعْنِي ظِئْرَهُ- فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: «وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ». أخرجه مسلم.
(٤) عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى: فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُه إِلى دُنْيَا يُصِيبُها، أَوْ إِلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُه إِلى ما هاجَرَ إِلَيه» أخرجه البخاري.
[ ١٦٠ ]
(٥) عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَكُونُوا عِبَادَ اللّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى ها هُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» أخرجه مسلم في صحيحه.
(٦) عن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ أَنَّهُ قال: قال رَسُولُ الله -ﷺ-: «إِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَبْغِي أَحَدٌ على أَحَدٍ وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» رواه مسلم، وأبو داود.
(٧) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» أخرجه مسلم.
(٨) حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁- فِي قَوْلِهِ -﷿-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، قَالَ: «جَمَعَهُمْ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَمِيعًا مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ وَاسْتَنْطَقَهُمْ، فَتَكَلَّمُوا، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ» ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] قَالَ: "فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِيَنَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، فَإِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي. فَقَالُوا: شَهِدْنَا أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا، لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ، وَرُفِعَ لَهُمْ أَبُوهُمْ آدَمُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِم … " الحديث. أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥٣ رقم ٣٢٥٥).
[ ١٦١ ]
(٩) … «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" دَخَلَ الْجَنَّةَ». أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٩ - ح ٣١١٦)، وأبو داود (٣/ ١٩٠ - ح ٣١١٦)، وصححه الألباني.
(١٠) … «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَّا وَجَدَتْ رُوحُهُ لَهَا رَوْحًا» ابن ماجه (ح ٣٠٧٧)، وصححه الألباني.
(١١) وعن ابن عباس -﵄- أنه قال: "حسبي الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] صحيح البخاري.
(١٢) … «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» صحيح مسلم.
(١٣) … «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» صحيح مسلم.
(١٤) … «مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ» رواه مسلم.
(١٥) … «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» أخرجه مسلم.
(١٦) … «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» أخرجه البخاري.
(١٧) … «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» أخرجه مسلم.
(١٨) … «إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكُمْ كَما يَخلَقُ الثّوبُ، فاسْألُوا اللهَ تعالَى: أنْ يُجَدِّدَ الإيمانَ في قُلوبِكمْ» أخرجه الحاكم وصححه، وحسنه الألباني.
(١٩) … «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
(٢٠) … «عَلَيْكُم بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ».
[ ١٦٢ ]
(٢١) «من تعلم علمًا يبتغي به وجه الله -﷿-، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا؛ لم يجد عرف الجنة يوم القيامة».
(٢٢) … «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا؛ إِلاَّ ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ».
(٢٣) «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلى وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون». قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: (المتكبرون».
(٢٤) … «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْه، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا. وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ. وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».
(٢٥) … «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُه».
(٢٦) … «لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ هَذَا الْكِتَابَ، فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ».
(٢٧) … «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله -﷿- سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا. ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد، (يعني مسجد المدينة) شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل».
[ ١٦٣ ]
(٢٨) عن عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]».
(٢٩) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ؛ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ
- فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ. وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي به"، قَالَ: "وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ"».
(٣٠) … «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
(٣١) أتى رجال للنبي -ﷺ- ليحملهم، فقال لهم: «لا أجد ما أحملكم عليه»؛ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون، فهؤلاء كما قال النبي -ﷺ-: «مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ».
(٣٢) … «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ».
(٣٣) «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا».
(٣٤) «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».
[ ١٦٤ ]
تمهيد
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، فهذان النوران بها اهتدى أول هذه الأمة، وهما سبيل نجاتها في كل زمان ومكان، فمن تمسك بهما رشد، ومن ضل عنهما غوى، وما نرى اليوم في واقع حياة أمتنا من بؤس، وذلة وتبعية، ما هو إلا لبعدها عن هذين النورين. ولا خلاص لها من هذا الواقع إلا بما صلح به أولها، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، فصلاحها بالعودة إلى هذا المعين الصافي.
وفي هذه البحث نتناول أمرًا مهمًّا يهيمن على حياة كل مسلم، وهو السبيل النجاة لكل أمر، وفيه صلاح لأمور الدنيا والآخرة، وهذا الأمر لا بد فيه من الرجوع إلى النصوص الشرعية لتأصيل قواعده، ثم السير على ما أمرتنا الشريعة به لنحيا حياة طيبة، ملؤها السكينة والطمأنينة؛ إنه العبادة القلبية، أصلها، وجذرها، ومنبتها، ثم أثرها على العبادات المختلفة، وعلى النفس والسلوك، وما الأمراض والأخطاء التي تتسبب في إعاقة هذه العبادة؟
[ ١٦٥ ]
وقبل البدء في الموضوع لا بد من معرفة شقي الموضوع؛ معنى العبادة، ومعنى القلب في الإسلام.
• معنى العبادة:
قال ابن تيمية في تعريف العبادة: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" (^١).
فمفهوم العبادة في الإسلام مفهوم واسع شامل، يشمل العبادات ويتعداها إلى كل ما يصدر من المسلم ما دام يعملها لله.
والعبادة وظيفة الإنسان في هذه الحياة، كما أنها الغاية من خلقه سبحانه للإنسان ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وحياة المسلم كلها عبادة لله -﷿-، في جميع جوانبها الخاصة والعامة والاعتقادية والعملية … إلخ. فهو عبد لله في كل تحرك وسكون ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٧٣]. كما أنه لا يتصور أي نشاط إنساني إلا وينطبق عليه معنى العبادة، لكنه مرتبط بإرادة الإنسان من هذا العمل، أي الخضوع الإرادي لله -﷿-، وهذا عنوان العبادة الحقيقية. ومعناه أن أي تصرف يعمله الإنسان من التصرفات الاختيارية، أو الاضطرارية، لِيصبح هذا التصرف عبادة لله -﷿-؛ إذا ابتغى به وجهه سبحانه وجاء في رضاه متّبعًا فيه سنة نبيه -ﷺ-.
_________________
(١) العبودية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة: السابعة المجددة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م (هذه الرسالة مطبوعة أيضًا ضمن "مجموع الفتاوى" ١٠/ ١٤٩، وفي "الفتاوى الكبرى" ٥/ ١٥٥) ص (٤٤).
[ ١٦٦ ]
ومن هنا كان بإمكان المسلم أن يجعل حياته كلها عبادة حتى عاداته وغرائزه من طعام وشراب ولباس وسكن ومتعة في هذه الحياة.
• معنى القلب:
القلب هو ذلك العضو العضلي الذي يضخ الدم في جسم الإنسان مع كل دقة، حيث يدفع الدم المحمل بالأكسجين والغذاء لكل خلايا الجسم.
تبدأ دقات القلب ذات الإيقاع المنتظم بعد (٢١) يومًا من الحمل، أي قبل ثمانية أشهر من ميلاد الطفل، وهذا ما جاء في الحديث المتفق عليه من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه المَلَك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات؛ بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" (^١).
• القلب في الإسلام:
تؤكد المعطيات التجريبية والعلمية على أن القلب ليس مجرد عضلة تضخ الدم، بل هو أكثر من ذلك بكثير، ومن هنا ندرك سر ورود القلب في ستين سورة من سور القرآن، أي أكثر من نصف السور، فهذا السبق القرآني
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١١١/ ح ٣٢٠٨)، ومسلم (٤/ ٣٠٢٦/ ح ٢٦٤٣).
[ ١٦٧ ]
يعني تكرار ذكر القلب وصفاته حوالي (١٤٠) مرة؛ كالقلب السليم، والمنيب، والمخبت، والوجل، والتقي، والمهدي، والحي، والمريض، والأعمى، واللاهي، والآثم، والمتكبر، والغليظ، والمختوم، والقاسي، والغافل، والأغلف، والمغطى، والزائغ، والمريب، وغيرها. وهذا إعجاز فريد في أسرار القلب.
وقد اعترف العديد من الأطباء الغربيين بأن الطب لا يزال لم يعرف القلب كما يجب، بل الطب في هذا المجال متأخر تمامًا؛ لأنهم يعجزون عن إدراك ما يحدث في الدماغ. إنهم لا يعرفون كيف يستذكر الناس معلوماتهم. لماذا ينام الإنسان؟ لماذا ينبض النبض في الشرايين؟ ما سبب ضربات القلب؟
فهم يستدلون على نظرياتهم على النتائج العلمية، ولكنهم غير مطلعين في شؤون كثيرة.
إننا بصفتنا مسلمين عندنا حقائق قطعية في هذا المجال، فقد أخبرنا القرآن الكريم قبل أكثر من أربعة عشر قرنا بأن القلب مركز للعاطفة والفكر والعقل والذاكرة … إلخ، في حين لا تتعدى هذه المعلومات في الغرب أكثر من ثلاثين عامًا.
على الرغم من أن العلماء يعتقدون بأن الدماغ هو الذي ينظم ضربات القلب، ولكنهم وجدوا أن القلب الجديد بمجرد زرعه في الصدر يبدأ نبضه على الفور دون انتظار الأوامر من الدماغ. وهذا يدل على استقلال القلب عن الدماغ، وهذا الأمر حمل البعض من الباحثين ليعتقد أن القلب يأمر الدماغ لا العكس؛ لأن نشاط القلب بعد موت الدماغ لا مبرر له بأي حال من الأحوال، ولأنه شوهد أشخاص دخلوا في الغيبوبة لمدد قد تصل إلى
[ ١٦٨ ]
سنين طوال، في حين تمت الموافقة على وفاة أدمغتهم؛ فكيف نبض القلب دون تلقي الأوامر من الدماغ!؟
إن تفسير ذلك ذكره الرسول -ﷺ- من الحديث المتفق عليه من حديث النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ -﵁-، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (^١).
في هذا دليل واضح على الدور الأساسي للقلب، وأنه المتحكم بالجسد كله بما فيه العقل لا العكس، وأن ذلك حقيقة ولا ينبغي حمله على المجاز، أي أن ذلك الأمر محسوس كما سنبين ذلك إن شاء الله، والله أعلم.
• هل القلب كله يحمل هذه الوظائف التي تحدث عنها الشرع؟
ورد في أكثر من حديث أن المسؤول عن هذه الوظائف من العقل والإرادة والشعور … إلخ؛ جزء من القلب -لا القلب كله- بقدر المضغة، كما ورد في حديث النعمان بن بشير -﵁- الآنف الذكر، وهذه المضغة تقع في جذر القلب، كما ورد في حديث الأمانة الذي رواه البخاري عن حُذَيْفَةُ -﵁-، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ؛ حَدَّثَنَا «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ» (^٢).
ومعنى (جذر) الأصل من كل شيء.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٢٠ رقم الحديث ٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٠٤ رقم الحديث ٦٤٩٧).
[ ١٦٩ ]
ومما يؤكد ذلك أيضًا الحديث الذي رواه مسلم من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَتَاهُ جِبْرِيلُ -ﷺ- وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ -يَعْنِي ظِئْرَهُ- فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ"، قَالَ أَنَسٌ: «وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ» (^١).
ومعنى (ثُمَّ لَأَمَهُ): جمعه وضم بعضه إلى بعض.
(ظئره): هي المرضعة، ويقال أيضًا لزوج المرضعة: ظئر.
(منتقع اللون): أي متغير اللون، قال أهل اللغة: "امتقع لونه" فهو ممتقع وانتقع فهو منتقع وابتقع فهو مبتقع فيه ثلاث لغات، والقاف مفتوحة فيهن، ومعناه: تغير من حزن أو فزع.
يتبين من الأحاديث: أن مكان هذه الوظائف ليس القلب كله، بل جزء منه بحجم المضغة، ومعنى المضغة في حجم ما يمكن مضغه.
أي أن المسؤول عن وظائف العبادة القلبية جزء من القلب لا القلب كله، وهذا الجزء بحجم لا يتعدى طوله من سنتمتر واحد إلى سنتمتر ونصف، أو أقل تقريبًا.
• أوعية مضغة القلب:
تحوي هذه المضغة على وظائف عدة تحدثت عنها النصوص الشرعية، وكلها تصب في النهاية في العبادة القلبية التي هي:
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٤٧ رقم الحديث ٢٦١).
[ ١٧٠ ]
وعاء الإيمان أو الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥].
والقلب هو وعاء الإخلاص أو النفاق والرياء؛ للحديث الذي رواه البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى: فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُه إِلى دُنْيَا يُصِيبُها، أَوْ إِلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُه إِلى ما هاجَرَ إِلَيه» (^١). والمعروف قطعًا أن النية والإخلاص من أعمال القلوب، كما أن النفاق والرياء من أعمال القلوب، لقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧].
والقلب هو وعاء ذكر الله أو الغفلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
والقلب هو وعاء السعادة أو الشقاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
والقلب هو وعاء التقوى أو الجرأة على حرمات الله؛ لما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَكُونُوا عِبَادَ اللّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٦ رقم ١).
[ ١٧١ ]
الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى ها هُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» (^١).
والقلب وعاء الرحمة أو القسوة والغلظة؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والقلب وعاء العلم أو الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، ولقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩]، ولما رواه البخاري بسنده عن حذيفة بن اليمان -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إنَّ الأمانة نزلتْ من السماء في جَذْرِ قلوبِ الرجال، ونزلَ القرآنُ فقَرَأوا القرآنَ وَعَلموا منَ السُّنَّة» (^٢).
والقلب هو وعاء الشجاعة أو الجبن؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].
ويقول الشاعر أحمد شوقي:
إن الشجاعة في القلوب كثيرة … ورأيت شجعان العقول قليلا
والقلب هو وعاء الحب والبغض؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣].
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٩٨٦ رقم ٢٥٦٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ١٠٤ رقم الحديث ٦٤٩٧).
[ ١٧٢ ]
والقلب هو وعاء التواضع أو الكبر؛ لما رواه مسلم وأبو داود بسنده عن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ -﵁- أَنَّهُ قال: قال رَسُولُ الله -ﷺ-: «إِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لا يَبْغِي أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ، وَلا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (^١).
كما أن الكِبْر في القلب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، ولما رواه مسلم بسنده عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» (^٢).
والقلب هو وعاء الاطمئنان أو القلق والاضطراب؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
والقلب هو وعاء الفلاح أو الخسران؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، ولما رواه البخاري ومسلم بسندهما عن النعمان بن بشير -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول -وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه-: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (^٣).
وفي الحقيقة لو استرسلنا وراء النصوص المحكمة قرآنًا وسنة حول أهمية القلب فربما احتاج منا بحثًا مستقلا، وإنني أدعو من يريد السير إلى الله ممتطيًا سفينة قلبه أن يختم القرآن مرة باحثًا عن أهمية القلب، وأنواعه في القرآن الكريم؛ فسيجد فيوضات ربانية، ودقائق إيمانية، تحمله على أن يسعى بجد نحو إصلاح قلبه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في السنن (٤/ ٢٧٤ رقم ٤٨٩٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٣١٩ رقم ٤٢٨)، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٩٣ رقم ١٧٤).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ٢٠ رقم الحديث ٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩).
[ ١٧٣ ]
بعد الحديث عن القلب يأتي الحديث عن العبادة القلبية؛ ما هي؟ وكيف تنمى وتزاد؟ وما أثرها على العبادات الأخرى. وعلى النفس والروح؟ وما الأمور التي تؤثر عليها بشكل سلبي؟
[ ١٧٤ ]
العبادة القلبية
هي كل ما يحقق معنى التوحيد بكل شروطه، إنها شهادة أن لا إله إلا الله، بكل ما قرره أهل العلم من بيان معناها وشروطها، ومتى تحققت عند العبد.
كما أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي الميثاق الذي أخذه الله تعالى من ذرية آدم -﵇- قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرجهم من ظهر آدم فخاطبهم: «ألست بربكم قالوا: بلى» فأقروا جميعًا له سبحانه بالربوبية، وهي دعوة الرسل.
إنها شهادة أن لا إله إلا الله بكل شروطها، فكلمة لا إله إلا الله هي الشهادة لله -﷾- بالوحدانية أي أن يكون الله تعالى هو وحده المعبود، دون سواه من المعبودات والآلهة، هذا هو ما جاءت به جميع الرسل، ودعت إليه أقوامها. انظر إلى حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁- فِي قَوْلِهِ -﷿-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، قَالَ: «جَمَعَهُمْ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَمِيعًا مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ وَاسْتَنْطَقَهُمْ، فَتَكَلَّمُوا وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ» ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] قَالَ: «فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِيَنَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، فَإِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي، فَقَالُوا: شَهِدْنَا أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا،
[ ١٧٥ ]
لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ، وَرُفِعَ لَهُمْ أَبُوهُمْ آدَمُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِم …» الحديث (^١).
العبادة القلبية: هي الأمانة التي أنزلها الله -﷿- في جذر القلوب في الدنيا كما جاء ذلك في الحديث الآنف الذكر؛ «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ».
وعلى هذا فجميع قلوب بني آدم مولودة على الفطرة، وهي التوحيد؛ لكن هذه البذرة تحتاج إلى ما يوقظها وينبتها ثم يرعاها، ويتعاهدها بالعناية حتى الممات، وذلك عن طريق اتباع الوحي كما جاء في حديث أبي بن كعب الآنف الذكر؛ «فَإِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي».
كما أن القلوب والأروح متفاوتة ومختلفة في اليقظة وقبول الحق؛ فمنها سريع الانقياد فهو قلب رقيق، ومنها دون ذلك، إلى القلب القاسي الذي لا يقبل -والعياذ بالله- الحق. انظر إلى قول الله تعالى في وصف نشوء العبادة القلبية، وتقبل القلوب للحق، وأثر الشهوات والشبهات على القلوب في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
قال الشيخ السعدي في تفسير الآية (^٢): شبّه تعالى الهدى الذي أنزله على رسوله لحياة القلوب والأرواح بالماء الذي أنزله لحياة الأشباح، وشبّه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي يضطر إليه العباد بما في المطر من النفع العام الضروري،
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥٣ رقم ٣٢٥٥)، وقال هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، ووافقه الذهبي، والبيهقي في القضاء والقدر (١/ ١٤١ رقم ٦٦).
(٢) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام المنان (٤١٥).
[ ١٧٦ ]
وشبه القلوب الحاملة للهدى وتفاوتها بالأودية التي تسيل فيها السيول؛ فواد كبير يسع ماء كثيرًا كقلب كبير يسع علمًا كثيرًا، وواد صغير يأخذ ماء قليلا كقلب صغير يسع علمًا قليلا، وهكذا.
وشبّه ما يكون في القلوب من الشهوات والشبهات عند وصول الحق إليها بالزبد الذي يعلو الماء، ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها، وأنها لا تزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي والحلية الخالصة.
كذلك الشبهات والشهوات لا يزال القلب يكرهها، ويجاهدها بالبراهين الصادقة، والإرادات الجازمة، حتى تذهب وتضمحل، ويبقى القلب خالصًا صافيًا ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره، والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] وقال هنا: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] ليتضح الحق من الباطل والهدى والضلال.
ويتضح من الآية أن أعمال القلوب من المحبة، وصفاء النية لله، والخشوع، والتوكل، والاستعانة … إلخ؛ تلك الأعمال التي لا يطلع عليها إلا الله، وتكون مهيمنة على العمل ليكون صافيًا خالصًا لله لا تأتي ابتداءً؛ وإنما تحتاج إلى عمل الجوارح المسبوقة بنية الدخول فيها.
وقد بين ابن القيم أهمية العبادة القلبية القائمة على توحيد الله؛ وتأثيرها على العبادة؛ فقال: "وَرُوحُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَسِرُّهَا: إِفْرَادُ الرَّبِّ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَتَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ- بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ: مِنَ التَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ؛ فَلَا يُحَبُّ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا كَانَ يُحَبُّ غَيْرَهُ فَإِنَّمَا يُحَبُّ تَبَعًا لِمَحَبَّتِهِ، وَكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى زِيَادَةِ مَحَبَّتِهِ، وَلَا يُخَافُ سِوَاهُ، وَلَا يُرْجَى سِوَاهُ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يُرْغَبُ إِلَّا إِلَيْهِ،
[ ١٧٧ ]
وَلَا يُرْهَبُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يُحْلَفُ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُتَابُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُطَاعُ إِلَّا أَمْرُهُ، وَلَا يُتَحَسَّبُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُسْتَغَاثُ فِي الشَّدَائِدِ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُلْتَجَأُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُسْجَدُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُذْبَحُ إِلَّا لَهُ وَبِاسْمِهِ، وَيَجْتَمِعُ ذَلِكَ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا إِيَّاهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، فَهَذَا هُوَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَقِيقَةَ الشَّهَادَةِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ مَنْ تَحَقَّقَ بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَقَامَ بِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] " (^١).
إن العبادة درجات ومنازل في قبولها عند الله؛ بل هي مرتبطة بالشعور النفسي المنبثق من الإيمان على ما يتحقق في القلب من تحقيق التوحيد، واستشعاره، وإيقاظه في القلب صباحًا ومساءً.
قال ابن القيم: فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَكُونُ شَهَادَتُهُ مَيِّتَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ نَائِمَةً، إِذَا نُبِّهَتِ انْتَبَهَتْ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ مُضْطَجِعَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، وَهِيَ فِي الْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ فِي الْبَدَنِ، فَرُوحٌ مَيِّتَةٌ، وَرُوحٌ مَرِيضَةٌ إِلَى الْمَوْتِ أَقْرَبُ، وَرُوحٌ إِلَى الْحَيَاةِ أَقْرَبُ، وَرُوحٌ صَحِيحَةٌ قَائِمَةٌ بِمَصَالِحِ الْبَدَنِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ -ﷺ-: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَّا وَجَدَتْ رُوحُهُ لَهَا رَوْحًا» (^٢).
فَحَيَاةُ هَذِهِ الرُّوحِ بِحَيَاةِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِيهَا، فَكَمَا أَنَّ حَيَاةَ الْبَدَنِ بِوُجُودِ الرُّوحِ فِيهِ، وَكَمَا أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ يَتَقَلَّبُ فِيهَا، فَمَنْ عَاشَ عَلَى تَحْقِيقِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا فَرُوحُهُ تَتَقَلَّبُ فِي جَنَّةِ الْمَأْوَى، وَعَيْشُهُ وَأَطْيَبُ عَيْشٍ، قَالَ تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ
_________________
(١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء)، (ص: ١٩٦).
(٢) ابن ماجه (ح ٣٠٧٧)، وصححه الألباني.
[ ١٧٨ ]
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النَّازِعَات: ٤٠ - ٤١] (^١).
• الأعمال التي ينبغي على المسلم عملها ليتسنى له الدخول في الأعمال القلبية إلى أن يصل إلى حلاوة الإيمان والتي بها صلاح القلوب:
الآن وبعد أن عرفت أيها المسلم أهمية العبادة القلبية وعلاقتها بحياة الإنسان؛ فمن المناسب الإشارة إلى نبذة من أسباب صلاح القلب؛ لتكون نبراسًا لنا لإصلاح قلوبنا وتعاهدها بالعناية، وغذاء لأرواحنا للسير في الطريق المستقيم الذي سطره لنا ربنا -﷾-؛ للوصول إلى حلاوة الإيمان، والنفس المطمئنة، الراضية المرضي عنها في الدنيا، والفائزة بجنات عدن في الآخرة.
وقبل ذكر شيء منها لا بد من الإشارة إلى أمور واجبة للوصول للأعمال المعينة على العبادة القلبية؛ ومنها:
(١) علو الهمة وصدق العزيمة على تزكية النفس وإصلاح القلب، بفعل كل الأسباب المعينة على ذلك.
ومِن صدْق العزيمة وعلو الهمة لإصلاح القلب توطين النفس على الخروج عن العوائد الصادة عن سبيل الهدي، فإذا كان الإنسان قد اعتاد في يومه وليلته على أعمال ومخالطات وقضاء أوقات فيما لا ينفع، أو فيما يصد عما هو أنفع، حتى وإن كان ألفها. وحتمًا أن هذا الأمر من أشق الأمور على النفس، ويحتاج إلى بذل الجهد، يقول ابن القيم بعد أن ذكر أسباب الفلاح: (لا يغتر العبد بأن مجرد علمه بما ذكر كاف في حصول المقصود؛ بل لا بد أن يضيف إليه بذل الجهد في العمل، واستفراغ الوسع والطاقة في ذلك، وملاك ذلك الخروج عن العوائد؛ فإنها أعداء الكمال والفلاح،
_________________
(١) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء) (ص ١٩٧).
[ ١٧٩ ]
(٢) الدعاء تضرعا وخيفة بصلاح القلب وبشكل دائم
ويستعين على ذلك بالهروب من مظان الفتنة، والبعد عنها ما أمكنه) (^١).
(٢) الدعاء تضرعًا وخيفة بصلاح القلب وبشكل دائم، ولا يخفى فضل الدعاء وعظيم أثره، لكن كثيرًا من الناس يغفلون عن هذه العبادة العظيمة التي بها تصلح القلوب. وكثيرون يغفلون عن قصد التقرب إلى الله بالدعاء، ويكون قصدهم منصرفًا إلى حصول مطلوبهم من أمورهم دون الدعاء بصلاح قلوبهم، فيفوتهم خير عظيم.
يقول ابن القيم في كتابه الفوائد: (العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه من داء الشهوات والشبهات، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته) (^٢).
فمن لجأ إلى الله، وانطرح بين يديه سائلا صلاح قلبه، داعيًا بحضور قلبه، متحرّيًا أوقات الإجابة، فما أقرب أن يجاب له، وقد قال -ﷺ-: «إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكُمْ كَما يَخلَقُ الثّوبُ، فاسْألُوا اللهَ تعالَى أنْ يُجَدِّدَ الإيمانَ في قُلوبِكمْ» (^٣).
ومعنى: «إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكم» أي: يَبْلَى ويَضْعُفُ في قَلْبِ المُسْلِمِ، وعلامة ضعف الإيمان الفُتور في العِبادةِ، أو ارتكابِ المعاصي، وانغِماسِ النَّفسِ في بَعصِ شَهواتِها.
«كما يَخْلَقُ الثَّوبُ»، أي: مِثْلَ الثَّوْبِ الجَديدِ الذي يَبْلى بطُولِ استخدامِهِ.
_________________
(١) عدة الصابرين لابن القيم. (ص ٦٢ - ٦٣)
(٢) الفوائد لابن القيم (ص ١٢٢)
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: رواته مصريون ثقات. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٨٥): إسناده حسن.
[ ١٨٠ ]
(٣) طلب العلم الشرعي
ويُفهم من الحديث أن الدعاء بصلاح القلب وتزكية النفس مطلوب في كل وقت حتى الممات؛ كي لا يضعف الإيمان، ولضمان قوة الإيمان في القلب.
(٣) طلب العلم الشرعي، والجد في طلب كل ما يحقق الإيمان؛ إذ إن العمل لا يُقبل ولا ينال العبد الأجر عليه إلا إذا كان موافقًا لما شرعه الله في كتابه، أو بسنة نبَيَّنَهُ -ﷺ-، ففي الصحيحين من حديث عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^١)؛ أي: مردود غير مقبول، وكذلك الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي في سننهما من حديث العرباض بن سارية -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «عَلَيْكُم بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ» (^٢).
وقال أهل العلم: إن العلم قبل القول والعمل. قال البخاري -﵀- تعالى: (باب: العلم قبلَ القولِ والعملِ؛ والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فبدأ بالعلم [قبل القول والعمل]) إذ لا عبرة بالقول والعمل إذا كان خطأ. وينشأ الخطأ إذا أخذ العلم من غير مصدره. والعلم المقصود هنا هو: معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة من الكتاب والسنة، ثم ما يتوجب عليه من العبادات المختلفة.
إن طلب العلم الشرعي لا يتأتى لطالبه إلا بالإخلاص فيه لله، بأن ينوي الإنسان في طلب العلم وجه الله، لا لعرض من الدنيا، فقد قال رسول الله -ﷺ-: «من تعلم علمًا يبتغي به وجه الله -﷿- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا؛ لم يجد
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٦٩٧)، وصحيح مسلم (١٧١٨).
(٢) سنن أبي داود (٤٦٠٧)، والترمذي برقم (٢٦٧٦)، وقال حديث حسن صحيح. والحديث صححه الألباني.
[ ١٨١ ]
عرف الجنة يوم القيامة» (^١)، -يعني ريحها- وهذا وعيد شديد، والعياذ بالله.
وقال -ﷺ-: «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلاَّ ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ» (^٢).
والنية باب واسع يمكن تحديد ما ينفع طالبها بأمور نذكر بعضها؛ ليضع طالب العلم أمام عينيه كيف يحقق النية، ويطبقها في كل علم يناله:
الأمر الأول: امتثال أمر الله بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] فأمر بالعلم، فإذا تعلمت فإنك ممتثل لأمر الله -﷿-.
الأمر الثاني: أن ينوي بطلبه للعلم الشرعي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره من أهله وذويه ومن له صلة به؛ لأن الأصل في الإنسان أنه جاهل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. والواقع يشهد بذلك. فتنوي بطلب العلم رفع الجهل عن نفسك، وكلما زاد العلم زادت معه الخشية من الله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] والواقع يقول إن ذلك ينطبق على العلم الشرعي وغير الشرعي.
الأمر الثالث: تحصين نفسه ودينه بكل ما يدفع عنه الشك والريبة، وذلك بأن ينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة في نفسه؛ وأن يكون له من العلم ما يقيه من الشبهات؛ حتى لا يتسلل الشك إلى قلبه فيفسد قلبه وتفسد عباداته والعياذ بالله. كما يحمي مَنْ حوله مِنْ أهله وذويه بملكة الرد على كل شبهة تطعن في الشريعة
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٣٨)، وأبو داود، كتاب العلم، باب: طلب العلم لغير الله تعالى. وابن ماجه، المقدمة، باب: الانتفاع بالعلم والعمل به. والحاكم في المستدرك (١/ ١٦٠)، وقال: حديث صحيح سنده ثقات.
(٢) أخرجه الترمذي في السنن (٤/ ١٣٩ ح ٢٣٢٢)، وابن ماجه (٢/ ١٣٧٧ ح ٤١١٢)، وحسنه الألباني.
[ ١٨٢ ]
أو مصادرها أو قدواتها.
كما أن الدفاع عن الشريعة مثل السلاح الذي يستعمله من يدافع عن عرضه وماله. لذا لا بد أن يكون متسلحًا دائمًا بما يدفع عن الشريعة في نفسه ما يطعن فيها.
وقد اختصر الإمام أحمد ما سبق ذكره في شأن العلم حينما سأله مهنا قال: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: حَدِّثْنَا مَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ قَالَ: "طَلَبُ الْعِلْمِ". قُلْتُ: لِمَنْ، قَالَ: "لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ". قُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يُصَحِّحُ النِّيَّةَ؟ قَالَ: "يَنْوِي يَتَوَاضَعُ فِيهِ، وَيَنْفِي عَنْهُ الْجَهْلَ".
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَّابٍ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: "مَا أَعْلَمُ النَّاسَ فِي زَمَانٍ أَحْوَجُ مِنْهُمْ إلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ" قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: "ظَهَرَتْ بِدَعٌ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ حَدِيثٌ وَقَعَ فِيهَا".
ومن المعلوم عند أهل العلم أن من جد في طلب العلم الشرعي؛ تصح نيته في طلب العلم، وهذا يلمسه من طرق هذا الباب بشغف وجد ومحبة.
فقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: "طَلَبْنَا هَذَا الْعِلْمَ وَمَا لَنَا فِيهِ كَبِيرُ نِيَّةٍ، ثُمَّ رَزَقَ اللَّهُ النِّيَّةَ بَعْدُ". وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ جَمَاعَةٍ؛ مِنْهُمْ: حَبِيبٌ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ.
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: "طَلَبنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَرُدَّنَا إلَّا إلَى اللَّهِ".
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ إنَّ مَعْمَرًا قَالَ: "كَانَ يُقَالُ إنَّ الرَّجُلَ لَيَطْلُبُ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ حَتَّى يَكُونَ لِلَّهِ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ أَخْبَرَنِي حَرْبٌ ثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ قَالَ: "قَالُوا لِسُفْيَانَ إنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيث يَطْلُبُونَ الْحَدِيثَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، قَالَ طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ" (^١).
_________________
(١) الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح (٢/ ٣٧).
[ ١٨٣ ]
الحفظ مع الفهم
القراءة
الأمر الرابع: الحكمة في طلب العلم.
والحكيم هو: الذي ينزل الأشياء منازلها؛ لأن الحكيم مأخوذ من الإحكام وهو الإتقان، وإتقان الشيء أن ينزله منزلته، فينبغي بل يجب على طالب العلم أن يكون متحليًا بالحكمة في طلبه للعلم ووسائل العلم ممن يأخذ عنهم العلم؛ من البشر، أو الكتاب الورقي، أو المحرك الإلكتروني.
إن الحكمة في طلب العلم تقتضي أن يكون حليمًا متأنيًا مجيدًا لوسائل إتقان العلم، وأن يتبع المنهجية الصحيحة في طلب العلم الشرعي، وألا يقدم مرحلة على مرحلة، بل يتأنى في ذلك، وأن يتبع الطرق الصحيحة في تحصيل العلم؛ وهي:
• الحفظ مع الفهم: يعتمد العلم الشرعي على الحفظ مع الفهم، وملكة الحفظ يمكن الوصول إليها مع إخلاص النية، وحسن المقصد، والرغبة في الوصول للعلم الشرعي. ومن الإخلاص: البعد عن المعاصي والآثام، ثم تعويد النفس على الحفظ. وحفظ القرآن يساعد كثيرًا على الحصول على هذه الملكة، وهذا معروف عند من حفظ القرآن. ومما يساعد على الحفظ: المذاكرة، وهي تسميع المحفوظ على شخص متقن للعلم، وكذلك تكرار المحفوظ، واختيار الزمان والمكان المناسبين.
• القراءة: وهي ملكة أيضًا تحتاج لمهارة لتتحقق الفائدة منها؛ ومن هذه المهارات: اختيار الكتاب المناسب والوقت المناسب، فإذا وقفت على فوائد مهمة لك؛ فعلق عليها على طرة الكتاب بتعليق تراه ينفعك، وقد تحتاج إليه فيما بعد. كما أنه قبل البدء بقراءة الكتاب لا بد من الإلمام ببعض معلومات الكتاب المقروء من حيث: (موضوعه، مصطلحاته، وما يعين على فهم مقصد المؤلف ويكون ذلك عادة في مقدمة الكتاب …).
[ ١٨٤ ]
حلق التدريس (الشيوخ)
• حلق التدريس (الشيوخ): العلم الشرعي علم نقلي، يحتاج لإتقانه تلقيه من شيخ متقن، وطريقة التلقي من الشيخ المتقن تختصر الطريق لك في الحصول على المعلومة، كما أنه يفتح الطريق أمامك للسير في الطريق الصحيح، فكن دقيقًا في اختيار شيخك الذي ستستفيد منه وتسمع له؛ لأن العالم قد أمضى الوقت الطويل في تلقي العلم بكل فروعه، وسيختصر لك معرفة المعلومة القائمة على البحث النهائي لها، وأقوال أهل العلم فيها، وكذلك سيرشدك لمصادر العلم ومؤلفيها، وطرائقهم في التصنيف، وعرض المسائل وتحقيقها، فلا تبخل على نفسك بالسؤال فهو جوهر العلم. قيل لابن عباس -﵄-: بم أدركت العلم؟ قال: "بلسان العلماء، وقلب عقول، وبدن غير ملول". فكانت النتيجة كما قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس! وإذا تكلَّم قلت: أفصح الناس! وإذا تحدَّث قلت: أعلم الناس! وكان يُسمى البحر لغزارة علمه، والحبر لاتساع حفظه ونفوذ فهمه، وكان عمر -﵁- يقربه ويدنيه لجودة فهمه وَضُوءًا، وحسن تأتِّيه، وجملة ما روى عن رسول الله -ﷺ- - ألف حديث وستمائة وستين، أخرج له في الصحيحين مائتان وأربعة وثلاثون حديثًا (^١).
• تلقي العلوم الشرعية والتدرج في تلقيها: تنقسم العلوم إلى قسمين:
(١) علوم أصلية وهي: [التفسير والحديث والفقه والعقيدة].
(٢) علوم مساعدة (الآلة)؛ ما كان وسيلة إلى الوصول للعلوم الأصلية، وهي: أصول الفقه، وأصول الحديث (مصطلح الحديث)، وعلوم العربية؛ كالنحو والبلاغة والصرف.
_________________
(١) الكتاب: الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم، تأليف: محمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي العَلَوي الهَرَري الشافعي (٢٤/ ٤١)، وقول ابن عباس -﵄- أخرجه الحاكم (٣/ ٥٣٩)، والطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٦٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣١٨)، وعبد الرزاق في المصنف (٨١٢٣).
[ ١٨٥ ]
ولا بد لطالب العلم من منهجية يسير عليها في تلقي هذه العلوم فإن التدرج معراج التخرج.