معرفة أوصاف الرواة
ومن يُقبَل رِوايتُه ومن لا يُقبَل
وهي من أجلِّ أنواع علوم الحديث وأهمها، وهي التي تميز بين الصحيح والضعيف.
وفيها تصانيف كثيرة منها ما أُفرِدَ في الضُّعفاء ككتاب البُخاري، والنَّسائي والدارقُطنِي (١).
وما أُفرِد في الثقات ككتاب الثقات لابن حبان (٢).
ومنها ما اشترك كتاريخ البخاري وابن أبي خيثمة وابن أبي حاتم (٣).
وَجُوِّزَ الجرحُ والتعديل صيانة للشريعة، ويجب على المتكلم التثبت فيه فقد أخطأ غير واحد بجرحهم بما لا يُجرِّح.
_________________
(١) طبع كتاب الضعفاء الصغير للبخاري والضعفاء والمتروكين للنسائي معًا في مجلد واحد بتحقيق محمود إبراهيم زايد، وطبع الضعفاء والمتروكين للدارقطني بتحقيق صبحي السامرائي.
(٢) طبع في تسع مجلدات بحيدر آباد الدكن.
(٣) طبع التاريخ الكبير للبخاري في ثمان مجلدات بحيدر آبا الدكن، وطبع تاريخ ابن أبي خيثمة حديثا بدار الفاروق وطبع الجرح والتعديل لابن أبي حاتم في تسع مجلدات بحيدر آباد الدكن.
[ ٩٩ ]
وفيه فصول:
الأول: أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه والأصول على أنه يشترط فيمن يحتج بحديثه العدالة والضبط.
فالعدالة فيه أن يكون مُسلِمًا بالغًا عاقلًا سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
والضبط أن يكون مُتَيقِّظًا حافظًا، إن حدَّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدَّث منه، عارفًا بما يختل به المعنى إن روى به.
ولا يشترط الذكورة ولا الحُريَّة (١)، ولا العلم بفقهه وغريبه ولا البصر ولا العدد.
الثاني: تعرف العدالة بتنصيص عدلين عليها، أو بالاستفاضة.
فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو غيرهم من العلماء، وشاع الثناء عليه بها كفي، كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد وأشباههم.
ويقبل تعديل العبد والمرأة، إذا كانا عارفين به كما يقبل خبرهما قاله الخطيب (٢).
ويعرف ضَبطُه بأن يعتبر روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وافقهم غالبًا وكانت مخالفته نادرة، عرفنا كونه ضابطًا ثَبْتًا،
_________________
(١) قوله ولا الحرية سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).
(٢) الكفاية (ص ٩٨).
[ ١٠٠ ]
وإن وجدناه كثير المخالفة لهم، عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه (١).
الثالث: التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها.
وأما الجرح فلا يُقبَل إلا مُفسَّرًا مُبَيَّن السبب، لاختلاف الناس فيما يوجب الجرح.
ولهذا احتج البخاري في صحيحه بعكرمة مولى ابن عباس (٢)، وإسماعيل بن أبي أويس (٣)، وعاصم بن علي (٤)، وغيرهم.
ومسلم بسويد بن سعيد (٥)، وغيره، وكل هؤلاء سبق الطعن فيهم، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا مفسر السبب.
فإن قيل إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على كتب الجرح والتعديل، وقل ما يتعرضون فيها لبيان السبب بل يقتصرون على قولهم: فلان ضعيف، فلان ليس بشيء، ونحوه، وهذا حديث ضعيف أو غير ثابت، ونحو ذلك.
فاشتراط بيان السبب يُفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في
_________________
(١) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٩٠).
(٢) ترجمته في تهذيب الكمال (٢٠/ ٢٦٤).
(٣) ترجمته في تهذيب الكمال (٣/ ١٢٤).
(٤) ترجمته في تهذيب الكمال (١٣/ ٥٠٨).
(٥) ترجمته في تهذيب الكمال (١٢/ ٢٤٧).
[ ١٠١ ]
الأغلب. والجواب أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في توقف قبول حديث من قالوا فيه ذلك؛ لأن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبةً قوية، ثم من انزاحت عنه تلك الرِّيبة بحثنا عن حاله بحثًا أوجب الثقة بعدالته فقبِلنا روايته ولم نتوقف، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين، وغيرهما ممن تقدم فيهم الجرح.
الرابع: يثبت الجرح والتعديل في الرواة بقول واحد على الصحيح؛ لأن العدد لم يُشترط في قبول الخبر فلم يشترط في جرح راويه وتعديله.
وإن اجتمع في شخصٍ جَرحٌ وتَعديل، فالجرح مُقدَّم، وإن تعدد المعدل على الأصح، لأن المُعدِّل يُخبِر عمَّا ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خَفِيَ على المعدِّل.
الخامس: إذا قال حدثني ثقة، إن قصد به التعديل، لا يُجزئ إذ لا بد من تعيين المعدَّل وتسميته، وذلك لأنه قد يكون ثقةً عنده، وغيره قد اطَّلع على جرحه بما هو جارحٌ عنده، بل إِضرابُه عن تَسميتهِ مُريبٌ في القلوب.
وإن قصد به مجرد الإخبار من غير تعديل وسمَّاه، لم يجعل روايته عنه تعديلًا منه له؛ لأنه يجوز أن يروي عن غير عدل.
نعم إذا قال العالم: كل من رَويت عنه فهو ثقة، ثم روى عمَّن لم يُسمِّه فإنه يكون مُزكيًا له، غير أنَّا لا نعمل بتزكيته هذه، لما مر آنفًا.
وليس عمل العالم أو فُتياه على وفق حديث، حُكمًا بصحته، ولا مخالفته له جرحًا في رواته.
[ ١٠٢ ]
قال القاضي (١): العالم الذي من شأنه اشتراط العدالة في الرواية، إذا عمل بخبر رجل لا شاهد له ولا متابع، يكون تعديلًا له إذا لم يكن عمله من باب الاحتياط، وذلك أن يعمل بالحديث الضعيف مخافة أن يكون صحيحًا في نفس الأمر يجب العمل به.
السادس: الألفاظ المستعملة في الجرح والتعديل.
أما ألفاظ التعديل ففي مراتب:
الأولى: أن يُقال هو ثقة، أو مُتقِن، أو ثَبْت، أو حُجة، أو يقال في العدل حافظ، أو ضابط، فهو ممن يحتج بحديثه.
الثانية: صدوق، أو مَحِلُّه الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يُكتب حديثُه ويُنظر فيه، لأن هذه العبارات لا تُشْعِر بالضبط، فيُنظر ليُعرف ضبطه، وقد تقدم بيان الاعتبار.
وعن ابن مهدي (٢): قال حدثنا أبو خَلدة، فقيل له كان ثقة؟ قال: كان صدوقًا، وكان مأمونًا، وكان خير، الثقة: شعبة وسفيان.
الثالثة: إذا قيل "هو شيخ"، فهو يُكتب حديثه ويُنظر فيه، قيل وقريب منه "روى عنه الناس".
الرابعة: "صالح الحديث"، فإنه يكتب حديثه للاعتبار، قيل ومثله "هو
_________________
(١) المنهل الروي (ص ٦٥).
(٢) كما أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٦٤) ومن طريقه الخطيب في الكفاية (ص ٢٢).
[ ١٠٣ ]
وسط".
وسمع ابن مهدي في حق رجل ضعيف الحديث، هو رجل صدوق فقال: رجل صالح الحديث (١).
وألفاظ الجرح أيضًا على مراتب:
أولها: هو ليّن الحديث، فهذا يُكتب حديثه ويُنظر اعتبارًا.
قال الدارقطني (٢): إذا قُلتُ ليَّن الحديث، فلا يكون ساقطًا، ولكن مجروحًا بشيء لا يُسقِط العدالة.
قيل ومثله مُقارِب الحديث، أو مضطرب الحديث، أو لا يُحتج به، أو مجهول.
الثانية: هو ليس بقوي، فهو بمنزلة الأُولى في كَتْبِ حديثِه، إلا أنه دونه في القوة، قيل ومثله، "ليس بذاك" أو "ليس بذاك القوي".
الثالثة: ضعيف الحديث: هو دون الثاني لا يُطرَح بل يُعتبَر.
الرابعة: هو متروك الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذَّاب: فهو ساقط لا يُكتَب حَديثُه.
السابع: لا تُقبَل رواية من عُرِف بالتَّساهُل في سماع الحديث، أو إِسماعه كمن ينام حالة السَّماع أو يشتغل عنه، أو يُحدِّث لا من أصل
_________________
(١) أخرجه الخطيب في الكفاية (ص ٢٢).
(٢) سؤالات حمزة السهمي للدارقطني (ص ٧٢).
[ ١٠٤ ]
مُصَحَّح، أو من عُرِف بِقَبول التَّلقين في الحديث من غير كتب وحفظ، أو بكثرة السهو في رواياته إذا لم يُحدِّث من أصل مُصحَّح، أو من كَثُرَت الشواذ والمناكير في حديثه.
قال ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحُمَيدي وغيرهم: من غلط في حديثه فبُيِّنَ له غلطُه فلم يرجع وأصرَّ على غلطه سقطت روايته.
قال ابن الصلاح (١): هذا الذي قالوه لعله إذا ظهر منه ذلك على وجه العناد. فإن لم يكن عنادًا بأن يكون على وجه التنفير في البحث ففيه نظر، ولا بأس بأدنى نُعاس، ولا يختل معه فهم الكلام، وكان بعضهم إذا كتب طبقة السماع كتب، وفلان وهو ينعس وفلان وهو يكتب.
الثامن: من خلَّط لخَرفهِ أو ذَهاب بصره أو لغير ذلك، فيُقبل ما رُويَ عنه قبل الاختلاط ويُرَدُّ ما بعده وما شك فيه أيضًا.
فمنهم عطاء بن السائب (٢)، احتجوا برواية الأكابر عنه؛ كالثوري وشعبة.
قال القطان (٣): إلا حديثين سمعهما شعبة بأَخَرةٍ عن زاذان.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٠٦).
(٢) ترجمته في تهذيب الكمال (٢٠/ ٨٦).
(٣) الإمام يحيى بن سعيد بن فروخ القطان أبو سعيد البصري الأحول الحافظ ترجمته في تهذيب الكمال (٣١/ ٣٢٩).
[ ١٠٥ ]
ومنهم عبد الرحمن بن عتبة بن عبد الله بن مسعود (١) في أيام المهدي.
ومنهم ربيعة الرأي (٢) شيخ مالك في آخر عمره.
ومنهم سفيان بن عُيينة قبل موته بسنتين.
التاسع: في رواية المجهول الحال.
وهو أقسام ثلاثة:-
أحدها: مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا، فلا يقبل عند الجماهير.
وثانيها: مجهول العدالة باطنًا لا ظاهرًا، وهو المستور.
والمختار قبوله، وقطع به سليم الرازي (٣)، وعليه العمل في أكثر كتب الحديث المشهورة فيمن تقادم عهدهم وتعذَّرت معرفتهم؛ لأن أمر الإخبار مبنيٌّ على حسن الظن بالراوي المسلم، ونشر الأحاديث مطلوبُ كل واحد ومعرفة الباطن مُتعذِّر، بخلاف الشهادة فإنها تكون عند الحُكَّام ولا يتعذَّر عليهم ذلك، فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن.
وثالثها: مجهول العين، وهو كل من لم يعرفه العلماء، ولم يُعرف حديثُه إلا من جهة راوٍ واحد، قاله الخطيب (٤).
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود ترجمته في تهذيب الكمال (١٧/ ٢١٩).
(٢) هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن القرشي التيمي ترجمته في تهذيب الكمال (٩/ ١٢٣).
(٣) هو أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم الرازي ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٤٥)، وفيات الأعيان (٢/ ٣٩٧) وإنباه الرواة (٢/ ٦٩).
(٤) الكفاية (ص ٨٨).
[ ١٠٦ ]
[قال ابن الصلاح (١): من يقبل رواية المجهول العدالة لا يقبل رواية المجهول العين] (٢).
وقال ابن عبد البر (٣): من لم يرو عنه إلا واحدًا فهو مجهول عندهم إلا أن يكون مشهورًا بغير حمل العلم، كمالك بن دينار في الزهد، وعمرو بن مَعدِي كَرِب بالنجدة.
قال الخطيب (٤): وأقلُّ ما يرفع الجهالة أن يروي عنه اثنان من المشهورين بالعلم.
قال ابن الصلاح ردًّا على الخطيب (٥): قد خرَّج البخاري في صحيحه عن مرداس الأسلمي، ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم (٦).
ومسلم، عن ربيعة بن كعب الأسلمي ولم يرو عنه غير أبي سلمة (٧).
وذلك مصير منهما (٨) إلى خروجه عن هذه الجهالة برواية واحد،
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٩٦).
(٢) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).
(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٥٥٦).
(٤) الكفاية (ص ٨٨).
(٥) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٩٦).
(٦) أخرج البخاري له حديث " يذهب الصالحون الأول فالأول" الحديث (٥/ ١٥٧) و(٨/ ١١٤).
(٧) أخرج له مسلم حديث " أسألك مرافقتك الجنة" الحديث (٤٨٩).
(٨) قوله مصير منهما في (ز) مصير بينهما، والمثبت من (د)، مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٩٦) وتدريب الراوي (١/ ٥٣٢).
[ ١٠٧ ]
والخلاف في ذلك كالخلاف في الاكتفاء بتعديل واحد.
قال الشيخ محي الدين مجيبًا عنه (١): الصواب ما ذكره الخطيب فهو لم يَقُلْه عن اجتهاده بل نقله عن أهل الحديث.
وردُّ الشيخِ عليه بما ذكره عجب؛ لأنه شرط في المجهول أن لا يعرفه العلماء وهذان معروفان عند أهل العلم بل مشهوران.
فمرداس، من أهل بيعة الرضوان، وربيعة، من أهل الصفة، والصحابة كلهم عدول، فلا يَضرُّ الجهالة بأعيانهم لو ثبتت.
أقول: هذا الجواب مسلَّم في حق الصحابة، وليت شعري كيف يَدفع قوله والخلاف في ذلك كالخلاف في الاكتفاء بتعديل واحد، وقد تقرر أن العدد لم يُشترَط في قبول الخبر ولا في جرح الراوي وتعديله على المذهب الصحيح فكذلك لا يشترط في رفع الجهالة.
فرع
يُقبَل من عُرِفَت عينُه وعدالتُه وإن جُهِل اسمُه ونسبُه.
العاشر: المُبتَدِع الذي لم يُكَفًّر ببدعته فيه ثلاثة أقوال:
قيل: لا يُقبَل روايته مُطلقًا لفسقه، فكما استوى في الكفر المتأول وغير المتأول يستوي في الفسق المتأول وغيره.
وقيل: إن لم يَسْتَحلّ الكذب لنصرة مذهبه، قُبل، وإن استحلَّه كالخطَّابية
_________________
(١) التقريب مع التدريب (١/ ٥٣١).
[ ١٠٨ ]
الحادي عشر: التائب من الكذب،
من الروافض لم يُقبَل، ويُعزى هذا إلى الشافعي - ﵁ - (١).
وقيل: إن كان داعيةً لمذهبه لم يُقبَل، وإلا قُبِل، وهذا الذي عليه الأكثر. وقال بعض أصحاب الشافعي: اختلف أصحابنا في غير الداعية واتفقوا على عدم قبول رواية الداعية.
قال أبو حاتم بن حبان (٢): لا يجوز الاحتجاج بالدَّاعية عند أئمتنا قاطبة، لا خلاف بينهم في ذلك.
والمذهب الأول ضعيف جدًا.
ففي الصحيحين، وغيرهما من كتب أئمة الحديث، الاحتجاج بكثير من المبتدعة، غير الدعاة.
الحادي عشر: التائب من الكذب، وغيره من أسباب الفسق يُقبل روايته، إلا التائب من الكذب في حديث رسول الله - ﷺ -.
فلا يُقبل روايته أبدًا وإن حَسُنت توبته.
كذا قال أحمد بن حنبل والحُميدي (٣) شيخ البخاري (٤)، والصَّيْرَفي الفقيه
_________________
(١) حكاه عن الشافعي أبو بكر الخطيب في الكفاية (ص ١٢٠).
(٢) ينظر الثقات (٦/ ١٤٠ - ١٤١)، والمجروحين (١/ ٨١).
(٣) الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحُمَيدي الحافظ صاحب المسند المتوفى قي سنة ٢١٩ هـ. ينظر تهذيب الكمال (١٤/ ٥١٢).
(٤) أخرج هذا القول عنهما الخطيب في الكفاية (ص ١١٧ - ١١٨).
[ ١٠٩ ]
الثاني عشر: إذا روى ثقة عن ثقة حديثا وروجع
الشافعي (١)، وأطلق الصيرفي فقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نَعُد لقبوله بتوبة يُظهرها، ومن ضعَّفنَا نقله لم نجعله قويًا بعد ذلك.
قال: وذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة (٢).
الثاني عشر: إذا روى ثقةٌ عن ثقةٍ حديثًا وروجع (٣) المروي عنه فنفاه، فإن كان جازمًا بنفيه بأن قال: ما رَويته، أو كُذِبَ عليَّ، أو نحو ذلك وجب ردّ ذلك الحديث، ولا يقدح ذلك في باقي رواياته.
وإن قال: لا أعرفه ولا أذكره أو نحوه، لم يقدح ذلك في هذا الحديث أيضًا على المختار.
ومن روى حديثًا ثم نسيه، لم يسقط العمل به عند جهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀: يجب إسقاطه وبنوا عليه ردَّهم حديث "إِذَا نُكِحَتِ المَرأَةُ بِغَيرِ إِذنِ وَليِّها فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" (٤).
_________________
(١) هو الإمام الجليل الأصولي محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفي توفي سنة ٣٣٠ هـ ينظر ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ١٨٦).
(٢) ذكر السيوطي في التدريب (١/ ٥٥٤) أن قول الصيرفي هذا في كتاب شرح الرسالة للصيرفي ولم أقف عليه وهو مذكور ضمن مصنفاته ينظر طبقات الشافعية (٣/ ١٨٦).
(٣) في المطبوعة ورجع والمثبت من (ز)، (د).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠٢).
[ ١١٠ ]
وحديث أبي هريرة: في "القضاء بالشاهد واليمين" (١).
والصحيح قول الجمهور؛ لأن المروي عنه بصدد النسيان، والراوي عنه ثقة جازم فلا تُرد روايته بالاحتمال.
وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها، فحدثوا بها عمن سمعها منهم فيقول أحدهم: حدثني فلان عنِّي، أني حدثته.
وجمع الخطيب ذلك في كتابه المعروف (٢).
ولهذا كَرِه الشافعي وغيره من العلماء الرواية عن الأحياء.
الثالث عشر: اختلفوا فيمن أخذ على التحديث أجرًا.
فقال قوم: لا يقبل روايته، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن رَاهَوَيه وأبي حاتم الرازي؛ لأن ذلك يَخرِمُ المروءة عُرفًا ويُتَطرَّق إليه تهمة.
ورخص في ذلك أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن وعلي بن عبد العزيز المكي وآخرون قياسًا على أجرة تعليم القرآن (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٦١٢) وابن ماجه (٢٤٥٨) وينظر علل ابن أبي حاتم (٢/ ١٧٣).
(٢) يقصد جزء (من حدث ونسي)، ذكره الذهبي ضمن مصنفات الخطيب في ترجمته من السير (١٨/ ٢٩٠) ولم أقف عليه وقد لخصه الحافظ السيوطي في كتابه (تذكرة المؤتسي في من حدث ونسي) وهو مطبوع.
(٣) أخرج هذه الأقوال الخطيب في الكفاية (ص ١٥٣ - ١٥٧).
[ ١١١ ]
الرابع عشر: أعرض الناس في هذه الأعصار
وكان أبو الحسين بن النقور (١) يأخذ الأجرة على الحديث لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاه بجوازها، لكون أصحاب الحديث كانوا يمنعونه الكسب لعياله (٢).
الرابع عشر: أعرض الناس في هذه الأعصار عن مجموع الشرائط المذكورة واكتفوا من عدالة الراوي بكونه مستورًا، ومِن ضبطه بوجود سماعه مُثبتًا بخط مُوثَقٍ به، وروايته من أصل موافق لأصل شيخه.
واحتج البيهقي لذلك بأن الحديث الصحيح وغيره قد جُمِعَ في كتب أئمة الحديث، فلا يذهب شيء منه عن جميعهم، وإن جاز ذلك في بعض (٣).
أقول: إن البخاري جمع في كتابه الأحاديث الصحيحة ولم يَستوعبها فذكر بعده مسلمٌ ما صحَّ عنده وزاد عليه، ثم بعده أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه، ذكروا من الصحيح والضعيف ما ذهب عنهما.
وذلك أن أئمة الحديث محفوظون أن يذهب شيء من الاحتياط عن جميعهم لضمان صاحب الشَّريعة حِفظها.
والقصد بالسَّماع بقاء سلسلة السَّند المخصوص بهذه الأمة حرسها الله تعالى.
_________________
(١) الشيخ الجليل مسند العراق، أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن النقور البغدادي، البزاز، توفي سنة ٤٧٠ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٧٢).
(٢) أخرجه ابن الصلاح في المقدمة (ص ٣٠٥).
(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٠٧).
[ ١١٢ ]