اعلم: أن علم الحديث علم شريف يُناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشِّيَم ويُنافي مساوئ الأخلاق ومشاين الشيم، وهو من علوم الآخرة، لا من علوم الدنيا، فمن أراد التَّصدي لإسماع الحديث أو لاستماعه أو لإفادة شيء من علومه، أو لاستفادته فليقدم تصحيح النية وإخلاصها وليُطَهِّر قلبه من الأغراض الدنيوية وأدناسها، وليحذر بلية حب الرياسة ورُعُوناتها وطلب مال، وغير ذلك مما لا يراد به وجه الله تعالى، وفيها فصول:
الفصل الأول:
في أدب الشيخ:
يستحب للمُتَصدي لإسماع الحديث أن يَبْلغ أربعين لأنها انتهاء الكهولة وفيه مجتمع الأشُد.
نُبِّئ رسولُ اللهِ - ﷺ - وهو ابن أربعين.
وقال ابن الصلاح (١): هذا محمول على من تصدى للتحديث بنفسه من غير براعة في العلم، والحق أنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لنشره في أي سن كان، كمالك فإنه تصدى له، وله نيف وعشرون سنة،
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٤١٩).
[ ١٦٧ ]
وقيل سبع عشرة.
والشافعي أُخِذَ عنه العلم وهو في سن الحداثة.
وعمر بن عبد العزيز لم يبلغ الأربعين.
وغيرهم ممن نشروا عُلومًا لا تحصى، ولم يبلغوا ذلك.
ومتى خُشي عليه الهرم والخرف والتخليط أمسك عن التحديث، ويختلف ذلك باختلاف الناس.
فقد حَدَّث خلق بعد مجاوزة الثمانين لَمَّا ساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة كأنس ابن مالك، وسهل بن سعد، وعبد الله بن أبي أوفىَ من الصحابة.
وكمالك، وابن عيينة، والليث، وابن الجعد.
وحدَّث قوم بعد المائة كالحسن بن عرفة وأبي القاسم البغوي وغيرهما.
وينبغي أن لا يُحَدِّث بحضرة من هو أولى منه، لِسنِّه أو علمه أو غير ذلك وقيل لا يحدث في بلد فيه من هو أولى منه، وإذا طُلِب منه ما يعلمه عند من هو أولى منه أرشد إليه لأن الدِّينَ النصيحة، ولا يمتنع من تحديث أحد لعدم صحة نيته، فإنه يُرجى له تصحيحها وليحرص على نشره وليبتغ جزيل أجره وإذا أراد حضور مجلس التحديث فليقتدِ بالإمام مالك - ﵁ -، فإنه إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرَّح لحيته وتَطيَّب وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة وحدَّث وقال: أُحِبُّ أن أُعظِّم حديثَ رسول
[ ١٦٨ ]
الله - ﷺ - وكان يكره أن يُحدِّث في الطريق أو هو قائم أو مستعجل، فإن رَفَع أحدٌ صوته في مجلسه زَجَره، ويستحب له أن يُقبِل على الحاضرين كلهم ولا يسرد الحديث سَرْدًا، يمنع السامع من إدراك بعضه وليفتح مجلسه بقراءة قارئ حسن الصوت، فإذا فرغ استنصت المستملي أهلَ المجلس ثم الشيخ يُبَسمِل ويدعو ويقول: الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على كل حال، والصلاة والسلام الأَتمَّان على سيد المرسلين، كلما ذكره الذاكرون، وكُلَّما غفل عنه الغافلون، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وسائر النبيين، وآل كلٍّ وسائرِ الصالحين، نهايةَ ما ينبغي أن يسأله السائلون.
ويستحب له الثناء على شيخه في حالة الرواية عنه بما هو أهل له فقد فعل ذلك غير واحد من السلف.
ولا بأس أن يذكره بما يُعرَفُ به من لقبٍ أو نسبةٍ، ولو إلى أُمٍّ أو صنعة أو وصفٍ في بدنه.
وحَسَنٌ أن يجمع في إملائه جمعًا من شيوخه، مُقدِّمًا أفضلهم ويُملي عن كل شيخ حديثًا، ويختار ما علا سنده وقَصُر متنه، ويُنبِّه على ما فيه من علوٍ وفائدةٍ وضبط مشكل.
ويتجنب ما لا يحتمله عقول الحاضرين، أو يخاف عليهم الوهم في فَهمه ويستحب أن يتخذ مُستمليًا مُحصِّلًا مُتيقظًا، يُبلِّغ عنه إذا كثر الجمع ويستملي مُرتفعًا على مكانٍ، كالكرسي ونحوه، وإلا قائمًا.
وعليه تبليغ لفظه على وجهه، ثم يختم إملاءه بشيء من الحكايات
[ ١٦٩ ]
والنوادر والإنشادات في الزهد والآداب ومكارم الأخلاق.
وإذا قصر المحدث عن التخريج، أو اشتغل عنه، استعان ببعض الحفاظ في التخريج له، فإذا فرغ من الإملاء قابل ما أملاه.
[ ١٧٠ ]
الفصل الثاني
في أدب الطالب:
ينبغي في طلبه أن يبتهل إلى الله تعالى في التوفيق والتيسير، ويأخذ نفسه بالآداب السَّنِيَّة والأخلاق المرضية، وقد تقدم الكلام في السِّن الذي يبتدئ فيه بسماع الحديث، وليغتنم مدة إمكانه، ويفرغ جهده في تحصيله، وليبدأ بسماع أرجح شيوخ بلده إسنادًا وعلمًا ودينًا وشهرة، فإذا فرغ من مهمات بلده، رحل في الطلب، فإن الرحلة من عادة الحفاظ المبرَّزين، ولا يحمله الشره في الطلب على التساهل في السماع والتحمل، فيخل بشيء من شروطه، وليعمل بما يمكنه العمل به مما يسمعه من الحديث في أنواع العبادات والآداب؛ فذلك زكاة الحديث كما قال بشر الحافي: يا أصحاب الحديث! أدُّوا زكاة هذا الحديث؛ اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، وهو سبب حفظه.
وليُعَظِّم شيخه وكل من يسمع منه؛ فإن ذلك من إجلال العلم، وليَتَحرَّ رضاه ولا يُطيل عليه، بحيث يضجره، فربما كان ذلك سبب حرمانه.
وعن الزهري قال (١): إذا طال المجلس، كان للشيطان فيه نصيب.
وليستشر شيخه في أموره، وكيفية ما يعتمده من أشغاله، وما يشتغل فيه وإذا فاز بفائدة؛ أرشد غيره من الطلبة إليها، فإنَّ كتمان ذلك لومٌ يُخاف
_________________
(١) أخرجه الخطيب في الجامع (٢/ ١٢٨)، بسنده إلى الزهري.
[ ١٧١ ]
على فاعله عدم النفع، فإن بركة الحديث أفادته، وبنشره ينمو.
ولا يمنعه الحياء والكِبر من السَّعي في التحصيل، وأَخْذِ العلم ممن دونه في سنٍّ أو نَسبٍ أو منزلةٍ، وليصبر على جفاء شيخه، وليتعنّ بالمهم، ولا يضيع زمانه في الإكثار من الشيوخ بمجرد الكثرة.
وليكتب وليسمع ما يقع له من كتاب أو جزء بكماله، ولا ينتخب منه لغير ضرورة، فإن احتاج إليه تولاَّه بنفسه، فإن قصر عنه، استعان بحافظ.
ولا يقتصر على مجرد سماعه وكَتْبه دون معرفته وفَهمه، بل يتعرف صحته وضعفه ومعانيه وفقهه وإعرابه ولغته وأسماء رجاله، ويحقق كل ذلك ويعتني بإتقان مشكله حفظًا وكتابة.
ويقدم في ذلك كله الصحيحين، ثم بقية كتب الأئمة، كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، ثم كتاب السنن الكبير للبيهقي؛ فإنَّا لا نعلم مثله في بابه، ثم من المسانيد؛ كمسند الإمام أحمد بن حنبل، وغيره ثم من كتب العِلَل؛ كتابه (١)، وكتاب الدارقطني.
ومن التواريخ؛ تاريخ البخاري، وابن أبي خيثمة.
ومن كتب الجرح والتعديل؛ كتاب ابن أبي حاتم.
ومن مشكل الأسماء؛ كتاب ابن ماكولا.
ويعتني بكتب غريب الحديث وشروحه، كلما مر به مشكل بحث عنه
_________________
(١) يعني كتاب العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد.
[ ١٧٢ ]
وأتقنه ثم حفظه وكتبه.
ويتحفظ الحديث قليلًا قليلًا، ويشتغل بالتَّخريج والتصنيف، إذا تأهل له مُعتنيًا بشرحه وبيان مشكله وإتقانه، فقلَّ ما تَمَهَّر في علم الحديث من لم يفعله.
ولعلماء الحديث في تصنيفه طريقان:
أجودهما: على الأبواب؛ كما فعله البخاري ومسلم، فيذكر في كل باب ما عنده فيه.
الثاني: على المسانيد؛ فيجمع في ترجمة كل صحابي ما عنده من حديثه صحيحه وضعيفه، وعلى هذه الطريقة يرتب على الحروف أو على القبائل فيقدم بنو هاشم، ثم الأقرب، فالأقرب، وقد يرتب بالسابقة، فيقدم العشرة ثم أهل بدر، ثم الحديبية، ثم من هاجر بينها وبين الفتح، ثم أصاغر الصحابة ثم النساء، يبدأ بأمهات المؤمنين.
[ ١٧٣ ]
الفصل الثالث
في أدب الكاتب:
اختلف السلف في كتابة الحديث، فكرهها طائفة وأباحها أخرى.
ثم أجمع أتباع التابعين على جوازه، فقيل أول من صنَّف فيها ابن جُرَيج وقيل مالك، وقيل الربيع بن صُبيح، ثم انتشر تدوينه وجمعه، وظهرت فوائد ذلك ونفعه.
وعلى كَاتِبهِ صرف الهمة إلى ضبطه، وتحقيقه شَكلًا ونَقطًا، بحيث يُؤمَن اللبس معه، ولا يشتغل بتقييد الواضح، ثم قيل يشكل الجميع لأجل المبتدئ وغير المتبحر، ويكون اعتناؤه بضبط الملتبس من أسماء الرجال أكثر، لأنه نَقْلي مَحض، ويُستحب ضبط المُشكِل في المتن وبيانه في الحاشية، لأنه أبلغ ويحقق حروف الخطِّ ولا يعلقه تعليقًا، ولا يُدققه لتخفيف حمله في السفر فإن الخط علامة، فأحسنه أبينه.
قال بعضهم: أكتب ما ينفعك وقت حاجتك إليه، أي وقت الكبر وضعف البصر.
ولا يصطلح مع نفسه برمز لا يعرفه الناس، إلا أن يبين مراده في أول الكتاب ليعرفه من يقف عليه، ويعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها فيجعل كتابه على رواية، ثم ما كان في غيرها من زيادة ألحقها في الحاشية أو نقص أَعلَم عليه، أو خلاف نبَّه عليه، ويُسمي روايةً مبينًا.
[ ١٧٤ ]
فروع:
الأول: يجعل بين كل حديثين دارةً، واستحب الخطيبُ (١) أن يكون غَفْلًا أي بلا علامة فإذا قابل، نَقَطَ وسطها.
ولا يكتب المضاف في آخِر سطر والمضاف إليه في أول الآَخر، وإذا كتب اسم الله تعالى، اتبعه بالتعظيم، كعز وجل ونحوه، ويحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله - ﷺ - كلَّما كتبه، ولا يسأم من تكراره وإن لم يكن في الأصل، ومن أغفل ذلك حُرِم حظًّا عظيمًا، ويصلي بلسانه على النبي - ﷺ - كلما كتبه أيضًا، وكذلك التَّرضِّي والترحم على الصحابة والعلماء ويكره الاقتصار على الصلاة دون التسليم وبالعكس.
روى ابن الصلاح عن حمزة الكِناني (٢): قال كنت أكتب الحديث وأكتفي بالصلاة على رسول الله - ﷺ -، فرأيت النبي - ﷺ - في المنام، فقال لي مالك لا تُتِم الصلاة عليَّ؟ قال: فما كتبت بعد ذلك الصلاة إلا مع التسليم.
ويكره الرمز بالصلاة، والترضي في الكتابة، بل يكتب ذلك بكماله.
وعليه مقابلة كتابه بأصل شيخه، وإن كان إجازة، ويكفي مقابلة ثقة ولو بفرع قُوبِل بأصل الشيخ، فإن لم يُقابَل به وكان الناقل صحيح النقل قليل السقط ونقل من الأصل، فقد جوَّز الرواية منه الأستاذ أبو إسحاق والخطيب (٣)، وغيرهما.
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٧٣).
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٧٤ - ٣٧٥).
(٣) الكفاية (ص ٢٣٩).
[ ١٧٥ ]
وإذا خرج الساقط وهو اللَّحَق بفتح اللام والحاء، فَلْيَخُط من موضع سقوطه في السطر خطًّا صاعدًا قليلًا معطوفًا بين السطرين عطفة يسيرة إلى جهة اللحق، ثم يكتب اللحق قبالة العطفةِ في الحاشية، وجهة اليمين إن اتَّسعت أَولَى، إلا أن يسقط في آخر السطر، وليكتبه صاعدًا إلى أعلى الورقة، ثم إن زاد اللحق على سطر، ابتدأ سطوره من جهة طرف الورقة إن كان في عين الورقة، بحيث ينتهي سطوره إلى أسطر الكتاب، وإن كان في الشِّمال ابتدأ بالأسطر من جهة أسطر الكتاب، ثم يكتب في انتهاء اللحق "صح" ولا بأس بكتابة الفوائد المهمة على حواشي كتاب يملكه، لا بين الأسطر.
الثاني: التصحيح والتمريض والتضبيب، من شأن المتقنين، فالتصحيح كتابة "صح" فيما عرضة الشك أو الخلاف، ليدل على صحته روايةً ومعنًى.
والتَّضْبِيبُ، وقد يسمى التمريض: أن يمُد خطًّا أوَّله كرأس الضاد، على ثابتٍ نقلًا فاسد لفظًا أو معنى، أو على ضعيف أو ناقص.
ومن الناقص موضع الإرسال أو الانقطاع، وربما اقتصر بعضهم على الصاد المجردة في علامة التصحيح فأشبهت الضبة، وإذا وقع في الكتاب خطأ وحققه، كتب عليه "كذا" صغيرة، وكتب في الحاشية صوابه كذا إن تحققه وإن وقع فيه ما ليس منه، نُفِي بالضرب أو الحكِّ.
وإذا ضرب، يَخُطّ فوقه خطًّا بيِّنًا مُختَلِطًا به، ويتركه ممكن القراءة، فإن كان الضرب على مكرر، فقيل على الثاني، وقيل يُبقى أحسنهما
[ ١٧٦ ]
وأبينهما صورة.
وفصَّل القاضي عِياض ﵀ فقال (١): إن كان المتكرران في أول السطر ضرب على الثاني، وإن كان في آخره، ضرب على أولهما، صيانة لأوائل الأسطر وأواخرها، فإن كان أحدهما في أول سطر والآخَر آخِره، ضرب على ما في آخِره لأن أول السطر أولى بالمراعاة.
وأما الحك والكشط، فكرهما أهل العلم للتهمة.
والثالث: غلب على كَتَبَةِ الحديث، الاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا وشاع بحيث لا يخفى، فيكتبون مِن حدثنا: (ثنا) أو (نا) أو (دنا).
ومن أخبرنا (أنا) أو (بنا) أو (رنا).
وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد مُسمى "حاء" مفردة مهملة صورة (ح) لأن حاء اسم ومُسمَّاه (ح) كما أن الصاد اسم ومسماه (ص).
قال ابن الصلاح (٢): ولم يأتنا عن أحد ممن يُعتَمَد، بيان لأمرها، غير أني وجدت بخط جماعة من الحفاظ في مكانها بدلًا عنها "صح" صريحه وهذا يشعر بكونها رمز إلى صح، وحَسُن إثباته لِئَلاَّ يُتَوَهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولِئلا يُركَّب الإسناد الثاني على الإسناد الأول فيُجعَلا إسنادًا واحدًا.
وعن بعض الأصبهانيين، أنها من التَّحَول من إسناد إلى إسناد، وقيل
_________________
(١) الإلماع (ص ١٧٢).
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٨٥).
[ ١٧٧ ]
من حائل، أي تَحُولُ بين الإسنادين، وليست من الحديث، فلا يُتَلفظ بشيء عند الانتهاء إليها في القراءة.
وقال بعض المتأخرين: هي إشارة إلى قولنا "الحديث".
وحُكِى عن جميع أهل المغرب أنهم يقولون إذا وصلوا إليها في القراءة "الحديث".
وقال بعض البغداديين: من العلماء من يقول إذا انتهى إليه في القراءة (حا) مقصورة ويَمرّ، هذا هو المختار الأحوط الأعدل، والله أعلم.
الرابع:
قال الخطيب (١): ينبغي للطالب أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه وكنيته ونسبه، ثم يسوق ما سمعه منه على لفظه، ويكتب فوق سطر التسمية أسماء من سمع معه، وتاريخ السماع، وإن أحب كتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب، كذا فعله الشيوخ.
ولا بأس بكتبه آخر الكتاب، وحيث لا يخفى منه، وينبغي أن يكون التسميع بخط شخص موثوق به معروف الخط، ولا بأس عند ذلك في أن لا يكتب المستمع خطه بالتصحيح، ولا بأس على صاحب الكتاب إذا كان موثوقًا به أن يقتصر على إثبات سماعه بخط نفسه، فقد فعله الثقات، وعلى كاتب السماع التحرِّي في ذلك، وبيان السامع والمستمع والمسموع، بلفظ بيِّن واضح، وعليه تجنب التساهل فيمن ثَبت اسمه، والحذر من
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٦٨).
[ ١٧٨ ]
إسقاط بعض السامعين لغرض فاسد، وإذا لم يحضر مُثبِت السَّماع مجلسًا، فله أن يعتمد في حضورهم خبر الشيخ أو خبر ثقة حضره، ومن أثبت سماع غيره في كتابه قَبُح منه كتمانه أو منعه نسخه أو نقل سماعه، وإذا أعاره إياه فلا يبطئ به وإن منعه الكتاب، فإن كان سماع المستعير قد أُثبِت في كتابه بخطه، لزمه إعارته إياه وإلا فلا يلزمه، لأن خطه يدل على رضاه.
روى الخطيب (١) عن قاضٍ تُحُوكِمَ إليه في ذلك، قال للمدَّعى عليه: إن كان سماعه في كتابك بخطك يلزمك أن تعيره، وإن كان بغير خطك فأنت أعلم.
هكذا قال الأئمة الأجلة، حفص بن غياث القاضي الحنفي، وإسماعيل القاضي المالكي، وأبو عبد الله الزبيري الشافعي.
ولا ينبغي لأحد أن يكتب السماع في كتاب لم يصحح تصحيحًا مرضيًا كيلا يغير بصحته، إلا أن يبين كون النسخة غير مقابلة، وإذا قابل كتابه أَعْلَمَ على مواضع وقُوِفِه وإن كان في السَّماع كتب:
بلغ في المجلس الأول والثاني إلى آخرها.
ولنَخْتِم الخَاتِمِة بِخِتَام خَاتَم الأنبيَاءِ وسَيدِ المُرسَليِن - ﷺ -، وهو قوله - ﷺ -:" يَحْمِلُ هذَا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه يَنْفُوُنَ عنهُ تَحرِيفَ الغَالِين وانتِحَالَ المُبطِلِين وَتَأويِلَ الجَاهِلِين" (٢).
_________________
(١) الجامع (ص ٢٤١).
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٧٣)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبير (١٠/ ٢٠٩).
[ ١٧٩ ]
رواه محيي السنة في المصابيح (١).
"مِن" في الحديث كما في التنزيل:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر﴾ (٢)
جرد من الخلف الصالح، العدول النُقَّاب الثقات (٣)، وهم هم، تفخيمًا لأمرهم وتعظيمًا لشأنهم، وينفون استئناف كأنه قيل: لم خُص هؤلاء بهذه المَنْقَبة العَليَّة؟
فأجيب لأنهم يَحمُون مَشَارِع الشَّريعة، ومتون الروايات، من تحريف الغالين، والأسانيد من الانتحال والقلب، وتولي الكاذبين، والمتشابه من تأويل الزائغين، بنقل النصوص المحكمة، لرد المتشابه إليها، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤتِيِه مَنْ يَشَاء وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيم.
تَمَّ المُختَصَر في عِلمِ الحَدِيثِ والحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ
وصلَّى اللهُ علَى سَيِّدِنَا محمَّدٍ
وآلهِ وصَحبِه وسَلَّم
وَحَسْبُنَا اللهُ
وَنِعمَ
الوَكِيلْ
_________________
(١) ينظر مشكاة المصابيح (٢٤٨).
(٢) سورة آل عمران (١٠٤).
(٣) قوله "النقاب الثقات" في المطبوعة "الثقات الثقات" والمثبت من آيا صوفيا، و(د).
[ ١٨٠ ]