المطلب الأول: من هو الصّحابيّ.
أولًا: الصّحابيّ لغة: قال ابن سيدة:" الصُحبة - المعاشرة صحِبَه صُحبة وصَحابة وصِحابة وَصَاحبه والصاحب - المعاشِر" (١).
ثانيًا: الصّحابيّ في اصطلاح المحدثين:
قال الحافظ العراقي:" فالعبارة السالمة من الاعتراض أن يقال الصحابي من لقي النبي - ﷺ - مسلما ثم مات على الإسلام؛ ليخرج من ارتد ومات كافرًا" (٢).
وقال ابن حجر:"وهو من لقي النبيَّ - ﷺ - مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح. والمراد باللقاء: ما هو أعم: من المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، ويدخل فيه رؤية أحدهما الآخر، سواء كان ذلك بنفسه أم بغيره. والتعبير باللقي أولى من قول بعضهم: الصحابي من رأى النبي - ﷺ -؛ لأنه يخرج ابن أم مكتوم، ونحوه من العميان، وهم صحابة بلا تردد" (٣).
وقال السّيوطيّ:" ولا يشترط البلوغ على الصّحيح، وإلا لخرج من أجمع على عدّه في الصّحابة" (٤).
فالصحابي هو من لقي النبي - ﷺ - حال حياته ومات على الاسلام.
وقولنا: (من لقي النّبيّ - ﷺ -): يشمل كل من لقيه في حياته، وأمّا من رآه بعد موته قبل دفنه - ﷺ - فلا يكون صحابيّا كأبي ذؤيب الهذليّ الشّاعر فإنه رآه قبل دفنه (٥).
وقولنا: (مسلمًا): خرج به من لقيه كافرًا وأسلم بعد وفاته، كرسول قيصر فلا صحبة له.
وقولنا: (ومات على إسلامه): خرج به من كفر بعد إسلامه ومات كافرًا (٦).
_________________
(١) ابن سيدة، المخصص ٣/ ٤٢٩.
(٢) المصدر نفسه ٢/ ١٢٠.
(٣) ابن حجر، نزهة النظر ص١٤٠ - ١٤١.
(٤) السيوطي، تدريب الرّاوي ٢/ ٢١١.
(٥) ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب ٤/ ١٦٤٨.
(٦) ينظر: ابن حجر، نزهة النظر ٢/ ١٤٠.
[ ٤ ]
أولا: التواتر
ثانيا: الشهرة أو الاستفاضة
ثالثا: أن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي
رابعا: أن يخبر أحد التابعين بأنه صحابي
خامسا: أن يخبر هو عن نفسه بأنه صحابي
أما من ارتدّ بعده ثم أسلم ومات مسلمًا، فقال العراقيّ: "فيهم نظر، لأن الشّافعيّ وأبا حنيفة نصّا على أن الردّة محبطة للصّحبة السابقة، كقرّة بن ميسرة والأشعث بن قيس" (١).
وجزم الحافظ ابن حجر ببقاء اسم الصّحبة له كمن رجع إلى الإسلام في حياته، كعبد اللَّه بن أبي سرح (٢).
المطلب الثاني: طرق ثبوت الصحبة (٣):
أولًا: التّواتر، وهو رواية جمع عن جمع يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وبقيّة العشرة المبشّرين بالجنّة﵃.
ثانيًا: الشّهرة أو الاستفاضة، كما في أمر ضمام بن ثعلبة، وعكاشة بن محصن، وياسر والد عمار ﵃.
ثالثًا: أن يروى عن آحاد الصّحابة أنّه صحابي، كما في "حممة بن أبي أحممة الدّوسي" الّذي مات بأصبهان مبطونًا فشهد له أبو موسى الأشعريّ أنه سمع النَّبيَّ - ﷺ - حكم له بالشهادة، هكذا ذكره أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٤).
رابعًا: أنْ يخبر أحد التّابعين بأنّه صحابي بناءً على قبول التّزكية من واحد عدل وهو الرّاجح.
خامسًا: أن يخبر هو عن نفسه بأنّه صحابيٌّ بعد ثبوت عدالته ومعاصرته، فإنّه بعد ذلك لا يقبل ادّعاؤه بأنّه رأى النبيَّ - ﷺ - أو سمعه، لقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: " أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنّه على رأس مائة سنة منه لا يبقى أحد ممّن على ظهر الأرض أحد " (٥).
_________________
(١) العراقي، شرح الألفية ٢/ ١٢٠.
(٢) ابن حجر، نزهة النظر ص١٤١،وينظر: العراقي، شرح الألفية ٢/ ١٢٠.
(٣) ينظر: ابن حجر، نزهة النظر ص١٤٠،والسخاوي، فتح المغيث ٤/ ٩٠ - ٩١، والسيوطي، تدريب الراوي ٢/ ١٠٨ وأبو شهبة، الوسيط، ص٧٦٧.
(٤) أبو نعيم، تاريخ اصبهان ١/ ٩٩.
(٥) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١١٦)، ومسلم، المسند الصحيح ٤/ ١٩٦٥ (٢٥٣٧) وغيرهما.
[ ٥ ]
يريد بهذا انخرام ذلك القرن، وقد قال النبي - ﷺ - ذلك في سنة وفاته، ومن هذا المأخذ لم يقبل الأئمّة قول من ادّعى الصّحبة بعد الغاية المذكورة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر ضابطا يستفاد منه معرفة جمع كثير من الصّحابة يكتفى فيهم بوصف يتضمّن أنهم صحابة، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار (١):
أحدها: أنهم كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصّحابة، فمن تتبّع الأخبار الواردة من الرّدة والفتوح وجد من ذلك الكثير.
ثانيها: أن عبد الرّحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي - ﷺ - فدعا له، وهذا أيضا يوجد منه الكثير.
ثالثها: أنه لم يبق بالمدينة ولا بمكّة ولا الطّائف ولا من بينها من الأعراف إلا من أسلم وشهد حجّة الوداع، فمن كان في ذلك الوقت موجودًا اندرج فيهم، لحصول رؤيتهم للنبيّ - ﷺ - وإن لم يرهم هو.
المطلب الثالث: فضلهم ومنزلتهم في الكتاب والسنة:
نصَّ القرآن الكريم على فضلهم وتزكيتهم في آيات كثيرة منها:
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). وغيرها من الآيات.
وفي نصوص السّنّة النبويّة المشرّفة أمثلة كثيرة منها:
عن أبي سعيد عن النّبي - ﷺ - قال: " لا تسبّوا أصحابي، فو الّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه" (٣).
وعن عبد اللَّه بن مغفّل المزنيّ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "اللَّه اللَّه في أصحابي، اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه" (٤).
_________________
(١) ابن حجر، الإصابة ١/ ١٦١.
(٢) سورة التوبة/ ١٠٠.
(٣) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٣٦٧٣) ومسلم، المسند الصحيح ٤/ ١٩٦٧ - ١٩٦٨ (٢٥٤١).
(٤) أخرجه أحمد، المسند ٤/ ٨٧، التّرمذي، الجامع ٥/ ٦٥٣،وغيرهما.
[ ٦ ]
وعن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -:" خير أمّتي القرن الّذي بعثت فيهم، ثمّ الَّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم" (١).قال ابن عبّاس:" أصحاب محمد - ﷺ - اصطفاهم اللَّه لنبيه ﵇" (٢).
فالصحابة كلهم عدول، وهم أمناء الله في أرضه، أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة، عن أبيه، قال: صلينا المغرب مع رسول الله - ﷺ -، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء قال فجلسنا، فخرج علينا، فقال: "ما زلتم هاهنا؟ " قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال:" أحسنتم أو أصبتم " قال فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون (٣).
قال الإمام النّوويّ: "الصّحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتدّ به" (٤).
وقال أبو زرعة الرّازيّ:" إذا رأيت الرّجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - فاعلم أنه زنديق، وذلك أنّ الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة، وهؤلاء الزّنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسّنّة فالجرح بهم أولى" (٥).
قال ابن الصّلاح: "ثم إنّ الأمة مجمعة على تعديل جميع الصّحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتدّ بهم في الإجماع؛ إحسانا للظّنّ بهم ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن اللَّه ﷾ أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشّريعة" (٦).
قال الخطيب البغداديّ في الكفاية مبوبًا على عدالتهم:"ما جاء في تعديل اللَّه ورسوله للصّحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم كل حديث اتّصل إسناده بين من رواه وبين النّبيّ - ﷺ - لم يلزم
_________________
(١) أخرجه مسلم، المسند الصحيح ٤/ ١٩٦٤ (٢٥٣٥)، وغيره.
(٢) البغوي، شرح السنة ١٤/ ٦٨.
(٣) المصدر نفسه ٤/ ١٩٦١ (٢٥٣١).
(٤) النووي، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث ص٩٢.
(٥) ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٨/ ٣٢.
(٦) ابن الصلاح، مقدمة علوم الحديث ص٢٩٥.
[ ٧ ]
العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النّظر في أحوالهم سوى الصّحابي الّذي رفعه إلى رسول اللَّه - ﷺ -، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن" (١).
والأخبار في هذا المعنى تتّسع، وكلها مطابقة لما ورد في نصّ القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصّحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللَّه تعالى لهم، المطّلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له.
المطلب الرابع: مراتب الصحابة، وعقيدة أهل السّنّة في تفضيل الصّحابة.
قد أجمع أهل السّنّة والجماعة على أنّ أفضل الصّحابة بعد النّبيِّ - ﷺ - على الإطلاق: أبو بكر ثم عمر ﵄.
قال القرطبي:"ولم يختلف أحد في ذلك من أئمّة السّلف ولا الخلف، فقال: ولا مبالاة بأقوال أهل التّشيّع ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته، وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته" (٢).
وقال البيهقيّ:" روينا عن أبي ثور عن الشّافعيّ، قال: ما اختلف أحد من الصّحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصّحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في عليّ وعثمان" (٣).
وقال العلّامة ابن الهمّام:" فضل الصّحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند اللَّه تعالى، وذلك لا يطلع عليه إلاّ رسول اللَّه - ﷺ - وقد ورد عنه ثناؤه عليهم كلهم، ولا يتحقّق إدراك حقيقة تفضيله ﵇ لبعضهم على بعض إن لم يكن سمعيّا يصل إلينا قطعيّا في دلالته إلا الشاهدين لذلك الزمان، لظهور قرائن الأحوال لهم، وقد ثبت ذلك لنا صريحًا ودلالة كما في صحيح البخاريّ من حديث عمرو بن العاص حين سأله ﵇: من أحبّ النّاس إليك من الرّجال؟ فقال: "أبوها". يعني عائشة ﵂- وتقديمه في الصّلاة على ما قدّمنا مع أن الاتّفاق على أن السّنّة أن يقدم على القوم أفضلهم علما، وقراءة، وخلقًا، وورعًا، فثبت أنّه كان أفضل الصّحابة، وصحّ من حديث ابن عمر في صحيح البخاريّ قال:"كنا في زمن النّبيِّ - ﷺ - لا نعدل بأبي بكر أحدًا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي - ﷺ - لا نفاضل بينهم" (٤).وصحّ فيه من حديث محمّد بن الحنفيّة: قلت لأبي: "أيّ النّاس خير
_________________
(١) الخطيب، الكفاية ص٤٧.
(٢) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٤٨.
(٣) البيهقي، الاعتقاد ص٣٦٩.
(٤) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٣٤٩٤).
[ ٨ ]
١ - حفظ الروايات، وأعني به حفظ الصدر وحفظ الكتاب
بعد رسول اللَّه - ﷺ -؟ فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلاّ واحد من المسلمين" (١).فهذا عليّ نفسه مصرّح بأن أبا بكر أفضل النّاس، وأفاد بعد ما ذكرنا تفضيل أبي بكر وحده على الكلّ، وفي بعض ترتيب الثّلاثة، ولما أجمعوا على تقديم عليّ بعدهم دلَّ على إنّه كان أفضل من بحضرته وكان منهم الزّبير وطلحة فثبت أنّه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة.
هذا واعتقاد أهل السّنّة تزكية جميع الصّحابة والثناء عليهم، كما أثنى اللَّه ﷾ عليهم إذ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ً﴾ (٢)." (٣).
فمنهج أهل الحق من المسلمين احترام الصحابة، وتوقيرهم، والترضي عنهم أجمعين، ونترك ما شجر بينهم، فهم خير البشر بعد النبيين.