من خلال التتبع للأحاديث النبوية نجد أن الصحابة الكرام كانت لهم سبل متعددة يتبعونها من أجل ضبط قبول الرواية أو ردها، وهو ينم عن حرصهم على سنة نبيهم، وحمايتها من الدخلة والمنتحلين، ولاسيما أن الله تعالى تكفل بحفظ الكتاب الكريم، وصار على عاتقهم حماية السنة النبوية، فكانوا أحق بحمل هذه الأمانة وأهلها، فهم خير جيلٍ عرفه التاريخ.
ومن هذه الضوابط:
_________________
(١) سورة البقرة/١٥٩.
(٢) أخرجه أحمد، المسند ٢/ ٢٧٤.
(٣) أخرجه مسلم، المسند الصحيح ٤/ ٢٠١٥ (٢٧٤٨).
(٤) اخرجه احمد، المسند ٥/ ٢٣٥.
[ ١٤ ]
الضابط الأول: عرض الرواية على النبي - ﷺ - حال حياته:
وهذا من أعظم أسباب حماية السنَّة، فهم وإنْ كانوا خير ناس، ولم يفشي بينهم الكذب، إلاّ أنهم تحرجوا من كثرة التحديث، والقبول من كل أحد، فكان بعضهم يأتي النبي - ﷺ - يسأله عن أمر ينسب إليه - ﷺ -،ومن ذلك:
ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، قال: كنا قعودًا حول رسول الله - ﷺ -، معنا أبو بكر، وعمر في نفر، فقام رسول الله - ﷺ - من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا، فقمنا، فكنت أوّل من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله - ﷺ - حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له بابًا؟ فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة - والربيع الجدول - فاحتفزت، فدخلت على رسول الله - ﷺ -، فقال: "أبو هريرة" فقلت: نعم يا رسول الله، قال: "ما شأنك؟ " قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: "يا أبا هريرة" وأعطاني نعليه، قال: "اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أنْ لا إله إلاّ الله مستيقنًا بها قلبه، فبشره بالجنة". فكان أوّل من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله - ﷺ -، بعثني بهما من لقيت يشهد أنْ لا إله إلاّ الله مستيقنًا بها قلبه، بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، فأجهشت بكاء، وركبني عمر، فإذا هو على أثري، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما لك يا أبا هريرة؟ " قلت: لقيت عمر، فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي، قال: ارجع، فقال رسول الله - ﷺ -: "يا عمر، ما حملك على ما فعلت؟ " قال: يا رسول الله، بأبي أنت، وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد أنْ لا إله إلاّ الله مستيقنًا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: "نعم ".قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله - ﷺ -: "فخلهم" (١).
فعمر بن الخطاب - ﵁ - لم يقبل الرواية عن النبي - ﷺ - من أبي هريرة - ﵁ - أولًا، حتى عرضه على النبي - ﷺ - ليتأكد من صحة الخبر، وهذا لا يعني تهمة لأبي هريرة، فربما لو جاء بهذا الخبر من جاء من الصحابة لتثبت عمر - ﵁ - من النبي - ﷺ -، اللهم إلاّ ابا بكر الصديق، لعظم مكانته عندهم، وقد مرت أمثلة تؤيد ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم، المسند الصحيح ١/ ٥٩ (٣١)،وغيره.
[ ١٥ ]
فكان عمر - الملهم- قد اجتهد في احتمال استغلال بعض ضعاف القلوب لهذا الحديث في التسويف في الاعمال، والتقصير في الطاعات (الاتكال)،كما عبر عنه عمر - ﵁ -، فأقره النبيُّ - ﷺ - على اجتهاده.
وقد فعل مثل فعل عمر - ﵁ - بعض الصحابة، ومن ذلك انّ معاذ بن جبل - ﵁ - حين حضرته الوفاة قال: اكشفوا عني سجف القبة أحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ - ". وقال مرة: أخبركم بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - لم يمنعني ان أحدثكموه إلاّ أنْ تتكلوا سمعته يقول: "من شهد ان لا إله الا الله مخلصا من قلبه أو يقينا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة" وقال مرة:"دخل الجنة ولم تمسه النار " (١).
قال النووي:" وأما دفع عمر - ﵁ - له-يريد أبا هريرة- فلم يقصد به سقوطه وإيذاءه بل قصد رده عما هو عليه وضرب بيده في صدره ليكون أبلغ في زجره " (٢).
وهنا نكتة عظيمة وهي سماع النبيِّ - ﷺ - لرأي أصحابه والنزول عنده! وهذا في منتهى الرحمة والتواضع النبوي، وهو تربية لأمته من بعده.
قال القاضي عياض:" وليس فعل عمر ومراجعة النبيِّ - ﷺ - في ذلك اعتراضًا عليه ورد الأوامر، إذ ليس فيما وجّه به أبا هريرة (٣) غير تطييب قلوب أمته وبشراهم، فرأى عمر أنّ كتم هذا عنهم أصلح لهم، وأذكى لأعمالهم، وأوفر لأجورهم ألاّ يتكلوا، وأنه أعود بالخير عليهم من مُعَجَّلة هذه البشرى، فلما عرض ذلك على النبيِّ - ﷺ - صوّبه له، وقد يكون رأي عمر للعموم وأمر النبيِّ - ﷺ - للخصوص، وخشى عمر إنْ حصل فى الخصوص أنْ يفشو ويتسع. وفى هذا الحديث من الفقه والذى قبله: إدخال المشورة على الإمام من أهل العلم والدين ومن وزرائه وخاصته .. " (٤).
وتأمل بعد قول النبي - ﷺ - لمعاذ، وكان رديفه على الرحل:"يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك- ثلاثا- قال: "ما من أحد يشهد أنْ لا إله
_________________
(١) اخرجه أحمد، المسند ٥/ ٢٣٥.
(٢) النووي، شرح مسلم ١/ ٢٢٨.
(٣) في المطبوع (معاذ)،والصواب ما أثبتناه، وهو في إحدى نسخ الكتاب كما نبه المحقق في الهامش.
(٤) القاضي عياض، إكمال المعلم شرح صحيح مسلم١/ ٢٦٤.
[ ١٦ ]
إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله، صدقًا من قلبه، إلاَّ حرمه الله على النار". قال يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: "إذا يتكلوا " وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا" (١).
قال الحافظ:"فكأن قوله - ﷺ - لمعاذ أخاف أنْ يتكلوا كان بعد قصة أبي هريرة فكان النهي للمصلحة لا للتحريم فلذلك أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ والله أعلم" (٢).
وهنا يتضح أنّ خشية التكاسل والاتكال إنما كانت متوقعة من ضعاف الإيمان أو المؤلفة قلوبهم، والدليل أنّ النبيَّ - ﷺ - خصّ بها بعض أصحابه كأبي هريرة، ومعاذ.
قال المهلب:" فيه أنه يجب أن يُخَصَّ بالعلم قوم لما فيهم من الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لقصير فهمه، كما فعل - ﷺ - " (٣).
الضابط الثاني: عرض الرواية على القرآن الكريم.
وهذا الضابط في الأصل استعمله الصحابة بعد وفاة النبي - ﷺ -،إذ لو كان النبي - ﷺ - حيًّا لردوا اختلافهم إليه.
ومن أمثلة هذا الضابط، وأمثلته كثيرة: ما أخرجه أحمد في مسنده عن قتادة عن أبى حسان الأعرج انّ رجلين دخلا على عائشة فقالا: إنّ أبا هريرة يحدث أنّ نبي الله - ﷺ - كان يقول: "إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار". قال: فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبي الله - ﷺ - كان يقول:"كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة". ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٤) إلى آخر الآية" (٥).
وقد وقع اختلاف واضح بين أهل العلم في هذا الحديث بين مقّرٍ ونافٍ له، والحديث لم ينفرد به أبو هريرة، بل رواه ابن عمر - ﵁ - (٦) وغيره، وليس الموضع موضع دراسته، وأنقل هنا كلام الإمام القرطبي في توجيه
_________________
(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١٢٨) و(١٢٩)،من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
(٢) ابن حجر، فتح الباري ١/ ٢٢٨.
(٣) ابن بطال، شرح صحيح البخاري ١/ ٢٠٧.
(٤) سورة الحديد /٢٢.
(٥) أخرجه أحمد، المسند ٦/ ٢٤٦.
(٦) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٥٤٣٨) وغيره.
[ ١٧ ]
الحديث، إذ قال:"ولا يظن بمن قال هذا القول: أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها، وتفعل عندها، فإنَّها كانت لا تقدم على ما تطيرت به، ولا تفعله بوجه بناء على أن الطيرة تضر قطعًا، فإنَّ هذا ظن خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه، ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يُلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّال لما يريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود" (١).
ومنه ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس، أن رسول الله - ﷺ -، لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفًا من حصى فحصبه به، فقال: ويلك تحدث بمثل هذا، قال عمر:"لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - ﷺ - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله ﷿: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (٢) " (٣).
فعمر - ﵁ - عرض خبر فاطمة بنت قيس على القرآن الكريم، فرآه يخالفه، فالقرآن نصّ على السكنى للمطلقة، وفاطمة روت حادثة لها مع النبي - ﷺ - معارضة لهذا، فعمر - ﵁ - ردّ حديثها معللًا ذلك بانها واحدة لعلها نسيت أو اخطأت في نقلها أو فهمها للحديث، وللعلماء في الحديث أقوال فلتنظر في محلها.
ومنه ما أخرجه الطبراني من حديث طارق بن شهاب قال: سألت عبد الله عن امرأة أرادت أن تجعل من حجها عمرة فقال:" ألم تسمع الله يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ (٤) ما أرى هؤلاء إلا أشهر الحج " (٥).
والحقيقة أنّ هذا المنهج (عرض الرواية على القرآن الكريم) قد علّمه النبي - ﷺ - لأصحابه، فمنه ما أخرجه تمام الرازي في فوائده بسنده عن أم مبشر، قالت: كنت في بيت حفصة فقال رسول الله - ﷺ -: "لا
_________________
(١) القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص شرح مسلم ١٨/ ١٠٤.
(٢) سورة الطلاق/١.
(٣) أخرجه مسلم، المسند الجامع ٢/ ١١١٨ (١٤٨٠).
(٤) سورة البقرة/١٩٧.
(٥) الطبراني، المعجم الكبير٩/ ٣٤٢ (٩٧٠٣).
[ ١٨ ]
يدخل النار إنْ شاء الله أحد شهد بدرًا والحديبية". قالت: فقالت حفصة: ألست تسمع الله يقول: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١)، فقال:" أولست تسمعين الله ﷿ يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ (٢) " (٣).
وكذا الموقف التاريخي العظيم لأبي بكر الصديق في أوّل امتحان حقيقي للصحابة في وفاة النبي - ﷺ -،إذ أخرج البخاري من حديث أمِّ المؤمنين عائشة: أنّ رسول الله - ﷺ - مات وأبو بكر بالسنح، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله - ﷺ -.قالت وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله - ﷺ - فقبله، قال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدا - ﷺ - فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت. وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (٤). وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٥). . فنشج الناس يبكون " (٦).
فالقرآن الكريم البوصلة الصحيحة التي لا يضل من تمسك بها، ولا يزيغ عنها إلا هالك.
وهكذا يجد الباحث أنّ الصحابة الكرام جعلو من القرآن الكريم ضابطًا لهم في قبول الرواية أو ردها، ولا سيما بعد وفاة النبي - ﷺ -.
الضابط الثالث: عرض الرواية على المحفوظ من السنة النبوية (بعد وفاته - ﷺ -).
ومن الضوابط التي اعتمدها الصحابة الكرام في نقد الراويات عرضها على الثابت المحفوظ من الأحاديث، وقد نفعهم في هذا قربهم من النبي - ﷺ - ومجالستهم.
ومن ذلك: ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان - ﵁ - بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس ﵃ وإني لجالس بينهما أو قال
_________________
(١) سورة مريم /٧١.
(٢) سورة مريم /٧١.
(٣) تمام الرازي، الفوائد (١٢٧٥).
(٤) سورة الزمر/٣٠.
(٥) سورة آل عمران/١٤٤.
(٦) البخاري، الجامع الصحيح (٣٤٦٧).
[ ١٩ ]
جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر ﵄ لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإنّ رسول الله - ﷺ - قال:" إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ". فقال ابن عباس ﵄ قد كان عمر - ﵁ - يقول بعض ذلك ثم حدث قال صدرت مع عمر - ﵁ - من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال أذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال فنظرت فإذا صهيب فأخبرته فقال: ادعه لي فرجعت إلى صهيب، فقلت: أرتحل فالحق أمير المؤمنين فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول وا أخاه وا صاحباه. فقال عمر - ﵁ -: يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله - ﷺ -:" إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ". قال ابن عباس ﵄ فلما مات عمر - ﵁ - ذكرت ذلك لعائشة ﵂ فقالت: رحم الله عمر والله ما حدّث رسول الله - ﷺ - إنّ الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله - ﷺ - قال:"إنّ الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه".وقالت حسبكم القرآن ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) قال ابن عباس ﵄ عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى" (٢).
قال الحافظ:" وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من معارضة القرآن" (٣).
قال القرطبي:" قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنها لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لإنكارها، فإن الرواة لهذا المعنى كثير، كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم. ولا معارضة بين الآية والحديث، فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته، كما كانت الجاهلية تفعل" (٤).
وقد وقع خلاف في الحديث بشكل كبير، بعضهم ذهب إلى مذهب السيدة عائشة ﵂، وبعض ذهب المذهب الآخر، وبعضهم وفّق بينهما كما فعل الإمام البخاري إذ بوب في صحيحه (باب قول النبي - ﷺ - "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه ". إذا كان النوح من سنته) (٥).
_________________
(١) هذه جزء من آية وردت في سورة: الانعام /١٦٤والإسراء/ ١٥،وفاطر/١٨والزمر/٧.
(٢) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١٢٢٦) و(١٢٢٨) و(١٢٣٠)، ومسلم، المسند الصحيح ٢/ ٦٤١ (٩٢٧و٩٢٨و٩٢٩) وغيرهما.
(٣) ابن حجر، فتح الباري ٣/ ١٥٤.
(٤) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٣١.
(٥) البخاري، الجامع الصحيح١/ ٤٣٠ باب ٣٢، وينظر: ابن حجر، فتح الباري ٣/ ١٥٤.
[ ٢٠ ]
فأم المؤمنين عارضت حديث عمر وغيره من الصحابة بما تحفظه من سنّة المصطفى - ﷺ -، وبفهمها لكتاب الله تعالى.
ومنه ما أخرجه الطحاوي من طريق عروة بن الزبير، قال: بلغ عائشة ﵂: أنّ أبا هريرة يقول: إنّ رسول الله - ﷺ - قال:" لأنْ أمتع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا، وإن رسول الله - ﷺ - قال: ولد الزنا شر الثلاثة، وإن الميت يعذب ببكاء الحي". فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة أساء سمعًا فأساء إجابة" (١).
قال الطحاوي:" قول رسول الله - ﷺ - الذي ذكره عنه أبو هريرة: " ولد الزنى شر الثلاثة " إنما كان لإنسان بعينه كان منه من الأذى لرسول الله - ﷺ - ما كان منه مما صار به كافرًا شرًا من أمه، ومن الزاني بها الذي كان حملها به منه" (٢).
فأم المؤمنين عائشة ﵂ ردّت حديث أبي هريرة - ﵁ - بما تحفظه من حديث النبي - ﷺ -، وقد يكون كذلك من معارضته – بفهمها واجتهادها – للقرآن لكريم، ويؤيده ما جاء في أحد طرق الحديث أن عائشة ﵂ كانت إذا قيل لها: هو شر الثلاثة (يعني ولد الزنا)، عابت ذلك وقالت: "ما عليه من وزر أبويه، قال الله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) " (٤).
ومنه أيضًا ما أخرجه أبو داود من حديث عدي بن ثابت الأنصاري: حدثنى رجل أنّه كان مع عمّار بن ياسر بالمدائن فأقيمت الصلاة فتقدم عمّار وقام على دكان يصلى والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله - ﷺ - يقول:" إذا أم الرجل القوم فلا يقم فى مكان أرفع من مقامهم ". أو نحو ذلك، قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي" (٥).فحذيفة - ﵁ - إنما انتقد فعل عمار بما يحفظه من سنة النبي - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه الطحاوي، مشكل الآثار (٩١٠)،والحاكم، المستدرك على الصحيحين ٢/ ٢١٥،والبيهقي، معرفة السنن والآثار ١٤/ ٣٤٣.
(٢) الطحاوي، شرح المشكل ٢/ ٢٦٩.
(٣) هذه جزء من آية وردت في سورة: الانعام /١٦٤والإسراء/ ١٥،وفاطر/١٨والزمر/٧.
(٤) أخرجه عبد الرزاق، المصنف (١٣٨٦٠) و(١٣٨٦١)،والحاكم، المستدرك ٤/ ١٠٠، والبيهقي، السنن ١٠/ ٥٨.
(٥) أبو داود، السنن (٥٩٨) وروي عن أبي مسعود - ﵁ - أيضًا كما في السنن (٥٩٧)،وهو مما يعضد هذا الحديث.
[ ٢١ ]
وقد يعارض هذا الحديث بحديث إمامة النبي - ﷺ - على المنبر، وقد وجهه العلماء بتوجيهات عدة، منها أن حديث المنبر منسوخ، يقول الإمام القرطبي:" قلت: فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر فدل على أنه منسوخ، ومما يدل على نسخه أن فيه عملا زائدًا في الصلاة، وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام" (١).
ومنه أيضًا ما أخرجه أحمد من حديث ابن المسيب قال: خرج عثمان - ﵁ - حاجًا حتى إذا كان ببعض الطريق قيل لعلي رضوان الله عليهما أنّه قد نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال علي - ﵁ - لأصحابه: إذا ارتحل فارتحلوا فأهل علي وأصحابه بعمرة فلم يكلمه عثمان - ﵁ - في ذلك، فقال له علي - ﵁ - ألم أخبر إنّك نهيت عن التمتع بالعمرة؟ قال: فقال: بلى. قال: فلم تسمع من رسول الله - ﷺ - تمتع؟ قال: بلى " (٢).
قال السندي:" والحاصل أنّ عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما كانا يريان أن التمتع في وقته - ﷺ - كان بسبب من الأسباب وتركه أفضل وعلي كان يراه أنه السنة أو أفضل، والله تعالى أعلم" (٣).
وعلي أية حال فالذي يعنينا معارضة علي لنهي عثمان ﵄ عن التمتع بالعمرة إلى الحج بما يحفظ من سنة النبي - ﷺ -.
الضابط الرابع: عرض الرواية على كبار الصحابة.
من البدهي أن حفظ الصحابة الكرام متفاوت وأن فقههم متفاوت، نصّ عليه القرآن الكريم بقوله تعالى ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٤).
فلو كان الصحابة كلهم على قدر متساوٍ من الفقه والحفظ والاستنباط لما أمرهم رب العزة بردّ الأمر إلى النبي - ﷺ - في حضوره حال حياته، وإلى فقهاء الصحابة وأهل العلم منهم في غياب النبي - ﷺ - أو بعد وفاته.
أخرج أحمد وغيره من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن
_________________
(١) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن١١/ ٥٨،وينظر: ابن رجب، فتح الباري٢/ ٤٥٥،والشيقينطي، أضواء البيان٣/ ٣٧٣.
(٢) أخرجه أحمد، المسند ١/ ٥٤،والنسائي، السنن ٥/ ١٥٣،وغيرهما.
(٣) السندي، شرح سنن النسائي ٥/ ١٥٢.
(٤) سورة النساء/٨٣.
[ ٢٢ ]
ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" (١).
وهذا التكامل بين الصحابةالكرام هو من بلغ بهم ما بلغ، لذا كان بعض الصحابة يتحرى من الصحابي الأخر صحة حديث طرق سمعه لم يكن سمعه من قبل، إما لكونه لم يحضر ذلك المجلس كلّه أو بعضه، أو لتأخر اسلامه عن زمن تحديث النبي - ﷺ -. فهذا ضابط معتبر عند الصحابة الكرام في قبول الأحاديث.
ومن ذلك: ما أخرجه عبد الررزاق في مصنفه من حديث قبيصة بن جابر الأسدي، قال: كنت محرمًا فرأيت ظبيًا فرميته، فأصبت خُشَشَاءَهُ -يعني أصل قرنه- فركب ردعه، فوقع في نفسي من ذلك شيء، فأتيت عمر بن الخطاب أسأله فوجدت لما جئته رجلا أبيض رقيق الوجه، وإذا هو عبد الرحمن بن عوف قال: فسألت عمر فالتفت إلى عبد الرحمن، فقال: "ترى شاة تكفيه؟ " قال: نعم فأمرني أن أذبح شاة "، فقمنا من عنده، فقال صاحب لي: إنّ أمير المؤمنين لم يحسن أنْ يفتيك حتى سأل الرجل فسمع عمر كلامه، فعلاه عمر بالدرة ضربا، ثم أقبل علي عمر ليضربني، فقلت: يا أمير المؤمنين لم أقل شيئا إنما هو قاله قال: فتركني، ثم قال: "أردت أن تقتل الحرام وتتعدى الفتيا" قال: " إن في الإنسان عشرة أخلاق، تسعة حسنة، وواحدة سيئة، فيفسدها ذلك السيئ، وقال: إياك، وعثرة الشباب" (٢).
ومن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث مالك بن أوس بن الحدثان قال: جئت بدنانير لي فأردت ان أصرفها فلقينى طلحة بن عبيد الله فاصطرفها وأخذها، فقال: حتى يجئ سلم خازني -قال أبو عامر من الغابة- وقال فيها كلها: هاء وهاء. قال فسألت عمر بن الخطاب - ﵁ - عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:" الذهب بالورق ربا إلاّ هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلاّ هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلاّ هاء وهاء والتمر بالتمر ربًا إلاّ هاء وهاء" (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ١٨٤،و٣/ ٢٨١،وابن ماجه (١٥٤) والترمذي (٣٧٩١) و، وغيرهم، وفي إسناده كلام طويل، بعضهم صححه كالترمذي وابن حبان وغيرهما، وبعضهم ضعفه بالإرسال.
(٢) أخرجه عبد الرزاق، المصنف ٤/ ٤٠٧،والطبراني، المعجم الكبير ١/ ١٢٧ (٢٥٩)،والحاكم، المستدرك ٣/ ٣٠٥،وغيرهم
(٣) أخرجه أحمد-واللفظ له- المسند ١/ ٤٥،والبخاري، الجامع الصحيح (٢٠٢٧)،ومسلم، المسند الصحيح ٣/ ١٢٠٩
(٤) ، وغيرهم.
[ ٢٣ ]
فتأمل في قوله (فسألت عمر)،فالرجل إراد الاطمئنان لهذا الحكم (الحديث)،أنه صدر من النبي - ﷺ -، فسأل بعض الأصحاب عنه.
ويتضح هذا الضابط بشكل أجلى في قول أم المؤمنين لسائل يسألها عن مسألة، فتحيله إلى من هو أعرف بها، لتعلق المسألة بأمر ما، إذ أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة ﵂ عن المسح على الخفين، فقالت: سلْ عليًا فهو أعلم بهذا منّي، هو كان يسافر مع رسول الله - ﷺ - فسألت عليًا - ﵁ -،فقال: قال رسول الله - ﷺ -:"للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن " (١).
فلما كان السؤال يتعلق بمسألة تقع في الغالب في السفر، فالسيدة عائشة - ﵁ - أرجعت السائل إلى صحابي آخر أعرف منها بهذه المسألة؛ لأنه كان يسافر مع النبي - ﷺ -.
ومنه: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، قال: جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم هذا عبد الله بن قيس، فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم هذا أبو موسى، السلام عليكم هذا الأشعري، ثم انصرف، فقال: ردوا علي ردوا علي، فجاء فقال: يا أبا موسى ما ردك؟ كنا في شغل، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع" قال: لتأتيني على هذا ببينة، وإلا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى. قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما أن جاء بالعشي وجدوه، قال: يا أبا موسى، ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: نعم، أبي بن كعب، قال: عدل، قال: يا أبا الطفيل ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذلك، يا ابن الخطاب فلا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله - ﷺ -، قال: سبحان الله إنما سمعت شيئا، فأحببت أن أتثبت" (٢).
وفي قول عمر - ﵁ -: (أتثبت) تصريح واضح باعتبار هذا الضابط المهم عندهم.
ومنه ما أخرجه أحمد من حديث الوليد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، حدّث عن النبيِّ - ﷺ -، أنّه قال: "من صلّى على جنازة فله قيراط، ومن صلّى عليها وتبعها فله قيراطان". فقال له عبد الله بن عمر: انظر ما تحدّث به يا أبا هريرة، فإنك تكثر الحديث عن رسول الله - ﷺ -، فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة، فصدقت
_________________
(١) أخرجه أحمد، المسند ١/ ١٤٩.
(٢) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٥٨٩١)،ومسلم –واللفظ له- المسند الجامع ٣/ ١٦٩٤ (٢١٥٣)،وغيرهما.
[ ٢٤ ]
أبا هريرة، فقال أبو هريرة:"والله يا أبا عبد الرحمن، ما كان يشغلني عن رسول الله - ﷺ - الصفق في الأسواق، ما كان يهمني من رسول الله - ﷺ - إلا كلمة يعلمنيها، أو لقمة يلقمنيها" (١).
فمن يتأمل صنيع أبي هريرة - ﵁ - يجد بوضوح اعتمادهم –أحيانًا-في صحة الراوية وتصحيحيها على اقرار الصحابة الكبار.
ومنه أيضًا ما أخرجه ابن سعد وغيره من حديث سالم أبي النضر، قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر ضاق بهم المسجد فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين، فقال عمر للعباس: يا أبا الفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم. فقال العباس: ما كنت لأفعل. قال فقال له عمر:"اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أن أخططك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدق بها على المسلمين فنوسع بها في مسجدهم" فقال: "لا، ولا واحدة منها"، فقال عمر: "اجعل بيني وبينك من شئت"، فقال: "أبي بن كعب"، فانطلقا إلى أبي، فقصا عليه القصة فقال أبي: " إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من النبي - ﷺ - "، فقالا: "حدثنا"، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " إنّ الله أوحى إلى داود أن ابن لي بيتًا أذكر فيه». فخط له هذه الخطة، خطة بيت المقدس فإذا تربيعها بيت رجل من بني إسرائيل. فسأله داود أن يبيعه إياه، فأبى، فحدث داود نفسه أن يأخذ منه فأوحى الله إليه أنْ يا داود: أمرتك أنْ تبني لي بيتًا أُذكر فيه، فأردت أنْ تدخل في بيتي الغصب، وليس من شأني الغصب، وإنّ عقوبتك أنْ لا تبنيه. قال: يا رب فمن ولدي؟ قال: من ولدك". قال: فأخذ عمر بمجامع ثياب أبي بن كعب وقال: "جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه". لتخرجن مما قلت. فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله - ﷺ - فيهم أبو ذر فقال: "إني نشدت الله رجلا سمع رسول الله - ﷺ - يذكر حديث
بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره". فقال أبو ذر: "أنا سمعته من رسول الله - ﷺ - ".وقال آخر: "أنا سمعته". وقال آخر: "أنا سمعته". يعني من رسول الله - ﷺ - قال: فأرسل عمر أبيًا، قال: وأقبل أُبي على عمر فقال: " يا عمر أتتهمني على حديث رسول الله - ﷺ -! "، فقال عمر: " يا أبا المنذر، لا والله ما أتهمتك عليه، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله - ﷺ - ظاهرًا". قال: وقال عمر للعباس: " إذهب فلا
_________________
(١) أخرجه أحمد، المسند ٢/ ٣٨٧.
[ ٢٥ ]
أعرض لك في دارك". فقال العباس: "أما إذ فعلت هذا فإني قد تصدقت بها على المسلمين أوسع بها عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا". قال: فخط عمر لهم دارهم التي هي لهم اليوم وبناها من بيت مال المسلمين" (١).
ومنه ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان أبو هريرة يحدثنا، عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: "إنّ في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو في صلاة يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه". يقللها أبو هريرة بيده، فلما توفي أبو هريرة، قلت: لو جئت أبا سعيد فسألته؟، فأتيته فسألته، ثم خرجت من عنده فدخلت على عبد الله بن سلام، فسألته، فقال: خلق الله آدم يوم الجمعة، وقبضه يوم الجمعة، وفيه تقوم الساعة، وهي آخر ساعة، فقلت: إنّ رسول الله - ﷺ -، قال:"في صلاة"، وليست ساعة صلاة. فقال: أوما تعلم أنّ رسول الله - ﷺ - قال: "منتظر الصلاة في صلاة "؟، قلت: بلى، قال: فهي والله هي" (٢).
وهكذا نجد أن الصحابة الكرام جعلوا لأنفسهم ضابطًا مهمًا في التثبت من صحة الرواية، وهو عرضها على كبار الصحابة وإقرارهم لهذا الحديث، وهكذا يطمأن لسلامة الرواية من احتمالية الخطأ الذي قد يقع فيه الراوي.
الضابط الخامس: عرض الرواية على أزواج النبي - ﷺ -.
مرّ معنا سلفًا سؤال بعض الصحابة الكرام لأم المؤمنين عائشة - ﵁ - ومعاودة الاستفسار في كثير من الروايات، وهذه الاسئلة في مسائل قد تكون مما يختص به أهل بيت النبي - ﷺ - من نسائه، وقد لا تكون من كذلك.
أما في هذا الضابط فإننا نسلط الضوء على مسألة عرض الصحابة الكرام رواية ما أو حادثة ما على أزواج النبي - ﷺ - لكون الأمر مما يختص بالنبي - ﷺ - في حياته الزوجية أو الأسرية، أو أنّ هذه الحادثة مما يختص بها النبي - ﷺ - ولا يطلع عليها أحد إلا أزواجه.
وهذا لا يعني أنّ النبي - ﷺ - لم يبلغ هذا الحكم أو هذه المسألة للناس، فالنبي - ﷺ - بلغ كل الدين، وعرف الناس دقائق حياتهم، لكن قد يقع في مسألة ما حديثان متعارضان ظاهرًا أو من قبيل الناسخ والمنسوخ، فيسمع صحابي حديثًا دون حديث، فيختلف مع صحابي آخر حدث بخلاف ما يعرفه، فيلجأ الصحابة إلى بعضهم البعض إذا كان مما يشتهر، وربما سألت زوجة من زوجاته - ﷺ - أحد أصحابه - ﷺ - عن مسألة وقعت ولم تشهدها، أو ترسل زوجة منهن سائلًا يسألها إلى غيرها من الصحابة، كما سبق من إرسال أم المؤمنين عائشة ﵂ سائلها إلى علي بن أبي طالب، معللة ذلك كون السؤال يتعلق بسفر النبي - ﷺ - وعليّ - ﵁ - أعرف منها؛ لأنّه أكثر ملازمة للنبي - ﷺ - في سفره.
إذن فالصحابة الكرام ضبطوا الخلاف في الروايات الخاصة بالنبي - ﷺ - في حياته الزوجية بالاحتكام إلى ازواجه فهنّ أعرف به، ولاسيما أفقه النساء وسيدتهن، الطاهرة المطهرة أم عبد الله عائشة، فلولاها -بعد الله تعالى- لضاع علينا كثير من أمور النبي - ﷺ - فجزاها الله عنا خير الجزاء، ولعن مبغضها ومؤذيها، ومؤذي رسول الله - ﷺ - فيها، فهي أعلم نسائه، وأحبهن إليه - ﷺ -.
والحقيقة أن المتتبع للتاريخ بشكل متجرد، يجدها من رؤوس فقهاء الصحابة، وعليها مدار واسع في الفقه، قال مسروق: "رأيت مشيخة أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - الأكابر يسألونها عن الفرائض" (٣).
وقال عطاء بن أبي رباح: "كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة" (٤).
قال محمود بن لبيد:"كان أزواج النبيِّ - ﷺ - يحفظن من حديث النبيِّ - ﷺ - كثيرًا ولا مثلًا لعائشة وأمِّ سلمة، وكانت عائشة تفتي في عهد عمر وعثمان إلى أنْ ماتت، يرحمها الله، وكان الأكابر من أصحاب رسول الله - ﷺ - عمر وعثمان بعده يرسلان إليها فيسألانها عن السنن» " (٥).
وقال أبو موسى الأشعري - ﵁ -:" ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلاّ وجدنا عندها فيه علمًا" (٦).
وقال الزهري: "لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل" (٧).
وبالطبع فلا يقتصر هذا الضابط على السيدة عائشة، فقد روي عن غيرها من أمهات المؤمنين، وكذا لا يقتصر أمر سؤالهنّ على قضايا أسرية (فقه الأسرة)،كما نلحظه في طيات هذا البحث.
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات ٤/ ١٥.
(٢) أخرجه الطبراني، المعجم الكبير١٣/ ١٤٦ (٣٦٢).
(٣) أخرجه ابن ابي شيبة، المصنف ١١/ ٢٣٤.
(٤) ابن سعد، الطبقات٢/ ٣٧٥.
(٥) أورده ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة ٨/ ٢٣٣.
(٦) أورده الحاكم، المستدرك ٤/ ١١،وابن عبد البر، الاستيعاب ٤/ ١٨٨٣.
[ ٢٦ ]
ومن هذه الأمثلة:
ما أخرجه الإمام مسلم بسنده عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر (أبيه)،قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يقص، يقول في قصصه:"من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم".فذكرت ذلك لعبد الرحمن ابن الحارث - لأبيه - فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه، حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ﵄، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت:"كان النبي - ﷺ - يصبح جنبا من غير حلم، ثم يصوم". قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول: قال: فجئنا أبا هريرة،- وأبو بكر -حاضر ذلك كله، قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبيِّ - ﷺ -، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك، قلت لعبد الملك: أقالتا: في رمضان؟ قال: كذلك كان يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم" (١).
فأبو هريرة - ﵁ - رجع عن رأيه لما تبيّن له فعل النبيِّ - ﷺ - من أزاواجه وهم أعرف الناس به (٢).
ومنه ما أخرجه الطبراني بسنده من حديث عبيد بن رفاعة، أنّ زيد بن ثابت كان يقص فقال في قصصه: إذا خالط الرجل المرأة، فلم يمن فليس عليه غسل فليغسل فرجه وليتوضأ، فقام رجل من المجلس، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب، فقال عمر - ﵁ -: ائتني به لأكون عليه شهيدًا، فلما جاءه قال له: يا عدو نفسه أنت تضل الناس بغير علم! قال: يا أمير المؤمنين أما والله ما ابتدعته، ولكني سمعت ذلك من أعمامي، قال: أي أعمامك؟ قال: أبي بن كعب، ورفاعة بن رافع، وأبو أيوب، فقال رفاعة وكان حاضرا: لا تنهره يا أمير المؤمنين، فقد كنا والله نصنع هذا على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال: هل علمتم أن رسول الله - ﷺ - اطلع على شيء من ذلك؟ فقال: لا، فقال علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر لا يصلح، فقال: من أسأل بعدكم يا أهل بدر الأخيار؟ فقال علي - ﵁ -: أرسل إلى أمهات المؤمنين، فأرسل إلى حفصة ﵂، فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة ﵂ فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل". ثم أفاضوا في ذكر العزل، فقالوا: لا بأس، فسار رجل صاحبه، فقال: ما هذه المناجاة؟ أحدهما يزعم أنها الموؤودة الصغرى، فقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: " إنها لا تكون موءودة حتى تمر بسبع
_________________
(١) أخرجه مسلم، المسند الصحيح ٢/ ٧٧٩ (١١٠٩).
(٢) للمزيد ينظر: النووي، شرح مسلم ٧/ ٢٢٠.
[ ٢٨ ]
تارات، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١). فتفرقوا على قول علي بن أبي طالب أنه لا بأس به" (٢).
وتأمل ههنا في قول علي - ﵁ - (أرسل إلى أمهات المؤمنين)، فهو يدرك أنّ مثل هذه المسائل لابد من الرجوع فيها إلى أزواج النبي - ﷺ -،لأنهنّ أعرف بهذه الأمور.
ومنه ما أخرجه الشيخان- من حديث نافع يقول: حدّث ابن عمر أنّ أبا هريرة - ﵃ -،يقول:"من تبع جنازة فله قيراط".فقال:" أكثر أبو هريرة علينا".فصدّقت -يعني عائشة- أبا هريرة وقالت:"سمعت رسول الله - ﷺ - يقوله". فقال ابن عمر ﵄ لقد فرطنا في قراريط كثيرة" (٣).
ومنه ما أخرجه البيهقي قتادة عن عكرمة قال: اختلف فيها- يعني الحائض- ابن عباس وزيد بن ثابت فقال زيد: "ليكن آخر عهدها بالبيت يعنى الطواف بالبيت". فقال ابن عباس:"إذا أفاضت يوم النحر ثم حاضت فلتنفر إن شاءت". فقالت الأنصار:"إنا لا نتابعك إذا خالفت زيد بن ثابت". فقال ابن عباس:"سلوا صاحبتكم أم سليم". فسألوها فأنبأت أنّ صفية بنت حيى بن أخطب حاضت بعد ما طافت بالبيت يوم النحر فقالت لها عائشة:" الخيبة لك حبستنا ". فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - "فأمرها أن تنفر وأخبرت أم سليم أنها لقيت ذاك وأمرها أن تنفر" (٤).
ففي هذا الحديث اشارة واضحة إلى ردّ الخلاف الى أمهات المؤمنين، ولاسيما في مسألة تتعلق بفقه النساء.
ومن ذلك ما أخرجه أحمد بسنده عن يزيد بن أبى زياد، قال: سألت عبد الله بن الحارث عن الركعتين بعد العصر، فقال: كنا عند معاوية فحدث ابن الزبير عن عائشة: "أنّ النبي - ﷺ - كان يصليهما". فأرسل معاوية إلى عائشة-رصي الله عنها-وأنا فيهم فسألناها فقالت: لم أسمعه من النبي - ﷺ -، ولكن حدثتني أم سلمة. فسألتها، فحدثت أم سلمة:" أنّ النبي - ﷺ - صلى الظهر، ثم أتى بشيء فجعل يقسمه حتى حضرت صلاة العصر، فقام فصلى العصر، ثم صلى بعدها ركعتين، فلما صلاها قال: هاتان الركعتان كنت أصليهما
_________________
(١) سورة المؤمنون١٢ - ١٤.
(٢) أخرجه الطبراني، المعجم الكبير (٤٥٣٦).
(٣) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١٢٦٠)،ومسلم، المسند الصحيح ٢/ ٦٥٢ (٩٤٥)، وغيرهما.
(٤) أخرجه البيهقي، السنن الكبرى (١٠٠٤٦).
[ ٢٩ ]
بعد الظهر". فقالت: أم سلمة ولقد حدثتها أنّ رسول الله - ﷺ - نهى عنهما. قال: فأتيت معاوية فأخبرته بذلك، فقال ابن الزبير:" أليس قد صلاهما؟ لا أزال أصليهما". فقال له معاوية:"إنك لمخالف لا تزال تحب الخلاف ما بقيت" (١).
ولا أريد الولوج في الاختلاف بين أهل العلم في حكم الصلاة بعد العصر؛ لأنّ الشاهد هنا واضح، وهو الرجوع إلى بيت النبوة (أزواجه) للتثبت من صحة الرواية.
ومنه ما أخرجه ابن حبان بسنده أنّ عبد الله بن عمر لما مات رافع بن خديج قال لهم: لا تبكوا فإن بكاء الحي عذاب للميت. قالت عمرة: فسألت عائشة فقالت: يرحمه الله إنما قال رسول الله - ﷺ - ليهودية وأهلها يبكون عليها: "إنهم ليبكون وإنها لتعذب في قبرها" (٢).
وتأمل بعد في صنيع الخليفة الملهم عمر بن الخطاب - ﵁ - في التحري من ازواج النبي - ﷺ - في مسألة تتعلق بفقه النساء، فاخرج ابن أبي شيبة بسنده عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: " ماتت زينب بنت جحش، وكبر عليها عمر أربعًا، ثم سأل أزواج النبي - ﷺ - من يدخلها قبرها، فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها " (٣).
الضابط السادس: التحري من صاحب القصة التي جاء في الرواية.
من الضوابط المهمة التي اعتمدها الصحابة الكرام في التوثق من الرواية سؤال صاحب القصة نفسه، فكانوا يسألونه عن تلك الواقعة وتفصيلاتها، ليحصل لهم السماع المباشر من صاحب القصة بعد سماعها من غيره، وهو بطبيعته توثق من صدق ذلك الخبر.
ومن ذلك: ما أخرجه الدارقطني من حديث عامر الشعبي، أنه قال: دخلنا على فاطمة بنت قيس فقلنا لها: حدثينا في قضاء النبي - ﷺ - فيك. قالت: دخلت على النبي - ﷺ - ومعي أخو زوجي، فقلت: إنّ زوجي طلقني وإنّ هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة، قال: "بلى لك سكنى ونفقة". قال: إنّ زوجها طلقها ثلاثًا، فقال النبيُّ - ﷺ -: "إنما السكنى والنفقة على من له عليها الرجعة". قالت: فلما قدمت الكوفة طلبني الأسود بن يزيد يسألني عن ذلك، وإنّ أصحاب ابن مسعود يقولون: لها السكنى والنفقة" (٤).
فعامر الشعبي من جلِّ المحدثين سأل فاطمة بنت قيس ﵂ عن حادثة مشهورة عنها وهي قصة طلاقها، ومسألة السكنى والنفقة، وماوقع بين الصحابة من الخلاف فيها، فجاء عامر الشعبي ليستوثق من صاحبة القصة، لذا فإنه اعتمد هذا المذهب، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:" قلت لابي فإن بعض من قال في حديث فاطمة بنت قيس ليس يقول به أحد ممن يقدم فقال: سبحان الله! قد قال به فقيه الكوفة الشعبي وفقيه البصرة الحسن يذهبان اليه" (٥).
ومنه ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود، قال: قلت: يا أم المؤمنين، أو يا أمتاه ألا تحدثيني كيف كان - يعني: أمر الإفك-؟، قالت: تزوجني رسول الله - ﷺ - وأنا أخوض المطر بمكة، وما عندي ما يرغب فيه الرجال وأنا بنت ست سنين، فلما بلغني أنه تزوجني ألقى الله علي الحياء "الحديث (٦).
ومنه: ما أخرجه الشيخان من حديث عن عبيد الله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله - ﷺ -؟ قالت: بلى:" ثقل النبيُّ - ﷺ - فقال:" أصلى الناس؟ قلنا: لا. هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماءً في المخضب قلت ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء "الحديث" (٧).
ومنه: ما أخرجه الطيالسي من حديث زر، قال: غدوت على صفوان بن عسال فقلت: إنه حك في نفسي من المسح على الخفين شيء فهل سمعت من رسول الله - ﷺ - في ذلك شيئا؟ قال: كنا مع النبي - ﷺ - سفرًا - أو مسافرين - "فأمرنا أن نمسح عليهما ثلاثة أيام ولياليهن من غائط وبول ونوم إلا من جنابة" (٨).
ومنه ما أخرجه البخاري من حديث محمد بن المنتشر، قال: سألت عائشة، فذكرت لها قول ابن عمر: ما أحب أن أصبح محرما أنضخ طيبا، فقالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله - ﷺ -، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا " (٩).
_________________
(١) أخرجه أحمد، المسند ٦/ ٣١١.
(٢) أخرجه ابن حبان، الصحيح (٣١٣٧).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، المصنف (١١٤٢١).
(٤) أخرجه الدارقطني، السنن ٥/ ٤٢.
(٥) عبد الله بن أحمد بن حنبل، مسائل الإمام أحمد، ص٣٥٩.
(٦) أخرجه الطبراني، المعجم الكبير ٢٣/ ١١٨ (١٥٣).
(٧) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٦٥٥)، ومسلم، المسند الصحيح ١/ ٣١١ (٤١٨)،وغيرهما.
(٨) أخرجه الطيالسي، المسند (١٢٦٢)،وغيره.
(٩) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٢٧٠)،وغيره.
[ ٣٠ ]
فأمّ المؤمنين هي أعرف بالنبي - ﷺ - وطيبه، وهي من طيبته ثم أحرم، فهي صاحبة الحادثة، أضف إلى كونها زوجة النبيِّ، وهي أعرف بحال زوجها في مثل هذه الأحوال.
ومنه ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة، أنّ عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن. فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد. ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات" (١).
ومنه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يقص، يقول في قصصه: "من أدركه الفجر جنبا فلا يصم"، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث - لأبيه - فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه، حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ﵄، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: " كان النبي - ﷺ - يصبح جنبا من غير حلم، ثم يصوم". قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول: قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر-راوي الحديث- حاضر ذلك كله، قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي - ﷺ -، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك، قلت لعبد الملك: أقالتا: في رمضان؟ قال: كذلك كان يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم" (٢).
وفي هذه الأمثلة بيان واضح لمنهج الصحابة الكرام في التثبت من صحة الرواية من صاحب القصة، وفي ذهابهم إلى أمهات المؤمنين غاية في الفهم، فهم أعرف الناس بمثل هذه الأحكام، وهذا الضابط قد يشترك بوجه من الوجوه بالضابط السابق.
ومنه: ما أخرجه الشيخان من حديث حذيفة - ﵁ - قال: كنّا جلوسًا عند عمر - ﵁ -، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله. قال: إنك عليه - أو عليها - لجريء قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إنّ بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال:
_________________
(١) أخرجه مسلم، المسند الصحيح ١/ ٢٦٠ (٣٣١)،وغيره.
(٢) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١٨٢٥)،ومسلم، المسند الصحيح –واللفظ له-٢/ ٧٧٩ (١١٠٩) وغيرهما.
[ ٣٢ ]
أيكسر أم يفتح؟ قال يكسر. قال: إذا لا يغلق أبدا قلنا أكان عمر يعلم الباب؟ قال نعم كما أن دون الغد الليلة إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأل حذيفة فأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: الباب عمر" (١).
ويتضح ههنا حرص عمر بن الخطاب - ﵁ - على سماع الحديث الذي لم يسمعه من النبي - ﷺ - مباشرة أو ربما لم يحفظه بتمامه أو ربما أراد اسماعه لغيره، ولكن الظاهر يقضي أنه يريد التثبت من سماعه. ثم جاء سؤال بعض الصحابه الحاضرين من حذيفة - ﵁ - لمعرفة من هذا الباب؟ والله أعلم.
الخاتمة
في ختام هذا البحث يمكننا اجمال أهم النتائج فيما يأتي:
١ - اهتمام النبي - ﷺ - وأصحابه ومنذ وقت مبكر، بالتحري في الأخبار، وهو في أصله منهج قرآني.
٢ - تميز المجتمع الإسلامي بميزة الثقافة المجتمعية في التلقي والنقل، فهو لا يقوم على اساس تقديس الأشخاص، واضفاء العصمة عليهم، اللهم إلا النبي - ﷺ - كونه يبلغ عن ربه ﷻ، وهو معصوم عن الغلط والسهو فيما يبلغ، أما سائر افراد المجتمع الإسلامي، فكل يؤخذ منه ويرد عليه.
٣ - للصحابة الكرام دور كبير في حفظ السنة ونقلها وتبليغها، ولا ينكر فضلها إلا جاهل أو حاقد.
٤ - تمثل دور الصحابة الكرام في حفظ السنة والتثبت من الروايات في ضوابط متعددة، سلكها الصحابة بينهم دون اتفاق-طبعًا- كان لهذه الضوابط الدور الكبير في حماية الأحاديث النبوية.
٥ - في طيات البحث رد على المنتحلين والمغرضين الذين يلقون الشبه أنّ الروايات لم تغربل، وإنما نقلت هكذا دون تفتيش أو تدقيق.
٦ - يظهر بوضوح دور السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ بشكل كبير في حفظ الأحاديث بشكل خاص، ومعرفة الصحابة الكرام بأهمية هذا الدور الكبير واقرارهم لها بالفضل.
_________________
(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٥٠٢)،ومسلم، المسند الصحيح –واللفظ له-١/ ١٢٨ (١٤٤)، وغيرهما.
[ ٣٣ ]
٧ - نوصي بضرورة تعميق هكذا دراسات، والتوسع في دراسة هذه الضوابط، ليتحقق النفع بشكل أكبر.
أهم المصادر
- تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي لجلال الدين السيوطي (ت٩١١هـ) تحقيق: أحمد عمر هاشم، نشر دار الكتاب العربي-بيروت.
- تذكرة الحفاظ، أبو عبد الله شمس الدين الذهبي (ت٧٨٤هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- التعريفات لأبي الحسن علي بن محمد الجرجاني المعروف بالسيد الشريف (ت٨١٦هـ)
دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد.
- التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (ت: ٨٠٦هـ)،تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ط١، ١٣٨٩هـ/١٩٦٩م.
- تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)،دار الفكر بيروت، ط١،١٩٨٤هـ.
- تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي (ت٧٤٢هـ) تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٩٩٨م.
[ ٣٤ ]
- توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته، د. رفعت فوزي عبد المطلب، مكتبة الخانجي، مصر، ط١،١٩٨١م.
- جامع الترمذي، الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي (٢٧٩هـ) تحقيق: أحمد محمد شاكر، وآخرون، دار الكتب العلمية.
- جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣هـ)،تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.
- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، أبو بكر أحمد الخطيب البغدادي، تحقيق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف – الرياض.
- السنة وحجيتها ومكانتها في الإسلام، د. محمد لقمان السلطي، دار البشائر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٩م.
- سنن ابن ماجة للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد (ابن ماجة القزويني) (٢٧٥هـ) تحقيق: د. بشار عواد معروف، دار الجيل، بيروت الطبعة الأولى ١٩٨٨م.
- سنن أبي داود للحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٧٥هـ)،دار الحديث، القاهرة،١٩٨٨م.
- سنن الدارقطني (ت٣٨٥هـ)، للإمام علي بن عمر أبي الحسن الدارقطني، تحقيق: السيد عبد الله هاشم المدني، دار المعرفة، بيروت،١٩٦٩ م.
- سنن الدارمي، لأبي محمد عبد الله ابن عبد الرحمن الدارمي (٢٥٥هـ) تحقيق: فواز أحمد، وخالد العلمي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط١،١٤٠٧ هـ.
- السنن الكبرى للنسائي، تحقيق: د. عبد الغفار البنداري وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩١م.
- سنن النسائي للحافظ أحمد بن شعيب النسائي (٣٠٣هـ) بشرح السيوطي وحاشية السندي، دار الحديث، القاهرة،١٩٨٧م.
- سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي (ت٧٤٨هـ)،مؤسسة الرسالة-بيروت ١٤٠١هـ.
[ ٣٥ ]
- شرح السنة للبغوي (ت٥١٦هـ) تحقيق: زهير الشاويش وشعيب الأرنؤوط، المكتب الإسلامي-بيروت-الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ.
- شرح مشكل الآثار، أبو جعفر الطحاوي (المتوفى: ٣٢١هـ)،تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤١٥هـ.
- صحيح البخاري، الجامع الصحيح المختصر، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، ط٣، ١٤٠٧.
- صحيح مسلم، الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت٢٦١ هـ)،تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٥٥م.
- علوم الحديث، المعروف بـ:"مقدمة ابن الصلاح"،أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري بن الصلاح ت (٦٤٣هـ) تحقيق: نور الدين عتر، دار الفكر، الطبعة الثالثة١٤٠٤هـ ١٩٨٤م.
- عمدة القاري شرح صحيح البخاري –بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العيني (ت٨٥٥هـ)،إدارة الطباعة المنيرية، بيروت.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ) حقق أصله: عبد العزيز بن باز، ورقمه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٩٨٩م.
- فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، أبو عبد الله محمد السخاوي (ت٩٠٢هـ) تحقيق: علي حسن علي عبد الحميد، نشر: دار الإمام الطبري، ط٢، ١٤١٢هـ.
- الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ) تحقيق: أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي-بيروت، ط٢، ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م.
- مسند أحمد، أبو عبد الله بن محمد بن حنبل (ت٢٤١هـ)،المطبعة الميمنية، القاهرة، ١٩٨٦م.
- المعجم الكبير، الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حققه وخرج أحاديثه: حمدي عبد المجيد السلفي، مطبعة الزهراء، الموصل، الطبعة الثانية، ١٩٨٤م.
- معرفة السنن والآثار، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨هـ)،تحقيق: عبد المعطي قلعجي، جامعة الدراسات الإسلامية/ باكستاندار الوفاء، القاهرة)،ط١، ١٤١٢هـ.
[ ٣٦ ]
- معرفة علوم الحديث، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت٤٠٥هـ) نشر الأستاذ معظم حسين، حيدر آباد، الطبعة الثانية، ١٩٧٧م.
- منهج النقد في علوم الحديث للدكتور نور الدين العتر، دار الفكر، دمشق ١٤٠٨هـ-١٩٨٨م.
[ ٣٤ ]