لم يدخر الصحابة الكرام جهدًا في تحمل أمانة الدين وتبليغه، فطوفوا المشارق والمغارب لنشره وتبليغه للناس، باذلين الغالي والنفيس في ذلك، ومن يقرأ التاريخ بإنصاف لا يملك إلا أن يقف لهم بكل احترام وتبجيل، ولا يتنكر لهم إلا جاحد أو حاقد.
ولهم الفضل بعد فضل الله ثم فضل رسوله - ﷺ - في إخراجنا من براثن الشرك والوثنية وإدخالنا في هذا الدين العظيم.
ومثلما كان لهم الفضل في الفتوحات الاسلامية، كان لهم الفضل في حفظ السنة النبوية ونشرها بين الناس، ويمكن إيجاز دورهم الكبير في حمل السنة وتبليغها بما يلي:
١ - حفظ الروايات، وأعني به حفظ الصدر وحفظ الكتاب، إذ تميز كثير من الصحابة بحفظ أحاديث النبي - ﷺ - في صدورهم، حتى تفرّغ لها بعضهم -كأصحاب الصفة- فكان جلّ حياته تتبع الروايات وحفظها، وكان من أحفظهم الصحابي الجليل أبو هريرة - ﵁ -، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال:": " ما من أصحاب النبي - ﷺ - أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب " (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٣٤٦٨).
(٢) سورة آل عمران/ ١١٠.
(٣) ابن الهمام، المسايرة ١٦٦ - ١٦٨.
(٤) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١١٣)، ومسلم، المسند الصحيح ٤/ ٢٢٩٨ (٣٠٠٤)، وغيرهما.
[ ٩ ]
وكان بعض الصحابة يتنابون على حضور مجالس النبيِّ - ﷺ - فأخرج الشيخان من حديث عمر - ﷺ - أنه قال:"كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله - ﷺ - ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك "الحديث (١).وهذا يدل على حرصهم على حفظ حديث النبي - ﷺ -.
وأما عن كتابة الحديث وحفظه في الصدور والسطور، فقد كتب بعض الصحابة في حياة النبي - ﷺ - كما في صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد كان لبعض كبار الصحابة صحف دونوا فيها بعض الأحاديث، وما هذا إلاّ من حرصهم عليه، وهو جهد كبير في حماية الحديث من الضياع أو النسيان، إذ كتب أسيد بن حضير الأنصاري - ﵁ - بعض الأحاديث النبوية، وقضاء أبي بكر وعمر وعثمان، وأرسله إلى مروان بن الحكم (٢).
وكتب جابر بن سمرة - ﵁ - بعض أحاديث رسول الله - ﷺ - وبعث بها إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص بناءً على طلبه ذلك منه (٣).
وكتب زيد بن أرقم - ﷺ - بعض الأحاديث النبوية وأرسل بها إلى أنس بن مالك - ﵁ - (٤).
وكتب زيد بن ثابت في أمر الجَدِّ إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - وذلك بناء على طلب عمر نفسه (٥).
وجمع سمرة بن جندب ما عنده من حديث رسول الله - ﷺ - وبعث به إلى ابنه سليمان، وقد أثنى الإمام محمد بن سيرين على هذه الرسالة فقال: "في رسالة سمرة إلى ابنه علمٌ كثير" (٦).
ومن ذلك أيضًا حثهم على كتابة الحديث وتقييده، فروى عن عمر بن الخطاب وعن عبد الله بن عباس - ﵁ -، أنهما كانا يقولان: "قيدوا العلم بالكتاب" (٧).
وجاء عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: "من يشتري مني علمًا بدرهم" (٨).
_________________
(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٨٩)،ومسلم، المسند الصحيح ٢/ ١١١١ (١٤٧٩)، وغيرهما.
(٢) ينظر: أحمد، المسند ٤/ ٢٢٦.
(٣) أخرجه أحمد، المسند ٥/ ٨٩، ومسلم، المسند الصحيح ٣/ ١٤٥٣ (١٨٢٢).
(٤) ينظر: أحمد، المسند ٤/ ٣٧٠ - ٣٧٤، وابن حجر، تهذيب التهذيب ٣/ ٣٩٤.
(٥) الدارقطني، السنن ٤/ ٩٣ - ٩٤.
(٦) ابن حجر، تهذيب التهذيب ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧، وينظر: أبو داود، السنن (٤٥٦).
(٧) ابن نقطة، تقييد العلم ص: ٩٢،وابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله١/ ٧٢.
(٨) أبو خيثمة، العلم ١/ ٣٨.
[ ١٠ ]
قال أبو خيثمة:"يقول: يشتري صحيفةً بدرهمٍ يكتب فيها العلم" (١).
٢ - تدوينهم الحديث في صحف:
أخرج البخاري بسنده عن ثمامة أنّ أنسًا - ﵁ - حدّثه أنّ أبا بكر - ﵁ - كتب له -في زكاة الحيوان-التي أمر الله رسوله - ﷺ -:" ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء " (٢).
وأخرج مسلم في صحيحه أنّ عليًا - ﵁ - سُئل: أخصكم رسول الله - ﷺ - بشيء؟ فقال:" ما خصنا رسول الله - ﷺ - بشيء لم يعم به الناس كافة، إلاّ ما كان في قراب سيفي هذا، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: " لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثا" (٣).
ومن هذه الصحف أيضًا:
* صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، المعروفة بالصحيفة الصادقة.
عن مجاهد قال: "أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة من تحت مفرشه، فمنعي، قلت: ما كنت تمنعني شيئًا، قال: هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله - ﷺ - ليس بيني وبينه أحد" (٤).
هذه الصحف الثلاث كلها كتبت في حياته - ﷺ -، وهناك غيرها كثير مما كتب في حياته - ﷺ -.
* صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، ذكرها الإمام البخاري في كتاب الجهاد من "صحيحه، فأخرج بسنده من طريق سالم أبي النضر، أنّ عبد الله بن أبي أوفى، كتب فقرأته: إنّ رسول الله - ﷺ - قال: "إذا لقيتموهم فاصبروا" (٥)
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) البخاري، الجامع الصحيح (١٣٨٠).
(٣) مسلم، المسند الصحيح ٣/ ١٥٦٧ (١٩٧٨).
(٤) ابن نقطة، تقييد العلم ص ٨٤، وابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله ١/ ٧٣، وهي صحيفة مشهورة، وينظر: الإمام أحمد، المسند ٢/ ١٥٨ - ٢٢٦.
(٥) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٢٦٧٨)،وينظر: ابن حجر: فتح الباري ٦/ ٤٥.
[ ١١ ]
٣ - دقتهم وتحريهم وأمانتهم
٣ - دقتهم وتحريهم وأمانتهم: أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -، قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت رسول الله - ﷺ - قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» قال فقلت: ما أجود هذه فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود فنظرت فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " (١).
٤ - احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث:
ومن هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه قال: فما سمعته بشيءٍ قط قال: (قال رسول الله - ﷺ -) فلما كان ذات عشية قال: " قال رسول الله - ﷺ -، قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبًا من ذلك أو شبيهًا بذلك" (٢).
وبدأ التحذير من الكذب على النبي - ﷺ - في وقت مبكر، فاوّل من حذر منه هو النبي - ﷺ - نفسه فأخرج البخاري من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - " إنّ كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " (٣).
وكذا كان الصحابة يحتاطون جدًا في رواية الحديث خشية من التحريف أو التبديل، فكان بعضهم لشدة حذره يمتنع عن الرواية، وكان بعضهم يقول عقب الحديث (أو نحوه، أو بعناه ..).
ولهذا كان الصحابة بعد وفاة النبي - ﷺ - يحتاطون جدًا من قبول الأحاديث، أورد الحافظ الذهبي عند ترجمة أبي بكر الصديق - ﵁ -:"وكان أوّل من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءة إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، ما علمت أنّ رسول لله - ﷺ - ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله - ﷺ - يعطيها السدس فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر - ﵁ - " (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم، المسند الصحيح١/ ٢٠٩ (٢٣٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه، السنن (٢٣).
(٣) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١٢٢٩).
(٤) الذهبي، تذكرة الحفاظ ١/ ٢، والدهلوي، حجة الله البالغة ١/ ١٤١.
[ ١٢ ]
وقال في ترجمة عمر - ﵁ -:"وهو الذي سنَّ للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات، فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل عمر في أثره، فقال: لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاث، فلم يجب، فليرجع"، قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك، فجاء أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم، كلنا سمعه، فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره، أحبَّ عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد، وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله - ﷺ - يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم، ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن" (١).
وهذا الاحتياط لا يعني انهم كتموا شيئًا من السنة كما يروج له أهل البدع ويطبل به اذنابهم عبر وسائل الأعلام، فالصحابة أعرف الناس بأثم من كتم شيئًا من الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ً﴾ (٢).
ولا سيما أنّ النبيَّ - ﷺ - يقول:" من كتم علمًا يعلمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار" (٣).
وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تقولون أكثر أبو هريرة عن النبي - ﷺ - والله الموعد أنكم تقولون ما بال المهاجرين لا يحدثون عن رسول الله - ﷺ - بهذه الأحاديث وما بال الأنصار لا يحدثون بهذه الأحاديث وأنّ أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق وان أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها وإنّي كنت امرأ معتكفًا وكنت أكثر مجالسة رسول الله - ﷺ - أحضر إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا وأنّ النبي - ﷺ - حدثنا يوما فقال:" من يبسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه فإنه ليس ينسى شيئا سمعه مني أبدًا". فبسطت ثوبي أو قال: نمرتي ثم قبضته إليَّ
_________________
(١) الذهبي، تذكرة الحفاظ ١/ ٦ - ٧.
(٢) سورة البقرة/١٥٩.
(٣) أخرجه أحمد، المسند ٢/ ٤٩٩.
[ ١٣ ]
فوالله ما نسيت شيئا سمعته منه وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدًا ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية (١) ". (٢).
وأخرج مسلم من حديث أبي أيوب - ﵁ -، أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله - ﷺ -، سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون يغفر لهم" (٣).
والسبب الرئيس في تأخير تبليغ الحديث هو إما اكتفاءً بغيره من الصحابة ممن روى الحديث أو ربما اجتهادًا من الصحابي أنّ الحديث قد يتخذه بعض الناس ذريعة في تقصيرهم في العبادة، ومن ذلك انّ معاذ بن جبل - ﵁ - حين حضرته الوفاة قال: اكشفوا عني سجف القبة، أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله - ﷺ -. وقال مرة: أخبركم بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -،لم يمنعني ان أحدثكموه إلاّ أنْ تتكلوا سمعته يقول: "من شهد أنْ لا إله إلاّ الله مخلصًا من قلبه أو يقينًا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة". وقال مرة:"دخل الجنة ولم تمسه النار " (٤).فالاحتياط والتثبت لا يتعارض مع التبليغ، والصحابة الكرام - ﵃ - بلّغوا ما سمعوا وأدوا ما يجب عليهم تأديته، ولم يكتموا شيئًا من الدين.