إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فمثلما أنّ الملائكة أمناء الله في السماء، فالصحابة الكرام هم أمناء الله تعالى في الأرض، إذ وقعت على كاهلهم مهمة جسيمة، وأمانة خطيرة، هي نقل دين الله تعالى وتبليغه للناس، فكانوا وزراء النبي - ﷺ - في تبليغ رسالته، فطوّفوا الأرض شرقًا وغربًا فما استكانوا وما وهنوا في حفظ الدين وتبليغه.
وهذا التكليف خصيصة من الله تعالى إذ اختار لنبيه - ﷺ - أصحابًا هم خير جيلٍ ظهر في التاريخ، آووا ونصروا وبذلوا وضحوا، ولم يدخروا نفيسًا في سبيل الله تعالى.
وكان من أهم المهام التي قام بها الصحابة الكرام هي حفظ أحاديث النبي - ﷺ - ونقلها للناس، ولمّا كان هذا الحديث المنقول دينًا يتعبد به كان الصحابة لا يقبلون كل حديث يروى عن النبي - ﷺ - هكذا، بل تعاملوا مع الرويات وفق ضوابط ثابتة، يلحظ المتتبع أنها مشتركة بينهم في الغالب الأعم، حاولنا في بحثنا هذا الموسوم (الدراية في بيان ضوابط نقد الرواية عند الصحابة - ﵃ -)، حاولنا من خلاله استقراء الضوابط الرئيسة التي اعتمدها الصحابة الكرام في قبول الرواية أو ردها في حياة النبي - ﷺ - وبعد وفاته.
والمشكلة الأساس التي يعالحها بحثنا: هي لما كان كثير من الجهلة والمنتحلين يثيرون اشكالات حول نقل الروايات عن النبي - ﷺ - وطريقة وصولها إلينا، زاعمين أنْ لم تكن للصحابة ضوابط للتثبت في نقل الأحاديث، وأنّ بعض الصحابة توسعوا في رواية الأخبار وتناقلها دون استيثاق من صحة صدورها من النبي - ﷺ -، فأردرنا في هذه الدراسة المقتضبة تسليط الضوء على منهج الصحابة الكرام في التثبت في قبول الرويات، واستقراء الضوابط التي اعتمدوها في نقدهم للرواية.
وأما عن أهم الدراسات التي سبقتني في هذا الموضوع، فقد وجدت أنّ غالب الدراسات التي تحدثت عن موضوع النقد عند المحدثين تعرضت لمنهج التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم في مسالك النقد الحديثي، ونادرًا من تطرق إلى ضوابط الصحابة الكرام في النقد، ربما لصعوبة توجيه النصوص وفق قواعد عامة أو
[ ٢ ]
لسبب آخر، فالذي اردناه ههنا وضع بصمة معينة في هذا الطريق، وفتح باب لباحث متخصص متوسع يستفيض بالبحث والجمع، ولا أخالها مهمة صعبة إن شاء الله تعالى.
وقد وجدت بعض الأساتذة والباحثين قد تطرقوا إلى الأسس العامة للنقد عند اهل الحديث، ومن انفعها كتاب (مقاييس نقد متون السنة) للدكتور مسفر الدميني، وكتاب (توثيق السنة في القرن الثاني الهجري اسسه واتجاهاته)، للدكتور رفعت فوزي، وكتاب: (منهج النقد في علوم الحديث) للدكتور نور الدين عتر، و(حوار حول منهج المحدثين في نقد الروايات سندًا ومتنًا)،للشيخ عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، وكتاب (منهج النقد عند المحدثين)،للدكتور محمد علي قاسم العمري، و(أسباب تفوق الصحابة في - ﵃ - في ضبط الحديث) للأستاذين د. سلطان العكايلة ود. محمد عيد الصاحب، وهي كتب قيمة ونافعة، لكنها لا تتحدث في مناهج المحدثين ومسالكهم في النقد، ولا تتطرق إلى مناهج الصحابة وضوابطهم، إلا نزرًا قليلًا، وأعمق من تحدث عن ذلك الدكتور الدميني، فجزاهم الله كل الخير على ما قدموا.
وهكذا حاولنا في هذا البحث أن نأصل لمسالة في غاية الأهمية، تيبن من خلالها الدور الكبير للصحابة الكرام في التنقيب والتفتيش عن الرواية ومسالك نقدهم لها.
وجاء البحث في ثلاثة مباحث رئيسة:
ففي المبحث الأول: بينا مفهوم الصحبة، وتعرضنا لدورهم في كتابة السنة وحفظها. وجاء في أربعة مطالب: في المطلب الأول: عرفنا بالصحابي، وبينا أقوال أهل العلم فيه. وفي المطلب الثاني: بينّا طرق ثبوت الصحبة. وخصصنا المطلب الثالث: لذكر الأدلة على فضلهم ومنزلتهم من الكتاب والسنة. أما المطلب الرابع فتحدثنا فيه عن مراتب الصحابة، وعقيدة أهل السّنّة في تفضيل الصّحابة. وجاء المبحث الثاني في بيان جهود الصحابة في تدوين السنة، وتطرقنا لبعض الصور المتميزة لهذه الجهود.
أما المبحث الثالث فخصصناه في ضوابط النقد عند الصحابة الكرام، وجاءت في خمسة ضوابط:
ففي الضابط الأول: تحدثنا عن عرضهم الرواية على النبي - ﷺ - حال حياته. وفي الضابط الثاني: تعرضنا لعرضهم الرواية على القرآن الكريم. أما الضابط الثالث: فخصصناه لعرض الرواية على المحفوظ من السنة النبوية (بعد وفاته - ﷺ -).وفي الضابط الرابع: ذكرنا عرضهم الرواية على كبار الصحابة. أما الضابط الخامس: فكان في عرضهم الرواية على أزواج النبي - ﷺ -.وجاء الضابط السادس: في تحريهم من صاحب القصة، ثم ختمنا بأهم النتائج.
[ ٣ ]
أولا: الصحابي لغة
واخيرًا نقول: هذا جهد المقل وبضاعة مزجاة، فإن كانت صوابًا فما هي إلا بتوفيق الله وحده وإن كانت الاخرى فمن ضعفي وتقصيري، والحمد لله رب العالمين.