[ ٢١٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني عشر
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (٥»
أقسام الحديث المتواتر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فالحديث المتواتر عند العلماء ينقسم إلى قسمين: المتواتر اللفظي، والمتواتر المعنوي.
التواتر اللفظي: هو ما تواتر لفظه ومعناه، بمعنى أن الرواة الذين بلغوا حد التواتر قد اتفقوا على رواية اللفظ والمعنى معًا.
هناك فريق من العلماء يدخل في المتواتر اللفظي ما يسمونه بتواتر الواقعة الواحدة؛ حتى وإن جاء التعبير عنها بألفاظ مترادفة وأساليب متعددة، ما دامت الروايات قد اتفقت جميعًا على أصل الواقعة الواحدة، هذا إلحاق بالمتواتر اللفظي أن واقعة واحدة تتعدد، مثلًا: رواة ينقلون لنا شيئًا من غزوة من الغزوات تباينت أو اختلفت ألفاظهم؛ لكن أصل الواقعة ثابت في هذه الروايات المتعددة يلحقونه بالمتواتر اللفظي، هذا جهد بعض العلماء.
وهناك من أصر على أن المتواتر اللفظي هو أن يكون قد ورد باللفظ المحدد بدون تغيير أو تبديل عند الرواة جميعًا.
التواتر المعنوي: وهو ما تواتر معناه فقط دون لفظه، بمعنى: أن يتفق الرواة جميعًا على أصل المعنى ويتم التعبير عنه بألفاظ متعددة، وهذا غير ما ذكرناه في المتواتر اللفظي من تواتر الواقعة الواحدة من أدخلوا الواقعة الواحدة؛ هي واقعة واحدة لكن جرى التعبير عنها بأساليب متعددة؛ أما هنا الوقائع تعددت قد لا تبلغ كل واحدة منها على حدة حد التواتر؛ لكنّ القدر المشترك بين هذه الوقائع جميعًا قد تعدد بتعدد الوقائع؛ فيكون التواتر حينئذٍ تواترًا معنويًّا.
مثال ذلك: أحاديث رفع اليدين في الدعاء: فقد ورد عنه -ﷺ- نحو مائة حديث
[ ٢١٩ ]
تفيد رفع يديه أثناء الدعاء؛ لكنها جاءت في وقائع مختلفة ومناسبات متعددة، كل قضية منها أو واقعة منها على حدة لم تبلغ حد التواتر؛ لكنّ القدر المشترك بينها وهو رفع اليدين في الدعاء قد ورد فيها جميعًا؛ كأن يروى عنه مثلًا في الحرب دعا فرفع يديه، في صلاة الاستسقاء رفع يديه القدر المشترك بين هذه الروايات جميعًا هو رفع الدعاء؛ فوصل الأمر بذلك إلى تواتر المعنى باعتبار مجموع الروايات المتعددة في ذلك، هذا أمر قاله الكتاني في (نظم المتناثر) وهو معروف، وقاله السيوطي في (الأزهار المتناثرة) إلخ، وقاله غيرهم في التفريق بين تعدد الواقعة وبين تواتر اللفظ، كلاهما قسم خاص؛ هذا تواتر معنوي، وهذا تواتر لفظي.
الدرجة التي يفيدها الحديث المتواتر من العلم
الدرجة التي يفيدها الخبر المتواتر من العلم:
حصول العلم في النفس له طرق متعددة: هناك علم وُلدنا به "علم فطري": مثلًا أن الله -﷿- ركز معرفتنا به في فطرنا؛ فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (الأعراف: ١٧٢) هذا أمر ولدنا به، هناك أمر نراه بالمشاهدة يتحقق به العلم القطعي اليقيني: السماء فوقنا والأرض تحتنا، هناك علم يتحقق بالبداهة: الواحد نصف الاثنين، والاستدلال عليه يكون صعبًا، والاستدلال على البدهيات يزيدها تعقيدًا:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
فما الدرجة التي يفيدها الخبر المتواتر من العلم؟
هل أقطع مثلًا بأن النبي -ﷺ- قد قال هذا الحديث، أو يغلب على ظني أنه قد قاله؟
ذهب الجمهور من المحدثين والأصوليين إلى أن الحديث المتواتر يفيد العلم اليقيني
[ ٢٢٠ ]
القطعي، يعني: مقطوع ومتيقن بصدق نسبته للنبي -ﷺ-، ولا مجال للشك أو الإنكار في ذلك، ولا يحتاج -بعد ثبوت تواتره- إلى أدلة أو براهين؛ فمتى ثبت التواتر أفاد العلم اليقيني المقطوع به لدى سامعه، كما يُقطع أيضًا بصدق نسبته إلى قائله إن كان الخبر منقولًا عن النبي -ﷺ- أو عن غيره ما دامت قد توافرت شروط التواتر؛ فأصبح الخبر يقينيًّا، ولا نحتاج بعد ثبوت التواتر إلى أدلة أخرى لكي نطمئن إليه أو لكي نتيقن وقوعه.
هناك أناسٌ جادلوا في هذا، منهم: الكعبي، وأبو الحسن من المعتزلة، ومنهم: إمام الحرمين، والغزالي من أهل السنة، يعني: قال بأن الخبر المتواتر يفيد العلم النظري وليس القطعي اليقيني.
الفرق بين العلم القطعي اليقيني، والعلم القطعي النظري من زوايا:
منها مثلًا: أن العلم اليقيني الضروري الذي يفيده الخبر المتواتر يستقر في النفس مثل البدهيات؛ فلا يمكن دفعه عن النفس، كما أنه لا يحتاج -كما ذكرنا مرارًا- إلى أدلة تثبته أو إلى براهين تؤكده، ولا يحتمل الخلاف حوله كمثل الخلاف الذي يجري في النظريات.
أما العلم النظري؛ فإنه يحتاج إلى براهين ويتوصل إلى نتائج بمقدمات.
كمثال لهذا العلم النظري -وهو أيضًا يصل إلى نتيجة قطعية؛ لكن بعد نظر واستدلال-: نظريات الهندسة: حين يقولون مثلًا: إن المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا، هذه نظرية هندسية، هي إلى الآن مجرد افتراض، علينا أن نثبته؛ لن نتوصل إلى القطع بها كنتيجة علمية مؤكدة إلا بعد أن نستدل عليها؛ فمثلًا يعلموننا في الهندسة أن نقول: أن الفرض هو كذا، الفرض هو رأس
[ ٢٢١ ]
النظرية: المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا، المطلوب: إثبات هذا الفرض، البرهان: بما أن وبما أن وبما أن إذن النتيجة: هي أن المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا أو المثلث المتساوي الزوايا متساوي الأضلاع، وصلنا إلى هذه النتيجة وأصبحت معلومة يقينيًّا مقطوعًا بها بعد أن استدللنا عليها، هذا هو العلم النظري القطعي.
كلمة "نظري" بمعنى: أنه جاء بناء على استدلال ونظر، و"قطعي" بمعنى: أنه وصلنا إليه كنتيجة مقطوع بها يعني: حتميّة
الخبر المتواتر لا يحتاج إلى نظر واستدلال، هو بمجرد ثبوت التواتر يفيد القطع واليقين، ونسبة الخبر إلى قائله نسبة يقينية مقطوع بها؛ خلافًا لما ذكرناه من الكعبي وأبو الحسن من المعتزلة وإمام الحرمين والغزالي الذين يقولون: إن إفادة الخبر المتواتر للعلم هي إفادة نظرية.
وأيضًا، من الفروق بين العلم الضروري والعلم النظري: أن العلم الضروري يقع لكل سامع به -سواء كان عالمًا أو ليس من أهل العلم- يقع القطع به، أما العلم النظري؛ فلا يقع القطع به إلا لمن هو عنده أهلية النظر، ولمن هو يدرك هذا التخصص، وهذا الفهم، مثلًا المثال الذي ضربناه: المثلث المتساوي الزوايا متساوي الأضلاع؛ الرجل العادي لا يشتغل بها، ولا يهتم بها إلا المتخصصون في العلوم الهندسية ويأخذون هذه النظرية بعد تأكيدها لتطبيقها في أمور علمية متعددة ينتفعون بها في حياتهم.
وهناك من ينكر إفادة المتواتر للعلم لا نظري ولا قطعي، وهؤلاء لا يستحقون عناء الرد عليهم أصلًا؛ لأنه مخالف للبدهيات، وأجدر الآراء بالقبول -وهو الحق لا جدال في ذلك- هو رأي الجمهور الذي يؤكد أنه: متى توافر الخبر أصبح
[ ٢٢٢ ]
العلم به علمًا ضروريًّا، يعني: توفر في قلوبنا وفي يقيننا بعد أن تواتر الخبر؛ لكنه بعد ذلك لا يحتاج إلى نظر واستدلال.
هذا -على كل حال- هو الدرجة التي يفيدها الخبر المتواتر من العلم، وإذا طبقنا ذلك على الحديث النبوي: يفيدنا أنه متى ثبت تواتر الحديث فقد تيقَّنَّا بالضرورة بصدق نسبته للنبي -ﷺ-، وأصبح الإيمان بذلك إيمانًا حتميًّا لا يستطيع أحدٌ بعد أن يثبت تواتر الحديث أن يتكلم في صدق نسبته للنبي -ﷺ- بعكس ما يتكلمون به في شأن الخبر الآحاد.
ولذلك ترتب على ذلك كلام العلماء في قضية أخرى وهي: ما حكم منكره وجاحده؟
ما دمنا قد قطعنا بأنه يفيد العلم اليقيني القطعي الضروري، ولا يحتاج بعد ثبوت التواتر إلى أدلة وقطعنا بصحة نسبته إلى رسول الله -ﷺ- وهذه النسبة المقطوع بها قد تحققت بكثرة الطرق المعتبرة المؤكدة لذلك؛ فأصبح الخبر المتواتر قطعي الثبوت. رتبوا على ذلك مسألة وهي أن منكره وجاحده كافر؛ لأنه ما دامت نسبته إلى رسول الله -ﷺ- مقطوعًا بها؛ فإن جاحده مكذب للرسول -ﷺ- وهذا بلا جدال يخرج صاحبه من الإيمان.
يقول فضيلة الدكتور أديب صالح عن حكم الحديث المتواتر: ولقد قرر العلماء أن المتواتر يفيد العلم اليقيني الذي لا مجال فيه للتكذيب ويكفر جاحده؛ لأنه قطعي الثبوت عن رسول الله -ﷺ- فجاحده مكذّب للرسول، وشأنه في إفادة العلم شأن ما يفيده الحس بالمشاهدة وغيرها.
يريد أن يقول في مسألة إفادة العلم: كما نرى بأدوات الحس، يعني: كما أرى
[ ٢٢٣ ]
بعيني الشيء وكما أسمع بأذني وأتيقن يقينًا جازمًا لا شبهة فيه؛ فكذلك إذا ثبت تواتر الخبر فقد أفاد درجة العلم التي تفيدها المشاهدة.
وهكذا نرى أن المتواتر لا يحتاج إلى شيء من البحث والنظر، كما نعلم مثلًا وجود عمر وعلي في الصدر الأول، وكما نعلم وجود دمشق وبغداد وقرطبة من غير حاجة إلى البحث والتأمل.
إذن الخبر المتواتر يفيد العلم القطعي، وبالنسبة للحديث فإن نسبته إلى رسول الله -ﷺ- مقطوع بها.
الحديث المتواتر جرى نقاش بين العلماء؛ هل هو موجود بكثرة في السنة؟
ابن الصلاح يقول: من تطلب المتواتر عز وجوده، لعله يقصد المتواتر اللفظي بنصه؛ لكنّ المتواتر كثير جدًّا في الأحاديث.
وابن حجر -رحمه الله تعالى- يرد على كلام ابن الصلاح في ادعاء العزة في وجود الخبر المتواتر يقول:
وما ادعاه من العزة ممنوع، وكذا ما ادعاه غيره من العدم؛ لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطئوا على الكذب أو يحصل منهم اتفاق على ذلك. ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا وجود كثرة من الأحاديث: أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب -إلى آخر الشروط- أفاد العلم اليقيني، ومثل ذلك في الكتب المشهور كثير.
[ ٢٢٤ ]
وأيضًا السيوطي ينقل كلام ابن الحجر السابق في (التدريب) ويؤكده ويعقّب عليه بأنه ألف في الأحاديث المتواتر كتابًا، ثم اختصره في كتاب آخر، هذا كله يدل على أن المتواتر موجود، وأنه قد أُلِّفت فيه الكتب.
من الفوائد أيضًا المتعلقة بالحديث المتواتر أن نقول: إنهم حين يذكرون كلمة "المتواتر" هكذا مطلقة؛ فإنما يقصدون المتواتر اللفظي.
أيضًا، من المسائل الهامة: حين نقول بوجود المتواتر في السنة بكثرة؛ فليس معنى ذلك أن الأغلب في السنة هو الخبر المتواتر؛ وإنما الأغلب هو الآحاد، وهذا لا يقلل من شأن الآحاد ولا يزيد في المتواتر. إذن الحديث المتواتر موجود؛ لكنّ الأغلبية في السنة للحديث الآحاد.
المؤلفات كثيرة في الحديث المتواتر، منها كتاب (قطف الأزهار) و(الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) و(الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة) وكلها للسيوطي، وهناك من جعلهما كتابين فقط وليست ثلاثة كتب، و(البرهان) للزركشي، ألف قبل السيوطي كتابًا في الأحاديث المتواترة أشار إليه السخاوي في (فتح المغيث)، وهناك (نظم المتناثر من أحاديث المتواتر) تأليف أبي الفيض جعفر الحسن الشهير بالكتاني، وهناك (اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن علي بن طولون الحنفي الدمشقي الصالحي، وهناك (لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) لأبي الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري.
وهناك كتب كثيرة، ومعظم هذه الكتب مطبوع بفضل الله -﷿- ومعظمها أيضًا في جزء واحد لا يصعب طلبه من المكتبات، ولا يصعب الوقوف عليه مما لا نطيل بذكر التفصيلات حول هذه الكتب كثيرًا، ذكرناها للفائدة.
هناك أحاديث متواترة كثيرة: من أمثلتها: حديث: «من كذب عليّ متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار» ابن الصلاح في مقدمته -﵀- قال: نقله من
[ ٢٢٥ ]
الصحابة العدد الجم، وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم، والعراقي في تعليقاته على المقدمة أفاد أن بعض من جمع طرقه وصل بهم إلى ثمانية وتسعين نفسًا، وذكرهم بالاسم الزبيدي في (لقط اللآلئ المتناثرة)، وذكر من أخرج رواية كل منهم من أصحاب الكتب؛ فمن بين الصحابة الذين رووه مثلًا غير العشرة المبشرين بالجنة: أبو هريرة، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وأبو قتادة، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، في نفر كثير من الصحابة -رضوان الله عليهم-، وقد أخرجه الشيخان -رحمهما الله تعالى- من رواية علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وأنس، والمغيرة، وغيرهم كثير؛ كما انفرد البخاري -﵀- ببعض طرقه مثل انفراده من طريق الزبير بن العوام وعبد الله بن عمرو بن العاص وهكذا، ويكاد هذا الحديث يوجد في كل كتب السنة تقريبًا.
حديث: «الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»، حديث: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا»، حديث: «من غشنا فليس منا» أو «من غش فليس منا».
حديث الآحاد
حديث الآحاد الذي هو القسم الثاني من أقسام الحديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة من حلقات إسناده:
الآحاد جمع أحد بمعنى الواحد، ويعرّفه العلماء فيقولون: هو ما فَقد شرطًا من شروط الحديث المتواتر، ويعرّفه غيرهم فيقولون: هو ما لم يبلغ درجة التواتر، التعريفان قريبان من بعضهما، نستطيع أن نقول بمعنى واحد تقريبًا.
[ ٢٢٦ ]
بإيجاز، الحديث الآحاد له أقسام:
منها: الحديث المشهور: واختُلِف في تعريفه، مثلًا ابن حجر -﵀- في (شرح النخبة) يقول: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، وقيل في تعريفه أيضًا: ما رواه في كل طبقة من طبقاته ثلاثة فأكثر دون أن يصل إلى درجة التواتر.
هذه التعريفات -على كل حال- متقاربة، مدارها على أن المشهور لا ينبغي أن يقل العدد في كل طبقة من طبقاته عن ثلاثة رواة في كل حلقة من حلقات الإسناد على الأقل، ليس معنى هذا: أنه يشترط أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة، بمعنى وجود ثلاثة في كل حلقة لا يزيدون ولا ينقصون نحن نريد ألا ينقص العدد عن ثلاثة ولو في حلقة واحدة من حلقات الإسناد، إذا قل العدد عن ثلاثة لا يصبح مشهورًا وينتقل إلى العزيز.
ننبه إلى أن الحديث المشهور تعتريه أحكام الصحة والحسن والضعف، بمعنى آخر: ليست شهرة الحديث دليلًا على صحته؛ وإنما لا بد من التثبت في شأنه، والحكم بما يليق به صحة أو حسنًا أو ضعفًا. أيضًا ما نقوله في هذه المسألة نقوله أيضًا في أقسام الآحاد من العزيز والغريب التي سيأتي الكلام عنها، ذكرناه فقط عند المشهور لأنه ربما تصور البعض أن شهرة الحديث دليلٌ على صحته، وكثير من نسأل من الناس عن بعض الناس فنقول لهم: إنها ضعيفة؛ فيقولون: إنها مشهورة جدًّا وتنتشر على الألسنة إلخ؛ ولذلك هناك مؤلفات في الأحاديث المشتهرة على الألسنة مثل: (المقاصد الحسنة) للسخاوي، ومثل (كشف الخفاء) للعجلوني، وغيرهم، يحكمون على الأحاديث المشهورة على الألسنة على كل حديث بما يليق بحاله من الصحة والحسن والضعف.
هناك كلام كثير جدًّا عن المشهور مظنه في كتب المصطلح حديث مشهور عند أهل
[ ٢٢٧ ]
الحديث وأهل العلم جميعًا والعوام مثل: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» وهناك مشهور عند المحدثين خاصة، ويقول العراقي -رحمه الله تعالى- في ألفيته:
كذا المشهور أيضًا قسموا بشهرة مطلقة كالمسلم
أي: حديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» والمقصور على المحدثين من المشهور:
قنوته بعد الركوع شهرًا ومنه ذو تواتر مستقر
يعني: يقصد بالحديث المشهور الذي هو عند أهل الحديث خاصة: أن رسول الله -ﷺ- ظل يقنت على بعض القبائل شهرًا بعد الركوع لما فعلوه من قتل المسلمين في الرجيع وبئر معونة، وهناك مشهور عند الأصوليين، وعند الفقهاء، وعند النحاة، وقد لا يكون لا أصل له إلخ؛ لكنها تقسيمات للعلماء باعتبار ما دار على ألسنة الناس من الحديث كما هو معروف.
للحنفية في الحديث المشهور قولٌ أشار إليه الأستاذ الدكتور: محمد أديب صالح، بأن المشهور عند الأحناف له اصطلاحٌ خاص: إذا كان الحديث باعتبار عدد رواته ينقسم عند المحدثين إلى متواتر وآحاد -كما ذكرنا- فإنه عند الحنفية ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى متواتر، ومشهور، وآحاد على ذلك؛ المشهور ليس قسمًا من أقسام الآحاد؛ وإنما هو قسيم للمتواتر والآحاد؛ فهو قسم ثالث من أقسام الحديث باعتبار عدد رواته في كل حلقة.
الأحاديث المشهورة على الألسنة لها مؤلفات كثيرة.
النوع الثاني من حديث الآحاد: هو حديث العزيز:
وسمي بهذا الاسم إما لقلة وجوده؛ لأنهم يقولون: عز الشيء يعز، يقصدون: أنه قل؛ وقد يكون سُمي بذلك لأنه قوي واشتد بمجيئه من طريق آخر من
[ ٢٢٨ ]
قولهم: عَزَّ يعَزُّ، بفتح العين في المضارع، أي: اشتد وقوي، ومنه قوله -﵎-: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ (يس: ١٤) أي: قوينا وشددنا أمر الرسولين برسول ثالث.
"العزيز": هذه صفة مشبهة على وزن "فعيل" من عزّ؛ إنما تعريفه: ما لم يقل الرواة فيه عن اثنين ولو في طبقة واحدة، أو يقولون: ما تحقق في رواته اثنان ولو في طبقة واحدة، ولم يقلّ الرواة عنهما في أي طبقة.
ك ما ذكرنا عن حكم الحديث المشهور من أنه تعتريه أحكام الصحة والحسن والضعف؛ فكذلك نقول عن العزيز.
والغريب أيضًا القسم الثالث من أقسام حديث الآحاد:
هو أولًا لغويًّا: مشتق من الغربة؛ بمعنى: المنفرد أو البعيد الرجل الغريب: هو المنفرد أو هو البعيد عن أهله الحديث الغريب: سمي بذلك لأن راويه قد قد انفرد بالرواية عن غيره، مثل الغريب الذي انفرد وابتعد عن وطنه وعن أهله.
العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي علاقة واضحة، يعرفه ابن حجر -رحمه الله تعالى- في الاصطلاح فيقول عنه: ما تفرد بروايته شخص واحد في أي موقع وقع التفرد به في السند. هم يقسمونه إلى غريب نسبي وغريب مطلق، وكما قلت: هذا محله كتب المصطلح؛ لكن متى وُجد راو ٍ واحد ولو في حلقة من حلقات الإسناد يسمونه بالحديث الغريب.
هذه هي أقسام حديث الآحاد بإيجاز؛ لأن مظنتها هي كتب المصطلح ولأننا بعد ذلك إن شاء الله -﵎- سنرد على الشبه التي أثاروها حول العمل بخبر الآحاد وكأنهم يريدون أن يضيعوا سنة النبي -ﷺ-:
[ ٢٢٩ ]
حكم العمل بحديث الآحاد:
كما تكلمنا عن حكم العمل بالحديث المتواتر وأنه مقطوع بصدقه ومقطوع بصدق نسبته للنبي -ﷺ- وأيضًا منكر المتواتر كافر؛ لأنه كما يكون قد أنكر شيئًا من القرآن الكريم القرآن الكريم نقل إلينا بالتواتر، سيدنا رسول الله -ﷺ- قد تلقاه عن سيدنا جبريل -﵇- ثم تلقاه الصحابة الكرام عن النبي -ﷺ- وتلقاه من بعدهم عن الصحابة، هذا القرآن وظلت الأمة تتناقله بالملايين جيل عن جيل إلى عصرنا، وإلى ما بعد عصرنا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ كذلك الحديث المتواتر نقل إلينا بالعدد الكبير الذي يطمئن القلب إلى عدم وقوع الكذب منهم.
إذن، إنكار شيء من الحديث المتواتر هو أيضًا كإنكار شيء من القرآن الكريم؛ ولذلك حكم العلماء بكفر هذا وكفر ذاك.
بادئ ذي بدء نفرق بين مسألتين: ما الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم؟ ثم ما حكم العمل بحديث الآحاد؟
حين تكلمنا عن الخبر المتواتر قلنا: إنه يفيد العلم الضروري الذي يحصل اليقين لسامعه بصدق الخبر، لا يحتاج بعد ثبوت التواتر إلى نظر واستدلال. فما الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم؟
آراء العلماء في هذا متعددة؛ منهم من قال بإفادة خبر الآحاد للعلم القطعي، بمعنى أننا نقطع بأن الرسول -ﷺ- قاله، ومنهم من قال بإفادته للعلم الظني. الظن يعرفه الأصوليون بتعريفات متعددة تدور حول: أنه العمل بالقول الراجح أو ترجيح أحد الاحتمالين. الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في مقدمة (صحيح
[ ٢٣٠ ]
مسلم) ينقل وينسب هذا القول إلى المحققين والأكثرين من الأصوليين والمحدثين -وهذه الأكثرية في الحقيقة فيها نظر وقد تعقبه بعض العلماء في ذلك- ينقل أن أكثر العلماء من المحدثين والأصوليين يقولون بإفادته للظن، يعني: يغلب على ظننا أن رسول الله -ﷺ- قاله ولا نقطع بصدق نسبته للنبي -ﷺ-.
كثير من المحدثين من أهل العلم قالوا بإفادة خبر الآحاد للعلم النظري، أي: المبني على نظر واستدلال، نحن نصل إلى صحة الحديث بدراسة الإسناد ودراسة المتن، تعلمون أن علماء الحديث قد وضعوا شروطًا إذا توفرت في الإسناد حكم عليه بالصحة ووضعوا شروطًا للمتن: ألا يباين المنقول، أو يخالف المعقول، أو يصادم الأصول؛ وإذا كان كذلك فيكون صحيحًا، بالإضافة إلى معايير أخرى ذكروها في هذه المسألة.
إن العلماء الذين قالوا: إن خبر الآحاد يفيد القطع النظري، يعني: المبني على نظر واستدلال؛ لكننا نقطع بصحة نسبته للنبي -ﷺ- يقولون: قد درسنا الإسناد في ضوء القواعد المقررة عند العلماء ودرسنا المتن في ضوء القواعد المقررة عند العلماء لدراسة المتن؛ فسلِم لنا الإسناد والمتن معًا؛ فلماذا نتردد في القطع بصحة نسبة الحديث إلى النبي -ﷺ؟!
إلى هذا الرأي ذهب صاحب (المحلى) ابن حزم، وذهب الشيخ شاكر، والشيخ ناصر الألباني -﵀- وذهب كثير من العلماء.
وهناك من قال بإفادة الآحاد القطع؛ لكنه قصره على أحاديث الصحيحين مثل ابن الصلاح في (المقدمة) قال: بأن أحاديث الصحيحين فقط هي التي نقطع بصحة نسبتها للنبي -ﷺ- وواضح أن مبنى هذا الرأي عند ابن الصلاح على أن الصحيحين قد أجمعت الأمة على تلقيهما بالقبول، ومن ثم فأصبح الأمر
[ ٢٣١ ]
إجماع أمة وليس مجرد رواية البخاري ومسلم فقط، ومن هنا أعطى لآحاد الصحيحين بالأحرى إفادة القطع، أي: نقطع بصحة نسبته للنبي -ﷺ.
ابن حجر -رحمه الله تعالى- أضاف إلى ابن الصلاح فائدة أخرى: لم يقصر حكم إفادة العلم، أي: صدق النسبة والقطع بالنسبة للنبي -ﷺ- على أحاديث الصحيحين فقط؛ إنما ألحق بأحاديث الصحيحين كل حديث احتفت به قرائن تكسبه مزيدًا من القوة، قال فريق كثير من العلماء بأن الصحيحين أو آحاد الصحيحين يفيد القطع بصحة نسبته للنبي -ﷺ- لما توافر للصحيحين من إجماع الأمة أيضًا ما المانع أن نلحق بهذا الأمر كل حديث قامت قرائن وأدلة على أنه يرتقي إلى أحاديث الصحيحين قرائن أكسبته مزيدًا من القوة، خصوصًا وأننا نعلم أن الصحيحين لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة ولم يلتزما بهذا.
مثلًا الحديث المسلسل بالأئمة الأجلاء: حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- مثلًا أو عن الزهري عن ابن عمر هذا حديث نستطيع أن نسميه بأنه مسلسل بالأئمة الأجلاء الكبار، فلو كان هذا الحديث عند غير الصحيحين ألحق ابن حجر مثل هذه الأحاديث بأحاديث الصحيحين.
بما أنني قد تأكد من صحة السند وتأكدت من صحة المتن وسلِم لي الاثنان معًا- فلماذا لم أقطع بصحة نسبة الحديث للنبي -ﷺ؟!
متى صح الحديث وجب العمل به:
العلماء أجمعوا جميعًا على أن الحديث متى صح وجب العمل به بصرف النظر عن إفادته بالنسبة لنسبته إليه -ﷺ- الظن أو القطع ولا يصرف عن وجوب العمل
[ ٢٣٢ ]
به إلا بصارف شرعي كأن يكون منسوخًا مثلًا، أو عامًّا وخُصص، حتى النووي -﵀- لما تكلم من وجهة نظره عن أن خبر الآحاد يفيد الظن حكى إجماع العلماء على أن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها ليس شرطًا أن أصل إلى درجة القطع لأعمل بمضمون الخبر، هذا أمرٌ مقرر للعلماء.
مثلًا، حين يخبرنا مخبر أنه قد رأى هلال شوال أو هلال رمضان: في هلال رمضان يجب على الأمة أن تصوم، ومن أصبح مفطرًا بعد أن تأكدنا من عدالة الناقل للخبر بأنه رأى الهلال سيفطر يومًا لا يجوز فطره وله عقوبته المقررة عند العلماء في كتب الفقه، وكذلك أيضًا من صام حين يُرى هلال شوال سيصوم يومًا حرم صيامه على المسلمين بإجماع الأمة على ذلك، والحج ينبني على ما يراه الرائي بالنسبة لهلال شهر ذي الحجة البينات الأحكام من الحدود وغيرها مثلًا حين يشهد اثنان بأن فلانًا قتل فلانًا وتأكد القاضي من عدالة الرواة سيقتص منه، والاثنان خبر آحاد، والواحد الذي رأى الهلال خبر آحاد، والحدود كلها؛ حتى أشد الحدود أو أكثر الحدود طلبًا للعدد: وهو حد الرجم طُلِب فيه أربعة شهود؛ كما ورد في القرآن الكريم؛ حتى الأربعة على الرأي الأغلب عند العلماء ليس خبرًا متواترًا؛ إنما هو أيضًا خبر آحاد؛ وإنما زاد العدد في الأغراض لأنها مبنية على الصيانة والتحوط.
يشهد اثنان عليّ بأنني مدين بمبلغ كذا لفلان متى اطمأن القاضي لعدالة الرواة؛ حكم بأن المبلغ عليّ، ولا يحتاج الأمر إلى إقراري، وعليّ أن أؤدي المبلغ كما ذكره الشهود إلخ إلخ
أمور كثيرة جدًّا من أحكام الفقه والشرع تنبني على خبر الآحاد، وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن الأمة يجب العمل عليها بخبر الآحاد.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٣٣ ]