[ ٢٣٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث عشر
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (٦»
الشبه المثارة حول حجية خبر الواحد، والرد عليها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
هناك محاولات لإثارة الشبه حول حجية خبر الواحد، ويقولون بها، ويريدون أن ينتهوا إلى نتيجة: وهي أنه لا يجب العمل بخبر الواحد.
من أقوى ما حاولوا أن يستدلوا به قول الله -﵎-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) وقالوا: إن العمل بخبر الواحد اقتفاء لما ليس لنا به علم، وشهادةٌ وقولٌ بما لا نعلم؛ لأن العمل به موقوف على الظن
هؤلاء يصرون على إفادته للظن، ويقولون: قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨) وقالوا: قد ذمّ الله -﵎- من اتبع الظن وبيَّن -جل في علاه- أن الظن لا يغني من الحق شيئًا؛ فهم يتبعون دليلًا واهيًا، لا قوة له، لا يفيد في إثبات الحق شيئًا هذه شبهة قال بها بعض المعتزلة وقال بها بعض من تبعهم من المحدَثين.
وحاولوا بعد هذه القاعدة أن يستدلوا بأدلة من السنة؛ مثلًا في قصة ذي اليدين، وهي قصة مذكورة في الصحيحين، وذكرها البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان، والصلاة، والصوم، والفرائض، والأحكام إلخ، ورواه الإمام مسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له.
وهذا لفظ مسلم: روى بسنده -رحمه الله تعالى- إلى أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: «صلى بنا رسول الله -ﷺ- إحدى صلاتي العشي -إما الظهر، وإما العصر- فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليه مغضبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر؛ فهابا أن يتكلما، وخرج سرعان الناس قالوا للرسول -ﷺ-: قصرت
[ ٢٣٧ ]
الصلاة. فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله؛ أقصرت الصلاة أم نسيت؟ نظر النبي -ﷺ- يمينًا وشمالًا فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق؛ لم تصلّ إلا ركعتين. فصلى ركعتين وسلم ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع؛ ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع وسجد» الخلاصة أن النبي -ﷺ- أتم الصلاة بناء على إخبار ذي اليدين بعد أن سأل الصحابة -﵁-
ذو اليدين هو الخرباق بن عمرو السلمي، يقال له "ذو اليدين"؛ لأنه كان في يديه طول، وبعض الأقوال تقول: لأنه كان قصير اليدين؛ هو صحابي جليل، ترجم له في كتب الصحابة مثل (الإصابة) و(أسد الغابة) وغيرهم من الكتب التي ترجمت للصحابة -رضوان الله عليهم.
وجه استدلالهم بهذا الحديث:
أن النبي -ﷺ- لم يقبل قول ذي اليدين بادئ ذي بدء إلا بعد أن سأل الصحابة، وكأنه لم يثق بخبر الواحد إلا بعد أن أكده الذين كانوا معه.
وأيضًا، يجمعون إلى ذلك أدلة كثيرة كلها تدور حول هذا المعنى: أن مواقف من الصحابة احتاجوا فيها إلى قول آخر يساند القول الأول.
من ذلك مثلًا: حديث عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- في توقفه في قبول خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان: أبو سعيد يقول: "كنا في مجلس عند أبي بن كعب؛ فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا حتى وقف فقال: أنشدكم الله؛ هل سمع أحدٌ منكم رسول الله -ﷺ- يقول: «الاستئذان ثلاث؛ فإن أذن لك وإلا فارجع» قال أبي بن كعب: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات؛ فلم يؤذن لي فرجعت، ثم جئته اليوم فدخلت عليه؛ فأخبرته أني جئت أمس
[ ٢٣٨ ]
فسلمت ثلاثًا ثم انصرفت. قال: قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل؛ فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك! قال: استأذنت كما سمعت رسول الله -ﷺ- قال. فقال الفاروق -﵁-: فوالله لأوجعنَّ ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا. فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنًّا؛ قم يا أبا سعيد. فقمت حتى أتيت عمر؛ فقلت: قد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول هذا".
حديث أبي موسى هذا رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا، ورواه مسلم -﵀- في كتاب الآداب، باب الاستئذان.
أيضًا، قصة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- حين توقف في ميراث الجدة لما جاءته تسأله حقها في الميراث: "قال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعلم أن رسول الله -ﷺ- قضى لك بشيء؛ أشرنا إلى عظمة كلام أبي بكر -﵁- وذكائه وفطنته وأشرنا أيضًا إلى الحديث ومدى دلالته على حجية السنة، بعد أن كان الخليفة الراشد الأول أبو بكر -﵁- قد رد المرأة، وقال لها: ارجعي. حتى سأل الناس؛ فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله -ﷺ- أعطاها السدس. وهي لم يذكر فرضها في القرآن؛ فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، وذكر مثل ما قاله المغيرة بن شعبة؛ فأنفذه لها أبو بكر -رضي الله ﵎ عنه-".
وقصة أبي بكر -﵁- رواها أبو داود في كتاب الفرائض باب في الجدة ورواها الترمذي في كتاب الفرائض أيضًا باب ما جاء في ميراث الجدة، وعقب عليه الترمذي -رحمه الله تعالى- فقال: وهذا أحسن وأصح من حديث ابن عيينة، يعني: يرجح إحدى الروايتين؛ لكنه حكم لها بالصحة -على كل حال.
إذن، هذه أدلةٌ، المنكرون لحجية خبر الآحاد يتصورونها أنها أدلة على أن الصحابة لم يقبلوا خبر الواحد.
[ ٢٣٩ ]
ونريد أن نرد على هذه الشبه، ثم نذكر الأدلة على قبول خبر الواحد وهي أدلة كثيرة جدًّا، وسنقف معها مع (رسالة الإمام الشافعي) -رضي الله تعالى عنه- وغيره من الكتب الواردة في هذه الموضوع:
المسألة الأولى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨) يقولون: إن هذه الآية قد ذم الله فيها الظن، وبيَّن أنه لا يغني من الحق شيئًا، يعني: من أراد الحق وطلبه؛ فلا يكتفِ بأدلة الظن؛ إنما لا بد له من الوصول إلى القطع واليقين، وأحاديث الآحاد تفيد الظن.
مثل هذه الآيات جمعوها واستدلوا بها، ونريد أن نقول: إن الظن هنا في هذه الآيات هو الذي يوضع في مقابلة اليقين؛ فكأنه نوع من الوهم، وإلا فإن الظن درجة من درجات العلم يبنى عليها، والظن: هو ترجيح أحد الاحتمالين أو هو القول بالعمل الراجح -على تعريفات متعددة للظن عند الأصوليين.
دعونا نستدل من القرآن الكريم على أن الله -﵎- في آيات كثيرة قد اعتبر الظن:
من ذلك مثلًا في سورة البقرة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ٤٥ - ٤٦) لم تقل الآية: الذين يعتقدون أنهم ملاقو ربهم،
أيضًا، سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (المطففين:١ - ٥) مع أن إيماننا باليوم الآخر يجب أن يكون معتقدًا مقطوعًا به؛ إلا أن الله -﷿- اعتبر الظن هنا درجة كافية في وجوب الإيمان باليوم الآخر؛ بل إن هنا لفتة أشار إليها بعض العلماء حين قال: عبّر الله بالظن في مجال يقتضي اليقين؛ ليبين لنا أنه حتى ولو غلب على ظن الأمة أو غلب على ظن بعض أفراد الأمة أن
[ ٢٤٠ ]
يوم القيامة واقع لكانت غلبة الظن هذه كافية في أن يحسنوا الاستعداد لهذا اليوم وألا يفعلوا ما فعلوه من مخالفات جسيمة حين طففوا الكيل والميزان؛ ألا يعتقدون يومًا سيحاسبون فيه على تطفيف الميزان وغيره؟! هذا الظن أو هذا الاعتقاد عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾.
الخلاصة: أن الظن في هذا الفهم درجة من درجات العلم القوية التي، حتى وإن لم تصل إلى درجة اليقين؛ فهي كافية لأن ينتسب العبد إلى مضمون الخبر الذي غلب على ظنه بأنه صحيح، وهناك من العلماء من فسّر بأن الظن هنا: هو اليقين، وقالوا كذلك: الظن بمعنى اليقين، وسواء هذا أو ذاك؛ فهي اجتهادات في تفسير الآية.
ونخلص من ذلك كله إلى أن الاستناد إلى الآية: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ إنما هو استنادٌ إلى فهم خاطئ في معنى الظن واضح جدًّا من السياق هنا أنه الوهم، أو الذي ليس له أي درجة من الصدق أو الحجية.
فسياق الآية واضح في أن الظن هنا ليس هو الظن الذي عرفه الأصوليون بأنه: ترجيح أحد الاحتمالين، أو العمل بالقول الراجح؛ وإنما هو الظن المرادف للوهم الذي لا يَعتمد على أي دليل ولا حتى شبهة دليل؛ وإنما يخرف به أصحابه من غير استناد إلى آثارة من علم أو برهان حتى ولو كان ضعيفًا.
إذن هذا الدليل وأمثاله مما حاولوا أن يستدلوا به على أن خبر الآحاد لا يُعمل به لإفادته الظن مردودٌ عليه -كما وضح من القول.
أما ما ذكر من استدلالهم بقصة ذي اليدين التي أشرنا إليها وبقصة عمر -رضي الله ﵎ عنه- في قصة الاستئذان مع أبي موسى، وفي قصة ميراث الجدة كلها لا تدل على ما ذهبوا إليه.
أولًا: الصحابة كلهم عدول، وأبو موسى عدل من العدول الكبار في عالم الصحابة، وذو اليدين أيضًا؛ إنما الصحابة -رضوان الله عليهم- علمونا التثبت في رواية
[ ٢٤١ ]
الأخبار، لم يشكوا أبدًا من خبر أبي موسى، ولم يشك الصديق في خبر المغيرة، ولم يشك النبي -ﷺ- في ذي اليدين؛ إنما أرادوا التأكد فقط؛ فهل بعدما شهد شاهد مع أبي موسى أو مع المغيرة أصبح الخبر متواترًا؟! لا، لا يزال خبر آحاد كما هو؛ لأنه من رواية اثنين فقط، ورواية اثنين -باتفاق الجميع- من أخبار الآحاد، وليس من أخبار التواتر.
خصوصًا أن المواقف الثلاثة التي أشرنا إليها تحمل أحكامًا شرعية في قصة ذي اليدين.
أيضًا ميراث الجدة، القرآن على تفصيله في آيات المواريث لم يذكره؛ ولأن قصة الجدة نادرة، يندر أن تظل الجدة حية إلى أن ترث حفيدها؛ فيكون الخبر ليس معروفًا عند كثير من الصحابة هذا أمر وارد جدًّا؛ فلذلك أراد الصديق -﵁- أن يستوثق؛ لأن هذا أيضًا حكم شرعي، وكذلك الأمر في قصة أبي موسى، ويتضمن حكمًا بأن الذي يستأذن ثلاث مرات ولم يؤذن له؛ فليرجع.
إذن، الاستدلال أيضًا بهذه النصوص ليس استدلالًا قويًّا؛ بل هو ضعيف ومتهافت -كما ذكرنا- والعلماء الذين ذكروا هذا ذكروا أدلةً كثيرة على أن النبي -ﷺ- وأن الصحابة -رضوان الله عليهم- قبلوا كثيرًا جدًّا من أخبار الآحاد.
أدلة الإمام الشافعي على حجية خبر الواحد
ونأتي الآن إلى أدلة الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى- في (الرسالة) عقد فصلًا ممتعًا تحت عنوان: الحجة في تثبيت خبر الواحد: ذكر فيه مجموعة من الأدلة الكثيرة جدًّا ربما تقترب من ثلاثين دليلًا لإفادة خبر الواحد أو لحجيته ووجوب العمل به، وكل العلماء الذين تكلموا في هذا: الشيخ الألباني عليه -﵀- له كتاب في هذا الشيخ أحمد شاكر له كتاب في هذا وكثير من العلماء.
[ ٢٤٢ ]
نشير إلى العمدة في هذا وهو كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:
يقول -﵀-: فإن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنصّ خبر أو دلالة فيه أو إجماع -يعني: بنص خبر صريح، أو خبر يدل على هذا ولهدلالة التزامية أو تضامنية أو ما شاكل ذلك أو بإجماع- فقلت له: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن النبي -ﷺ- قال: «نضّر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » إلى آخر الحديث.
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- هنا يروي بإسناده، ورواه الترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على ترديد السماع، وقال عن حديث عبد الله بن مسعود هذا: حسن صحيح، ورواه أيضًا من حديث زيد بن ثابت، وقال عنه: حديث حسن، ورواه أبو داود في كتاب العلم، باب نشر العلم، ورواه غيرهم كثير.
وجه الدلالة من النص -كما يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى-: فلما ندب رسول الله -ﷺ- إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأً يؤديها والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدي إليه؛ لأنه إنما يؤدى إليه حلال يفعل وحرام يجتنب وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة في دين ودنيا -يعني: أحكام الشرع كلها تنقل- ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظًا ولا يكون فيه فقيهًا، وأمر رسول الله -ﷺ- بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين -إن شاء الله- لازم.
ويستطرد الإمام الشافعي -﵀ ﵎- يقول: أخبرنا سفيان، قال: أخبرني سالم أبو النضر: أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: قال
[ ٢٤٣ ]
النبي -ﷺ-: «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نَهيت عنه أو أمرت به؛ فيقول: لا ندري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» يقول: قال ابن عيينة: وأخبرني محمد بن المنكدر عن النبي -ﷺ- بمثله مرسلًا، وفي هذا تثبيتُ الخبر عن رسول الله وإعلامهم أنه لازم له، وإن لم يجدوا له نصّ حكم في كتاب الله، وهو موضوع في غير هذا الموضع.
والحديث له روايات أخرى: «إلا إن ما حرم رسول الله -ﷺ- مثل ما حرم الله تعالى» بين في نهاية الحديث أن النبي -ﷺ- يشرع كما يشرع الله -﵎. هذه أدلة على حجية خبر الواحد.
ويستطرد الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- مع أدلته؛ فيروي أن رجلًا قبل امرأته وهو صائم؛ فوجد من ذلك وجدًا شديدًا -يعني خاف وتألم- فأرسل امرأته تسأل عن ذلك؛ فدخلت على أم سلمة -أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها- فأخبرتها أم سلمة؛ فقالت: إن رسول الله -ﷺ- يقبل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله -ﷺ- يحل الله لرسوله ما شاء؛ فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله -ﷺ- عندها، فقال رسول الله: «ما بال هذه المرأة؟» فأخبرته أم سلمة فقال: «ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟! فقالت أم سلمة: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها؛ فأخبرته؛ فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله؛ يحل الله لرسوله ما شاء! فغضب رسول الله -ﷺ- ثم قال: والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده».
يقول الشافعي -رحمه الله تعالى-: وقد سمعت من يصل هذا الحديث، ولا يحضرني ذكر من وصله؛ لأنه رواه مرسلًا: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعطاء بن يسار من الصحابة: تابعي، فالشيخ أحمد شاكر
[ ٢٤٤ ]
-عليه رحمة الله تعالى- يقول: وصله عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن عطاء، عن رجل من الأنصار، وهو في (مسند الإمام أحمد): حدثنا عبد عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار: أن الأنصاري أخبر عطاء: أنه قبل امرأته على عهد رسول الله -ﷺ- وهو صائم ". فذكر الحديث، والهيثمي -﵀- في (مجمع الزوائد) قال عنه: ورجاله رجال صحيح، والشيخ شاكر عقب وقال: وهو كما قال.
لكن الشيخين -رحمهما الله- روياه من حديث أم سلمة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- كان يقبّلها وهو صائم، وهو موجود عندهم في كتاب الصيام في حكم القبلة للصائم، وأيضًا الإمام مسلم روى من حديث عمر بن أبي سلمة -وهو ابن أم سلمة- أنه سأل رسول الله -ﷺ-: أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «سلْ هذه» لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله -ﷺ- يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فقال رسول الله -ﷺ-: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له».
على كل حال: الحديث صحيح، ووجه الدلالة منه: أن المرأة جاءت من عند زوجها -وهي واحدة- وأخبرتها أم سلمة -وهي واحدة- وعادت إلى زوجها، وعادت مرة بعد العودة إلى زوجها إلى النبي -ﷺ- وكل ذلك أم سلمة تخبرها والمرأة تعود وتتكلم إلى أن قال رسول الله -ﷺ-: «إني والله لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده» دلالة واضحة في الحديث على أن الخبر الواحد يُعمل به بدون تردد أبدًا.
قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في الإسناد أيضًا: في ذكر قول النبي -ﷺ-: «ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك» دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله؛ لأنه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي -ﷺ- إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لما أخبرته، وهكذا خبر امرأته إن كانت من الصدق عنده.
[ ٢٤٥ ]
ثم انتقل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- إلى دليل آخر على أن النبي -ﷺ- والصحابة عملوا بخبر الواحد:
قال: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح؛ إذ أتاهم آتٍ فقال: "إن رسول الله قد أنزل عليه قرآن، وقد أُمر أن يستقبل القبلة؛ فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة"، وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفِقْه وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعو فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة -هل يتركون ما افترضه الله عليه من وجوب الاتجاه إلى بيت المقدس إلا بحجة غيرت هذا الحكم، وهم لم يسمعوا من النبي -ﷺ-، هم في صلاتهم آتاهم آتٍ أخبرهم أنه قد أنزل الليلة على رسول الله -ﷺ- قرآن يأمر بتحويل القبلة- ولم يَلقوا رسول الله -ﷺ- ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة؛ فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعًا من رسول الله -ﷺ- ولا بخبر عامة.
يعني: هم كانوا متتبعين لقبلتهم أولًا؛ لأن لهم فيها ما أنزل الله -﷿- من كتاب الله وأيضًا سنة النبي -ﷺ- الذي ظل سبعة عشر في المدينة بعد الهجرة يصلي بهم إلى بيت المقدس.
وانتقلوا عن هذا الحكم السابق في القرآن والسنة بخبر واحد؛ إذ كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي -ﷺ- أنه قد أتى عليهم بتحويل القبلة، أو ولم يكونوا ليفعلوه -إن شاء الله- بخبرٍ إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق، ولا ليحدِثوا أيضًا مثل هذا العظيم -الذي هو تحويل القبلة- في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثة، ولا
[ ٢٤٦ ]
يدَعون أن يخبروا رسول الله -ﷺ- بما صنع منه، ولو كانوا ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله في تحويل القبلة وهو فرضٌ مما يجوز لهم؛ لقال لهم إن شاء الله رسول الله: قد كنتم على قبلة ولم يكن لكم تركها، إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة من سماعكم مني، أو خبر عامة، -خبر العامة في استعمال الإمام الشافعي يقصد به خبر المتواتر.
الإمام الشافعي يريد أن يقول: لو كان هناك خطأ في هذا لكان النبي -ﷺ- قد أخبرهم أنه: ما كان لكم أن تنتقلوا القبلة التي كنتم عليها إلا بعد علم تقوم عليكم به الحجة، إما من سماعكم مني مباشرة أو بخبر عامة -يعني بخبر متواتر- فلما لم يحدث ذلك من النبي -ﷺ- دل ذلك على قبول خبر الآحاد.
الصحابة تحولوا وهم في الصلاة إلى القبلة إلى بيت الشام بدون أن يترددوا في ذلك لحظة واحدة.
حديث تحويل القبلة بروايات متعددة عن البراء بن عازب وعن عبد الله بن عمر -﵄- وغيرهما، رواه البخاري في كتاب الصلاة: باب التوجه نحو القبلة حيث كان، وأخرجه أيضًا في مواطن أخرى من صحيحه تزيد على عشرة مواطن، ورواه الإمام مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
والصحابة هنا في الحقيقية أعطونا درسًا في منتهى العظمة لسرعة التلبية لأوامر النبي -ﷺ- مع أوامر القرآن الكريم، والذين درسوا تحويل القبلة يجدون أن هذا الأمر قد تكرر، وكل ذلك في الصحيحين؛ النبي -ﷺ- أمر بتحويل القبلة فاستدار وهو في الصلاة، هذا الذي ينزل عليه الوحي، وكان في صلاة الظهر أو في صلاة
[ ٢٤٧ ]
العصر في ديار بني سلمة إلى آخر الروايات الواردة في هذا المهم كان قد صلى مع النبي -ﷺ- صحابي مر على قوم في مسجد يصلون العصر فشهد أنه صلى الآن مع رسول الله -ﷺ- فتحول عن القبلة -أي قبلة بيت المقدس- إلى الكعبة، حدث هذا في صلاة العصر لما أخبرهم المخبر سواء كان تحويل القبلة في الظهر أو في العصر مع النبي -ﷺ- إنما أدرك القوم في صلاة العصر وأخبرهم؛ فتحولوا بدون تردد.
ووصل الخبر إلى قباء مع صلاة الفجر؛ فنفس ما حدث من الصحابة في صلاة العصر بالأمس حدث اليوم في صلاة الفجر حين أخبرهم مخبر ١٨٠ درجة في الصلاة تحولوا من ناحية الشمال بالنسبة للمدينة بيت المقدس إلى ناحية الجنوب -أي مكة المكرمة- امتثالًا لأمر الله -﵎- والمخبر في الحالتين هو رجل واحد، يعني: هو هو خبر آحاد.
وللحديث بقية بإذن الله.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٤٨ ]