[ ٢٤٩ ]
بسم الله الر حمن الرحيم
الدرس الرابع عشر
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (٧»
بقية الأدلة على حجية خبر الواحد عند الشافعي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فيستمر الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في استعراض أدلة وجوب خبر الواحد: يروي بإسناده عن الإمام مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر -يعني: شراب يتخذ من البسر أي: التمر المشقوق- فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها. فقمت إلى مهراس لها؛ فضربتها بأسفله حتى تكسرت المهراس: عبارة عن حجر مستطيل ومنقور من وسطه كأنه آنية يتوضأ منه وتطحن فيه الأشياء -مثل: الهون، في لغة المصريين التي يطحن به الأشياء- فقام أنس بن مالك أمسك بهذا المهراس وكسر به الجرار التي هي مملوءة بالخمر استجابة لأمر أبي طلحة الذي نفذ الأمر حين سمعوا من يقول لهم: إن الخمر قد حرمت.
أيضًا، وجه الدلالة على أن الذي أخبرهم بتحريم الخمر واحد وهم يشربون، وبدون تردد قاموا وكسروا الجِرار.
يعبر الإمام الشافعي -﵁- بأسلوبه العظيم يقول: وهؤلاء في العلم والمكان من النبي وتقدم صحبته في الموضع الذي لا ينكره عالم، وقد كان الشراب عندهم حلال يشربونه، فجاءهم آتٍ وأخبرهم بتحريم الخمر؛ فأمر أبو طلحة -وهو مالك الجرار- بكسر الجرار، ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم: نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله -ﷺ- مع قربه منا أو يأتينا خبر عامة -يعني الخبر المتواتر-.
[ ٢٥١ ]
وذلك أنهم لا يهرقون حلالًا إهراقه سرف وليسوا من أهله -يعني هم لا يهرقون الخمر إذا كانت ما زالت مستمرة على حلها- والحال في أنهم لا يدعون إخبار رسول الله -ﷺ- ما فعلوا، ولا يدع لو كان قبلوا من خبر الواحد ليس لهم أن ينهاهم عن قبوله -يعني: إذا كانوا لا يقبلون خبر الواحد يقولون: ما نهينا عن شربه! إذن لم يفعلوا ذلك؛ لتلكئوا ولاعتذروا ولقالوا: ننتظر حتى نلقى رسول الله -ﷺ- فيخبرنا ولقالوا: ننتظر حتى يكون الخبر خبر عامة على حد تعبير الإمام الشافعي -﵁- أي: خبرًا متواترًا، وليس خبر خاصة أي خبر آحاد؛ وإنما امتثلوا بدون أدنى تردد لأمر رسول الله -ﷺ-، هذا دليل.
الدليل الآخر ينتقل إليه الإمام الشافعي -﵁- في قصة العسيف، والحديث أيضًا في الصحيحين في كتاب الحدود، مطلعه هكذا: "إن ابني كان عسيفًا عند هذا فزنى بامرأته؛ فأخبروني أن على ابني مائة شاة ووليدة؛ فافتديت ابني بمائة شاة ووليدة"؛ حتى جاء النبي -ﷺ- يطلب منه الحكم الصادق الموافق لشرع الله؛ فأخبره النبي -ﷺ- أن على ابنه جلد مائة وتغريب عام؛ لأن الولد كان بكرًا لم يكن متزوجًا، وقال النبي -ﷺ- لأنيس الأسلمي صحابي جليل: «واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها» فاعترفت فرجمها.
هنا يعلّق الإمام الشافعي -﵁- بعد أن روى الخبر يقول: وأمر رسول الله -ﷺ- أنيسًا أن يغدو على امرأة رجل ذكر أنها زنت؛ «فإن اعترفت فارجمها»؛ فاعترفت فرجمها.
ثم ساق سند الحديث إن مالك وسفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد -﵄- رويا هذا الحديث، وكما قلنا: هو في الصحيحين؛ إذن امتثلت المرأة لرجل واحد جاءها عن النبي -ﷺ-، وأرسل النبي -ﷺ- رجلًا واحدًا.
[ ٢٥٢ ]
وهذه الأمور التي ذهب بها رجل واحد أو أخبر بها رجل واحد؛ إنما هي أحكام شرعية ليست في فضائل الأعمال، وليست في الوعظ والإرشاد؛ إنما هي أحكام شرعية مهمة جدًّا في قصة قباء مثلًا أو في قصة تحويل القبلة، فيها حكمٌ شرعي خطير وهام بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وحدَث أن الصحابة أُخبروا مرتين في مسجدين مختلفين وبينهما زمنٌ وفسحة، ومع ذلك استجابا بدون أدنى تردد وهم في الصلاة لم ينتظروا حتى يفرغوا في الصلاة ويقولوا: ننظر الأمر أو شاكل ذلك، لم يحدث هذا، وأيضًا قصة الخمر، وجاءهم آتٍ وأخبرهم أن الخمر حُرّمت، منهم أبو طلحة جالس وبعض الصحابة معه، وبدون تردد: "اكسر يا أنس الجرار"؛ كسرها، ولم يتعللوا بأن المخبر واحد، أو لم يقولوا: ننتظر حتى نلقى رسول الله -ﷺ- وهو قريب منهم إلخ، هذا حكم شرعي أيضًا فيه تحريم الخمر.
والحديث الذي نحن معه في قصة العسيف يتعلق بإقامة الحدود أرسل النبي -ﷺ- رجلًا واحدًا إلى امرأة ليسألها: هل زنت مع هذا الشاب الذي زعم أنه زنى بها أم لم تزنِ؛ لأن الأمر لم يثبت بالبينة، أي: بالشهود؛ إنما ثبت بالإقرار، ولا نأخذ بقول الشاب في تلك المرأة؛ فأرسل النبي -ﷺ- رجلًا واحدًا إليها؛ فاعترفت فرجمها.
وأيضًا، يستمر الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- مع أدلته: يروي عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت: بينما نحن بمنًى علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- على جمل يقول: إن رسول الله -ﷺ- يقول: «إن هذه أيام طعام وشراب -أي: أيام منى بعد الفراغ من وقفة عرفة يعني بدءًا من العاشر والحادي عشر من أيام ذي الحجة- فلا يصومن أحدٌ» فاتبع الناس وهو على جمله يصرخ
[ ٢٥٣ ]
فيهم بذلك، يعني: يتتبع الناس في تجمعاتهم تنفيذًا لأمر النبي -ﷺ- ويخبرهم بعدم الصيام.
يقول الإمام الشافعي: ورسول الله -ﷺ- لا يبعث بنهيه واحدًا صادقًا إلا لزم خبره عن النبي بصدقه عند المنهيين عما أخبرهم أن النبي -ﷺ- نهى عنه.
معنى هذه العبارة: أن رسول الله -ﷺ- يبعثُ بنهيه واحدًا صادقًا -وهو علي- ويلزم خبره -ﷺ- باعتراف أو بإقرار المنهيين بصدقه؛ وكأن هذا إشارة إلى القاعدة المعروفة: أنه متى ثبت صدق الراوي وعدالته؛ فنقبل خبره، وهذا من مثل هذا الكلام، هذا تقعيد، يعني: أخذ العلماء القواعد لشروط الحديث الصحيح: ما اتصل سنده برواية العدل الضابط عن العدل الضابط من أول السند إلى منتهاه.
إذن، صدّقوا عليًّا وهو صادق -والحمد لله- أخبرهم بنهي النبي -ﷺ- يقول الإمام الشافعي -استطرادًا مع الكلام- يقول: ومع الرسول -ﷺ- في الحاج -يقصد الحجيج جميعًا- وقد كان قادرًا على أن يبعث إليهم فيشافههم، أو يبعث إليهم عددًا وليس واحدًا. يعني: إما أن يرسل إلى الحجيج ليأتوا له ليحدثهم وإما أن يرسل إليهم أكثر من واحد لو كان خبر الواحد ليس حجة كما يزعم من يزعم من الذين يتوقفون في خبر الواحد، فبعث إليهم واحدًا يعرفونه بالصدق، وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله -ﷺ-.
فإذا كان هكذا مع ما وصفتُ من مقدرة النبي على بعثه جماعة إليهم- كان ذلك -إن شاء الله- فيمن بعده ممن لا يمكنه ما أمكنهم وأمكن فيهم أولى أن يثبت به خبر الصادق. يعني: أنه كان يمكنه أن يرسل إليهم أكثر من جماعة وكان هم يأتونه ومع ذلك لم يفعل ذلك؛ فدل ذلك على قبول خبر الصادق الواحد الذي بعثه إليهم ليخبرهم بأمر رسول الله -ﷺ- أنه يحرم الصيام في هذه الأيام.
[ ٢٥٤ ]
ينتقل الإمام الشافعي إلى أدلة أخرى: يروي بإسناده عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن خالٍ له يقال له: يزيد بن شيبان، قال: كنا في موقف لنا بعرفة -يباعده عمرو من موقف الإمام جدًّا، يعني: هو بعيد عن موقف الإمام جدًّا- فأتانا ابن مِربع الأنصاري فقال لنا: «أنا رسولُ رسولِ الله إليكم، يأمركم أن تقفوا على مشاعركم؛ فإنكم على إرثٍ من إرث أبيكم إبراهيم» عمرو هذا يقول: إنه كان بعيدًا عن الإمام. أي: عن النبي -ﷺ- وأرسل إليهم رسول الله -ﷺ- رسولًا يقول: «أنا رسولُ رسولِ الله إليكم، ورسول الله -ﷺ-: يأمركم أن تقفوا على مشاعركم؛ فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم» هذا الرجل واحد ذهب إليهم بحكم شرعي.
ويستمر الإمام الشافعي يقول: وبعث رسول الله -ﷺ- أبا بكر واليًا على الحج في سنة تسع، وحضره الحج من أهل بلدان مختلفة وشعوب متفرقة؛ فأقام لهم مناسكهم وأخبرهم عن رسول الله -ﷺ- بما لهم وما عليهم، وبعث علي بن أبي طالب في تلك السنة؛ فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر آيات من سورة براءة، ونبذ إلى قوم على سواء وجعل لهم مددًا، ونهاهم عن أمور، يعني: هذه كلها أحكام شرعية معروفة في كتب الفقه والاستطراد مع بيانها يطيل الأمر جدًّا
أمّر أبا بكر وهو واحد، وأخبرهم عن النبي -ﷺ- بما لهم وبما عليهم وبعث علي بن أبي طالب -﵁- في تلك السنة قرأ عليهم آيات من براءة وهو واحد، ولم يكن رسول الله -ﷺ- ليبعث إلا واحدًا إلا والحجة قائمة بخبره على من بعثه إليهم: لا يرسل النبي -ﷺ- واحدًا بأمر ما وهو يعلم أن الحجة قائمة على المبعوث إليهم بوصول هذا الرسول إليهم ليخبرهم عن رسول الله -ﷺ- ما أمر به وما نهى عنه.
الشافعي -﵁- يقول: فرّق النبي -ﷺ- عمّالًا على نواحي، عرفنا أسمائهم
[ ٢٥٥ ]
والمواضع التي فرقهم عليها، ثم ذكر؛ فبعث قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وابن نويرة إلى عشائرهم لعلمهم بصدقهم عندهم، بعثهم بأوامر رسول الله -ﷺ- وقدِم عليهم وفد من البحرين بعث معهم ابن سعيد بن العاص، وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب » إلخ، كل هؤلاء بعث بهم واحدًا، ومعاذ بن جبل -﵁- مع أدلة أخرى نذكرها؛ ذهب بعقيدة وبأحكام، البعض يتوقف في حديث الآحاد في العقائد.
نعم؛ كل ذلك خبر ثبت بخبر الواحد: معاذ بن جبل لما ذهب إلى اليمن والحديث أيضًا في الصحيحين في أكثر من موطن: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فاطلب إليهم أن يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا إلى ذلك -هذه هي العقيدة: الشهادتان اللتان هما عنوان على دخول المرء في الإيمان- فأخبرهم أن الله تعالى قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله -﵎- قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم؛ واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب » إلخ ما قال، هنا معاذ -رضي الله تعالى عنه- ذهب بعقيدة وذهب بأحكام شرعية، وكل ذلك خبر الواحد يعلمهم ما فرض الله عليهم، ويأخذ منهم ما أوجبه الله عليهم من زكوات وغيرها، وهم يعرفون معاذًا ويعرفون صدقه وأمانته وأنه صادقٌ في كل ما أخبر به عن رسول الله -ﷺ-.
أيضًا من الأدلة التي ذكرها الإمام الشافعي: أرسل أمراء سرايا إلى كثير من البلاد، وقد بعث بعث مؤتة وولّاه زيد بن حارثة وهو واحد؛ وإن أصيب فجعفر وإن أصيب فابن رواحة، وبعث ابن أنيس بسرية وحده، وكل أمير سرية يعتبر حاكمًا فيما بعثه فيه: يصلي بهم، ويعلمهم أمور دينهم، ويقودهم في الحرب، وعليهم أن يسمعوا له وأن يطيعوا، وهذا حقه عليهم؛ فرسول الله -ﷺ- يقول:
[ ٢٥٦ ]
«من أطاع أميري فقد أطاعني؛ ومن عصى أميري فقد عصاني» وقد كان يمكنه أن يبعث أكثر من رسول إلى جهة ما؛ لكنه كان يبعث واحدًا، وبعث إلى ملوك الأرض ورؤسائها يدعوهم إلى الإسلام: بعث إلى هرقل عظيم الروم، وبعث إلى كسرى عظيم الفرس، وبعث إلى المقوقس عظيم مصر، وبعث إلى النجاشي وبعث إلى غيرهم.
يقول الإمام الشافعي: بعث في دهر واحد -أي في وقت واحد- اثني عشر رسولًا إلى اثني عشر ملكًا يدعوهم للإسلام، ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة فيها إلى آخر ما قال -رحمه الله تعالى-.
إذن، هم أيضًا ذهبوا بعقيدة، وكانت رسالتهم إلى الملك من الملوك يقول له: «اسلم تسلم يأتيك الله أجرك مرتين -إذن هي دعوة العقيدة- فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين» كتب بذلك إلى هرقل، وكتب به إلى كسرى، وإلى غيرهم من الملوك الذين بعث إليهم، وها هو الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: إنهم كانوا اثني عشر ملكًا.
يقول الإمام الشافعي: ولم تزل كتب رسول الله -ﷺ- تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي، ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره، ولم يكن ليبعث رسولًا إلا صادقًا عند من بعثهم إليهم لا يسع أحدٌ أن يترك أمر النبي -ﷺ- والمبعوث إليهم أيضًا ما داموا قد صدقوا الرسول الذي جاءهم فهو حجة عليهم إلخ.
وسار المسلمون هكذا بعد رسول الله -ﷺ-، فاستخلفوا أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- ثم استخلف أبو بكر عمر، ثم استخلف عمر أهل الشورى ليختاروا واحدًا إلى آخر الأدلة الواردة في هذا.
إذن، الولاة ينفذهم أيضًا من القضاة وغيرهم: يقضون فتنفذ أحكامهم ويقيمون
[ ٢٥٧ ]
الحدود، ويأمرون الناس بأوامر الشرع وينهونهم عما نهى عنه الشرع، والناس يسمعون لهم ويطيعون.
هذه أدلة من رسل بعثهم النبي -ﷺ- يدعون إلى الإسلام، وقواد قادوا المسلمين في غزوات إلى آخر التفصيلات.
الإمام الشافعي عنده أكثر من ثلاثين دليل تضمنت العمل بحديث الآحاد في العقائد في الأحكام في كل أمور الإسلام لا تفريق بين أمر وآخر.
الأدلة على حجية خبر الواحد من (صحيح البخاري) ومناقشتها
ننتقل إلى (صحيح البخاري) -رحمه الله تعالى- والباب رقم ٩٥ عنده، وهو في الجزء الثالث من (فتح الباري) والكتاب سماه كتاب أخبار الآحاد، أول باب فيه يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان، والصلاة، والصوم، والفرائض، والأحكام، وقول الله تعالى
وأنا أعتقد أن الصدوق في هذا الاستعمال تعني الثقة الذي يجمع بين العدالة والضبط.
باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الآذان في الصلاة في الصوم في الفرائض في الأحكام، وقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) يعني: الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- وكما نعلم جميعًا أن فقهه في تراجمه أي: في عناوين الأبواب: الكتاب عنده اسمه كتاب آخبار الآحاد، وهي القضية
[ ٢٥٨ ]
التي نعالجها منذ عدة دروس وبيان حجية خبر الآحاد وأنه يعمل به في سائر أمور الشرع من عقائد وغيرها.
جعل عنوان الباب فيه عدة أمور: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق يقول: في الآذان، في الصلاة، في الصوم، في الفرائض، في الأحكام يعني في كل أمور الشرع، ثم يذكر أدلة من القرآن الكريم على ذلك يقول: وقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
الآية تطلب أن ينفر من المؤمنين من كل فرقة طائفة مهمتها أن تتفقه في الدين وأن تعلّم الأمة أمور دينها ما وجه الاستدلال بهذا؟
يقول الإمام الشافعي: ويسمى الرجل طائفة: يعني: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الطائفة: تطلق على الواحد وعلى الاثنين وعلى الجماعة ما دلالة إطلاقها على الواحد؟
كلام الإمام البخاري في عنوان الباب: قال: ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية، يعني: هو يستدل هنا على أن الطائفة ربما تكون واحدًا، ليس المفهوم المتبادر من ظاهر الكلمة أنها تعني الجماعة، وحين يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ هذه الطائفة تكون واحدًا أحيانًا أو اثنين، وهي أيضًا خبر الآحاد سيتفقهون في الدين وينذرون قومهم إذا رجعوا إليهم، وعلى قومهم أن يسمعوا لهم وأن يطيعوا؛ رغم أنهم قد يكونون واحدًا أو ربما اثنين، والاثنين والثلاثة في إطار خبر الآحاد ولم يصبحوا بعد خبرًا متواترًا.
ويستدل أيضًا الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بقوله -﵎-:
[ ٢٥٩ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦)؛ فهنا الحكم مأخوذ من مفهوم الآية، يعني: العلة في عدم قبول خبره أنه فاسق وليس واحدًا، هذا المنطوق فما المفهوم؟ إن كان عدلًا؛ حتى وإن كان واحدًا فاقبلوا خبره؛ لأن العلة في رفض قبول خبر الأول ليس لأنه واحد؛ وإنما لأنه فاسق أي بسبب فسقه.
وأيضًا يقول الإمام البخاري: وكيف بعث النبي -ﷺ- أمراءه واحدًا بعد واحد؛ فإن سها أحد منهم رُد إلى السنة أيضًا إرسال النبي -ﷺ- الواحد بعد الواحد دليل على حجية خبر الآحاد.
ثم ذكر في الباب مجموعة من الأحاديث كلها تدور في هذا الفلك "إثبات حجية خبر الواحد" ذكر حديث مالك بن الحويرث -﵁- قال: «أتينا النبي -ﷺ- ونحن شببة متقاربون -يعني شبان متقاربون في السن- فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله -ﷺ- رقيقًا؛ فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا؛ سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلّموهم ومروهم» وذكر أشياء أحفظها ولا أحفظها -يعني يحفظ بعضها ولا يحفظ بعضها- وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم».
إذن بعث كل واحدًا إلى الجهة التي جاء منها وعلمه ماذا عليه أن يفعل من إقامة الصلاة والآذان وأن يؤمهم أكبرهم إلى آخر ما قال -ﷺ- والذاهب بذلك هو واحد فقط أيضًا، ذكر حديث بلال في الآذان "حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما" أن النبي -ﷺ- قال: «إن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» وجه الدلالة: أنا سنأكل ونشرب حتى نسمع كلام ابن أم مكتوم -رضي الله تعالى عنه- وهو واحد فقط، يخبرنا أن الفجر قد ظهر فعلينا أن نمسك عن الطعام والشراب. هذا حكم شرعي.
[ ٢٦٠ ]
أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: «صلى بنا النبي -ﷺ- الظهر خمسًا فقيل: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم».
وجه الدلالة: أن الذي أخبره واحد واستجاب لخبره، يعني: ماذا حدث في الصلاة؟ قالوا صليت خمسًا فسجد سجدتين للسهو، وهناك أحكام تفصيلية كثيرة متعلقة بحكم السهو وما إلى ذلك ووقت الزيادة ووقت النقصان إلخ.
أيضًا، ذكر فيه قصة ذي اليدين: وهو رجل من المسلمين صلى النبي -ﷺ- وانصرف بعد ركعتين؛ فذو اليدين قال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ ولننظر إلى أدب الصحابة:
الاحتمال الأول: أن تكون الصلاة قد قصرت ويستبعد نسيان النبي -ﷺ- وهذا من الأدب مع النبي -ﷺ- فقال: «أصدق ذو اليدين؟» فقال الناس: نعم، فقام رسول الله -ﷺ- فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم ثم كبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول إلخ الحديث.
وأيضًا، ذكر الإمام البخاري قصة القبلة وتحويلها التي أشرنا إليها في أكثر من رواية، وذكر قصة الخمر التي وردت في قصة أبي طلحة -﵁- حين أمر أنس بن مالك -﵁- أن يكسر الجرار بناء على خبر الواحد، وأيضًا حديث حذيفة: أن النبي -ﷺ- قال لأهل نجران: «لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين؛ فاستشرف لها أصحاب النبي -ﷺ- فبعث أبا عبيدة -رضي الله تعالى عنه».
وذكر أيضًا حديث: «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة» -رضي الله تعالى عنه-.
ذكر أيضًا قصة العسيف التي فيها: يعني: فيها أرسل النبي -ﷺ- صحابيًّا جليلًا
[ ٢٦١ ]
وهو أنيس الأسلمي إلى امرأة الرجل، وقال: «اغدُ يا أنيس لامرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها».
هذه كلها أدلة ذكرها الإمام البخاري -﵀ ﵎- في صحيحه تتعلق بهذا الأمر، وهو حجية خبر الواحد.
وهكذا نرى من مجموع الأدلة التي سقناها من خلال الرسالة للإمام الشافعي، ومن خلال إجازة خبر الواحد الصدوق عند الإمام البخاري -﵀- كل هذه أدلة على وجوب العمل بخبر الواحد في العقائد وفي الأحكام وفي سائر أمور الإسلام.
قبل أن ننتهي من هذا الموضوع تمامًا نشير إلى بعض شبههم التي يثيرونها من قديم -من المعتزلة مرورًا بكل المدارس التي تقف موقف المناوأة من السنة ومن حديث رسول الله -ﷺ- وهم كُثر في هذه الأيام؛ لكن الله -﵎- لن يمكنهم من نيل غرضهم أبدًا ما دام في الأمة علماء متيقظون وأمة منتبهة ترد الكيد إلى أصحابه:
يستدلون بأدلة يتصورون أنها تثير زوابع في وجه الاستدلال بحجية خبر الواحد:
من ذلك مثلًا: قول الله -﵎-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦)، يقولون: إن اتباعنا لخبر الواحد هو اقتفاءٌ لما ليس لنا به علم.
وهذا كلام ضعيف جدًّا؛ بل بدون أدنى مبالغة: هذه الآية حجةٌ لمن يقولون بحجية خبر الواحد، هي عليهم وليست لهم: نحن لم نقف ما ليس لنا به علم كلا وحاشا؛ بل قامت الأدلة الصحيحة من القرآن والسنة على حجية خبر
[ ٢٦٢ ]
الواحد ووجوب العمل به التي ذكرناها من القرآن: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ثم كل هذه الأدلة التي ذكرها الإمام الشافعي وذكرها البخاري، وذكرها غيرهم من العلماء من أهل السنة والجماعة جيلًا بعد جيل، مستدلين بالقرآن والسنة على ثبوت وحجية خبر الواحد.
إذن، حين نتبع خبر الواحد؛ فنحن اقتفينا ما لنا به علم، ما لنا به حجة، ما قامت عليه الأدلة من القرآن والسنة؛ بل الذين يقفون في المعسكر الآخر ويجادلون في حجية خبر الواحد هم الذين فعلًا يقفون بما ليس لهم به علم، وليس لهم سند؛ بل هم -لا أريد أن أقول يعاندون- أرجو أن يكون ذلك نابعًا من عدم فهم؛ وحين تتضح لهم الصورة يستجيبون اسأل الله ﷿ ذلك، وألا يكون ذلك موقفًا مبدئيًّا عندهم فيه تعنت ورفض للسنة -والعياذ بالله ﵎- لأن هذا خطير على إيمانهم.
إذن، هذه الآية حجة لمن يقول بخبر الواحد، والأدلة العلمية القاطعة من القرآن والسنة قاطعة في هذا كما أشرنا إليها:
يقول الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه؛ فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيّره من المعلوم صدقه، وكذا خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، ومن هذا القسم أحاديث صحيحة للبخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- فسقط اعتراضهم بهذه الآية أو بغيرها؛ لأنه ما دام الخبر صحيح؛ فهو يفيد العلم ويجب العمل به.
أيضًا، يحاولون أن يشوشوا بمقولة: أن خبر الآحاد يفيد الظن، وقد وردت أدلة كثيرة تنهانا عن اتباع الظن، وقد أشرنا إلى هذه المسألة.
[ ٢٦٣ ]
هناك رأيان في المسألة، يقول رأي منهم: إن خبر الآحاد يوجب العلم القطعي؛ بمعنى: أننا نقطع بأن رسول الله -ﷺ- قاله أو أن نسبته إلى رسول الله -ﷺ- ظنية؛ حتى لو قلنا بالظن فقد أثبتنا هناك أن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها، وذكرنا الأدلة على هذا، وأننا يجب أن نصوم إذا أخبرنا مخبر وتيقنا صدقه وأمانته أنه قد رأى هلال رمضان مثلًا؛ ومن يصبح مفطرًا فهو آثم لأنه أفطر يومًا يجب صيامه، ويُعاقب بعقوبات المقررة شرعًا، وأيضًا إذا قال مخبر: إنه رأى هلال شوال، وقلنا: إن الدعاوى كلها تثبت بشاهدين وأقصى دعوى -وهي دعوى الزنا- تثبت بأربعة شهود، وأربعة شهود ما زالوا في إطار خبر الواحد؛ لأنهم لم يصلوا إلى أقل عدد للتواتر على ما اصطلح عليه علماء الأمة.
ويستدلون بالآيات التي تنهى عن اتباع الظن: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨) وحديث النبي -ﷺ-: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث» قلنا: إن الظن المذموم هنا هو الوهم الذي يوضع في مقابلة العلم، واستدللنا على أن القرآن اعتبر الظن كدرجة من درجات العلم وأقام به الحجة، واستدللنا بمطلع سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ (المطففين:١ - ٤) الظن: هو العمل بالقول الراجح أو هو ترجيح أحد الاحتمالين إلى آخر التعريفات التي وردت عند الأصوليين.
إن المدرسة الحديثية في مجملها أو في مجموعها ترى أن خبر الآحاد الذي ثبتت صحته نقطع بصحة نسبته للنبي -ﷺ- وأنا عن نفسي هذا ما أدين الله تعالى به وأنا مطمئن القلب جدًّا، ومن خلال الأدلة العلمية القاطعة في هذا الأمر أنه متى ثبت صدق الحديث عن النبي -ﷺ- فإنني أقطع بصحة نسبته للنبي -ﷺ-، بل إني أقول: إن مبحث التواتر والآحاد في الأصل ليس مبحثًا حديثيًّا: هو جاء إلى المحدثين من
[ ٢٦٤ ]
عند علماء الأصول، الذين يعتنون بمدى قوة الأدلة عندهم التقسيمات المعروفة: هذا دليل قطعي الثبوت، وهذا دليل ظني الثبوت، وهذا دليل قطعي الدلالة، وهذا دليل ظني الدلالة تقسيمات اقتضاها تخصصهم، لا نعتب عليهم فيها؛ هم أهل علم وفضل؛ لكن المحدثين معنيون بمسألة أخرى: وهي أنه الحديث: ما جاءنا عن النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، ومتى ثبت صدق المخبرين ووضعوا لذلك شروط الصحة التي نعلمها جميعًا؛ فهم يقطعون بأن النبي -ﷺ- قالها، ومع افتراض أنه يفيد الظن ونسلم تسليمًا جدليًّا بهذا -حتى لا نطيل في النقاش- فإنه يجب على الأمة -وجوبًا- العمل بما غلب على ظنها -وهذا أمر مجمع عليه عند العلماء.
إذن، استدلالهم بـ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ليست في بابها أبدًا؛ لأن الظن المذموم هو الذي يوضع في مقابلة العلم اليقيني، لا قسيمًا له، يعني: إما تتبع علم يقيني إما أنت تظن أي تَهِم، وليست لديك أدلة، أي: العلم أو الظن الذي يفتقد الأدلة؛ أما الظن بمعناه الاصطلاحي عند أهله المتخصصون: فهو العمل بالقول الراجح أو ترجيح أحد الاحتمالين، وهذا أيضًا يجب العمل به والقرآن قطعي الثبوت؛ لكن كثير من أدلته ظني الدلالة، يعني: ليس قطعي الدلالة، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (النساء: ٤٣) مثلًا؛ لماذا اختلف العلماء في المراد بالملامسة؟ لأن الدلالة هنا ظنية وليست قطعية، ولو كانت قطعية لما اختلف المسلمون حول مفهوم الملامسة المقصود في الآية.
إذن، استدلالهم بهذا يعني لا ينتهض أبدًا حجة لهم في هذا الأمر.
أيضًا، من الأدلة قصة أبي بكر في ميراث الجدة -وكنا قد أشرنا إليها- حين طلب شاهدًا مع المغيرة بن شعبة، وقصة عمر -﵁- حين طلب شاهدًا مع أبي موسى
[ ٢٦٥ ]
الأشعري في قصة الاستئذان حين استأذن عليه كل؛ هذه أمور حتى مع القول بأنه لا بد من اثنين لو افترضنا وسلمنا -ونحن لا نسلم بهذا؛ لأن عندنا عشرات المواقف الصحابة فيها قبلوا بخبر الواحد؛ جاءهم مخبر واحد؛ فعملوا به في الأحاديث وفي الأحكام وفي غيرها؛ فأيضًا إذا قلنا بأنهما اثنان؛ فالاثنان أيضًا خبرهما خبر واحد.
سيدنا عمر مثلًا قبل خبر عبد الرحمن بن عوف وحده، في أخذ الجزية من المجوس؛ لمّا قالوا: ماذا نصنع معهم؟ عبد الرحمن بن عوف -﵁- قال: أشهد لسمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «سُنوا بهم سنة أهل الكتاب» وهذا الحديث قد رواه البخاري -﵀- في كتاب الجزية باب الجزية والموادعة.
مثلًا: كان هو وجار له -عمر ﵁- يتناوبان جلوس مجلس علم النبي -ﷺ- لئلا يفوتهم منه شيء وجاءه الأنصاري بخبر الواحد في ذلك اليوم وهو خبر واحد
عشرات الأدلة مع أبي بكر مع عمر كلهم قبلوا خبر الواحد ولم يتوقفوا أبدًا في قبوله؛ لا في العقائد ولا في الأحكام ولا في غيرها.
وبالله التوفيق. وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٦٦ ]