[ ٣٠٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع عشر
(حديث الذباب، ودفع ما أثير حوله من شبهات)
تخريج الحديث، وبيان درجته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنتكلم عن حديث الذباب، وهذا الحديث أنموذج لما رفضوه بِناءً على أساء عقلي؛ فهو من وجهة نظرهم مخالف للعقل ولما هو معروف طبيًّا من أن الذباب ناقل للعدوى، فكيف يكون فيه شفاء!! إلى آخر ما أثاروه.
نبدأ بذكر نص الحديث، ورواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الطبّ، باب: إذا وقع الذباب في الإناء، وأخرجه في كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، وله طرق كثيرة سنشير إليها بعد قليل.
الحديث في (صحيح الإمام البخاري) -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا وقع الذبابُ في إناء أحدكم فليغمسه كلَّه، ثم ليطرحْه؛ فإن في أحد جناحيه شفاءً وفي الآخر داءً» هذا نص الحديث عند الإمام البخاري -رحمه الله تعالى - مع تفاوت بين بعض الروايات في بعض الألفاظ اليسيرة، مثل كلمة: «كله» وردت في بعض الروايات أم لم ترِدْ في بعض الروايات.
إذن الحديث يتكلم عن أن الذباب إذا وقع في إناء أحدنا فليغمسه كله، يعني يُغرِق الذباب في السائل الذي في الإناء، ثم ليقذف بالذباب إلى خارج الإناء، ثم ليطرحه -أي: يلقيه بعيدًا عن الإناء- فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء.
أعداء السنة قديمًا وحديثًا يتكلمون حول هذا الحديث، ويُثيرون شُبَهًا كثيرة حوله:
من هذه الشُّبه: أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة -﵁- هو أن البعض قد تكلم في رواية أبي هريرة، وننتبه إلى الشُّبَه حتى نتمكن من الرد عليها، أنه حديث
[ ٣١١ ]
آحاد يفيد الظن فلا إشكال في ردّه، بمعنى: أن نسبته للنبي -ﷺ- مظنونة وليست متحققةً، ليست أكيدة، وأيضًا هو مخالف لقواعد الشرع.
ما هي قواعد الشرع التي خالفها الحديث -على حد زعمهم- أنه يخالف قواعد الشرع في اجتناب النجاسة، وفي اجتناب المضارّ، وأيضًا يقولون: إن العلم أثبت بطلانه؛ لأن العِلْم يقطع بمضارّ الذباب، وأيضًا يقولون: إن هذه ليست عقيدة، حتى إن هذا أمر ليس من عبادات الإسلام، ولا من شرائعه، ولا من عقائده حتى ندافع عنها وحتى نستمسك بها، وهي مثْل حديث تأبير النخل، وبالتالي فإذا اعترضنا على هذا الحديث فلا غبار علينا، ولسنا نتجرأ على قواعد الشرع ولا عقائده ولا عباداته، ولا يصح للمَدرسة الإسلامية أن تتهمنا بشيء من ذلك، بل بالعكس هم يريدون أن يقولوا: إن كلامهم هذا هو دفْع شبهات عن الإسلام وتطهيره من كلام قد يُثَار حوله بأنه يخالف العلم ويأخذ بالمضرّات إلى آخره.
وأيضًا يقولون: إن الاشتغال به إنما هو صَرْف للناس عن أمور هامة في مجالات الاختراعات والمكتشفات، والوقوف عند مثل هذه الأحاديث التي تعطل الناسَ عن الانطلاق في هذه المجالات.
هذه بعض الشُّبَه التي أثارها خصوم السُّنة، وكثير منهم من أبناء الإسلام، وهم قد هيَّأَ لهم شيطانهم أنهم يدافعون عن الإسلام وعن السُّنة، وأنهم يطهرُّونها مما قد يَعْلَق بها مما يفتح بابًا للاتهام بالسنة المطهرة.
نردّ على هذه الشُّبَه الواحدة تلو الواحدة، ثم نقول الفهم الصحيح للحديث والفوائد المستقاة منه.
فضيلة الأستاذ الدكتور خليل إبراهيم مُلَّا خاطر -بارك الله فيه، نزيل المدينة المنورة- له كتاب اسمه (الإصابة في صحة حديث الذبابة) وهو كتاب يبحث في
[ ٣١٢ ]
صحة الحديث من النواحي الفقهية والطبية والحديثية قبل ذلك، يعني: يتكلم عن صحة الحديث، ثم يرد عن الشُّبَه التي أثاروها حوله، التي أشرنا إليها.
الحديث رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، وأبو عبيدة، وأبو يعلى، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، وابن السكن، والبزار، وابن قتيبة، والطبراني، والبيهقي، والطحاوي، وأبو داود الطيالسي، وابن النجار، والبغوي، وابن أبي خيثمة، وابن عبد البر، هؤلاء أصحاب كُتُب من كتب السنة، كلهم لهم طريق لرواية هذا الحديث، ليس كتابًا واحدًا، وليس هو البخاري فحسْب الذي انفرد بروايته، وإنما أشرنا بإيجاز، ونُحيل هنا على كتاب (الإصابة) لفضيلة الشيخ مُلَّا خاطر الذي تتبَّعَ طرق الحديث بكل تفصيلاتها، بل رسم لها شجرات تُوضِّح السند إلى كل صحابي، وتُبَيِّن صحة كل طريق.
ولننتقل إلى النقاط المهمة المتعلقة بالحديث:
أولًا: الحديث ليس من رواية أبي هريرة فحسْب، ولو كان من رواية أبي هريرة فحسب لكان على العين وعلى الرأس، لكن هم يجترئون على أبي هريرة، ومن ضِمْن المشاكل أو الشبهات التي أثاروها حول السنَّة المطهرة أنهم تجرءوا على أبي هريرة -﵁- وكانت مراجعهم في هذا من كتب الروافض التي وقفت موقفًا شديدًا من أبي هريرة -﵁- ذلك الصحابي الجليل الذي أجرى الله على يديه الخير الكثير للسنَّة، لا نخاف أبدًا أن ينفرد بالحديث أبو هريرة؛ فهو أستحي أن أقول: "هو عندنا ثقة!! " فهو من الصحابة العدول الثقات الذين أجمع أهل السنة والجماعة على ثقتهم وعدالتهم، ولا نبحث فيها أو نتكلم عنها، والذين أثنى الله عليهم في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة.
[ ٣١٣ ]
لكن بشكل عام هذا الحديث رواه أبو هريرة، وأبو سعيد الخُدْري، وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين-.
وكما قلت فإن فضيلة الشيخ خليل مُلَّا خاطر قد تتبع طرقه من رواية هؤلاء الأصحاب الأربعة، وَحَصَرَها في مباحث خاصة: طرق حديث أبي هريرة -﵁- طرق حديث أبى سعيد الخدري -﵁- طرق حديث أنس بن مالك -﵁- وطرق حديث علىّ بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-. ثم بعد أن جَمَعَ الطرق درس الأسانيد وانتهى إلى أن الحديث صحيح كما هو إجماع أمة الإسلام، حقيقةً ليس كلامه في هذا الأمر جديدًا ولا شيء، لكنه يؤكد ما أجمعت عليه الأمة من أن هذا الحديث صحيح، وهو قد أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول على رسول الله -ﷺ-.
وهو يختم كلامه في هذه المسألة فيقول:
ومن الغريب جدًّا أن هذا الحديث بعينه -هو حديث الذبابة- لم يكن مما قد استدركه أحد من أئمة الحديث على البخاري -رحمه الله تعالى- بل هو عندهم جميعًا مما جاء على شرطه، وفي أعلى درجات الصحة، ولم يتكلم فيه إلا من لا خَلَاق له في العصور المتأخرة، كما قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له.
إن هذا الحديث قد أجمع المسلمون على الأخذ به والعمل بمقتضاه، وجعلوه أصلًا بنَوْا عليه حُكْمًا مهمًّا، وهو طهارة الماء القليل والطعام إذا وقع فيه ما لا نفسَ له سائلة، وقاسوا على الذبابة ما شاكلها مما يرتبط معها بنفس العلة، كما أن الأطباء المسلمين القدامى ذكروا أمورًا مهمة ما زال معمولًا بها في كثير من البلاد الإسلامية، إلا مَن أصاب بصيرتَه العمى؛ ولهذا فإني سأبحث في هذا الباب من ناحيتين: اعتماد الفقهاء على هذا الحديث، ما ورد على ألسنة الأطباء القدامى والمحدثين وفْق هذا الحديث.
[ ٣١٤ ]
هذه الكلمات التي ختم بها الشيخ مُلَّا -بارك الله فيه- كلامَه عن صحة الإسناد، إذن الإسناد صحيح والمتن صحيح، وكما قلت: أمَّتُنا كلها تلقت هذا الحديث بالقَبول، وأجمعت على أنه صحيح مائة في المائة، لا يخالف لا العقل ولا الواقع ولا الطب ولا أيَّ شيء.
إذن هذه هي الشبهة الأولى، أن الحديث صحيح، أبو هريرة -﵁- لم ينفرد بروايته، وأنه رواه معه من الصحابة ثلاثة غيره فأصبح الجميع أربعة: أبو هريرة، أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، علي بن أبي طالب -﵃ أجمعين- وامتلأت بهم المصادر التي أشرنا إليها أكثر من عشرين كتابًا، والذي ذكر ذلك لم يحصِ الكتب، لا يكاد يوجد هناك ديوان من دواوين السنّة المعتمدة عند أهل السنة والجماعة إلا ذكرتْ هذا الحديث الصحيح.
أيضًا الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- في سلسلة الأحاديث الصحيحة يتكلم عن هذا الحديث، هو هنا ذكر له ثلاثة طرق: من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك -رضي الله تعالى عنهم- ولم يُشِرْ إلى حديث علي بن أبي طالب الذي أضافه الشيخ مُلَّا خاطر -بارك الله فيه- وهذا من بركات تعاون أهل العلم على إثبات الحقائق الشرعية، واجتماع جهدهم على شيء ما، فيضيف بعضهم إلى جهود الآخرين.
وذكر الشيخ الألباني -﵀- طرق حديث أبي هريرة، وأنه أخرجه البخاري والدارمي وابن ماجه وأحمد، وفي بعض الروايات زيادة له، وأيضًا في حديث أبي سعيد رواه أبو داود والحسن بن عرفة الجزئي إلى آخره، وفيه زيادة: «وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء؛ فليغمسه كله» يعني: إن الذباب إذا وقع في إناء أحدنا فليغمسه فيه، ثم ليطرحه، ينزعه من هذا الإناء ويلقيه بعيدًا عن الإناء، ثم يستعمل المادة الموجودة في الإناء، أيًّا كانت، في بعض زيادات
[ ٣١٥ ]
الحديث، لماذا ذلك؟ لأنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء، يعني: ينزل في السائل بالجناح الذي فيه الداء، فإذا غمَسْت الذبابة وأغرقْتها في السائل تحققت المعادلة الطبية ما بين الترياق والسم، أو ما بين الداء والدواء، فالجناح الذي فيه الشفاء تعادل مع الجناح الذي فيه الداء، وإلا لو تركت الجناح الذي فيه الداء فقط لأصبح ضارًّا بمن يتناول هذا السائل أو هذا الطعام أو الشراب الذي في الإناء بدون أن يفعل كما فعل رسول الله -ﷺ-.
بعد أن أشار الشيخ الألباني إلى صحة الحديث تكلم عن روايات أخرى للحديث، وحَكَم عليه بما يليق بحاله، وسننقل كلامه بعد ذلك في الرد على أنه مخالف للأطباء أو للواقع أو ما شاكل ذلك.
أيضًا فضيلة الشيخ الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه الطيب (الدفاع عن السنة) تكلم عن حديث الذباب، حتى ورد أنه قال: حديث الذباب وبيان أنه معجزة نبوية، قال: وروى البخاري وابن ماجه عن النبي -ﷺ- قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء» وهو يرد هنا على بعض الذين تكلموا في هذا الحديث، لكنه وضع هذا العنوان وتكلم عن صحة الحديث، يقول: هذا الحديث رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ولم أجد لأحد من نقاد الحديث طعنًا في سنده، فهو في درجة عالية من الصحة، وكل ما وقع من الطعن فيه من بعض المتساهلين إنما هو من جهة متنه ومدلوله.
وهو هنا يتخفف في وصفه من بعض المتساهلين، فقد قالوا: كيف يكون الذباب الذي هو موبأة الجراثيم فيه دواء؟!! وكيف يجمع الله الداء والدواءَ في شيء واحد؟!! وهل الذباب يعقل فيقدم أحد الجناحين على الآخر؟!!
هنا فضيلة الشيخ الدكتور يذكر شبهًا أخرى يثيرونها: هل الذباب عنده نوع من العقل
[ ٣١٦ ]
حتى لدرجة أنه وهو ينزل في سائل أو في إناء يقدم أحد الجناحين على الآخر؟!! وكيف يجمع الله الداء والدواء في شيء واحد؟!! والذباب مجتمع للجراثيم؛ لأنه كلما حطَّ على شيء جمع من قاذوراته فينقله للأشياء الأخرى إلى آخره.
قبل أن أرد على الشُّبَه يثير الشيخ مُلَّا خاطر -بارك الله فيه- مسألة طيبة: يتسبب في وقوع بعض الناس في خطأ، وهو عدم تفريقهم بين ما هو مستحيل وما هو مستغرَب، قد يُستغرَب هذا لكنه لا يستحيل، المستحيل يعود إلى أصل الشيء ونُكرانه، إنما المُستغرَب يعود -كما يقول على حدّ تعبيره- إلى ضعف المتصوِّر نفسه وعدم إدراكه، يعني: أنا لا أستطيع أن أستوعب المسألة، المسألة ليس فيها خلل، أنت لو جئت برجل عاميّ وكلّمته مثلًا عن "الأوزون" واختراقه، وعن مثلًا هبوط الإنسان على سطح القمر، ربما استبعد ذلك جدًّا أو رأى أنه مستحيل، لكن الذين تمرّسوا في المسائل العلمية لا يستبعدون هذا، فهناك فرق بين الاستبعاد وبين الاستغراب؛ ولذلك في نظري أن الحديث وبشكل عام في الإسلام ليس فيه ما يخالف العقل أو يرفضه الواقع أو يحكم باستحالته؛ الحمد لله إسلامنا بريء من كل ذلك.
ليس في إسلامنا ما نخجل منه أو نحاول أن نخفيَه، أو نتمنى أن لم يمكن قد حدث والحمد لله، كل ذلك غير موجود بإذن الله -﵎- ولن تجد تناقضًا أبدًا، نقصد بالتناقضِ التناقضَ الشديد التباين التام الذي يستحيل معه الجمع بين الأمرين المتناقضين، لن نجد في شيء من الإسلام هذا أبدًا، وبناء عليه حينما نعلم أن الإسلام قد قال كذا في مصادرنا الصحيحة، وأن علماء الأمة قد حكموا بصحة الأحاديث، قال كذا في القرآن أو في السنة، وحكم العلماء الأثبات الثقات الأجلاء الذين أفنَوا أعمارهم في خدمة السنة، حكموا بصحة ما قيل، علينا أن نقبله على العين وعلى الرأس بدون تردد، ولا نلتفت أبدًا إلى الذين يحاولون أن يُعِيقوا ذلك.
[ ٣١٧ ]
على كل حال لو استغربنا بعض الأمور فلا ينبغي أن ننكرها، ولا أن نقول باستحالتها، إنما علينا أن ندرسها بعمق حتى يزول هذا الاستغراب، لا أن يكون الاستغراب حاجزًا يتضخم إلى أن يصل إلى حد الإنكار والرفض الذي يوقع صاحبه في معاندة القرآن والسنة المطهرة.
هذه خلاصة المسألة، فنحن لا نصادر على من يستغرِب، ولكن نعتب على من يتوقف عند حدود الاستغراب ثم يتضخم هذا الاستغراب عنده ليصل به إلى حد الإنكار والحكم بالاستحالة، فيصبح مصادمًا لنصوص القرآن الكريم ونصوص السنة المطهرة التي ثبتت صحتها عند علماء الأمة الأثبات.
إذن نفرغ من هذا أن الحديث صحيح، وأنه ورد من طرق متعددة، وأنه ثبتت صحته، وأجمع علماء الأمة، ولا نجد واحدًا من علمائنا الأثبات القدامَى الذين نظروا في السنة ومنحوا الإجماعَ على حديث البخاري -أي: على صحته الإمام البخاري والإمام مسلم، رحمهما الله تعالى- وقلنا: إن الأمة قد تلقت أحاديثهما بالقبول وأجمعت على ذلك، لم نجد واحدًا من هؤلاء الأثبات توقف عند هذا الحديث واعترض عليه.
الرد على ما أثير حول الحديث من شبهات
الآن ندخل إلى بعض الشُّبَه التي أثاروها شبهةً شبهةً:
كيف يعرف الذباب أنه يحمل في أحد جناحيه داءً وفي الآخر دواءً؟ وكيف أنه ينزل بالجناح الذي فيه الداء؟ هل الذباب عاقل حتى يستطيع أن يدرك ذلك؟
لو أنكرتَ ذلك، ما المانع أن يلهمه الله -﵎- ذلك، الذباب لا يتحرك بمفرده، يتحرك بفطرته التي فطره الله عليها، وليس الذباب فحسب، الحية فيها
[ ٣١٨ ]
السم وفيها الترياق، النحل فيه السم وفيه العسل، من الذي ألهم النملة وهي تحمل الحبة أن تخرقها لكي لا تَنبُت حتى تستطيع أن تحتفظ بها. عشرات المخلوقات التي ليست من أصحاب العقول، لها أمور فطرها الله عليها: تتقي الخطر، كل الحيوانات تتقي الخطر، وتعرف مَن يقف ضدها في هذا الكون وتهرب منه، وتفر وتبحث عن نفسها عن مأوى، وعن مفر، وعن مهرب، ذلك نراه بالعين حتى في الحيوانات المفترسة التي هي تستطيع أن تدافع عن نفسها.
كل واحد فُطِر على أشياء يهتدي بها إلى ما ينفعه في المطعومات والمشروبات، وفي درء الخطر عن نفسه، في كل الأمور، هاتِ أي حيوان وألقِ به في النار مثلًا، واترك له الحرية في أن يبتعد عنها، لن يدخل، كيف عرف ذلك؟ هذا أمر فطريّ فطره الله عليه، يعني: لماذا يفر الفأر حين يرى القط؟ أين محل التفكير مثلًا، ويفر سريعًا ويهرب ويبحث عن ملاذ وملجأ حتى لا يفتك به القط، لماذا يهرب القط حين يرى الكل؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا ؟ أسئلة كثيرة تدحض في وضوح وجلاء إحدى الفريات التي بنوا عليها رفضهم للحديث.
هل الذباب عاقل حتى يميز؟
نعم، الذباب يتحرك بالفطرة، يتحرك بما جبله الله عليه، وشأنه في ذلك شأن المخلوقات الكثيرة التي نراها رأيَ العين، وضربنا أمثلة بها.
إذن هذه الشبهة مردود عليها في وضوح وجلاء.
أيضًا هو ينزل بالجناح الذي فيه الداء بالفطرة يتقي هذا، أخبر به الصادق المصدوق -ﷺ- ينزل بالجناح الذي فيه الداء، يدفع عن نفسه الخطر بذلك، أيضًا أشرنا كل المخلوقات تقريبًا اهتدت بفطرتها المتضادات، المتضادات تخرج من
[ ٣١٩ ]
بطون المخلوقات جميعًا، والله -﷿- قد امتن علينا: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ (النحل: ٦٥، ٦٦) من بين الفرث والدم يُخرِج الله لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (النحل: ٦٧) تتخذون شيئًا يسكر يذهب العقل: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (النحل: ٦٧) ولذلك وصف الرزق هنا بالحسن، كل شيء صالح لهذا، وصالح لهذا، إما بالاستعمال البشري، وإما بالفطرة التي فطره الله عليها، كل ذلك وارد في الأحاديث النبوية.
إذن لا نستطيع أن نرد هذا الأمر، إنما نقول: وقد ضربنا أمثلة كثيرة لهذا الأمر من واقع المخلوقات التي خلقها الله -﵎-.
أيضًا من ناحية أنه مخالف للعقل:
أيّ عقل هذا؟ مادام أن الذباب في هذا الصنيع فائدة لنا أن تحدُث المعادلة بين الترياق وبين الداء، إذن هي فائدة، وأيّ عقل ينكر هذه الفائدةَ هو العقل الذي يراجع نفسه، عليه أن يكمل نفسه بالمواد العلمية، أو بالبحث العلمي الذي يستطيع أن يتأكد من هذه الحقيقة.
إذن قوله: "إنه يخالف العقل" عقولنا تقبله، بل إني أرى أن هذا الحديث فيه سبق اقتصادي، فيه سبق مالي طيب جدًّا، يعني لو وقع الذباب في آنية من العسل فيها بضعة كيلوهات من العسل، من اللبن، من السمن، نرميه؟! من الذي يقول ذلك؟ أيّ عقل؟ هاتِ أي سيدة من رَبات البيوت التي تحافظ على المعاش وعلى النقود وعلى كذا، صدرها يضيق جدًّا بأن تُلقِيَه وأن تُرِيقَه؛ لأن الذباب وقع فيه، بل إنها لو لم تقل: "نغمسه" ستتصرف، تغليه في النار أو تقدحه في السمن
[ ٣٢٠ ]
وما شَاكَلَ ذلك؛ حتى تموت الميكروبات، لو لم ترَ أن في أحد جناحيه داء، لو غاب عنها الحديث، لكنها بفطرتها سيشق عليها جدًّا أن تهدر هذا الأمر الذي هو يتكلف الآن، والدنيا غلاء الآن في كل مكان في العالم.
أقول: إن الحديثَ فيه سبق اقتصادي، وأيضًا ليس هذا هو الرد الوحيد.
أيضًا من ناحية الرد على الشبهات الأخرى هو مخالفة الطب، عندنا نُقول جدًّا نقلها العلماء عن الحديث ومدى موافقته لأهل الطب، فضيلة الشيخ الألباني -﵀- يقول: هم يزعمون أنهم وقفوا على سَبْق علميّ أن هذا الحديث يعارض ما قاله أهل الطب.
يقول الشيخ: ثم إن كثيرًا من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء، وهو أن الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب عَلَقت به تلك الجراثيم، والحقيقة أن هذا الحديث لا يخالف الأطباءَ في ذلك، بل هو يؤيده، يعني: الحديث لم يقل: إن الذباب لا يحمل الجراثيم، الذي يفهم ذلك من الحديث العيب في فهمه وليس في نَصّ الحديث، لم ينفِ الحديث أبدًا أن الذباب يحمل الجراثيم، بل لعل الحديث يؤكد هذه الحقيقة، يحملها في أحد جناحيه، ووضع الله ترياقًا مقابلًا لهذا الداء في الجناح الآخر فيه شفاء، كل المطلوب منك إذا أردت أن تستفيد من هذه المادة التي وقع فيها الذباب، أن تغمسه فيه ثم تنزعه وتطرحه بعيدًا عن الإناء، ثم استفِد بهذا الذي في الإناء.
إذن الحديث لم يتعارض مع مقررات الطب في أن الذباب يحمل الجراثيم، بل هو وضَعَ العلاج لهذه الحالة، فكأن الحديث أخبر بما لم يُحيطوا بعلمه، أو هو في الحقيقة أخبر بهذا، وعلينا أن نحمد الله على هذه النعمة، بدل أن نُرِيق تلك المواد
[ ٣٢١ ]
الطيبة الغالية المفيدة لمجرد أن الذباب وقع فيها، علينا أن نحمد الله -﷿- أن هدانا إلى هذا على لسان رسوله -ﷺ- حتى لا نهدر أموالنا ونضيعها، خصوصًا أنه مهما كانت درجة النظافة في أي بيت من البيوت، أو في أي مجتمع من المجتمعات، فإنه لن يستطيع أن يتحرَّز تمامًا من الذباب ومن وقوعه في بعض الأواني، هذا تحرّز صعب جدًّا إن لم يكن مستحيلًا، فهدانا الله -﷿- إلى هذا الحل.
يقول الشيخ -﵀-:
والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك، بل هو يؤيدهم؛ إذ يخبر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه يَزيد عليهم فيقول: «وفي الآخر شفاء»، فهذا مما لم يحيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقف إذا كانوا من غيرهم إن كانوا عقلاء علماء؛ ذلك لأن العِلْم الصحيح يشهد أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه حقيقةً، هل أنا لأني لا أعلم الشيء أقول: إنه غير موجود، هذه الأمور تنافي بداهيات العقول.
نقول ذلك على افتراض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة، وقد اختلفت آراء الأطباء حوله، وقرأت مقالاتٍ كثيرة في مجلّات مختلفة، كل يؤيد ما ذهب إليه تأييدًا أو ردًّا، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث، وأن النبي -ﷺ- ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، لا يهمنا كثيرًا ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب؛ لأن الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجيّ، ومع ذلك فإن النفس تزداد إيمانًا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلمُ الصحيح.
ولذلك فلا يخلو من فائدة أن أنقُل إلى القرّاء خلاصة ألقاها أحد الأطباء في "جميعة الهداية الإسلامية" في مصر حول هذا الحديث، قال:
[ ٣٢٢ ]
يقع الذباب على الموادّ القذرة المملوءة بالجراثيم التي تَنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضَها بأطرافه ويأكل بعضها، فيتكون في جسمه من ذلك مادة سامّة يسميها علماء الطب "مبعد البكتريا"، وهي تقتل كثيرًا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حيةً أو يكونَ لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود "مبعد البكتريا"، وأن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب، هي أنه يحول البكتريا إلى ناحيته، وعلى هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإن أقربَ مُبيد لتلك الجراثيم وأول واقٍ منها هو "مبعد البكتريا" الذي يحمله الذباب في جوفه قريبًا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغمْس الذباب كله وطرحه كافٍ لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكافٍ في إبطال عملها.
هذا كلام الشيخ الألباني -﵀- نقلًا عن أحد الأطباء.
ويضيف ويقول:
وقد قرأت قديمًا في هذه المجلة بحثًا إضافيًّا في هذا المعنى للطبيب الأستاذ سعيد السيوطي، مجلد العام الأول، وقرأت كلمة في مجلد العام الفائت ص ٥٠٣ للطبيبين: محمود كمال، ومحمد عبد المنعم حسين، نقلًا عن مجلة "الأزهر"، ثم وقفت على العدد ٨٢ من مجلة "العرب الكويتية" ص ١٤٤ تحت عنوان: "أنت تسأل ونحن نجيب" إلى آخر الكلام، يعني: ينقل عن أحد الذين اعترضوا على الحديث فيرد عليه بتفصيل يقول في النهاية: وبهذه المناسبة فإني أنصح القراء الكرام بألا يثقوا بكل ما يُكتَب اليوم في بعض المجلّات الثائرة أو الكتب الذائعة من البحوث الإسلامية، وخصوصًا ما كان منها في علم الحديث، إلا إذا كانت بقلم من يُوثَق بدينه أولًا، ثم بعلْمه واختصاصه فيه ثانيًا؛ فقد غلب الغرور على كثير من كُتَّاب العصر إلى آخره.
[ ٣٢٣ ]
خلاصة كلامه: نعتمد على أهل التخصص فيها.
إذن أهل الطب في أبحاثهم أو بعضهم في أبحاثهم لا يستبعد ولا يرفض هذا الكلام الذي يُثْبِت أن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، ويؤكد هذه الحقيقة العلمية.
ويقول الشيخ أبو شهبة -﵀- في كتابه (الدفاع عن السُّنة):
وقد شاء ربك العالِم بما كان وما يكون أن يُظهِر سِرّ هذا الحديث، وأن يتوصل بعض الأطباء إلى أن في الذباب مادة قاتلة للميكروب، فبغمسه في الإناء تكون هذه المادة سببًا في إبادة ما يحمله الذباب من الجراثيم التي ربما تكون عالقةً به، وبذلك أصبح ما قال العلماء الأقدمون تجويزًا أصبح حقيقة مُقَرَّرة.
وإليك ما ذكره أحد الأطباء العصريين في محاضرة بـ"جمعية الهداية الإسلامية" بمصر، قال:
يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه ويأكل البعض الآخر إلى آخر الكلام الذي ذكره، أو بعضه الذي ذكره فضيلة الشيخ الألباني -﵀- ينقل نقلًا آخر يقول: وفي مجلة "التجارب الطبية الإنجليزية" عدد ١٣٠٧ سنة ١٩٢٧ مَا تَرْجَمَتُهُ: لقد أُطْعِم الذباب من زرع ميكروبات بعض الأمراض، وبعد حينٍ من الزمن ماتت تلك الجراثيم واختفى أثرها، وتكوَّن في الذبابة مادة سامة تسمى "بكتريوفاج"، ولو عُمِلتَ خلاصة من الذباب لمحلول ملحيّ، لاحتوت على هذه المادة التي يُمكِنها إبادة أربعة أنواع من الجراثيم المولِّدة للأمراض. وقد كتب بعض الأطباء الغربيين ذلك.
وبذلك يظهر أن هذا الحديث الذي عدَّه بعض المتساهلين كذبًا من أقوى المعجزات العلمية على صدق الرسول -ﷺ-.
[ ٣٢٤ ]
وقد كتب طبيبان فاضلان بحثًا قيّمًا حول حديث الذباب مدعَّمًا بالأدلة، وذِكْر المراجع العلمية التي رجعَا إليها في إثبات صحة هذا الحديث بما لا يدع مجالًا للشك فيه، وإليك هذا الحديث بنصه.
ينقل الشيخ أبو شهبة هذا الذي قاله الطبيبان الفاضلان: الدكتور محمود كمال، والدكتور محمد عبد المنعم حسين، وأيضًا هذا قد أشار إليه فضيلة الشيخ الألباني -رحم الله الجميع- والشيخ أبو شهبة يشير إلى أنَّ نُشِرَ هذا البحث القيم في مجلة "الأزهر" عدد شهر رجب لسنة ١٣٧٨ هجرية، هذا البحث الذي كتبه هذان العالمان الفاضلان من أهل الطب -أي: من أهل التخصص- يؤكدان فيه ما يحمله الذباب من فرصة للتداوي، وأنه بنفسه يقضي على بعض الميكروبات، ليس التي نزل بها فقط، وإنما على بعض الميكروبات الأخرى، كما ذهبت إليه الأدلة.
استدل فيه العالمان الجليلان بكثير من أبحاث أهل الغرب التي يعتبرها كثير من الباحثين عندنا كأنها مُنَزَّلة بوحي من الله، والعجيب أنهم عند ردّهم لهذا الحديث لا يشيرون إلى هذه المراجع، هذا الخلل العلمي الذي نقول به دائمًا، يأخذون من المراجع ما يوافق أهواءَهم، ما يتفق مع نظراتهم، هم حكَّموا العقل أولًا، ثم بعد ذلك بحثوا عن مؤيدات للنتيجة التي انتهوا إليها، نتائجهم ليست وليدة البحث والتنقيب، لا، إنما هي وليدة الرأي السابق المبني على الهوى وعلى النظر العقلي المجرد عن الأدلة العلمية، الطبيبان اللذان كتبَا هذا البحث في مجلة "الأزهر" في عدد رجب سنة ١٣٧٨ أشارَا إلى كثير من البحوث التي قام بها كثير من علماء البلاد الغربية، وأشاروا إلى بلادهم، وأشاروا إلى المصادر التي ذَكرت هذه المعلومات، ذكروا العلماء بالاسم، وذكروا بحوثَهم والمجلات التي
[ ٣٢٥ ]
نشرتها إلى آخر هذا، مما يدل في النهاية على أن الحديث صحيح بإذن الله -﵎-.
ولذلك يقول الشيخ محمد أبو شهبة: وبعد، فلعلك أيها القارئ ازدت يقينًا بصحة هذا الحديث، واطمأننتَ إلى أن الإذعان والقبول لِمَا صح عن الرسول، أحرى بالمؤمن المتثبت وأَوْلى، وفي كل يوم تتقدم فيه العلوم والمعارف البشرية يُظهرُِ الله سبحانه من الآيات ما يدل على صدق النبي -صلوات الله وسلامه عليه- وصدق معجزته الكبرى، وهي القرآن الكريم، وصَدَقَ الله حيث يقول ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣).
إذن الشُّبَه التي أثاروها كلها أن الذباب كيف عقل؟
قلنا: هذا موجود في كل المخلوقات تقريبًا، كيف في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء؟ هذا ترياق من الله -﷿- العلم لم يعترض، وكثير من الأبحاث العلمية التي أثبتَتْ هذا، وليست على يد أطباء مسلمين فحسب، بل على يد كثير من الباحثين الغربيين الذين ذكرنا الإحالة إليهم وعليهم لمن أراد أن يتتبع.
وأخونا الفاضل فضيلة الدكتور عبد المهدي عبد القادر في كتاب له (شبهات حول السنة) يقول: أعداء السنة قديمًا وحديثًا يدندنون بهذا الحديث، ويدَّعون أنه مناقض للعقل، وأنه يأباه الطبع سبحان الله! وأتساءل معهم: أَلَمْ تستعملوا "البنسلين" إذا مرضتم؛ إنه مصنوع من العفن، أما "السلبتومايسين" فإنه من طفيليات العفن وجراثيم المقابر، والعقرب في لسعتها السم الناقع وفي جسمها الدواء النافع، إنكم تَقبَلون ذلك عن الطب، أما إذا جاءكم الرسول -ﷺ- فأنتم تعترضون وتمرضون، أما نحن المسلمين فإننا نقبل هذا الحديث، وبكل الأحاديث
[ ٣٢٦ ]
بكل سعادة وبكل سمع وطاعة؛ فإنه كلامُ مَنْ أرسله الله وعَصَمَهُ -صلى الله وسلم وبارك عليه-.
إننا استفدنا من هذا الحديث أشياء كثيرة، منها:
أن الذباب ناقل للأمراض فنحترز منها ما أمكن، لقد كنا نعلم، يعني: هذه فائدة نشير إليها، ونحن قلنا: إن الحديث لم يتعارض مع ما قاله العلم في هذا أنه يحمل الجراثيم في أحد جناحيه، نعم هذه فائدة، أنه حينما ينزل في طعام أو شراب فإنه يضع جناحه الحامل للمرض كما في الرواية التي قالت: «وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء»، وفي رواية «إنه يقدم السامة ويؤخر الشفاء».
قال بعض العلماء: تأملناه فوجدناه يتقي بجناحه الأيسر، فعُلِم أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، فيه دواء يقضي على المرض الناتج عما في جناحه المُمْرض، وإن هذا الحديث يفيدنا هذه الفوائد وأكثر منها. وجاء الطب والبحث فاعترف بهذا وسلَّم به، فمنذ أن عُرفت المعامل وهذا الحديث أمامهم، والبحوث تفيد أن الذباب حامل جيد للجراثيم، وأجهزة الصحة في العالم تحذِّر مِنْ تناوُل الأطعمة التي يقع عليها الذباب، إنه من دلائل نبوته -ﷺ- أن يخبرنا في زمنه -يعني: زمن لم تكن فيه معامل ولا أبحاث- أن الذباب حامل للأمراض، ولم تعرف البشرية هذا إلا حينما اكتشف ذلك الباحث الألماني "بريفيرد" سنة ١٨٩١.
وفي الفترة من ١٩٤٧ إلى ١٩٥٠ تمكن الباحثان الإنجليزيان "أينشتاين" و"كوك"، والباحث السويسري "روليوس" من عزل مادة سمَّوها "جفاسيد" استخرجوها من فصيلة الفطريات التي تعيش في الذباب، وتبين لهم أن هذه المادة مضادة حيوية تقتل جراثيم مختلفة من بينها "الدسنتريا" و"التيفود"، كما تَوَصَّل غيرهم إلى هذه النتائج وغيرها إلى آخره.
وهذا أيضًا من دلائل نبوته -ﷺ- أن يخبر قبل أكثر من ١٤٠٠ عام أن الذباب في أحد جناحيه شفاء، ولم تعرف البشرية ذلك إلا بعد ١٣٧٠ سنة.
[ ٣٢٧ ]
لو كان هناك إنصاف في الفكر الإنساني المعاصر لاعترفتْ البشرية للإسلام بالسَبْق العظيم في مثل هذه المسائل وفي غيرها، فقد تكلَّمَ -ﷺ- على مسائل غاية في الأهمية امتثلها المسلمون، فاستفادوا بها وقلَّدهم غيرهم مدركين عظمة الحضارة الإسلامية التي ارتقت بالإنسان، فاستفادوا أيضًا بها إلى آخر ما قال.
وأيضًا أحيل على كتابه (دفع الشبهات عن السنة النبوية) صحيفة ٨٠ وما بعدها، ونقَلَ نُقولًا عن أن الذباب لعلاج الجروح والقرح، الذباب حتى بجسمه يُفْرك ويضاف إليه بعض المواد وبجسده تعالج به بعض الجروح والقرح والتقيحات، وهذا مما أثبتته معامل الغرب للذين لا يقتدون إلا بالغرب ولا يثقون إلا في كلام علماء الغرب.
هكذا تتعدد الأدلة وأقوال علمائنا، ولكنني أحيل إلى كتاب (الإصابة في صحة حديث الذبابة). الحقيقة الشيخ -جزاه الله خيرًا- جمع ما يتعلق بهذا الحديث من ناحية الطرق ودرسها.
إذن الحديث أثبتَ صحتَه، وأن أبا هريرة لم ينفرد به، وتكلم عن الفوائد الفقهية، ومن خلال فقه المذاهب، أقوال الأحناف، مثلًا: إنه تكلم عن طهارة الذباب إذا وقع في السائل، وعمَّا يقاس مثله مثل كذا، وأنه يستفاد بهذا السائل، يعني: أحكام فقهية كثيرة؛ لأن علماءنا تقبَّلوا الحديث ويرضون به، بل يحمدون الله على نعمته فبنوا أحكامهم، فالحديث عندهم لم يكن محل شك أبدًا؛ ولذلك استفادوا منه المسائل الفقهية كما يستفيدون وكما يستمدون بغيره من الأدلة.
وتكلم فيه أيضًا عن الناحية الطبية في هذا الحديث عند المتقدمين وعند المتأخرين، وأنهى كلامه.
[ ٣٢٨ ]
يقول: حاول المغرضون الذين أعْمَتْهم الحضارة الغربية ببريقها وأطمستْ بصائرهم، فلم يَعُدْ يعرفون القياس إلا بمقاييس الغرب، ولم يزِنُوا إلا بموازينهم، ولم يدركوا إلا ما وافق هواهم، إن في هذا الحديث معجزتين للنبي -ﷺ- وإن لم يكن يخطر على بال هؤلاء، أو لم يدُرْ في خَلَدهم، إِنَّ هاتين المعجزتين قد اكتُشِفَتَا في العصور المتأخرة ولم يكن يعرفهما الناس من قبلُ، إنما كان المسلمون المؤمنون يُسلِّمون بصحة الحديث اعتقادًا منهم بصدق المُخْبِر به -ﷺ- وهذا نابع من إيمانهم القوي برسولهم وبما جاء به.
أما المعجزة الأولى التي أثبتها هذا الحديث ولم تُعْرَف إلا في العصور المتأخرة: فهي إثبات الداء والمرض في الذباب، إن هذا الحديث قد أثبت أن في الذباب داءً، وقد كان هذا الحدث العلمي الذي أخبر عنه هذا الحديث ساب قًا للاكتشافات الحديثة بمئات السنين إلى آخره.
أما المعجزة الثانية: فهي إثبات الشفاء في الذباب، وإن الاكتشافات العلمية الحديثة والتي لم تنتهِ بعدُ، تُثْبِت وجود عنصر الشفاء، وهو المضاد الحيوي القاضي على الجراثيم والبكتريات، أو "البكترويوفاج" القاضي على الميكروبات، وهذا عنصر شفاء، أو الدواء؛ إذ كل منها كافٍ في القضاء على الجرثوم والميكروب الذي يحمله الذباب.
إن المسلمين الأوَّلِين قد أخذوا الحديث بالتصديق والإيمان من غير أن يعرفوا أن فيه دواءً وداءً، جراثيم ومضادات حيوية -يعني: المصطلحات الحديثة- لأن هذا كله لم يُعْرَف ولم يتبيَّن إلا في العصر الحالي، ومع هذا كانوا يأخذون بالحديث عمليًّا، فما موقفُ المسلمين المعاصرين بعد أن اكتشف لهم تصديق الخبر النبوي علميًّا وعمليًّا ؟ إلى آخر ما قال.
[ ٣٢٩ ]
إذن الجواب من العقل المُنْصف هو الوسيلة، اتباع النبي -ﷺ-.
إذن هذه كلها سياحة مع هذا الحديث، والأمر يتحمل أكثر من هذا ليتبين من خلاله أننا ندين الله تعالى بصدق هذا الحديث وبالعمل به.
ثم يختم الشيخ مُلَّا خاطر -وهذا أمر معروف- كلامَه: بأن الحديث الأمر الذي فيه أمر إرشاد،
على كلٍّ الذي لا تطيب نفسه بذلك الحديث لا يجبر على الفعل، الذي تطيب نفسه بهذا الصنيع فليصنع هذا، إذا وقع الذباب في الإناء يغمسه ثم يطرحه؛ لأنه قد تحققت المعادلة بين الداء والدواء وبين السم والترياق، وإن لم تطب نفسه ويريد أن يُرِيقه فَلْيُرِقْه، لكنْ لا يعترض على الحديث ولا يرفضه، يقول: إن نفسه قد تقززت، أو عافته نفسه، لكن مع اعتقاده بصحة الحديث تمامًا.
وصلُ الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٣٣٠ ]