[ ٣٣١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن عشر
(حديث الإسراء والمعراج، ودفع ما أثير حوله من شبهات)
تخريج الحديث، وبيان درجته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
حديث الإسراء والمعراج:
وهذا أيضًا من الأحاديث التي تكلموا فيها بعقولهم وأثاروا الشبه حولها؛ مما يجعلنا دائمًا في حاجة إلى مناقشة حدود العقل في الكلام عن الغيبيات، وعن أمور الوحي، وعن المعجزات، وما إلى ذلك للتنبيه على أن هذا إقحام للعقل فيما ليس من مجال عمله، وهذا ليس احترامًا للعقل أبدًا، وحين نتصدى لهذا فإن ذلك ليس من باب المصادرة على العقل في حرية التفكير، وما إلى ذلك على كل سنحاول أن نفهم وجهة نظرهم ونتوقف مع بعض الشبهات التي أثاروها حول الإسراء والمعراج، ونرد عليهم في ذلك، ونبدأ ببيان الحديث أو ذكر الحديث، وهو حديث طويل، وهو أيضًا موجود في كل كتب السنة من مصادرها، يعني نقول بلا مبالغة: لا يوجد مصدر من مصادرها في السنة إلا وذكر معجزة الإسراء والمعراج بتفصيلات طويلة جدًّا.
الحديث ننقله الآن من البخاري:
رواه البخاري في صحيحه: عن أنس بن مالك -﵁- عن مالك بن صعصعة -يعني: صحابي يروي عن صحابي-: «أن النبي -ﷺ- حدثه عن ليلة أُسري به» هذه بداية الحديث. «بينما أنا في الحَطِيم -وربما قال: في الحِجْر» يعني: إما هنا أو هنا «إذ أتاني آتٍ فقال: وسمعته يقول: فَشَقَّ ما بين هذه إلى جنبي» يعني: شَقَّ من صدر النبي الشريف من أعلاه إلى منطقة الشعر من أسفل، واستخرج قلبه الشريف «فاستخرج قلبي، ثم أُتِيت بطَست من ذهب مملوءةً إيمانًا فغسل قلبي، ثم حُشِيَ ثم أُعِيد» الرحلة بدأت بشق صدره -ﷺ- «ثم أُتِيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض هو البُراق» أحد رواة الحديث اسمه الجارود يسأل
[ ٣٣٣ ]
سيدنا أنس بن مالك -﵁- أَهُوَ البُرَاق يا أبا حمزة؟ قال: "نعم، يضع خطوه عند أقصى طرفه". يعني: عند أقصى ما يصل إليه نَظَرُه.
إذن بعد شق الصدر الشريف وإعادته إلى مكانه والْتِئَامه أُتِي بالبُراق، وهو دابة دون البغل وفوق الحمار، وخطوته إلى أن ينتهي بصره إلى مدّ بصره، إذا انطلق بصره إلى عشرات الكيلو مترات هي خطوة واحدة.
«فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به -قال- فَنِعْمَ المجيء جاء فَفَتَح، فلما خَلَصْتُ فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك آدم فَسلِّم عليه، فسلمتُ عليه فردّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسِل عليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فَنِعْمَ المجيء جاء فَفُتح -أو فَفَتَح- فلما خَلَصْتُ إذا يحيى وعيسى وهما ابنَا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلِّم عليهما، فسلمت فردَّا ثم قالَا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صَعِد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فَنِعْمَ المجيء جاء فَفُتح -أو فَفَتَح- فلما خَلَصْتُ فإذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلِّم عليه، فسلمت عليه فَرَدَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح».
وهكذا في الرابعة التقى بإدريس -﵇- وفي الخامسة التقى بهارون -﵇- وفي السادسة التقى بموسى -﵇- وفي السابعة التقى بأبي الأنبياء الخليل -﵇- كلهم رحبوا به، وألقى ﵈.
[ ٣٣٤ ]
«ثم رُفعت إلى سِدْرة المُنتهى، فإذا نَبْقُها مثل قِلال هَجَر، وإذا ورقها مثل آذان الفِيَلة، قال: هذه سِدْرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رُفع لي البيت المعمور، ثم أُتِيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبنَ، فقال: هي الفِطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم فُرضت عَلَيَّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم ثم رجعت فمررت على موسى فقال: بما أُمِرتَ؟ قال: أُمِرْتُ بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناسَ قَبْلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك، فاسأله التخفيفَ لأمتك، فرجعت فَوضَع عني عشرًا».
وظلت المراجعة إلى أن أُمر بخمس صلوات بعد أن استحى النبي -ﷺ- من مراجعته لربه: «ون ادى مُنادٍ: أمضيت فريضتي، وخَفَّفْتُ على عبادي» هذا حديث أخرجه البخاري ومسلم.
ومن حديث أبي هريرة أيضًا: «أتي رسول الله -ﷺ- ليلة أُسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن».
ومن حديث أبي ذر: «كان يُحَدِّث أن الرسول -ﷺ- فُرِجَ سَقْفُ بيتي -أو سقفي- وأنا بمكة، فنزل جبريل -﵇- ففرج صدر ي، ثم غسله بماء زمزم».
ومن حديث أنس أيضًا، وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وعن جابر بن عبد الله: «لما كَذَّبتني قريش، قمت في الحِجْر، فَجَلّا الله لي بيتَ المقدس، فَطَفِقْتُ أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه».
وفي أحاديث كثيرة جدًّا تعددت فيها الروايات.
[ ٣٣٥ ]
هذا عرض موجز لحديث الإسراء والمعراج وهو -كما قلنا-: حديث صحيح، ورد في أصح مصادرنا، وهو عند البخاري في أماكنَ متعددة؛ من بينها كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: هل أتاك حديث موسى، ومن بينها كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، ومن بينها كتاب: مناقب الأنصار، باب: في المعراج، رواه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله -ﷺ- إلى آخره.
اقتصرنا هنا على البخاري ومسلم، ل كن كما قلت: هو موجود في كل كتب السنة المطهرة، التي هي مصادرنا التي نرجع إليها في كل أمور السنة، هذا الحديث ثبتت صحته، وه وعند المُحَدِّثين بإجماع، وعند علماء الأمة، وعند أهل السُّنة والجماعة، ثبتت صِحَّته عن النبي -ﷺ-.
تفاصيل رحلة الإسراء والمعراج، وبيان ما حدث فيها من معجزات
بدأ بِشَقِّ الصدر، وحادثة شَقّ الصدر تكررت في حياة النبي -ﷺ- مرات عديدة، مجمع عند العلماء منها على ثلاثة، وشراح الحديث تكلموا عنها؛ ابن حجر وغيره، أشاروا إلى أنه شُق صدره الشريف وهو طفل في بادية بني سعد، وكان ذلك لنزع حظِّ الشيطان منه، وشُق صدره الشريف عند بدء الوحي، وكان ذلك لِيَتَهَيَّأَ لل تلقي عن الملك.
العلماء يقولون: إن الوحي في جوهره إما أن ينتقل المَلَك إلى الحالة البشرية، وهذه أخف على رسول الله -ﷺ- حين يأتي المَلَك على هيئة بشر من البشر، كما في حديث جبريل، وكما كان يأتي على هيئة دِحْيَة الكلبي إلى آخره، وإما أن ينتقل المَلَك إلى إلى مرحلة الملائكية ليتم التفاعل، وهذه كانت شاقة وصعبة على النبي -ﷺ-: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: ٥) وفي كتاب: بَدْء الوحي من
[ ٣٣٦ ]
حديث أُمِّنا عائشة عند البخاري -﵁-: «كان رسول الله -ﷺ- يعالج من التنزيل شِدّة» إلى أن تقول: «وإنه لَيَتَفَصَّد جبينه بالعرق في اليوم الشديد البرد».
ي تكلمون كثيرًا من الناحية العقلية في مثل هذه الأمور، ونقرأ الآن أنهم يَظَلُّون شهورًا يُعِدُّون العُدَّة لمن يرتقي أجواز الفضاء العُليا، وفي رحلات الفضاء المعروفة الآن له مَلْبَس خاص، ومَطْعَم خاص، ومَرْكَب خاص؛ لأنه يتجاوز مرحلة الجاذبية، هذه المرحلة أو هذه المنطقة لها قانونها غير الذي يسري على الأرض، هذا كله قام الله -﷿- للنبي -ﷺ- بمعجزة شق الصدر، حكمتها أن يَتَهَيَّأ إلى الصعود إلى الملأ الأعلى على الوجه الذي يريده -﷾-.
ثم جاء البُراق، وصفته: أنه دون البغل وفوق الحمار من ناحية الحجم، وهو أبيض، ويضع حافره عند منتهى طرف عينه، يعني: عند أقصى نقطة يصل إليها نظره، إذن خطوته واسعة جدًّا، وهو في حد ذاته معجزة.
وصُعِد بالنبي -ﷺ- إلى السماوات العُلى، وفي كل سماء قابل نبيًّا من الأنبياء، واستفتح جبريل وفُتح الباب، وسُئِل من معك؟ محمد -ﷺ-: «أَوَقَدْ بُعث إليه؟» كلهم يعرفون نُبوَّته -ﷺ- من سؤالهم: «أَوَقَدْ بُعث إليه؟» كلهم يعرفون نبوته، ومصداق ذلك قول الله -﵎-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: ٨١) الآية تثبت أن الله -﷿- قد أخذ العهد والميثاق على الأنبياء جميعًا، أنهم إن أدركوا هذا النبي العظيم الخاتم عليهم أن يؤمنوا به، وأن ينصروه.
وابن عباس حَبْر الأمة وترجمان القرآن يقول: "العهد مأخوذ أيضًا على الأمم
[ ٣٣٧ ]
من خلال أنبيائهم"؛ لأن كل خطاب للنبي إنما هو خطاب لأمته، إلا ما قام الدليل على تخصيص النبي -ﷺ- به.
إذن حين أخذ الله العهد والميثاق من الأنبياء فإنه قد أخذه من أممهم في نفس الوقت، أن أحدًا منهم إذا أدرك هذا النبي عليه أن يؤمن به: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ وأعطوا العهد والميثاق على ذلك، وشهدوا على أنفسهم، وقامت الحُجّة عليهم، ولذلك عَلِم الأنبياء بنبوته -ﷺ- وتطبيق ذلك عمليًّا كان في ليلة الإسراء والمعراج، حين أُسْرِي بالنبي -ﷺ- أو عُرِج به إلى السماوات العلى: «أَوَقَدْ بُعث إليه؟».
هذا سؤال من يعرفون نُبُوَّته، غير أنه يسأل عن الوقت والزمان، هل بُعِث إليه الآن؟ فتكون الإجابة نعم، فيرحبون به، أما آدم -﵇- فرحب به؛ لأنه ابن له، وآدم أبو الخلق جميعًا، وليس أبا الأنبياء فحسب، وفي السماء السابعة -يعني: في المبتدأ والمنتهى- التقى بأبويه؛ بأبيه البعيد آدم، وبأبيه القريب إبراهيم -﵉ وعلى كل الأنبياء والمرسلين- وكلهم رَحَّبوا به، والأبوان قالَا: «مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح»، وبقية الأنبياء قالوا: «مرحبًا بالنبي الصالح وبالأخ الصالح»، رَحَّبوا به، وفرض الله الصلاة ثم نزل، وحدثت المراجعة مع موسى -﵇-.
كان من الممكن أن يُحْمَل جسده الشريف من غير دابة، لكنها تدريب لنا:
أولًا: الدابة في حد ذاتها معجزة بما تملكه من قدرات وإمكانيات.
ثانيًا: هي أيضًا تدريب لنا في الأخذ بالأسباب، يعني: نتوكل على الله ونفوض الأمر إليه، لكن ذلك لا يعني ترك الأسباب.
[ ٣٣٨ ]
إذن شق الصدر، ثم البراق، ثم انطلق به إلى رحلة المعراج، ورحلة الإسراء والمعراج تضمنت معجزات كثيرة:
الإسراء: معناها السير ليلًا، الإسراء والسُّرى هو: السير ليلًا، والماضي في الإسراء أسرى، هذه همزة التعدية، أسرى الله بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما نزلت سورة تحمل هذا الاسم في أول آياتها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (الإسراء: ١).
أما المعراج: اسم آلة على وزن مِفْعَال، وهي آلة الصعود، والمقصود به السُّلَّم الذي نصعد به أو عليه إلى أي مرتفع، هذا يسمى مِعْراجًا، والمقصود: هو رحلة العروج نفسها إلى السماوات العلى؛ لكن المِعْراج على وزن مِفْعَال، مثل: مِحْرَاث ومِنْشَار ومِسْمَار اسم آلة، مقصود بها أداة العروج وهي السُّلم أو المِصْعد، لكن المقصود بها في الشرع: هي الصعود نفسه إلى السماوات العلى؛ للفوائد التي تضمنتها هذه الرحلة المباركة.
بعض الفوائد التي لها صلها بإثباتها؛ لأن الأصل هو إثبات المعجزة:
أولًا: الحديث صحيح، فالكلام من ناحية صحة الحديث لا تحتاج إلى جدال ولا إلى نقاش، هذا من ناحية.
ثانيًا: رحلة الإسراء والمعراج، رحلة هي معجزة، بل إنها معجزة تَضَمَّنَت في طياتها معجزات، من بين ما تضمنته من معجزات؛ شق الصدر أولًا، هذه معجزة، من بين ما تضمنته من معجزات البراق، هذه معجزة، من بين ما تضمنته من معجزات، لقاء الأنبياء بالنبي -ﷺ- والترحيب به، هذه معجزة، أيضًا من بين المعجزات كما في التفصيل في بعض الروايات أنه -ﷺ- صلى بهم إمامًا، هذه معجزة أن يأتوا من قبورهم ثم يعودون إلى قبورهم مرة ثانية هذه معجزة.
[ ٣٣٩ ]
أيضًا لما رجعوا، وهذا عند البخاري: من رواية جابر بن عبد الله -﵄- «لما كذبتني قريش» حين عاد من رحلة الإسراء والمعراج حَدّث بها كذبوه، يقول: «كُرِبْتُ لذلك» يعني تَأَلَّم النبي -ﷺ- لتكذيبهم، وقالوا: صِفْ لنا بيت المقدس، مع أنهم يعلمون أنه لم يكن ذاهبًا في رحلة سياحية، ليعد عدد الأبواب في المسجد الأقصى، أو عدد الشبابيك أو لون الجدران، هو ذاهب لمهمة نبوية، مهمة دعوية.
لما كرب لذلك النبي -ﷺ- ماذا فعل الله له؟ جَلَّا له بيت المقدس، -حمل له بيت المقدس- يقول: «فَطَفِقْت أنظر أخبرهم عن آياته»، يقول: «جَلّا الله» في رواية يقول: «جَلَا)، يجوز التخفيف هنا، التشديد: «فَجَلّا الله» أي: أظهر وأوضح لي بيت المقدس، «فَطَفِقْتُ أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» يخبرهم النبي -ﷺ- عن علاماته وهو ينظر إليه -ﷺ-.
إذن المعجزة بدأت بشق الصدر، والبُراق هي أيضًا معجزة تضمنت في طياتها معجزات، ثابتة من حيث الصحة بأقصى درجات الصحة، وبإجماع الأمة، وبتلقي الأمة لها بالقَبُول، هل العقل له مدخل؟ هذا ما يجعلنا نُلحّ على حدود إعمال العقل.
والمعجزات يُعرفها العلماء: بأنها أمر خارق للعادة، يُظهره الله على يد نبي؛ تأييدًا لدعوته وتأكيدًا لنبوته، وتصديقًا له في كل ما يخبر به عن الله -﷿- إذًا هي أمر خارق للعادة، أمر لا يناقش بالعقل؛ لأنها فوق العقل، وفوق التصور العقلي، وحين يدخل العقل ويُقْحِم نفسه في مناقشة هذه الأمور، هذا ما نُلحّ عليه كثيرًا هو تَدَخُّل فيما ليس من دائرة عمله، وما ليس له فيه، وهو مخطئ أشد الخطأ حين يفعل ذلك، أنت تُصدِّق النبي أو لا تصدقه أنت حر، لكن أن تصدقه
[ ٣٤٠ ]
وتناقش بعقلك فيما لا دخلَ للعقل فيه، هذا هو العَبَث، هذا هو المجون، هذا هو الخلل العلمي والعقلي معًا، المعجزات ليست من دائرة عمل العقل أبدًا، هي فوق العقل؛ لأنها أصلًا كما أجمعوا على تعريفها أمر خارق للعادة لا يألفه الناس، ولا يَعْرِفه الناس، يُظهره الله على يد نبي، كأنها رسالة من الله -تعالى- لتأييد هذا النبي فيما يخبر به عن ربه -﷾-.
الرد على ما أثير حول رحلة الإسراء والمعراج من شبهات
لا بد أن نتفق على:
أولًا: أن الإسراء والمعراج معجزة ليست خاضعة لعمل العقل؛ لأنها معجزة.
ثانيًا: هذا الإبعاد العقلي لمعجزة الإسراء والمعراج ليس خاصًّا بها، بل هو في كل المعجزات، وليست في معجزات نبينا -ﷺ- فَحَسْب، بل في معجزات الأنبياء جميعًا، لا نتدخل بعقولنا، لو تدخلنا بعقولنا في معجزات الأنبياء ربما أدى ذلك إلى الإنكار.
ثالثًا: الأساس العقلي، الإمام الشيخ عبد الحليم محمود -﵀- في بعض كتبه يَرُدّ على منكري الإسراء والمعراج، أو على مَن صرفوها عن ظاهرها، بأنهم يزعمون بأنهم تَقَدُمِيُّون، وأنهم أتباع المدرسة العقلية، أو أتباع المدرسة العلمية التجريبية، وهم رجعيون، ويفسر كلامهم فيقول: إنهم أتباع أبي جهل، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، كيف؟ أبو جهل ومدرسته وأضرابه حينما أخبرهم النبي -ﷺ- بمعجزة الإسراء والمعراج أنكروا ذلك، على أي أساس؟ على الاستبعاد العقلي، قالوا: أنضرب إليها أكباد الإبل شهرًا في الذهاب وشهرًا في الإياب، ثم تزعم أنك أتيتها في ليلة يا محمد؟!
[ ٣٤١ ]
لو فحصنا ودققنا في كلام أبي جهل ومَن شايعه هو استبعاد على أساس العقل، عقولهم لم تقبل ذلك، نحن نذهب إليها شهرًا في الذهاب وشهرًا في الإياب، نضرب إليها أكباد الإبل، ثم تزعم أنك أتيتها في ليلة يا محمد؟ قضية محمد - ﷺ- لم يزعم أنه أتاها، وإنما أسند الفعلَ إلى القوة القادرة عليه، وهي قوة الله تعالى لم يقل محمد: سَريت، وإنما قال: أُسري بي، وأسند الله تعالى الفعلَ إلى نفسه في القرآن الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: ١) لم يقل: سَرى محمد بنفسه، إذن القرآن يرد عليهم في هذا.
هم رجعوا ألف سنة وأربعمائة إلى الخلف، هم رجعيون، رجعوا إلى اتِّباع أبي جهل، بل نقول بملء الفم ومن غير تردد: إن أبا جهل على كفره أفضل حالًا منهم، بالنسبة لأبناء المدرسة الإسلامية الذين ينكرون ذلك، لماذا؟ لأن أبا جهل متسق مع قضية كفره؛ كيف؟ هو أصلًا لم يؤمن بالنبوة، وبالتالي من البداهيات أن ينكر المعجزات، إذا كان لم يؤمن بالنبوة وبأنه نبي -ﷺ- فهل سيؤمن بمعجزاته؟ أما أنتم يا من آمنتم بنوبته، جزء من الإيمان بالنبوة أن نؤمن بأن الله يجري المعجزات لأنبيائه، هذا جزء من الإيمان بالنبوة، كل ما يجريه الله -تعالى- على يد هذا النبي، بعد أن آمنت به وصدقته، عليك أن تصدقه، وإلا فما معنى أنك تصدقه ثم تنكر بعض ما يتعلق به!
هل نبينا -ﷺ- بدع في المعجزات؟ يعني: حدثت له معجزات لم تحدث للأنبياء قبله في غرابتها، في استبعاد العقل لها، إذا كنا سنعمل بالعقل، هل العقل يقبل أن يتكلم طفل في المهد كما أنطق الله سيدنا عيسى -﵇-؟ هل العقل يقبل أن يولد ابن من غير أب؟ هل العقل أو العلم التجريبي يقبل أن تتحول العصا إلى حية؟
[ ٣٤٢ ]
وأن تشق العصا البحر؟ إلى آخر ما أجرى الله، أن يدخل أحد إلى النار ويخرج سليمًا؟ بل لم يخرج سليمًا فحسب. النار من خاصيتها الإحراق، في معجزة سيدنا إبراهيم -﵇- لم يسلبها الله تعالى خاصية الإحراق فحسب، بل حولها إلى عكس خاصيتها، فجعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم، وانظروا إلى بلاغة القرآن الكريم: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ (الأنبياء: ٦٩) لم يقل: بردًا فقط؛ لأن بعض البرد يؤذي ويضر، ويسبب المرضَ، ويحتاج إلى تعاطي الدواء، إنما كوني يا نار بردًا وسلامًا، فهو برد لا يؤذي، فأفقدها الله خاصيتها، بل حولها إلى عكس خاصيتها، كأنه يجلس في تكييف غير مضر وغير مؤذ، حمل كل علامات الكمال، فهو برد وهو في نفس الوقت سلام لا يؤذي بفضل الله -﷿-.
هذه معجزات للأنبياء جميعًا، ونبينا -ﷺ- ليس بدعًا في هذه المعجزات، ومن المستشرقين الذين تأثر بهم أبناؤنا من أبناء المدرسة الإسلامية، من هو اليهودي ومن هو النصراني، وآمنوا بمعجزات أنبيائهم، أما عند نبينا فأقحموا العقل والعلم فيما ليس من مجاله، وضحكوا علينا بهذه الترهات، وتقبلها البعض منا، كيف ذلك؟ إلى درجة أن أنكرنا ما ورد عندنا في مصادرنا الصحيحة!!
كل هذا البلاء نتج من إدخال العقل فيما ليس من تخصصه، من التأثر بالمستشرقين، مع أن المستشرقين آمنوا بمعجزاتهم، لم نسمع أن مستشرقًا "جولدن زيهر" أو غيره أو غيره من الذين تأثر بهم أبناؤنا "وشاخت" "ويليام وير" هل أنكروا معجزات أنبيائهم؟ لم ينكروا، هذا أمر متفق عليه بين البشر، المعجزات تأييد من الله -﵎- لنبيه -ﷺ- والمعجزات دليل من الله -﷿- على صدق هذا النبي، وهي رسالة من الله -﷿- أو كأنها هكذا تحمل الدليل على تأييده وتصديقه، وكأنها رسالة للخلق أن يَتَّبِعوا النبي -ﷺ- في كل ما يخبر به عن الله -﷿-.
[ ٣٤٣ ]
إذن الإسراء والمعراج ثبت، والأساس الذي بنوا عليه رفضهم متهافت ومردود عليه، بل نستطيع أن نقول: إذا كان لا بد من إعمال العقل أو العلم فإن الأقرب من المعجزات إلى هذا هي معجزة نبينا -ﷺ-.
إن أكبر معجزتين تكلموا فيهما وأثاروا الشبهات وحاولوا أن يثيروا الغبار حولهما؛ معجزة شق الصدر التي تكررت، ومعجزة الإسراء والمعراج، وذكرنا مرارًا أن العلم جرى بقليل منهما، شق الصدر العلم الآن يزرع القلب ويزرع الأعضاء كأنواع من العلاج للبشر بفضل الله -﷿-.
وأما ركوب الدابة، لو أن أحدًا من الناس أخبر الآن أنه انتقل بين مكة حيث خرج النبي -ﷺ- وبين القدس حيث الإسراء، لكان عدة مرات في ليلة واحدة وليست مرة واحدة، لو قال: عدة مرات، يعني: تقريبًا الطائرة تستغرق ساعة أو قليلًا من الساعة، يعني: لو انتقل عدة مرات في ليلة واحدة وأخبرنا بذلك لصدقناه، فإذا كانت معجزة نكذبها أو يتوقف البعض منا فيها، ويزعم أن الأدلة أو هذا العقل لا يقبل أو كذا إلى آخره.
هذا مما لا يجوز أبدًا، وكما نقول: نحن نتكلم بالأدلة، العقل يثبت، الواقع يثبت، لا غرابة في هذا أبدًا بالمرة، والأنبياء جرت لهم المعجزات بأغرب وأعجب مما حدث لنبينا -ﷺ- وآمن بها مَن آمن، ونحن نؤمن بها -بفضل الله ﷿- ونؤمن بمعجزات الأنبياء جميعًا، وهذا من روعة الإسلام الذي يجعل إيماننا بكل الأنبياء كإيماننا بالنبي -ﷺ- بل إن الطريق إلى معرفة الأنبياء السابقين بكل ما حدث لهم إنما عرفناه عن طريق النبي -ﷺ- الذي أنزل الله عليه القرآن مخبرًا بذلك، والذي جاءت به أحاديث سيد المرسلين -ﷺ-.
أبو بكر -﵁- في ليلة الإسراء والمعراج -كما روت كتب السيرة المتعددة ابن هشام
[ ٣٤٤ ]
وغيره- يعلمنا استعمال العقل بالطريقة الصحيحة، أبو بكر -﵁- لم يكن حاضرًا حين أخبر النبي -ﷺ- بالإسراء والمعراج، جروا إليه وأخبروه: إن صاحبك يزعم أنه أتى بيتَ المقدس الليلة ثم أصبح بين ظَهرانَيْنا، ولله درك يا أبا بكر -رضي الله عنك وأرضاك- يا أفضل الخلق بعد الأنبياء.
بعض الناس يقول: إن أبا بكر سمي بالصديق من هذه الليلة، وإن إيمانه بناء على حب النبي -ﷺ- وتصديقه، لا والله هذا قمة النضج العقلي بعد النضج الإيماني، الإيماني هذا حَدِّث ولا حرج، إيمانه يعدل إيمان الأمة، يقول لهم: "أي غرابة في ذلك! ".
أولًا: عَلَّمَنا درسًا قال: "إن كان قال فقد صدَقَ" يعني: إذن علينا أن نتحرى في الأخبار، ومثل هذه المواقف هي التي أسس عليها المُحَدِّثون حين وضعوا قواعدَ قبول الرواية، ومنها صدق المخبر، وعلى رأسها، ورد ذلك في القرآن والسنة: "إن كان قال فقد صدق" الذي ينقل الخبر إليه الآن هم الكفار، ربما كانوا يكذبون على النبي -ﷺ- خصوصًا وأنهم أعداء.
إذن نتحرى في الأخبار، ثم أي غرابة في هذا؟! هو يخبرني أن الوحي يأتيه من السماء في لحظة، أنا أصدقه لأني مؤمن بأنه نبي، ما الفرق عقلًا وعلمًا وواقعًا؟ ما الفرق بين نزول الملك من الملأ الأعلى على النبي -ﷺ- بما يريد الله تعالى أن يبلغه، وبين صعود النبي -ﷺ- إلى الملأ الأعلى؟ العقل الذي يقبل هذا يقبل ذاك، بالنسبة لقدرة الله، بالنسبة لعظمة الله، كل ذلك أبسط مما يكون، لن نقول سهلًا أو مسهولًا، هذا أبسط مما يكون، كل شيء بإرادة الله كن فيكون، القدرة التي أنجزت إنزال الملَك، هي القدرة التي صعدت بالنبي -ﷺ- إلى الملأ الأعلى.
هم تكلموا في المعراج أكثر مما تكلموا في الإسراء، الإسراء لأنه ثابت بالقرآن
[ ٣٤٥ ]
الكريم وبنص الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ولذلك منكر الإسراء منكره كافر، هناك من يئوله، يؤوله ليس منكرًا له؛ لأنه يصطدم مع القرآن؛ لأنه ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لذلك تجرءوا على المعراج، لأن هناك الآيات في صدر سورة النجم تشعر أن النبي -ﷺ- صُعد به إلى الملأ الأعلى، وحتى هذا من بين الشبهات التي أثاروها، أن المعراج لم يأتِ في القرآن وليكن، حتى لو لم نقل: إن آيات النجم لا تُحمل على المعراج: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (النجم: ١٨) أو: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٦ - ١٨] يعني: لن ندخل في تفسيرها، حتى لو حملتموها على أن المراد ليس هو المعراج.
المعراج ثبت بالسنة، والسنة في ثبوتها الدليل المستمد منها في قوة الدليل المستمد من القرآن، دعنا واعتراضنا لن نتوقف عنده، المهم أن نتأكد من صحة الحديث، وقد ثبتت صحته ولله الحمد، فلسنا محتاجين إلى أن نقول: ثبت بالقرآن، يعني: هو في نظر كثير من العلماء أن المعراج أيضًا ثبت بالقرآن، لكن هذه قضية لن أتوقف عندها كثيرًا؛ لأنه ليس شرطًا أن يثبت كل شيء بالقرآن، وإلا لما كانت السنة من الأول، ونحن نتكلم هنا عن حجية السنة، وعن أنها يجب العمل بها.
إذن قضية ثبوت المعراج بالقرآن أو السنة قضية لا ولن تزعجنا، سآخذ من آخر الأمر، ولْنَقُل: ثبت بالسنة فقط -مع أنه ثابت بظاهر القرآن كما قلت- لكن حتى لو ثبت بالسنة فعلى العين وعلى الرأس.
إذن أبو بكر -﵁- يعلمنا العقل، قياسه يقيس صعود النبي -ﷺ- على نزول الملك، أي فرق بينه؟ من الذي يقول بالفرق بين هذا وذاك؟ أي فرق؟ الذي أنزل الملك
[ ٣٤٦ ]
هو الذي صعد بالنبي -ﷺ- إلى الملأ الأعلى. هل أنت تصدق نزول الملك أو لا تصدق؟ إذا كنت لا تصدق فهذا شأنك، الذي لا يصدق أخذ طريق الكفر من أوله وأنكر النبوة، وأنكر الوحي لا شأن لنا معه.
بعض الشبهات التي أثاروها حول هذه المسألة:
من هذه الشبهات:
يحلو للبعض أن يسميها حادثة، ولا يريد أن يقول: معجزة، وبعضهم عَنْوَن لبعض معجزات النبي في كتابه قال: أسطورة شق الصدر، ولَمَّا عِيبَ عليه العنوان، كيف هذا؟ عدلها في الطبعات الثانية قال: حادثة شق الصدر، لا يريدون أن يسموها معجزة، يقول: المعراج يتعارض مع قول الله -﵎- بعد أن اقتنعوا حاولوا أن يأتوا بأدلة قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ (الإسراء: ٩٠) إلى أن قالوا: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٣).
أنا أستعجب ما وجه الاستدلال بهذه الآية على إنكار المعراج؟ أتريدون أن تقفوا في نفس المعسكر؟ هم قالوا: لا بد أن نراك ترقى في السماء، وحتى لو رأيناك فلن نؤمن لك، هذه صورة من المعاندة والكِبر الذي يضيع الحق ولا يستجيب له، نربأ بأي مسلم أن يقترب منها، لا أن يصل إليها: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ﴾ حتى مع رُقِيِّك في السماء: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ هات لنا رسالة من الله أنك طلعت، جاء بالإسراء وغيره لكنهم لم يؤمنوا، فهل نريد أن نقف في نفس الخندق معهم؟
[ ٣٤٧ ]
هم يستدلون بإجابة النبي -ﷺ- هل كنتم تريدون أن يقول لهم: هذا ممكن وسأفعله لكم: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (الإسراء: ٥٩) هكذا يزعمون، الآية ليس فيها أبدًا دليل على هذا -على إنكار المعراج- وحين قال النبي -ﷺ-: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ يعني يريد أن يقول: إنني بقدرتي لا أستطيع أن أرقى في السماء، كل فريق من الكفار مع نبينا أو مع غيره -ﷺ- من الأنبياء طلبوا شيئًا يرسله إليهم، لا، ليس الأمر على هواهم.
صِدقُ الرسل له علامات كثيرة يَتَحَثَّثُهَا الأعمى، صدق الرسل جميعًا، وليس رسول الله -ﷺ- فحسب، إنما كل الأنبياء الأدلة على صدقهم واضحة جلية باهرة، بالمعجزات وبغير المعجزات، بمضمون ما جاء به، لا يحتاج الأمر إلى معجزات، هو يقول: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ يعني: يريدون أن يقولوا: هو يعلن أنه لا يستطيع أن يصعد السماء، نعم هو لا يصعد بذاته ولا بقدرته. ومَن الذي قال: إن الإسراء والمعراج تم بقدرة النبي -ﷺ-؟ والله -﷿- حين تكلم عن الإسراء والمعراج، أسنده إلى القوة القادرة عليه، وهي قوة الله تعالى، و﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾! الله -﷿- هو الذي أسرى، وفي أي حديث من الأحاديث لم يقل النبي -ﷺ-: "رأيت مثلًا ليلة سَريت أبدًا"، لم يُسْنِد الفعلَ إلى نفسه، في أي رواية من الروايات، إنما: «رأيت ليلة أُسري بي، أسري بي» بالبناء للمجهول، هناك مَن أسرى به وهو الله -﷿- وهنا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أنا لا أفعل شيئًا إلا بإرادة الله، وبإذن الله -﵎-.
[ ٣٤٨ ]
المعراج رؤية منامية:
يستندون إلى قول الله -﵎-: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (الإسراء: ٦٠) ابن عباس -﵄- وكل التفاسير ذكرت ذلك: "هي رؤيا عين"، رآها النبي -ﷺ- بعينه في الإسراء وفي المعراج.
الرؤيا في اللغة: عند الماضي رَأَى، والمضارع يَرى، والمصدر يتعدد، وبتعدد المصدر يتعدد المعنى، رأى رأيًا مثلًا، المسائل العلمية أو المسائل التي تحتاج للدراسة العلمية السياسية التقديرية بشكل عام، رأيي في المسألة كذا، أنا أنرى كذا، انتظر حتى أرى رأيي مثلًا، كل ذلك، رأى رؤيا بالألف، هذه للأمور المنامية، واستعمل في ذلك في الحديث، وعندنا كتاب الرؤيا في التعبير، الرؤيا عند الإمام مسلم، والتعبير عند الإمام البخاري، وتجمع على رؤى، ما يراه النائم في نومه بالألف، إذا قلت: رأيت رؤيا بالألف فهي لما يُرى منامًا، أما رأيت رؤية بالتاء هذه، فهي لما يرى بالبصر بالعين التي نبصر بها.
إذن حين أقول: رؤيا بالألف فهي الرؤيا المنامية، وحين أقول: رؤية فهي الرؤية البصرية للعين، هل يجوز استعمال إحداهما مكان الأخرى؟ إذا رأيتُ أمرًا غريبًا لا يكاد يقع في واقع الناس إلا على ندرة وبُعد، كأنه لا يُرى إلا منامًا، أقول عما رأيته بعيني هاتين مثلًا: رأيت رؤيا؛ لأبين غرابة ما وقع، مثلًا: لو رأيت واحدًا يأكل عشرة أرغفة مثلًا أو عشرين رغيفًا في وجبة واحدة: والله رأيت رؤيا غريبة عجيبة، من الممكن أن تتكلم عنها حينئذٍ كأنها رؤيا لغرابتها منامية، أما العكس، يعني: لا يجوز أن تقول: رأيت رؤية عما يُرى منامًا.
وأما الرؤية بالتاء، فلا تستعمل إلا في الرؤية البصرية، ومن ثم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ أي: لغرابتها وندرتها وعجز البشر عنها، لا يستطيعها إلا
[ ٣٤٩ ]
من خَلَق البشر -جل في علاه- فعبّر الله عنها، ولذلك قال: جعلها فتنةً للناس للمنكرين لتمييز المؤمنين وغيرهم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ليتميز المؤمن الصادق من المؤمن الضعيف الذي يتردد، أو الكافر الذي ينكر ويجحد -والعياذ بالله ﵎-.
إذن الآية أيضًا ليس فيها أبدًا ما يفيد أن المعراج كان في المنام، وحتى لو كان في المنام، ما وجه المعجزة فيه؟ أما لو قيل: إنها منامية كما تريدون أن تقولوا، فلا وجه للإعجاز فيها، ولا داعي لإنكارها أصلًا، ولذلك أثبت العلماء بمجموعة من الأدلة أن الإسراء والمعراج كانت بالروح والجسد معًا، وجمهور العلماء على ذلك -جمهور علماء الأمة- بل إجماعهم منعقد على ذلك، لم ينازع في هذا إلا القليل.
وجمهور العلماء على أن الإسراء والمعراج كانتَا في ليلة واحدة، وأنهما وقعَا بالروح والجسد معًا، وأنهما وقعَا في اليقظة وليس في المنام، كل ذلك ذكره العلماء المتعددون، ولم يستغرب أحد هذا، وإلا فما معنى أنها معجزة؟ وما وجه الغرابة فيها؟ أيقول الله -﷿-: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بَعَبْدِهِ﴾ والعبد تنصرف إلى الروح فقط دون الجسد أو في المنام؟
ولذلك أتباع المدرسة العقلية لما وجدوا أن الإسراء ثابت بالقرآن، وهم يتجرءون على السنة، بعضهم قال: إنه كان رؤية منامية، حتى على الإسراء وليس المعراج فحسب؛ لأنهم أعملوا عقلوهم في النص؛ ولأنهم قدموا العقل على النص، وجعلوا العقل قاضيًا على النص، وهذه من البلاءات التي وقعوا فيها، ونفاصلهم فيها في الواقع العلمي، ونفاصلهم فيها أمام الله -﷿- إذن: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ليس فيها دليل على إنكار المعراج.
[ ٣٥٠ ]
أيضًا يقولون: إن المعراج لم يذكر في القرآن، وقد رددنا على هذه، لا نحتاج إلى ذكره في القرآن: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: ١ - ١٤).
كل هذه آيات في كثير من المفسرين يرونها تتعلق بالمعراج، إذا لم يعجبكم ذلك فليكن، نحن لا نستفتيكم في هذا، نحن نُقَعِّد قاعدة مهمة: أن الأمور التي ثبتت بالسنة -سواء في الأحكام الشرعية، أو في العقائد، أو في أي أمر، أو في معجزات، أو في غيبيات- هي عندنا على العين والرأس، الذي ندرسه ونستوثق منه أن يكون الدليلُ صحيحًا، وهذا ما أثبتناه، ومتى ثبتت صحته فعلى العين والرأس، أقعد قاعدةً لهذا الأمر ولغيرِه: كل ما ثبت بالسنة فهو في قوة ما ثبت بالقرآن، من حيث الأدلة على العقيدة، على الغيبيات، على المعجزات. علينا أن نتأكد منه هو أن نستوثق من صحة الخبر، وصدق الرواية، كما فعل أبو بكر -﵁-: "إن كان قال فقد صَدَقَ" وهذا ما تفعله المدرسة الحديثية، تتأكد من صدق الخبر.
إذن كونها لم تثبت في القرآن -مع أن هذه مماحكة لن نتوقف عندها- فهي ثابتة بالسنة المطهرة عندنا.
أيضًا يقولون: جمع له الأنبياء، فيها غرائب، نعم ما المشكلة؟ هذه من المعجزات وكلها فيها فوائد.
توقفوا أيضًا مع مراجعة سيدنا موسى للنبي -ﷺ- وكأنهم يقولون: في الأمر تغيير للمقادير، من الذي قال ذلك؟ الأمر ليظهر الله لنا حكمته وفضله على الأمة. هذه المراجعة فيها دروس كثيرة، هذه المراجعة فيها احترام الخبرة، تلك القاعدة
[ ٣٥١ ]
التي غابت عن المسلمين الآن، احترام التخصص، احترام الخبراء في كل مَيْدان: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر: ١٤) ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٩) ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (النحل: ٤٣).
سيدنا موسى يعطي خبرته للنبي -ﷺ-: ماذا فرض الله عليك؟ أنا خبرت الأمم قبلك، وقصة بني إسرائيل مع سيدنا موسى معروفة في القرآن والسنة، والعَنَت والمشقة التي تحملها من نقاشهم، فالخبرة ليعطيَها سيدنا موسى طائعًا مختارًا للنبي -ﷺ- تبادل الخبرات، والحكم على أساس الخبرة درس مهم جدًّا.
ثم يبين ما بين الأنبياء من تآخٍ ومن تحاب، يقدمون لنا القدوة في ذلك، يعني: لم يضن بخبرته كما نفعل نحن مع بعضنا، تضييع أخلاقنا التي علمنا إياها الإسلام، فنضن بالفوائد والخبرات، سيدنا موسى يقول له: «ارجِع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإني قد بلوت الأمم قبلك، أو بلوت بني إسرائيل واختبرتهم، فلم يطيقوا ذلك»، فإذن فهو حب وتآخ بين الأنبياء، هو تساعُد وتسانُد على القيام بالمهمة التي بُعثوا من أجلها؛ لكي ينجحوا فيها، ويأخذوا بيد البشر إلى الهداية، هي أيضًا اعتماد على الخبرة، هي إظهار لفضل الله الذي في علم الله حَسَمه الله في نهاية الأمر: «ما يُبَدَّلُ القول، هن خمس في العمل، وهن خمسون في الأجر والثواب» وهذا ما سبق به قدر الله.
أما المراجعة فكانت لإظهار مكانة النبي -ﷺ- عند ربه، وإظهار فضل الله -﷿- على عباده، حيث لا يكلفهم إلا بما يطيقون وما يتحملون: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٨٦).
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٣٥٢ ]