[ ٣٧٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العشرون
(حديث السحر، ودفع ما أثير حوله من شبهات)
تخريج الحديث وبيان درجته، وشرح بعض معانيه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
نبدأ أولًا بتخريج الحديث لبيان درجته:
حديث السحر هذا ورد من روايةِ مجموعةٍ من الصحابة -رضوان الله عليهم- ولكن أشهر رواية رواية أمِّنا عائشة -رضي الله تعالى عنها-. يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه من حديث أمِّنا عائشة -رضي الله تعالى عنها- روى هذا الحديث عنها عروة بنُ الزبير ابن أختها، أسماء، وروى عنه ابنُه هشام، تقول:
«سَحَرَ رسولَ الله -ﷺ- رجلٌ من بني زُرَيْق يقال له: لَبِيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله -ﷺ- يُخَيَّل إليه أنه كان يفعل الشيءَ وما فعله، حتى إذا كان ذاتَ يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: يا عائشةُ، أَشَعَرْتِ أن الله أفتاني فيما استفيتُه فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدُهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرَّجُل؟ فقال: مطبوب. قال: مَنْ طبَّه؟ قال: لَبِيد بنُ الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مُشط ومُشَاطة، وجُفّ طَلْع نخلةٍ ذَكَرٍ. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذَرْوانَ. فأتاها رسول الله -ﷺ- في ناس من أصحابه، فجاء، فقال: يا عائشة، كَأَنَّ ماءَها نُقَاعة الحِنَّاء وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين. قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجتَه؟ قال: قد عافاني الله، فكرهت أن أُثير على الناس فيه شرًّا. فأَمَر بها، فدُفِنَت».
هذا حديث رواه الإمام البخاري في كتاب: الطب، باب: السحر، ورواه في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، بنفس الإسناد الموجود معنا هنا، وأوّله: "سحر النبي -ﷺ-" ورواه في كتاب: الدعوات، ورواه في كتاب: الأدب، ورواه في كتاب: الطب أيضًا، هل يستخرج السحر؟ إلى آخره، ورواه في كتاب: الجزية الموادعة، في باب: هل يعفى عن الذمي إذا سَحَرَ؟
[ ٣٧٩ ]
ورواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب: السلام، باب السحر. ورواه الإمام النسائي في سننه الكبرى في كتاب: الطب، باب: السحر.
ورواه ابن ماجه في سننه، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده في عدة مواطن، وليس في موطن واحد، وأخرجه ابن حبان -رحمه الله تعالى- في صحيحه أيضًا في كتاب: التاريخ، باب: كتاب النبي -ﷺ- إلى آخره، أبو يعلى أخرجه والبيهقي في (دلائل النبوة) أخرجه، وابن سعد في (الطبقات) أخرجه، والحميدي في مسنده أخرجه، والإمام الشافعي في مسنده، أخرجه، والبيهقي في سننه الكبرى أخرجه، وابن جرير الطبري في (التفسير) أخرجه، كلها روايات من أمنا عائشة، وهناك طرق أخرى لأمِّنا عائشة أيضًا في كتب السنة.
هذا التخريج يدل على أن هذا الحديث قد ملأ كتب السنة، وأنه لا يوجد مصدر أو ديوان من دواوين السُّنة المطهرة إلا وقد تعرَّض لهذا الحديث وذكره.
إذَن الحديث بعد هذا التخريج صحيح، بل في أعلى درجات الصحة، الحديث إذا رواه البخاري ومسلم فقد تلقته الأمَّة بالقبول، وهو المتفق عليه، وهو في أعلى درجات الصحة، وعلماؤنا يُقسِّمون الحديثَ إلى مراتب الحديث الصحيح، أعلاها باتفاق الأمة ما اتفق عليه البخاري ومسلم.
ننظر الآن في بعض لغويات الحديث:
السحر له معانٍ متعددة، منها: صرْف الشيء عن وجهه بما خفيَ ولَطف ودقَّ، يعني: نصرف الشيء عن وجهه الذي هو عليه، ووسيلتنا في هذا الصرف بأشياء دقيقة خفية لطيفة لا يراها أحد، أو لا يكاد يعلمها كثير من الناس، ومنه قول الله -﵎-: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (الحجر: ١٥) أي: مصروفون عن
[ ٣٨٠ ]
المعرفة بالحقيقة، والسحر يُطلَق على الأمور الحسية وعلى الأمور المعنوية، ما دام يصرفك عن الحقيقة أو عن المتابعة، أو يقع في نفسك تزيين، فهذا نوع من السحر؛ ولذلك يقولون مثلًا وهذا في الحديث، رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنه قدما رجلان من المشرق، فخطبا، فعجب الناس لبيانهما -يعني: كلامهما كان حلوًا طيبًا فصيحًا بليغًا- فقال رسول الله -ﷺ-: «إن من البيان لسحرًا، أو إن بعض البيان سحر» هذا رواه البخاري في كتاب الطب، باب: "إن من البيان لسحرًا".
إذن هذا البيان يكون سحرًا؛ لأنه قد يُقْصَد به تزيين الباطل، وقد يُقْصَد به صرف الناس عن الحق، يعني: الناس تتلقى الكلام الحلو وتتأثر به وقد لا يكون صادقًا، وقد لا يكون حقًّا، وقد يكون المقصود به أن يُصرَفوا عن الجهاد، عن متابعة مسألةٍ ما، فخدعهم هذا القول، فهذا نوع من السحر في المعنويات، يعني: ليس هناك شرْط، بأنْ جسمه سُحِر، أو عقله سحر، إنما صُرِفَ عن متابعة الحق بهذا الكلام المزيَّن الجميل المزخرف الذي خُدِعَ به سامعه.
الكلام عن السحر له تفصيلات كثيرة، وكتب كثيرة مؤلفة عن السحر، وكل كتب السنّة التي شرحت الحديث تكلمت عن السحر، وكيف يكون؟ وآيات تفسير القرآن الكريم في قصة سيدنا موسى مع سحرة فرعون، تعرضوا لكثير جدًّا من السحر.
السحر وسائله شديدة أو كثيرة، تكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، هو لا يظهر إلا على يد فاسق أو كافر، هو لا يُستدَل به على نبوة ولا يُتَحَدَّى به الخلق، وأحيانًا يكون بالاستعانة بالشياطين وبخداع وتخيلات لا أصلَ لها، المقصود بها خداع الناظر واستمالته كما يفعل الحُواة الذين يعتمدون على
[ ٣٨١ ]
خفة اليد وما إلى ذلك، يعني: هو يكون بالاستعانة بالشياطين، هو لا يصلح أن يكون معجزة؛ لأنه لا يُتَحَدَّى به الخلق، ولا يُسْتَدل به على نبوة، ولا تنقلب به حقائق الأشياء.
وأنا هنا سأقف وقفة يسيرة مع عدم انقلاب حقائق الأشياء به؛ لأن هذا هو اللُّب في عمل السحرة كلهم، ولعل كثيرًا من المؤمنين يُحس بالعجز؛ لأنه يتصور أن الساحر يستطيع أن يفعل به ما يريد، وهذا ضعف في الإيمان خطير، بالإضافة إلى أنه فهْم خاطئ لقدرات السحر، الساحر لا يستطيع أبدًا تغيير حقائق الأشياء، علينا أن ننتبه إلى ذلك؛ لأنها مسألة عقدية، مسألة خطيرة أن تعطي للساحر القدرة على أن يغير حقائق الأشياء، فكأنك أعطيته ما لله؛ ولذلك الذي يأتي الساحر ويصدقه أو الكاهن ويصدقه أو العراف ويكهنه: «فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ-»؛ لأنه أعطى ما لله لغير الله.
قصة سيدنا موسى مع السحرة:
أولًا: القرآن وصفهم بأنهم في أعلى درجات السحر، لما جاء سيدنا موسى -كما في سورة الشعراء- إلى فرعون وناقشه، عَرَضَ فرعون الأمر على الملأ، فقال: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ (الشعراء: ٣٦، ٣٧) ﴿سَحَّار﴾ على وزن فعَّال، و﴿عَلِيمٍ﴾ على وزن فَعيل، صيغتان من صيغ المبالغة، يعني: هم في علم السحر، والسحر علم غير أن تعليمه حرام، وتعاطيه حرام، وكل ما أوتوا له حرام، لكنه علم له قواعد وأصول، إذن هو كل سحّار، يعني لم يقل: ساحر، عالم، مثلًا على وزن فاعل، إنما سحار عليم، مما يدل على أنهما في أعلى قمم علم السحر إن كان للسحر علم، وله قمة.
[ ٣٨٢ ]
والمهم: هؤلاء السحرة جاءوا مذهوِّيين منتفخِين واثقين من النصر يُقْسِمون بعزة فرعون -الذين يزعمون أنه إلههم- أنهم هم الغالبون، وكأنهم لثقتهم يقولون لموسى: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (الأعراف: ١١٥) سواء ألقيت أولًا أو ألقينا نحن أولًا نحن سنغلبك سنغلبك.
كل هذه الصور المتكاملة من الموقف تُشْعِر بأن السحرة علماء كبار واثقون من الفوز، يتطلعون إلى القرب من إلههم المزعوم، ويتمنون أن ينالوا رضاه وعطاءه في وقت واحد، بدأت المسألة: ألقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون. أول الناس الذين آمنوا هم السحرة، الذين وصلوا في علم السحر إلى قمته وتبوءوا الذروة منه، وكانوا يتمنون العطاء، فإذا بهم يُهدَّدون بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فلا يأبهون بذلك، يقولون: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: ٥٠)، سبحان الله! لماذا؟
هذا هو لُبّ المسألة التي أتكلم فيها، وأنا استطردت إلى هذه المسألة لخطورتها وأهميتها العقدية، وأنا أثق في مجال الدعوة، وأتكلم عن هذا كثيرًا أن من أهم أسباب تنامي مكانة السحرة أننا ضعفاء أمامهم، وأننا لا نأخذ بالتحصينات الشرعية، وأننا نتصور أن لديهم القدرة على أن يفعلوا بنا ما يريدون، أعوذ بالله، فكأننا أعطيناهم بعض قدرات الله -﷿- ومن هنا كانت خطورة المسألة من الناحية العقدية.
لماذا كان السحرة أولَ المؤمنين؟
لأنهم أيقنوا أن الذي جاء به موسى ليس في قدرة بشر، العصا فعلًا انقلبت إلى حية، حقيقتها تحولت، والله -﷿- كان يؤهله إلى ذلك، في مطلع سورة طه:
[ ٣٨٣ ]
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (طه: ١٧ - ٢١). موسى -﵇- يتكلم عن أنه يعرف لماذا يحمل العصا؟ ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾، أراد الله -﷿- أن يلفت نظره إلى أننا سننبهك إلى لمهمة أخرى لهذه العصا: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾، ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ إذا الفجائية، تحولت إلى عصا، أنت علمت هذه الخاصية، ستحتاج إليها فيما بعد، حين يوحي الله إليك بأن تستخدمها على الوجه الذي يعلِّمك الله إياه.
﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (الشعراء: ٤٥) ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ (طه: ٧٠) حتى بدون تردد، الفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، لم يترددوا لحظةً واحدةً؛ لأنهم علموا أن الذي جاء به موسى ليس في قدرة ساحر أبدًا.
في المقابل لمَّا تكلم الله عن صنيعهم قال: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (طه: ٦٦) هي حبال وعِصِيّ باقية على حالها لم تتغير ولم تتحول عن كونها حبالًا وعِصيًّا، غاية ما في الأمر أنه بعمل السحر الذي يعملونه خُيِّل لسيدنا من سحرهم -أي: بسبب سحرهم، مِنْ هنا سببية- أنها تسعى، لكنها لم تتحول إلى حية فعلًا؛ ولذلك لما رأوا العصا تحولت إلى حية علموا أن موسى مؤيَّد من قِبَل الله -﵎- ولذلك يقول المفسرون: لم يقولوا آمنا بموسى وهارون، إنما قالوا نقلوا الإيمان مباشرةً إلى رب موسى وهارون، علموا أن البشر لا يأتون بهذا، إنما الذي يأتي به هو الله -﷿-: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ (طه: ٧٠).
إذن السحرة يُستدَل بسحرهم على النبوة، لا يُتَحَدَّى به الخلق، لا تنقلب به حقائق الأشياء، تكون بالاستعانة بالشياطين، أو بخداع وتخيلات لا أصل لها،
[ ٣٨٤ ]
يتم بها خداع الناظر واستمالته، ويتصور أن الذي يحدُث أمامه كأنه حق، والسحرة يعانون معاناة في تركيب أشياء في الدفاع في فعل أشياء حتى يتحقق لهم ما يريدون، وهو لا يأتي إلا على يد فاسق أو كافر، والعياذ بالله -﵎-.
شرح حديث السحر
«سحَرَه رجل من بني زُرَيْق يقال له: لَبِيد بن الأعصم»، هو ليس يهوديَّ الأصل، هو يهودي بالحِلْف مع اليهود، هو أنصاري خزرجي من بني زُرَيْق، يعني: من الأنصار لكنه منافق؛ لأنه تعاطى السحرَ وسحَرَ النبي -ﷺ-. إنما وصفته الروايات بأنه يهودي؛ لأنه كان بينه وبين اليهود حِلْف، وهذا كان موجودًا في المدينة بالذات، تَحالفَ كثيرٌ من بطون الأوس أو بطون الخزرج مع اليهود؛ نظرًا لما كان لهم من سَطوة اقتصادية أو عسكرية، وكان ذلك قبل الإسلام، وردّوا هذه العهود على أصحابها حين نهى الإسلام عن موالات غير المسلمين أو الذين يحاربون الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الممتحنة: ١) إلى آخره.
"حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن"، هذا أثرُ السحر في نفس النبي -ﷺ.
«يا عائشة، ألا ترين أن الله قد أفتاني فيما استفتيه» أي: أظهر لي حقيقة مرضي، أَطلقَ عليه الدعاء، والداعي يسمَّى مستفتيًا والمُجيب يسمى مفتيًا؛ لأنه طلب من ربه -﷾- أن يكشف عنه ما هو فيه. "الملكان جاءَا" في بعض الروايات أنهما "جبريل وميكائيل"، يسأل أحدهما صاحبه: «ما يشكو الرجل؟ قال: مطبوب» طب يطُبّ ويطِبّ في المضارع فاء الكلمة تُضَمّ وتُكْسَر، وهو من
[ ٣٨٥ ]
أسماء الأضداد، يعني يستعمل في المعنى وضده. عندنا كلمات في اللغة العربية تستعمل في المعنى وضده، مثل كلمة "مولى" تستعمل على السيد وتستعمل في العبد، أيضًا هنا طَبَّ تطلق على العلاج الذي يتلقاه الناس لعلاج أجسامهم ونفوسهم حين يذهبون إلى الأطباء، ويُطلَق على السحر أيضًا، إذن هو مطبوب يعني: مسحور.
«مُشط ومُشَاطة» والمُشط: هو الأداة التي نسوِّي بها شعرنا، وهو آلة معروفة لتسريح وتنظيم شعر الرأس واللحية، والمُشاطة هي الشعر الذي يسقط من الرأس نتيجة التمشيط، وهي بكسر الميم وضمها مِشاطة ومُشاطة، وتقال على بقايا الوَبَر من الكتَّان ومن غيره، يقال مثلًا: مشاطة الكتاب، وفي بعض الروايات هي بالقاف المشاقة أو المشاطة، هي بنفس المعنى ما سقط من الشعر.
«جُفّ طَلْع نَخْلٍ ذَكَر» الجُفّ: بهذا الضبط الذي نقوله -بضم الجيم وتشديد الفاء- هو وعاء طلع النخل، هو الغشاء الذي يكون فيه على الطلع، أي: فوقه، وطرفه الذي يتخلق فيه، وفي رواية مسلم: «جُبّ» بدل: «جُفّ» وهما بمعنى أيضًا؛ ولذلك وقع الجمع بينهما في رواية عند الإمام أحمد ذكرتْهُما معًا، قالت: "جب أو جف"، وهناك بعض اللغويين فرّق بينهما، بأن الجف: هو وعاء الطلع، والجب -بالباء-: هو ما بداخل الطلعة نفسها.
«بئر ذَرْوانَ» هو بئر لبني زُرَيْق بالمدينة، هذه المكونات كلها للبئر، مكونات السحر: المُشط والمُشاطة كانت موضوعة في الجب، والجب هذا موضوع تحت الصخرة في وسَط البئر، ولما جاء الملكان وأعلما النبي -ﷺ- بمكان السحر ذهب هو وجمْع من الصحابة، في روايات كثيرة: عمار بن ياسر، علي بن أبي طالب، استخرجاه من السحر، هناك روايات أنهما دفناه، وهناك روايات أنهما أحرقاه، وهناك غير هذا
[ ٣٨٦ ]
والمهم أن النبي -ﷺ- تخلَّص منه ولم يُعَقِّبْ، ولم يُرِد أن يجعلها فتنةً للناس، إنما انتهى الأمر عند هذا الحد.
الرد على ما أثير حول حديث السحر من شبهات
الشُّبَه التي أثاروها:
الشبهة الأولى -ولعلها أخطر شبهة-:
هذا الحديث يَحُطُّ من منصب النبوة ويشكك فيه؛ وطبعًا كل ما يؤدي إلى ذلك فهو باطل. ومن ثَمَّ فمن وجهة نظرهم كل ما أدى إلى هذا فهو باطل، والحديث على ذلك باطل، هكذا يزعمون.
نقول: كأنهم يريدون أن يقولوا تجويز الحديث يؤدي إلى القدح في النبوة، وقد يؤدي إلى عدم الثقة بالشرع؛ ولذلك أنكروا هذه الرواية، وكما قلت: هذه أخطر شبهة يثيرونها حول هذا الحديث.
أولًا: في بداية الرد على هذه الشبهة نقول:
إن الإجماع قد انعقد على وجوب عصمة الأنبياء مما يُخِلّ بالتلبيغ، يعني: الأنبياء معصومون مِنْ أن يتعرضوا لشيء يؤثِّر على تبليغهم لدعوتهم ولمنهجهم الذي جاءوا به من عند الله -﷿- وأيضًا معصومون من المعاصي، ومعصومون من كل ما لا يليق بمقام النبوة، يجوز في حقهم ما يجوز على البشر من: الأكل، والشرب، والنكاح، والزواج، وكل العوارض البشرية التي يتعرض لها البشر،
[ ٣٨٧ ]
مما لا يؤدي إلى نقص في مراتبهم السامية: كالمرض، وأيضًا الإغماء، أغمي على النبي -ﷺ- في مرضه الأخير كما ثبت في (الصحيح)، بخلاف المرض الذي فيه نقص: كالجنون، والجُذام، والبرص مثلًا، الذي يصرف القلوب عن متابعة الأنبياء، كل ذلك هم معصومون منه.
فبالجملة: كل ما يؤدي إلى الانتقاص من مقام النبوة ومن أشخاص أصحابها، الأنبياء جميعًا والنبي -ﷺ- على رأسهم معصومون منه؛ إذن هذه قضية لا جدال فيها، وأيضًا معصومون من كل عوارض بشرية تؤدي إلى نقص في مكانتهم أو منزلتهم أو تؤثر على تبليغهم، مثل: المرض الشديد الذي يصرف القلوب، أو الأمراض المعدية، أو ما شاكل ذلك.
أما سائر العوارض البشرية فتسرِي عليهم، ولقد تعجب الكفار فقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: ٧) وكأنهم يريدون أن يأتي ملك من جنس آخر غير الجنس الذي يأتي البشر، مع أنه من المنطق جدًّا حين يأتي الرسول إلى بشر أن يكون بشرًا مثلهم، وأن يخاطبهم بلسانهم حتى يفهموه ويستوعبوا عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (إبراهيم: ٤).
ومن العجيب في البيئة العربية القديمة أنهم في الوقت الذي استكثروا واستثقلوا أن يكون فيه الرسول بشرًا قَبِلوا أن يكون فيه الإله حجرًا -والعياذ بالله- مما يدل على خلل العقول، وأن الأمر إذا أوكل إلى العقول بدون عصمة الوحي فإن العقول تضل وتتيه في بيداء الظلمات ولا تهتدي إلى معرفة الحق والصواب.
هذا التخيل المذكور ما الذي أثر في النبي -ﷺ- في السحر؟ الذي يرد على هذا كل الروايات، حتى الروايات المطلقة تحمل على الروايات المقيدة، وهذا فن حديثيّ معروف عند أهل الصنعة، خلاصته: أن النبي -ﷺ- كل الأثر الذي تعرّض له هو أنه كان يُخَيَّل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، كله أثر السحر.
[ ٣٨٨ ]
هل نُقِل عن الرسول قول أو فعل أثناء إصابته بالسحر يُفهَم منه خلل في التبليغ، أو في الأحكام، أو في النقل، أو في آيات القرآن، أو ما شاكل ذلك؟ نحن نتحدى هاتوا لنا موقفًا واحدًا أثناء مرضه بالسحر، حتى العلماء حددوا التاريخ، قالوا: كان بعد عودته من الحديبية، في أواخر سنة ستة هجرية وأوائل سنة سبعة، وحددوا المكان الذي كان فيه السحر، كل ذلك وارد بالأدلة. يعني: لم يَخْفَ شيء، ليس هناك ما نخفيه ولا ما نستره، لا تأثيرَ للسحر أبدًا على القدرات التفكيرية أو ما شاكل ذلك، أو الوحي الذي جاءه. ونتحدى أن يأتي أحد -هذا الذي كان يخيفنا- أو يقال: قولكم بالسحر قد أثَّرَ على النبوة، ونتحدى أن يأتي موقف واحد يبين أنه أثَّرَ على ما يخص التبليغ، وما يخص الدعوة، وما يخص مهامّ النبوة بأيّ صورة من الصور. «يُخَيَّل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله»، هذه رواية مطلقة فُسِّرت في روايات متعددة كلها في (الصحيح) بأنه يُخَيَّل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن.
وأثَر السحر يبدو في المقام الأول في قضية المعاشرة الزوجية، هل سمعنا عن رجل اختل عقله بسبب ذلك؟ هل سمعنا عن رجل ظهرت عليه علامات الجنون أو الخبل؟ لم نسمع أن رجلًا من الناس بسبب ذلك تعرض لشيء يتعلق بفكره، بعقله، بقدراته البشرية، أو البدنية، أو كذا
نحن قلنا: إن الساحر لا يستطيع تغيير حقائق الأشياء، هو لا يسلب الرجل القدرة ثم يعيدها إليه، كل الذي يحدث إنما هو أثر في نفس المسحور، فيتخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، لكن القدرات لم تمس، لا القدرات العقلية، ولا القدرات البدنية، وحتى غير الأنبياء أمامنا دليل، ونحن نتحدى في هذا، حتى في حياة البشر العاديين أن يأتوا بحادثة واحدة يقولون: إن مَنْ مُنِعَ النساء بالسحر
[ ٣٨٩ ]
وهذا هو الميدان الذي يعمل فيه السحرة، وأعتقد أنه لا مكان لهم وغيرهم، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله -﵎-.
نحن نبالغ في قدرات الساحر، وبالنسبة للنبي -ﷺ- كل الذي حدث أنه كان يُخيَّل إليه أن يأتي النساء ولا يأتيهن، ما دليلنا على ذلك؟ الروايات، ودليلنا على ذلك الأوضح والأقوى أن يأتوا بحادثة واحدة يقولون فيها: إن النبي -ﷺ- قد أثَّر السحر عليه فيما يتعلق بالقدرات التفكيرية. إذن هو عارض بشري مما يعرض للبشر ولا يخل بمكانته ولا بمنزلته.
ثم لا يتصورَنَّ أحدٌ أن هذا الأمر معارض لعصمته -ﷺ- نحن تعرضنا لهذا قبل ذلك ونُذَكِّرُ به، كثيرٌ من الناس يقول: إن الله قد عصمه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) وتعرُّضه للسحر يعارض هذه الآية ويتناقض معها، وبالطبع حين يصِلون إلى هذه النتيجة فهم يردُّون الحديث، القرآن هو ما تعهد الله بحفظه، هكذا يقولون، ويُزيَّن لهم ذلك بالشبهات التي يثيرونها.
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) لا تعني أبدًا أن النبي -ﷺ- لا يتعرض لمحاولات الإيذاء، لم يقل أحد من الأمة بذلك، بل قلنا: إن تعرضه للإيذاء هو دليل على العصمة. كيف ذلك؟ يعني: الذين يؤذونه يحاولون لكنهم لا ينجحون، لا ينالون ما يريدون، لا يحققون ما يهدفون إليه، إنما يتعرضونه، يحاولون ويُرَدّ كيدهم إلى نحورهم، ويُرَدُّون على أعقابهم فلا يتحقق مبتغاهم أبدًا.
النبي -﵊- سُمَّ، ما الفرق بين السم والسحر؟ سُمَّ، فتعرض للسم، وكَشْف السم عنه كان بمعجزة، كما هنا بالضبط م عجزة، تحدثت الشاة وقالت: "إني مسمومة". فظهرت عصمة الله له، أنهم كادوا ضد النبي -ﷺ- لكن كيدهم أُحبِط
[ ٣٩٠ ]
ورُدّ إلى نحورهم، وإلا لو لم يتعرض النبي -ﷺ- للإيذاء أبدًا، فكيف كنا سنتعرف على أنه معصوم، هل سيكون عندنا دليل؟ فقط ظاهر الآية، أما مواقف عملية تعرَّض فيها لشيء وحُفِظَ، لو لم تكن لدينا تلك المواقف كيف كنا سنرى التطبيقات العملية لهذه الآية!!
إذن هذه التعرض للأذى دليل على عصمة الله له وحفظه للنبي -ﷺ- بمعنى أنه يتعرض: يدبرون لقتله في الهجرة وفي غير الهجرة، يكيدون ضده، يضعون السم في طعامه، يسحرونه إلى آخر ذلك، لكن الدعوة ماضية إلى غايتها، ونصر الله معاضد لها، ولم يتركها النبي -ﷺ- إلا وقد أصبحت على المحجة البيضاء، وأكمل أصحابه المهمة من بعده، فبلغوا دين الله للعالمين.
لم تتأثر الرسالة، ولم تتأثر الدعوة، ولم يتأثر الوحي ولا الموحَى به لا في القرآن ولا في السنة، ولا في التبليغ ولا في التشريعات، ولدينا الإسلام كله، ولدينا التحدي الذي نصرّ عليه، بأن يأتي أحد بحادثة واحدة فيها خلل في المنهج بسبب ذلك السحر الذي تعرض له النبي -ﷺ-.
أيضًا لماذا الأمر في حق النبي -ﷺ-؟
سيدنا موسى سُحِرَ، والقرآن هو الذي أثبت ذلك، ولم يقل أحد: إنّ سحر سيدنا موسى كان سببًا في شيء يتعلق بالدعوى، ونفس التعبير الذي استعمله النبي -ﷺ- استعمله ربنا مع سيدنا موسى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (طه: ٦٦) خُيِّل إليه أنها تسعى بسبب ما صنعوه من السحر، أثَّرُوا فيه، لا أريد أن أقول سحروه، تعرض للسحر، فخيِّل إليه بسبب هذا السحر أن حبالهم وعصيهم تسعى، لكنها حبال وعِصِيّ، لم تخرج عن حقيقتها هذه؛ ولذلك آمن السحرة.
[ ٣٩١ ]
الأعداء -وحتى في زماننا هذا- يستعملون كل الأسلحة التي يستطيعون استعمالها: من سحر، وسُمّ، ومحاولة للقتل، ومحاولة لصرف الخصوم، وصبّ العذاب، وإثارة الشائعات؛ كل ذلك استُعمِل مع النبي -ﷺ- ومع الصحابة، ما الضرر في هذا أن يتعرض النبي -ﷺ- لذلك؟ ولكن كما قلت نحن سنظن خيرًا ببعض المعترضين على الحديث بأنهم يخافون أن يسبب ذلك حرجًا للوحي نفسه أو للموحَى به من القرآن ومن السنة ومن أوامر الشرع ونواهيه، لكننا نطمئنهم أنه لم يحدُث ذلك لا مع النبي -ﷺ- ولا مع سيدنا موسى، ونتحدى. النبي -ﷺ- كان له أعداء في زمانه في حياته، لم يقل أحد: يا محمد، هذا مما أثر فيه السحر فيك، فصرت تقول قولًا غير دقيق، مثلًا، أو صرت تعمل.
كيف تَثْبُت الأمور؟ تثبت الأمور بمثل هذه الأدلة التي لا يستطيعون أن يأتوا بواحد منها أبدًا، فالله قد عصمه، وليست العصمة بأن لا يتعرض لأذى، وإنما العصمة تظهر مع محاولات وقوع الأذى لكنها لا تصل إلى أهدافها.
أيضًا من الشُّبَه التي أثاروها حول هذا الحديث، يقولون:
إنه على فرض صحته فهو حديث آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، وعصمة النبي -ﷺ- من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد التي ينبغي أن نؤمن بها.
هذا كلام فيه تهويل، وفيه مبالغة، نعم، عصمة النبي -ﷺ- مما يؤثر على العقائد، هذه يجب أن نعتقدها، ونحن بدأنا كلامنا ببيان أن َّ مِن المُجْمَع عليه عند الأمة أن الأنبياء معصومون عن كل ما يؤثر في العقيدة، وفي التبليغ، وما إلى ذلك.
[ ٣٩٢ ]
أما القول بأنه حديث آحاد، وانتهينا من خلال الأدلة ومن خلال عمل الأمة، أن الأمة أجمعت على وجوب العمل بخبر الآحاد، خبر الآحاد أو خبر المتواتر، هذا يتعلق بقضية هي أصلًا جاءت عند المحدِّثين من الأصوليين، هي ليست قضية حديثية في المقام الأول، المحدِّثون يهتمون بإثبات صحة نسبة الحديث، للنبي -ﷺ- كل ما جاء عن النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو كذا
أما أن يقال: إن هذا ظنيّ الثبوت، أو هذا قطعيّ الثبوت، هذا مبحث أصولي نقله المحدثون عنهم؛ لأنه يتعلق بسنة النبي -ﷺ- وإلا .. خبر الآحاد ما هي القضية المثارة حوله؟ هو درجة ثبوته بالنسبة للنبي -ﷺ- يعني: الخبر المتواتر نحن نقطع بأن النبي -ﷺ- قاله ومُنكِرُ ذلك كافر؛ لأنه كما أنكر القرآن؛ لأن القرآن ثبت بالتواتر، أما حديث الآحاد فهناك مَن قال من العلماء: إنه مقطوع بصحته للنبي -ﷺ- وهناك من قال: إنه مظنون، يعني: يغلب على ظننا أن النبي -ﷺ- قاله، ولا نقطع بذلك بنسبة مائة في المائة، أيًّا كان، لكن الفريقين معًا اتفقَا على وجوب العمل بحديث الآحاد، لم ينازع في ذلك من أئمة الأمة الذين هم أهل الحل والعقد، والذين نأخذ عنهم، بدءًا من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة المتبوعين وغيرهم، كلهم؛ ولذلك صار من قواعد الأمة المجمع عليها أن حديث الآحاد يجب العمل به؛ لأن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها، وهذا أيضًا من القواعد التي اتفقت عليها الأمة، أن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها.
نحن نصوم بإخبار واحد أو اثنين أنهما رأيَا الهلال، نحن نقيم الحدود بشهادة شاهدين، وكل ذلك خبر آحاد إذن، وخبر الآحاد يُعمَل به في العقائد، من الذي قصره على الأحكام دون العقائد، أو على الفرائض دون العقائد؟ مقتضى الأدلة يُثبت أن حديث الآحاد يعمل به في كل ذلك، عشرات الأدل ة، ذكرناها في حينها، النبي -ﷺ- حين أرسل الرسالات إلى الملوك والرؤساء يدعوهم للإسلام،
[ ٣٩٣ ]
يدعوهم إلى العقيدة، للدخول في الإسلام ذاته: «أسلمْ تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين» قيلت هذه العبارة لهِرَقْل ولكسرى وغيرهم، حين أرسَل معاذًا إلى اليمن: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب، أول ما تطلب منهم، اطلب منهم أن يشهدوا ألا إله إلا الله، وأني رسول الله -هذه عقيدة- وإن هم أجابوا لذلك أو أطاعوا ذلك أُخبرُهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة".
عشرات الأدلة على أن أخبار الآحاد يُعمَل بها في العقائد، ويعمل بها في الأحكام، وفي كل ذلك، ولا سبيل أبدًا للتفريق في الإسلام بين العقيدة وبين التشريعات؛ فكلها من أمور الدين، وكلها مطلوبة، نعم، بعضها أهم من بعض، لا ننازع في هذا، لكنَّ درجة ثبوتها واحدة، نحن لا نأخذ أمرًا حتى نقرّ بفضائل الأعمال، إلا إذا كان قد ثبت بدليل قوي يحتج به.
إذن القول بأنه خبر آحاد هذا قول مردود عليه بوجوب العمل بخبر الآحاد، والحديث كما قلت رواياته كثيرة، ويُعْمَل به، وليس فيه أبدًا ما يجعلنا أن نقول: إنه خبر آحاد ولا نعمل به.
هذه الشبهة أنا أود أن يغلق الباب حولها، لا يصح أن نَلُوكها في كل صغيرة وكبيرة، بعد هذه الأدلة المتعددة التي وردت في القرآن والسنة، تبيَّن أن حديث الآحاد يعمل به في كل شيء، ولقد أحلنا حين تكلمنا عن هذه القضية إلى رسالة الإمام الشافعي باعتبارها أصلًا في هذا الباب، وكتابًا مهما جدًّا في هذا الباب، وقد ذَكَرَ أكثر من ثلاثين دليلًا من القرآن والسنة على وجوب العمل بحديث الآحاد خاصة في العقائد، وفي الأحكام، وفي كل ذلك، وأن الذين فرَّقوا بين أمور الإيمان والعقائد وغيرها وفي الاحتجاج بالأدلة، لا يستندون إلى أدلة من القرآن أو السنة.
[ ٣٩٤ ]
أيضًا من الشُّبَه التي أثاروها في هذا الأمر يقولون:
إننا إذا أثبتنا السحر للنبي -ﷺ- فكأننا أيَّدنا قولَ الظالمين الذين حكى القرآن عليهم في سورة الفرقان: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا مَسْ حُورًا﴾ (الفرقان: ٨).
الحقيقة: هذا كلام عجيب جدًّا، أولًا: هي دعوى يقولها أعداء كل نبي للنبي، الخصوم يقولونها وردت أيضًا في حق سيدنا موسى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: ١٠١) واستعملوها في حق النبي -ﷺ- كما ذكرنا في سورة الفرقان، وفي سورة الإسراء: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: ٤٧) أوَكلمَّا قال الأعداء قولًا ننفيه بنفي ما ثبت عندنا من أدلة قوية؟ مع ملاحظة هذا، أن: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: ٤٧) هذه لا علاقة لها أبدًا بحديث السحر، هذا موضوع مختلف تمامًا، ولا أدري ما هو الرابط بين القولين؟ بل إني أعتقد اعتقادًا جازمًا أن الكفار قالوها وهم يعلمون أنهم كاذبون فيها.
يعني: السياق الذي ظهرت فيه الآيات ومواقفهم التي قرأناها في السيرة وفي غيرها، أنا أثق بأنهم قالوها وهم واثقون من كذبها. القرآن لم يُشِرْ إلى قضية سحر النبي -ﷺ- من قريب ولا من بعيد، قضية السحر الذي تعرَّض له النبي -ﷺ- لم تأتِ في القرآن، إنما ذَكَرَ فقط قولهم: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: ٤٧).
لماذا وجَّهوا إليه هذه التهمة؟
هم تحيَّروا في بلاغة القرآن وفصاحته، استمعوا له من النبي -ﷺ- هم عجزوا عن الإتيان بمثله، وتدرَّجَ القرآن معهم في التحدي، بعد أن كان المطلوب أن يأتوا بمثل
[ ٣٩٥ ]
هذا القرآن، بيَّنَ عجزهم عن هذا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨) ثم نزل التحدي إلى التحدي بعشر سور: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (هود: ١٣) افتروا مثله، إذا كان هو ذكيًّا وفطنًا واستطاع أن يفتري، افتروا مثله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (هود: ١٣) ثم عجزوا في التحدي، فنزل منهم إلى سورة مثله، ثم إلى سورة ولو مِن مثله، لا يشترط أن تكون مثله تمامًا في الفصاحة والبلاغة.
إذن هم لمَّا تحيَّروا مع القرآن وفصاحته وبلاغته وعجزوا عن الإتيان بمثله، لم يكن أمامهم بدلَ أن يهتدوا وأن يعرفوا أنه ليس كلام البشر، كما جرى على ألسنتهم أحيانًا من غير قصد، حين قال الوليد بن المغيرة: "إن أعلاه لمُثْمِر، وإن أسفله لمُغْدِق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة" لكنها لحظات ثم تعود العماية مرة ثانية فيُطَمس على قلوبهم ولا يستجيبون للحق.
هم لمَّا تحيروا مع بلاغة القرآن وفصاحته قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: ٤٧) كانوا يقولون عنه: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (ص: ٤) السيرة تروي أنهم كانوا يجتمعون في ناديهم ويقولون لأنفسهم: ماذا نقول عن هذا القرآن؟ لقد عرفنا سجع الكهان، وعرفنا كذا وكذا، وما هو من هذا الأمر بشيء أبدًا، ثم يتفقون فيما بينهم على أن يقولوا: إنه سحر، أو يقولوا ما شاءوا.
إذن الخوف من الآية أو من مقولة الكفار خوف لا محل له أبدًا، ولا يرِدُ معنا هنا، الآية في وادٍ والحديث في واحد أيضا.
يقولون: السحر من عمل الشيطان، والشيطان ليس له سلطان على الأنبياء، بل إنه ليس له سلطان على عباد الله المخلصين، الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الحجر:٤٢: ٤٣)
[ ٣٩٦ ]
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: ٦٥). بل إن الشيطان نفسه يَعْلم قدراتِه، ويعلم أنه لا يستطيع أن يؤثر في عباد الله الصالحين، هو حين طلب من الله مهلة أن يبقى إلى يوم القيامة ليفتن مَنْ يُفْتَن قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: ٨٢، ٨٣). والنبي -ﷺ- قد حدثنا عن بعض الناس في هذا، وهو عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- فقال في (الصحيحين) في مناقب عمر: «إيه يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لو رآك الشيطان سالكًا فجًّا قط، لَسَلَكَ فجًّا غير فجك».
إذن الشيطان نؤكد أنه ليس له سلطان على عباد الله المخلصين، ولن يكون له سلطان أبدًا على أنبياء الله المرسلين، ومن أوّلِهم وعلى رأسهم سيدنا رسول الله -ﷺ- فهو معصوم محفوظ بحفظ الله -﵎- من الشيطان. القلوب الممتلئة بذكر الله تعالى لن ينال منها الشيطان أبدًا، وإنما الشيطان تسلُّط الإغواء والإضلال، كتزيين المعاصي مثلًا والآثام، التكسب بالحرام، تزيين الكفر لهم -والعياذ بالله-: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (مريم: ٨٣) تغويهم وتُزَيِّن لهم.
كل ذلك الأنبياء معصومون منه، يعني: لا يمكن أبدًا أن ينالوا من الأنبياء في هذا، ولا من عباد الله المخلصين، أما أن يعقِدوا عليهم بسحر أو بكذا، هذا من الأمراض التي تجري على الأنبياء كما تجري على البشر، فلم يقل أحد أبدًا: إن هذا التأثير من الشيطان يتعلق بدينهم، بسلوكهم، بطهارتهم، بعفتهم، باستقامتهم، كلا وحاشا، هذا هو الميدان الذي لا يستطيع الشيطان أبدًا أن يأتي لا إلى الأنبياء ولا إلى عباد الله المخلصين من هذا الباب، لا هو يستطيع إغواءهم ولا إضلالهم، ولا أن يُزيِّن لهم، ولا أن يحبب إليهم الفسوق والكفر
[ ٣٩٧ ]
والعصيان. كل ذلك أنبياء الله -يبارك وتعالى- معصومون منه بفضل الله -﵎-.
إذن الخوف من هذا -وأنا أيضًا سأفترض حسن النية عند من يثيرون هذه الشبهة- نقول لهم: اطمئنوا، لا سلطانَ للشياطين أبدًا على الأنبياء، فضلًا عن أن يكون هو نبي الله سيدنا محمد -ﷺ- مع ملاحظة أن الشياطين مهما كانت قدرتهم، والسحرة مهما كانت قدرتهم، كل ذلك لن يتمكنوا أبدًا من النيل من أحد إلا بإرادة الله -﷿-: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٠٢) فإذا استعان أحد السحرة بالشياطين وتعرَّضُوا للنبي -ﷺ- لبعض الأذى من هذا، فهذا لا يدل أبدًا على تسلط الشياطين عليهم، أو أنهم يستطيعون أن يفعلوا معهم ما يفعلونه مع غيرهم من الخلق، كلا وحاشا، بل أنبياء الله -﷿- والنبي -ﷺ- على رأسهم، معصوم من هذا.
أيضًا يقولون: قرأ النبي -ﷺ- المعوذتين في دعاء ورقية يرقِي بها نفسَه من السحر الذي تعرض له، والآيتان أو السورتان نزلتا بمكة:
أولًا: نزولهما بمكة أو بالمدينة محل خلاف، لكن هَبْ أنهما نزلتا في مكة، ما المشكلة في أن النبي -ﷺ- يتعوذ بهما ويرقي بهما نفسه وغيره. وكان النبي -ﷺ- يعلمنا أنه كان يقرأ المعوذتين وسورة الإخلاص ويمسح بهما نفسه ثلاث مرات قبل أن ينام، وهذه من السنة التي نتبعها أو نقتدي بها بفعل النبي -ﷺ- فنزول السورتين في مكة أو في المدينة، لا يؤثِّر في صحة الرواية في شيء أبدًا، وحتى لو هناك بعض الروايات تقول: إن سورتي المعوذتين نزلتا بسبب ذلك، عند علماء القرآن أنه يجوز أن تتعدد أسباب نزول الآية، وأن تنزل الآية على
[ ٣٩٨ ]
أسباب متعددة ومرات متعددة، هذا موجود عندهم، ويضربون أمثلةً متعددة على ذلك.
أيضًا يثيرون شبهًا لا تستحق الوقف، يقولون: سحره رجل هو لَبِيد بن الأعصم، ويقال في الآية: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (الفلق: ٤) وهن النساء السواحر، فما العلاقة بين لبيد وبين الاستعاذة من النساء السواحر؟
لماذا لا نقول: إن الآية: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (الفلق: ٤) أي: النفوس السواحر، هي تشمل الرجال والنساء، ما البعد في هذا إذا قلنا إن هذا المعنى، وأيضًا حتى لو قلنا: إن المقصود بهن النساء السواحر، فلعل ذلك على أن هذا الأمر يَكثر بين النساء، لكن هل إذا تعرض الرجل منا لسحر رجل لا يتعوذ بالسورة؟ من الذي يقول هذا؟ إن التعوذ من سحر النساء لا ينفع في التعوذ من سحر الرجال، أو العكس؟ هذه مماطلة ومماحَكة لا طائلَ من ورائها.
هذا وبالله التوفيق، وصلّ الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٣٩٩ ]