[ ١٥٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة (٢»
قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ثم أما بعد:
فكنا قد بدأنا في ذكر الشبه التي اعتمد عليها أعداء السنة وقلنا: إنها تنقسم إلى شبه يحاولون أن يأخذوها من القرآن الكريم، وإلى شبه تتعلق بأحاديث النبي -ﷺ- وإلى شبه أخرى -سنشير إليها بالتفصيل إن شاء الله، ونحن نرد عليها- وذكرنا بعض الآيات التي اعتمدوا عليها في محاولتهم الابتعاد عن حجية السنة، زاعمين أن هذه الآيات تؤدي إلى ما ذهبوا إليه من إنكار للسنة المطهرة أو لحجيتها، ومن هذه الآيات قول الله -﵎-: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ (الأنعام: ٣٨).
الشبهة الأولى: حشدوا لها وجمعوا لها آيات كثيرة يتصورون بها أنهم قد أصابوا هدفًا أو حققوا غرضًا وهم يعتسفون التأويل.
على كل حال، لا نريد أن نستطرد مع فهمهم، إنما نبين ضعفَ هذا الفهم، ومخالفته لأفهام الأمة التي التقت على هذا.
هم فهموا من قول الله -﵎-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ أنه القرآن؛ يعني المقصود بالكتاب هو القرآن، مجموع الآيات في الحقيقة -التي قبل هذه الآية وبعد هذه الآية- ترد على هذا الفَهم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ هناك آيات ذُكر فيها اسم الكتاب -أو كلمة الكتاب- وهي لا تدل على القرآن الكريم، إنما تدل على اللوح المحفوظ؛ يعني المراد بالكتاب في هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ معناها اللوح المحفوظ، سياق الآيات يشعر بهذا. والآيات الأخرى المناظرة أو المماثلة لهذه الآية أيضًا يُعطي الدليل على هذا، من
[ ١٥٥ ]
ذلك مثلًا في القرآن الكريم قول الله -﵎-: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود: ٦) يعني هذا الكتاب مفصح بأسمائها وأعدادها، وكل ما يتعلق بها في حركاتها وسكناتها إلى آخره، السياق يشعر بأنه اللوح المحفوظ.
فهل كل دابة في الأرض على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين، هل ممكن أن نفهم من هذه الآية أن الكتاب هو القرآن؟ أين الكلام عن أرزاق الناس بالتفصيل؟ أين الكلام عن المستقر والمستودع الذي ورد بالنسبة لهذه الدواب في القرآن الكريم؟
إذن لا بد من حمل هذه الآية على اللوح المحفوظ، وليس على القرآن الكريم، ويرجح هذا -أو يقطع- ما ورد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما-وهذا حديث رواه الإمام مسلم في كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵉- قال عبد الله بن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «كتب الله مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (هود: ٧»).
إذن، واضح من هذه الكتابة أنها في اللوح المحفوظ، وأنها كانت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ومقادير الخلائق فيها الرزق وفيها الأجل وفيها المستقر وفيها المستودع الذي ورد في سورة هود: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وأيضًا في سورة الأنعام نفسها: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: ٥٩) هذا الكتاب المبين لا يمكن أن يكون القرآن، وإلا أين نجد في القرآن مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو؟ وكل ما في البر والبحر؟ وما تسقط
[ ١٥٦ ]
من ورقة إلا يعلمها؟ ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين؟ هذا الكتاب هو اللوح المحفوظ يقينًا.
أيضًا ما ورد من قوله -﵎- ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٣) هذا الكتاب المبين لا بد أن يكون هو اللوح المحفوظ، وليس المراد به القرآن الكريم، وإلا فأين نجد تفاصيل كل ذرة في السموات أو في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في هذا القرآن الكريم؟
إذن، في ضوء هذه الآيات نفهم أن المراد في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ المراد بالكتاب هو اللوح المحفوظ، والقول بأنه القرآن الكريم حقيقةً قول يأباه السياق العام للآية، ومعلوم أن الآيات تُفهم في ضَوْء ما قبلها وفي ضَوْء ما بعدها، الآيات تتكلم عن أن الله -﷿- علِمَ كل صغيرة وكبيرة، أن بقية المخلوقات أمم تماثل أمة الإسلام، لها الأرزاق ولها الآجال، كل المخلوقات: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ولا طائر من الطيور ومن الدواب ومن الحشرات، كلها أمم أمثالكم، سُجّلت كل تفاصيلها كما سجل تفاصيل الإنسان في الكتاب، فهذا الكتاب لا بد أن يكون هو اللوح المحفوظ، وإلا لو أخذنا الآية في سياقها الذي تتحدث عنه أين هي تفاصيل حياة هذه الأمم التي هي أمم مثل أمة الإسلام؟ وأين الكلامُ عن أرزاقها وآجالها، ومستقرها ومستودعها، وتفاصيل حياتها، ومناهجها ولغاتها؟ كل ذلك أين نجده في القرآن الكريم؟
فاقتطاع الجملة من سياقها العام لأستخدمها في دليل فيه اعتساف لا يتوافق ولا يتناسق مع سياق الآية، أمر لا يقول به أحد من أهل العلم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون﴾ (الأنعام: ٣٨) كل هذه الأمم تحشر إلى ربها، أيضًا هذا سياق الآية فيما قبلها وفيما بعدها.
[ ١٥٧ ]
فتنتزع هذه الجملة: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ وتصر على أن الكتاب هو القرآن، هذا خلل في الفهم لا يساعد عليه سياق الآية ولا الجملة التي قبلها ولا الجملة التي بعدها، ومع افتراض أن الكتاب هنا مقصود به القرآن الكريم، وهذا افتراض جدلي من باب منازلة الخصوم، نعم: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾، ذكر الله القواعد العامة للأمور كلها، لكن التفصيلات تركها للسنة المطهرة، ومن بين ما لم يفرط الله -﵎- فيه أنه أوجب في القرآن الكريم طاعة رسوله -ﷺ-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) أدرِجها تحت قوله -﵎-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ من بين ما لم يفرط الله فيه في القرآن الكريم: أنه أوجب طاعة رسوله، فلماذا تستبعد إذن هذه الآية، ولا تريد أن تفهم الأمر على هذا النحو؟
الأوفق لسياق الآية أن يقال: إن الكتاب هو اللوح المحفوظ، ومعظم المفسرين درجوا على هذا، ولا نريد أن نطيل بذكر أقوالهم، وهناك من قال: نعم، إنه القرآن لا ننازع في هذا، وهناك من قال: إنه القرآن، لكن القول الأشهر عندهم أنه اللوح المحفوظ، وقلنا: إن سياق الآية يرشح ويرجح هذا الفهم، وكما قلنا: كلمة الكتاب وردت بمعنى غير القرآن الكريم في آيات كثيرة، ذكرنا بعضها، ومن ذلك قول الله -﵎-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (آل عمران: ١٤٥) لا يمكن أن يُفهم هذا الكتاب إلا على أنه القدر مثلًا، أو الحكم الثابت الذي لا يقبل النقض ولا الإبرام، والوقت المحدد والأجل المحتوم الذي كتبه الله لكل نفس. لا أحد يموت إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي كتبها الله -﵎- له: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (فاطر: ١١) ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُون﴾ (الأنعام: ٢) وحين يقول الله -﵎- مثلًا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣) أي: مفروضًا محددًا.
[ ١٥٨ ]
إذن، كلمة الكتاب في القرآن الكريم تأتي بمعاني متعددة: وقد يأتي الكتاب أيضًا بمعنى القرآن، كما في قوله -﵎- مثلًا: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (إبراهيم: ١) وكما في قوله -﵎-: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ (البقرة: ١، ٢) هذا القرآن لا ريب فيه ولا شك فيه، و"ذلك" اسم إشارة للتعظيم، أيضًا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (آل عمران: ٢، ٣، ٤) إلى آخر الآيات التي سياقها يحتم أنه القرآن الكريم: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين﴾ (الأعراف: ٢) السياق قاطع في أن المراد بهذا الكتاب هو القرآن الكريم.
إذن حين تتعدد معاني الكلمة في اللغة وفي الاستعمالات، فإنه من المتفق عليه عند العلماء أن السياق هو الذي يحدد المعنى المراد، لذلك نظائر كثيرة في اللغة العربية، كثير من ألفاظ اللغة العربية تتعدد معانيها، والذي يحدد المعنى هو السياق، مثلًا: كلمة "العين" تأتي في اللغة بمعاني متعددة: منها مثلًا عين الماء، منها العين الباصرة أي: أداة البصر التي خلقها الله تعالى لنبصر بها، ومنها الجاسوس؛ فمثلًا حين يقول الله -﵎- وهو يتكلم عن الجنة: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ (الغاشية: ١٢) هذه عين الماء، حين أقول مثلًا: للأعداء عين في بلادنا مثلًا -والعياذ بالله- معناها الجاسوس، حين أقول: رأيت بعيني معناها العين الباصرة أداة البصر التي نبصر بها بفضل الله -﵎- السياق هو الذي يحدد المعنى المراد، ولا أستطيع أن أحمل المعنى على غير ما يحتمله السياق وإلا كان ذلك فسادًا في المعنى.
فلو قلت مثلًا: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ (الغاشية: ١٢، ١٣) والآيات تتحدث عن الجنة أقول: إن المراد بالعين هنا هي العين الباصرة!! فهذا فساد في المعنى وخلل في الفهم، لا يحق لمسلم أن يقع فيه، ومع ذلك نحن نقول ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ واضح من سياقها وهي تتحدث عن أن كل المخلوقات أمم
[ ١٥٩ ]
تماثل أمة الإسلام، وقد سجل كل شيء يتعلق بها في الكتاب، السياق يحتم أنه اللوح المحفوظ، ومع ذلك لو سلمنا جدلًا بأن المراد بالكتاب في الآية هو القرآن الكريم وهذا فهم بعيد، وافتراضنا له إنما هو افتراض جدلي، فإن هذه الآية لا تعارض حجية السنة أبدًا، ولا يُفهم منها أننا نكتفي بالقرآن الكريم فقط؛ لأنه كما قال العلماء-: إن هذه الآية لا تتعارض؛ لأنها تدخل أيضًا تحت ما لم يفرط الله -﵎- فيه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
قد أوجبنا طاعة الرسول -ﷺ- في كثير من الآيات، فهي داخلة في قوله -﵎-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على أساس أن الكتاب المراد في الآية هو القرآن الكريم، مع استبعادنا لهذا الفهم، ومع إقرارنا بأن الكتاب المراد به اللوح المحفوظ، كما ذكرنا مرارًا.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾
ننتقل إلى آية أخرى أيضًا يحتجون بها، من ذلك مثلًا: قول الله -﵎-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩) ننتقل إلى آيات أخرى حاولوا أن يستدلوا بها؛ من ذلك قول الله -﵎-: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: ١١٤).
والكتاب في سياق الآيتين المراد به هو القرآن الكريم: ﴿نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: هذا لا يُعارض فيه أحد: ﴿هُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ المراد بالتفصيل هنا وبالبيان تفصيل وبيان كل شيء من أحكام هذا الدين كقواعد كلية مجملة، هذا أمر لو قلتَ: إنه تفصيل لكل صغيرة وكبيرة
[ ١٦٠ ]
لكان من العبث استمرار النقاش، لا يصلح أن نتناقش في البدهيات؛ لأن نقاش البدهيات يزيدها غموضًا، وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل! لماذا أقول هذا الكلام؟ لو أنك تصرّ على فهم كلمة "مفصلًا" يعني كل صغيرة وكبيرة، سأعود إليك وأقول: أين صلاة الظهر من القرآن الكريم أربعًا؟ أين العصر؟ أين أين؟ تفصيلات كثيرة، حين تكلمنا عن علاقة السنة بالقرآن الكريم قلنا: إن هناك نوعًا اسمه التفصيل المجمل، أمور كثيرة جدًّا وردت مجملة في القرآن الكريم. واعتمدت في تفصيلها على السنة المطهرة.
يعني مثلًا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) ما هو الربا المحرم؟ الأصناف التي يدخلها، نريد أن نعرف الذهب بالذهب، مِثلًا بمثل، يدًا بيد، سواءً بسواء، "فمن زاد أو استزاد فقد أربى"، هاتِ هذا التفصيل من القرآن الكريم؟! الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والزبيب بالزبيب إلى آخر الأصناف المتماثلة التي ذُكرت في روايات الأحاديث، ومنها هذا الحديث وغيره، أين هي في القرآن الكريم؟ أين تفصيلها؟
نما لا بد أن نفهم أن التفصيل والبيان هنا، إنما هو تفصيل الأحكام من خلال قواعدها العامة، أما التفصيل الذي يشمل الجزئيات وأحكامها وما يتعلق بها، فهذا موكول إلى السنة المطهرة، وإلا فما معنى أن يقول الله -﵎- في القرآن الكريم، وحتى في نفس السورة التي وردت فيها هذه الآية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الكتاب بيّن كل شيء من خلال هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤) الرسول -ﷺ- هو الذي يبين للناس ما نزل إليهم، هل الآيتان متعارضتان؟ التعارض لا يكون إلا في ذهن من لا يحسن التعامل مع القرآن الكريم ومع النصوص الشرعية، لا تعارض أبدًا، لم يقل أحد من علماء الأمة الذين يعتد بأقوالهم: أن هذه الآية:
[ ١٦١ ]
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ شملت كل صغيرة وكبيرة، وإلا فإن الواقع يُبعد هذا الفهم، كيف؟ بأي شيء نضرب الأمثلة؟ بالزواج مثلًا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (النور: ٣٢) حين أريد أن أنزل هذا الأمر منزلة التنفيذ، من أختار؟ أين هو في القرآن الكريم؟ كيف علاقتي بها أثناء الخطبة؟ كيف بعد العقد؟ قبل الدخول؟ كيف كيف كيف؟ تفصيلات كثيرة جدًّا أوكلها القرآن الكريم إلى السنة المطهرة.
المنازعة في هذا أُصرّ على أنها منازعة في البدهيات، لا يستقيم معها أي شيء في فكر الإنسان، وبالتالي تكون النقاشات مضيعةً للوقت وللجهد، وإنما المقصود أن الكتاب الكريم -أي: القرآن- وضع القواعد العامةَ للحلال والحرام، وما إلى ذلك، ثم ترك تفصيلات كل ذلك للسنة المطهرة، وهذا وارد في قوله -﵎-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فقاعدة اتباع الرسول -ﷺ- أو وجوب اتباعه والتحاكم إلى سنته، هي من القواعد العامة أيضًا التي فصلها القرآن الكريم ودعا إليها، وأوجب طاعة النبي -ﷺ- كما ذكرت الآيات الكريمة في هذا الصدد.
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: ٦٤) وضع القواعد العامة التي تنظّم الاختلافَ، والكتاب هدًى وهو رحمة، من استمسك به فقد هُدِيَ، وقد كتبت له الرحمة في الدنيا وفي الآخرة، كل ذلك حق، لكن الأحكام الشرعية بتفصيلاتها ليست مذكورةً في القرآن الكريم، والواقع يؤكد هذه الحقيقة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. إذًا هذا التبيان يحتاج إلى السنة، بل هو موكول إلى السنة، ولذلك قال الأوزاعي -﵀، وهو أحد كبار علماء هذه الأمة- وقد ذكر ذلك ابن كثير في أثناء تفسير هذه الآية قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾
[ ١٦٢ ]
أي: بالسنة، يعني: بيّنا لك بالسنة؛ لأن السنة هي التي تكفلت ببيان معظم الأحكام الشرعية، وتفصيلاتها، إما استقلالًا -أي: بدءًا- من غير أن يسبق لها ذِكر في القرآن الكريم، وإما قد يُذكر أصلها في القرآن الكريم، لكن السنة هي التي تتولى التفصيلات.
ابن مسعود يقول: "بُين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء". وقال مجاهد: كل حلال وكل حرام، فهل معنى هذا أنهم فهموا كل التفصيلات؟ لا، ولذلك قد يستند البعض، وأيضًا ذَكر هذه الأقوال ابن كثير وهو يتعرض لهذه الآية، يعني قد يقول: إذا كنت قد ذكرت قول الأوزاعي: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بالسنة، فلماذا لم تذكر قول ابن مسعود: "قد بُين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء". وقال مجاهد: كل حرام وكل حلال، القرآن اشتمل على كل علم، سأقول في فَهم ابن مسعود ما فهمه هو ولم آتِ به من عند نفسي، وما سبق لنا ذكره، حين لعن عبد الله بن مسعود النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات؛ أي: التي تُرقّق حاجبها وهي النامصة، والمتنمصة: أي التي تطلب والتي تفعل لنفسها أو لغيرها، والواشمات أي: اللواتي يضعن علامات على وجوههن؛ تجمُّلًا مثل المساحيق التي يضعونها في أيامنا هذه، هؤلاء واشمات، لُعنت الواشمة ولُعنت المستوشمة، التي تطلب والتي تفعل، سواء كان فعلها لنفسها أو لغيرها، يعني: لا تعتذر واحدة بأنها لم تفعل ذلك لنفسها وإنما فعلته لغيرها! فهي واقعة في الإثم أيضًا بنص الحديث. والمتفلجات للحسن: أي: اللواتي يبردن أسنانهن ويفرقن بينها؛ لتبدو في شكل جميل، هذا أمر يعرفه النساء فيما بينهن.
المهم لعن عبد الله بن مسعود الواشمة والمستوشمة، النامصة والمتنمصة والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، وامرأة من الأنصار قالت له في ذلك:
[ ١٦٣ ]
ماذا بك لكي تلعن ولكي تفرض أحكامًا فيها حلال وفيها حرام؟ قال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله -ﷺ- وهو موجود في كتاب الله". وقالت المرأة: والله لقد قرأتُ ما بين اللوحين أو ما بين الدفتين فلم أجد، وكأنها تبحث عن هذا النص: "لعن الله أو لعن رسول الله -ﷺ- الواشمات والمستوشمات" فلم تجدها في كتاب الله، فقال لها عبد الله بن مسعود: "والله لئن كنت قرأتيه فقد وجدتيه".
نُصِرّ على أن لا نفهم النصوص بعيدًا عن فَهم الصحابة، ويقولون لنا في لججهم ومجادلاتهم: إن هذا عودة بالأمة إلى الخلف. تعبيرات ما أنزل الله بها من سلطان. هؤلاء الصحابة هم حجة علينا في فهمهم؛ لأنهم هم الذين تلقوا عن الأستاذ الأول وهو رسول الله -ﷺ- وعرفوا الوحي وعرفوا اللغة وعرفوا مدلولاتها، وعاينوا الأحداث، وشاهدوا أسباب النزول، وكل ذلك يُعين على فهم النصوص الشرعية وتحديد المراد منها.
عبد الله بن مسعود الذي يقول: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: فيه علم كل شيء، ومجاهد يقول: كل حلال وكل حرام، هل فهم عبد الله بن مسعود أن كل شيء مذكور في القرآن الكريم بتفصيلاته؟ لماذا قال للمرأة: "لئن قرأتيه فقد وجدتيه، ألم تقرأي قول الله -﵎-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ " (الحشر: ٧) في هذه الإجابة ماذا فعل عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه-؟ وضع هذا الحديث تحت قاعدته الكلية التي وردت في القرآن الكريم في قوله -﷾-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) هذا يدخل تحته كل حديث قاله النبي -ﷺ- في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه.
إذن مثل هذا هو المراد بتبيان القرآن: القواعد العامة، وضع القرآن الكريم القاعدة في أنه لا بد من طاعة الرسول، ليس في آية الحشر فحسب، بل في كثير من الآيات التي تكلمنا عنها سابقًا، إذًا أصبحت هناك قاعدة كلية قرآنية، وهي
[ ١٦٤ ]
وجوب طاعة الرسول -ﷺ- وتحت هذه القاعدة الكلية أقول مثلًا: «لعن الله آكل الربا، وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء» حديث رواه الإمام مسلم في تحريم الربا، أين هو في القرآن الكريم؟ بالإضافة إلى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) إنما لعن رسول الله -ﷺ- أو لعن الله، هذه تندرج تحت قاعدة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وتحت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
إذن هذا فهم الصحابة؛ أن القرآن بين القواعد الكلية العامة التي جاءت السنة وبينت كثيرًا من تفصيلاتها ومن جزئياتها، وشرّعت أيضًا كما يشرّع القرآن الكريم، واستقام الفهم الإسلامي طوال عصوره وإلى يوم أن يرث الله الأرضَ ومن عليها على هذا الأمر؛ القرآن يضع القواعد العامةَ ورسولُ الله -ﷺ- هو أعلم الأمة بمراد ربه، وهو الذي يفسّر القرآن الكريم، ويوضّح مراد الله -﷿- من القرآن الكريم، وعلى الأمة أن تسمع له وأن تطيع.
وإذا بحثتَ عن الأدلة في وجوب طاعة النبي -ﷺ- ستجدها في آيات كثيرةٍ من القرآن الكريم، وبذلك تكون طاعة النبي -ﷺ- هي من بين ما لم يفرط الله -﵎- فيه في قوله -﵎-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وهي في نفس الوقت أيضًا تندرج تحت: تبيان القرآن لكل شيء، فقد بين القرآن الكريم طاعة رسول الله -ﷺ-.
أيضًا، هناك آياتٌ كثيرة تبين هذه الحقائق، وهي أن لا بد من هذا الفَهم، وإلا تناقضت النتائج التي يحاول منكرو السنة أن يصلوا إليها، مثلًا: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ ما علاقتها بقوله -﵎-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾؟ الآيتان تبينان أن النبي -ﷺ- هو الذي يبين:
[ ١٦٥ ]
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أنزل الله الكتاب لكي تبين أنتَ يا رسول الله لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فمهمة البيان موكولةٌ إلى رسول الله -ﷺ-.
إذن، لو أننا لم نفهم الفهمَ الذي نشير إليه: أن القرآن وضع القواعد العامة وجاءت السنة وذكرت التفصيلات، واجتهاد العلماء يُنزل كل تفصيل تحت قاعدته العامة من خلال السنة المطهرة، لتصورنا أن القرآن الكريم يُناقض بعضُه بعضًا، ليست المشكلة مع السنة فحسب، بل هي أيضًا ستصبح مع القرآن الكريم، كيف ذلك؟ الآيات التي بينت أن النبي -ﷺ- هو الذي سيبين للناس ما نزل إليهم، كيف تتعامل معها في ضوء إصرارك على أن القرآن الكريم فقط هو الذي يبين كل شيء؟
كل الرافضين لحجية السنة لا بد أن يلتزموا بهذه النتيجة، وهي أن القرآن الكريم وضع القواعد العامة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ إلى آخر ما ذكرناه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ بل إن الله -﵎- بين أن هذه مهمة الرسل جميعًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: ٤) كل رسول يبين لأمته ما نُزّل إليهم، ويوضح لهم مراد الله -﷿- من الأحكام التي افترضها على عباده، ولولا بيان الرسول لكل أمة من الأمم، لَمَا استقامت أمة أبدًا على منهج الله؛ يعني: هذا فهمٌ لا بد أن يقول به كل عاقل رشيد، الرسل جاءت لتبين لأممها مراد الله -﷿- من خلقه، وتبين لهم ما افترضه سبحانه عليهم؛ لكي يقوموا به وينفّذوه، والرسل يقدمون للأمم القدوةَ العملية والتطبيقَ الصحيح لما أراده الله -﷿- من الأمم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (آل عمران: ١٨٧) يعني: حتى الذين أوتوا الكتاب سيبينون للناس ما نزل إليهم، وإذا كتموه فقد تعرّضوا لعقاب الله -﵎-.
[ ١٦٦ ]
ولذلك كان من الضروري أن يكون كل رسول يتحدث بلسان قومه؛ حتى يستطيع أن يتفهم معهم في كل ما يريد أن يوضحه لهم، والذين أوتوا الكتاب أيضًا يبينونه للناس، وأخذ الله الميثاقَ عليهم من ذلك، ولذلك من كتم علمًا أعطاه الله إياه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة، حتى العلماء الذين هم غير الأنبياء عندهم علم وعندهم أفهام؛ لما ورد في كتاب الله -﵎- ومن سنة رسول الله -ﷺ- وهؤلاء العلماء مِنحة من الله -﵎- لأممهم، رزقهم الله أفهامًا وآتاهم الأدوات العلمية التي في ضوئها يستطيعون أن يفهموا كلام الله -﷿- وأن يفهموا أحاديثَ النبي -ﷺ- وأن يقدموا هذا الفهم للأمة في ضوء قواعد اللغة العربية، وفي ضوء القواعد الشرعية، وفي ضوء قواعد كثيرة اصطلح العلماء على ضرورة وجودها فيمن يتصدى لفهم أدلة الشرع المأخوذة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة.
فإذا كان كل الرسل يبينون لأقوامهم، وإذا كان أولو الكتاب أُخذ عليهم الميثاق ألا يكتموا علمًا علمهم الله إياهم، سواء كان أهل الكتاب من الأمم السابقة أو من أمة الإسلام الذين رزقهم الله أفهامًا في كتاب الله -﵎- وحُذر العلماء من أن يكتموا علمًا تعلموه أو نقلوه عن أسلافهم، وإلا ألجموا بلجام من نار يوم القيامة، أين هذه النصوص كلها من قول الله -﵎-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾؟ ما حاجتنا للعلماء إذا كان القرآن قد نزل الكتاب تبيانًا لكل شيء؟ وكيف نفهم هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾؟
لكن ما العمل مع قوم البدهيات والمسلمات واضحة وقاطعة من خلال الأدلة، ومن خلال عمل الأمة كلها، ومن خلال فهم الأجيال الفاضلة، ومن خلال
[ ١٦٧ ]
فهم الجيل الذي تلقى عن النبي -ﷺ- وعايش الأحداث؟؟ لم ينقل عن أحد من الصحابة أبدًا أنه قال: القرآن يكفي، ولم ينقل عن واحد منهم أبدًا أنه بحث عن الحكم في القرآن الكريم فلما لم يجده، اقتصر على ذلك، وحتى إذا وجده في القرآن الكريم يبحث أيضًا عن الأدلة في السنة، ففيها مزيد من التوضيح والبيان والتفصيل والإضافات، وما إلى ذلك.
هذا أمر نضيع الوقت في إثباته، لكن على كل حال نرد على الآيات التي أوردوها وهم يتصورون أنهم بذلك يثيرون شبهًا أوقعوا أهل الإسلام في حيص بيص، وأقاموا عليهم الحجة، أبدًا الأمور أبين وأوضح من هذا، ولا تحتاج إلى كل هذا العناء الذي يجهدون أنفسهم فيه.
قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾
أيضًا، لأنهم يبحثون عن الشبهات بأي طريقة من الطرق، يأتون بآيات لا يَسلم لهم الاستدلال بها؛ فمثلًا حين يقولون: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩) أي دليلٍ في هذه الآية على التمسك بالقرآن الكريم وحده؟ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ١٩) هل الآية قالت: لا إنذار إلا بالقرآن؟
إذا قلتَ ذلك، فماذا تفعل في قول الله -﵎-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤٥) النبي -ﷺ- نذير، ليس بالقرآن فقط وإنما بالسنة أيضًا: «أنا النذير العريان» الأحاديث الذي وردت فيها حين أمر بأن يصدع ويجهر بدعوته بعد الفترة الفردية أو السرية، ونزل قول الله -﵎-: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين﴾ (الحجر: ٩٤) ونزل قول الله
[ ١٦٨ ]
-﵎-: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤)، والحديث في الصحيحين: «صعد على جبل الصفا، ونادى قبائل قريش كلها، ولما اجتمعوا: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا خلف هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، آيات كثيرة والنبي -ﷺ- خطبهم وحذرهم وأنذرهم وبشّرهم، يعني: «أفلا أبشر الناس؟» «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة»، «لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان أأبشر الناسَ يا رسول الله؟ يقول: إذن يتكلوا».
أحاديث كثيرة جدًّا الذي بشر هو الرسول -ﷺ- والذي أنذر هو رسول الله -ﷺ- فأي دلالة في الآية على الاكتفاء بالقرآن الكريم وحده؟ إنهم يجمعون آيات يتصورون أنها تسعفهم فيما ذهبوا إليه من إنكار حجية السنة، وكأنهم وقعوا على ما لم تقع عليه الأمة من قبلهم.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾، ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ (العنكبوت: ٥١) ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين﴾ (الأعراف: ١٧٠).
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ يعني: التمسك بقوة، ومهما كان هناك من عقبات وما إلى ذلك، أي دلالة في الآية على الاقتصار على القرآن الكريم؟ نريد من الكل أن يتمسك بالكتاب وبالقرآن الكريم، وندعو المسلمين جميعًا إلى كل ذلك، بل ندعو الناس إلى هذا، ومن يتمسك بالقرآن الكريم ويطبّقه بالضرورة
[ ١٦٩ ]
سيطبق السنة؛ لأن آيات كثيرة أوردناها ونحن نتكلم عن حجية السنة وقلنا عنها: إنها قضية قرآنية.
الذين يمسكون بالكتاب سيمسكون بقوله -﵎-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: ٦٥) الذين ينذرون بالقرآن الكريم سينذرون الأمةَ إذا هم قصّروا في اتباع النبي -ﷺ- وسيكون قول الله -﵎-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ من بين الأدلة الدالة على ذلك.
يعني: آيات كثيرة -كما قلت- يجمعونها ويذكرونها، وكأنهم كما قلت: وقعوا على كنز، إنما والله هو من باب التعسف في الدليل، وإلا فلا دلالة أبدًا في الآيات عن أن المراد هو الاقتصار على القرآن الكريم.
من الممكن أن يُقال: يعني الآيات التي قد تشتبه عليهم في فهمها التي توقفنا معها طويلًا: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾، وبينا أنه اللوح المحفوظ في المقام الأول وأيضًا ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩) ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: ١١٤)، لا والله، لا أريدك أن تبتغي غير الله حكمًا أبدًا أخي المسلم في أي مكان في الدنيا ولا أريدك أن تعدل عن حكم الله في الضرورة اتباع سنة النبي -ﷺ-.
يا من تنكر حجية السنة أنت ابتغيت حكمًا غير حكم الله، ابتدعت حكمًا من عند نفسك وأقنعت به نفسك، وإلا فأين أنت من كل الآيات الدالة على وجوب طاعة النبي -ﷺ-، ماذا ستفعل بها؟ ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ هل أنت احتكمت إلى ربك وإلى كلامه في القرآن الكريم حين قلت: إن السنة ليست حجة؟ حين أنكرت هذا الكم الهائل من
[ ١٧٠ ]
الآيات التي بينت منزلة السنة وضرورة اتباعها؟ نريدك أن تبتغي حكم الله وحده، وأن تنزل على حكم الله وحده وألا تحتكم إلى منهج سواه، هذا ما نريده منك ومن كل مسلم: التمسك بالقرآن الكريم.
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾
هناك آيات أخرى أيضًا حاولوا أن يستدلوا منها أدلة على ابتعادهم عن السنة أو عدم حجيتها، من ذلك مثلًا قول الله -﵎-: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَب إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: ٣٠).
وهذا عجيب في فهمهم، إنه فهم لم يقل به أحد من الأمة، هل الذين يتمسكون بالسنة اتخذوا هذا القرآن مهجورًا، أم الذين ابتعدوا عن السنة هم الذين هجروا القرآن؟
الصواب واضح، الذين ابتعدوا عن السنة وحاولوا أن يسقطوا حجيتها هم الذين هجروا القرآن وهجروا أحكامه وهجروا آياته، كل الآيات التي دعت إلى اتباع السنة المطهرة قاطعة الدلالة في وجوب اتباع النبي -ﷺ- كيف تهجرونها؟ وكيف تقاطعونها؟ وكيف لا تقولون بها؟ ثم تزعمون أنكم تدافعون عن القرآن الكريم، وتدعون إلى التمسك به!! وتستدلون بهذه الآية التي هي عليكم وليست لكم؟
الذي يحث بل يُوجب طاعة النبي -ﷺ-: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَب إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ الذي يقول: إن طاعة النبي -ﷺ- ليست واجبةً، وإن السنة ليست حجةً ولا يجب العمل بها، ماذا سيفعل مع قول الله -﵎-:
[ ١٧١ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾؟ وماذا سيفعل مع قوله -﵎-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ وغيرها من الآيات الكثيرة التي ذكرناها مرارًا؟ هم الذين اتخذوا القرآنَ مهجورًا، هم الذين جفوه وقاطعوه، وقطعوا أحكامه، وخالفوا نهجَه، عصوا الله -﷿- وعصوا الرسول -ﷺ- ببعدهم عن هذه الآيات.
إذن، هذه الآية لا دلالة فيها أبدًا، هل الذي يطبق السنة يهجر القرآن، ما هذا الفهم؟ إنه فهم سقيم حقيقة، مخالف للآيات مخالف للقرآن مخالف للسنة، بل الذي -كما قلت- يعارض في حجية السنة هو الذي يهجر القرآن، ويقاطع القرآن، ولا يطبق القرآن، مهما زعم من صلته بالقرآن ومهما ادعى الغيرة على القرآن وعلى أحكامه.
قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
أيضًا آية: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٥) نؤمن بالقرآن، ونعلم أنه حق وأنه من عند الله -﵎- وأنه نزل به الروح الأمين وسيدنا جبريل على قلب النبي -ﷺ- ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، نعلم ذلك كله ونتيقنه، وندين الله تعالى به، ونعلم أننا أيضًا لا نؤمن بغير القرآن، إنما نستجيب للقرآن وللسنة؛ استجابةً لأوامر القرآن، السنة مع القرآن، السنة التي أوصى الله -﵎- بها في القرآن الكريم، هل آمنت بالقرآن حين أنكرت حجية السنة؟ نعم: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ولا بأي حديث غيره يا رب، إنما حديث النبي -ﷺ- هو جزء من القرآن، هو الذي يبين القرآنَ، هو الذي يشرع مع القرآن، هو الذي أوجب الله -﵎- طاعته في القرآن الكريم في عشرات الآيات.
[ ١٧٢ ]
فالذين يُعاندون سنة النبي -ﷺ- ولا يؤمنون بحجيتها هم الذين عاندوا القرآن وجحدوه، وجحدوا أحكامه وجحدوا آياته، واتبعوا منهجًا غير منهجه، وسبيلًا غير سبيله، نعم: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ نؤمن بكتاب الله -﵎- نؤمن بسنة النبي -ﷺ-، نؤمن بأنه الصادق المصدوق -ﷺ- الذي يخبر عن الله -﵎- والذي هو أعلم هذه الأمة بمراد الله -﵎- والذي أوكل الله -﵎- إليه بيانَ القرآن الكريم للناس أجمعين إلى يوم القيامة، ويواصل مهمته أهلُ العلم الذين هم ورثة الأنبياء على ما استقرت عليه أفهام الأمة من سلفها إلى خلفها، ومن قديمها إلى حديثها، وأيضًا أجمع الجميع ممن يعتد بإجماعهم على ذلك من أهل السنة والجماعة، الذين نحن منهم بإذن الله -﵎-.
أيضًا آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) نعم لا دلالة في هذه الآية على البعد عن السنة، ولا أي شبهة لا من قريب ولا من بعيد، كل الأمة مجمعة على أننا نأخذ الإسلام من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، وهما المصدران الرئيسان للإسلام، وأحكامه، وتشريعاته، وعقيدته، وعبادته، وأخلاقه إلى آخره، والأدلة الأخرى التي يلجأ إليها العلماء على نقاشٍ فيما بينهم من القياس ومن الإجماع، إنما كل ذلك مرده إلى الله -﵎- في القرآن الكريم، وإلى رسوله -ﷺ- في السنة المطهرة.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الذي هو دين الإسلام: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ أتم الإسلام وكمل الإسلام، وتم تشريع الله، وكمل شرع الله الحنيف: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، الحمد لله، ونحن رضينا بالله -﵎-
[ ١٧٣ ]
ربًّا وبالإسلام دينًا وبسيدنا محمد -ﷺ- نبيًّا ورسولًا، ونعلم أن الإسلام إنما يؤخذ من القرآن الكريم ويؤخذ من سنة النبي -ﷺ-.
والذين يجافون سنة النبي -ﷺ- هم على جفوة مع القرآن الكريم، هم على جفوة مع رسول الله -ﷺ- بل أين رضاهم بالنبي -ﷺ- وما علامة رضاهم بالنبي -ﷺ-؟! الذي أمرنا أن يكون هذا من الأذكار اليومية، وأن نعلنه صباحًا مساءً: "رضيت بالله -﵎- ربًّا وبالإسلام دينًا، وبسيدنا محمد -ﷺ- نبيًّا ورسولًا". لم يرضَ الإسلام دينًا مَن جحد السنةَ، بل لم يرض الله ربًّا؛ لأنه خالف أمره في عدم اتباع نبيه -ﷺ- ولم يرضَ رسول الله -ﷺ- حتى يقر برسالته، لكن المنافقون زعموا أنهم قالوا: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه﴾ (المنافقون: ١) والله -﷿- سجّل عليهم الكذبَ.
معاندة السنة قد تصل بالإنسان إلى ما هو أسوأ من النفاق -والعياذ بالله ﵎- ولا دليلَ على الرضا بالنبي -ﷺ- إلا أن نصدق بأنه النبي الصادق المصدوق الذي أمرنا الله -﵎- باتباعه، وهو صادق في كل ما بلغه عن الله -﷿- وصادق في كل قول يقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣، ٤).
هذا ما ندين الله -﵎- به، ونعلم أن الإسلام هو القرآن، وهو السنة المطهرة، والدليل المأخوذ منهما هو الدليل الشرعي الذي تسير عليه الأمةُ في كل أحكامها الشرعية.
وهذه معظم الآيات التي يستند إليها المعاندون للسنة، ويتصورون أنهم بذلك قد أتوا بأدلةٍ تحث على اتباع القرآن الكريم وحدَه، وقد رددنا عليها بما وفّق الله -﵎- به أقول: إننا نتناقش في البدهيات، آيات القرآن الكريم واضحة الدلالة في اتباع النبي -ﷺ- بل في وجوب اتباعه، بل في تعليق الإيمان على ذلك، كما ذكرنا مرارًا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٧٤ ]