[ ٢٣١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني عشر
حديث الآحاد (٣)
شبهة: أن العمل بخبر الآحاد إنما هو عمل بالظن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ثم أما بعد:
فقلنا: إن الحديث المتواتر يفيد العلم الضروي أي: بمجرد ثبوت التواتر لا يحتاج الخبر بعد ذلك إلى مزيد من الأدلة، بل يصبح العلم به مقطوعًا بشكل ضروري.
وأما خبر الآحاد فقد تعددت آراء العلماء فيه إلى فريقين رئيسين:
الفريق الأول: يرى أن خبر الآحاد يفيد الظن بمعنى أن نسبته للنبي -ﷺ- مظنونة لا نقطع يقينًا بأن النبي ﷺ قاله.
والفريق الثاني: يرى أن الخبر الآحاد أو خبر الآحاد يفيد العلم القطعي، يعني نقطع بنسبته للنبي -ﷺ- أنه قاله، لكن القطع هذا بعد نظر واستدلال أي: بعد دراستنا لأحوال السند والمتن وسلامة كل منهما في ضوء المعايير المعتبر عند العلماء؛ نقطع بعد هذا إن سلم لنا الإسناد والمتن أن النبي -ﷺ- قد قال هذا الحديث.
وقلنا إن أغلب علماء المدرسة الحديثية على هذا الرأي على تفاوت بينهم في إعطاء هذا الحكم لكل أخبار الآحاد قصر ذلك على أحاديث الصحيحين، كما قال ابن الصلاح مثلا، أو أن نضيف إلى أحاديث الصحيحين أحاديث أخرى احتفت بها قرائن أكسبتها مزيدا من القوة كما قال ابن حجر، أو نعطي هذا الحكم لكل أخبار الآحاد، كما ذهب إلى ذلك: ابن حزم، والشيخ شاكر، والشيخ الألباني، وكثير من علماء الأمة.
أيًاما كان الأمر فهذه مناقشة لقضية الثبوت، لكن الوجوب العمل بحديث الآحاد لم يختلف عليه أحد من سلف الأمة -﵃ أجمعين- يعني قضية أن النبي -ﷺ- يعني قاله بشكل قطعي، أو يغلب على ظننا أنه قاله هذه قضية تتعلق بدرجة ثبوت الحديث وليست بقضية العمل به؛ ولذلك فإن الفريقين معا الذي يقول بالظن، والذي يقول بالقطع قد اتفقا على وجوب العمل بخبر الآحاد.
[ ٢٣٣ ]
اليوم نتكلم عن قضية جديدة وهي الشبهات التي أثارها من أثارها حول حجية خبر الآحاد وثبوته، أثاروا شبهًا سنستعرضها ونرد عليها.
مثلا يقولون: إن العمل بخبر الآحاد إنما هو عمل بالظن، وقد ذم الله ﵎ في كثير من آيات القرآن الكريم الارتكان والاحتكام إلى الظن في كثير من الآيات، من ذلك مثلا قول الله ﵎: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨)، وفي غير ذلك من الآيات التي تدل على أن الظن مذموم، وأنه لا يجب العمل بما يفيد الظن، هذه شبهة.
وأيضًا في نفس سورة النجم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ (النجم: ٢٣) وفي الحديث الصحيح: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» وهذا حديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الأدب باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: ١٢) ورواه الإمام مسلم أيضا في كتاب: البر والصلة باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش وغيرها، وهذا الحديث من رواية أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- هذه شبهة: أن عملنا بخبر الآحاد يقتضي العمل بالظن والقرآن الكريم ذم الظن، وهنا في الرد عليهم أمران:
الأمر الأول: أن القول بأن خبر الآحاد يفيد الظن ليس مجمعًا عليه إنما معظم علماء الأمة على أن، وهذا الحصر لا نبالغ فيه، إذا قلنا: إن معظم علماء الأمة على العمل، أو على أن خبر الآحاد يفيد القطع لا نبالغ وخصوصًا من أبناء المدرسة الحديثية المباركة، بل إننا قلنا في الدرس الماضي: إن مبحث التواتر والآحاد أصلًا ليس مبحثًا حديثيًّا، فالمحدثون معنيون بثبوت صحة الخبر، ومتى ثبتت صحته في ضوء معاييرهم من دراسة الإسناد، ومن دراسة المتن يقطعون بنسبته
[ ٢٣٤ ]
للنبي -ﷺ- ومع ذلك فإنا سنقف وقفة أخرى مع قضية الظن والعمل به، لكننا نرد على القول بأن العمل بخبر الآحاد إنما هو عمل بالظن، والظن مذموم.
نقول: إن هذه المقدمة الأولى، وهي أن بخبر الآحاد يقتضي العمل بالظن ليست مسلمة؛ لأن كثيرا من علماء الأمة لم يقولوا بظنية خبر الآحاد في الثبوت، وإنما قالوا بقطعية ثبوته للنبي -ﷺ- ونحن قد استعرضنا هذه الآراء بإيجاز في الدرس الماضي، هذا جانب.
والجانب الآخر:
أن الظن قسمان: إذا جاز التعبير هناك ظن مذموم، وهناك ظن غير مذموم أيضا بدلالة الآيات القرآنية.
الظن المذموم هو: الظن غير المبني على أدلة كأننا نتوهم، فنستطيع أن نقول إن الظن المذموم في هذه الحالة إنما هو الظن المرادف للوهم أي: الذي لا يعتمد على أدلة، وأيضًا القرآن الكريم اعتبر الظن، ونحن في الدرس الماضي عرفنا الظن، وقلنا في تعريفاته: تعريفات متعددة قالها العلماء منها: أن الظن التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم، وهذا قاله: الفيروزآبادي في (القاموس المحيط) وكأنه تعريف لغوي، وليس تعريفا اصطلاحيًا، الجرجاني في (التعريفات) يقول: إن الظن هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، يعني ترجيح أحد الاحتمالين كما يقول الأصوليون.
إذن الظن هو ترجيح أحد الاحتمالين بناء على قرائن يعني: محمد مسافر أو غير مسافر إذا قلت: إنه مسافر على غلبة الظن، يعني ترجح لدي بقرائن أنه مسافر ليست عندي أدلة أنه قد سافر، فأنا أقولها على سبيل الظن، يعني ترجيح أحد
[ ٢٣٥ ]
الاحتمالين على الآخر مع احتمال الرأي الآخر أيضًا، هذا تعريفه، أو ترجيح أحد الاحتمالين أو العمل بالقول الراجح إلى آخر التعريفات التي قالها أهل الأصول.
قلنا: إن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها، هذا مع أننا لم نسلم -نكررها كثيرا؛ لأننا أبناء المدرسة الحديثية، ومادتنا هذه لأبناء التخصص الحديثي- لا نسلم أبدا بأن خبر الآحاد يفيد الظن، ولكن مع التسليم الجدلي مجاراة لمن يقول بذلك نوضح أن الظن في كل الأحوال ليس مذمومًا، يعني هم اعتمدوا مثلا على الآية التي ذكرناها في سورة النجم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ﴾ (النجم: ٢٣) ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٨) وعلى مثلها من الآيات وعلى حديث: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» إلى آخره هناك آيات كثيرة اعتمدت الظن كدرجة من درجات العلم من ذلك مثلا قول الله -﵎-: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٩).
وقبل ذلك في سورة البقرة: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ٤٤ - ٤٦) وفي سورة المطففين ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ (المطففين:١ - ٤) وفي سورة ص قول الله ﵎: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص: ٢٤).
إذن هنا الظن كثير من العلماء يقولون أنه استعمل بمعنى: اليقين يعني هو مرادف لليقين بأنه اعتمد على أدلة قطعية، وحتى لو أبقيناه على ظاهره من ترجيح أحد الاحتمالين، فالآيات تدل على أن الظن الراجح الذي اعتمد على القرائن إنما يعمل به ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ (ص: ٢٤) ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ إلى آخر ما ذكرنا من الآيات.
[ ٢٣٦ ]
إذن الظن على مراتب منها ما يرادف اليقين كما معنا، ومنها ما هو دون ذلك بناء على الأدلة التي يعتمد عليها الخبر لو أنني قلت إن خبر الآحاد ظني بمعنى: احتمال الخطأ والوهم على الراوي، فإن هذا الاحتمال يجوز بعد التثبت والتأكد من عدالة الراوي، ومقابلة روايته بروايات أقرانه من المحدثين ومن طلاب العلم الذين يتلقون عن المشايخ إذن يصبح الاحتمال بخطئه ووهمه بعد هذا البحث والاستدلال، هذا الاحتمال يصبح ضعيفًا، وبالتالي ينتقل خبر الآحاد من إفادته بالظن إلى إفادة العلم اليقيني ولا سيما إذا احتفت به قرائن تكسبه مزيدا من القوة كما ذكرنا قبل ذلك مثل أن يكون في الصحيحين أو في أحدهما مع العلم بأن الأمة قد تلقت الصحيحين بالقبول كما نعلم جميعًا.
أيضًا الظن يستند إلى أدلة قطعية من القرآن الكريم أقصد العمل بالظن يستند إلى أدلة قطعية من القرآن الكريم مثل ماذا مثلا حرمة الدماء وحرمة الأموال مقطوع بهما؛ لأنها ثابتة بالقرآن الكريم وثابتة أيضًا بالأحاديث، لكن الآن أعتمد على القرآن الكريم؛ لأن الجميع مجمع على أنه يفيد القطع في ثبوته نحن نعلم ذلك جيدا، فكل القرآن ثبت بالتواتر، فحين يقول الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام: ١٥١) في أكثر من آية والآيات التي توعدت ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (النساء: ٩٣) إلى آخره كل هذه الآيات بالإضافة إلى الأحاديث أفادت بشكل قطعي أن الدماء محرمة، ومع ذلك حين نقيم الحد على القاتل، فإننا نقيمه بخبر الآحاد بمعنى: أن اثنين من الشهود العدول يشهدان بأن هذا القاتل قد قتل فلانًا، وبالتالي متى ثبتت عدالتهم عند القاضي أو عند الحاكم، فإنه يقتص من الجاني امتثالًا للقرآن الكريم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩) إلى آخر ما نعلم من أدلة.
[ ٢٣٧ ]
إذن هذا الذي يقولونه من أن الظن وهم، وأنه لا يعمل به رددنا عليه، وأن العمل بخبر الآحاد معناه العمل بالوهم رددنا عليه بالقرآن الكريم بالإضافة إلى السنة المطهرة بمعنى أن الظن حتى مع القول بأنه ترجيح أحد الاحتمالين، فإنه يجب العمل به.
كما قلنا قبل ذلك: إن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها بل كما قلنا: إن القرآن الكريم قد أثبت أمورًا مقطوعًا بها بأدلة ظنية، كما قلنا في تحريم القتل، وفي الاعتداء على الأموال، وفي الاعتداء على الأعراض ونحو ذلك، ولذلك أجمع علماء الأمة على أن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها، وهذا أمر ذكرناه، نحن هنا فقط نناقش أن الظن ليس معناه الوهم - كما يعني- ينتزعون آية من القرآن الكريم يحاولون أن يحملوا عليها كل معاني الظن الواردة في القرآن الكريم، وفي السنة ثم يقولون: إن خبر الآحاد إذا عملنا به فقد عملنا بالظن، والعمل بالظن مذموم بنص القرآن الكريم.
فإننا نرد عليهم بأن الظن المذموم هو المرادف للوهم، وهو الخالي من الأدلة أو حتى من القرائن الترجيحية، وأثبتنا بالأدلة من خلال القرآن الكريم أن هناك آيات كثيرة اعتبرت الظن درجة من درجات العلم، وبنت عليه أحكامًا، وقد ذكرنا هذه الآيات، بل قلنا: إن القرآن الكريم أسس عقوبات بأدلة ظنية على أمور قطع بتحريمها -كما أشرنا.
إذن هذا الظن الذي يتكلم عنه المتكلمون هو غير الظن الذي يقوله أهل العلم من أن الظن معناه: أن نسبة الحديث إلى النبي -ﷺ- يغلب على ظننا أنها ليست قاطعة، ومع ذلك نقول: إنها ليست مسلمة على الأقل عند معظم أهل المدرسة الحديثية.
[ ٢٣٨ ]
شبهة: أن العمل بخبر الآحاد يقتضي العمل بما ليس لنا به علم
أيضًا يقولون: إن العمل بخبر الآحاد يقتضي العمل بما ليس لنا به علم، وهذا مخالف لقول الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) نقول: هذا مبني على وهمهم أيضًا من أن خبر الآحاد يفيد الظن، والظن ليس درجة من درجات العلم، بل هو وهم.
رددنا على هذه، بل إننا نقول: إن العمل بخبر الآحاد هو تمسك بما لنا به علم، وإن عدم العمل بخبر الآحاد هو فعلا يدخل تحت قول الله ﵎: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦).
فقد انعقد إجماع من يعتد به من أهل العلم على حجية خبر الواحد، وعلى وجوب العمل به والإجماع قاطع، فاتباعه -اتباعنا للإجماع الذي انعقد على حجية خبر الآحاد إنما هو إجماع لدليل قاطع لا يكون أبدا- اتباعًا لما ليس لنا به علم، بل العكس هو الصحيح، ولذلك يقول الشوكاني -رحمه الله تعالى- في: (إرشاد الفحول) في جزء ١ ص٢١٢ يقول: "ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه" وهكذا خبر الواحد أيضًا إذا تلقته الأمة بالقبول، ومن هذا القسم أحاديث صحيح البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- هذا كلام الشوكاني.
يعني هو يقول: إن الإجماع قد انعقد على العمل بخبر الآحاد، وما دام الإجماع قد انعقد عليه، فإنه قد قطع بصدقهم، وأيضا إذا تلقته الأمة بالقبول كما ذكرنا قبل ذلك، كما في حديث أو أحاديث صحيحي البخاري، ومسلم -رحمهما الله تعالى- إذن العمل بخبر الآحاد ليس اقتفاء لما ليس لنا به علم كما توهموا، وإنما
[ ٢٣٩ ]
هو عمل بما تأكد لدينا، وأصبح مقطوعًا به من أنه صادق بإجماع الأمة عليه، وأيضًا بالقرائن الأخرى التي ذكروها والتي أشرنا إليها، هل ينازع أحد في أن القصاص يثبت بشاهدين، هذا انعقد الإجماع عليه هل يجادل أحد؟ في الإجماع على أن الدعاوى في الأعراض تثبت بشاهدين في القذف مثلًا، وفي الزنا بأربعة شهود، وقلنا قبل ذلك: حتى إذا أخذنا بالزنا، فإن أربعة شهود لا يصيرون الخبر متواترًا، وإنما هو أيضا خبر آحاد على ما ناقشناه في قضية العدد الذي أشاروا إليه في قضية ثبوت الخبر المتواتر أو الأعداد المطلوبة في ثبوت الخبر المتواتر.
إذن الظن درجة من درجات العلم معمول بها قد يرادف اليقين أحيانا على ما ذهب إليه كثير من المفسرين في تفسير الآيات التي أشرنا إليها، وحتى مع القول بإفادته الظن الراجح، فإنه قد ثبت بالأدلة أننا يجب علينا العمل بما غلب على ظننا.
يقول الشاطبي -رحمه الله تعالى- تأكيدا لكلام، يقول: وهذه الظنون المعمول بها في الشريعة أينما وقعت؛ لأنها استندت إلى أصل معلوم فهي من قبيل المعلوم جنسه، فعلى كل تقدير خبر واحد صح سنده، فلابد من استناده إلى أصل في الشريعة القطعية، فيجب قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقًا، كما أن ظنون الكفار غير مستند إلى شيء، فلابد من ردها.
يعني يريد أن يقول: أخبار الآحاد أيضًا استندت إلى أصل في الشريعة قطعي المسائل التي ذكرناها تحريم الدماء والأموال ثبت بأصل قطعي تحريم الربا ثبت بأصل قطعي إلى آخره، فإذن يجب العمل، حتى مع القول بهذه الظنون إذا يعني أسررنا على أنها ظنية فقط، فنقول إن العمل بها واجب، وبالتالي تنهدم حجتهم تماما في أن الآية: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) أو الآيات الواردة في الظن يعني تبعد العمل بخبر الآحاد نقول: هذا قول مردود على أصحابه.
[ ٢٤٠ ]
أيضًا من الشبه التي أثاروها في هذا الصدد: الاستناد إلى أحاديث ووقائع وقعت في عصر الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من ذلك مثلا قصة ذي اليدين في الصلاة وقصة عمر -رضي الله تعالى عنه- في استئذان أبي موسى عليه، وقصة أبي بكر في ميراث الجدة هم يزعمون أن الصحابة توقفوا في قبول خبر الآحاد.
قصة ذي اليدين مذكورة في الصحيحين ذكرها البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب: أخبار الآحاد باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام إلى آخره، ورواه أيضا الإمام مسلم في كتاب: المساجد باب السهو في الصلاة والسجود له، روى مسلم -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: «صلى بنا رسول الله -ﷺ- إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر، فسلم ركعتين -يعني: إما أنه كان يصلي الظهر أو يصلي العصر فسلم النبي -ﷺ- بعد ركعتين يعني: لم يتم الصلاة أربعًا- ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليه مغضبًا وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما وخرج سرعان الناس» يعني: الذين في المقدمة قالوا للرسول -ﷺ- قصرت الصلاة؟ يسألون النبي -ﷺ- قصرت الصلاة؟ هذا سؤال لا يوجد فيه أداة الاستفهام هل الصلاة قصرت يا رسول الله بعد أن كنا نصليها أربعًا أصبحنا نصليها ركعتين فقط، فقال الرسول الله -ﷺ- وقام رجل هو اسمه ذو اليدين فقال يا رسول الله: "أقصرت الصلاة أم نسيت".
نقول الصحابة وأدبهم يعني نلفت النظر يعني يقول: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله -ﷺ- كأنه يعطي الاحتمال الأول؛ لأن الصلاة قصرت بتكليف شرعي، ويستبعد النسيان عن النبي -ﷺ- وهذا من الأدب في خطاب النبي -ﷺ- «نظر النبي -ﷺ- يمينا وشمالا فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين. فقام النبي -ﷺ- أتم الصلاة فصلى ركعتين وسلم، ثم سجد للسهو بعد ذلك» إذن النبي -ﷺ- أتم الصلاة بناء على إخبار ذي اليدين بعد أن سأل الصحابة -﵃.
[ ٢٤١ ]
القصة كما هي واضحة أن الذين يشككون في حجية خبر الآحاد يقولون: إن النبي -ﷺ- لم يقبل خبر ذي اليدين إلا بعد أن سأل الصحابة، ذو اليدين هو: الخرباط بن عمرو السملي يقال له: ذو اليدين؛ لأنه كان في يديه طول، وفي بعض الأقوال أنه كان قصير اليدين، فسمي بذي اليدين لذلك، وهو صحابي جليل ترجم له العلماء الذين كتبوا في الصحابة منهم: ابن حجر، وابن الأثير وابن عبد البر في كتبه المشهورة في الصحابة.
نقول ردًا على حديث ذي اليدين -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -ﷺ- يريد أن يتأكد من صدق الخبر ليس شكا في كلام ذي اليدين، فمن المعلوم أن الصحابة كلهم عدول ثقات يعني: النبي -ﷺ- هو الذي مدحهم، وأثنى عليهم في الأحاديث النبوية، وأيضًا القرآن الكريم قبل ذلك مدحهم في كثير من الآيات، وهذا أمر آخر نعلمه وثابت بالأدلة، الصحابة -رضوان الله عليهم- كما في قصة ذي اليدين، وهذا منهج تعلموه من النبي -ﷺ- وكما سيأتي في الرد على قصة عمر في الاستئذان، وعلى قصة أبي بكر -﵁- في ميراث الجدة، الصحابة -رضوان الله عليهم- يعني يؤسسون منهجًا في التحري والتثبت.
لكن نريد أن نوضح أن النبي -ﷺ- لم يشك في صدق ذي اليدين -رضي الله تعالى عنه- إنما فقط يريد أن يعلم الأمة التثبت والتحوط في رواية الأخبار ما هي الدرجة التي وصل إليها الخبر بعد أن تكلم بعض الصحابة في بعض الروايات أن الذي أيد ذا اليدين هو أبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- إذن أيضًا الخبر في إطار خبر الآحاد، يعني: لم يصبح بعد متواترًا إنما هو خبر آحاد بثلاثة أو بأقل من ذلك أو بأكثر من ذلك.
أيضًا قصة عمر في الاستئذان -رضي الله تعالى عنه- خلاصة الحديث أن أبا موسى الأشعري استأذن على عمر بن الخطاب، والحديث من رواية أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- يقول: كنا في مجلس عند أبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا حتى
[ ٢٤٢ ]
وقف فقال: أنشدكم الله هل سمع أحد منكم رسول الله -ﷺ- يقول: «الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع»، قال أبي بن كعب: وما ذاك قال استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي فرجعت، ثم جئته اليوم، فدخلت عليه فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثًا، ثم انصرفت قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل، فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك قال استأذنت كما سمعت رسول الله -ﷺ- قال: فقال الفاروق ﵁: فو الله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتيني بمن يشهد لك على هذا، فقال أبي بن كعب: فو الله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنًا قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر، فقلت قد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول هذا".
هذا الحديث رواه كما قلت البخاري ومسلم في كتاب: الاستئذان عند البخاري في كتاب الاستئذان: باب التسليم والاستئذان ثلاثا.
ورواه مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الآداب باب الاستئذان أيضًا قصة أبي بكر -﵁- حين توقف في ميراث الجدة لما سألته أو لما جاءته تسأله حقها في الميراث قال: لا أجد لك في كتاب الله شيئا، ولا أعلم أن رسول الله -ﷺ- قضى لك بشيء.
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب: الفرائض باب في الجدة، ورواه الترمذي في كتاب الفرائض أيضا قال: باب ما جاء في ميراث الجدة وعقب عليه الترمذي -رحمه الله تعالى- فقال: هذا أحسن وأصح، والحديث ورد عند الترمذي بروايتين يقول عن الرواية الأخرى: هذا أحسن وأصح من حديث ابن عيينة يعني يرجح إحدى الروايتين على الأخرى، لكنه على كل حال حكم بالصحة عليهما معًا غير أن إحداهما أصح من الأخرى على ما يقول الترمذي.
[ ٢٤٣ ]
إذن هذه بعض الأدلة النبي -ﷺ- توقف في ذي اليدين، عمر توقف في حديث الاستئذان، أبو بكر توقف في ميراث الجدة نقول: إن الفهم غير هذا بالمرة عندنا عشرات الأدلة على أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- اعتمدوا على أخبار الآحاد في كثير من الأمور، إنما المسألة هنا أنه كما قلنا مزيد من التحوط والتثبت، لننظر إلى القصتين:
القصة الأولى: نبدأ بها أبي بكر ميراث الجدة ليس مذكورًا في القرآن الكريم، ولا هو من الأحاديث المشهورة، وهذا أمر يتعلق بحكم شرعي، فنعطي الجدة نصيبها في الميراث لم يقل بذلك إلا صحابي واحد إذا أراد الصديق -﵁- أن يدعم قول الصحابي بصحابي آخر في هذا الأمر الخطير الذي يندر وقوعه، وهذا حكم سيظل ثابتًا إلى يوم القيامة كل ذلك يعلمه أبو بكر أإذا احتاج إلى تدعيم رأي الصحابي بصحابي آخر قلنا: إنه يشك في الصحابي الأول؟ أهذا فهم؟ لا والله إن الرجل يشعر بالمسئولية تجاه الأحكام الشرعية وأن الأحكام ينبغي التحوط والتثبت منها لأنها أحكام شرعية تستمر إلى يوم القيامة، فأراد أن يدعم قول الصحابي بصحابي آخر، وأيضًا إضافة إلى أنهم يعلموننا التثبت أو التحوط في رواية الأخبار حتى لا نجترئ عليها فيقع بعضنا في الخطأ والوهم أحيانًا.
كذلك نفس القصة مع أبي موسى الاستئذان يعني أمر غريب أن تستأذن ثلاث مرات، فإن لم يؤذن لك فارجع، وقد مضت حياة النبي -ﷺ- ومضت خلافة أبي بكر ومضى جزء أيضًا من خلافة عمر كل ذلك لم يأت فيه موقف احتاجوا فيه إلى هذا الحديث، فلما استأذن أبو موسى ثلاث مرات، ولم يؤذن له رجع، فأراد عمر أن يؤكد نفس الخط الذي التزم به الصحابة، وهو أنهم ينبغي عليهم التثبت والتحوط في قبول الأخبار.
[ ٢٤٤ ]
إذن لا عمر شك في خبر أبي موسى، ولا أبو بكر شك في خبر المغيرة بن شعبة الذي روى حديث ميراث الجدة إنما هو مزيد من التحوط ما الدليل على ذلك؟ الدليل على ذلك أدلة كثيرة:
أولًا: حين جاء شاهد مع أبي موسى أو مع المغيرة بن شعبة -رضي الله تعالى- عن الجميع لم يتحول الخبر إلى خبر متواتر، بل ظل كما هو كما نعلم جميعًا خبر آحاد، فاثنان خبر آحاد بإجماع أهل العلم حتى بإجماع من يثير الشبه أو من يثيرون تلك الشبه حول حجية خبر الآحاد، أو العمل به أيضا يعلمون أن رواية اثنين لا تحول الخبر إلى خبر متواتر إذن هم اعتمدوا أيضًا على خبر الآحاد.
أيضًا نحن عندنا عشرات القصص تثبت أن الصحابة -﵃- في كثير من المواقف اعتمدوا خبر الآحاد حتى لو كان الذي رواه واحدًا فقط.
عندنا مثلا يعني عمر في قصة ذهابه إلى الشام، وحين بلغوا أن هناك طاعونًا في الشام وتساءلوا أندخل أم نرجع أو نحجم عن الدخول، فلم يكن الحديث قد بلغهم فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وشهد أن النبي -ﷺ- قال: «إذا كان الطاعون بأرض قوم فلا يخرج منهم أحد ولا يدخل إليهم أحد» معنى الحديث هكذا، الصحابة عملوا على رأسهم عمر، وهذا خبر أتى به واحد، وهو أيضًا يتعلق بحكم شرعي.
إنما أحيانا كما هو واضح من السياقات أن القصة نفسها فيها نوع من الطرافة أو من الغرابة التي تحتاج إلى مزيد من التأكيد لأن الأخبار التي نقلها الصحابة، والتي احتاجت إلى تدعيم إنما هي أخبار تتعلق بأحكام شرعية مستمرة إلى يوم القيامة.
الصحابة يعلمون أن النبي -ﷺ- قال: «نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» هذا
[ ٢٤٥ ]
النبي -ﷺ- يعلم الأمة أننا نعمل بخبر الواحد «نضر الله عبدا» قد يكون واحدًا «سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، وعلى كل نحن سنأتي بعد ذلك إلى مجموعة من الأدلة التي ذكرها العلماء في أن الصحابة -﵃- قد عملوا أو الأدلة على أن أخبار الآحاد يعمل بها في كل أمور الدين من عقائد وغيرها.
شبهة: أن خبر الآحاد لا يُعمل به في العقائد
من الشبهات التي يثيرونها أن خبر الآحاد لا يعمل به في العقائد؛ لأن العقائد كما يزعمون، وكما يقولون تتضمن الإيمان والكفر، وينبني عليها دخول الناس الجنة أو ذهابهم والعياذ بالله إلى النار، فلابد من أن تعتمد العقائد على أدلة قطعية، وليس على أخبار آحاد.
هذا أيضًا قول لا يعتمد على أدلة أيضا وأنا يعني أدخل هذه مع تلك يعني مع القضية الأولى لماذا؟ لأننا سنثبت من خلال عشرات الأدلة أن الصحابة وغيرهم من سلف الأمة الصالح قد عملوا بأخبار الآحاد في العقائد، وفي الأحكام وفي غير ذلك، وسننقل نصوصا عن العلماء هي في نفس الوقت تعتبر ردًا على قضية اتباع الظن وعلى قضية: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) وعلى قضية أن بعض الصحابة رد حديث الآحاد فما دام عندنا عشرات الأدلة أنهم عملوا بها إذن هذه مواقف احتاجت إلى مزيد من التثبت.
النبي -ﷺ- دعا الناس إلى العقائد، وإلى الأحكام وإلى العبادات والأخلاق يعني دعاهم إلى الإسلام بكل جوانبه وبكل تفصيلاته.
[ ٢٤٦ ]
كل الأمة تلقت عن النبي -ﷺ- موقنين بصحتها عالمين يقينا بأن رسول الله -ﷺ- جاء بها أي: بالعقيدة كما جاء بالصلاة والزكاة جاء بأحاديث التوحيد، وهي عقيدة، وجاء بعذاب القبر أحاديث عذاب القبر ونعيمه، وجاء بأحاديث الشفاعة والحوض والميزان بعض هذه الأمور ثبت تواترها، وبعضها آحاد وكلها عقائد، المتتبع للصحابة رضوان الله عليهم، والأمة من بعدهم أهل السنة والجماعة تلقوا الأخبار كل الأخبار التي جاءت عن النبي -ﷺ- بالتسليم وبالقبول من غير تفريق بين متواتر وبين آحاد، ومن غير تفريق أيضا بين ما يتعلق بأمور المعتقد، وما يتعلق بالأحكام العملية يعملون بكل الأحاديث في كل المواضيع طالما ثبتت صحة الحديث عندهم.
وهذا الحديث أول الأحاديث في كتاب صحيح الإمام مسلم: لما ظهرت بدعة القدر في البصرة، وكان أول من قال بها: معبد الجهني والحديث يحيى بن يعمر، ومعه رفيق آخر قالوا: ذهبنا إلى حج أو عمرة يقول: لو وفق لنا أحد من أصحاب رسول الله -ﷺ- فنسأله عن ذلك فوفق لهم عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه- أنا أذكر هذا الموقف من عبد الله بن عمر يستند للحديث وروايته آحاد، وهو يتكلم عن العقائد، فهذا موقف الصحابة يعني هذا الحديث هو من ضمن الأدلة على حجية خبر الآحاد.
ومن ضمن الأدلة على أن الصحابة يعملون بخبر الآحاد ردًا على من زعم أن موقف أبي بكر في ميراث الجدة، وموقف عمر -﵁- يبين أن الصحابة قد توقفوا؛ فعبد الله بن عمر لما جاءه الرجلان يسألانه، فقال لهم: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر" ثم روى الحديث المشهور المعروف عند المحدثين بأنه حديث جبريل ﵇ في أنه سأل
[ ٢٤٧ ]
النبي: «بينما نحن جلوس عند رسول الله -ﷺ- ذات يوم إذ دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد» إلى آخر الحديث وسأل النبي -ﷺ- عن الإيمان، وعن الإسلام وعن الإحسان، وعن الساعة وأماراتها إلى آخره.
إذن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، اكتفى في هذه المسألة العقدية الكبيرة الخطيرة بالاحتجاج بالسنة مع أنه قد جاءت آيات في إثبات عقيدة القدر في القرآن الكريم كثيرة جدا مما يدل دلالة قاطعة على الأمرين معًا الذين أركز عليهما على أن الصحابة يعملون بخبر الآحاد، وأن الاستدلال بموقف أبي بكر وعمر إنما هو استدلال خاطئ، وأيضا يعملون بهما أو بخبر الآحاد في الأحاديث العقدية؛ لأن أيضا الأحاديث العقدية شبهة أخرى، فنحن نتكلم عن الشبهتين معا بعد أن وضحناهما وذكرنا بعض الأدلة على كل واحدة، لكن نشير إلى أن الصحابة عملوا بأخبار الآحاد في العقائد.
بل إنني أقول: الخبر الوارد في حديث الطاعون يعتبر عقيدة هل ندخل أو لا ندخل؟ نؤمن بالقدر أو لا نؤمن بالقدر؟ ماذا يفيد دخولنا؟ وماذا يفيد عدم دخولنا؟ هل هو اعتراض على القدر؟ هل هو كذا؟ ولذلك في بعض الروايات أن رجلا قال لعمر: أتفر من قدر الله، قال نفر من قدر الله إلى قدر الله يعني أين سنذهب نحن تحت قدرة الله وعظمته، ونعيش على أرضه وتحت سمائه، فأين نذهب؟ حتى لو لم ندخل فنحن لم نفر من القدر.
إذن هي مسألة عقدية الصحابة كلهم استندوا فيها إلى حديث عبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنه.
الخلاصة في كل ذلك أن الصحابة والأمة كلها -كما سنذكر بعد قليل من
[ ٢٤٨ ]
أقوالهم- أن العمل بخبر الآحاد في العقائد وفي غيره أمر مجمع عليه إنما كنا نتكلم عن الصحابة؛ لأن الذين أثاروا الشبه حاولوا أن يستندوا إلى موقف أبي بكر وعمر -﵄- في قصة الاستئذان وميراث الجدة على أن الصحابة لا يعملون بخبر الآحاد، وقلنا: إن هذا أمر مردود عليهم.
أما من ناحية أن سلف الأمة كلهم ساروا على العمل بخبر الآحاد في العقائد وغيرها، فأكثر من أن تحصى، يعني عبد الله بن أحمد في زوائده يروي الحديث بإسناده أن شريكة قال حدثني أبو معمر حدثني عباد بن عوام قال قدم علينا شريك فسألناه عن الحديث: «إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان» إلى آخره قال: إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن، وبأن الصلوات خمس، وبحج البيت، وبصوم رمضان فما نعرف الله تعالى إلا بهذه الأحاديث، انظروا إلى الكلام الذي يكتب بماء الذهب يعني كيف تفرق بين العقيد وبين غيرها، هؤلاء القوم الذين تقول إن الخبر الآحاد يعني خبرهم أو خبر الآحاد الوارد عنهم لا يعمل بهم في العقائد عملنا بأحاديثهم في الصلاة وفي حج البيت يعني: في الأحكام وبصوم رمضان، فكيف نفرق بين هذه وبين العقيدة؟.
أيضًا يعني البزدوي يقول نقلا عن بعض أهل الحديث في: أصوله في جزء ١ ص١٥٤: إن خبر الآحاد يفيد علم اليقين معللين بذلك، وقد وردت آحاد في أحكام الآخرة مثل: عذاب القبر، ورؤية الله تعالى بالأبصار، ولا حظ لذلك إلا العلم.
وأبو الحسن الأشعري -رحمه الله تعالى- في (الإبانة) يقول: وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله -ﷺ- لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله تعالى ﷿ إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة، ولا ولدا إلى آخره، يقول أبو الحسن
[ ٢٤٩ ]
الأشعري، وندين بأن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله -ﷺ.
يقول أبو مظفر السمعاني -﵀-: وقد أثبت هو يعني: يثبت إفادة خبر الواحد بالعين بكلام نفيس قال -رحمه الله تعالى- شغلا أو اشتغالًا بالرد على من زعموا أن خبر الآحاد لا يعمل به يقول: ينقل رأيهم إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم، وهذا رأي شغب به المبتدعة في رد الأخبار، ويرد عليهم، ويقول: إن صح الخبر عن رسول الله -ﷺ- ورواه الثقات، والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله -ﷺ- وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا قول عامة أهل الحديث، والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولابد من نقله بالتواتر؛ لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول واستطرد الرجل -رحمه الله تعالى- في كلامه هذا ذكر فيه مجموعة من الأدلة على أن خبر الآحاد يعمل به في العقائد، وفي الأحكام، وفي كل أمور الشرع، ولا تفرقة بين هذا وذاك، وجعل الرجل يذكر أدلة كثيرة على هذا.
مثلا النبي -ﷺ- بعث أبا بكر ينادي في موكب الحج بمنى ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة أليست هذه عقيدة، وهذا حديث أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير يعني من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - النبي -ﷺ- «بعث معاذا إلى اليمن» أريد أن أبين أن عمل الصحابة جرى على قبول خبر الواحد في العقائد،
[ ٢٥٠ ]
وفي الأحكام وفي التشريعات، وتضافرت عشرات الأدلة على إثبات هذه الحقيقة، وأنه لا ينازع في ذلك إلا كما قال أبو مظفر السمعاني: إلا بعض من يريد أن يضيع السنة، وأيضًا بعض الناس خدع بأقوالهم إما لأنه لم يطلع على الأدلة، أو أنه لم يفهم أو لم يشك في نية هؤلاء القوم في محاولة وضعهم للسنة.
إذن الخلاصة من هذا القول أن الشبه التي أثيرت حول ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) أو العمل بالظن أو بعض المواقف من الصحابة ﵃، أو محاولة التفريق بين العقائد وبين الأحكام في ثبوت الأدلة، وأن العقائد لا تثبت إلا بالأدلة المتواترة.
كل هذه الشبه التي أثاروها مردود عليها بعشرات الأدلة، وليس بدليل واحد وأيضًا بعمل الصحابة وبأقوال الأمة بسلوك الأمة -رضي الله تعالى عنهم- أجمعين يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في إفادة خبر الواحد عنده نقل ذلك عن الأئمة: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم، ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وهذا كلامه في: (الصواعق المرسلة) أو (مقتضى الصواعق المرسلة) وابن خويز منداد في كتاب (أصول الفقه) يعني يقول ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا واحد أو اثنان يقول: يقع من هذا الضرب أيضًا العلم الضروري نص على ذلك مالك.
وقال أحمد في حديث الرؤية: "نعلم أنها حق، ونقطع على العلم بها" وأيضا ابن القيم في كلام آخر: يقول الصحابة ﵃ تلقوا أحاديث الصفات بالقبول عن النبي -ﷺ- وأخذوها على سبيل القطع واليقين من اعتقاد رؤية الرب، ومن تكليم الله تعالى، ومن ندائه يوم القيامة لعباده بالصبر إلى آخره، ومن نزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة، ومما ورد في ضحكه ﷾ وفرحه إلى آخره، وإمساك
[ ٢٥١ ]
السماوات على أصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له كل ذلك أحاديث الصفات، وهي عقيدة والرؤية إلى آخره كل ذلك اعتقد الصحابة ﵃ مقتضاها، وآمنوا بها، بل إن الأمة كلها تلقتها بالقبول لم ينازع في ذلك أحد لا نعلم بين السلف في ذلك نزاع، وحتى الذي جرى بين الخلف من تأويل للحديث هذا أمر يتعلق بفهم النص، وليس بالتوقف مع النص أو بالتردد فيه فهم حتى لا يشتبه الأمر يعني من يؤول أحاديث الصفات ويصرفها عن ظاهرها هو لم يرد الحديث؛ لأنه قد ثبتت عنده صحته، فهو عمل به غير أن هذا فهم يحاول به أن يدرك تنزيه الله تعالى مع أننا نقول: إن مذهب السلف في ذلك أسلم وأحكم وأعلم بإذن الله ﵎.
إذن هذه النقول التي حاولنا أن نجتزئ على بعضها؛ لأن الإطالة فيها كثيرة جدا نقول: حجية خبر الآحاد ولزوم العمل به في أمور الدين كله أمر انعقد عليه إجماع سلف الأمة كما ذكرنا.
يقول ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في (جامع بيان العلم): "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصا في كتاب الله أو صح عن رسول الله -ﷺ- أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له، ولا يناظر فيه" هذا كلامه في (جامع بيان العلم) في جزء ٢ ص٩٦.
وقال في كتابه (التمهيد) عن العلماء وموقفهم: "وكلهم يدين بخبر الواحد إن عد في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرع ً اودينًا في معتقده على ذلك جميع أهل السنة" هذا في التمهيد جزء١ ص٨.
شيخ الإسلام ابن تيمية يعلق على كلام ابن عبد البر فقال: "قلت هذا الإجماع قلت -أي القائل ابن تيمية-: هذا الإجماع الذي ذكره في خبر الواحد العدل في
[ ٢٥٢ ]
الاعتقادات يؤيد قول من يقول إنه يوجب العلم، وإلا فيما لا يفيد علما ولا عملا كيف يجعل شرعًا ودينًا يوالى عليه".
إذن الخبر المقطوع بصحته تلقته الأمة بالقبول هو خبر آحاد أو خبر متواتر حجة في العقائد، وفي الأحكام، وليس من قبيل الظن، وليس من قبيل أننا نقف ما ليس لنا به علم إلى آخر الشبه التي أثاروها.
مر بنا في الدرس الماضي أقوال العلماء في خبر الآحاد، ونزاعهم أو اجتهادهم ليس نزاعًا في الحقيقة حول إفادته للقطع أو للظن بما يغني عن ذكره، لكن نحن هنا معنيون بذكر الأدلة القاطعة من إجماع الأمة -كما قلت- على العمل بخبر الآحاد نثبت به جملة من المسائل، نثبت أن العمل بخبر الآحاد واجب، وهذه قضية قررناها، نثبت أن الصحابة يقبلون خبر الآحاد على عكس من شكك، وأن القصص التي ذكروها إنما كانت لمزيد من التثبت؛ لأن ظروفها التي أحاطت بها تدعو إلى ذلك، وأيضا فإن الخبر بعد مجيء شاهد لم يصبح خبرا متواترًا، وإنما هو خبر آحاد أيضا، وضممنا إلى ذلك بعض الأدلة في أن الصحابة عملوا بخبر الآحاد في العقائد، وفي غيرها، وذكرنا بعض أقوال الأمة أو علماء الأمة على أن الإجماع قد انعقد على حجية خبر الآحاد، وعلى وجوب العمل به في العقائد، وفي الأحكام، وفي غير ذلك هذا وبالله التوفيق.
هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٥٣ ]