[ ٢٥٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث عشر
حديث الآحاد (٤)
الدليل علي حجية خبر الآحاد من العقائد والعبادات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه، وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنختم الكلام عن خبر الآحاد، وفي يقيني أن الكلام عنه يحتاج إلى أكثر من ذلك؛ لأنه من الأمور الهامة جدا في قضية السنة سواء من ناحية الاحتجاج بها أو من ناحية من أثاروا الشبه حولها، ذكرنا مرارًا أن أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من أحاديث السنة هي: أحاديث آحاد، ولذلك فإن الذين يشككون في حجية خبر الآحاد نقطع بأنهم يريدون تضييع الدين، وتضييع الإسلام؛ لأن القرآن الكريم لا نستطيع أن نفهمه إلا في ضوء السنة، وهذا أمر كررناه كثيرا، والسنة معظمها آحاد لو نشك في أحاديث الآحاد ولا نعمل به لن نفهم القرآن، فضاع القرآن وضاعت السنة، وبالتالي ضاع الإسلام، وهذا هدفهم الذي يسعون إلى تحقيقه، والعياذ بالله ولن يتمكنوا من ذلك أبدًا.
الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى ورضي عنه- في كتابه الماتع العظيم كتاب: (الرسالة) عقد فصلا عظيما تحت عنوان: "الحجة في تثبيت خبر الواحد" يبدأ من ص ٤٠١ في الطبعة التي حققها العلامة الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى- ووضع لها أو لفقراتها أرقامًا من الفقرة ١١٠١.
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: فإن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر أو دلالة فيه أو إجماع. يعني إذا قال قائل: اذكر لنا الحجة في تثبيت خبر الواحد أي في ثبوته، وفي وجوب العمل به بنص خبر أو دلالة في خبر تدل على ذلك إن لم يكن بالنص القاطع أو إجماع انعقد على هذا، سرد كثيرا من الأدلة، فقلت له: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن
[ ٢٥٧ ]
عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي -ﷺ- قال: «نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها، وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، «ثلاث لا يغُل، ويجوز أيضا لا يغَل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» يعني لا يغُل بهذا الضبط بفتح الياء مع ضم العين هو من: الغُل أو الغَل الحقد أو من الخيانة إذا أخذناها من الغَلول يبقى من الغل اللي هو الحقد أو الغلول وهي الخيانة، الحديث يعني رواه الإمام الشافعي بإسناده كما نرى، وهو رواه الترمذي في كتاب: العلم باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ورواه أبو داود في كتاب: (العلم) باب نشر العلم ورواه غيرهم أيضا، وفي روايات متعددة عن بعض الصحابة زيد بن ثابت عبد الله بن مسعود عن حديث زيد بن ثابت قال: حديث حسن وعن حديث عبد الله بن مسعود قال: إنه حسن صحيح إلى آخره، بعد أن ذكر الشافعي -رحمه الله تعالى- الحديث يبين وجه الدلالة فيه يقول: "فلما ندب رسول الله -ﷺ- إلى استماع مقالتهم، وحفظها وأدائها امرأ يؤديها والامرؤ واحد.
ننتبه إلى كلام الشافعي: نضر الله امرأ إذا هو يتكلم عن امرئ، والامرؤ واحد، فلما ندب رسول الله -ﷺ- إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأً يؤديها، والامرؤ واحد دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه.
يعني حين يقول: يعني بلغ عني مثلا «نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها» إذن النبي -ﷺ- هنا يأمر من تقوم الحجة به عند الناس بأن يؤدي الحديث، أداؤه للحديث أصبح ملزمًا لمن تلقى عنه الحديث ما دام لا يشك في صدقه.
[ ٢٥٨ ]
لأنه يؤدى عنه حلال وحرام يجتنب، حلال يفعل وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا، وعقيدة وعبادة إلى آخره، يؤدي كل ما يتلقاه عن النبي -ﷺ- بمجرد أن أدى من سمع فقد أصبح حجة على من تلقى، ووجب عليه العمل بما تلقى، وهذا الذي تلقاه إنما هو خبر واحد، ودل الحديث أيضًا على أنه - هذا كلام الشافعي، لكنه فائدة إضافية بالإضافة إلى دلالتها على حجية خبر الواحد - يعني واحد النبي -ﷺ- كلف واحدا هو ليس واحد بذاته إنما كلمة: امرؤ التي قال: «نضر الله امرأ» تنطبق على الواحد إذن هذا الواحد سيحمل الحديث عن النبي -ﷺ- وسيؤديه إلى غيره، وهذا الغير بصرف النظر عن كونه واحدًا أو أكثر، أصبح ما أدي إليه من حديث حجة عليه إن كان في العقائد عليه أن يعمل به إن كان في العبادات عليه أن يعمل به، ولا يملك أن يتوقف ما دام قد وصل إليه النقل بطريق صحيح.
ودل الحديث على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظًا لكنه لا يكون فيه فقيها، وأيضا في الحديث أمر رسول الله -ﷺ- بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين - إن شاء الله لازم - هذا هو الدليل الأول وتعليق الإمام الشافعي عليه أو وتوضيحه له وشرحه له، النبي -ﷺ- يأمر امرأً يقول يؤده عنا يبقى عليه أن يؤدي، وحين يؤدي إلى غيره هذا الغير أصبح ملزمًا بما أدي إليه من نصوص الأحاديث سواء دلت على عقيدة، أو على عبادات، أو على أحكام، أو على أي جانب من جوانب التشريعات الإلهية.
ينتقل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- إلى دليل آخر يقول: أخبرنا سفيان قال أخبرني سالم أبو النضر أنه سمع عبيد الله بن رافع يخبر عن أبيه، قال: قال النبي -ﷺ-: «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نهيت عنه أو أمرت به، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»، هذا حديث ورد بصيغ متعددة ورواه أيضا أبو داود في كتاب السنة: باب في لزوم السنة، وأيضا رواه
[ ٢٥٩ ]
الترمذي وابن ماجه وغيره في كتب السنة، قال ابن عيينة يعني الإمام البخاري يروي رواية لهذا الحديث مرسلة أخرى يقول: وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله -ﷺ- وإعلامهم أنه لازم له، وإن لم يجدوا له نص حكم في كتاب الله يعني: الإمام الشافعي يوضح أيضًا هذا "وفي هذا تثبيت" ما معنى كلمة: تثبيت في كلام الشافعي؟ أي: دليل قاطع على الخبر يعني: عن وجوب العمل بالخبر عن رسول الله -ﷺ- تثبيت وتأكيد، وقطع بوجوب العمل به، دليل حتى هو اختار هذا العنوان للباب كله: الحجة في تثبيت خبر الواحد، لما قال النبي -ﷺ-: «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته إلى آخره يقول: لا ندري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه» ما معنى الحديث؟ يقول النبي -ﷺ- يخبرهم أن الحديث عن رسول الله -ﷺ- لازم لهم حتى إن لم يجدوا له نص حكم في كتاب الله.
وينتقل إلى دليل آخر: أخبرنا مالك هذا كلام الشافعي ﵀ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار: «أن رجلا قبل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك وجدا شديدا يعني: حزن الوجد هنا بمعنى: الحزن والألم- فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أم سلمة -أم المؤمنين ﵂- فأخبرتها فقالت أم سلمة: إن رسول الله -ﷺ- يقبل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها، فأخبرته فزاده ذلك شرا وقال الرجل: لسنا مثل رسول الله -ﷺ- يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول الله -ﷺ- عندها، فقال رسول الله -ﷺ-: ما بال هذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ فقالت أم سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرا، وقال لسنا مثل رسول الله -صلى عليه وسلم- يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله -ﷺ- وقال: والله إني لأتقاكم لله، ولأعلمكم بحدوده» ﷺ.
[ ٢٦٠ ]
الحديث في (مسند الإمام أحمد) حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار: أن الأنصاري أخبر عطاء أنه قبل امرأته إلى آخره، الهيثمي في (مجمع الزوائد) جز٣ ص١٦٦ حكم على هذا الحديث بأن رجاله رجال الصحيح هذا الحديث، ومضمونه ورد في الصحيحين عند البخاري -رحمه الله تعالى-، وعند الإمام مسلم من حديث عمر بن أبي سلمة أنه سأل الرسول -ﷺ-: «أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله -ﷺ- سل هذه لأم سلمة فأخبرته أن الرسول -ﷺ- يصنع ذلك، فقال يا رسول قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال رسول الله -ﷺ- والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له».
هذا في كتاب الصيام باب: المباشرة للصائم عند كل من البخاري ومسلم، إذن هو حديث صحيح بماذا يعلق عليه الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول في ذكر قول النبي -ﷺ-: «ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك» دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله؛ لأنه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي -ﷺ- إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لمن أخبرت، انظر لاستدلال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- بهذا الأمر أو بهذا الحديث أن النبي -ﷺ- قال لأم سلم: «ألا أخبرتيها» هل كان النبي -ﷺ- يطلب من أم سلمة أن تخبرها؟ وخبر أم سلمة ليس ملزما، وليس حجة، ولا يقوم به الدليل، أو لا تقوم به الحجة عند المرأة التي تقولها له.
هذا لا يقول به عاقل النبي -ﷺ- لا يأمر أن تخبر إلا إذا كان خبرها حجة يلزم من تلقاه بأن يعمل بمضمونه؛ لأنه خبره حجة نقلت عن رسول الله -ﷺ-.
[ ٢٦١ ]
الدليل علي حجية خبر الواحد من عمل الصحابة
أيضًا من الأدلة التي استدل بها الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ما رواه بسنده قال: أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: «بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت، فقال: إن رسول الله -ﷺ- قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة» هذا حديث رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب: الصلاة باب التوجه نحو القبلة حيث كان، وأخرجهم في مواطن أخرى من صحيحه أيضًا تزيد على العشرة حقيقة، وأنا أتتبع تخريجه، أحاديث" تحويل القبلة" رواه الإمام مسلم أيضًا في كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، وأحاديث تحويل القبلة وردت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، وعن البراء بن عازب، وعن غيرهما من الصحابة، مثلا من رواية البراء بن عازب في حديث ابن عمر أنهم كانوا يصلون الفجر في قباء فآتاهم آت، فأخبرهم أن النبي -ﷺ- أنزل عليه الليلة قرآن يخبرهم أنه قد تم تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، فبادروا وهم في الصلاة يعني: استجابوا لأمر النبي ﵊.
إذن هذا فعل الصحابة، وهذا إجماعهم على حجية خبر الواحد والعمل به تتمة المسائل في خبر الآحاد، وكذا متكاملة الشبه، والرد عليها، وإثبات حجيتها، ووجوب العمل بها كلها مسائل متكاملة، والأدلة تدل على مجموع ذلك، وبالمناسبة فإن قصة تحويل القبلة عجيبة في إثبات هذا الأمر هي فيها دروس كثيرة جدا لا ننتقل إليها لكن في الصحيحين أنهم يصلون في مسجد تحويل القبلة تم في ديار بني سلمة، والنبي -ﷺ- يزورهم، ثم انظر إلى الصحابة رضوان الله عليهم، واستجابتهم
[ ٢٦٢ ]
وإلى سرعة تلبيتهم، وهم يصلون في مسجد بني حارثة مر عليهم صحابي قال: أشهد أني صليت مع رسول الله -ﷺ- العصر فصلى نحو الكعبة، الصحابة وهم في الصلاة استداروا ١٨٠ درجة -كما يقول أهل الهندسة- من ناحية الشمال بيت المقدس بالنسبة للمدينة المنورة في الشمال، والكعبة المشرفة في الجنوب، والمدينة تقع بين الاثنين هم كانوا يتجهون نحو الشمال إلى بيت المقدس، لم يترددوا كان من الممكن ننتظر حتى نفرغ من الصلاة، ثم نسأل ما الخبر، وأيضا في هذه الحالة كانوا سيكونون قد عملوا بخبر الواحد، لكنهم - ننظر إلى سرعة التلبية - أتاهم صحابي مر عليهم حتى كأنهم لم يتبينوا من هو؛ لأنهم مشغولون بصلاتهم، يخبرهم يشهد على نفسه أنه قد صلى العصر مع النبي -ﷺ- في مسجده فصلى في مسجده أو في ديار بني سلمة؛ لأن تحويل القبلة مختلف فيه هل تم في صلاة الظهر أو في صلاة العصر، هو كان يقينا في ديار بني سلمة، فإن كان في الظهر، فالرجل الذي شهد بعد أن عاد النبي -ﷺ- إلى المسجد النبوي وصلى العصر.
أيًا ما كان الأمر تكرر مرتين: في مسجد بني حارثة تحولوا وهم في الصلاة، وعند الفجر لما وصل الخبر إلى قباء في الفجر نفس القضية.
وهذا في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر -﵄: «يصلون الفجر أو الغداة في قباء فأتاهم آت فأخبرهم أنه قد أنزل الليلة - أي الليلة الماضية - على رسول الله -ﷺ- قرآن يأمر بتحويل القبلة للكعبة كأنه يشير إلى آيات البقرة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (البقرة: ١٤٤) إلى آخره فتحول الصحابة أيضًا وهم في الصلاة» ١٨٠ مرة ثانية إذن سرعة تلبية، قبول لخبر الواحد في الأحكام وفي العبادات، والمعاملات بدون تردد لم ينتظروا حتى يتثبتوا ويقولوا من الذي جاء بالخبر إلى آخره.
[ ٢٦٣ ]
وهذا يرد على من زعم أن موقف أبي بكر، وموقف عمر في قضية الاستئذان، وميراث الجدة يدل على أن الصحابة لا يعملون بخبر الواحد ها هي القصص المتعددة تبين أنهم كانوا يسارعون إلى تلبية أمر النبي -ﷺ- بصرف النظر عن كونه واحدًا أو متواتر أو آحاد.
يعلق الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- على قضية تحويل القبلة فيقول: "وأهل قباءٍ أو قباءَ يعني يجوز التنوين، وكذا على خلاف في صرفها أو عدم صرفها، وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه، وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها".
نريد أن نتنبه إلى كلام الشافعي -رحمه الله تعالى- الذي يكتب بماء الذهب، هم كانوا على قبلة وهي بيت المقدس، الله تعالى فرض عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم به عليهم الحجة، ولم يلقوا رسول الله -ﷺ-، ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة، فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة النبي -ﷺ- سماعًا من رسول الله، ولا بخبر عامة، وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي -ﷺ- أو أنه حدثوا عنه عن تحويل القبلة.
كلام الشافعي أفكاره الرئيسة كالآتي: أهل قباء هم أهل سابقة من الأنصار، ومن الفكر يعني أهل سابقة وأهل فكر، هذه واحدة لو كان خبر الآحاد عندهم يتوقفون فيه كانوا قد توقفوا إذن فعلهم حتى بذاته حجة؛ لأنهم أهل سابقة وأهل فقه هذه مسألة.
ثانيًا: كانوا على قبلة فرضها الله عليهم، فرض الله عليهم استقبالها، لم يكونوا من قبل أنفسهم إنما هذه قبلة فرضها الله عليهم لا يجوز التحول عنها إلا بدليل آخر، هذه ليست لعبًا إنها عبادة وطاعة لله، نحن على قبلة إلى بيت
[ ٢٦٤ ]
المقدس بأمر الله ليس بأهوائنا، ولا من قبل أنفسنا - هذه اثنين لم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة لا يمكن أن يتركوا قبلة الله تعالى هو الذي تعبدهم بها إلى قبلة أخرى بدون دليل تقوم به الحجة عليهم - هذه ثلاثة ـ.
أربعة: هم لم يلقوا رسول الله -ﷺ- الذين كانوا في مسجد بني حارثة لكن الشافعي يتكلم عن الذين كانوا في قباء، ما معنى أنهم لم يلقوا رسول الله -ﷺ-؟ يعني هم لم يسمعوا من فيه الشريف مباشرة الأمر بتحويل القبلة، ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه من قرآن لو كان الأمر كذلك بأنهم سمعوا من النبي -ﷺ- وسمعوا القرآن سيكونون مستقبلين للقبلة بكتاب الله وسنة النبي -ﷺ- سماعًا من رسول الله، لكن هذا لم يحدث.
ننظر إلى كلمة بعد ذلك، ولا بخبر العامة يعني لم ينتقل لديهم الخبر بخبر العامة، خبر العامة في كلام الشافعي -رحمه الله تعالى- المقصود به: الخبر المتواتر هو يعبر عن الخبر المتواتر بخبر العامة أي: الذي رواه كثير وبخبر الآحاد يعبر عنه بأنه: خبر الخاصة أحيانا، ولا بخبر عامة، وانتقلوا بخبر واحد فقط هو خبر الآحاد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، وهو استقبال القبلة التي ببيت المقدس، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي -ﷺ- أنه أحدث عليهم من تحويل القبلة، ولم يكونوا ليفعلوه إن شاء الله - هذا كلام الشافعي - بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق.
خمسة: من الأفكار الرئيسة التي يستدل بها الشافعي الأول هم:
١ - أهل قباء أهل سابقة من الأنصار.
٢ - أهل فقه، أهل علم، أيضا القبلة التي كانوا عليها بفضل الله.
[ ٢٦٥ ]
٣ - لا يتركون هذه القبلة إلا بأمر من الله آخر، أو بأمر من النبي -ﷺ-.
٤ - هم لم يسمعوا النبي -ﷺ- مباشرة، ولم يسمعوا القرآن الذي أنزل عليه.
٥ - الذي نقل الخبر إليهم لم يكن خبر عامة، وإنما خبر واحد هو عندهم من أهل الصدق.
٦ - لم يكونوا ليفعلوا ذلك إلا لأنهم يعلمون أن الحجة تثبت بمثله عليهم إذا كان من أهل الصدق، ولا ليحدثوا أيضًا مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثًا.
٧ - هل يقبلون أن يفعلوا هذا الأمر العظيم؟ وهو تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة إلا أنهم يملكون الدليل على أنه يجوز لهم أو يجب عليهم أن يفعلوا ذلك، أيضًا لم يقابلوا النبي -ﷺ- لو فعلوا ذلك، وكان الخبر الواحد لا تقوم به حجة، فحين يقابلون النبي -ﷺ- سيقول لهم كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم عليكم به الحجة من سماعكم مني مباشرة، أو خبر عامة أو خبر متواتر، أو أكثر من خبر واحد عني، انظر إلى كلام الشافعي الكلام الدقيق العظيم: لو كانوا فعلوا وخبر الواحد ليس حجة عندهم لكان النبي -ﷺ- قد أقام عليهم الحجة كيف تتحولون عن قبلة كنتم عليها، وليس لكم أن تتركوها إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة؟.
وهذا العلم من سماعكم مني أو من خبر عامة أو على الأقل يرويه أكثر من واحد إن لم يصل إلى درجة التواتر لكن الذي جاءهم به واحد هذا دليل الإمام الشافعي يفصل ويوضح في أدلته أنه يبين أن الصحابة إجماع - لاحظوا أن هذا إجماع من الصحابة تكرر في مسجد بني حارثة، وفي مسجد قباء، وقبل كان النبي -ﷺ- يصلي بهم في ديار بني سلمة، وتحول بهم وهو في الصلاة، قد يقولون
[ ٢٦٦ ]
في هذا الأمر: الأول إن هذا فعل للنبي -ﷺ- وهم يقتدون به، لكن بمجرد أن نقل الخبر، وهم لم يروا ناقل الخبر، ولم يأتهم أكثر من واحد، ولم يأتهم خبر العامة كما قال الشافعي، ومع ذلك التزموا ولو لم يكن خبر الواحد حجة عندهم تقوم به الحجة عليهم في أمور عظيمة خطيرة: تحويل القبلة، وغيرها في العقائد، لكان رسول الله قد حاججهم على ذلك، ولكن ذلك لم يحدث، فدل على أن الجميع متفق على وجوب العمل بخبر الواحد.
هذه قضية مهمة، ولا ينبغي لكم أن تسمحوا أبدًا - نحن لا نقاتل بالسيوف نقاتل بالعلم بالأدلة - حين أقول: لا تسمحوا لا أقصد أننا سنحارب إننا نبين بالأدلة أن خبر الواحد حجة هذه قضية ثابتة بالقرآن والسنة نحن لم نتعرض لأدلة القرآن بعد لكن الإمام الشافعي يسوق أخبارًا، وهي موجودة في الصحيحين وأمامي الآن، وأنا أقرأ عشرات النقول من علماء الأمة، وقد أشرنا إلى بعضها سواء في قضية ثبوت خبر الواحد أو درجة العلم لم ينازع أحد في وجوب العمل بخبر الواحد أبدًا، ولا بالشبهات، ولا بالترهات التي أثارها البعض.
قصة تحريم شرب الخمر دليل على حجية خبر الواحد
أيضا يسوق الإمام الشافعي دليلا آخر من فعل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ففي قصة: شرب الخمر لما حرمها الله تعالى الإمام الشافعي يقول: أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: «كنت أسقي أبا طلحة، وأبا عبيدة بن الجرح، وابن الجراح، وأبي بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر، فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت».
هذا الحديث أيضا مروي في الصحيحين في تحريم الخمر، وفي الحدود في حد شارب الخمر إلى آخره يذكرون الأدلة عند البخاري، وعند مسلم - رحمهما الله تعالى.
[ ٢٦٧ ]
القصة واضحة أنس بن مالك هو: ابن أم سليم، وأم سليم كانت زوجًا لأبي طلحة -رضي الله تعالى عنه- الأنصاري، يعني نتصور المشهد كأنه جلسة عائلية، أبو طلحة جالس مع بعض أصحابه: أبو عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب -رضي الله عن الجميع- يشربون شرابا من فضيخ الفضيخ: يعني هو: البسر نوع من التمر يعني مشدوخ: مفرغ من النوى وصنع خمرا، ومن تمر أيضا، فجاءهم آت في بعض الروايات: «نادى في المدينة مناد إن الله قد حرم الخمر» أبو طلحة ورفاقه يشربون كان من الممكن أن يقولوا: قم يا أنس انظر ما الخبر، ومن الذي يقول: إن الخمر قد حرمت، لاحظ أنهم يشربونها؛ لأنها لم تحرم إذن هي لهذه اللحظة حلال، وما كان للصحابة رضوان الله عليهم أن يفعلوا أمرًا قد حرمه الله، إذن هم يشربونها؛ لأنها لم تكن حرمت، وفي جلسة فيها صداقة كان من الممكن أن يقولوا: انظر يا أنس ما الخبر؟ من الذي يقول؟ هل هو ثقة؟ هذا كلام لم يحدث بالمرة، إنما قم يا أنس إلى هذه الجرار أي: جمع جرة الأواني المصنوعة من فخار أو غيره التي يصنعون فيها الخمر، قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا يعني: حجر كأنه إناء منقور من وسطه يتوضأ منه، ويدق فيه يقولون في وصفه: هو حجر منقور: مفرغ من وسطه كأنه مثل: الهون الذين يطحنون فيه مثلا الكحل، أو أي مادة يريدون أن يطحنوها هو الآن مصنوع من النحاس أو ما شاكل ذلك، لكن في القديم كان مصنوعًا من الحجارة مفرغ من داخله يدقون فيه ما يريدون أن يدقوه، وقد يضعون فيه ماء؛ ليتوضئوا منه، هذا هو المهراس قام أنس، فأخذ المهراس وضرب الجرار بالمهراس حتى تكسرت.
يعلق الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- على هذه الرواية فيقول: "وهؤلاء أي: أبو طلحة وأبو عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب -﵃ جميعا، وهؤلاء في العلم والمكان من النبي -ﷺ- وتقدم صحبته بالموضع الذي لا ينكره عار".
[ ٢٦٨ ]
أيضًا أريد أن أضع أرقامًا لمزيد من التوضيح، هذه واحدة، هؤلاء صحابة كرام لهم منزلة سامية عالية في العلم، وفي القرب من النبي -ﷺ- ويكفي أن فيه مثلا أبا عبيدة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأبو طلحة، وأبي بن كعب الذي أمر النبي -ﷺ- أن يقرأ القرآن عليهم إلى آخره، ويقول الشافعي أيضًا، وقد كان الشراب عندهم حلالا يشربونه، فجاءهم آت وأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة وهو مالك الجرار بكسر الجرار، ولم يقل لا هو ولا هم ولا واحد منهم: نحن على تحليلها أي: على حلها الخمر حتى نلقى رسول الله -ﷺ- مع قربه منا.
يعني لم ينقل عن واحد منهم، ولا عنهم مجتمعين أنهم قالوا: سنظل نشربها حتى نلقى الرسول -ﷺ- ونسمعه منه، ولقاؤه ليس بعيدا نحن نسكن في نفس البلد التي هو فيها، وليس هذا فحسب، بل بيننا وبينه خطوات المدينة لم تكن كبيرة في ذاك الزمان، أو يأتينا خبر عامة يعني أو أن ينقل الأمر بخبر متواتر يعني لم يقولوا: سنظل نشرب حتى نلقى الرسول -ﷺ- ونسمع منه، ولم يقولوا: لم نمتنع؛ لأن الخبر لم يأتنا كخبر عامة أي: خبر متواتر وإنما خبر حال، وإنما مباشرة، كسروا الجرار وامتنعوا عن الشرب.
يقول الشافعي ﵀: "وذلك لأنهم لا يهرقون حلالا إهراقه سرف، وليسوا من أهله" يعني: لو أن الخمر حلال وأراقوها بدون التثبت لكانوا قد أراقوا مالًا حلالا، وإراقة الحلال سرف لا يقع فيه مثل هؤلاء الأجلاء من الصحابة.
أيضًا هم لم يقولوا: أن الرسول -ﷺ- أخبرهم أو أننا لن ندع حتى يخبرنا ونسمع منه أيضا لم ينقل أن النبي -ﷺ- نهاهم، لماذا فعلتم ذلك؟ ولم ينقل إليكم خبر مني - كما قلنا في القصة السابقة في تحويل القبلة - إنما يعلمون أن الحجة تقوم عليهم بهذا
[ ٢٦٩ ]
الخبر الذي ليس بخبر عامة على حد تعبير الشافعي -رحمه الله تعالى- والذي يدل على تحريم الخمر، ولم حتى يستفصلوا أو يفسروا أو يتلكئوا أو يتأخروا، لن نقول حتى يلقوا النبي -ﷺ- حتى يتأكدوا من المخبر؟ وماذا يقول؟ ما دام سمعوا وعلموا أن الخبر أسند للنبي -ﷺ- وتأكد إليهم صدقه بدون تردد أراقوا الخمر.
لقد كان هذا شأن الصحابة -رضوان الله عليهم- في كل شأن من شئون حياتهم كما نرى مر بنا في تحويل القبلة، مر بنا في قصة الخمر في مواقف كثيرة بمجرد أن يبلغهم الخبر عن النبي -ﷺ- يقولون: سمعنا وأطعنا، مر بهم في قضية الطاعون، والعياذ بالله - وقانا الله جميعا ووقى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها - بمجرد أن أخبرهم المخبر، وهو عبد الرحمن بن عوف عن النبي -ﷺ- أنه لا يدخل أحد ولا يخرج أحد امتثلوا، وعشرات الأدلة تدل على ذلك، وكل هذا بخبر واحد وليس بخبر عامة.
أيضًا يستدل الشافعي -رحمه الله تعالى- بالحديث الذي هو معروف عند المحدثين بأنه حديث: العسيف، أو كان ابني عسيفا عند هذا فزنى بامرأته، فهذا في الصحيحين في كتاب: الحدود باب حد الزنا عند البخاري، وعند مسلم - رحمهما الله تعالى - من رواية أبي هريرة وأبي زيد الجهني، يقول الصحابي: «إن ابني كان عسيفا عند هذا، فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني مائة شاة ووليدة، فافتديت ابني بمائة شاة ووليدة. حتى جاء النبي -ﷺ- » يعني: سأل بعض الناس ماذا أفعل؟ وقد زنى ابنه بامرأة الصحابي الذي كان يعمل عنده أو بامرأة الرجل الذي كان يعمل عنده؟ أخبره من أخبره أن من الممكن أن يفتدي نفسه بجريمة الزنا بأن يتصدق بمائة شاة وبوليدة، يعني: فتاة جارية أمة حديثة السن صغيرة، رفع الأمر إلى النبي -ﷺ- طبعا أبطل هذا الحكم؛ لأن الولد عليه
[ ٢٧٠ ]
جلد مائة؛ لأنه لم يكن محصنًا، لم يكن قد تزوج، وقال النبي -ﷺ- لأنيس الأسلمي صحابي جليل: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها»، غدا أنيس إلى المرأة بمفرده ينفذ أمر النبي -ﷺ- سيسألها سؤالا هل ما قاله الشاب أو أبوه في شأن زناكي معه ثابت؟ اعترفت المرأة فرجمها لم تقل ولم يقل أحد لا لن نقيم الحد حتى يأتينا الخبر المتواتر عن النبي -ﷺ- إلى آخره كما نرى.
عشرات الأدلة ساقها الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ونحيل على هذا الموطن في من كتابه: (الحجة في تثبيت الخبر الواحد) وفي الحقيقة أن الشافعي -رحمه الله تعالى- كان عمدة لكل من تكلموا في هذا الأمر.
الأحاديث كثيرة جدا ذكرها الإمام الشافعي وغيره في: العقائد، في الأحكام، في عمل الصحابة في الصحيحين حديث معاذ بن جبل في كتاب: الإيمان عند البخاري ومسلم «أن النبي -ﷺ- بعثه إلى اليمن إنك تأتي قومًا أهل كتاب ماذا تطلب منهم: أن يشهدوا ألا إله إلا الله، وأني رسول الله»، هذه عقيدة ذهب بها رجل واحد، ثم «فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة»، هذا حكم من الأحكام في العبادات «فإن هم أطاعوا لذلك، فأخبرهم أن الله تعالى قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم».
عندي الحديث تضمن عقيدة، وتضمن أحكاما شرعية، ثم بقية الحديث بسرعة «قال وإياك وكرائم أموالهم» يعني: إذا أخذت الصدقة فلا تأخذها من كرائم الأموال يعني: من أعزها وأنفسها خذها من الوسط إلا إن طابت نفوسهم بأن يعطوك من أكرم الأموال وأنفسها لكن المطلوب شرعًا هو الوسط من الأموال
[ ٢٧١ ]
الذي ليس رديئًا والذي ليس في أعلى درجات الجودة؛ لينتفع به أصحابه إلا أن تطيب نفوسهم كما قلنا: هذا حكم شرعي على كل حال لكن محل الشاهد أن الذي ذهب بالأمر في العقيدة والعبادات «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» الذي ذهب بها واحد، وهو معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه.
أيضًا الرسل الذين أرسلهم رسول الله -ﷺ- إلى ملوك الأرض ورؤسائها يدعوهم إلى الإيمان، قد بعث إلى كسرى عظيم الفرس، وبعث إلى هرقل عظيم الروم، وبعث إلى المقوقس عظيم مصر، وبعث إلى النجاشي عظيم الحبشة إلى آخره بعث إليهم يدعوهم إلى الإسلام لو كانت الحجة لا تقوم بخبر الواحد هل كان النبي -ﷺ- سيرسل واحدًا فقط؛ ليبلغ دين الله، وهم لم يروا النبي -ﷺ- ولم يسمعوا منه وتقوم الحجة عليهم بذلك، وإن هم رفضوا أصبحوا كفارًا ودخلوا النار هرقل وكسرى ومن حولهم هل ستقوم عليهم الحجة بخبر الواحد؟ كما يزعم الزاعمون والنبي -ﷺ- يرسل إليهم واحدًا بالعقيدة إن هم خالفوه وأصروا على طغيانهم سيكونون من أهل النار والعياذ بالله، ما هذا؟ كيف يفهمون الأدلة؟
واضح جدًا بعث رسلا كل واحد بمفرده إلى ملوك الأرض ورؤسائهم يدعوهم إلى الإسلام، وهذا معروف عند علماء الأمة بأنه عام الرسائل في عام سبعة هجرية بعد صلح الحديبية، وبعد أن أمن الناس النبي -ﷺ- انطلق بالدعوة إلى الآفاق العالمية أو ابتدأ في ذلك إلى آخره.
فالنبي -ﷺ- بعث رسلا كل واحد بمفرده إلى ملك يدعوه إلى الإسلام، وأرجو أن ننتبه يدعو الملك والأمة واحد فقط، وهذه الدعوة ستقوم بها الحجة عليهم هذا الأهم، بمعنى أنهم ما دام قد علموا بأمر النبي -ﷺ- إن هم أطاعوا أصبحوا من المؤمنين، وإن أصروا على موقفهم هم لا يزالون كفارًا وسيحاسبون قبل بلوغ الدعوة لم يكونوا من أهل التكليف، أما بعد بلوغ الدعوة فقد أصبحوا من أهل التكليف.
[ ٢٧٢ ]
أيضًا النبي -ﷺ- يبعث أبا بكر، وهو واحد، ويؤمره عليهم في عام الحج في سنة تسعة، والحديث في الصحيحين في الحج من أول أن فرض الله تعالى الحج أرسل أبا بكر وعلمهم الحج وحج بهم إلى آخره.
هؤلاء قوم الصحابة كانوا مع أبي بكر، وأناس من الأعراب كانوا مع أبي بكر، وهو يحج بهم ويؤدي معهم، وتقوم الحجة عليهم بولاية أبي بكر ﵁ عليهم وبفعله أمامهم وهو رجل واحد بعثه النبي -ﷺ.
أيضًا من الأدلة التي ذكرها الإمام الشافعي أنه بعث أمراء سرايا، وهذا موجود عند البخاري ومسلم أيضًا في كتاب: المغازي غزوة مؤتة بعث مولاه زيد بن حارثة، وولاه القيادة في أول الأمر، فإن أصيب فجعفر، فإن أصيب فابن رواحة، فهل كان الصحابة ينفذون الأمر؟ وهو لا تقوم عليهم بهم حجة؛ لأنه خبر واحد، ونفذوا أمر النبي -ﷺ- إن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب فابن رواحة، والثلاثة أصيبوا، وولى المسلمون أمرهم بعد ذلك، أو أسندوا أمرهم إلى خالد بن الوليد -رضي الله تعالى- عنه إلى سيف الله الذي سله الله تعالى على الكفار.
لقد بعث النبي -ﷺ- في دهر واحد كما يقول الشافعي ﵀ أي: في وقت واحد اثني عشر رسولا إلى اثني عشر ملكا يدعوهم إلى الإسلام، ولم يبعثهم إلا لمن قد بلغتهم الدعوة، وقامت عليهم الحجة بهذا البعث أو بهذا الرسول الذي جاء من عند رسول الله -ﷺ- يعني: عشرات الأدلة، وسار المسلمون على ذلك بعد هذا استخلفوا أبو بكر، واستخلف أبو بكر عمر، ثم استخلف عمر أهل الشورى؛ ليختاروا واحدًا من بينهم.
والولاة والقضاة يقضون بالأمر بالشرع تنفذ أحكامهم، والناس يسمعون لهم ويطيعون يسمعون لولي الأمر وهو واحد أبو بكر وعمر وإلى يوم القيامة،
[ ٢٧٣ ]
ويسمعون للقضاة والحكام وهم واحد حين تنفذ الأحكام، وتقام الحدود ويؤمر الناس بأوامر الشرع وبنواهيه، ويستجيبون لكل ذلك ويقولون: سمعنا وأطعنا بدون تردد، وكل ذلك بأخبار الآحاد.
الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- عقد كتابًا في صحيحه أنا تركت أدلة كثيرة من التي ذكرها الإمام الشافعي، وأنا قلت: أن الحديث سيحتاج إلى أكثر من ذلك لكن سنكتفي بهذا، والإخوة الذين يتلقون الآن من الممكن أن يرجعوا إلى هذه المصادر؛ ليستكملوا عدتهم للموضوع، ويحيطوه من كل جانب، وما ذكرناه إن شاء الله فيه كفاية بإذن الله رب العالمين، ويفتح الباب لمن أراد أن يبذل مزيدًا من الجهد للتوسع في الأمر.
لاحظنا في أدلة الإمام الشافعي اشتمالها على حجية خبر الآحاد في العقائد، وفي الأحكام، وفي كل أمور الإسلام، وفي السرايا، وفي غير السرايا، وأن الصحابة كلهم انعقد إجماعهم على ذلك واستجابوا وامتثلوا، وأن الأمة كلها كذلك عند البخاري -رحمه الله تعالى- في الباب رقم ٩٥ في جزء ١٣ من كتاب: (فتح الباري) سماه: كتاب: أخبار الآحاد باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في: الأذان، وفي الصلاة، وفي الصوم، في الفرائض والأحكام، وقول الله ﵎: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
الأول: ننظر (الكتاب) اسم الكتاب عند البخاري: كتاب أخبار الآحاد، أول باب فيه باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق أي: الثقة يعني الصدوق في هذا السياق الذي نصدقه ونطمئن إلى سلامة خبره في: الأذان والصلاة والصوم والفرائض والعقائد والأحكام، ويستدل البخاري -رحمه الله تعالى- ويقول: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) هنا يقول هذه طائفة ستتعلم، وتنذر قومها "الطائفة" في لغة العرب تعني الواحد، وتعني الجماعة يعني تنطبق على الواحد، وتنطبق على الجماعة بعكس ما قد يتبادر إلى الأذهان من
[ ٢٧٤ ]
أنها تنطبق على الجماعة فقط، ويستدلون على انطباقها على الواحد بقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات: ٩) بإجماع الأمة - وأرجو أن ننتبه إلى ذلك - هذا الحكم ينطبق على المتقاتلين حتى لو كانوا واحدًا أمام واحد علينا أن نسعى للصلح بينهما ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) إذن من الممكن أن يكون المتقاتلان رجلين واحد في كل ناحية، ومن الممكن أن يكون أكثر من واحد، لكن لم يبلغوا الجماعة، فالحكم ينطبق عليه مما يدل على أن الطائفة تطلق على الواحد وعلى الاثنين وعلى الجماعة، فحين يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (التوبة: ١٢٢) علينا أن نسمع لهم ونطيع يرجعون إلى قومهم بعد أن يتعلموا، وبعد أن تفقهوا في الدين؛ لينذروا قومهم وليعلموهم أمور دينهم، وعلينا أن نسمع لهم وأن نطيع وهم واحد أو أكثر في إطار خبر الآحاد.
أيضًا الله ﵎ يقول في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦) يطلب منا التوقف والتثبت في قبول خبر الفسخ، فسبب التوقف في قبول خبره أنه فاسق، وليس لأنه واحد، والمفهوم من نص الآية أنه لو كان عدلا لقبلنا خبره يعني: لم يقل الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم واحد بنبأ فتبينوا" إنما قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾، فعلة التوقف في خبره هي: فسقه، أما أنه واحد عدل هذا مفهوم الآية، فيقبل خبره.
هذه أدلة من القرآن الكريم بعض الأدلة على أن القرآن والسنة، وعمل النبي -ﷺ- وعمل الصحابة، وإجماع الأمة كلها تدل على حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به بصرف النظر عما ناقشناه من قضية هل يفيد الظن أو يفيد القطع؟ هذه قضية تتعلق بالثبوت ولا تتعلق بوجوب العمل.
[ ٢٧٥ ]
عشرات الأدلة، أصدق ذو اليدين؟ النبي -ﷺ- خلاص ما دام صدق نصلي ونتم صلاتنا إلى آخره، إذن هذه بعض شبههم التي أثاروها، وهذه بعض الأدلة التي رددنا بها عليهم بعد أن بينا شبههم، أو بعض شبههم التي أثاروها، وعلى ذلك تستطيع أن تقيس بقية الشبه، وهي بصدق الإيمان ليست ضعيفة متهافتة، والباعث عليها هو نوع إما من عدم الفهم، أو سوء القصد تجاه السنة، وتجاه الإسلام، ونسأل الله ﷿ أن يبرأنا، ونخلص من كل ذلك إلى أننا ندين الله تعالى بأن خبر الآحاد الصحيح والحسن حجة علينا في عقائدنا، وفي أعمالنا، وفي عباداتنا، وفي أحكامنا، وتشريعاتنا، وأنه متى ثبت الخبر وجب العمل به، ولا يسعنا إلا أن نعمل به إلا أن يكون هناك مانع شرعي يمنع من العمل به كالنسخ وما إلى ذلك.
هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٢٧٦ ]