[ ٢٧٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع عشر
الرواية باللفظ
التعريف بالرواية، وأركانها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنتكلم عن الرواية بالمعنى وعن الشبهات المثارة حولها.
الرواية بالمعنى ثار حولها كلام أثارته بعض الجهات المعادية للسنة، وسنرد بإذن الله -﵎- على الشبه المثارة حولها،
تعريف الرواية:
الرواية في اللغة: روي من الماء، نقول: روي من الماء يعني: شرب منه، روي على وزن رضي، والمصدر ريًّا ورِيًّا، ونقول: روى وتروَّى وارتوى، كلها بمعنى واحد، والراوية بالتاء المربوطة التي جاءت للمبالغة هي الآنية المزادة التي يجمع فيها الماء، القِربة مثلًا، ونقول: روى الحديث يروي، المصدر رواية، وهناك بالنسبة للشرب كان رَيَّا ورِيًّا، هنا بالنسبة للرواية روى الحديث يرويه روايةً، ويوصَف الرجل يقال: راوية، أيضًا هذه جاءت للمبالغة، الراوية لفلان من الشعراء مثلًا، أو راوية فلان إلى آخره، وروى البعير الماء يعني حمله -حمل الماء- على ظهره.
ثم أطلقت الرواية على كل دابة يستقى بالماء عليها من البعير وغيره، مثل الحمار والبغل والخيل ونحوها، ومن هنا نقول: روى الحديث يعني حمله، ونقله إلى غيره؛ فالرواية تعني أنه قد حمل الحديث، ثم نقله إلى غيره، لو لم ينقله إلى غيره لا يقال عنه: إنه رواه، ولذلك نرى الرواية قد مرت بطورين: طور التحمل، وهو الأخذ من الشيوخ أو عن الشيوخ أولًا، ثم طور الأداء وهو الأداء الحديث إلى غيره، يعني في المرحلة الأولى تحمله عن شيوخه وفي المرحلة الثانية أداه إلى تلاميذه.
[ ٢٧٩ ]
والخلاصة: أن المادة "روى" تأتي بمعنى الحمل والنقل، تأتي بمعنى الإسقاء والإرواء من الماء، تأتي بمعنى الشرب من الماء، في اصطلاح المحدثين: هي نقل الحديث وإسناده إلى مَن رواه، نقل الحديث وإسناده يعني: عزوه أو نسبه إلى من رواه، أنا رويت الحديث يعني: تحملته عن شيخي، وإن كان شيخي له سند إلى منتهى الحديث إلى النبي -ﷺ- مثلًا فأنا أقول أيضًا: شيخ شيخي وشيوخه إلى أن أصل إلى النبي -ﷺ- فأنا رويت الحديث يعني تحملته، ثم نقلته إلى غيره مع إسناده إلى مَن أخذته عنه، إلى مَن روي عنه الحديث.
لا يقال: إني رويت الحديث لو أني اكتفيت بتحمله فقط أنا لم أؤده إلى غيري، فلا يقال: إني رويته لغيري، ولا يمكن أيضًا رواية الحديث إلا بعد تحمله، فالجناحان -أي: جناحا الرواية- كلاهما يكمل بعضهما للآخر، ولا يمكن أن يقال: إن هناك رواية من غير أن يكون هناك تحمل وأداء.
الرواية في الاصطلاح هي: نقل الحديث وإسناده إلى مَن رواه أو إلى مَن عزي إليه، أو نسب إليه بصيغة من صيغ الأداء المعروفة عند المحدثين.
المحدثون عندهم مبحث مهم جدًّا جدًّا يدل على دقة متناهية في كيفية تحمل الحديث وكيفية أدائه، نحن أهل الحديث -بفضل الله -﷿- الذين شرفهم الله تعالى بالانتساب لهذه المدرسة- كل شيء عندنا منضبط منظم بخطوات، وكل خطوة عليها أدلتها الشرعية، نحن لا نتلقى أي نوع من أنواع التلقي ولا نؤدي بأي طريقة كانت، لا نحن منضبطون، لنا طرق للتحمل وطرق للأداء، أو هي طرق التحمل والأداء، مبحث من مباحث علوم المصطلح، العلماء حصروا الأداء والتحمل في ثمانية أنواع: السماع من لفظ الشيخ، والقراءة على الشيخ،
[ ٢٨٠ ]
والإجازة من الشيخ، والمكاتبة، والوصية، والوجادة والإعلام إلى آخره، وكل طريق من طرق التحمل له ألفاظ يؤدى بها.
فلو أنني مثلًا أعطيت تلميذي كتابي الذي جمعت فيه الأحاديث التي رويتها وقلت له: أجزتك رواية الأحاديث التي في هذا الكتاب عني، هل يجوز له مثلًا أن يقول: سمعت شيخي فلانًا يقول كذا؟ لا، لا يستعمل لفظ السماع هنا؛ لأن التلقي لم يكن بواسطة السماع، يعني: أريد أن أقول: لأن هذا مبحث آخر غير الذي نتكلم فيه الآن إنما له صلة بما نعرفه -يعني: بتعريف الرواية- وهو أن التحمل والأداء مبحث هام جدًّا عند علماء الحديث، وتفصيلاته تؤكد ذلك الانضباط العظيم وتلك الدقة المتناهية، وهذا الحرص الشديد على السنة، وكيفية تلقيها، وحصروها في ثمانية طرق كما ذكرنا، ولكل طريق ألفاظه التي يؤدى بها.
والخلاصة: أن الرواية في اصطلاح المحدثين هي نقل الحديث وإسناده إلى من رواه، أو عزي إليه، ويكون ذلك بصيغة من صيغ الأداء المعروفة عند المحدثين، مثل: حدثنا، أو سمعت، أو أخبرنا، أو أنبأنا، أو أجازنا، أو نحو ذلك من التفصيلات التي يرجع إليها في علم المصطلح.
الرواية لها ركنان: التحمل، والأداء، التحمل: هو أن يأخذ التلميذ الحديث من شيخه، والأداء هو أن يؤدي الشيخ الحديث إلى تلميذه، يعني: عملية تبادلية، يعني: أنا أخذت الحديث من شيخي، فأنا متحمل وشيخي مؤدي، ثم نقلت الحديث إلى تلاميذي فأنا مؤد وتلاميذي متحملون عني، هذان هما الركنان في الرواية. وكما ذكرت منذ قليل فإن مبحث التحمل والأداء جدير بأن ندرسه، وأن نعتني به، وأن نفهمه؛ لأننا سنزداد احترامًا وحبًّا وتقديرًا لمدرسة الحديث وطلابها، وسنلمس عن قرب بالتحام شديد الجهد المبذول في صيانة السنة الشريفة،
[ ٢٨١ ]
وحمايتها من أي دخيل بزيادة، أو نقص، أو تحريف، أو تغيير، أو تبديل، كل ذلك مستحيل في ظل القواعد التي وضعها العلماء لضبط أحوال الرواية، ولضبط أحوال الراوي والمروي، ومن ها مبحث التحمل والأداء الذي أشرنا إليه.
أهمية الرواية، وأقسامها
أهمية الرواية:
هي أنها إحدى الطرق الهامة في تحصيل العلم، يعني: أنا أحصل العلم مثلًا بالقراءة من الكتب، أنا أحصل العلم بسماع الشريط المرئي أو المسموع مثلًا، أنا أحصل العلم عن طريق الحواس: شممت، لمست، تذوقت، رأيت، سمعت، الحواس السليمة، كل هذه من وسائل تحصيل العلم، الرواية واحد من أهم طرق تحصيل العلم، بمعنى: أنك تتلقى الحديث أو العلم، يعني: ليست الرواية مقصورة على رواية الحديث فقط، إنما هي تشمل كل التلقي أو كل صورة من صور التلقي عن الشيوخ، لو أنه مثلًا يشرح لك درسًا في الفقه، أو درسًا في الأصول، أو درسًا في التفسير، أو في مباحث علوم القرآن، أو ما شاكل ذلك، فهذا نوع من التلقي، أنت لو نقلته إلى غيرك فقد تكاملت عناصر الرواية من تحمل ومن أداء.
إذًا الرواية مهمة جدًّا جدًّا؛ لأنها من أهم طرق تحصيل العلم، هناك أناس أميون لا يقرءون ولا يكتبون، لكنهم يسمعون من المشايخ، ويستوعبون جيدًا عن أهل العلم، خصوصًا إذا كان يتقن اللغة العربية مثلًا في الزمان الثالث كان من الممكن أن لا يقرأ ولا يكتب لكنه يفهم اللغة العربية جيدًا بالسليقة، أو بالتعليم عن
[ ٢٨٢ ]
طريق السمع، أو ما شاكل ذلك؛ فمن الممكن أن يحصل العلم عن طريق السماع من الشيوخ من غير أن يقرأ في كتاب مثلًا، أو من غير أن يسمع شريطًا وما شاكل ذلك.
إذًا أهمية الرواية في أنها واحدة من طرق تحصيل العلم، وبالنسبة للحديث خاصة فإن الرواية قامت بدور مهمة جدًّا جدًّا في صيانة السنة والحفاظ عليها، وتناقلها عبر الأجيال المتعاقبة من لدن قالها رسول -ﷺ- إلى أن أودعت بطون الكتب التي نعرفها من كتب السنة، مثل (صحيح البخاري) و(مسلم) وغيرهما من كتب السنة العديدة المشهورة.
إذًا أهميتها بشكل عام هي طريق من طرق تحصيل العلم، وطريق هام جدًّا، وأيضًا هي بالنسبة للسنة بالذات قامت بدور خطير جدًّا في الحفاظ على السنة وفي صيانتها وفي حفظها، إلى أن وصلت إلينا إن شاء الله رب العالمين نقية جلية خالية من كل شبهة بفضل الله تعالى.
الرواية لها أقسام: إما أن تكون متصلة وإما أن تكون منقطعة؛ فالرواية المتصلة هي ما اتصل سندها من أول الراوي إلى منتهى الخبر، لو أنني أتكلم عن الأحاديث النبوية سيكون منتهى الخبر هو خير الخلق -ﷺ- الذي انتهى إليه الخبر، الرواية المتصلة أن أقول مثلًا: حدثني فلان عن فلان عن فلان إلى أن ينتهي الإسناد إلى رسول الله -ﷺ- لأننا نقول: إن الرواية تشمل نقل الأخبار كلها؛ فهي لا تقتصر على الأحاديث فقط، فتكون الرواية متصلة هي ما اتصل سندها من أول الراوي الأخير إلى الأعلى الذي انطلق الكلام من عنده سواء كان هذا الكلام حديثًا نبويًّا، أو كان خبرًا آخرَ غير الحديث النبوي. إذًا هذه الرواية المتصلة.
[ ٢٨٣ ]
وقد تكون الرواية منقطعة إذا حدث خلل في الإسناد ما بين الراوي الأخير وما بين مصدر الخبر من أعلى، كأن يكون سقط واحد من أول الإسناد، أو من وسط الإسناد، أو سقط اثنان، بالنسبة للحديث سقط الصحابي وهو الذي يسميه العلماء المرسل، فالتابعي يقول: قال رسول الله -ﷺ- فهذه رواية منقطعة، وأنواع الروايات المنقطعة أنواع كثيرة، نرجع إليها في علوم الحديث، وخلاصتها أن الرواية إما أن تكون متصلة وإما أن تكون منقطعة.
مميزات وخصائص الرواية
إن للرواية في الإسلام مميزات وخصائص تنفرد بها عن كل أنواع الروايات قديمًا وحديثًا، خصائص الرواية التي تميزت بها في الإسلام لا توجد عند أمة من الأمم، لا من قبل ولا من بعدُ؛ فهي خصائص غير مسبوقة وغير ملحوقة، ونقول ذلك بكل الثقة وبكل التواضع وبكل اليقين.
وهذه المميزات للرواية في الإسلام نشير إلى بعضها؛ فنقول مثلًا: الإسلام حرم الكذب في حديث الناس، وأي كاذب ينقل الأخبار مخالفة للواقع فهو آثِم، والكذب من الكبائر الفاحشة: «ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» إلى آخر ما نعلمه من تكذيب الحديث دينيًّا. ليس من تحريم الكذب في الحديث دينيًّا، كلمة "دينيًّا" تضيف إليه بعدًا هامًّا، الذين يشمئزون من الكذب لمجرد أنه نقيصة أخلاقية، هذا غير كافٍ في الابتعاد عنه، فقد تضطره الظروف أحيانًا إلى الكذب، أما أن يكون الأمر عقيدةً وعبادةً ويتوقف عليها وتحصل على حسنات، أو تكتسب سيئات -والعياذ بالله- فالمسألة تأخذ بعدًا آخر.
قد يقول قائل: إن الإنسانية كلها تشترك في ذم الكذب، نعم، لكن هناك فرق بين أن يصدر هذا الذم عن عقيدة تحرمه، أو عن فلسفة اجتماعية مثلًا تدعو للصدق
[ ٢٨٤ ]
وتنهى عن الكذب، وإلى أنه مجرد فضيلة خلقية إذا تحلى بها صاحبها فقد اكتسب صفة طيبة، وإذا انتهى أو امتنع عنها أو لم توجد فيه فالأمر ليس خطيرًا؛ لأنه ليس عبادة وليس عقيدة، ولا شيء من هذا القبيل، ولا الأمر يتعلق بالجنة أو النار لا من قريب ولا من بعيد، عندنا في الإسلام الرواية أول سمة من سماتها: أن الإسلام حرم الكذب، حرم الكذب في حديث الناس بشكل عام، أن تنقل عني كلامًا لم أقله، وأن تنسب إليَّ ما لم أفعله مثلًا إلى آخره.
والذي يتهم فلانًا بأي نوع من أنواع الاتهامات كذبًا، هناك عقوبات مقررة في الإسلام شرعًا، يعني: المسألة ليست هينة، حين يتهم فلانٌ فلانًا بالزنا مثلًا -والعياذ بالله- إذا لم يأتِ بالدليل على ذلك سنقيم عليه حد القذف إلى آخره.
تفصيلات كثيرة جدًّا تؤكد هذا السمو الذي لا يوجد إلا في الإسلام.
ويشتد الكذب ويفحش إذا كان متعلقًا برسول الله -ﷺ- يعني: الكذب بشكل عام فاحشة كبيرة لكنه يكون أشد فحشًا وأعظم خطرًا وأنكى على صاحبه إذا كان هذا الكذب متعلقًا برسول الله -ﷺ- وفي الحديثين من حديث أبي هريرة وغيره من جملة من الصحابة: «مَن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» والحديث الآخر عند مسلم في مقدمته: «إنَّ كذبًا علي ليس ككذب على أحد» نعم، الكذب على النبي -ﷺ- ليس مثل الكذب على أي أحد من الناس؛ لأن الكذب على النبي -ﷺ- كذب في التشريع -في الدين- إما بالزيادة منه وإما بالنقص منه، وكلا الأمرين على خطر عظيم.
لذلك اهتم المسلمون جدًّا بالرواية، بقوانينها المتسعة وتفصيلاتها الكثيرة التي تعطينا في النهاية روايةً صادقةً، فالمسلمون عندهم الكذب محرم، ومحرم تدينًا وعبادةً، وليس مجرد انحدار خلقي فحسب، والكذّاب يكتب عند الله كذّابًا،
[ ٢٨٥ ]
يعني: يكفي عند الإمام الترمذي في سننه وحسنه: «إذا كذب العبد ابتعد الملك عنه ميلًا من نتن ما جاء به» والعياذ بالله، يعني: كأن الكذب تنتج عنه رائحة كريهة، تخرج من فم الكاذب، فيتأذى بها الملك الموكل به، فيبتعد عنه بمسافة ميل، والمسافة هنا ليس المراد منها التقدير الدقيق بالمسافة، وإنما المراد أن الملك يشمئز منه، فيبتعد عنه مسافة كبيرة، قد لا يكون التحديد بالميل مقصودًا لذاته، إنما المقصود أنه يشمئز ويتقزز فينصرف بعيدًا عنه؛ لنتن ما جاء به من الكذب.
هذه الأحاديث والأدلة تبين خطورة الكذب، وكما قلت يشتد الأمر إذا كان الكذب متعلقًا بحديث رسول الله -ﷺ- ولذلك كان الاهتمام البالغ بتصحيح الأخبار وتصديقها ومطابقتها إلى الواقع.
أيضًا من خصائص الرواية في الإسلام: البحث عن مطابقتها للواقع من عدمه حتى يتبين صدقها من كذبها، ونحن نعلم أن آفة الأخبار هي رواتها، يعني: الخبر في حد ذاته قولٌ يحتمل الصدق والكذب، محمد سافر هذا خبر، أنت تخبر بأنه قد سافر، فمجرد مضمون الخبر مسائلة عادية، لكن ما يترتب على الصدق والكذب أبني حساباتي على أنه مسافر أو على أنه غير مسافر إلى آخره، وأيضًا هل كلامك هذا مطابق للواقع وللاعتقاد، أو ليس مطابقًا للواقع والاعتقاد؟
إذًا لا بد من مطابقة الرواية مع الواقع حتى نتأكد من صدقها أو من كذبها.
أيضًا عندنا الاهتمام بأحوال النقلة، وهذا أمر هام في الإسلام لم يوجد وأظنه لن يوجد عند أمة من الأمم، أحوال النقلة الذين نقلوا لنا الأخبار، وخصوصًا أحاديث النبي -ﷺ- الاهتمام الذي بذلته الأمة في معرفة أحوالهم لنتأكد من صدقهم في نقل ما أخبرونا به من أحاديث النبي -ﷺ- هذا جهد أكاد أقول بلا مبالغة فوق طاقة البشر، وإنما هيأ الله الطائفة الجليلة العظيمة من العلماء الذين
[ ٢٨٦ ]
قاموا به؛ لأن الله أراد أن ينصر دينه، وأن يعلي رايته، وأن يصون سنة نبيه -ﷺ- من أي تحريف، أو تغيير، أو تبديل؛ فهيأ هؤلاء العظام ليقوموا بتمحيص الرواية، ومن بينها الاهتمام الشديد بأحوال النقلة.
وهذا الاهتمام إنما هو أمر شرعي، الله تعالى في القرآن الكريم طلب منا أن نتثبت في الرواية وفي قبولها؛ فقال -عز من قائل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحُجُرات: ٦) في قراءة: "فتثبتوا"، فاسق ماذا ننتظر من خبره؟ ربما ترتب على هذا الخبر حرب تقوم، يعني: يصل الأمر بالنسبة للأخبار إلى خطورة شديدة جدًّا كما في هذه الآية وفي سبب نزولها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين﴾ فالآية دلت على أننا نتوقف في قبول خبر الفاسق لفسقه.
وهذا فتح الباب أمام العلماء ليبحثوا عن شروط الراوي الذي تقبل روايته بتفصيلات لا يتسع المقام لذكرها، غير أننا نسجل هنا ما نحن بصدده من أن الاهتمام بأحوال النقلة سَبْق إسلامي لم ولن -لم لنفي الماضي، ولن لنفي المستقبل- لم تسبق الأمة إليه ولن تلحق فيه؛ لأن الباعث أصلًا إليه كان تدينًا، كان الغرض من الجهد الفائق هذا هو صيانة الشرع والحفاظ على السنة؛ لأن السنة أحد مصادر التشريع، أو ثاني مصادر التشريع، ثم إنها تبين القرآن الكريم.
أيضًا العلماء وضعوا قواعدَ مقررة اصطلحوا عليها لدراسة السند والمتن، فهذا جعل تمحيص الروايات خصيصة من خصائص الرواية في الإسلام، يعني: حين نقول هذه الرواية صادقة، أو هذه الرواية كاذبة، أو هذه الرواية مطابقة للواقع، أو مخالفة للواقع؛ فإن ذلك يتم ليس بهوى أنفسنا، وليس بما نتذوقه من الأخبار فنقبل ما يريحنا ونرفض -مثلًا- ما يؤلمنا، أو نقبل ما يوافق هوانا إلى آخره كل
[ ٢٨٧ ]
ذلك لا، إنما هناك قواعد مقررة هي أيضًا مستنبطة من أدلتها الشرعية، يعني: هذه القواعد حين وضعها العلماء استدلوا على كل قاعدة بالأدلة الشرعية، وفي النهاية أصبح لدينا منهج ضم مجموعة من القواعد لدراسة المتن ولدراسة الإسناد، فإذا سلم لنا الإسناد وسلم لنا المتن، نستطيع أن نقول: إن الرواية صحيحة بإذن الله.
أيضًا من خصائص الرواية: أنها تعلم أن مرجع الأحكام الشرعية في الإسلام هي إلى القرآن الكريم وإلى السنة المطهرة، فاشتدت العناية بهما اشتدادًا -كما قلت- لم يسبقوا به ولم يُلحقوا فيه؛ فهي جهد، وأكرر السبب في ذلك أنه نبع من حب للدين وحرص عليه وصيانة له، وهو حرص متصل إلى أن أدوا لنا الأمانة ناقية خالصة بإذن الله رب العالمين.
إذًا معرفة الأمة بأن مرجع الأحكام هي إلى القرآن وإلى السنة، جعل الأمة تشتد في العناية بهما، وفي الإسناد المتصل بهما الموصل إليهما حتى يصل الأمر لنا نقيًّا.
أيضًا الإسناد المتصل من أول الراوي إلى النبي -ﷺ- هذا من خصائص أمة الإسلام، لا يوجد عند أمة غيرنا، بل أنا أقول في كثير من الأحيان بعد أن شرفني الله بالتعمق في دراسة السنة وما يتصل بها في كثير من الأحيان، أتصور أن الهجوم على الصحابة -رضوان الله عليهم- إنما هو نوع من الحسد لهذه الأمة، فلم يوجد عند نبي من الأنبياء جيل اهتم بنقل ما تحمله عن هذا النبي، كما اجتهد الصحابة في ذلك؛ لذلك حسدونا على نعمة الصحابة من بين ما حسدونا عليه، وكان التعبير عن هذا الحدث هو أن يهاجموا الصحابة وأن يشككوا فيهم -بكل أسف- وهيهات أن يصلوا إلى غرضهم، وأمة الإسلام تعرف قدر الصحابة.
لكن على كل حال هذه مسألة استطردت إليها؛ لأبين أن اتصال السند من النبي -ﷺ- من أعلى إلى رواة الحديث الآخرين الذين وضعوها في الكتب، هذا من خصائص هذه الأمة انفردت بها.
[ ٢٨٨ ]
يقول ابن حزم -رحمه الله تعالى-: نَقْل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي -ﷺ- مع الاتصال. ولننتبه لكلام ابن حزم "مع الاتصال" لأننا ممكن نقول: قال -ﷺ- يعني: نحن في زمن النبي -ﷺ- أقف على المنبر أو في أي مناسبة أقول: قال رسول الله -ﷺ- أنا هنا رفعت الحديث إلى النبي -ﷺ- لكن أين إسنادي إليه؟ ولذلك هذا أمر آخر يتعلق بكيفية رواية الحديث الآن، وهذا يدرس أيضًا في مادة المصطلح، أنا فقط أنبه، يعني: نقل الثقة عن الثقة، يعني: الذين يقولون لنا لا بد أن يكونوا ثقات، يصل الأمر إلى النبي -ﷺ- متصلًا من غير انقطاع في السند خص الله به المسلمين دون سائر الملل.
وأما مع الإرسال والإعضال والطرق المشتملة على كذاب أو مجهول الحال، فكثير في نقل اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الملل الأخرى وأهل البدع والأهواء.
هذا نقل بتصرف من كتاب (الفصل في الملل والنحل) لابن حزم، وقول ابن حزم قول مشهور ونقله كثير من العلماء الذين يعرفون أن الرواية بالإسناد المتصل الذي لا خلل فيه ولا انقطاع بأي صورة من صور الانقطاع لا إرسال ولا أداء ولا انقطاع إلى آخره ولا تعليق، كل ذلك لا يوجد إلا عند النبي -ﷺ- وفي تتمة قول ابن حزم تكاد تكون هناك أجيال منقطعة ليس جيلًا واحدًا ما بين كثير من الأنبياء وما بين أتباعهم الذين نقلوا لنا أخبارهم بعد ذلك.
وفي هذا الصدد نتحدى أن يأتي الآخرون بحديث متصل الإسناد في كتاب من كتبهم إلى نبيهم الذي يؤمنون به، بدون استثناء لأهل الملل والأديان جميعًا أن يأتوا بأسانيد متصلة من أول صاحب الكتاب الذي بين أيديهم الآن إلى نبيهم الذي يؤمنون به، وينقلون عنه ما ينقلون، هذا لا يوجد إلا في شريعة الإسلام ولنبينا -ﷺ- ولديننا ولسنة نبينا -ﷺ-.
إذن، هذه بعض خصائص الرواية في الإسلام الاهتمام بتصحيح الأخبار، وتحريم الكذب تدينًا، التأكد من مطابقة الخبر للواقع وللاعتقاد الاثنين معًا،
[ ٢٨٩ ]
يعني: مثلًا الله تعالى في أول آيات سورة "المنافقون": ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون﴾ (المنافقون: ١) هم كاذبون رغم قولهم المطابق للواقع وهو أن النبي -ﷺ- رسول: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ هذا قول حقيقي، ولذلك قال الله تعالى في جملة اعتراضية للاحتراس: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾، ثم عقب فقال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون﴾ لماذا هم كاذبون مع اتفاق خبرهم مع الواقع؟ لأنه مخالف لما يعتقدونه، ومعلوم أن أهل النفاق يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر -والعياذ بالله-.
إذن، الاهتمام بتصحيح الأخبار، تحريم الكذب، بيان مدى مطابقتها للواقع من عدمه، الاهتمام بأحوال النقلة، وضع القواعد المقررة لتمحيص الروايات سواء لدارسة الإسناد أو المتن، أيضًا يعلمون أن مرجع الأحكام الشرعية هي إلى القرآن وإلى السنة المطهرة؛ فلذلك اشتدت العناية جدًّا بهما وبكل الطرق الموصلة إليهما من إسناد وغيره.
وقلنا: إن اتصال السند إلى رسول الله -ﷺ- من غير انقطاع ولا إعضال ولا أي نوع من أنواع الخلل، إنما هو من خصائص هذه الأمة التي تميزت به على غيرها من الأمم.
الأصل في الرواية هو الرواية باللفظ
إن الأصل في الرواية هو الرواية باللفظ:
أرجو أن ننتبه إلى هذه المسألة، يعني: حين ننقل خبرًا من الأخبار فإن الأصل هو أننا ننقلها بلفظها، ضرورة التمسك باللفظ هذه مسألة متفق عليها، وأرجو ألا يخدعنا أحد عن أنفسنا، يعني: حتى الذين أجازوا الرواية بالمعنى -وهي مبحثنا في هذا الدرس- متفقون على أن الأصل هو أن يروي الحديث بلفظه كما هو من غير زيادة ولا نقصان، هذا منهج علمنا إياه الصحابة -رضوان الله عليهم- ووعته الأمة جيدًا وتعاقبت عليه الأجيال في التطبيق العملي.
[ ٢٩٠ ]
سأضرب بعض الأمثلة من حرص الصحابة على تحري اللفظ بدقته كما هو، رغم أن التغيير قد لا يؤدي إلى خلل في المعنى، لكنهم يحرصون على أن الأداء في الأصل هو باللفظ كما سمعه، وأنا أرجو أن ننتبه إلى أهمية هذه المسألة، هي تدحض الفرية من أساسها، وهناك من تجاوز، وقال: لا يوجد حديث مروي بلفظه، هذه مبالغة ممقوتة، وسيثبت بالأدلة بطلانها وزيفها، لكن دعنا الآن نقرر أن الأمة كلها متفقة على أن الأصل في الرواية أولًا هو الأداء باللفظ كلما أمكن ذلك، يعني: لا يسع أي واحد من المؤمنين أن يتمكن من أداء اللفظ المنقول عن النبي -ﷺ- أو الذي سمعه من النبي -ﷺ- إن كان من الصحابة، ثم يترخص في أن يرويه بالمعنى مع تمكنه من أدائه باللفظ، هذه لم يقل بها أحد من علماء الأمة.
أقول: أضرب بعض الأمثلة، عندي حديث ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- وهو في الصحيحين: «بني الإسلام على خمس» هذا مثلًا موجود في (صحيح البخاري) كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، وموجود عند الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه النظام، ونص الشاهد الذي أستشهد به الآن هو ورد في رواية مسلم، ابن عمر -﵁- ينقل عن النبي -ﷺ- قال: «بني الإسلام على خمسة -يعني: على خمسة أركان- على أن وحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج» فقال رجل: "الحج وصيام
[ ٢٩١ ]
رمضان" يعني ابن عمر ينقل الحديث بتقديم الصيام على الحج؛ فقال الرجل يعقب أو كأنه يعيد الحديث حتى يتأكد من حفظه فقال: "الحج وصيام رمضان" فقال له ابن عمر: لا "صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله -ﷺ-.
هنا لا يوجد تغيير في الكلمة مجرد الترتيب، هل ذكر الحج أولًا، أو ذكر الصيام أولًا؟ فرواية ابن عمر: «صيام رمضان والحج» فقال الرجل: "الحج وصيام رمضان" يعني: عكس المسألة قدم الحج على الصيام، هناك تغيير في المعنى ومع ذلك لم يقبل ابن عمر وقال: لا «صيام رمضان والحج» هكذا سمعته من رسول الله -ﷺ- هذا موقف ابن عمر، هل انفرد به ابن عمر من بين الصحابة؟ لا.
مثال آخر: حديث البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنهما-: «إذا أويت إلى فراشك، فقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت» هذا رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب فضل مَن بات على الوضوء، ورواه في أماكن أخرى من صحيحه، محل الشاهد في الجملة الأخيرة: «آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت» البراء يقول: فرددتها على النبي -ﷺ- فلما بلغت: «اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلت: "ورسولك الذي أرسلت" فقال النبي -ﷺ-: «لا، ونبيك الذي أرسلت» يعني: البراء وهو يراجعها مرة ثانية مع النبي -ﷺ- حتى تأكد من حفظها قال: "ورسولك الذي أرسلت" فأبدل لفظ "النبي" وجاء بلفظ "الرسول"، النبي -ﷺ- قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت».
النبي -ﷺ- يعلمهم التمسك باللفظ، وحتى شراح الحديث التفتوا إلى فائدة جليلة جدًّا في: «ونبيك الذي أرسلت» هذه العبارة جمعت له بين النبوة والرسالة: «ونبيك الذي أرسلت» فكلمة: «أرسلت» أفادت الرسالة، «ونبيك» أفادة النبوة، بعكس العبارة الأولى "ورسولك الذي أرسلت"، ربما اقتصرت على الرسالة فقط. هذا مثال آخر، والأستاذ فيه هو النبي -ﷺ- الذي يعلم الصحابة الحرص على أداء اللفظ كما هو.
مثال ثالث: حديث الاستخارة، وهو حديث مشهور: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين» الأول هو من رواية مجموعة من الصحابة.
[ ٢٩٢ ]
رواية جابر: «كان رسول الله -ﷺ- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير فريضة، ثم ليقل » إلخ، يصل إلى جملة -يعني: محل الشاهد-: «اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه».
في حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود جاء بلفظ واحد: «عاقبة أمري»، حديث ابن مسعود عند الطبراني: «في ديني ودنياي» من غير شك، هنا في الرواية لما شك الراوي أي اللفظين قال -ﷺ- أتى بالوجهين معًا، هذا الحديث رواه البخاري في مواطن كثيرة ومن بينها في كتاب الدعوات باب الدعاء عند الاستخارة، انظروا حين شك الراوي في اللفظ الذي سمعه أتى باللفظين معًا، مع أن أحدهم كان يكفي، ومع أنه قد وردت روايات بالجزم في اللفظ المستعمل، إنما قال: يقل: «اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وعاجله فاقدره لي» كل ذلك يدل على ضرورة التمسك باللفظ.
إذن، نحن نقرر هذه القاعدة ونحن مطمئنون، وهذا ليس كلامي وإنما هو كلام أهل العلم، الكل مجمع على ضرورة الأداء باللفظ أولًا كلما أمكن ذلك، ولذلك هم يقولون عن حكم الرواية بالمعنى أنها رخصة -ليست عزيمة- عند الضرورة -عند الاحتياج- انظروا إلى هذه الدقة حين أعطوا لها حكمًا شرعيًّا، قالوا: إنها رخصة، كلمة "رخصة" يعني: ليست هي الأصل، ليست هي العزيمة المطلوبة شرعًا، إنما الأصل هو الأداء باللفظ وإذا تعذر أو تعثر لأي سبب لنسيان، أو لشك، أو لبعد عن المصادر إلى آخره، فيستعمل المعنى، ووضعوا لها شروطًا سنشير إليها بعد قليل.
[ ٢٩٣ ]
هناك أدلة شرعية حثت على ضرورة الحفاظ على اللفظ، من ذلك قول النبي -ﷺ- في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بروايات متعددة عن ابن مسعود وعن زيد بن ثابت وغيرهم -رضي الله عن الجميع- وقال الترمذي عن رواية ابن مسعود: إنها حسنة صحيح، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع: «نضر الله امرأً سمع مقالتي، فأداها كما سمعها» هذا محل الشاهد: «فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع» وفي رواية: «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» إلى آخره.
أيضًا النبي -ﷺ- حين يقول الصحابي: "كان يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعملنا السورة من القرآن" وكذلك من حديث ابن مسعود في التشهد: "يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن"، ومر بنا حديث البراء بن عازب: لا لم يكن النبي -ﷺ- أن يقول: "ورسولك الذي أرسلت" وإنما قال: «آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت» -ﷺ- هذه أدلة على ضرورة الأداء باللفظ كلما أمكن ذلك.
وفي التمسك باللفظ وردت روايات متعددة، الخطيب البغدادي في (الكفاية في علم الرواية) عدة أبواب متوالية تبين أن منهج الأمة هو الحفاظ على اللفظ عند إمكان ذلك، فقد روى الخطيب بسنده إلى أبي جعفر محمد بن علي -رحمه الله تعالى- قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله -ﷺ- إذا سمع من رسول الله -ﷺ- لا يزيد فيه ولا ينقص". يعني: هنا ينقل لنا قاعدة عن الصحابة، هو منهج، لم ينفرد به البعض حتى نقول: إنها أمثلة قليلة مثلًا، أو مواقف شخصية، أو تحوط زائد من بعض الصحابة، لا، إنما كان هذا منهجًا عامًّا عند جميع الصحابة، ما دام يمكن الأداء باللفظ كما هو.
[ ٢٩٤ ]
وعندنا روايات وأنا أحس المستمع الكريم الآن وهو يقرأ في مصادرنا في السنة -يعني: في البخاري، في مسلم، في غيرهما، من كتب السنة- ويجمع الأحاديث التي وردت بروايات متعددة عن جملة من الصحابة، سيجد كثيرًا منها قد اتفق في اللفظ، وحتى لو اختلف سيختلف في حرف أو اثنين، لا يؤثر، يعني: نستطيع أن نجزم معه بأن أيضًا الرواية باللفظ كما هي، حتى يرد على الشبهة من أساسها أن الرواية بالمعنى أفسدت أو كذا أبدًا، يعني: كثير من روايات الحديث المتعددة التي نُقلت لنا عن جملة من الصحابة إنما وردت بروايات متعددة واللفظ فيها واحد.
أيضًا روى الخطيب -رحمه الله تعالى- بسنده إلى محمد بن علي أيضًا -﵁- قال: "كان ابن عمر -﵄- إذا سمع الحديث لم يزد فيه ولم ينقص منه ولم يجاوزه ولم يقصر عنه". وأورد الخطيب في هذا المعنى روايات كثيرة عن عمر وابن مسعود وأبي أمامة وزيد بن أرقم، وأورد قول عمر -﵁-: "من سمع حديثًا فحدث به كما سمع، فقد سلِمَ".
بل إن الخطيب -رحمه الله تعالى- وضع عناوينَ لجملة من الأبواب تؤكد مثل هذا الأمر، مثلًا يقول: باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجبًا، يعني: هذا الواجب، باب ذكر الرواية عمن لم يجز تقديم كلمة على كلمة، باب ذكر الرواية عمن لم يجد زيادة حرف واحد ولا حذفه وإن كان لا يغير المعنى، ساق كمثال لهذا الأمر -زيادة حرف واحد- حديث أنس بن مالك رواه بسنده: «نَهَى رسول الله عن الدباء والمزفت أن ينتبذ فيه» فقيل لسفيان: "أن ينبذَ فيه" يعني: يعصر فيه، نهى عن آنية الدباء والمزفت التي فيها نوع من القاري مزفتة، والدباء آنية تُصنَع من اليقطين، يعني: كانت الفواكه الجامدة، أو كذا، أو آنية يصنعونها يشربون فيها، فالدباء والمزفت نوع من أنواع الأواني فنهى -ﷺ- أن ينتبذ فيه، فالذي
[ ٢٩٥ ]
سمع من سفيان يقول: "أن ينبذ فيه" يعني: يعصر فيه، يعني: بدل "ينتبذ" "ينبذ فيه" فقال سفيان: لا، هكذا قاله لنا الزهري «أن ينتبذ فيه».
وأيضًا من أبواب عند الخطيب باب ذكر الرواية عمن لم يجز إبدال حرف بحرف وإن كانت صورتهما واحدة، وباب الرواية عمن لم يجز تقديم حرف على حرف إلى آخره. بل إن بعضهم من شدة التمسك بالرواية باللفظ كان يروي الرواية بلحنها -بخطئها- وهو يعلم أنها فيها خطأ، لكن لم يجز لنفسه أن يغير هذه الرواية، ينبه على الخطأ لكنه يترك الرواية كما هي، فمثلًا كان يروي "حوث" بدل "حيث"، أو "لغيت" بدل "لغوت"، أو "عوثاء السفر" بدل و"عثاء"، وكتب المصطلح ضربت أمثلة لهذا.
وكل هذه الأمور تبين أن الأمة متفقة على أن الأصل في الرواية إنما هو الرواية باللفظ، لكن الرواية بالمعنى رخصة ينتقل إليها إذا احتجنا لذلك.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٩٦ ]