[ ٢٩٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس عشر
الرواية بالمعنى
تعريف الرواية بالمعنى، وبيان شروط ها وما يُستثني من جوازها
الرواية بالمعنى:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
تعريفها: هي أن يؤدي الراوي الحديث بألفاظ من عنده، كلًّا أو بعضًا، مع المحافظة على المعنى بحيث لا يزيد فيه شيئًا ولا ينقص منه شيئًا، ولا يحرِّف ولا يبدل ولا يغير.
إذا نظرنا إلى هذا التعريف نجده قد احتوى على مجموعة من الأمور جدير بنا أن نعرفها:
١ - أن يؤدي الراوي الحديث بألفاظ من عنده.
٢ - إما بعض الحديث إما كل الحديث.
٣ - مع المحافظة على المعنى. وهذا أمر مهم جدًّا.
٤ - بحيث لا يزيد فيه شيئًا ولا ينقص منه شيئًا، قد لا تحدث الزيادة ولا يحدث النقصان، لكن يحدث تغيير وتبديل، ولذلك يأتي أيضًا "ولا يحرف ولا يبدل ولا يغير".
هذا تعريفها، وقد تضمنت التعريف جملةً من الأمور التي ينبغي على الراوي بالمعنى أن يلاحظها، وسنبحثها في نقاط مستقلة بإذن الله.
أقوله إن هذه المناقشة للرواية بالمعنى كانت قبل عصر التدوين، أما بعد عصر التدوين فقد انتهت الحاجة إليها؛ لأن الرواية قبل التدوين كانت تعتمد على المشافهة بنسبة كبيرة في الأخذ والرد والتلقي والتحمل والأداء بين الرواة من شيوخ وتلاميذ في كل مكان وفي كل زمان، أما بعد تدوين السنة وأصبحت
[ ٢٩٩ ]
السنة الآن معروفة بمصادرها الصحيحة، وعلى درجات متفاوتة في الصحة وفي غيرها، هذا أمر مقرر عند العلماء، لكن السنة الآن مدونة في بطون الكتب بفضل الله -﷿-.
فلا يجوز لأحد أن يروي الآن بالمعنى ما دام يمكن الرجوع إلى المصدر الذي تأخذ منه فلا بد من العودة إليه.
وهذا يجرني إلى أن أسمح لنفسي بأن أقول رأيًا في حكم الرواية بالمعنى الآن، أنا حين ذكرت آراء العلماء في الرواية بالمعنى لم أشأ أن أضع لنفسي رأيًا ولا يجوز، فأنا طالب علم وأنقل عن المشايخ العلم، إنما بالنسبة لهذه النقطة بالذات بدأت الكلام حتى أصل إليها؛ لأن هذا النقاش فعلًا في الرواية بالمعنى كان قبل التدوين، الآن هل يجوز لنا أن نروي بالمعنى؟
أقول: لا، هذه القضية الآن لا ينبغي أن تكون مثارة، إنما هي أثيرت لأن جزءًا من السنة نقل لنا بالمعنى، ولكنها دونت وأصبحت موجودة في بطون الكتب، لماذا لا ينبغي أن تكون مثارة؟ لأن السنة قد دُونت، مثلًا: أنا خطيب أخطب الجمعة، أو أنا أؤلف كتابًا، أو أكتب مقالًا، أو أي شيء يقتضي أن أستدل بأحاديث، ما هي الصعوبة في أن أعود إلى المصادر لأنقل منها الحديث بنصه وفصه ولفظه بدون زيادة أو نقصان؟ كان من الممكن أن نناقش قضية الرواية بالمعنى -كما قلنا- لو كنا في عصر المشافهة قبل عصر التدوين التام، أما الآن فالذي يريد حديثًا يرجع إلى بطون الكتب ويأخذ الحديث.
وما أيسر الحصول الآن على الأحاديث، يعني: التذييلات والاسطوانات والفهارس، يعني: في محاضرات سابقة ودروس سابقة قلنا: إن الحافظ من علماء أمتنا القدامى -﵏- حين كان يقول مثلًا عن حديث رواه البخاري لا بد أن يكون حافظًا للبخاري، رواه
[ ٣٠٠ ]
الإمام أحمد يكون حافظًا لـ (مسند الإمام أحمد) وهكذا، وإلا فكيف يحصل عليه لم تكن هناك اسطوانات للحاسب الآلي كما هي موجودة الآن، لم تكن هناك فهارس للكتب إلى آخره، كان الحافظ يعتمد على ذاكرته.
أما الآن -الحمد لله- يسر الله على أبناء العصر بتيسيرات لا حصر لها، كل المطلوب بعض الهمة اليسيرة في البحث عن الحديث بلفظه؛ حتى لا تقع تحت طائلة الكذب على رسول الله -ﷺ-.
وأنا أرجو أن أنقل هذا الإحساس لإخواني وأبنائي من أهل الدعوة ومن أهل العلم حين نقول: قال رسول الله -ﷺ- هذا دين يجب اتباعه، وما حاجتك الآن إلى الرواية بالمعنى، كما قلت الكتب في مصادرها الآن.
أيضًا هناك شرط اشترطوه وهي: البراعة في النحو، وفي البلاغة، وفي الفصاحة، وهذا يكاد يكون مفقودًا عند كثير من أبناء العصر، فأنا لا أبيح الرواية بالمعنى لقوم لم يتقووا جيدًا ولم يدرسوا اللغة جيدًا بفصاحتها وبلاغتها وتركيباتها ومفرداتها إلى آخره، ولم يدرسوا النحو لكي يضبطوا الكلمات من ناحية الإعراب ضبطًا دقيقًا، فلا أفتح الباب خصوصًا مع سهولة الحصول على الأحاديث بنصها.
كانت هذه استطرادة.
لكن نرجع لنلخص الشروط التي وضعوها للرواية بالمعنى للجمهور الذي أجازها: أن لا تجوز إلا لعالم بالألفاظ ومقاصدها، أن يكون بارعًا في النحو والصرف والأدب والبلاغة، أن يكون قادرًا على أن يؤدي الحديث خاليًا من اللحن ومن الركاكة ومن الضعف، أن يكون خبيرًا بما يحيل المعاني، وأن يكون بصيرًا بمقدار التفاوت بينها، وأن يوضح ما يدل على أنه قد روى الحديث بالمعنى، حتى لا يخدع
[ ٣٠١ ]
السامع، وحتى لا يظن السامع أنه قد أداه بلفظه فيأخذ من ورائه بدون تردد خصوصًا إذا كان الذي ألقى الحديث أحد الشيوخ، أو عالمًا كبيرًا، أو كذا، يعني ربما يخدع في البعض.
أيضًا قلنا: إن هذا الأمر كان قبل عصر التدوين، أما بعد عصر التدوين فقد انتهى الأمر، أو أغلق الباب.
مسألة جديدة الذين أجازوا الرواية بالمعنى استثنوا منها أمورًا وأحوالًا:
أولًا: الأحاديث المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته لا تجوز روايتها بالمعنى؛ لأنها توقيفية، ولا يجوز التغيير فيها ولا التبديل، يعني: مثلًا بعض الكتاب حتى لو لم نشق عن قلب صادق ومخلص ويحب ربه ويحب نبيه -ﷺ- ويحب الدين ويدافع عنه في بعض كتاباتهم مثلًا وهو يتكلم عن إتقان الله الصانع في كونه كله يقول: المهندس الأعظم، المخطط البارع، لا، هذا لا يجوز إطلاق هذا على الله -﷿- فما بالك لو استعملتها في أحاديث بالمعنى وغيرت أو استعملت وأنت تظن أنك على حق لا، هذه أسماء وصفات توقيفية لا يجوز لنا أن نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه في القرآن الكريم أو في أحاديث سيد المرسلين -ﷺ-.
أيضًا من الأحاديث المستثناة من جواز الرواية بالمعنى أحاديث العبادات كأحاديث التشهد مثلًا، وكأحاديث الأذكار، وكأحاديث الآداب، يعني: مثلًا أذكار الصباح، أذكار المساء، آداب الطعام، آداب اللباس، آداب النوم، الأذكار التي تقال عند كل هذه المواقف والمناسبات، التشهد في العبادة، هل يجوز لي أن آتي بتشهد من عندي مثلًا، حتى لو احتوى على أصدق الألفاظ وأقواها في الثناء على الله تعالى وعلى النبي -ﷺ- لا؛ لأنها عبادات قصدت بذاتها وبألفاظها، فلا يجوز لنا أن نغير فيها أو أن نبدل، وإنما نأتي بها على ألفاظها.
أيضًا من الأحاديث التي لم يسمح العلماء بأن تروَى بالمعنى: أحاديث جوامع الكلمة منه -ﷺ- أي: التي وصفت بأنها من جوامع كلمه، وهذه أشار إليها كثير من
[ ٣٠٢ ]
العلماء وضربوا لنا أمثلةً مثل قوله -ﷺ-: «الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد»، «كل شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل»، «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» عبارات تكتب بماء الذهب احتوت على فوائد جميلة ودروس عظيمة، وهي مقصودة بذاتها وبحروفها وبألفاظها، فلا يجوز لنا أن نغير أو أن نبدل، ولنفترض أن أحدنا إذا نسي صيغة من الصيغ التي يتعبد بها فليتوقف عن استعمال النص، لكن لا تجوز له الرواية بالمعنى.
أيضًا الأحاديث المتواترة المشهورة: «مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، «بشِر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» إلى آخره، هذه أيضًا أحاديث فيها تواتر، وفيها جوامع كلم ولا تروَى إلا بألفاظها.
أيضًا كُتُب النبي -ﷺ- التي أرسلها إلى أي جهة إلى الملوك إلى الرؤساء إلى غيرهم يدعوهم إلى الإسلام، لا يجوز لأحد أبدًا أن يروي بالمعنى؛ لأن هذه الألفاظ مقصودة فيه العبادات، يعني: النبي -ﷺ- كتب كتابًا في الصدقات وأرسله اليمن، لو أحدنا غير بعض الألفاظ ربما غير المعنى، ربما غير المقادير، حين بعث النبي -ﷺ- رسائل إلى ملوك الأرض ورؤسائها يدعوهم إلى الإسلام، فلا يجوز لنا أن نغير من هذه الكتب التي أرسلها، حين وقع النبي -ﷺ- معاهدات مع اليهود الذين كانوا يساكنونه في المدينة، يعني: وضع فيها القواعد المنظمة لأمر المجتمع هل يجوز لنا أن نغير أو نبدل؛ لأن هذا التغيير وهذا التبديل قد يؤدي إلى فساد المعنى، أو اختلال الشروط، أو تطبيقها بطريقة خطأ أو فهمها بطريقة خطأ، كل ذلك لا بد من أدائه باللفظ.
أيضًا الأحاديث التي فيها مخاطبة كل قوم بلغتهم، مثل الحديث الذي عند مسلم مثلًا: «ليس امبر امصيام في سفر» هل يجوز لي وأنا أرويه أن أقول: «ليس من البر الصيام في السفر» لا، لماذا؟ لأن من ضمن الدروس المستفادة من الحديث أن
[ ٣٠٣ ]
النبي -ﷺ- استعمل هذه اللغة؛ فهي جائزة وأنها من الفوائد الدعوية أنه يجوز لنا أن نخاطب بعض الناس الذي يجهلون العربية، أو الذين يدخلونها، أو حتى من أرباب العربية لكنهم ليسوا على اللغة الأم لغة قريش، لأوضح لهم المعنى، فالخطاب بهذه اللغة مقصود، فلا يجوز تغييره حتى لو أتينا بالمعنى كاملًا.
إذن، الذين تكلموا على أن الرواية بالمعنى جائزة قالوا: إنها رخصة، وقالوا: إن ذلك كان قبل عصر التدوين، واستثنوا روايات، لا يجوز لنا أن نرويها إلا باللفظ، ولا تجوز روايتها بالمعنى.
الشبهات التي أثيرت حول الرواية بالمعنى
الشبهات التي أثارها البعض حول الرواية بالمعنى:
لقد أثاروا شبهًا كثيرةً رد عليها العلماء، من هذه الشبه قولهم: أن الأحاديث كلها رويت بالمعنى، ولا نكاد نطمئن إلى حديث واحد قد ورد بلفظه كما هو عن النبي -ﷺ-. الحقيقة مشايخنا الكرام جزاهم الله خيرًا ردوا على هذه الفِرية بأدلة كثيرة؛ فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة -﵀- في رده على كتاب (أضواء على السنة النبوية)، والدكتور صبحي الصالح في (علوم الحديث)، وكثير من العلماء، والدكتور مسفر الدميني في كتابه عن (مقاييس النقد عند المحدثين)، والدكتور مصطفى الأعظمي في (منهج النقد عند المحدثين) ردوا على هذه الفرية وعلى غيرها من الفريات التي أثاروها.
وخلاصة أقوالهم مثلًا قضية أن "لا يوجد حديث روي باللفظ" نقول: هذا زعم يرده اتفاق الروايات على ألفاظ أحاديث كثيرة جدًّا، مما يؤكد أن النقلة جميعًا قد نقلوه بلفظه، ورووه بكلماته كما هي، يعني: مجرد بعض الأمثلة نضربها مثلًا: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار»، «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق»،
[ ٣٠٤ ]
«ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما » وإن كان هناك بعض الألفاظ اليسيرة في هذا الحديث: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت».
مستعد أن أذكر عشرات الأحاديث حيثما قلبت روايتها المتعددة، فأنت أمام لفظ واحد قد اجتمع الرواة جميعًا عليه، مما يدحض هذه الفرية من أساسها وهي أن الأحاديث قد رويت كلها بالمعنى بدون اللفظ، وهو يقول هذه الكلمة ليشكك فيها، فأي لفظ أعتمد، وأي كذا، وأي حكم آخذ، يعني: كما يريدون أن يثيروا الشبهات حول السنة من رواء هذا الكلام.
وأنا كما قلت أنتهج الفرصة لأنبه الآن أبنائي السامعين وأطلب منهم حسن المعايشة للسنة واتساع هذه المعايشة، نقرأ في مصادرنا، الحمد لله التي اجتهد العلماء جزاهم الله خيرًا في تركها لنا ستجد لن أقول حديثًا واحدًا ولا عشرات الأحاديث، ولا أبالغ إذا قلت مئات الأحاديث قد اشتركت في اللفظ، وحين اختلفت اختلفت اختلافًا يسيرًا لا يكاد يُذكر، ولا نستطيع مع هذا الخلاف اليسير أن نقول: إن هناك خللًا في الأداء باللفظ، ولذلك نجد علماءَنا قد اصطلحوا على ألفاظ تؤدي هذه الأغراض حين نقارن بين الروايات، هل رواه بمثله؟ هل رواه بمعناه؟ هل رواه بنحوه؟ هل رواه مختصرًا؟ هل رواه جزءًا من حديث؟ كل هذه عبارات اصطلح عليها العلماء ووضعوها للمقارنة بين الروايات؛ ليميزوا بين الراوي الذي أورد الحديث بلفظه، أو الذي لم يورد الحديث بلفظه.
إذن، الأدلة من خلال السنة نفسها ترد على هذه الفرية.
أيضًا كثير من الروايات الطويلة تكاد تكون رويت بألفاظها مع طولها، وخير مثال لهذا حديث بَدْء الوحي الذي روته أمنا عائشة -رضي الله تعالى عنها- وذكرت فيها قصة بدء الوحي حين كان النبي -ﷺ- يخلو بغار حراء، وأول الحديث: «أول ما بدئ
[ ٣٠٥ ]
رسول الله من الوحي الرؤية الصادقة -أو الصالحة- فكان لا يرى رؤيًا إلا جاءت مثل فلق الصبح» إلى آخر الحديث، وهو في الصحيحين وفي غيرهما، ويكاد يجمع الرواة على لفظه.
إذن، الإتيان بالأحاديث بألفاظها لم يقتصر فقط على الأحاديث القصيرة التي يسهل حفظها أو استيعابها، ومنها العشرات بل المئات، وإنما أيضًا وجد اتحاد الألفاظ أو مع تفاوت يسير جدًّا لا يخل برأس القضية من أنها رويت باللفظ ولم ترو بالمعنى في أحاديث طويلة كثيرة جدًّا، والذي يراجع أحاديث الشفاعة وصفة الجنة والنار وما إلى ذلك يجد الأمثلة التطبيقية على هذا كثيرة.
أيضًا مما يثيرونه من شبه: أن الرواية بالمعنى تتعارض مع الحث على الأداء باللفظ، كما في الحديث الذي أشرنا إليه من قول النبي -ﷺ-: «نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فأداها كما سمعها » إلى آخر الحديث، الرد نحن ذكرناه أثناء تعرضنا لهذه المسألة، ونحن نتكلم عن الأمور المتعددة المتعلقة بالرواية، لكننا نشير إليه على كل حال، نقول: لا ننسى ما ذكرناه من أمور هامة تتعلق بهذه القضية مثل أن أهل العلم جميعًا متفقون على أن الأصل في الرواية إنما هو الرواية باللفظ، حتى الذين أجازوا الرواية بالمعنى بشروط مع هذا الرأي، ونستطيع أن نقول: لا يسع عالم أن يتمكن من أداء الحديث بلفظه، ثم ينتقل إلى الرواية بمعناه، لا يقبلون منه ذلك. هذه نقطة ترد على هذه الفرية.
أيضًا مما يرد عليها: أنهم قالوا: إن الرواية بالمعنى رخصة وليست عزيمة، كما في العبادات بشكل عام، الرخص يلجأ إليها عند الضرورة، فمثلًا المسافر يجوز له أن يقصر الظهر والعصر مثلًا، وأن يجمع بينهما، على تعدد في آراء المذاهب في ذلك، فهل يجوز لغير المسافر أن يفعل ذلك؟ لا، مثلًا المسافر يفطر في رمضان إذا أراد، لكن المقيم بدون عذر لا يفطر، وهكذا. إذًا هذه رخصة تستعمل.
[ ٣٠٦ ]
أيضًا قالوا: إن الرواية بالمعنى كانت قبل عصر التدوين، أما بعد عصر التدوين فكأنهم الآن يقولون: إنها غير جائزة في زماننا هذا، إذا فهمنا هذه القضايا، نقول: إن هذا لا يتعارض مع حديث: «نضر الله امرأً»، وأيضًا إن حديث: «نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فأداه كما سمعه» هو حث -يعني: فهم الحديث هو حث- على الرواية باللفظ، لكنه لا يغلق الباب، ليس فيه نهي عن الرواية بالمعنى، وليس فيه ما يدل على أن الذي يروي بالمعنى إنما هو آثم إن لم يفعل ذلك، فالحديث يُفهم على بابه أنه حث على الالتزام باللفظ، لكنه لا يؤثم الرواية بالمعنى، وحثه على الرواية باللفظ -كما قلنا- هذه قضية اتفق عليه أهل العلم حتى مَن قالوا بجواز الرواية بالمعنى.
أيضًا من الشبه التي أثاروها أن الرواية بالمعنى أضرت بالدين -أعوذ بالله- كلام يدل على عدم صلة صاحبه بقضايا الاجتهاد في الأمة المسلمة، الصواب أن نقول: إنها أثرت الدين وكانت سببًا في تعدد الآراء الفقهية، فأعطت الأمة السعة في الأحكام الشرعية، يعني هناك من اعتمد رواية للحديث فأخذ بالحكم المستفاد من الرواية، وهناك من اعتمد رواية أخرى فأخذ بالحكم المستفاد من الرواية، وسنضرب بعض الأمثلة، لكن على كل الخلاصة أن الرواية بالمعنى أضافت إلى الدين ولم تضر بالدين، يضرب المتضرر أو القائل بأن الرواية بالمعنى أضرت الدين يضرب مثالًا بحديث التشهد الذي نقوله في الصلاة، وأنه ورد بألفاظ متعددة؛ منها حديث ابن مسعود، ومنها حديث ابن عباس -﵄- وغير ذلك، ماذا قال العلماء في ذلك؟
في (المغني) مع الشرح ال كبير ينقل عن الإمام أحمد يقول: "تشهد عبد الله أعجب إلي -تشهد عبد الله بن مسعود يعني الصيغة التي رواها عبد الله بن مسعود أعجب إلي- وإن تشهد بغيره جائز" إذًا المسألة لم تؤدِ إلى ضرر بالدين، وعلماء الأمة
[ ٣٠٧ ]
فهموا على أن هذه سعة قد يرجح لفظًا على لفظ لكنه لم يؤثم المخالف، ولم يقل بابتداعه، ولم يقل بخطئه، ليس بالبدعة، ولم يقل شيئًا من هذا.
ونقل ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (الفتح) عن الإمام الشافعي حين أخذ بحديث ابن عباس في التشهد، قال: "لما رأيته واسعًا -يعني: ألفاظه واسعة فيها معاني كثيرة- وسمعته عن ابن عباس -﵄- صحيحًا -يعني: يقصد الشافعي -﵀- أن يقول: هو روى هذا الحديث بأسانيد صحيحة عن ابن عباس فثبت صحته، يعني: لما رأيته رأيته واسعًا وسمعته عن ابن عباس -﵄- صحيحًا- كان عندي أجمع، وأكثر لفظًا من غيره، وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح".
إذن، هذان عالمان جليلان من أصحاب المذاهب المتبعة، ومن أهل القدوة في أهل الإسلام، الإمام الشافعي والإمام أحمد -رحمهما الله تعالى ورحم سائر علمائنا الأماجد الأماثل على مدار التاريخ كله- الإمام أحمد مال إلى تشهد عبد الله، والإمام الشافعي مال إلى تشهد ابن عباس وكلاهما أباح أن لكل مسلم أن يستعمل اللفظ الآخر ما دام قد ورد ذلك صحيحًا، فأي ضرر مثلته الرواية بالمعنى؟
أيضًا يضرب مثالًا آخر بحديث المرأة التي جاءت تهَب نفسها للنبي -ﷺ- والحديث في الصحيحين من رواية سهل بن سعد الساعدي -﵁- يروي لنا: أن امرأة جاءت تهب نفسها للنبي -ﷺ- قالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، والمهم أن النبي -ﷺ- لم يقطع في أمرها بشيء حتى طال الوقت؛ فقام صحابي جليل مؤدب محترم يقول: "يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها" فالنبي -ﷺ- سأله: «ما معك؟» يعني: ماذا ستدفع من صداق، الحديث طويل وبعد مراجعات، قال: «زوجتكها على ما معك من القرآن» يعني: كان صداقها القرآن، والنبي -ﷺ- زوجها للرجل على أن يحفظها ما يحفظ من كتاب الله تعالى.
[ ٣٠٨ ]
ما محل الشاهد في هذا الحديث؟
محل الشاهد أن اللفظ الذي استعمله النبي -ﷺ- قد تعددت فيه الروايات: «أمكنكتها» يعني: من التمكن، «أنكحتكها»، «ملكتكها»، «زوجتك إياها بما معك من القرآن الكريم». هذه الألفاظ المتعددة هم يقولون: مؤكد أن النبي -ﷺ- قد استعمل لفظًا واحدًا خصوصًا أن الواقعة لم تتعدد، يعني: قصة المرأة الواهبة قصة واحدة، فالأغلب أن النبي -ﷺ- قد استعمل لفظًا واحدًا وتعددت ألفاظ الرواة في التعبير عنه، لا بأس هذا ولد ضررًا كما يقولون أبدًا، كل الذي في الأمر أن العلماء ناقشوا ما هو اللفظ الذي يجوز به تزويج المرأة للرجل.
هل إذا قال لها: "ملكتكها" مثلًا يجوز النكاح بلفظ التمليك، أو لا يجوز؟ عند بعض العلماء جاز وعند بعض العلماء لم يجز، أنا قلت: أثرت الدين وسببًا في تعدد الآراء الفقهية التي تحمل سعة للمسلمين، واستعملت عبارة "قل" قلت: سببًا في تعدد الآراء الفقهية ولم أقل: في تعارض الآراء الفقهية، أو فالتعدد ليس دائمًا شيئًا سيئًا، لا بالعكس هو تعدد تنوع وليس تعدد تضاد، فهذا ثراء وهذه سعة من الله -﵎- على عباده.
إذن، المسألة لم تضر بالدين أبدًا، وليأتِ لنا الذين يزعمون ذلك بأي حديث تسببت تعدد الرواية فيه في خلل في المعنى، أو فساد في التطبيق، ولن يستطيعوا أبدًا أن يأتوا بمثال واحد على ذلك، وإنما هي عبارات يفخمونها، ويجازفون من غير أدلة علمية حين يزعم أحدهم أنه لا يوجد حديث واحد روي بلفظه. أنا لا أميل أبدًا إلى استعمال عبارات شديدة، لكن هذا بصر واحد لم يتعامل مع كتب السنة، هذا رأي واحد لم يقرأ البخاري كاملًا، أو لم يقرأ مسلمًا، أو لم يرَ الحديث الوارد عن جملة من الصحابة وقد اتفقوا على اللفظ إلى آخره.
إذن، لم تضر بالدين في شيء.
[ ٣٠٩ ]
أيضًا النبي -ﷺ- هو نفسه الذي كان في كثير من الأحيان يجيب على السؤال الواحد بإجابات متعددة، فلم لم يكن في الأمر روايات بالمعنى، إنما كان الأمر متعلقًا بالنبي -ﷺ- هو يوسع لهم في أمور الدين، وأيضًا قد يكون ذلك لمراعاة الأشخاص، أو الأزمنة، أو الأمكنة، أو ما نحو ذلك، نضرب أمثلة أو مجرد مثال: النبي -ﷺ- سئل عن أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله» مرة ثانية مثلًا: «أن تطعم الطعام، وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» إلى آخره: أي الإسلام خير؟ أي الإسلام أفضل؟ هو هنا الذي عدد الإجابات، والعلماء حين نظروا في هذه المسألة استنتجوا استنتاجات متعددة كلها محتملة ورائعة وعظيمة، قالوا: هذا من باب التيسير على الأمة، قالوا: هذا أيضًا من باب مسايرة الوحي، بمعنى أن الوحي كلما أخبره بشيء أخبر به.
التيسير على الأمة أيضًا له أشكال متعددة، يعني: لا يخبرها بالأمور الواحدة أو المتعددة في حديث واحد وفي سياق واحد حتى يسهل عليها أن تستوعبه، لو ذكر لهم مثلًا كل صفات الفضل في الإيمان قد تطول، لو ذكر لهم الكبائر في سياق واحد قد تطول، لو ذكر لهم مثلًا مكارم الأخلاق في سياق واحد قد تطول، فإذًا هذا من باب مسايرة الوحي، ومن باب التخفيف على الأمة، ومن باب مراعاة الأزمنة والأشخاص والأحوال، بمعنى: مثلًا لو كنا في بيئة بخيلة مثلًا، أو مع شخص بخيل، أو في زمن فيه مجاعة، يعني: أقصد أن تكون مراعاة الأشخاص، أو الأزمنة، أو الأمكنة مثلًا أفضل الأعمال إطعام الطعام، الرجل البخيل نحثه على ذلك، البيئة المحتاجة نشيع هذا الأمر فيها، أيضًا لو كان مسافرًا وانقطع زاده أيضًا إطعام الطعام في حقه وهكذا.
بيئة نزل العدو بأرضها أفضل الأعمال بالنسبة لها الجهاد، قوم يقصرون في الصلاة فأفضل الأعمال لهم الصلاة لوقتها، أو يؤخرونها عن وقتها وهكذا، مع
[ ٣١٠ ]
اشتراك الجميع في نهاية الأمر أن كل هذه الأعمال تشترك في كونها من أفضل الأعمال عند الله -﵎-.
إذًا الأمر حتى كان من النبي -ﷺ- هو الذي يعدد الروايات وليس النقلة لحكم شرعية كثيرة، وإذا كان بعض النحاة لم يستدل به في النحو تحت دعوى أن الحديث قد روي بالمعنى وليس بالضرورة هو لفظ النبي -ﷺ- فإن العلماء قد ردوا عليه؛ الدكتور صبحي الصالح -﵀- يرى أن النحاة واللغويين الذين وقفوا هذا الموقف أخطئوا خطأً جسيمًا على حد تعبيره؛ لأن الذين أولًا رووا بالمعنى هم الفصحاء البلغاء من الصحابة ومن بعدهم، وثانيًا النحاة استشهدوا بأشعار لم تصب في صدق نسبتها، وفي تحري ألفاظها كما فعل بالأحاديث النبوية، يعني: ينسبونها إلى أي شعر ونحن لسنا متأكدين من هذه النسبة، وأحيانًا قصائد تروى بألفاظ متعددة ولم نتأكد، يعني: لم يبذل فيها ما بذل في الأحاديث النبوية من التأكد من صحة السند ومن صحة المتن، ومع ذلك استدلوا بها، وعند الأحاديث وقف بعض -النحاة كلهم لم يقفوا هذا، وقف البعض- منهم هذا الموقف مما جعل بعض الناس يقول: إن الرواية بالمعنى أضرت وجعلت الحديث لا يستدل به، فالعيب ليس عيب الحديث وإنما عيب النحاة، وكما قلت الذي يستعمله الحديث يصبح أصلًا لغويًّا يجب على الأمة كلها أن تعمل به في لغتها وفي كل أمورها.
هذه بعض أهم الشبهات المثارة حول الرواية بالمعنى أنها أضرت بالدين، أنها تتعارض مع حديث: «نضَّر الله امرأً»، أن بعض العلماء أخذ موقف من الاستدلال بالنحو، أن الأحاديث كلها رويت بالمعنى، كل ذلك رددنا عليه بإيجاز.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٣١١ ]